الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل السابع
كارولاين سبيرجن
والدراسة المتخصصة في النقد
لم تكن العلاقات بين الدراسة المتخصصة والنقد في الأدب طيبة كثيراً في أيامنا، ذلك لأن الدارس المتخصص ليس في نظر الناقد إلا امرءاً جامعياً أخنى عليه الدهر، وقصارى همه من الشعر العظيم، أن يعد ما فيه من شولات وفواصل، كما أن الناقد في نظر الدارس ليس إلا امرءاً طائشاً، يجمع في أحكامه الجارفة عن الأدب بين عناصر متساوية من الجهالة والسلاطة. ومن سوء حظ العلاقات بين هذين الميدانين، أن تكون هاتان التهمتان صحيحتين في أساسهما، فإن الجامعات مكتظة حقاً بمن أخنى عليهم الدهر، والمجلات حافلة بالطائشين، وأكثر دارسينا المتخصصين يفتقرون كثيراً إلى الخيال، وأكثر نقادنا يفتقرون كثيراً إلى المعرفة؛ وقليل هم النقاد المعاصرون الذين حرصوا على الجمع، مثل عزرا بوند، بين التطبيق في مجالهم السليط، وبين الدراسة التخصصية اصلية، وقليل هم الدارسون المتخصصون الذين حرصوا على أن يسهموا في النقد بقسط من الخيال الأصيل. ومن البارزين بين أفراد الفريق الثاني كارولاين ف. إ. سبيرجن التي انتهى بموتها سنة 1942، عن أربعة وسبعين عاماً، عهد حافل متميز من دراسة شكسبير وشوسر، امتد على مدى نصف قرن من الزمان. أما الكتاب الذي عرفت به فهو " الصور عند شكسبير
وما الذي تنبئنا به " Shakespeare " s Imagery and What It Tells Us وقد نشر في آخر المرحلة من جهادها؟ تقريباً؟ سنة 1935، ولكنه يمثل بمعنى من المعاني، الذروة التي بلغتها في التأليف.
وأول كتبها هو " التصوف في الأدب الإنجليزي " Mysticism in English Literature وقد نشر عام 1913 عندما كانت أستاذة الأدب الإنجليزي بجامعة لندن. غير أنه لا يتمتع بعمق الدراسة ولا برجاحة النقد، وإنما هو في الحقيقة رسالة تجنح نحو التصوف وقد انتحلت طبيعة البحث عن الفكر الصوفي في الشعر والنثر الإنجليزيين، ولهذا التحيز الأساسي في الكتاب، أبدت الآنسة سبيرجن استخفافاً لبقاً بالمقاييس الجمالية حتى لقد استطاعت أن تقول:" لقد تعود الجنس الإنجليزي أن يلبس أعمق أفكاره وأسمى مطامحه ثوباً شعرياً، فنحن ليس لدينا أفلاطون أو كانت أو ديكارت، ولكن لدينا شكسبير ووردزورث وبراونغ ". بل يبدو أنها تؤمن إيماناً حرفياً بأن " نشيد الإنشاد "، قد كتب في صور غزلية شهوانية، رمزاً للشوق بين الله والنفس. وليس لديها الوسائل التي تميز بها التجربة الصوفية من الهستيريا العادية كما أن حديثها عن تجربة السيدة جوليان، المتصوفة المشهورة في القرن الرابع عشر، التي أصبحت ترى الرؤى بعد أسبوع من المرض أعقبه ست ساعات من الارتعاشات التشنجية، - إن حديثها ذاك ليدل على أنها تتقبل كل هذه المظاهر وتعدها طريقاً معقلاً للاقتراب من الله، كأي طريق آخر. ونحاول في نهاية كتابها أن تنتحل شهادة تسند بها التصوف فتقول:" إن آخر ما توصل إليه العلم والفلسفة لينزع إلى أن يقوي موقف الصوفي بل وأن يفسره "، أما آخر كلمة لها في الكتاب فإنها مستمدة من برغسون. وفي الكتاب أشياء قيمة وبخاصة ذلك الجزء من الهيكل التأريخي المتلاحم للفكر الصوفي، منذ أفلاطون حتى اليوم، ولكن معظم الكتاب عمل لا
يثير إلا رغبة عقلية قليلة، وقيمته في الأكثر تخص الغيبيين من الأدباء.
أما كتابها التالي وهو " خمسمائة سنة من النقد لشوسر، ومن الإحالة إليه " Five Hundred Years of Chauser Criticism and Allusion فقد نشرته جمعية شوسر بين سنتي 1908؟ 1924 في ستة أجزاء، وكله دراسة تخصصية لحماً ودماً، ولا يهمنا في هذا المقام. وفيه لخصت وقيدت كل إشارة إلى شوسر، منذ 1357 حتى 1900 وربما ظل كتابها التصنيف النهائي للمادة المتعلقة بشوسر، ولا يحتاج إلا ملاحق دورية لما يجد من مادة.
وأما كتابها " شكسبير في يدي كيتس " Keats " Shakespeare الذي نشر سنة 1928 فإنه خطط؟ فيما يظهر؟ ليكون دراسة تخصصية خالصة مثل كتابها عن شوسر. ولكن هذا الكتاب في الحقيقة يزيد على الدراسة التخصصية قدراً محسوساً. وقصة الكتاب أن الآنسة سبيرجن علمت أن لدى المستر جوزف آرمور في برنستون، نسخة سفرن Severn من شكسبير، وهي النسخة التي كان كيتس يقرأها في رومة، وترك على هوامشها بعض التأشيرات والتعليقات. فلما أذن لها في معاينتها، استكشفت أنها هي نسخة كيتس نفسه من مسرحيات شكسبير، وأنه قرأها، وأعاد قراءتها، طوال آخر ثلاث سنوات ونصف من حياته، وأن عليها قدراً شاملاً من العلامات والملاحظ والحواشي وأن الدارسين المتخصصين يجهلون وجودها إطلاقاً. وأضافت إلى هذه المجلدات مجلدين من شكسبير، كان كيتس قد علق عليهما، وهما من محتويات مجموعة ديلك Dilke في هامستد (هذان هما الطبعة الثانية من فولير 1623 ونسخة من القصائد) فاجتمع لديها سبع مجلدات كونت سجلاً بالغ القيمة يصور الاستجابة الدقيقة من كيتس نحو الشاعر الأعظم الذي أثر فيه كثيراً. وجعلت العنوان الفرعي للكتاب، " دراسة وصفية مبنية على مادة جديدة "، وحللت فيه هذا الكشف العظيم، وهو كتاب جميل الشكل، موضح بكثير من الصفحات المصورة
عن النسخ الأصلية، ويتضمن أخيراً ملاحظ كيتس وشروحاً لها.
وقد رتبت الآنسة سبيرجن كتابها في ثلاثة أقسام: القسم الأول عن ملاحظ كيتس ومضموناتها، والثاني عبارات من " العاصفة " و " حلم منتصف ليلة صيف " مع عبارات توازيها من " إنديميون " Endymion لتوضح شبهاً في العبارة أو في الفكرة. والثالث طبع لكل التعليقات والإشارات في المسرحيات الخمس التي نالت أوفر نصيب من " تأشيرات " كيتس وهي " العاصفة " و " حلم منتصف ليلة صيف " و " واحدة بواحدة " و " أنطوني وكليوباترة " و " ترويلوس وكريسيدا ". فخمسة أسباع الكتاب مخصصة لطبع المسرحيات والتعليقات والباقي وقدره حوالي خمسين صفحة، لتعليقات الآنسة سيبرجن، غير أنها في هذا المجال الضيق قد أثارت عدداً من النقاط التي تتمتع بشموا الإدراك. ومن أوائل الأمور التي حققتها، فكرة بسيطة إلى حد أن لا تخطر لكثير من الدارسين أبداً، وهي: أن تحسب أي المسرحيات أكثر كيتس من قراءتها، لا من كثرة غشارته فحسب بل من آثار التلويث وبلى الورق؛ فوجدت " العاصفة " أحبها إليه، لأنها قرئت وأعيدت قراءتها كثيراً، ووجدت " ترويلوس وكريسيدا " أقلها حظاً، لأنها قرئت وعلق عليها في الطبعة الثانية من الفوليو ثم لم تقرأ؟ فيما يظهر؟ في مجموعة برنستون أبداً.
ولما كانت مادتها تعلق بتحويل ما يقرأه الشاعر في صورة ما يكتبه، فإنها؟ دون خيار؟ انتحلت طريقة جون لفنغستون لويس التي استعملها بتوفيق عظيم في دراسته للمشكلة نفسها عند كولردج، في كتابه " الطريق إلى شندو "(1) The Road to xanadu. وبعد أن وصفت الآنسة سبيرجن دراس لويس بأنها " دراسة خلابة " في كتابه العظيم "، مضت
(1) هذا هو اللفظ الأصلي للكلمة وقد آثر على " زندو " وهو اللفظ الإنجليزي لها.
تستغل طريقته، بصراحة، حتى لقد استعملت نظرياته في التداعي الخيالي. مثال ذلك أنها لحظت صورة عند شكسبير أشر عليها كيتس ثم لم يستعملها، فقد رت أنها حلقة الربط في فكره بين عبارتين: إحداهما من شكسبير والأخرى من دريتون، وأن ذكراهما تسربت معاً في عبارة واحدة.
وأكبر قصور في كتابها " شكسبير في يدي كيتس " هو روحها المحافظة في الدراسة، فهي؟ مثلاً؟ تأبى أن تدخل في مشكلات حياة كيتس والتعرف إليه من خلال شكسبير، ومن ثم لا تقف، إلا قليلاً، أو لا تقف أبداً، عند انفعال كيتس الواضح في تعليقاته حين كان يقرأ ما كتبه الدكتور جونسون وستيفنسون من نقد على شكسبير. فقد ضرب فوقها بالعلامات والتعريجات، وكتب مثل هذه التعليقات " تبصروا! عاد إلى حمقه " أو " أتظل وغداً شتاماً عياباً "(أخطأ كيتس في كتابة الكلمة الأخيرة فعلقت الآنسة سبيرجن على ذلك الخطأ يشير إلى جزعه الساخر، واحتقاره لنقد الدكتور جونسون للمسرحيات؟ وهو نقد حاسم تحقيقي -) غير أنها تعجز عن أن تلحظ أن كثيراً من علامات كيتس على " العاصفة " قد تركز على بروسبرو، وأنه صورة لشكسبير، أي هو كاتب مسرحي ساحر، وهي نظرية من نظريات عصرنا، لكنها غير مستبعدة على كيتس، إذا نحن اعتبرنا كيف كان يعتقد أن هاملت تعبير عن شكسبير نفسه. ولم تتخذ في كتابها هيكلاً نقدياً لتميز به بيتاً من شكسبير يصفه كيتس بأنه نوع عظيم من الشعر وآخر " علم " عليه لأسباب ذاتية أو تافهة أو حتى لأسباب سديدة محكمة (والحق أنه أشر على عدد من الأمثال والحكم القديمة) فطريقتها لا تفرق بين هذين النوعين من العلامات، فكلها علامات وحسب. وأخيراً فإن كثيراً من الأشياء التي وجدتها في " إنديميون " تذكر بشكسبير أو تشابه ما عنده، إنما هي؟ بأوجز قول
مثار للشك إلى حد كبير.
ويتضح أكبر نقص في كتابها إذا نحن قارناه بكتاب لمدلتون مري عنوانه " كيتس وشكسبير؟ دراسة لحياة كيتس الشعرية من 1816؟ 1820 "، وقد نشر عام 1925 قبل أن تستكشف الآنسة سبيرجن كتب شكسبير التي كانت لدى كيتس. وهي تعترف بفضله " الكبير " عليها، لما عنده من " سرد ممتع مقنع " ولكنها لا تستفيد إلا قليلاً، بل لا تستفيد أبداً، من استطلاعاته الهامة التي هدته إلى أن كيتس لم يكن واقعاً تحت تأثير عبقرية شكسبير عاطفياً فحسب، ولم يكن أوثق صلة روحيةً به من أي شاعر آخر واقعٍ بينهما، فحسب أيضاً، بل إنه كان يدرس شكسبير دراسة واعية بالعين اللماحة لكاتب مسرحي يرجى له مستقبل كبير، وأن كل قصائده بعد انديميون ليست في الحقيقة إلا إعدادات واضحة للمسرحيات التي يعش ليكتبها. غير أن كتاب مري، من الناحية الأخرى، غائم بالتصوف والتدين المتافيزيقي (" معرفة الأثر الأدبي معناها أن نتعرف إلى نفس الإنسان الذي خلقه ") وبالفهم خلال " معرفة النفس " وهو شيء يفوق الفهم الذي نبلغه عن طريق " العقل المنطقي ". ويبلغ كتابه ذروته في هذه الفكرة الغريبة وهي: بما أن الشعر الخالص وحي من الله، وبما أن كيتس وجد وحيه خلال شكسبير، إذن فإن شكسبير؟ حرفياً؟ هو تجسد الله على الأرض. ومع ذلك فلو أن كتب شكسبير التي كان يمتلكها كيتس، كانت ميسورة عند مري حين ألف كتابه، لأفاد منها؟ فيما يحتمل؟ أكثر مما أفادت منها الآنسة سبيرجن، لأن اندفاعه نفسه كان يهديه أحياناً إلى حقائق متأبدة. ولو تجسدت المقدرتان بخير ما فيهما في شخص واحد لكان منهما ناقد له خيال مري دون شطحاته المغربة، ولديه دراسة الآنسة سبيرجن، دون جبنها، ولم يوجد بعد مثل هذا الناقد الكامل الذي يحط بهذه المشكلة النقدية الخلابة، مشكلة العلاقة
بين كيتس وشكسبير.
أما عملها الأخير أي دراسة الصور عند شكسبير فيمثل الانطلاق من إسار الدراسة المتخصصة، والاندفاع وراء حدودها الضيقة، مع أنه أعماقه لم يبلغ مرحلة النقد بلوغاً تاماً. وليس كتاب " الصور عند شكسبير " إلا جزءاً صغيراً من هذا العمل، ذلك أنها منذ 1927؟ على الأقل؟ انهمكت في التصنيف والدراسة لسبعة آلاف صورة في مسرحيات شكسبير (وتعني بالصور الاستعارات والتشبيهات لا الصور البسيطة المرئية) مع صور أخرى من عدد كبير من المسرحيات التي كتبها معاصروه. وفي سنة 1930 كشفت للناس بعض عملها في محاضرة ألقتها أمام جمعية شكسبير عن " الدوافع الموجهة في التصوير في مآسي شكسبير " وفي سنة 1931 ألقت المحاضرة السنوية عن شكسبير أمام الأكاديمية البريطانية، وموضوعها " الصور المكرورة عند شكسبير "، وكلتا المحاضرتين، ظهرتا بعد شيء من المراجعة، فصلين من فصول الكتاب. وكانت خطتها أن تنشر ثلاثة كتب مبنية على دراستها للصور الأول:" الصور عند شكسبير " ويتعلق بشخصية شكسبير والصور التي تتصل بمادة المسرحيات. والثاني: يعالج مسائل التأليف، بمحاكمتها على ضوء الشهادات الجديدة التي جمعتها، والثالث يبحث في المجالات التي تأثر بها فكر شكسبير والمصادر التجريبية لصوره. وكانت ترجو أن تتمكن في النهاية من نشر جداولها لكي يفحصها أو يزيد فيها دارسون آخرون، غير أن وفاتها حالت دون صدور هذه الكتب، إلا الأول منها. وأي حكم على نواحي القصور في فكرها ومنهجها، بالنظر إلى هذا المجلد الوحيد الذي عاشت لتتمه، إنما هو بالضرورة حكم عابر إن لم يكن جوراً صراحاً.
2
- ومع ذلك فمن الضروري أن تمعن النظر في ما حققه وما قصر دونه
كتابها " الصور عند شكسبير وما الذي تنبئنا به "، فإنه في الحقيقة ينبئنا عن عدد من الأشياء القيمة، أولها ما يتعلق بطريقته؛ فقد أدعت الآنسة سبيرجن، ولعلها محقة فيما ادعته، أن دراسة الأديب بتصنيف صوره وتحليلها، بعد تمييزها من إشاراته الحرفية، طريقة جديدة ابتكرتها، " ولم يجربها أحد من قبل ". وبينت أن لدى أي قارئ معرفةً ببعض الصور الرمزية التي تتردد عند شكسبير، ولكن لا يكشف عن مدى النماذج الصورية، إلا تقسيمات مفصلة وحصر دقيق. " كل ناقد درس شكسبير من قبل قد أثار ملاحظ عارضة عن الصور عنده، فلحظ دريدن كثرة الصورة المنتزعة من الطبيعة، ولحظ هازلت أن " روميو وجولييت " ترتكز؟ فيما يبدو؟ على صور الجمال الربيعي، وقد صنع برادلي جداول للصور المتصلة بالموضوعات (1) في عدة من الروايات، وتحدث جورج رايلاندز وولسون نايت عن عدد من الصور المترابطة، ودرس ادمند ابلندن الصور في مسرحية الملك لير. بل إن بعض صور شكسبير المترابطة المتداعية مثير إلى حد أن لحظه المحققون القدامى. واشهر " عنقود " من الصور الخاصة بشكسبير أعني صورة " الكلب المتبصبص والقند المذاب " قد استكشفه ولتر وايتر منذ سنة 1794 في مقاله: " مثال في " تداعي الأفكار " الذي وصفه في " مقال في الفهم الإنساني "، بقوله:
ثمة أفكار، لا قرابة بينها في ذاتها، تصبح متحدة في عقول بعض الناس، إلى حد أن يصبح فصلها عسيراً جداً؛ فتظل دائماً مترافقة وما تكاد إحداها تظهر في أي وقت حتى
(1) Thematic Images ومعناها الصور التي تدور في مسرحيات كثيرة وترمز إلى موضوع واحد، كتشبيه الملك بالشمس مثلاً، فدوران هذه الصورة في غير مسرحية واحدة قد يدلنا على فكرة شكسبير عن الملكية نفسه، وهكذا.
تبرز رفيقتها إلى جانبها، وإذا كانت الأفكار المترابطة أكثر من اثنتين وجدت كل العصابة متحدةً تظهر جميعها معاً.
ويميز لوك هذه الأفكار التي تبدو غير مترابطة مما يسميه " قافلة " الأفكار المترابطة طبيعةً، ويتناول وايتر هذه المبادئ في كتابه ويطبقها على شيكسبير، فيقول:
لذلك أحد قوة هذا التداعي وتسلطها على عبقرية الشاعر بأنها القوة التي تزوده بالكلمات والأفكار، التي أوحى بها للعقل. مبدأ وحدة لم يلحظه الشاعر نفسه، وهو مبدأ مستقل عن الموضوع الذي تتعلق به تلك الكلمات والأفكار.
وفيما بعد يشير وايتر إلى " المركبات الدقيقة بل المضحكة التي تقع على عقل الشاعر وهي قادرة على أن تخدع وتتحكم في أحد أنواع الفهم وأقواها ". ويلحظ التداعي القديم بين " الحب " و " الكتب " وأمثلة أخرى. ولكن أكبر نجاح حققه هو تعليقه على الأسطر الآتية من رواية " أنطوني وكليوباترة " الفصل الرابع المنظر الثاني عشر (كما أصلحها هانمر سنة 1744)
إن القلوب التي كانت تبصبص خلف عقبي
ماعت كالقند، وغلفت بحلواها
قيصر الناشئ.
ففي ملاحظه إرهاص مدهش بطريقة الآنسة سبيرجن (وطريقة لويس أيضاً) حتى إنها لتستحق الاقتباس، إذ يقول:
" هذه العبارة وما يتلوها من اقتباسات تستحق من القارئ اهتماماً.
" لا دع اللسان المغلف بالقند " يلعق " العظمة الجوفاء
وتنحي مفاصل الركبة المثقلة
حيث يكون التبصبص علة في الثراء "
(هاملت 3؟ 2: 55)
" أتحسب هذه الأشجار النخرة
التي طال عليها الأبد فجاوزت عمر لبد
تصبح الأسيف التبيع خلف عقبك أو تثب لإيماءتك
قائلة لبيك
وهذا الجدول الشبم،
" المغلف " بالثلج، أيكون دواء ناجعاً في الصباح
يشفيك من خمار الأمس "
(تيمون الأثيني 4؟ 3: 223)
" حقاً، أي قدر من الحفاوة " القندية " (المعسولة)
أسبغه علي ذلك " الكلب "" المتبصبص ".
(القسم الأول من هنري الرابع 1؟ 3: 251)
فكل هذه عبارات فريدة يلحظ فيها القارئ المستطلع أن " الخضوع المتبصبص " المتملق عند حيوان أو تابع، يتصل دائماً بكلمة " قند " وأنا عاجز عن استكشاف السر في هذا الترابط الغريب. على أن القارئ إن حسب أن هذه الأمور ارتبطت في العبارات الأربع بمحض المصادفة فإنه لا يعرف إلا شيئاً قليلاً عن العقل الإنساني، وعقل شكسبير، بل عن مبدأ المصادفات العادي. فإذا وجد القارئ في نفسه اقتناعاً بحقيقة هذه الملاحظة، فإن حب الاستطلاع لديه ليجد الرضى بهذه الأسطر المقتبسة
من مسرحية " العاصفة "، وسيلحق فيها أن ذلك التداعي ما يزال يشغل عقل الشاعر، وإن لم يكن فيه إلا كلمة واحدة ترتبط بجزء من المجاز السابق:
سباستيان: ولكن ماذا عن ضميرك؟
أنطونيو: نعم يا سيدي أين يكمن ذاك؟ إنه لو كان ثؤلولاً في عقبي لاضطرني إلى أن ألبس تاسومة. غير أني لا أحس بهذا الرب قابعاً في صدري، حتى ولو كان عشرين ضميراً تقف بيني وبين ميلانو " مغلفة بالقند "، تذوب قبل أن تمسها يد.
(العاصفة: 2؟ 1؟ 275)
ولا ريب في أن القارئ لن يشك في أن إيراد كلمة " ثؤلول " يرد إلى التعبيرين السابقين " التبيع خلف عقبيك " و " يبصيص خلف عقبي " مع أنها قد استعملت في مجاز مغاير. ولأضف إلى ما تقدم أن غرابة الصورة ربما ترمز إلى بعد الأصل الذي انحدرت منه. " (1)
ولم تصرح الآنسة سبيرجن بفضل وايتر، ولا ذكرت أحداً من الذين ساروا على هداه، وإنما اكتفت بأن تقول إن هذا التداعي أمر " لحظه آخرون ". ولم تستطع أن تزيد أي تحسينات في هذه الإرهاصات التي سبق إليها وايتر، سوى أنه استخرجت أمثلة أخرى من مسرحية " يوليوس قيصر " كان قد استخرجها آخرون، وإلا أنها قدمت تفسيراً لهذا التداعي (وهو أيضاً غير أصيل) عجز عن أن يوضح شيئاً، إذ قالت:" إن شكسبير " الذي كان شاذاً في تنوقه وعيفانه "، كان يمقت عادة الناس في عصر اليزابث، في إلقاء الحلوى للكلاب وهم يأكلون، ثم ربط ذلك بشيء آخر كان يتقزز منه، وهو تبصبص الأصدقاء غير المخلصين بأذنابهم "
(1) نهاية الاقتباس من وايتر.
وعلى الرغم من سطحية هذا التفسير الذي يبدو أنه قد يتخذ حجة ضدها لا لها، فإنها مدينة أكبر الدين في كتابها؟ وهو دين تكاد تكون غير واعية به، ولو أنها أدركته فربما كان صدمة لها؟ إلى نظريات سيجموند فرويد، إذ تصف فرضها الأساسي عن الكشف الذاتي في الأدب بقولها:
وفي حال الشاعر أرى أنه من خلال صوره، على الأكثر، يبوح بمكنونات نفسه، وهذا العمل يحدث لا شعورياً إلى حد ما. فقد يكون على محض الموضوعية في تصوير أشخاص مسرحياته ونظراتهم وآرائهم؟ وقد كان شكسبير كذلك فعلاً؟ ولكن الشاعر، كالرجل الذي تثقله العاطفة فيتجلد لها حتى إن أي عملائها لا تظهر في عين أو قسمات ثم إذا بها تنكشف في توتر عضلي؟ فالشاعر يعري، دون أن يفطن إلى ما يفعل، دخائله من حب وبغض، ونزعات فكره ومعتقده، في الصور ومن خلالها، وهي الصور الكلامية التي يرسمها ليوضح أشياء مختلفة، ترد في كلام شخصياته وأفكارها.
فالصور التي يستعملها بوحي الغزيرة، هي على هذا نوع من الكشف، لا شعوري في الأغلب، صادر في لحظة من المد الشعوري عما يعتلج في فكره، وما يجري في مسارب أفكاره، وعن صفات الأشياء والمحسوسات والأحداث التي لم يلحظها أو يتذكرها وربما كان هذا أبينها جميعاً وأهمها.
ومع أن الآنسة سبيرجن، فيما يبدو تألف التعبير " دون أن يفطن " بدلاً من " دون أن يعي "(1) ، وتستعمله الاستعمال الشائع، إلا أن رأيها هذا صدر بعد رأي فرويد. وفي رأيها؟ ضمناً؟ نظرية كالتي قال بها فرويد عن وجود مجالات عقلية تحت المستوى الواعي الذي تخزن فيه هذه المادة أي مثابة للكبت أو الرقابة، تحاول أن تحتفظ به حيث هو، وطاقة دينامية تريد أن تطلقه مقنعاً مشوهاً، ليتدمس في الآثار الفنية والأحلام وما أشبه. غير إن إحدى نواحي القصور حقاً عند الآنسة سيبرجن، هي أنها لم تكن فرويدية عن وعي، إلى حد كافٍ، ولذلك عجزت عن أن تتعرف إلى الصراعه بين الكبت والانطلاق الكامن في أساس الصور التي درستها، ولو كانت كذلك لتقدمت دراستها خطوات. ولعل كتابها الثالث كان كفيلاً بذلك وإن يكن أقرب إلى الاحتمال أن هذه المشكلة؟ إلى الحد الذي أدركته عنده؟ هي إحدى المشكلات التي تركتها " للآخرين " الذين سيفيدون من كتابها ويضيفون إليه.
ويحقق كتابها عدة أشياء جيدة ذات قيمة. أحدهما أنه يوضح، وفي شكل متطور أيضاً، عدداص من الروابط العميقة. وقد قامت بهذا التوضيح في سلسلة من سبع لوحات قيمة على ورق الرسم البياني في آخر الكتاب، أظهرت فيها، على التوالي:
الصور في خمس من مسرحيات شكسبير من حيث مجالها وموضوعها.
صور مارلو من حيث مجالها وموضوعها.
صور بيكون من حيث مجالها وموضوعها.
صور " الحياة اليومية " عند شكسبير وخمسة مسرحيين معاصرين له.
جميع صور شكسبير من حيث مجالها وموضوعها.
(1)" دون أن يفطن " تعبير عادي أما " دون أن يعي فإنه يحمل شكل المصطلح النفسي لاتصاله بفكرة الوعي واللاوعي.
الصور الغالبة في مسرحيتي " الملك جون " و " هنري الثامن ".
الصور الغالبة في " هاملت " و " ترويلس وكريسيدا ".
وتوضح اللوحات الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة؟ بنجاح؟ تفرد صور شكسبير وتبين مدى مفارقتها لصور معاصريه. أما اللوحتان الثالثة والخامسة فقد تنجحان حقاً في إنهاء الجدل حول ما يسمى " النظرية البيكونية " فإنهما تدلان دلالة حسية واضحة على أنه لا يعقل أبداً أن يكتب امرؤ واحد آثار بيكون المنشورة ومجموعة المسرحيات والقصائد التي نقول إنها من تأليف شكسبير. وترسم اللوحتان الأخيرتان رسماً بيانياً لكل المسرحيات، فالأولى منهما للتمثيل والتشخيص، حيث تتميز المسرحيات التاريخية تميزاص ساطعاص وبخاصة مسرحية " الملك جون " ومسرحية " هنري الثامن "، والثانية لصور الطعام والشراب والطبخ وصور المرض والداء والدواء. وتتميز في المجموعة الأولى من الصور مسرحية " ترويلوس وكريسيدا " كما تتميز مسرحيتنا " هاملت " و " كوريولانس " في المجموعة الثانية.
ويحل الكتاب أو يقترح حلاً لكثير من المجادلات الدائرة حول شكسبير في مجال المشكلات الدراسية المتخصصة. فأما اللوحات فإنها قد قشعت شبح بيكون من الميدان، وإضافة إلى ذلك نحت المؤلفة بيكون، في غمار كتابها، عن أن يظل نداً منازعاً لشكسبير، ومنحته ما يستحقه من تقدير حين عدته كاتباً خلافاً عظيماً. وقارنت بينه وبين شكسبير في صورتين: صورة " تسلطت " على بيكون، وهي عظمة النور، وصور " تسلطت " على شكسبير، وهي صورة الطبيعة، وإذا شكسبير قليل الاحتفال بأمر النور في صوره، وبخاصة حين يكون النور رمزاً للعظمة، زد إلى ذلك أنها استطاعت أن تلمع إلى حلول لعددٍ من المشكلات المحددة في التأليف، وإلى هذه المشكلات ينتمي بعض الروايات أو أجزاء منها في القائمة.
(وإن كان هذا كان مجالاً للتوسعة والإسهاب في المجلد التالي على وجه اليقين) . فمثلاً تتخذ من اتساع صور الحديقة عند شكسبير أساساً تبني عليه أن شكسبير، ولابد، كان له نصيب أساسي في تأليف مسرحية " هنري السادس "، في القسم الأول والثاني والثالث منها، ثم تعلق قائلة:" إن مسرحية " بركليس " وحدها بين المسرحيات الرومانسية، هي التي ليس فيها أي أثر " لدافع " يجري في الصور، أو لاستمرار في التصوير، أو لفكرة في الصور، وهي حقيقة تكفي في ذاتها لتلقي ريبة كثيفة على تأليف هذه المسرحية ". وقد استطاعت أن تقترح عدداً من التخمينات المعقولة المتعلقة بالسيرة عن طريق الصور نفسها؛ من ذلك أن تجربة ذاتية في طاعون 1600 قد غيرت في استجابة شكسبير له تغييراً حاداً، فقلبت نظرته من حال استخفاف غير عابئ به، قبل حلوله، إلى حال من الرعب والاشمئزاز بعده. ومن ذلك أنه، وإن كان المعلقون قد استنتجوا من كثرة إشارات شكسبير إلى الصيد أنه شغوف به (حتى وصفه ج. دوفر ولسون " بأنه صياد حاذق ") فإن صور الصيد في مسرحياته تكشف عن نفوره منه، وكراهيته لما فيه من قسوة وسفك دم. بل هي قادرة على أن تؤيد بعض التواريخ من خلال الصور (ولو قدر لها أن تكتب كتابها الثاني لصححت التواريخ ولم تكتف بالتوثيق والتأييد) فهي تلحظ مثلاً أن التشابه الدقيق بين الصور في كل من " هاملت " و " ترويلوس وكريسيدا " سيمكننا من القول، دون تردد، بأنهما ألفتا في فترتين متقاربتين، ولو لم نكن نعرف هذه الحقيقة.
وإلى جانب هذه المشكلات في الدراسة التخصصية الخالصة يسهم كتاب " الصور عند شكسبير " إسهامات متعددة في مجال الفهم والتذوق النقدي. أما الجزء الأول من الكتاب المسمى " الكشف عن شكسبير الإنسان " فإنه من هذا القبيل تماماً؛ أعني متابعة لفكر شكسبير وشخصيته
من خلال الصور، مميزة عن الدقائق الموضوعية في حياته. وأشد الأجزاء إثارة ذلك الفصل الخاص " بتداعي الأفكار "(1) الذي يقوي المجموعة التي استخرجها وايتر؟ " مجموعة الكلب والتبصبص والقند "؟ ويضيف إليها غيرها. واشد هذه المجموعات خلابة وسحراً لأنها تتعمق نفس شكسبير بأكثر مما يقدر للدراسة التقليدية أن تبلغه، هي ذلك التداعي المعقد بين الموت والمدفع وبؤبؤ العين، وحجاجها في الجمجمة والدموع والسرداب والفم (والأسنان أحياناً) والرحم، ثم الموت أيضاً. فهذه الصورة تتردد في المسرحيات جميعاً، وهي مهيمنة مستحكمة، وإذا وردت واحدة من هذه الألفاظ استدعت أي لفظة من الأخريات مهما يكن الربط معزباً مفتعلاً، أو نابت واحدة من الألفاظ مناب الأخرى. ولا تحاول الآنسة سبيرجن أن توضح هذا التداعي بين الرحم والموت أو تربط بينه وبين حديث لها سابق عن هيمنة الموت على شكسبير في صورة محبوبة أو عروس، ولكن ذلك كله واضح من كشوفها بحيث يستطيع القارئ نفسه أن يحدث هذا الربط في يسر.
وأما النصف الثاني من الكتاب وعنوانه " وظيفة الصور من حيث هي متكأ ونغم خفي في فن شكسبير ". فإنه يضطلع بتطوير هذه الحقيقة الهامة وإرساء قواعدها: وهي أن كل مسرحية من مسرحيات شكسبير مبنية؟ تقريباً؟ حول سلسلة من الصور المتكررة، تؤلف لها موضوعها؟ الخاص بها؟ فترتكز مسرحية " الحب الضائع " Love " s Labour " s Lost على الحرب والسلاح، وترتكز " هاملت " على المرض والداء والفساد، أما الملك لير فترتكز على الجسم الإنساني وهو يتلوى في العذاب. وتوضح الآنسة سبيرجن أن هذه الصور ليست المعالم السطحية للمسرحيات، وإنما
(1) هو الفصل العاشر ص 186 - 200.
هي شيء أعمق من ذلك بكثير. فمثلاً: ليس في مسرحية " تيمون الأثيني " التي تتحدث جزافاً عن الذهب (فيها مائتا إشارة للذهب) إلا صورة واحدة منتزعة من الذهب، في الحقيقة، أما الصورة التي تهيمن على المسرحية، فهي صورة الكلب المتبصبص الذي يعلق القند المذاب، أي المجموعة التي اهتدى إليها وايتر. وتعتقد الآنسة سبيرجن، كما لابد أن يعتقد أي واحد وجد لديه هذه الشواهد، أن هذه الصور المسيطرة في المسرحيات كانت، فيما يحتمل، لا شعورية عند شكسبير. وتستثني من ذلك، وحق لها، موضوع الجسد الإنساني في " كوريولانس " وتعده " أنموذجاً متعمداً " لأنه يقع على سطح المسرحية، وهو أيضاً الموضوع والمجاز الدائر حول " جسم الدولة " في المصدر الذي استقى منه شكسبير فكرة مسرحيته، أعني " حياة كوريولانس " لفلوطارخس (1) .
ولا تحاول الآنسة سبيرجن أن تبحث عن العوامل التي نجد تعبيرها في هذه الدوافع الموجهة؟ أن تبحث عنها في ذات شكسبير نفسه، ولكن مرة أخرى أقول: ربما كان هذا مما أرجأته لتتحدث عنه في جزء آخر. وهي تدرك في الوقت عينه أن الصور قد تمنح إحدى الشخصيات استحساناً أو استهجاناً، لا نعثر على أحدهما في ظاهر النص، وبذلك تعكس الاتجاه الظاهري فيه (إن عظمة ماكبث تتردج في السموق عن طريق الإشارات والتلويحات ولكنها تتضاءل في الصور) . وكذلك تدرك أن الصور قد تبعث أثراً متزايداً من العاطفة أو التوتر، وأنها تستطيع أن تصرح عن طبع الشخص الذي يستعملها وشخصيته، حين يعجز شيء سواها عن أن يفعل ذلك. ومن ثم تكون هذه الصور ابتداعاً لا شعورياً، ليعبر عن
(1) يعني أن تشبيه الدولة بالجسم، وكل عضو يقوم بوظيفته فيه، وقصة الأعضاء التي اشتكت تحكم المعدة واستبدادها، قصة مستقاة من فلوطارخس وقد وردت في مسرحية " كوريلانس "، ولكن الآنسة سبيرجن تراها صورة على سطح المسرحية.
أعمق النزعات عند شكسبير وابتداعاً واعياً شعورياً من التفنن الرفيع ليعمق التأثيرات ويغيرها أو ليوحي بها. وبين الحين والحين تحلل الآنسة سبيرجن هذين المظرهين في هذه الازدواجية في صوره، ولكن وضع خط حاسم بينهما في المسرحيات كلها جمعاء، أو في أي صورة مفردة، قد يحتاج جهداً أعمق من جهدها.
ويحتوي كتاب " الصور عند شكسبير " عدداً من الأخطاء والنقائض الواضحة، وأكبر غلطة في منطقها، تتردد صفحة إثر صفحة في كتابها، أنها تستهين بتقدير العلاقة بين الصور وطبيعة الكاتب المسرحي أو تجربته، وتتناولها ببساطة متناهية، فإن كان لدى شكسبير من صور الركوب أكثر مما بدى مارلو، وكان لدى دكر Dakker من صور صيد السمك أكثر مما لدى ماسنغر Massinger استنتجت الآنسة سبيرجن أن شكسبير ودكر كانا من النوع الذي يكثر التجوال ويبارح البيت، ولم يكن كذلك مارلو وماسنغر. ولا يخطر لها أبداً أن صورة صيد السمك أو ركوب الخيل، ربما لم تنشأ عن الحب المتحكم للتريض، وإنما تنشأ عما قد يرمز له صيد السمك أو ركوب الخيل، كل بدوره. ولما كان شكسبير يبتهج بصور حركة الجسم السريع الرشيق، إذن كان؟ في رأيها؟ ولابد " إنساناً نشيط الجسم مثلما كان نشيط الفكر "(مع أننا لو لحظنا صور رينوار Renoir (1) العارية المعافاة الريا، وما كان مصاباً به من النقرس؛ فقد نجد ما يحدونا إلى الاستنتاج بأن شكسبير كان كسيحاً لا يرجى شفاؤه.) وبما أنه يكثر استعمال صور عن تغير الألوان الدالة في الوجه، لا تملك الآنسة سبيرجن
(1) رسام فرنسي انطباعي عاش في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن، وتمتلئ صوره وتماثيله بالحيوية والطاقة، والضخامة أحياناً، وهو يرسم النساء عبلات كبيرات افخاذ، بارزات القوة، وبخاصة تمثاله عن " الغسالة "، ومع ذلك فإن رينوار كان منقرساً. فالقول بان شكسبير كان رشيقاً لأنه يتحد عن رشاقة الاجسام وخفتها استنتاج مضحك.
إلا " أن تستنتج أنه هو نفسه كان مثل رتشارد الثاني أشقر يحمر خجلاً بسرعة "" ولا أحد يستطيع إن لم يكن هو نفسه ذا إحساس مرهف بنغمة الصوت الإنساني ورنته، أن يرسم هذه الشخصيات الكثيرة التي تشترك في هذه الخاصية، بمثل ما استطاعه شكسبير ". ولابد من أنه كانت لديه حديقة حتى إنه تمكن من أن يرسم صوراً كثيرة للتطعيم ولآثار الصقيع القاتلة، وهلم جرا.
فالافتراضات العامة في كتابها، إذن، هي أن شكسبير عمل؟ ولابد؟ ما تتحدث الصور عنه، وأحسن ما أحسنت الشخصيات أداءه بل أدار في رأسه نفس الأفكار التي خطرت لها (حتى إنها، على الرغم من أنها حذرت من نسبة أفكار أبطال المسرحيات إلى شكسبير نفسه، انزلقت في غير حذر ورأت أن مسرحية " هاملت " تمثل شكسبير المتناهب بين المثالية والشكية) وهذه الافتراضات تسخر من نفسها بهذا التقرير " ولما حل عام 1599، أي حين بلغ شكسبير الخامسة والثلاثين، فإنه ربما عانى الحمزة (الحرقان) لكثرة الحموضة في معدته ". وهذه الافتراضات تسخر من نفسها أيضاً، بهذه الصورة الوهمية السخيفة لشكسبير الإنسان التي استخلصتها الآنسة سبيرجن من الصور حين قالت:
إن الشخص شكسبير الذي يطل علينا من هذه الصور لهو رجل ملزز الخلق مدمج البنية؟ ولعله أميل إلى القضافة، على حظ عجيب من التناسب والتناسق، لدن العود رشيق الحركة، خاطف النظرة صائبها، تبهجه الحركة الجسمانية السريعة. ولعله كان؟ فيما اقترحه؟ أشقر ناضر اللون، وكان لونه في شبابه يتخطف ويعود بسرعة، فينم على مشاعره وعواطفه، أما حواسه فإنها كانت شاذة في حدتها، وبخاصة، على وجه الاحتمال، حاستا السمع والذوق.
لقد كان معافى في بدنه وعقله على السواء، نظيفا في عاداته، شديد التقزز من القذارة والروائح الكريهة، وهذه الحقائق لا تؤيدها الشواهد الاستدلالية في مسرحياته فحسب بل إنه ليس ثمة إنسان يستطيع أن يورد كل صورة عن المرض والبشم والبطنة والقذارة والداء، دون أن يكون لديه، بطبعه، شعور قوي بالحياة الصحية، وحب الهواء النقي و " الماء الطهور " ودون أن يكون نفسه نظيفا معتدلا معافى في بدنه.
وتمضي على هذا النحو في ست صفحات، لا تكاد تصدق، عن هدوئه وحبه للريف، ومتعته في الأعمال المنزلية " وحساسيته، واتزانه وشجاعته ودعابته ونقاء صحته "" كأنه المسيح، أي لطيف وديع شريف شجاع صادق " وباختصار، هو قائد فريق الكشافة في بلدة ستراتفورد.
وثمة عدد من الأخطاء في كتاب الآنسة سيبرجن يبدو كأنه وليد إهمال عارض أو حذف عامد. فمثلا تشير إلى أن بن جونسن كان " تحت التمرين " مع والده بالتبني، في بناء الطوب، ولكنها لا تلحظ ولا تفسر، كيف أن لوحتها عن صوره تدل على أنه، هو وتشابمان، الروائيان الوحيدان اللذان ليس لديهما صور منتزعة من أعمال البناء. وتلحظ أيضاً أن شيكسبير ليس لديه تقريبا صور مستمدة من حياة المدينة ومناظرها، ولكنها لا تحاول أن تفسر كيف يكون ذلك عند كاتب مسرحي قضى أكثر شبابه في لندن، وهلم جرا. وهناك أخطاء أخرى تبدو وليدة ضعف في منهجها، ومنها هذه الغلطة الواضحة، وهي طريقة تصنيفها للصور فإنها ذاتية محض، ولذلك كانت تحكمية متغيرة؛ ففي الصفحة السادسة والعشرين عدت " الساعد المرمري " صورة مستمدة من مظهر المادة " لا من ملمسها "
وفي الصفحة الثانية والثمانين عدت وصف بشر ديمونة بأنه " ناعم كالمرمر المنصوب "، صورة مستمدة من طريق اللمس. وهناك اعتراض على طريقتها أعمق من هذا وأعلق بالأصول، أثاره إ. أ. رتشاردز (دون أن يذكر اسمها) وآخرون غيره؛ وهو أن " المجازات قد صنفت بالنظر إلى شق واحد من " الأفكار " المزدوجة التي يقدمها لنا كل مجاز، في أبسط أحواله، أي أنها لم تضع في جداولها أبدا الأوجه الممكنة الخفية التي قد تنطوي في صور شيكسبير. فمثلا: تعليقها على " قلة " الصور المسرحية تعليق سخيف، لأن تلك الصور وفيرة، وذلك ما بينه السير إ. ك. تشيمبرز في " لقطات من شيكسبير " Shakespearean Gleanings وتسلم الآنسة سيبرجن بنواحي القصور والمشكلات التي تعتور طريقتها في ملحق بكتابها عنوانه " صعوبات تتصل بعد الصور وتصنيفها " (1) ، فتوضح التعقيدات التي واجهتها في وضع جداول الصور وفي تصنيفها وفي توزيعها في الخانات الثانوية. وقد يفيد هذا في توضيح أخطاء محددة ولكنه ليس ردا كافيا على التهمة التي أثارها الدارسون والنقاد، كما أثارها تشيمبرز ورتشاردز، وهي أن خطتها منذ البدء أدركها وهن خطير، لأنها ضيقت في مفهومها لطبيعة المجاز.
وأعظم قصور في طريقتها غير ناشئ عن الطريقة نفسها أبدا، بل يرجع إلى عجز في هيكل افتراضها عن أن تضع يدها على المضمونات
(1) هو الملحق الأول ص 359 وما بعدها ومما تقوله في هذا الملحق: وربما لم يتفق اثنان اتفاقا تاما على عدد من الصور التي يجدانها في إحدى المسرحيات. فأما أولا فلا بد من أن يقرر المرء إن كان ما لديه صورة أولا، وثانيا أهي صورة واحدة أو اثنتان أو ثلاث، وثالثا أهي صورة ذات فكرة ثانوية وإن كانت كذلك فأين تصنف؟. وتوضح الآنسة سيبرجن أنها كانت تدخل الصورة الواحدة في " خانتين " خانة تسميها رئيسية وأخرى ثانوية وتسمى الأخرى Cross reference.
النفسية، فحين يكون شيكسبير مشغول الذهن بنهر في عدد من القرائن ذات الشأن، فذلك يعني عند يونج أنموذجا أسطوريا، وعند فرويد ربما كان يرمز إلى نهر الولادة أو نهر الجنس أو كان مسرب تفريغ؛ أما عند الآنسة سيبرجن فإنه فحسب " ذكريات الطفولة عن نهر آفون الذي تقع عليه ستراتفورد ". وعندما تشير إلى أن المجاز المنسرب في المسرحيات التاريخية الأولى هو " القطع المتهور للأشجار الجميلة أو تشذيبها، في غير أوان القطع والتشذيب " فإن أي متمرس بالعلوم النفسية سيلحظ الترابط بين هذه الصورة وبين أشخاص الملوك ويفسرها بتحطيم السلطة، أو بأنها رمز الأب، إن لم ير فيها، على التحديد، معنى الخصاء، أما الآنسة سيبرجن فترى فيها اهتمام بالبساتين. حقا إن العلوم النفسية لم تنكر عليها ما تقوله عن نهر آفون أو الاهتمام بالبساتين ولكنها؟ أي تلك العلوم؟ تبدأ من هذه النقطة، لا أنها تنتهي إليها. أما الفرويدي فقد يفسر المظهر المسيطر في كل مسرحية بأنه رمز تجريبي يفتح مغالق شيكسبير، وأما اليونجي فقد يقرأ فيه أنموذجا أعلى، والجشطالتي يراه تكاملا كليا أساسيا للتجربة، وهكذا، غير أن الآنسة سيبرجن لا تستطيع أن تراه إلا موضوعا اتفق أن دار فكر شيكسبير حوله، بعض الوقت.
وقد استفادت كل الكتابات النقدية عن شيكسبير منذ سنة 1935 من مباحث الآنسة سيبرجن، على وجه التقريب، ولكن قل منها ما استخدم كتابها في البناء الخالق الإيجابي الذي يتطلبه، إلى أن نشر ادورد أ. آرمسترونغ كتابه " خيال شيكسبير " Shakespeare " s Imagination بإنجلترة سنة 1946. وهذا الكتيب المدهش، وعنوانه الفرعي " سيكولوجية التداعي والإلهام " ليس توسيعا في مباحث الآنسة سيبرجن بمقدار ما هو توسعة لطريقتها نفسها، مع استخدام التقنيات التي استخدما نايت ولويس (والاعتماد الكثير على إ. م. و. تليارد وكتابه " صورة عالمية اليزابيثية " Elizabethan World Picture)
من أجل أن ينمي آرمسترونغ ما يمكن أن يسمى " نقد عناقيد الصور " بما فيه من أصالة وقيمة بالغة، ثم يطبقه على شيكسبير. ومن الواضح أن آرمسترونغ عالم بالطيور منتسب لكيمبردج (فقد سبق أن كتب ثلاثة كتب هي " طيور غري وند " Birds of the Gray Wind و " الطريقة التي تعيش بها الطيور " The Way Birds Live و " معرض الطير أو مقدمة لدراسة سيكولوجية الطيور " Bird Display: An Introduction to the Study of Bird Psychology) . كما أنه عالم بالحشرات، سيكولوجي عارف بالفولكلور، دارس متخصص في شيكسبير ناقد أدبي بارع. وتتبلور في هذا الكتاب براعته في هذه الميادين جميعا؛ فيبدأ آرمسترونج دراسته بصور الطيور الحشرات عند شيكسبير، ويتتبع عناقيد التداعي المتصل بها خلال المسرحيات، ويكشف عن المبادئ والاستقطابات وعادات الفكر التي تكمن تحت تداعي الصور عند شيكسبير، أثناء رصده للتطور في هذه الصور المتداعية، وينتهي إلى النتائج الآتية (1) تقنية جديدة لحل المشكلات القائمة في الدراسات الشيكسبيرية (2) نظرية عن كيفية عمل الخلق عامة (3) سبر لعقل شيكسبير وآثاره، ويعتبر من أشد ما كتب حتى اليوم إثارة وإمتاعا.
وهو مدين كثيرا للآنسة سيبرجن، لاعتماده على مبادئها الأساسية في " الصور " و " عناقيدها " وكشوفها المحددة لعدد من الروابط والتداعيات والعناقيد، وكثير من جداولها ونتائجها. غير أنه يكاد في كل حال يتعدى حدود ما بلغته، مفندا تقسيماتها وتفريعاتها المغرقة في البساطة، مفسرا ما عجزت هي عن تفسيره (مثل مجموعة صور الموت والعين والحجاج والفم والسرداب والرحم
…
الخ فإنه يفسرها تفسيرا مقنعا بأنها سلسلة من رموز " مجوفة " واقعة بين الولادة والموت) مصححا ما شوهته، موسعا في توضيحاتها وأمثلتها، مضيفا إلى ما تسميه هي " الصور المهيمنة أو المنسربة أو المتكررة " صورا " موضوعية "، ناقدا قصور نظام التصنيف بمصطلح مشابه لانتقادات رتشاردز (ولم تخذله قوة نقده إلا مرة واحد
- وكان خذلانا بارزا؟ حين قال في تفسيره لمجموعة الصور التي اهتدى إليها وايتر " لعل الدكتورة كارولاين سيبرجن كانت مصيبة في تفسيرها ") .
وأثناء تصحيحه لأخطاء الآنسة سيبرجن أو تجاوزه الحدود التي بلغتها، أدى عددا من الأمور القيمة، فهو يستعمل قسطا كبيرا من السيكولوجيا الشكلية، ابتداء من فرويد ويونج (مع أنه غير موفق هنا بعض الشيء) حتى النتائج التي استقيت من عملية جراحية يجرونها على مقدم الدماغ. وهو يصر على المبدأ السيكولوجي الحديث الذي يقول: إن العقل نظام عضوي يعمل بطريقة دينامية. وهو على وعي بالأصول الشعائرية في المسرحيات، وبأهمية مباحث جين هاريسون وجماعتها في الدراسات عن شيكسبير.
وهو يعالج الإمكانيات المهمة، والصراع العاطفي الخفي في الصور وضروب التداعي، ويتشبث بأن صور شيكسبير تنحو إلى أن تستمد من توافق الأصوات ومن الرمزية الموروثة أو الشخصية، أكثر من أنها تستمد من المشاهدة و " التجربة " الحقيقية. وهو بارع في تطبيق " نقد عناقيد الصور " على المشكلات الدراسية (مقتفيا خطى الآنسة سيبرجن في هذا) ، مثبتا أن شيكسبير جعل هاملت يقول handsaw لا hernshaw أو أي طائر آخر، مبرهنا على صحة الخاتمة المتنازع في أمرها، في مسرحية " ترويلس وكريسيدا "، مقترحا أن بذل جهد آخر في منهجه، قد يضبط تواريخ المسرحيات. وبما أنه يفترض أساسا " أنه لا يتفق شاعران في استعمال عناقيد واحدة من الصور " إذن فلا بد على هذا من أن تكون المسرحيات من تأليف رجل واحد، فينفي كل المتنازعين على المسرحيات، خلا شيكسبير، ويقرر أمر نسبة بعض العبارات محط التنازع في المسرحيات. وأخيرا تبدو جداوله الأربعة المسهبة التي جعلها مفاتيح لعناقيد الصور، وهي طائرة الورق والخنفساء، ثم اليعسوب وابن عرس معا، والإوزة، أكثر إثارة وفائدة من الرسوم البيانية عند الآنسة سيبرجن.
وهذه النتائج الجوهرية ترجح كثيرا بنقائص الكتاب. أما من حيث الأسلوب فإن النقائص تشمل نظرته المتخازرة المتخابثة إلى الخيال (" الجنية الخفية " " العفريت المتفنن المتسامي " وتباهيه العلمي لمزعج، المضحك في أغلب الأحيان (" استعملت كلمة هوام " لتشمل المخلوقات المتنوعة التي تلدغ وتعض ذلك لأن لفظة " حشرات " لا تشمل قراد الغنم ") . وأحيانا يخفق آرمسترونغ في الالتزام بالمبادئ التي وضعها، فيجرب أن يستعمل مجموعات [عناقيد] الصور للإجابة على أسئلة عن الملاحظة الخاصة عند شيكسبير، وتجربته وحياته وشخصيته (أأثر في عقله منظر احتضار، أكان يكره الكلاب، أسرق أبدا غزالا أو بنفسجا، وأيها كان أشد عليه البراغيث أو القمل، أكانت السيدة السوداء تتبرج كثيرا، أأصيب مرة بالجدري؟) ولكنه لا يلبث أن يصحو لنفسه، ويقرر آسفا أننا لا نستطيع معرفة ذلك، وأن البحث عن الأمور الذاتية خلال عناقيد الصور " محفوف بالخطر " في خير أحواله، وأن الذين يريدون شواهد عن " حب الشاعر " أو عن خصائص خليلته " عليهم أن يبحثوا في مكان آخر ". وأخيرا فإن النصف الثاني من الكتاب وهو دراسة تعميمية " لسيكولوجية الخيال " على أساس الكشوف السابقة في صور شيكسبير، أدنى مستوى من النصف الأول، والعلة الكبرى في ذلك أن السيكولوجيا التي يستعملها ليست كفاء بذلك. فإنه ينفق كثيرا من وقته في مشاجرة مع فرويد، غير ذات موضوع، ويبدو أنه من ناحية إيجابية لا يعرف الفرع النفسي الوحيد الذي يناسب صورة العقل التي توحي بها شواهده (أعني على التعيين المذهب الجشطالتي) ومن ثم فإنه مضطر إلى أن يعتمد على شذرات متفرقة من نتائج مكردي وف. ك. بارتلت ومكدوغل ورفرز وغيرهم.
ولم يحاول أحد سوى آرمسترونغ أن يضيف إلى كتاب الآنسة سيبرجن ما يستحقه من توسيع مسهب، ولكن يكاد كل النقاد العظماء الذين استخدموه
خلال العشر السنوات الماضية، أن يكونوا قد حاولوا الزيادة فيه أو تخطوا نواحي القصور فيه على نحو ما. فتحدث كنث بيرك في كتابه " نزعات نحو التاريخ " Attitudes Towards History (1937) تحت عنوان " العناقيد " عن الإمكانيات التي أثارتها الآنسة سبيرجن، لعمل لوحات لعناقيد الصور عند أي مؤلف " لنمسك طرف الخيط الذي يوصلنا إلى العناصر الهامة المنضوية تحت لجج رمزية ". وكتب تحت عنوان " الصور "(بعد أن أثنى على الكتاب بأنه " ملائم " وتحدث بشيء من الإسهاب عن إمكانياته الموحية) فحاول معتمدا على الشواهد التي جمعتها، أن يرسم " المنحنى " في كتابات شيكسبير، في علاقتها بمنحنى التاريخ في أيامه. ثم إن بيرك في كتابه " فلسفة الشكل الأدبي "(1941) قد أطرى كتاب " الصور عند شيكسبير " بأنه أحد " كتب ثلاثة هي أخصب المؤلفات في الأدب منذ صدر " الغابة المقدسة " (أما الآخران فأحدهما لرتشاردز والآخر لإمبسون) ثم اقترح، في الوقت نفسه، حدا آخر تحتاجه طريقتها، وهو إضافة المعيار النوعي المعتمد على فحوى الصور، إلى مقياسها الكمي المحض، أي أن تمنح وزنا خاصا للصور التي تظهر في مواطن حساسة من الكتاب كالفاتحة أو الخاتمة أو نقطة التحول.
وفي سنة 1942 استغل ثيودور سبنسر في كتابه " شيكسبير وطبيعة الإنسان " نتائج الآنسة سبيرجن كثيرا واقترح نوعا آخر من التوسيع، أي معالجة دينامية لا ساكنة فلا تكتفي بأن تلحظ؟ كما لحظت؟ أن مسرحية هاملت تحوي من صور الداء أكثر من أي مسرحية أخرى بل أن ترى في تراكم الصور حتى يصبح لها ذروة أمرا ذا مغزى، على وجه الخصوص، وأن 85% منها ترد بعد منتصف المسرحية (1) . واقترح وليم تروي سنة
(1) انظر ص 114 من كتاب ثيودور سبنسر " Shakespeare and the Nature of Man " وبخاصة التعليق رقم (14) .
1943 -
في مقاله " مذبح هنري جيمس " الذي نشر في مجلة " الجمهورية الجديدة " استعمال طريقتها في مجال آخر، وهو قصص هنري جيمس الأخيرة، واعترف رايس كاربنتر بفضل طريقتها في " الحكايات الشعبية والقصص الخيالية والبطولية في اللاحم الهومرية " (1946) واقترح تطبيقها على الملحمة الإغريقية. أما كنث موير فإنه في مقال له عنوانه:" تيمون الاثيني والتفسير الاقتصادي " نشر في Modern Quarterly Miscellany العدد الأول، عام 1947، استعمل بعض مادتها في " تيمون " واقترح توسيع فكرتها عن " الصورة " بحيث تحوي الرمزية اللامجازية مثل " الذهب في المسرحية ". وأخيرا تناول كلينث بروكس في كتابه " الزهرية المحكمة الصنع "(1947) كشفها وجداولها عن الصورة المسيطرة في مسرحية ماكبث وهي صورة " الرداء الذي لا يناسب مرتديه " واتخذها نقطة بدء في تحليله للمبنى الرمزي في المسرحية، فجاء بما هو أعمق عمقا وأبرع براعة من كل شيء في نظام الآنسة سيبرجن. غير أنه لا يفتأ يعترف بكشوفها وبالمادة " التي جمعتها لنا الآنسة سيبرجن " بينا هو في الوقت نفسه يخلفها بعيدا وراءه، وفي إشارته إليها تكمن مشاعر متصارعة يوضحها مثل قوله " ولا بد من أن يلحظ المرء أن الآنسة سيبرجن ما اكتشفت كل المشتملات فيما اكتشفته " و " ولقد استبان لها جزء واحد فقط من الإمكانيات "" وإذا نفضنا عنا طريقة الآنسة سيبرجن في التصنيف، وهي طريقة آلية نوعا "" ومع أن الآنسة سيبرجن لا تضمن العبارة في الأمثال التي أوردتها "" ومع أن الآنسة سيبرجن لم تلحظها ". وبما أن الخطة التي تحكمت في كتابها لا تسمح لها أن تراها إلا بشق النفس " وهكذا.
وفي جميع هذه الزيادات والتعديلات على كتابها، نستطيع أن نرى نواحي القصور والأهمية عند كارولاين سيبرجن، فهي نفسها لم تذهب في
مغامرتها بعيدا، ولم تقطع المسافة التي قطعتها بقوة وعزم. غير أن بعض النقد اللبيق الهام في عصرنا، قد استطاع، وستزداد قدرته، على ان يغامر بعيدا، بسبب كتابها، مزودا بفكرة أوسع عن طبيعة المجاز ولرمزية، ونظام من التصنيف المكثر خير من الذي قدر لها، وفهم نفسي أعمق لأعمال العقل، وشهادة أكمل وأدق، وأبعاد نوعية ودينامية، ومؤلفات جديدة لتستكشف وتدرس، وقوة متخيلة أنفذ وأعظم.
3
- إن الموروث من الدراسة التخصصية في حقل الأدب، وهو ما عملت فيه الآنسة سيبرجن، لهو موروث رحيب المجال، غير منضو كثيرا تحت أهداف هذا الكتاب، فتفريعاته لا تنتهي إلى حد، وتحت كل فريع من فرع يستطيع الدارس المتخصص أن يقضي حياته في محتوى خصب مثمر. فمن قبيل ما يعمله أن ينشئ نصا صحيحا باستنقاذه من حمأة التحريفات والتصحيحات، وما تتعذر قراءته في المخطوطات، بل وما هو بياض بالأصل؛ وأن يشرح نصاً برده إلى أصوله، وتوضيح معانيه الغامضة، وإجراء المقارنات فيه، وعرضه على المراجع التاريخية التي يمكن الحصول عليها، والإفادة من كل المقاييس التي تبدو مهمة؛ وأن يزود القارئ بالسيرة الصحيحة للأديب، وبتاريخ الأدب الذي يرتبط فيه كتابه ببعض السياق أو القرائين، وبالدراسة المقارنة بغيره من الكتب والمتون؛ وأن يعد أخيراً أجهزة لا نهاية لها من الإطلاع وفهارس المصادر والتواريخ وفهارس الألفاظ وعدد الكلمات والدراسات أو الرسائل التي وتضح مسائل مفردة، والطبعات الجديدة والترجمات والمجاميع، وهل تحوي الطبعات قراءات متنوعة لدراسين متعددين أو تحوي نصوصاً متعددة. والكتب: أهي مخضرة أو مجموعة مختارات أم متون للدرس وغير ذلك من أمور.
وأبرز الدراسات المتخصصة وأرحبها إما استلت، لأسباب لا تخفى، من أهم الآثار الأدبية، أي على وجه التحديد من التوراة وهوميرس وسيكسبير. أما فيما يختص بمعجزات الدراسة في حقل التوراة والدراسات السامية، وبخاثة ما يسمى " النقد العالي "، الذي نجح كثيراً في حل معميات الوثاق والمراجعات والتحقيقات التي لا تحصى، والتي كان منها كيان الكتب المقدسة، وأما فيما يتعلق أيضاً بالأعمال الأقل إعجازاً منها، أعني دراسة هوميرس والإغريق، التي قامت بعمل مماثل في التعرف على خليط من الشذرات والنتف والقشور التي نعرفها باسم هوميرس، فلن نقف عندها في هذا الكتاب وحسبنا أن نلقي نظرة خاطفة على بعض مظاهر في الدراسات الشيكسبيرية، وهو الموروث الذي عملت فيه الآنسة سيبرجن، فذلك يستق وخطة هذا الفصل.
نشأت المشكلات الخاصة في الدرسات المتعلقة بشيكسبير من أن هذا الأديب لم يخلف مخطوطات، أو نصوصاً يعتمد عليها، لأنه أجرى فيها تصحيحات بنفسه. فقد طبعت المسرحيات واحدة إثر أخرى طبعات متنوعة في قطع الربع وبعضها " مسروق أو مزور "، وبعضها طبع عدة مرات من عدة مصادر قبل أن تجمع رسمياً المسرحيات التي يظن أنه لشيكسبير، في الفوليو الأول سنة 1623. حتى إنه في عدد من الأحوال، وبخاصة في حال " هاملت "، نجد ثلاثة نصوص مستقلاً بعضها عن بعض صورياً؟ اثنتان بحجم الربع ونسخة الفوليو؟ وكل القراءات الثلاث في أي موطن تناولها أحجام الربع؟ ثلاثة بحجم الفوليو في السنوات 1632، 1664، 1685 وكل واحد منها يصحح شيئاً من الأخطاء السابقة. ثم إن الحققين العظماء لنصوص شيكسبير في القرن الثامن عشر، ومنهم راو وبوب
وتبلت (1) وهانمر ووربرتون والدكتور جونسون أصدروا طبعات منقحة، بلغت أقصى التحقيق ي النصوص الباهرة المحققة التي أصدرها جورج ستيفنز وادوارد مالون. وقد أخذ هؤلاء الحققون على عاتقهم تصحيح ما اعتقدوا أنه أخطاء مطبعية في النصوص السابقة، (وكثيراً ما كانوا يغيرون الأخطاء القديمة إلى أخطاء جديدة) ودافعوا ن تصحيحاتهم ضد من يقاومهم، وفسروا وعلقوا على العبارات الغامضة أو المشكلة. وصدرت أول طبعة تحوي قراءات متنوعة لغير حجة واحدة في الموضوع سنة 1773. وفي القرن التالي، ظلت الطبعات التي تحوي قراءات متنوعة تصدر، لأن العلماء فقدوا اقتناعهم بان مشكلات شيكسبير قد يكن حلها أبداً، وأنه قد يكون منها في النهاية نص موثق حتماً. وتستطيع أن تجد ذروة الدراسة الشيكسبيرية في عصرنا، كما تجد تاريخاً لها، في الطبعات الحديثة ذات القراءات المتعددة، وقد ظلت هذه تصدر بأميركة طوال عدة سنوات، وكأنها تكاد تكون احتكاراً خاصاً لهوراس هوارد فيرنس الأب والابن. ومن المناسب أن ننظر في محتويات مسرحية واحدة صدرت ي هذه الطبعة.
ولنخر مسرحية " انطوني وكليوباترة " في الطبعة ذات القراءات المتعددة فإنها نموذجية في هذا المقام، وإن تكن في جوهرها أقصر من هاملت والمقطوعات، (لأن هاملت والمقطوعات استنزفا قسطاً وافراً من التعليقات) . فقد حققها فيرنس الأب سنة 1907 وجعل لها فاتحة تقديمية تدور حول المسرحية، أما النص نفسه، كما ظهر في الفوليو الأول، فيشغل 375 صفحة، في كل صفحة بضعة أسطر، وتحت النص في كل صفحة كتبت جميع القراءات المتأخرة، وتحت هذه أيضاً أدرجت توضيحات أصحابها وحججهم
(1) كذا يلفظ هذا الأسم في هذا الوطن أما فيما عدا اسم تبلت المحقق فانه يلفظ ثيوبولد - كما يكتب -.
في الدفع عن قراءاتهم، مع تفسيرات للعبارات. أما الملحق، ويشغل ما يزيد على مائتي صفحة أخرى، فيحوي جمعاً ومناقشة لكل الآراء الهامة حول تاريخ تأليف المسرحية، وحديثاً عن الفترة التي تستغرقها في التمثيل، واقتباساً لكل عبارة عند فلوطرخس استوحاها شيكسبير، مشفوعة بالسطر الذي يقابلها في المسرحية، ثم نص مسرحية " كله من أجل الحب " All For Love لدريدن، وهي مسرحية متأخرة في الموضوع نفسه، مع حشد من التعليقات والملاحظ عنها، ثم ثلاثين صفحة من النقد المختار حجول مسرحية شيكسبير وشخصياتها، مما كتبه معلقون إنجليز أو ألمان أو فرنسيون، ثم خمساً وسبعين صفحة مخصصة للتلخيص والاقتباس الكثير من مسرحيات أخرى تدور حول القصة نفسها. يتلو ذلك حديث عن نسخ التمثيل المتنوعة، والممثلين والمرات التي مثلت فيها مسرحية شيكسبير، ثم خبر عن الأزياء والأعدادات التي تتعلق بها، وقائمة بكل التصحيحات للفوليو الذي اختير في طبعة كيمبردج، وهي طبعة فاصلة نسبياً، وقائمة بأسماء الكتب التي جرت الإشارة إليها، ثم فهرست شامل. ويتضح بجلاء أن أي تلميذ دارس لمسرحية شيكسبير، مزود بطبعة حديثة ذات قراءات متنوعة، وفهارس للألفاظ، لهو خير زاداً من الدارسين المتخصصين في شيكسبير قبل قرنين من الزمان.
إن الطبعة ذات القراءات المتنوعة من مسحرية " انظوني وكليوباترة " لتصور خير ملامح الدراسة الشيكسبيرية مثلما تصور أسوأها. في خير أحوالها هي التماعة باهرة من نفاذ البصر الحاسم الذي قطع كل اعتراض منذ عهدئذٍ حتى اليوم، ومن أمثلة ذلك فيها تصحيح هانمر سنة 1744 لكلمة Pannelled، ووضعه Spaniel " d في مكانها في هذه العبارة The hearts that panneled me at heeles. (وهي قراءة جميلة كذلك التصحيح العظيم الذي أجراه تبلت في وصف موت فولستاف
في مسرحية هنري الخامس حين غير هذه العبارة التي لا معنى لها " لأن أنفه كان حادثاً كالريشة، وصحصحاً من الحقول الخضراء ".
وجعلها: " لأن أنفه كان حاداً كالريشة، مثرثراً بذكر الحقول الخضراء ") أما في أسوأ أحوالها فتتمثل في هيث، وهو يشرح هذه الأسطر الغريبة " وكثير من الحوريات رعينها في العيون وانحنين لها يزينها " ويقول " إن الفتيات اللواتي يشبهن الحور، كن يعملن ي تسوية حواجب كليوباترة، كلما تشعثت حواجبها والغلمان يروحونها بالمراوح أو لسبب آخر ". وأما حيث تكون فارغة من المعنى فإنها تتمثل في تصحيح تبلت ومن جاء بعده من الحققين، حين غيروا " إذ أن سخاءه لا شتاء فيه. إنه سخاء انطوني " إلى " إنه كان خريفاً " مع أن لفظة " انطوني " مقعة إلى حد كبير، يسندها قول كليوباترة من قبل " لقد أصبح أنطونياً " وهي أقوى تعبراً من ناحية شعرية.
وهذا المثل الأخير يطلعنا على أخطر اتهام يوجه ضد دارسي شيكسبير، وهو أهم في أغلب أحوالهم ليسوا من ذوي الإحساس الشعري المرهف. وقد أبرز وليم مبسون هذه التهمة في كتابه " سبع نماذج من الغموض " حين خرج بهذه النظرية الفذة اللامعة وهي: أن محققي شيكسبير ينزعون إلى " حل " المسرحية مرجعين غموض شيكسبير إلى الكلمة ذات المعنى الواحد التي بدأ بها ثم أغناها من بعد. ويقدم عدداً من الأمثل، ومنها هذا المثل النموذجي:" طريق حياتي انحدرت نحو الخريف، كأنها ورقة صفراء " فأصلحها جونسون (هو (1) رجل ذو حس شعري مرهف
(1) My Way of Life جعلها الدكتور جونسون May of Life، والتعبير الأول ليس غريباً على شيكسبير ولكن الدكتور جونسون كان مأخوذاً بذكر الخريف واصفرار الورقة في نهاية العبارة فخلق تطابقاً فيها حين جعلها " ربيع حياتي " وقد وفق من الناحية الصناعية في هذا التغيير فتهكم به امبسون لأنه رأى في طريقته تفسيراً لكيفية صياغة المبني الشعري في زمنه أي رسم قالب من المجاز تصب فيه الفكرة.
ولكنه عاش في عصر ثري) إلى " ربيع حياتي ". ويقول إمبسون في هذا التصحيح متهكماً " يبدو لي (أن تصحيح جونسون) . قطعة قيمة من التحليل المتعلق بالماضي، لأنه يدل على كيفية بناء الشعر حينئذ. أما أولاً فيوضع هيكل منظم من المجاز ثم يحشد في هذا الهيكل الفكرة التي ظلت لاصقة بهذا الهيكل اللفظي وأوحى بها بسهولة تشابه الأصوات ". وهكذا المضللة.
ويحدد و. و. غريغ طبيعة مشكلة تصحيح النصوص الشيكسبيرية، والقواعد التي تفرضها، ويجعل ذلك كله يبدو دهشاً خلاباً ملائماً في جوهره لقواعد الشطرنج، وذلك في بحثه اللامع " وقواعد التصحيح في شيكسبير "، محاصرته عن شيكسبير في الأكاديمية البريطانية لعام 1928. ويدعو إلى محافظة أشد في تحقيق شيكسبير، مستعملاً في أمثلته التهمة التي أثارها دودن ضد هانمر بأنه في تصحيحه قولة بولونيوس " سأخرس نفسي حتى في هذا لمقام " إلى " سأترس لنفسي في هذا المقام " حين اختبأ وراء ستارة، قد حرم شيكسبير من إحدى سخرياته المسرحية العظية أعني محاولته أن يصور عدز بولونيوس عن أن يصمت في أي حال إلا حال الموت الذي جره عليه جزه عن الصمت. هذا وإن محاضرة غريغ وهي خير تقرير مفهوم موجز أعرفه عن كل مشكلة النصوص الشيكسبيرية لشاهدة على أن محققي النصوص الشيكسبيرية في عصرنا، قد يكونون بسبيل العودة إلى رأي إمبسون، وهي شاهدة تقابل بالترحاب. فبعد ثلاثة قرون تحولت فيها كلمة Armegaunt Steede إلى Armgirt؟ termagant؟ arrogant؟ merchant؟ ardent؟ arme - g " raunt؟ barbed؟ armzoned ربما وجد لدينا جمهور من المحققين الذين لا يرون بأساً في أن تظل Arm - gaunt كما كانت في الأصل.
وقد كرس دارسو شيكسبير همهم، مع عنايتهم بالتاريخ والدراسة
النصية والتفسير وجمع المصادر وغيرها من واد تتضمنها الطبعات ذات القراءات المتنوعة، لجمع فهارس الألفاظ والتواريخ، وفحص الخط الاليزابيثي والأوراق القانونية، وكتابة لشيكسبير نفسه (كلها حدسي علة وجه التقريب) . وبتأثير من كشوف السير ادمند تشيمبرز وآخرين نشأ لديهم في الأيام الأخيرة توجه نحو تحليل شيكسبير تحت ضوء المسرح ومشكلات الاتهاج بين الحين والحين (1) . ومعظم الدراسات الشيكسبيرية قد تجلت في التفسير النقدي للمسرحيات والشخصيات (وتفسير الشخصيات كان ألهية كبرى في القرن التاسع عشر) وفي وضع النظريات حول آرائه وأفكاره وإشاراته الموضوية وغيرها. وقد تمخضت هذه الدراسات في خير أحوالها عن مثل العمل التحليلي الباهر الذي قام به ناس منهم ادورد دودن وأ. ك. برادلي، وفي أسوأ أحوالها أنبتت النظريات المختلفة حول هاملت ومنها: نظرية مركيدة بأن المسرحية فلسفة رمزية للتاريخ يمثل هاملت فيها الروح الباحثة عن الحقيقة وتمثل اوفيليا الكنيسة. ونظرية ليليان ونستانلي بأنها تدور حول الوراثة الاسكتلندية للعرش، ونظرية جون دوفر ولسون بأنها حول مؤامرة إسكس Essex ونظريات أخرى مثل أن هاملت كان امرأة وقعت في حب هوراتيو أو أنه كان شاباً شريراً زيف أمر الطيف وهكذا مما لا يقف عن حد.
ويمثل دوفر ولسون قضية نموذجية فهو ناقد للنص ذكي محافظ، وأحد محققي نسخة كيمبردج الجديدة القيمة (المستهجنة أحياناً) وأحد من قاموا بدراسة شاملة للخط في عصر اليزابث أساساً، لإعادة بناء مخطوطات شيكسبير من خلال أخطاء صفافي الحروف، ولكنه إذا اقترب من التفسير
(1) هناك قائمة حاسمة لستة وعشرين قسماً كبيراً من الدراسات الشيكسبيرية لمن قد يثير رغبته هذا الخبر السطحي، موجودة على الصفحة الأولى من تلك المقالة الممتعة التي كتبها ج. ايزاك في الموضوع، في كتابه " المرشد إلى الدراسات الشيكسبيرية ".
النقدي ركب وجه الشطط، ولم يعتمد على أي شاهد اكثر موضوعية من الهواجس التي تخايله وهو يدخن غليونه. فيضع نظريات حدسية كقوله في " شيكسبير الأساسي " The Essential Shakespeare إن القصائد العظيمة الأخيرة التي نظمها شيكسبير بلا ريب بعد عزلته قد أعدمها صهره البيورتاني، ومثل قوله في " ماذا يجري في مسرحية هاملت " What Happens in Hamlet إن شيكسبير اختار الدنمارك مسرحاً لمسرحيته لأنها كانت تدين بمذهب لوثر، حتى إن غريغ يبدو مدهش الاعتدال حين يقول في وصف نظريات لسون " إنها انطلاقات بالون، لم يحسن تثبيته بالخيوط، في ريح عاتية ".
4
- وهناك عدد من الدارسين المعاصرين، عدا كارولاين سبيرجن، قد أسدوا يداً طولى للنقد ولعل أهمهم جميعاً رجل تأثرت الآنسة سيبرجن بطريقته، وذلك هو الأستاذ جون لفنغستون لويس بجامعة هارفارد. فإنه من ذلك النوع النادر في عالم الدراسة الذي يجمع بين العلم الواسع والخيال السديد. وكل نقده استغلال للاطلاع الواسع، على نحو قد يبدو مستهجناً في بعض الأحايين، فهو قادر على أن يجعل ديدنه عد الاغماءات في الترجمات الفرنسية للملاحم الكلاسيكية، في القرون الوسطى (ثلاثون إغماءة من الأبطال والبطلات في " قصة طروادة " Roman de Troie واثنتان وعشرون في " طيبة " Thebes " وأربع مرات أو خمس يصبح فيها الخط غير مقروء في موقف مؤلم واحد ") أو عد القوافي المتكلفة المقيدة عند الشعراء، ملاحظاً كيف أن بوب اتقد ورود قافية Breeze مع Trees ثم وقع فيها هو نفسه في أربعة مواطن أو خمسة وأن القافية Alps في قصيدة " تشايلد هارولد " استدعت حتماً Scalps لأن معجم ووكر Walker " s Lexicon
نفسه لا يوحي بأي بديل آخر وهكذا.
وأعظم أثر دراسي نقدي ألفه لويس هو كتابه " الطريق إلى سندو " وعنوانه الفرعي " دراسة في طرق الخيال "، ويحيو ستمائة صفحة يتتبع فيها مصادر قصيدتي كولردج العظيمتين:" الملامح القديم " و " قبلاي خان ". فهو تشييد؟ من جديد؟ لمدى اطلاع الشاعر وحال عقله بدقة بعد مائة وخمسة وعشرين عاماً، تشييد خلاب كله، ويكاد يكون معجزاً، حين نذكر أنه يمثل جهد امرئ واحد. وقد اعتمد لويس على عادة تملكت كولردج وهي تقييد الملاحظ، وعادة أخرى غريبة وهي أن يمضي من أي كتاب قرأه إلى كل الكتب التي أشار إليها الكتاب الأول، وبذلك تتبع كولردج خلال قراءته. ومما نجم عن عناده هذا الذي لا يكاد يصدق (قرأ " بصريات " Opticks بريستلي ذات الثمانمائة والسبع صفحات من حجم الربع، كأنما ألقي في روعه أنه سيجد شيئاً، فوجد في الصفحة 807 ما كان يبحث عنه، برهاناً على أن كولردج قد قرأ الكتاب واستعمله) أنه استطاع أن يتتبع المصدر الواعي واللاواعي لكل صورة تقريباً في القصيدتين وفي إحدى أدوار القصيدة تتبع حقاً كل كلمة إلى مصدرها. وإذا الشيء الذي بدأ تتبعاً بسيطاً ذات الطابع الدراسي، توالد على يدي لويس فأصبح دراسة عظمى في عمليات الخيال الشعري.
وقد اضطرته طبيعة المادة ليجازف بالدخول في طبيعة الذاكرة والخيال. ومع أنه على التحديد لا يزعم لنفسه اهتماماً سيكولوجياً أعمق، ويقول " أحب أن أقرر توكيداً بأنني أعالج في هذه الدراسة ما يسميه المحللون النفسيون المحتوى المادي للحلم وأنني أقصر معالجتي على ذلك وحده، فلا شأن لي بما يسمى المحتوى الكامن أي رمزها لتحقق الرغبات أو الصراع أو غير ذلك؟ مع ذلك ينتهي بصورة معقولة جداً للعقل الباطن عند كولردج، وإن
وجده ممثلاً في المصطلح السيكولوجي الميكانيكي الغريب الذي كان يستعمله كولردج مثل " خطاطيف الذاكرة وعيونها " ومصطلح بوانكاريه " الذرات المعقفة ". والكتاب في الحق دراسة " لقوة الروح المشكلة من حيث قدرتها على التمثل والتجسيد ". أو دراسة لما يسميه بودلير " العمل الذي يصبح به الحلم أثراً فنياً ".
إن كتاب " الطريق إلى شندو " لا يستنفد كل ما أسداه لويس، فدراساته في الشعر الحديث كانت تتمشى جنباص إلى جنب مع ميدان تخصصه، وهو شوسر، وقد ركز دراسة امتدت ربع قرن عن شوسر في كتاب يعد من أحسن الكتب القريبة من أذهان الجمهور، وهو " جيوفري شوسر وتطور عبقريته " Geoffrey Chaucer and Development of His Genius فجاء هذا الكتاب حلقة في الموروث العظيم الذي خلقه سكيت وفرنفال وكتردج. وقد درس فيه شوسر الإنسان، لا دراسة نص ميت، ليتمززه الدارسون، بل من حيث هو شاعر من الطراز الأول عاش في عصر خلاب. ثم إنه بالإضافة إلى ذلك عثر على كشوف جانبيه، أثناء دراسته لكولردج، في المصادر اللاواعية لشعراء مثل ملتون وكيتس، وهذا يوحي بأن كتاب " الطريق إلى شندو " قد يستطيع أن ينمي مدرسة قادرة على أن تحول الزحف الدراسي البليد في عالم المصادر إلى نشاط نقدي.
وأكثر الحقائق وضوحاً عن " الطريق إلى شندو " وعن " الصور عند شكسبير " كذلك هي ما في كل منهما من إمكانيات هائلة للتوسعة والإضافة، وبخاصة في اتجاه التحليل النفسي الذي يبرأ لويس من عهدته فيه عمداً. هذا وإن لويس محق في احتقاره للدراسة الملتبسة بالتحليل النفسي التي أجراها روبرت غريفز على قصيدة " قبلاي خان " في كتابه " معنى الأحلام "، متعقباً ما في تلك الدراسة من جهل وشطط، ومجاوزة للدقة في مواطن معينة، وبلادة عامة. غير أنه لا يستطيع أن ينكر إمكانية دراسة القصيدة على وجه
متزن ذكي، ومثل هذه الدراسة سيعتمد كثيراً على كتابه، بتناول أعمق نتائجه، وتعميقها أيضاً (1) .
أما من الناحية الأخرى فإن الدارسين، ورفيقهم الذي هو كواو عمروٍ فيهم، أعني مارك فان دورن. قد لاموا لويس لأنه عدا طوره وتوغل بعيداً في مغامرته. فمثلاً تذمر فان دورن عندما راجع الكتاب بمجلة " الشعب " من أن لويس لم يلزم نفسه في حدود ما يلتزم به الدارس من تقرير حقائق قابلة للتوضيح، ومن طبع نص توضح فيه القصيدة على صفحة وتجعل مصادرها على الصفحة المقابلة " دون أن يقول شيئاً من عنده في أكثر المواقف " لا أن يجرؤ على الكلام عن عمليات الخيال وطرقه.
وقد وجه الأستاذ لين كوبر من كورنل لكتاب " الطريق إلى شندو " أمضى نقد متصل بالدراسة في مجموعة " منشورات جمعية اللغة الحديثة " سنة 1928، وأعيد نشره في مجموعة لكوبر عنوانها " أوراق أرسطوطاليسية " عام 1939. ويمثل كوبر الذي يسمي نفسه ناقداً " ارسطوطاليسياً " وهو صانع فهارس للألفاظ أحب قليلاً من الأدب بعد وردزورث، نقيضاً مدهشاً للويس مثيراً للعبرة. فقد نشر سنة 1910 بحثاً يدل على بصيرة متميزة عن " قوة الباصرة عند كولردج "، فأبرز كثيراً من مختلف مظاهر البصر السديد المغناطيسي في قصيدة " الملاح القديم "، في تناوله الأشخاص والشمس والحيات وما أشبه. ويبدو أنه كان مستاءً لأنه وجد شيئاً هاماً في شاعر يكرهه، فأنفق معظم المقال وهو يعتذر. فلما ظهر كتاب لويس، راجعه كوبر، وكانت مراجعته من أحط أنواع الهجوم الذي ينتحل اسم
(1) قام بهذا إلى حد روبرت بن ورن في الملحق الطويل على قصيدة " الملاح القديم "" قصيدة ذات خيال خالص " سنة 1946 ولا ريب في أن ورن يعمق دراسة لويس بخاصة من خلال استعماله النماذج العليا التي جاءت بها الآنسة بودكين. ولكن قسطاً كبيراً من جهده مبدد سدى لا في البدء من حيث انتهى لويس بل بمناقشته عجز عنه لويس، ولنواح من القصور عنده عامة.
لدراسة وأشدها غروراً وأدناها نفساً. وهنالك صرح قائلاً " وكان من الطبيعي أن حاولت لأرى إلى أي مدى استغل دراستي "(قد استغل لويس دراسته واعترف بذلك) وأظهر أنه ينتقد استخدام لويس لها، وأنه ساخط لأن لويس قد وجد من الضروري أن يزيد عليها شيئاً. واقترح أن كتاب لويس يحتوي قليلاً من الأصالة، أو لا يحتوي أبداً، ولكنه مع ذلك ينكر عليه شططه، ويلمح إلى أن هذا نوع من المتاجرة بعرض الدراسة من أجل كسب الصيت والسمعة. وهاجم قصيدة " قبلاي خان " لما فيها من " وصمات " أخلاقية، ووافق وردزورث في نقده " الارسطوطاليس " لقصيدة " الملاح القديم " ووصفه لها بأنها ليست جيدة كثيراً، واقترح أن وردزورث كتب ذلك الشيء القليل القيم الذي يسمى باسم كولردج، وأثار ضد لويس مماحكات صغيرة لا حصر لها، وانتفخ زهواً حين وجد في كتاب ولويس صيغة نحوية مضطربة العلاقة، وعد عليه تكريراته. وتكاد مقالة كوبر أن تكون مجموعة من أردأ أخطاء الدراسة المتخصصة، فيما يعتري الدارسين المتخصصين من عيوب ذاتية، وفي جدب الطريقة وانعدام الخيال. حتى إن لويس وكوبر نموذجان للدارس، يرسمان مفارقة ممتعة، ويقفان على طرفي نقيض.
غير أن الدراسة المتخصصة على يد دارس واحد على الأقل، في حقل فلسفي، قد أسهمت إسهاماً بالفعل في حركة النقد الأدبي، وهي أيضاً أكثر ثمرة بالقوة. أما ذلك الحقل فهو تاريخ الأفكار وهو حقل فلسفي ابتكره واستولى عليه؟ في الأكثر؟ الأستاذ آرثر أ. لفجوي من جامعة جونز هوبكنز. وتاريخ الأفكار هو تتبع أفكار موحدة من الفلسفات خلال التاريخ الفكري، وكما أنه يجد أكثر الأنوار الهادية في التعبير الأدبي فكذلك يستطيع النقد الأدبي أن يستمد منه في معالجة المتكأ الفلسفي للأدب. وأهم كتب لفجوي، كتاب " السلسلة العظمى للحدوث " The Great Chain of Being
وفيه يتتبع فكرة " الحدوث " المؤلفة من ثلاثة مبادئ مترابطة وهي الكمال والاستمرار والتدرج، منذ أصولها عند أفلاطون وأرسطوطاليس ثم انتقالها في القرن الثامن عشر؟ انتقالاً مؤقتاً؟ إلى السلسلة العظمى للصيرورة حتى تفتحت أزاهيرها عند شلنج والرومانتيكية. وفي سياق الكتاب يرسم لفجوي حقاً تاريخياً للفكر الرومانتيكي مستمداً شواهده لا من الفلسفة والأدب فحسب بل من علم اللاهوت وفقه اللغة والسمانتيات والعلم والسياسة والبستنة. وقد كانت مادة هذا الكتاب الذي ألقي باسم محاضرات وليم جيمس في هارفارد، بعيدة الأثر في الكتابات النقدية التي صدرت عن عدد من أساتذة هارفارد ومن بينهم ف. أ. ماثيسون وثيودور سبنسر ولكن يبدو أن ليس هناك عدد كثير من النقاد باستثناء جماعة هارفاد وجونز هوبكنز (وكنث بيرك كما هي العادة) يعرف لفجوي وكتابه مع أن الدارسين المتخصصين قد تأثروا به تأثراً شاملاً. وقد كانت معرفته حقيقة بأن تكون كبيرة القيمة في تلك الكشوف عن الرومانتيكية مثل كتاب " روسو والرومانتيكية " لبابت، وكتاب طالنشوة الرومانتيكية " The Romantic Agony لماريو براتز، وكتاب " انحطاط المثال الرومانتيكي وسقوطه " The Decline and Fall of the Romantic Ideal للوكاس (والاثنان الأولان صدرا قبل ظهور كتاب لفجوي) . إن أعظم فائدة يحبوها تاريخ الأفكار للنقد الأدبي هي منحه القدرة على أن يعيد بناء " هيكل المراجع " أي الجو الفكري الذي يكمن تحت الآثار الكبرى في الماضي. وقد استكشف لفجوي أفكاراً أخرى في كتابه " ثورة ضد الثنائية " The Revolt against Dualism وفي كتاب " البدائية والأفكار المرتبطة بها في الأزمان القديمة " Primitivism and Related Ideas in Antiquity وهو تاريخ من وثائق جمعها بالاشتراك مع جورج بوس. ولديه هو وتلامذته مجلة اسمها " مجلة تاريخ الأفكار " مخصصة لمثل هذه الكشوف، ولكن لا شيء من آثاره كلها
يطاول " السلسلة العظمى للحدوث " أهمية، حسبما ترقي إليه معرفتي.
ويستحق أ. ك. برادلي بعض الحديث هنا من حيث أنه يمثل نموذجاً من الدراسة المتخصصة التي لا تعتمد على طريقة خاصة سوى القراءة الدقيقة والمقارنة (كذلك فإن كتاب ستول " دراسات شكسبير " مثل آخر على هذا النوع) . وإذا استثنينا بضع دراسات خاصة متحيزة، مثل دراسة امبسون ونايت وارنست جونز والآنسة سبيرجن وآرمسترونغ، حكمنا بأن برادلي كتب أعمق نقد شكسبيري وأشمله إدراكاً ف عصرنا. أما فيما يتعلق بمسرحية هاملت فإن برادلي بلغ مشارف النتائج التي بلغها جونز دونما عون إلا العناية الدقيقة وإعمال الفكر. وليس ينقصه إلا معدات التحليل النفسي التي كان بإمكانها أن تمضي به إلى الأمام خطوات، فقد أدرك أن النظريات الكبرى بإمكانها فائلة وأن حال هاملت تتصل اتصالاً وثيقاً بشيء يتعلق بأمه لا بعمه، وفي الحق إن اصطلاح " الشلل السوداوي " الذي عنى به عجز هاملت عن العمل إنما هو إرهاص فذ باصطلاح جونز ذي المسحة العلمية وهو " فقدان قوة الانتباه "، وهو في الوقت نفسه كأنما ينبئ بظهر الغيب عن الآنسة سبيرجن ونايت وامبسون. ففي إرهاصه بما ستحققه الآنسة سبيرجن نجده يعمل جدولاً باستعمال اياجو للصور البحرية ويلحظ وفرة صور الحيوان في " تيمون " و " ولير " ويكتب جريدة بصور الظلام والنور والدم واعنف في " ماكبث " وهكذا. وفي إرهاصه بما سيحققه نايت نجده يجمع التلويحات للموسيقى عند شيكسبير ويلحظ أن الموسيقى هي فيما يبدو الرمز الصميم للسلام والسعادة عنده ولكنه يسهو عن أن يتقدم خطوة أخرى ليرى كيف أن العاصفة هي الرمز المضاد لها. ويقترب برادلي من نظرية امبسون التي قال فيها إن مصححي النصوص الشيكسبيرية " يحلونها " ويوضح فكرته بواحد من التصحيحات التي بنى امبسون عليها رأيه أعني تصحيح جونسون لعبارة " طريق حياتي "
Way of Life وجعلها " ربيع حياتي " May of Life.
إن استفاضة دراسة برادلي غير جلية في متن كتابه الرئيسي " التراجيديا الشكسبيرية " Shakespearian Tragedy وهو دارسة مطولة لهاملت وعطيل ولير وماكبث، إذ يخصص فصلين لكل مسرحية، أولهما مناقشة دقيقة للمبنى؟ في معظمه؟ والثاني دراسة للشخصيات على أنها أناس حقيقيون. ولكن الدراسة المتخصصة الكامنة وراء الاستبصارات النقدية في الكتاب، إنما تتجلى بقوة في اثنتين وثلاثين ملحوظة مذيل بها على المتن، وتتناول التصحيحات النصية، والمقارنات بين متن طبعة قطع الربع ومتن الفوليو، وجداول لاستعمال الكلمات، واقتراحات عن الأعمال المسرحية، وضبط التواريخ من خلال عددٍ من الاختبارات الفنية. وكثير من هذه الدراسة المتخصصة ينتهي إلى لا شيء؟ فقد يستوي عنده أن تنتهي الملحوظة باستنتاج يقول فيه إن المسألة ليست إلا مجرد تقلب عند شيكسبير، أو أن في المسألة قولين وليس أحدهما بأقوى احتمالاً من الآخر؟ ولكن هذه الملاحظ هي أساس الإدراك النقدي الذلق في كل الكتاب.
ولم يوفق برادلي مثل هذا التوفيق في فروع أخرى من الأدب، عدا شيكسبير، فإن أحاديثه عن الشعر الرومانتيكي الإنجليزي في كتابه " محاضرات أكسفورد في الشعر " Oxford Lectures on Petry وفي " تعليقه على قصيدة " الذكرى " لتنيسون " تنزع إلى أن تلتبس بمجادلات فارغة ومتحجرة بعض الشيء عن " الرفعة " وهل هذا الشاعر " أرفع " من ذاك. وخير ما في كتاب " محاضرات أكسفورد " هو المادة المتعلقة بشيكسبير أي عن فولستاف ومسرحية " انطوني وكليوباترة " والمسرح والجمهور في عصر اليزابث. أما اهتمامه الرئيسي بشخصيات شيكسبير، وفي هذا يعد الوارث المنطقي لكولردج وهازلت وبراندز (حركة أدبية سحر منها سخرية جميلة ل. ك. نايت في مقاله " كم ولداً رزقت السيدة ماكبث ") فإنه يؤدي إلى الهوة التقليدية التي
يهوي فيها القائمون بالأبحاث في هذا المجال، أعني تلك التخمينات البليدة عن شخص شيكسبير نفسه، فهو يحتقب كل أوزار التطرف التي تحتقبها الآنسة سبيرجن، إذ يخبرنا أن أحب زهرة إلى شيكسبير هي البنفسجة، وطائره المفضل هو القبرة، وأنه كان يكره الكلب الصغير الطويل الشعر والأذنين، وأن هذه العبارة أو تلك " ذات نغمة ذاتية " فيما يبدو، أو أنها " صدرت من القلب " أو " أن شيكسبير نفسه هو الذي يتكلم هنا ".
إلا أن ذوقاً معتدلاً قاراً في الجبلة، يقي برادلي في أكثر الأحوال شر التفاهة ويسدد أحكامه. نعم إنه ليستطيع أن يركز جهده في الدقائق التافهة كأن يعد الأسطر في المشاهد المتوترة، والمواقف التي ينتقل فيها شيكسبير من النثر إلى الشعر، وعدد المبارزات، والمناسبات التي تضرب فيها الموسيقى العسركية في القسم الأول من " هنري السادس "، غير أنه مع هذا لا يوحل في حمأة هذه التوافه، بل يستغلها دائماً ليبلغ فكرة سديدة. وأكبر نقص لديه، ضآلة معرفته بالدراما الكلاسيكية والنقد الكلاسيكي، ولو كان محصوله من ذلك وفيراً، لأعانه في ميدان تخصصه. ومع أنه يقيم مقارنات متعددة بين شيكسبير والروائيين الإغريق ويتكئ على أرسطوطاليس بشدة إلا أنه في نصه وتوكيده أن " الشخصية " جوهر المسرحية، يبتعد عن أرسطوطاليس. ثم إن عدم فهمه أساساً لطبيعة الدراما الإغريقية، يؤدي به إلى أن يرى في ماكبث بطلاً لم تكتمل بطولته، كذلك وصفه لسياق المسرحية بأنه يجري في ثلاث مراحل " العرض والصراع والكارثة " يغفل فيه العنصر الجوهري في الدراما الإغريقية وكل دراما عظيمة بعدها أعني " القبول " النهائي (قارن بهذا مثلاً الحلقة المفرغة عند فرانسس فرغسون المكونة من " الغاية، والعاطفة، والإدراك ") .
ولم يلحظ أحد نواحي القصور والعيوب في الدراسة المتخصصة مثلما لحظها برادلي فهو يتحدث باحتقار عن نوع من الدارسين يضيء نفسه بالرد
على آراء منافسيه، ويكب على استقصاء الدقائق التافهة حتى يفقد " الانطباعات الواسعة العميقة، التي تخلفها القراءة الحيوية في النفس "، ويقول:
البحث سهل وإن كان متعباً. والاستنظار التخيلي صعب وإن كان ممتعاً، وقد نؤثر الأول مأخوذين بسهولته. أو قد نلحظ أن شيكسبير قد استعمل في عبارة ما، ما عثر عليه في أحد المصادر، فنتهرب من أن نسأل أنفسنا لم استعمله وماذا صنع؟ أو قد نرى أنه أدى شيئاً قد يرضي جمهوره فنمر به عابرين، لاعتقادنا أنه أمر نعرف تعليله، ناسين أنه كان يرضيه أيضاً، وأن علينا أن نجد العلة في ذلك. أو ترينا معرفتنا لمسرحه التلاءم بين المشهد المسرح لإخراجه، كأنما علة الشيء لابد أن تكون مفردة بسيطة. فمثل هذه الأخطاء تثير المرء الذي يقرأ شيكسبير بروح شعرية، وتجعله يكفر بمعرفتنا. ولكن علينا ألا نقع في هذه الأخطاء، كما أننا لا نستطيع أن نرفض أي معرفة تعيننا على فهم عقل شيكسبير من أجل ما تجلبه من أخطار.
وقد كان برادلي نفسه بمنأى عن هذا النوع من الدارس الذي يشير إليه، كان في الحقيقة ازدواجاً موقفاً من الدارس نفسه ومن " المرء الذي يقرأ شيكسبير بروح شعرية " وخير ما يوصف به عمله ما قاله هو في الإشارة إلى مقال فذ لموريس مورغان عنوانه " مقال في الشخصية المسرحية: شخصية السير جون فولستاف " فقد وصفه بأنه يفسر عملية الخيال عند شيكسبير " من الداخل ".
نستطيع بعد هذا أن نلخص في إيجاز ما أسداه للنقد بضعة نفر فقط من الدارسين، فنقول: يستطيع الدارس أحياناً بوساطة طبعة محققة كاملة أقبل عليها بنفس، أن يستنقذ شاعراص من يد الإغفال والنسيان ويمهد الطريق
لانتعاشة نقدية، مثلما صنع القسيس الموقر الكسندر دايس في تحقيقه الرائع لآثار سكلتون سنة 1843، فهذا الكتاب معلم على اللوذعية وحسن التذوق، ولم يحتج إلا تصحيحاً يسيراً من بعد. وقام الأستاذ تشايلد بمهمة مماثلة، أو لعلها اشمل، في تنظيم الأغاني الشعبية الإنجليزية والاسكتلندية حتى إنه كل دراسة ونقد يبدءان؟ حتى اليوم؟ من هذه الطبعة المحققة. (إن الأعمال النقدية التي قام بها دارسون آخرون في حقل الأدب الشعبي والمصادر الشعبية للأدب الشكلي، بما في ذلك العمل المتميز الذي أداه جلبرت مري وجماعة كمبردج، قد جرى الحديث عنها في فصل سابق) . وأحيانا يبعث الدارس قوة في تقنية تقليدية، من جديد، مثلما صنع ج. لسلي هوتسون بذلك البحث المألوف الجاف كالغبار في السجلات القانونية، فأخرج كتابين بالغي القيمة أحدهما " موت كرستوفر مارلو " The Death of Christopher وهو خبر عمن قتل مارلو في الحقيقة وأسباب مقتله؛ والثاني " شيكسبير ضد شالو " Shakespeare Versus Shallow برهان على أن الشخص الحقيقي الذي يمثله القاضي شالو في مسرحية " نساء وندرسو المرحات " لم يكن السير توماس لوسي، ولكنه كان عدو شيكسبير القديم القاضي وليم غاردنر. وكلا الكتابين يشبهان في المتعة قصصا بوليسية من الطراز الأول. وأحيانا ينمي الدارس، من الوجهة الأخرى، تقنية جديدة أو يضيف شيئا إلى واحدة قديمة، مثلما فعلت الآنسة سبيرجن وآرمسترونغ ونايت ولوليس. فدراسة جورج رايلاند للفظ عند شيكسبير في " الألفاظ والشعر " Wards and Potery وكشوف ل. ك. نايت للجو الاجتماعي والاقتصادي المحيط بأدب القرن السابع عشر (وسنتحدث عنها فيما يلي) مثلان آخران على هذه التقنيات الجديدة التي تبشر بالخير.
وهناك مشروع دراسي أخير يستحق أن يذكر، فمنذ 1935 دأب تشارلس د. أبوت مدير مكتبة لوكوود التذكارية، بجامعة بفلو
على جمع مسودات الشعراء المعاصرين، رجاء أن يعرض عملية المراجعة الشعرية عرضا موضوعيا. وقد حصل ثلاثة آلاف منها، وأحيانا يبلغع أن يكون لديه ثمانون نسخة من قصيدة واحدة. وأول دراسة تجريبية لبعض هذه المادة، نشرت حديثا في مجلد عنوانه " الشعراء حين ينظمون " Potes at Work ويضم مقالات كتبها و. هـ؟؟. أودن وكارل شابير ورودلفق آرنهايم ودونالد. أ. ستوفر، ومقدمة كتبها أبوت يوضح بها مشروعه، وبعض صور للمخطوطات. ولا تعدو أي واحدة من هذه المقالات، بطبيعة الحال، ملامسة سطح المادة (ومقالة أودن فيما يبدو لا تسمها أبدا) ولكن يرجى أن تكون هذه المقالات بشيرا بدراسة واسعة منظمة، على نفس الخطوط التي بدأت في هذه المجموعة فيما أرجح (المشاركون في هذه المقالات: اثنان منهم شاعران وواحد سيكولوجي والرابع مدرس للأدب) . وليست هذه فكرة جديدة في ميدان الدراسة فإن لويس مثلا في كتابه " الاتباعية والثورية في الشعر " Convention and Revolt in Potery قد فحص التنقيحات الشعرية عند تنيسون وكولردج وكيتس ووردزورث وشيكسبير أيضاً (ولما لم تكن هناك مخطوطات من شيكسبير جعل شاهده من مسرحية هاملت طبعة حجم الربع وهي فيما يظن تمثل تنقيح شيكسبير للنص) . أما أداء هذه المهمة على نحو منظم كامل لا على وجه جزئي عارض، فربما تمخض عن نتائج متميزة، كما فعلت دراسة الآنسة سبيرجن للصور، وكما فعل بحث لويس عن المنابع والمصادر وتتبع لفجوي لتاريخ الفكرة الواحدة.
5
- بقي مظهر واحد آخر في آثار الآنسة سبيرجن يحتاج منا تقديرا، ذلك هو رغبتها في التصوف؛ فكتابها " التصوف في الأدب الإنجليزي " يطلعنا على أنها مهتمة كثيرا بالفكر الصوفي والكشف الصوفي إلى حد أن تكون داعية للتصوف، متأثرة كثيرا بمتصوفة المذهب البوصي الكراريسي المعاصر
مثل ايفلين أندرهل. وقد استمر تعلقها بالتصوف في أثناء كتابها " الصور عند شيكسبير " وربما كان هو العنصر الذي استثار هذه الدراسة، لإيمان الآنسة سبيرجن بأن الصور ذات مغزى صوفي. فقد كتبت تقول:
إن المجاز في المقام الأول موضوع ذو مضمون عميق يستدعي قلما أقدر من قلمي على الخوض فيه بكفاءة، لأنني أميل إلى الاعتقاد بأن قياس التمثيل أعني المشابهة بين الأشياء غير المتشابهة؟ وهي الحقيقة الكامنة في صلب المجاز وإمكانيته؟ تتضمن في ذاتها سر الكون عينه. إن الحقيقة المجردة التي أتمثلها في البذرة والورقة الساقطة، وإنها في الواقع تعبير آخر عما نشاهده يجري على الإنسان من حياة وموت، لتهزني كما تهز الآخرين وتملأ نفسي ونفوسهم بأننا في هذه الأرض في حضرة سر عظيم، لو استطعنا أن نفهمه، لقدرنا على أن نفسر الحياة والموت نفسه.
إن الصورة التي يستخلصها الإنسان لعقل شيكسبير من الفصلين المعنونين: " شواهد من الصور عن فكر شيكسبير " لأعرق في التصوف مما قد توحي به المسرحيات نفسها، لأنها تؤكد العناصر اللامادية والبرغسونية، وتنتهي بهذا الحكم الذي تصدره الآنسة سبيرجن دونما شاهد معين:" مرة واحدة فقط يحدثنا شيكسبير بلسان نفسه؟ فيما يبدو؟ حديثاً مباشراً عن ما يراه في مشكلة الموت " وذلك في المقطوعة رقم 146 حيث تميت النفس الموت نفسه. وينتهي بها بحثها في فلسفته في فصل " شيكسبير الإنسان " إلى أن شيكسبير كان من أصحاب النزعة الإنسانية المتصوفين، مثل شخصية الدوق في مسرحية " واحدة بواحدة " Measure For Measure الذي يعتقد أننا " موجودون ما دمنا نلمس أصحابنا، ونتلقى منهم الدفء أو النور الذي أطلقناه إليهم ".
ومع ذلك فإن موضوعيتها الدراسية لم تنتقض حيويتها بهذا الانهماك في التصوف، وقد يقال في هذا الميل إنه نزوة من النزوات التي ينزع النقاد إلى أن يعكفوا عليها كغيرهم من بني الإنسان؛ ولكثير من النقاد نزوات تجري في آثارهم، دون أن يؤذيها مثل ثورة بيرك على التقنولوجيا، دون أن يؤثر في طابعها تأثيراً أساسياً. وآخرون مثل ت. س. اليوت ينحرف عملهم انحرافاً كاملاً على هوى ما ينهمكون فيه ولكن ذلك لا يحطم قيمته أو سداده. وبعضهم مثل مود بودكين وجون مدلتون مري يتخلون عن منهجهم النقدي الذي منحهم التميز لينغمسوا في نزواتهم، وآخرون تخلوا عن النقد إطلاقاً ليرعوا الدواء الشافي كما فعل رتشاردز في " الإنجليزية الأساسية " Basic English. وأكثر الحالات تطرفاً وإثارة للعبرة، في ناقد ركب هواه، وكان هوىً غريباً، هي حال ج. ولسن نايت:
كانت آثار نايت معماة بالتصوف منذ البدء، فأول كتبه كراسة عنوانها " الأسطورة والمعجزة " Myth and Miracle يستكشف " الصفة الروحية " في مسرحيات شيكسبير الأخيرة. أما كتبه التالية فقد نشرت تباعاً في مجلات مثل The Occult Review و the Quest، وبعد ذلك انهمك في تواليفه " بالأخلاق المسيحية " و " طبيعية " برغسون و " تقدس " الجنرال سمطس و " حيوية " د. هـ؟. لورنس وأضافها جميعاً إلى الخميرة الأصلية. والتقت صوفيته أثر الحرب فانتجا في كتابين له صدرا أيام الحرب أغرب نوع من النقد؟ أو من اللانقد؟ يخطه قلم أبداً. أما الأول الذي صدر عام 1942 بعنوان " مركب الغضب: رسالة جون ملتن إلى الديموقراطية المحاربة " Chariot of Wrath فيمثل ملتن ملكياً محافظاً طوال عمره، عدواً لدوداً لكرمول الطاغية (أي صورة هتلر امعاصر) مدافعاً عن الملكية الدستورية في القرن العشرين، متنبئاً تكهن برجال الطابور الخامس حين صور دليلة، وبالحرب الجوية في المعركة بين الملائكة
وبكل من غورنغ وغوبلر في حزب الشيطان، وبالدبابة والقاذفة في مركبة المسيح بل تكهن بكل جزء من أجزاء الحرب الثانية كاملة حتى حين تكوين الأمم المتحدة. ويرى نايت أن مبدأ ملتن هو أن الإمبراطورية البريطانية تهدف إلى تحقيق الخير عن طريق القوة أي إلى تحقيق مملكة المسيح أي إلى " الخدمة المثالية " مناقضة في ذلك أهداف أوروبة المكيافللية. ويوافق نايت على أن ملتن تنبأ بأن الطريق الوحيد الذي تستطيع به بريطانية أن تحقق هذا النظام العالمي المثالي هو أن تسود العالم، أي أن تنبع مبدأ نايت الذي يسميه الاستعمار المسيحي.
وأما الكتاب الاني الذي صدر عام 1944 بعنوان " الزيتونة والسيف: دراسة لانجلتره أيام شيكسبير " The Olive and the Sword فإنه توسعة للكراسة التي نشرها نايت سنة 1940 عن رسالة شيكسبير القومية بعنوان " هذه الجزيرة ذات الصولجان " This Sceptred Isle. ويقول نايت إن شيكسبير كان نبياً قومياً معنياً بروح انجلترة، معارضاً لسياسة الترضية، ولهتلر في صورة رتشارد وماكبث وزوجه، مكرساً إنتاجه للدعوة إلى دور بريطانية الاستعماري المسيحي، ولدى شيكسبير تنبؤات حربية مشبهة للتي عند ملتن فهناك تنبؤ بالصراع الجوي في يوليوس قيصر وهكذا. وهناك أيضاً سلسلة من المتقابلات المتوازية بين عصر شيكسبير والعصر الحاضر في الأحداث (فليس رتشارد صورة من هتلر فحسب بل أن بكنجهام هو رويم Rohm وهاملت هو انجلترة ولايرتس وفورتنبراس هما ألمانية وإيطالية، وهو يعيد النص على أن الأدب هو " الإيمان الخالق " ويقول:" ليس هذا انحرافاً بالشعر العظيم خدمةً للدعاية المعاصرة ". ويبدو أن وجهة نظرته انحازت إلى الاتزان؟ إلى حد ما؟ في فترة بين الكتابين حتى أصبحت دعوته إلى سيادة بريطانية للعالم في الكتاب الثاني تتفق والقيادة الخلقية أكثر من أن تعني الحكم العسكري، هذا إلى عناصر اشتراكية كبرى مزجها بالمسيحية والاستعمار. غير أن
هذا التفسير ما يزال من أغرب التفسيرات التي صدرت عن ناقد جاد، وفي نصه على أن رسالة شيكسبير تكشف عن أن انجلترة ذات دور أعظم وأشمل من دور ألمانية الهتلرية، ما يجعل هذا التفسير من أكثر التفسيرات انظاءً على مضمون خطر.
هاهنا موقفان محزنان: موقف نايت في تنكره لأي دعوى تتصل بالنقد (وفي كل كتبه انطمست طريقته الموحية اللامعة وما تركت في مكانها إلا معاني نثرية سطحية ونسيجاً سخيفاً من المقتبسات يتوقع لها أن تكون معاصرة) وموقف جون مدلتون مري في خبله المشابه بعد تحوله المذهبي سنة 1925. وفي كلا الموقفين أخذت الآنسة سبيرجن بثأرها فإن صفات الخيال التي يتمتع بها نايت ومري، والتي مكنتها من أن يبلغا بمادتها أبعد مما بلغت، هي نفس الصفات التي أنتجت ذينك الأثرين المضحكين اللذين كتبهما نايت في النقد كما أنتجت ما وراء البيولوجيا الأدبية عند مري. ولم تكن الآنسة سبيرجن قادرة على الأول ولكنها لم تكن أيضاً لترضى أن تنتج الثاني. فلتخلد الآنسة سبيرجن مثلاً للدراسة المتخصصة في خير أحوالها، خلاقة إلى حد أن تكشف عن منجم من الثراء للنقد، ولكنها ليست خلاقة إلى حد أن تشق عنه الأرض بنفسها. وإذا ما قورنت بلين كوبر في طرف ونايت ومري في الطرف الآخر فلتذكر دائماً على أنها نذير للدارسين والنقاد، فانهم صنعاً لو أبقوا على الأرض قدماً واحدة، فلم يرتفعوا بهما معاً، ولم يقعوا بهما معاً. هذا التفسير ما يزال من أغرب التفسيرات التي صدرت عن ناقد جاد، وفي نصه على أن رسالة شيكسبير تكشف عن أن انجلترة ذات دور أعظم وأشمل من دور ألمانية الهتلرية، ما يجعل هذا التفسير من أكثر التفسيرات انظاءً على مضمون خطر.
هاهنا موقفان محزنان: موقف نايت في تنكره لأي دعوى تتصل بالنقد (وفي كل كتبه انطمست طريقته الموحية اللامعة وما تركت في مكانها إلا معاني نثرية سطحية ونسيجاً سخيفاً من المقتبسات يتوقع لها أن تكون معاصرة) وموقف جون مدلتون مري في خبله المشابه بعد تحوله المذهبي سنة 1925. وفي كلا الموقفين أخذت الآنسة سبيرجن بثأرها فإن صفات الخيال التي يتمتع بها نايت ومري، والتي مكنتها من أن يبلغا بمادتها أبعد مما بلغت، هي نفس الصفات التي أنتجت ذينك الأثرين المضحكين اللذين كتبهما نايت في النقد كما أنتجت ما وراء البيولوجيا الأدبية عند مري. ولم تكن الآنسة سبيرجن قادرة على الأول ولكنها لم تكن أيضاً لترضى أن تنتج الثاني. فلتخلد الآنسة سبيرجن مثلاً للدراسة المتخصصة في خير أحوالها، خلاقة إلى حد أن تكشف عن منجم من الثراء للنقد، ولكنها ليست خلاقة إلى حد أن تشق عنه الأرض بنفسها. وإذا ما قورنت بلين كوبر في طرف ونايت ومري في الطرف الآخر فلتذكر دائماً على أنها نذير للدارسين والنقاد، فانهم صنعاً لو أبقوا على الأرض قدماً واحدة، فلم يرتفعوا بهما معاً، ولم يقعوا بهما معاً.