الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(الْهِنْدِيّ المعمر)
رتن الْهِنْدِيّ نقلت من خطّ عَلَاء الدّين عَليّ بن مظفر الْكِنْدِيّ حثنا القَاضِي الْأَجَل الْعَالم جلال الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن إِبْرَاهِيم الْكَاتِب من لَفظه فِي يَوْم الْأَحَد خَامِس عشر ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى عشرَة وَسبع مائَة بدار السَّعَادَة بِدِمَشْق المحروسة قَالَ أخبرنَا الشريف قَاضِي الْقُضَاة نور الدّين أبي عبد الله مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْحُسَيْنِي الأثري الْحَنَفِيّ من لَفظه فِي الْعشْر الآخر من جُمَادَى الأولى عَام إِحْدَى وَسبع مائَة بِالْقَاهِرَةِ قَالَ أَخْبرنِي جدي الْحُسَيْن بن مُحَمَّد قَالَ كنت فِي زمن الصِّبَا وَأَنا ابْن سبع عشرَة سنة أَو ثَمَانِي عشرَة سنة سَافَرت مَعَ أبي مُحَمَّد وَعمي عمر من خُرَاسَان إِلَى بلد الْهِنْد فِي تِجَارَة
فَلَمَّا بلغنَا أَوَائِل بِلَاد الْهِنْد وصلنا إِلَى ضَيْعَة من ضيَاع الْهِنْد فعرج أهل القفل نَحْو الضَّيْعَة ونزلوا بهَا وضج أهل الْقَافِلَة فسألناهم عَن الشَّأْن فَقَالُوا هَذِه ضَيْعَة الشَّيْخ رتن اسْمه بالهندية وعربه النَّاس وسموه بالمعمر لكَونه عمر عمرا خَارِجا عَن الْعَادة فَلَمَّا نزلنَا خَارج الضَّيْعَة رَأينَا بفنائها شَجَرَة عَظِيمَة تظل خلقا عَظِيما وتحتها جمع عَظِيم من أهل الضَّيْعَة فتبادر الْكل نَحْو الشَّجَرَة وَنحن مَعَهم
فَلَمَّا رآنا أهل الضَّيْعَة سلمنَا عَلَيْهِم وسلموا علينا ورأينا زنبيلاً كَبِيرا مُعَلّقا فِي بعض أَغْصَان الشَّجَرَة فسألنا عَن ذَاك فَقَالُوا هَذَا الزنبيل فِيهِ الشَّيْخ رتن الَّذِي رأى النَّبِي صلى الله عليه وسلم مرَّتَيْنِ ودعا لَهُ بطول الْعُمر سِتّ مَرَّات فسألنا جَمِيع أهل الضَّيْعَة أَن ينزل الشَّيْخ ونسمع كَلَامه وَكَيف رأى النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَمَا يروي عَنهُ
فَتقدم شيخ من أهل الضَّيْعَة إِلَى الزنبيل وَكَانَ ببكرة فأنزله فَإِذا هُوَ مَمْلُوء بالقطن وَالشَّيْخ فِي وسط الْقطن فَفتح رَأس الزنبيل وَإِذا الشَّيْخ فِيهِ كالفرخ فحسر عَن وَجهه وَوضع فَمه على أُذُنه وَقَالَ يَا جداه هَؤُلَاءِ قوم قد قدمُوا من خُرَاسَان وَفِيهِمْ شرفاء أَوْلَاد النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَقد سَأَلُوا أَن تحدثهم كَيفَ رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وماذا قَالَ لَك
فَعِنْدَ ذَلِك تنفس الشَّيْخ وَتكلم بِصَوْت كصوت النَّحْل بِالْفَارِسِيَّةِ وَنحن نسْمع ونفهم كَلَامه فَقَالَ سَافَرت مَعَ أبي وَأَنا شَاب من هَذِه الْبِلَاد إِلَى الْحجاز فِي تِجَارَة فَلَمَّا بلغنَا بعض أَوديَة مَكَّة وَكَانَ الْمَطَر قد مَلأ الأودية بالسيل فَرَأَيْت غُلَاما أسمر اللَّوْن مليح الْكَوْن حسن الشَّمَائِل وَهُوَ يرْعَى إبِلا فِي تِلْكَ الأودية وَقد حَال السَّيْل بَينه وَبَين إبِله وَهُوَ يخْشَى من خوض السَّيْل لقُوته)
فَعلمت حَاله فَأتيت إِلَيْهِ وَحَمَلته وخضت السَّيْل إِلَى عِنْد إبِله من غير معرفَة سَابِقَة فَلَمَّا وَضعته عِنْد إبِله نظر إِلَيّ
وَقَالَ لي بِالْعَرَبِيَّةِ بَارك الله فِي عمرك بَارك الله فِي عمرك بَارك الله فِي عمرك فتركته ومضيت إِلَى سبيلي إِلَى أَن دَخَلنَا مَكَّة وقضينا مَا كُنَّا أَتَيْنَا لَهُ من أَمر التِّجَارَة وعدنا إِلَى الوطن فَلَمَّا تطاولت الْمدَّة على ذَلِك كُنَّا جُلُوسًا فِي فنَاء ضيعتنا هَذِه لَيْلَة مُقْمِرَة ورأينا لَيْلَة الْبَدْر والبدر فِي كبد السَّمَاء إِذْ نَظرنَا إِلَيْهِ وَقد انْشَقَّ نِصْفَيْنِ فغرب نصف فِي الْمشرق وَنصف فِي الْمغرب إِلَى أَن التقيا فِي وسط السَّمَاء كَمَا كَانَ أول مرّة
فعجبنا من ذَلِك غَايَة الْعجب وَلم نَعْرِف لذَلِك سَببا وَسَأَلنَا الركْبَان عَن خبر ذَلِك وَسَببه فأخبرونا أَن رجلا هاشمياً ظهر بِمَكَّة وَادّعى أَنه رَسُول من الله إِلَى كَافَّة الْعَالم وَأَن أهل مَكَّة سَأَلُوهُ معْجزَة كمعجزة سَائِر الْأَنْبِيَاء وَأَنَّهُمْ اقترحوا عَلَيْهِ أَن يَأْمر الْقَمَر فينشق فِي السَّمَاء ويغرب نصفه فِي الغرب وَنصفه فِي الشرق ثمَّ يعود إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فَفعل لَهُم ذَلِك بقدرة الله تَعَالَى فَلَمَّا سمعنَا ذَلِك من السفار اشْتقت أَن أرى الْمَذْكُور فتجهزت فِي تِجَارَة وسافرت إِلَى أَن دخلت مَكَّة وَسَأَلت عَن الرجل الْمَوْصُوف
فدلوني على مَوْضِعه فَأتيت إِلَى منزله واستأذنت عَلَيْهِ فَأذن لي وَدخلت عَلَيْهِ فَوَجَدته جَالِسا فِي صدر الْمنزل والأنوار تتلألأ فِي وَجهه وَقد استنارت محاسنه وتغيرت صِفَاته الَّتِي كنت أعهدها فِي السفرة الأولى فَلم أعرفهُ فَلَمَّا سلمت عَلَيْهِ نظر إِلَيّ وَتَبَسم وعرفني وَقَالَ وَعَلَيْك السَّلَام ادن مني وَكَانَ بَين يَدَيْهِ طبق فِيهِ رطب وَحَوله جمَاعَة من أَصْحَابه كَالنُّجُومِ يعظمونه ويبجلونه فتوقفت لهيبته فَقَالَ ثَانِيًا ادن مني وكل الْمُوَافقَة من الْمُرُوءَة والمنافقة من الزندقة
فتقدمت وَجَلَست وأكلت مَعَهم الرطب وَصَارَ يناولني الرطب بِيَدِهِ الْمُبَارَكَة إِلَى أَن ناولني سِتّ رطبات من سوى مَا أكلت بيَدي ثمَّ نظر إِلَيّ وَتَبَسم وَقَالَ لي ألم تعرفنِي قلت كَأَنِّي غير أَنِّي مَا أتقق فَقَالَ ألم تحملنِي فِي عَام كَذَا وجاوزت بِي السَّبِيل حِين حَال السَّيْل بيني وَبَين إبلي فَعِنْدَ ذَلِك عَرفته بالعلامة وَقلت لَهُ بلَى وَالله يَا صبيح الْوَجْه فَقَالَ لي امدد إِلَيّ يدك
فمددت يَدي الْيُمْنَى إِلَيْهِ فصافحني بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَقَالَ لي قل أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله فَقلت ذَلِك كَمَا عَلمنِي فسر بذلك وَقَالَ لي عِنْد خروجي من عِنْده بَارك الله فِي عمرك بَارك الله فِي عمرك بَارك الله فِي عمرك فودعته وَأَنا مُسْتَبْشِرٍ بلقائه وَبِالْإِسْلَامِ فَاسْتَجَاب الله دُعَاء نبيه صلى الله عليه وسلم وَبَارك فِي عمري بِكُل دَعْوَة مائَة)
سنة وهما عمري الْيَوْم نَيف وست مائَة سنة لسنة ازْدَادَ فِي عمري بِكُل دَعْوَة مائَة سنة وَجَمِيع من فِي هَذِه الضَّيْعَة الْعَظِيمَة أَوْلَاد أَوْلَاد أَوْلَادِي وَفتح الله عَليّ وَعَلَيْهِم بِكُل خير وَبِكُل نعْمَة ببركة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم انْتهى
وَذكر عبد الْوَهَّاب الْقَارئ الصُّوفِي أَنه فِي حُدُود سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وست مائَة وَذكر النجيب عبد الْوَهَّاب أَيْضا أَنه سمع من الشَّيْخ مَحْمُود بن بَابا رتن وَأَنه بَقِي إِلَى سنة تسع وَسبع مائَة وَأَنه قدم عَلَيْهِم شيراز وَذكر أَنه ابْن مائَة وست وَسبعين عَاما وَأَنه