المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الحديث" وقال أبو داود "ليس بشيء" وقال النسائي: "ليس بثقة - تبييض الصحيفة بأصول الأحاديث الضعيفة - جـ ١

[محمد عمرو بن عبد اللطيف]

الفصل: الحديث" وقال أبو داود "ليس بشيء" وقال النسائي: "ليس بثقة

الحديث" وقال أبو داود "ليس بشيء" وقال النسائي: "ليس بثقة ولا يكتب حديثه". وقال الدارقطني: "متروك". ومع ذلك قال الحافظ في "التقريب" (4111): "ضعيف" ولا أدرى إن كان فهد بن عوف في سند الطبراني ومن رواه عنه أم لا، وعلى كل، فالإِسناد ساقط بدونه.

(والصحيح) أن هذا الكلام من قول الحسن البصري رحمه الله، كما رواه الإمام أحمد في "الزهد" (ص 285) من طريق حمزة الزيات عن منصور السلمي عنه قال:"اقرأ القرآن ما نهاك، فإذا لم ينهك فلست تقرؤه، رب حامل فقه غير فقيه، ومن لم ينفعه علمه ضره جهله". وإسناده صحيح، حمزة هو ابن حبيب الزيات القارئ المشهور، وهو ثقة، وثقه ابن معين وغيره وتكلم فيه بعضهم بلا مستند ومنصور السلمي هو ابن المعتمر الكوفي، وهو ثقة ثبت وحافظ كبير.

‌استدراك:

وروى أبو نعيم في "الحلية"(5/ 177) بإسناد حسن عن مكحول قال: "من لم ينفعه علمه ضره جهله. اقرأ القرآن ما نهاك، فإذا لم ينهك فلست تقرؤه".

الحديث الثامن:

" أكثروا ذكر الله حتَّى يقولوا: مجنون".

منكر. رواه أحمد (3/ 68) وأبو يعلى (2/ 521) وابن حبان (814 إحسان) وابن عدى (3/ 980) والحاكم (1/ 499) من طريق دراج عن أبي الهيثم عن أبى سعيد مرفوعًا به.

وقال الحاكم: "صحيح الإِسناد" كذا قال، ودراج هو ابن سمعان أبو السمح المصري القاصّ مختلف فيه اختلافًا كثيرًا (19) خلاصته أنَّه مستقيم الحديث إذا روى

(19) انظره في "بدائل الحديث"(4).

ص: 30

عن غير أبي الهيثم - سليمان بن عمرو العتوارى - فإنه كثير المناكير عنه. وهذا منها، ولذلك أورده ابن عدى ثم الذهبي (2/ 25) في جملة ما استنكر عليه.

ولقد عجبت وسررت أيضًا حينما وقفت لهذا الحديث على أصل من كلام بعض السلف. فقد (روى) عبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد"(ص 382) وعنه ابن عساكر (9/ 33) عن يحيى بن عثمان الحربي قال: نا أبو المليح عن يزيد بن يزيد - يعنى ابن جابر - قال: كان أبو مسلم الخولاني يكثر أن يرفع صوته بالتكبير حتَّى مع الصبيان، وكان يقول:"اذكر الله حتَّى يقول الجاهل أنك مجنون".

ورجاله كلهم ثقات لكنه منقطع بين يزيد بن يزيد وأبى مسلم. ولكن له متابع رواه ابن عساكر أيضًا من طريق إسماعيل بن عياش عن عقيل بن مدرك عن لقمان ابن عامر عن أبى مسلم الخولاني أن رجلًا أتاه فقال له: أوصنى يا أبا مسلم قال: اذكر الله تحت كل شجرة وحجر. قال: زدنى. قال: اذكر الله حتَّى يحسبك الناس من ذكر الله مجنونًا. قال: فكان أبو مسلم يكثر ذكر الله عز وجل، فرآه رجل يذكر الله عز وجل فقال: أمجنون صاحبكم هذا؟ فسمعه أبو مسلم فقال: ليس هذا بالجنون يا ابن أخي، ولكن هذا دواء الجنون".

ورجاله كلهم ثقات إلا أن عقيل بن مدرك وثقه ابن حبان وحده - فيما نعلم - وروى عنه جماعة. وأبو مسلم الخولاني - تابعى جليل اسمه: عبد الله بن ثوب - بضم ففتح - وهو ثقة عابد، من الثانية، رحل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يدركه، وعاش إلى زمن يزيد بن معاوية كما في "التقريب"(8367) ثم وجدت نحوه عن أبي الدرداء رواه ابن عساكر (13/ 753) بسند ضعيف واهٍ فيه ثلاث علل.

الحديث التاسع:

" أكرموا أولادكم، وأحسنوا أدبهم".

ضعيف جدًا. رواه ابن ماجة (3671) والقضاعي (665) والخطيب (8/ 288).

ص: 31

وابن عساكر (7/ 325) من طرق عن سعيد بن عمارة الكلاعي أخبرني الحارث ابن النعمان سمعت أَنس بن مالك يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:

فذكره. وهذا إسناد ضعيف جدًا.

سعيد بن عمارة الكلاعي ترجمه ابن عساكر فلم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا وقال الأزدى: متروك. وقال الذهبي في "الميزان"(2/ 153): "قلت: روى عنه بقية، وعلي بن عياش، وجماعة. جائز الحديث". وصوَّب العلامة الألباني في "الضعيفة"(1649) قوله في "الكاشف"(1/ 368): "مستور" والحارث ابن النعمان قال الذهبي (1/ 444): "قال أبو حاتم: ليس بقوى وقال البخاري: منكر الحديث"(20). ثم ساق له هذا الحديث فيما استنكر عليه. وقال الحافظ الشهاب البوصيرى رحمه الله في "مصباح الزجاجة"(3/ 163): "هذا إسناد ضعيف، الحارث وإن ذكره ابن حبان في "الثقات" فقد لينه أبو حاتم. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال العقيلي: أحاديثه مناكير.

قال المزى: ورواه أبو الجماهر محمد بن عبد الرحمن الحمصي عن علي بن عياش (هو شيخ شيخ ابن ماجة) فزاد في إسناده "سعيد بن جبير" بين الحارث وبين أَنس" اهـ.

قلت: أبو الجماهر هذا صدوق كما قال ابن أبي حاتم في "الجرح"(7/ 327) لكن الأرجح عدم الزيادة.

والحديث رواه أيضًا الديلمى (21) وقال الحافظ: "ابن ماجة وأبو الشيخ عن أَنس".

وقال العلامة الألباني في "ضعيف الجامع"(1/ 346) و"الضعيفة"(1649):

(20) وهذه اللفظة من أردأ مراتب الجرح عند البخاري لا يقولها غالبًا إلا فيمن يتهمه، وقد جاء عنه أنَّه قال:"من قلت فيه: منكر الحديث، فلا تحل الرواية عنه" ولكن لا يؤخذ بها بإطلاق، بل ينظر في جميع ما قيل في الراوى ويتخير الأليق بحاله. والله أعلم.

(21)

"الفردوس"(1/ 110).

ص: 32

"ضعيف جدًا".

وبعد (فالصحيح) أنَّه من كلام ابن سيرين رحمه الله يحكيه عمن قبله - كما رواه ابن أبي شيبة (8/ 415) وعنه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم"(1/ 84) عن ابن علية عن ابن عون عنه قال: "كانوا يقولون، أكرم ولدك، وأحسن أدبه". وإسناده صحيح على شرطهما.

ورواه ابن المقرئ في "معجمه"(ص 182) عن مؤمل حدثنا سعيد بن عامر عن ابن عون قال: قال ابن سيرين: "أكرم ولدك، وأحسن أدبه".

ورواية ابن أبى شيبة أصح، فإن إسماعيل بن علية أثبت بكثير من سعيد بن عامر، وهي أيضًا أرفع، فإن الظاهر أنَّه يعنى بقوله:"كانوا يقولون" الجيل السابق له وهم الصحابة رضوان الله عليهم، وقد أدرك منهم ثلاثين صحابيًا كما قال (22) صاحبه هشام بن حسان رحمه الله. ومؤمل - في سند ابن المقرئ - هو ابن إهاب الربعى العجلي، فإنه هو الَّذي يروى عن سعيد بن عامر كما في "تهذيب الكمال" (ق 1395) لا كما توهم المعلق على "معجم ابن المقرئ" فأدرجه في الفهارس على أنَّه:"مؤمل بن إسماعيل". والكمال لله وحده ثم وجدت عبد الوهاب بن عطاء تابع ابن علية بلفظ: "كان يقال" عند ابن عساكر (15/ 446).

الحديث العاشر:

" اللهم ارزقنى حبك، وحب من ينفعنى حبه عندك. اللهم ارزقنى مما أحب، فاجعله قوة لى فيما تحب. اللهم ما زويت عنى مما أحب، فاجعله فراغًا لى فيما تحب".

ضعيف. رواه الترمذي (3557): "حدثنا سفيان بن وكيع أخبرنا ابن أبي عدى عن حماد بن سلمة عن أبى جعفر الخطمى عن محمد بن كعب القرظى عن

(22) كما في "سير أعلام النبلاء"(4/ 607) ورواه ابن عساكر (15/ 424).

ص: 33

عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه كان يقول في دعائه:

" فذكره.

وقال: "هذا حديث حسن غريب، وأبو جعفر الخطمى اسمه: عمير بن يزيد ابن خماشة".

قلت: كيف يكون حسنًا وشيخه - سفيان بن وكيع - واهٍ متفق على تضعيفه. قيل لأبي زرعة: كان يتهم بالكذب؟ قال: نعم. وقال النسائي ليس بثقة. وقال في موضع آخر: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: لين.

وقال ابن عدى (3/ 1254): "ولسفيان بن وكيع حديث كثير، وإنما بلاؤه أنَّه كان يتلقن ما لقن، كان له وراق يلقنه من حديث موقوف يرفعه، وحديث مرسل فيوصله، أو يبدل في الإِسناد قوما بدل قوم كما بينت طرفًا منه في هذه الأخبار التي ذكرتها".

وقال الحافظ (2456): "كان صدوقًا إلا أنَّه ابتلى بوراقه، فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنصح فلم يقبل، فسقط حديثه".

قلت: ولعل هذا من الموقوفات التي لقنه وراقه إياها مرفوعة، (فإن الصحيح) وقفه كما يأتى. وقد تابعه ضعيف آخر على رفعه، فرواه الطبرانى في "الدعاء"(1403) من طريق نعيم بن حماد، ثنا عبد الله بن المبارك، ثنا حماد بن سلمة به.

ونعيم مختلف فيه بين موثق ومجرح، لكن الراجح جرحه، فإنه مفسر بكثرة الأخطاء والمناكير، ولذلك قال الحافظ (7166): "صدوق يخطئ كثيرًا

" حتَّى قال: "وقد تتبع ابن عدى ما أخطأ فيه، وقال: باقى حديثه مستقيم".

قلت: لم يستوعب ابن عدى رحمه الله كل ما يمكن أن ينكر عليه بدليل هذا الحديث، وبدليل ما رواه الحاكم (2/ 368) من طريقه عن هشيم بسنده إلى أبي سعيد الخدرى مرفوعًا:"من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة، أضاء له من النور ما بين الجمعتين". وصححه، فتعقبه الذهبي بقوله:"قلت: نعيم ذو مناكير".

ص: 34

قلت: وقد خالفه عارم (23) - محمد بن الفضل السدوسي - وسعيد بن منصور وأبو عبيد وغيرهم فأوقفوه عن هشيم، وخالفوه في المتن فقالوا:"أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق". ثم وجدت الحافظ البيهقي رحمه الله رواه في "الشُعَب"(ج /1 ق 3 ص 61) من طريق سعيد بن منصور به موقوفًا وقال: "هذا هو المحفوظ موقوف. ورواه نعيم بن حماد عن هشيم فرفعه". فالحمد لله على توفيقه. وقد تابع نعيمًا على رفعه عنده: يزيد بن مخلد بن يزيد وهو مستور، والراوى عنه ضعيف.

هذا ولا يبعد إطلاقا أن يتوارد راويان ضعيفان على خطأ واحد في حديث بعينه، فإن بلية كُلٍّ من سفيان بن وكيع ونعيم بن حماد في رفع الموقوفات والخطأ في الأسانيد واحدة على اختلاف التفاصيل!

(أما) الرواية الموقوفة لحديث الترجمة، فعند ابن أبى شيبة (10/ 354) عن الحسن ابن موسى الأشيب أخبرنا حماد بن سلمة به موقوفًا. وبوَّب عليه:"ما ذكر عن قوم مختلفين مما دعوا به" وإسناده صحيح.

والحسن بن موسى ثقة حافظ، قال الإِمام أحمد:"كان من متثبتى أهل بغداد". وقال: "وكان الأشيب ضابطًا لحديث شعبة وغيره

".

هذا ولقائل أن يقول: إن حماد بن سلمة قد يهم في غير حديث ثابت وحميد الطويل، فلعله وهم أيضًا في هذا الحديث أو اضطرب.

قلنا: حماد ثقة حافظ، لا يجوز توهيمه بغير حجة ولا بَينّةَ، ولو سلمنا جدلًا بوهمه في هذا الحديث فإن الأوهام - عامة - ولدَى حماد بن سلمة خاصَّةً - تكون

(23) إلا أن عارما تفرد بقوله "ليلة الجمعة" وخالفه جماعة عن هشيم. وهذا الحديث أمره عجيب جدًا، فمع اختلافهم في رفعه ووقفه - مرة عن هشيم ومرة عن شعبة - وفى متنه - كما في رواية عارم - فمن الطرائف أيضًا أن الثورى وشعبة خالفًا هشيما فقالا:"من قرأ سورة الكهف كما أنزلت" هكذا بدون تقييد بالجمعة. فرواية هشيم شاذة كما سأبين في كتابي في "العلل" بمشيئة الله.

ص: 35

برفع الموقوف ووصل المرسل - وهذا ما نريد إثباته. أما دعوى الاضطراب فمرفوضة أيضًا، إذ شرط الحكم على الحديث بالاضطراب أن تكون الأوجه المتعارضة متكافئة، وأين التكافؤ ههنا؟ واجتماع الضعيفين المذكورين لا ينتهض للحُكم لهما لو خالفهما ثقة من جملة الثقات، فكيف بذلك الثَّبت الحافظ؟ والله أعلم.

الحديث الحادى عشر:

" اللهم إنى أعوذ بك من زوج تشيبنى قبل المشيب، ومن ولد يكون عَلَيَّ ربًا، ومن مال يكون عَلَيَّ عذابًا، ومن خليلى ماكر، عينه تراني، وقلبه يرعانى، إن رأى حسنة دفنها، وإن رأى سيئة أذاعها".

ضعيف. رُوِى من حديث أبي هريرة وابن عباس، ومن مرسل سعيد المقبرى:

1 -

حديث أبي هريرة:

رواه الطبرانى في "الدعاء"(1339) من طريق الحسن بن حماد الحضرمي ثنا أبو خالد الأحمر عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبرى عنه رضي الله عنه قال: "كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم إنى أعوذ بك من جار السوء، ومن زوج تشيبنى

" الحديث.

وهذا إسناد جيد لكن وصله ورفعه وهم، (والصحيح) أنَّه من قول سعيد المقبرى رحمه الله يحكيه عن داود عليه السلام -كما رواه ابن أبى شيبة (10/ 277) وهناد (2038، 1401) وبحشل في "تاريخ واسط"(ص 130) عن أبى سعيد عبد الله بن سعيد الأشج، ثلاثتهم عن أبي خالد الأحمر عن ابن عجلان عن سعيد قال: كان من دعاء داود النبي صلى الله عليه وآله وسلم

فذكره.

وابن أبي شيبة وهناد والأشج ثقات حفاظ كلهم، أما الحسن بن حماد الحضرمي - ولقبه: سجادة - فثقة كما قال ابن حبان والخطيب والذهبي في "الكاشف"(1/ 220) بل قال الحافظ في "التقريب"(1230): "صدوق".

ص: 36

ولا أعلم أحدًا وصفه بالحفظ ومنشأ الوهم عندى أن أبا خالد الأحمر - واسمه: سليمان بن حيان - كان قد حَدَّث أيضًا عن ابن عجلان عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحديث: "اللهم إني أعوذ (24) بك من جار السوء في دار المقامة، فإن جار البادية يتحول".

كما عند ابن أبى شيبة (8/ 359) وعنه الطبراني (1340) والبخارى في "الأدب"(117) وابن حبان (2056) والحاكم (1/ 532)، كما حدَّث عن ابن عجلان عن سعيد المقبرى قال: كان من دعاء داود

الخ. فاختلط الأمر على الحسن بن حماد فأدرج المتنين بالسند الموصول وحده ولم يفصل هذا من ذاك. هذا إن لم يكن الوهم من الحافظ الطبرانى نفسه رحمه الله فإن له أوهامًا نادرة، فانظر ترجمته من "لسان الميزان"(3/ 383، 384).

وفى الباب حديث آخر عن أبي هريرة، واهى الإِسناد رواه البيهقي في "شعب الإِيمان" (2/ 3/ 77) من طريق الأشعث بن بُراز الهجيمى قال: ثنا علي بن زيد عن عمارة بن قيس مولى ابن الزبير عنه مرفوعًا: "تعوذوا بالله من ثلاث فواقر، تعوذوا بالله من مجاورة جار السوء، إن رأى خيرًا كتمه، وإن رأى شرًّا أَذاعه، وتعوذوا بالله من زوجة سوء

"الحديث. وإسناده ضعيف جدًا.

كما قال العلامة الألبانى في "ضعيف الجامع الصغير"(3/ 36) فإن أشعث بن براز الهجيمى واهٍ، وقد رواه الذهبي في "الميزان"(1/ 262) بإسناده إليه، وعده من مناكيره.

(24) رواه يحيى القطان - عند النسائي (8/ 274)، وصفوان بن عيسى عند البيهقي في "الشعب" كلاهما عن ابن عجلان بلفظ "تعوذوا بالله". ورواه عبد الرحمن بن إسحاق عن المقبرى بنحوه أيضًا عند أحمد (346/ 2) فالأصح أنه من أمره صلى الله عليه وآله وسلم لا من فعله نعم، ثبت التعوذ من جار السوء في دار المقامة من فعله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث رواه الطبراني في "الكبير"(17/ 294) و"الدعاء"(1338) عن عقبة بن عامر - مطولًا - وإسناده صحيح لا أعلم له علة.

ص: 37

وعلي بن زيد هو ابن جدعان البصري وهو ضعيف لسوء حفظه. وعمارة بن قيس فيه جهالة، فقد ترجمه ابن أبي حاتم (6/ 368) من رواية علي بن زيد وحده عنه، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. ووثقه ابن حبان (5/ 242) على قاعدته المعروفة في توثيق المجاهيل.

2 -

حديث ابن عباس:

رواه بحشل (ص 130) من طريق الحسين بن قيس عن عكرمة عنه مرفوعًا: "كان من دعاء أخي داود

" فذكره مختصرًا وإسناده ضعيف جدًّا.

حسين بن قيس - ولقبه حنش - متروك الحديث وشيخ بحشل: الحسن بن زياد بن زبالة المدني لم أقف عليه، فإن كان صوابه "محمد بن الحسن بن زبالة المدني" فقد كذبوه كما قال الحافظ (2815).

وفى السند تحريف لا محالة فإنه هكذا: ثنا الحسن بن زياد بن زبالة المدني، قال: ثنا محمد بن يزيد عن هشيم الحذاء عن حسين بن قيس عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه

" الحديث. ولعل الصواب: "عن هشيم عن خالد الحذاء" أو "ثنا خالد الحذاء" فالله أعلم.

فإن كان هشيم عنعنه فهي علة أخرى فإنه كثير التدليس. ثم ترجح عندى أن شيخه هو "عبد العزيز بن محمد بن الحسن بن زبالة" فقد روى عنه (ص 47، 74، 100) وله ترجمة في "المجروحين"(2/ 138).

3 -

مرسل سعيد المقبرى: رواه ابن النجار في "تاريخه" كما في "الجامع الصغير"(1535) - مقتصرًا على الفقرة الثالثة وحدها - فلا أدرى أهكذا الرواية أم اختصره السيوطي؟ وهو ضعيف - على الأقل - للإِرسال وقد تكون فيه علة أو علل أشد من ذلك كما يشهد الواقع العملي للأسانيد التي ينفرد بها أمثال ابن النجار وابن عساكر والديلمى. على أن رفع الحديث خطأ كما بيَّنا موصولًا كان أم مرسلًا. والله أعلم.

ص: 38

(وقد) عزاه آخرون - سوى سعيد المقبرى - إلى داود عليه السلام أيضًا.

1 -

ففي "مصنف ابن أبي شيبة"(10/ 450) من طريق يحيى بن المهلب عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الله الجدلى قال: "كان داود النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: اللهم إنى أعوذ بك من جار عينه تراني، وقلبه يرعاني، إن رأى خيرًا دفنه، وإن رأى شرًا أشاعه". عطاء بن السائب ثقة كان قد اختلط، لكن تخليطه في مثل هذا المقطوع بعيد. وشيخه أبو عبد الله الجدلى اسمه عبد، أو عبد الرحمن بن عبد، ثقة رمى بالتشيع كما في "التقريب"(8207). والرواية مختصرة.

2 -

وفى كتاب "العزلة" للإِمام الخطابي رحمه الله (ص 124) من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال أن داود النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: "اللهم إنى أعوذ بك من جار السوء، ومن مال يكون عَلَيَّ عذابا، ومن ولد يكون عَلَيَّ وبالًا، ومن زوجة تشيبني قبل المشيب، ومن خليل ماكر، عينه ترعانى، وقلبه يشنؤني، إن رأى خيرًا أخفاه، وإن رأى شرًّا أفشاه". وإسناده إلى سعيد حسن، وسعيد بن أبي هلال ثقة من أتباع التابعين. والله أعلم.

الحديث الثانى عشر:

" اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار. بسم الله". (في ابتداء الطعام).

ضعيف جدًا. رواه ابن السنى في "عمل اليوم والليلة"(459) وابن عدى (6/ 2212) - واللفظ له - من طريق محمد بن أبي الزعيزعة حدثنى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله علط وآله وسلم أنَّه كان يقول في الطعام إذا قرب إليه [قال](25): "اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار. بسم الله. وإذا فرغ [قال]: الحمد لله الَّذي مَنَّ علينا فهدانا، والحمد لله الَّذي أطعمنا

(25) زيادة من "الكامل" ولعل الصواب حذفها كما في "الميزان".

ص: 39

وسقانا فأروانا، وكل الإِحسان آتانا" (26).

قال عمرو: فكتبه لنا جدى فكنا نتعلمه كما نتعلم السورة من القرآن. وإسناده ضعيف جدًا، ابن أبي الزعيزعة هذا قال البخاري في "التاريخ الكبير" (1/ 88):"منكر الحديث جدًّا". وقال ابن عدى: "منكر الحديث جدًّا لا يكتب حديثه. سمعت ابن حماد يذكره عن البخاري".

وترجمه ابن حبان في "المجروحين"(2/ 288، 289) مرتين، قال في ثانيهما:"دجال من الدجاجلة، كان يروى الموضوعات". وأورد له الذهبي (3/ 548، 549) هذا الحديث من جملة مناكيره. وراجع "البدائل المستحسنة"(1/ 51، 52).

(والصحيح) في هذا الدعاء أنَّه من قول عروة بن الزبير رحمه الله ورضى عن أبيه - بعد الطعام - لا قبله - كما رواه الإِمام مالك رحمه الله في "الموطأ"(2/ 934، 935/ 34) وابن أبي شيبة (8/ 123، 10/ 344، 345) عن هشام بن عروة عنه أنَّه كان لا يؤتى أبدًا بطعام ولا شراب حتَّى الدواء، فيطعمه أو يشربه إلا قال: الحمد لله الَّذي هدانا وأطعمنا وسقانا ونعمنا الله أكبر. اللهم ألفتنا نعمتك بكل شر، فأصبحنا منها وأمسينا بكل خير نسألك تمامها وشكرها. لا خير إلا خيرك. ولا إله غيرك إله الصالحين. ورب العالمين. الحمد لله ولا إله إلا الله. ما شاء الله ولا قوة إلا بالله. اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار".

وإسناده صحيح غاية. وله طريق أخرى عند أبي الدنيا في "الشكر"(166) عن حسين الجعفي عن أبي موسى - إسرائيل بن موسى البصري - عنه ورجاله ثقات، فإن صح سماع أبي موسى من عروة فالإِسناد صحيح فإنه محتمل لكن لم أرَ أحدًا ذكر عروة في شيوخه.

(26) سأتعرض لما صح من دعاء بعد الطعام عند حديث: "الحمد لله الَّذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين" من "البدائل"(38) بإذن الله.

ص: 40

وفى الباب أثر ضعيف أيضًا، وهو ما رواه ابن أبى شيبة (8/ 122، 10/ 343) - واللفظ له - وعبد الله بن أحمد في "زوائد المسند"(1/ 153) وعنه أبو نعيم (1/ 70) من طريق الجريرى عن أبي الورد عن ابن أعبد أو: ابن معبد قال: قال على: تدرى ما حق الطعام؟ قلت: وما حقه؟ قال: تقول: بسم الله، اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، ثم قال: تدرى ما شكره، قلت: وما شكره؟ قال: تقول: الحمد لله الَّذي أطعمنا وسقانا".

قال الهيثمي في "المجمع"(5/ 22): "وابن أعبد قال ابن المدينى: ليس بمعروف، وبقية رجاله ثقات".

قلت: لفظ ابن المديني: "ابن أعبد ليس بمعروف، ولا أعرف له غير حديثه (27) عن علي أنَّه قال لفاطمة: ائتى أباك فسليه خادما" كما في "الجرح والتعديل"(9/ 316).

وفى هذا الإِسناد علة أخرى، وهي جهالة حال أبى الورد بن ثمامة، فإنى لا أعلم أحدًا وثقه ولا ابن حبان! أما قول ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (7/ 226): "

وكان معروفًا قليل الحديث" (1) فليس صريحًا في التوثيق، ولذلك قال الذهبي في "الكاشف" (3/ 387): "شيخ".

وقال الحافظ (8434): "مقبول". والمراد أن الثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحبه رضوان الله عليهم الاقتصار على: "بسم الله" وحدها في ابتداء الطعام لأدلة ذكرتها في الكتاب المتقدم ذكره، وأزيد عليها ما رواه الإِمام أحمد (4/ 62، 337) والنسائي في "الكبرى" كما في "تحفة الأشراف"(15620) وأبو الشيخ في "الأخلاق"(ص 238) عن عبد الرحمن بن جبير أنَّه حَدَّثه رجل خدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثمان سنين أنَّه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قرب إليه طعامه يقول: "بسم الله"، وإذا فرغ من طعامه قال: "اللهم

(27) يعنى هذا الحديث فإن له زيادة مطولة عند عبد الله بن أحمد. وسؤال الخادم ثابت في (الصحيح) وفى رواية ابن أعبد زيادات ليست في "الصحيح".

ص: 41

أطعمت وسقيت، وأغنيت وأقنيت، وهديت واجتبيت (28)، فلك الحمد على ما أعطيت". وإسناده حسن. والله أعلم.

الحديث الثالث عشر:

" امش ميلا عد مريضا، امش ميلين أصلح بين اثنين، امش ثلاثة أميال زر أخًا في الله".

ضعيف. رواه ابن أبى الدنيا في "كتاب الإِخوان" عن مكحول مرسلًا كما في "الجامع الصغير"(1647). قال المناوى (2/ 195): "ظاهر كلام المصنف أنَّه لم يقف عليه مسندًا وهو عجب، فقد خرجه البيهقي عن أبي أمامة لكن فيه على ابن يزيد الألهاني، قال البخاري: منكر الحديث. وعمرو بن واقد (*): متروك.

قلت: لا عجب في ذلك لأمرين:

الأول: أن المرسل الصحيح إلى مرسله أرجح وأقوى عند العلماء من الموصول الضعيف، فكيف بالواهى؟ ولذلك احتج بالمرسل - على انفراده - كثير من الأئمة في الأحكام الشرعية أيضًا. وهذا المذهب - وإن كان غير راجح - لكنه لحرى أن يدل على ما تقدم من أرجحية الحديث المرسل على الموصول الضعيف.

الثاني: أن السند الموصول - الَّذي أحسن السيوطى صنعًا فأعرض عنه - تالف لا قيمة له بإقرار المناوى حيث أعله بهذين الهالكين. وعلي بن يزيد وهاه جماعة غير البخاري، وانظر "البدائل"(19) و"القسطاس"(ص 24، 25).

(28) وقع في "المسند"(4/ 62) والأخلاق "وكنز العمال"(7/ 105): "وهديت وأحييت". والتصويب من "الجامع"(6776) و"صحيحه"(4/ 228)"والمسند"(4/ 337) و"معرفة الصحابة" لأبى نعيم (4/ 312). وهو موافق لقوله تعالى {وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ} .

(*) في (الفيض)"عمر بن واقد" والصواب ما أثبتناه.

ص: 42

وعمرو بن واقد هالك كما قال الذهبي (3/ 292). وبقى احتمال عدم صحة هذا المرسل إلى مكحول، فالله أعلم.

وإن صح عنه فلعله تلقاه من رجل ضعيف رفعه له، (فقد صح) من قول حسان بن عطية، وهو شامى تابعى ثقة. قال ابن حبان في "مشاهير علماء الأمصار" (1423):"من أفاضل أهل زمانه ثقة وإتقانا وفضلا وخيرًا، وكان يُغرب". والأثر عنه رواه هناد (377) عن عيسى بن يونس عن الإِمام الأوزاعي رحمه الله عنه بلفظ: "امش ميلا، وعد مريضا، وامش ميلين، وأصلح بين اثنين، وامش ثلاثة، وزر في الله". وإسناده صحيح غاية.

وروى أبو نعيم (5/ 198) من طريق ضمرة عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: "تعاهدوا إخوانكم بعد ثلاث، فإن كانوا مرضى فعودوهم، وإن كانوا مشاغيل فأعينوهم، وإن كانوا نسوا فذكروهم، وكان يقال: امش ميلا وعد مريضا، وامش ميلين وأصلح بين اثنين، وامش ثلاثًا وزر أخا في الله". وعثمان بن عطاء الخراسانى ضعيف جدًا. والصواب ما قدمنا. والله أعلم.

الحديث الرابع عشر:

" إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس، وإن نسى التقم قلبه، فذلك الوسواس الخناس".

ضعيف. رُوِى من حديث أنس، - وبلفظ آخر - من حديث معاذ بن جبل.

1 -

حديث أَنس - رواه أبو يعلى (7/ 278، 279) - واللفظ له - والحكيم الترمذي في "الصلاة ومقاصدها"(ص 19) وابن عدى (3/ 1044) وابن شاهين في "الترغيب في فضائل الأعمال"(154) وأبو نعيم (6/ 268) والبيهقى في "الشعب"(2/ 435، 436) من طريق عدى بن أبى عمارة عن زياد النميري عن أَنس مرفوعًا به.

ص: 43

ورواه أيضًا ابن أبي الدنيا في "مكائد الشيطان" كما فى "الدر المنثور"(6/ 420). ورواه ابن شاهين في "الترغيب في الذكر" بلفظ: "إن للوسواس خطمًا كخطم الطائر، فإذا غفل ابن آدم وضع ذلك المنقار في أذن القلب يوسوس، فإن ابن آدم ذكر الله عز وجل نكص وخنس، فلذلك سمى الوسواس الخناس" كما في "منتخب كنز العمال"(1/ 123 على هامش المسند) وقال: "وهو ضعيف".

قلت: وعدى بن أبي عمارة هو الذارع، وهو ضعيف. وبه وحده أعله الهيثمي في "المجمع"(7/ 149). وزياد النميرى ضعيف أيضًا، قال الحافظ (2087):"ضعيف، من الخامسة". وانظر المزيد عنه في "أخذ الجُنَّة"(ص 26: 23).

وضعَّف الحديث أيضًا المنذرى في "الترغيب"(2/ 667) والحافظ في "الفتح"(8/ 742 سلفية) واستغربه ابن كثير في "تفسيره"(4/ 575).

2 -

حديث معاذ: رواه الديلمي بلفظ: "إن إبليس له خرطوم كخرطوم الكلب واضعه على قلب ابن آدم يذكره الشهوات واللذات ويأتيه بالأماني ويأتيه بالوسوسة على قلبه ليشككه في ربه، فإذا قال العبد: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وأعوذ بالله أن يحضرون، إن الله هو السميع العليم، خنس الخرطوم عن القلب". كما في "المنتخب" أيضًا. ولم أجده في "الفردوس".

(والصحيح) في حديث الترجمة وقفه على ابن عباس رضى الله عنهما - وغيره صت السلف - فإنه - وإن علقه البخاري في "صحيحه"(6/ 223) بصيغة التمريض فقال: "ويذكر عن ابن عباس: الوسواس إذا ولد خنسه الشيطان، فإذا ذكر الله عز وجل ذهب، وإذا لم يذكر الله ثبت على قلبه".

قال الحافظ: "قوله: وقال ابن عباس: الوسواس .. الخ، كذا لأبى ذر، ولغيره: "ويُذكر عن ابن عباس وكأنه أولى لأنَّ إسناده إلى ابن عباس ضعيف، أخرجه الطبرى والحاكم وفى إسناده حكيم بن جبير وهو ضعيف ولفظه:"ما من مولود إلا على قلبه الوسواس، فإذا عمل فذكر الله خنس، وإذا غفل وسوس".

ص: 44

ورويناه في "الذكر" لجعفر بن أحمد بن فارس من وجه آخر عن ابن عباس، وفى إسناده محمد بن حميد الرازي وفيه مقال، ولفظه:"يحط الشيطان فاه على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس".

وأخرجه سعيد بن منصور من وجه آخر عن ابن عباس ولفظه: "يولد الإِنسان والشيطان جاثم على قلبه

"الخ.

قلت: طريق حكيم بن جبير عند الطبرى (30/ 355) والحاكم (2/ 541) عنه عن سعيد بن جبير به. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" وقال الذهبي (خ م). وهذا وهم منهما - رحمهما الله - فإن حكيمًا على ضعفه من رجال السنن الأربعة وحدها. وقال الحافظ (1468): "ضعيف، رمى بالتشيع".

وأما محمد بن حميد الرازي - وهو شيخ الطبرى في الطريق الثانية - وإن كان متهمًا شديد الضعف - فقد وجدت له متابعة جليلة جدًا، (إذ رواه) الحافظ الكبير أبو بكر بن أبى شيبة في "مصنفه" (13/ 369) عن جرير عن منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله "الوسواس الخناس" قال:"الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس". وإسناده صحيح على شرطهما.

وفى هذا مزيتان:

الأُولى: صحة إسناده إلى ابن عباس. وقد فات الحافظ فجزم بضعفه.

الثانية: شدة مشابهته لحديث أنس المرفوع - بخلاف رواية البخاري المعلقة ورواية الطبرى والحاكم الضعيفة. وبه يعلم ما في قول العلامة الألباني حفظه الله في "السلسلة الضعيفة"(1367) - بشأن رواية البخاري المعلقة - "فهذا غير حديث الترجمة كما هو ظاهر". وكذلك وصفه للأثر بالوقف وهو لا مجال للرأى فيه. وأستبعد أيضًا أن يكون ابن عباس قد استفاد هذا من الإِسرائيليات في مثل

ص: 45

هذا الموطن. ولذلك لم يرده الحافظ رحمه الله لكونه موقوفًا، بل لكونه عنده ضعيفًا فتأمل. على أننا أيضًا لا نقول بتعضيده للرواية الضعيفة، بل نجعل هذا الأثر أصلًا لها، رفعه هؤلاء الضعفاء المتقدم ذكرهم. وقد روى الطبرى نحوه عن مجاهد وقتادة وغيرهما كما أومأنا في أول الكلام عن الأثر. والله أعلم.

الحديث الخامس عشر:

" إن لكل شيء شرفًا، وإن أشرف المجالس ما استقبل به القبلة". ضعيف. رُوِى من حديث ابن عباس وابن عمر وأبى هريرة.

1 -

حديث ابن عباس:

رواه الطبرانى في "الكبير"(10/ 389) والقضاعى (1020، 1021) والخطيب في "جامعه"(2/ 61) وأبو سعد السمعاني في "أدب الإِملاء والاستملاء"(ص 44) من طريق هشام بن زياد أبى المقدام عن محمد بن كعب القرظي عنه، وزاد الطبراني:"ومن نظر في كتاب أخيه من غير أمره، فكأنما ينظر في النار". وزاد القضاعى في الرواية الثانية: "وإنما تجالسون بالأمانة".

وقال الهيثمي في "المجمع"(8/ 59): "وفيه هشام بن زياد أبو المقدام، وهو متروك".

ورواه الحاكم (4/ 269، 270) من طريق مصادف بن زياد المديني، ثم من طريق أبي المقدام كلاهما عن محمد بن كعب به مطولًا.

وقال: "هذا حديث قد اتفق هشام بن رياد النصرى ومصادف بن زياد المدينى على روايته عن محمد بن كعب القرظى، والله أعلم. ولم أستجز إخلاء هذا الموضع منه، فقد جمع آدابا كثيرة".

فتعقبه الذهبي بقوله: "قلت: هشام متروك، ومحمد بن معاوية كذبه

ص: 46

الدارقطني، فبطل الحديث".

قلت: ابن معاوية - وهو النيسابورى - هو الَّذي رواه عن مصادف بن زياد وأثنى عليه خيرًا! ومصادف قال أبو حاتم الرازي: "هو مجهول" كما في "الجرح"(8/ 441).

ورواه الخطيب (2/ 62) من طريق صالح بن حسان عن القرظي به نحوه، لكن صالح قال الحافظ (2849):"متروك".

2 -

حديث ابن عمر:

رواه أبو يعلى والطبرانى في "الأوسط" كما في "المجمع" و"المقاصد"(ص 76، 77) وابن عدي (2/ 785) والسمعاني (ص 45) من طريق حمزة بن أبي حمزة النصيبي عن نافع عنه بلفظ: "أكرم المجالس ما استقبل به القبلة" وقال الهيثمي والسخاوى: "وفيه حمزة بن أبي حمزة، وهو متروك". وقال الحافظ (1519): "متروك، متهم بالوضع".

3 -

حديث أبي هريرة:

رواه الطبراني في "الأوسط"(3/ 182، 183) فقال: "حدثنا إبراهيم، قال: حدثنا عمرو بن عثمان، قال: حدثنا محمد بن خالد الوهبي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن لكل شيء سيدًا، وإن سيد المجالس قبالة القبلة".

وقال الهيثمي والسخاوى، وكذلك المنذرى في "الترغيب" (4/ 98):"إسناده حسن"(29). كذا قالوا، وكنت قد تابعتهم على هذا الأمر واعتمدت هذا التحسين في تخريج أحاديث "آداب حملة القرآن" للحافظ الآجرى رحمه الله من باب إحسان

(29) واغتر المناوى (2/ 512) بهذا التحسين فقال: "نعم، ورد في الباب حديث جيد حسن، وهو ما رواه الطبراني أيضًا عن أبى هريرة

" فذكره قال: "فأعجب للمصنف حيث آثر ما جزموا بوضعه - يعنى حديث ابن عباس - على ما جزموا بحسنه".

ص: 47

الظن، وتعذر النظر في سند "الأوسط" وقتئذ. فلما صدر المجلد الثالث من الكتاب، علمت ما في هذا التحسين من التساهل، وصح ما كان في قلبي من ريبة نحوه، إذ أن فوات حديث حسن الإِسناد في حكم كهذا على الأئمة الستة في مصنفاتهم، بل خلو "مسند أحمد" و"صحيح ابن حبان" و"المستدرك" و "الأحاديث المختارة" - للضياء - ونحوها من الكتب المشهورة، مع أن عامة أحاديث محمد بن عمرو بن علقمة عن أبى سلمة عن أبي هريرة - في اعتقادى - مسطورة في هذه الكتب، فكل هذا ليس بالأمر اليسير على من رزقه الله عز وجل بصيرة بأسانيد أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومظانّ الصحة والضغف منها. نعم، رجال هذا الحديث كلهم صدوقون على شرط الحسن سوى شيخ الطبراني واسمه: إبراهيم بن محمد بن عرق الحمصي، فإنه آفته. قال الذهبي (1/ 63):"شيخ للطبراني غير معتمد. قال: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن صفوان، عن عبد الرحمن بن جبير، عن كثير بن مرة، عن ابن عمر - مرفوعًا: "يخرج المهدى وعلى رأسه ملك ينادى: هذا المهدى فاتبعوه" فالمعروف بهذا الحديث هو عبد الوهاب بن الضحاك (30) لا: ابن نجدة "اهـ.

وأقره الحافظ في "اللسان"(1/ 105).

قلت: والمعروف - أيضًا - بهذا الكلام - في فضل استقبال القبلة - بعض تابعي أهل الشام وتابعيهم، لا رواية الشاميين عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا!

(وذلك) ثابت عن ثلاثة منهم:

1 -

فروى ابن أبى شيبة (8/ 486، 487) وعنه عبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد"(ص 215) عن عبد الأعلى عن برد بن سنان عن سليمان بن موسى

(30) وهو متروك، كذبه أبو حاتم كما في "التقريب"(4257)، أقول: ومن يشتبه عليه اسم شيخه، كيف يكون حاله وأنى لحديثه الحسن، وهو لا يعلم له موثق ولو متساهل؟

ص: 48

الأشدق قال: "إن لكل شيء شرفًا، وأشرف المجالس ما استقبل به القبلة". قال: يعنى برد بن سنان كما في "الحلية"(6/ 87)"ما رأيت سليمان يجلس إلا مستقبل القبلة". (فى الأصل: سفيان، والتصويب من "الحلية").

وروى ابن أبي شيبة أيضًا (8/ 487) عن وكيع عن ثور بن يزيد عنه قال: "لكل شيء سيد، وسيد المجالس مستقبل القبلة". وإسناداهما صحيحان.

2 -

وروى أيضًا عن وكيع عن محمد بن عبد الله الشعيثى عن مكحول قال: "أفضل المجالس مستقبل القبلة". وإسناده صحيح.

3 -

وروى السمعاني والخطيب في "جامعه" من طريق هشام بن عمار: نا صدقة: نا ابن جابر قال: أقبل مغيث بن سمى إلى مكحول فأوسع إلى جنبه، فأبى وجلس مقابل القبلة، وقال:"هذا أشرف المجالس".

قلت: نعم، ولكن ما فعله مغيث رحمه الله مخالف لهدى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله:"إذا دخل أحدكم إلى القوم فأوسع له فليجلس، فإنما هي كرامة من الله أكرمه بها أخوه المسلم، فإن لم يوسع له فلينظر أوسعها مكانًا فليجلس فيه".

رواه الحارث بن أبى أسامة في "مسنده" عن أبي شيبة الخدرى رضي الله عنه، وقال الذهبي:"حديث جيد" كما في "الفيض"(1/ 338) وانظر ألفاظه وشواهده في "الصحيحة"(1321). والله أعلم.

الحديث السادس عشر:

" إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة".

ضعيف. ورد من حديث أَنس، ومن مرسل الحسن البصري.

ص: 49

1 -

حديث أَنس:

رواه أحمد (3/ 157) والرامهرمزى في "الأمثال"(51) من طريق رشدين بن سعد المصري عن عبد الله بن الوليد التجيبي (31) عن أبي حفص عنه به مرفوعًا. وإسناده ضعيف، قال الهيثمي (1/ 121): "رواه أحمد، وفيه رشدين بن سعد، اختلف في الاحتجاج به، وأبو حفص صاحب أَنس مجهول.

قلت: رشدين ضعيف كادوا يطبقون على ضعفه. وقدم أحمد وأبو حاتم عليه ابن لهيعة، بل قال النسائي: متروك. فهو ممن تتردد أنظار العلماء في تضعيفه وتركه. وما أعلم وثقه سوى الهيثم بن خارجة الخراسانى رحمه الله وعبد الله بن الوليد التجيبي، قال الحافظ (3691):"لين الحديث".

2 -

مرسل الحسن:

رواه البيهقى في "المدخل"(392) من طريق سهل بن أبى الصلت السراج عنه مرفوعًا بلفظ: "إنما مثل العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء، إذا رآها الناس اقتدوا بها، وإذا عميت عليهم تحيروا".

وإسناده ضعيف للإِرسال، ومراسيل الحسن سبق التعرض لحالها في الحديث الرابع.

وسهل بن أبي الصلت فيه مقال، قال الحافظ (2663):"صدوق له أفراد، كان القطان لا يرضاه"(والأصحّ) أن هذا الكلام من قول أبى مسلم الخولانى وأبى قلابة عبد الله بن زيد الجَرْمى البصري موقوفًا عليهما (مقطوعا).

1 -

أثر أبي مسلم: رواه أبو نعيم (5/ 120) والبيهقي (394) من طريقين عن الحسن قال: كان أبو مسلم الخولاني يقول: "مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء، إذا بدت لهم اهتدوا، وإذا خفيت عليهم تحيروا".

(31) وقع في "الأمثال" زيادة: "عن النخعي" بعد "عن عبد الله بن الوليد التجيبي". ولا معنى لها.

ص: 50

2 -

أثر أبى قلابة: رواه ابن أبى شيبة (13/ 496) وأبو نعيم (2/ 283) والبيهقى (395) من طريقين عن أيوب عن أبى قلابة (32) قال: "مثل العلماء مثل النجوم التى يهتدى بها، والأعلام التى يقتدى بها، إذا تغيبت عنهم تحيروا، وإذا تركوها ضلوا" وإسناده صحيح.

وقال محقق "المدخل": " ورواه أحمد فى "الزهد" عن أبى الدرداء موقوفًا بلفظ: "مثل العلماء فى الأرض، مثل النجوم فى السماء، إذا ظهرت ساروا بها، وإذا توارت عنهم تاهوا". ولم أجده فى "زهد أبى الدرداء" من كتاب "الزهد" (ص 143: 134). فالله أعلم.

الحديت السابع عشر:

" تحريك الإصبع فى الصلاة مذعرة للشيطان".

ضعيف جدًا، منكر. رواه ابن عدى (6/ 2247) والبيهقى فى "سننه"(2/ 132) والخطيب فى "تخليص المتشابه"(ص 281) من طريق محمد بن عمر الواقدى ثنا كثير بن زيد عن نافع عن أبن عمر به مرفوعًا.

وفى إسناده الواقدى أورده ابن عدى فى جملة مناكيره وقال: "وهذه الأحاديث التى أمليتها للواقدى، والتى لم أذكرها كلها غير محفوظة، ومن يروى عنه الواقدى من الثقات، فتلك الأحاديث غير محفوظة عنهم إلا من رواية الواقدى، والبلاء منه، ومتون أخبار الواقدى غير محفوظة، وهو بَيِّن الضعف".

وأما البيهقي فألان فيه القول لما قال: " تفرد به محمد بن عمر الواقدى، وليس بالقوى. وروينا عن مجاهد أنه قال: "تحريك الرجل إصبعه فى الجلوس فى الصلاة مقمعة للشيطان".

(32) فى "المصنف": "عن كاتب أبي قلابة قال" وفى (الحلية)"عن كتاب أبي قلابة قال". وصحح المعلق على "الحلية" أنه: "أيوب بن كيسان عن أبى قلابة" وما تحرف مثل ذلك ببعيد.

ص: 51

قلت: بل الواقدى بَيِّن الضعف كما تقدم عن ابن عدى، وهو متروك الحديث كذبه ورماه بالوضع جماعة من الأئمة. وأورد له الذهبي أيضًا هذا الحديث (3/ 664) فى جملة ما استنكر عليه. وقد خالفه أحد الثقات فى متنه.

فقد روى الإمام أحمد (2/ 119) والبزار (563 كشف) عن أبى أحمد الزبيرى- وهو ثقة- ثنا كثير بن زيد عن نافع قال: كان عبد الله بن عمر إذا جلس فى الصلاة وضع يديه على ركبتيه، وأشار بإصبعه، وأتبعها بصره، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لهى أشد على الشيطان من الحديد". يعنى السبابة. وإسناده حسن، وكثير بن زيد صدوق حسن الحديث على الراجح من أقوال العلماء.

وقد صحح الإمام البخارى رحمه الله حديثا هو فى إسناده كما فى "علل الترمذى الكبير"(ص 677).

ثم وجدت كذابًا آخر روى حديث الترجمة على لون آخر، ففى "الحلية" (7/ 139) من طريق أبى حذيفة إسحاق بن بشر ثنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت:"كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا دعا يدعو بيده اليسرى (33) يبسطها ويشير بإصبعه المسبحة ويقول: إن الإشارة فى الدعاء بالمسبحة مقمعة للشيطان". وأبو حذيفة هذا هو البخارى صاحب كتاب "المبتدأ" وهو متهم بالوضع، وهو شر من الواقدي إذ لم يعدم الأخير من يوثقه ويدافع عنه - بغير صواب - أما أبو حذيفة فلا أعلم أحدًا شهد له بخير! ثم وجدت محمد بن عمر الداربجردى يوثقه، فقال الحافظ فى "اللسان" (1/ 304):"فلم يلتفت إليه أحد لأن أبا حذيفة بين الأمر لا يخفى حاله على العميان"! والراوى عنه: القاسم ابن المساور الجوهرى ترجمه الخطيب (12/ 427) برواية ابنه أحمد عنه، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.

(33) كذا فى "الحلية" فليحرر.

ص: 52

وبعد، (فالصحيح) فى حديث الترجمة أنه من قول التابعي الجليل مجاهد بن جبر رحمة الله عليه - مع اختلاف يسير - فالإمام البيهقى رحمه الله بعد أن علقه عنه - عقب حديث الواقدى - وصله من طريق عبد الله بن الوليد العدني عن سفيان عن عثمان بن الأسود عنه، فاختصر لفظه ورواه عبد الرزاق فى "مصنفه" (3245) عن الثورى به عنه قال:"تحريك الرجل إصبعه فى الصلاة مقمعة للشيطان".

والمراد بالتحريك هاهنا الإشارة نفسها، فقد رواه ابن أبى شيبة (2/ 484) عن حفص بن غياث عن عثمان عن مجاهد بلفظ:"الدعاء هكذا - وأشار بأصبع واحدة - مقمعة للشيطان". وإسناده صحيح.

وبالإشارة فسره أيضًا الإمام البيهقي كما يفهم من إيراده للآثار فى ذلك (2/ 133)، وبصنيعه استدل الشيخ الأعظمى رحمه الله على ما ذكرناه.

(أما) ما جاء فى رواية - فردة - من روايات حديث وائل بن حجر الحضرمى رضى الله عنه - فى صفة صلاة النبى صلى الله عليه وآله وسلم وفيها: "ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها يدعو بها

" الحديث.

وهى عند النسائى وابن ماجة وابن خزيمة والبيهقى وغيرهم بإسناد رجاله ثقات لكن لفظة: "يحركها" زائدة من زائدة! وهو زائدة بن قدامة أبو الصلت الكوفى، ثقة ثبت صاحب سنة كما فى "التقريب"(1982) لكنها شاذة، وقد جزم ابن خزيمة فى "صحيحه"(1/ 354) بأنه تفرد بها، ولم أجد له متابعًا مع كثرة التفتيش عن طرق هذا الحديث وقد رواه أحد عشر رجلًا كلهم - إلا واحدًا - من الثقات الحفاظ، فلم يذكروها، وهم:

1 -

سفيان بن سعيد الثورى.

2 -

سفيان بن عيينة الهلالى.

3 -

شعبة بن الحجاج.

4 -

عبد الواحد بن زياد.

5 -

عبد الله بن إدريس.

6 -

زهير بن معاوية.

7 -

أبو عوانة اليشكرى.

8 -

أبو الأحوص سلام بن سليم الحنفى.

ص: 53

9 -

بشر بن المفضل.

10 -

خالد بن عبد الله الواسطى الطحان.

وكلهم ثقات حفاظ أئمة.

11 -

غيلان بن جامع. وهو ثقة.

وهذا سوى روايات أخرى ضعيفة وواهية عند الطبراني توافق ما رواه كل هؤلاء الثقات. ولقد ظللت- لفترة من الزمان- متهيبًا من الحكم على هذه الزيادة بالشذوذ- مع اعتقاد أرجحية الإشارة فى الصلاة بغير تحريك - حتى علمت أن أخوين فاضلين من أهل الحديث يشرع كل منهما فى إعداد رسالة بهذا الصدد، أحدهما من تشاد والآخر من اليمن. وسوف أتعرض لرواية زائدة هذه، ولبيان صحة حديث ابن الزبير فى عدم التحريك - إن شاء الله - فى مشروع يتعلَّق بأحاديث فى أسانيدها أو متونها شذوذ أو علة قادحة، زائدة على ما فى "علل الحديث" لابن أبى حاتم الرازى، وربما أورد أحاديث حكم أبو حاتم أو أبو زرعة عليها بالنكارة أو البطلان أو الخطأ، ولم يوردا حجتهما فى ذلك، لإثبات صحة قولهما، كحديث ابن الزبير رضى الله عنهما "كان اسم أبى بكر: عبد الله بن عثمان، فقال له النبى صلى الله عليه وآله وسلم:"أنت عتيق الله من النار".

وقد تجمع لى قدر منها، فانتخبت منه خمسين حديثًا - كقسم أول كما هى عادتي - يسر الله خروجه وقدر لنا الخير حيث كان.

الحديث الثامن عشر:

" تفكر ساعة خير من قيام ليلة".

ضعيف جدًا. رواه أبو الشيخ من طريق نهشل بن سعيد عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: "التفكر فى عظمة الله وجنته وناره ساعة خير من قيام ليلة، وخير الناس المتفكرون فى ذات الله، وشرهم من لا يتفكر فى ذات الله".

قاله محقق "العظمة" لأبى الشيخ (1/ 301) نقلًا عن "زهر الفردوس"(2/ 52)

ص: 54

- باختصار بعض من السند - قال: "ولم أهتد إلى هذا الحديث فى "العظمة"، لعله أخرجه فى غيره".

قلت: وإسناده ضعيف جدًا، نهشل هذا متروك وكذبه إسحاق بن راهويه كما فى "التقريب"(7198)، ورواية الضحاك عن ابن عباس منقطعة.

ثم وجدته مرويا بلفظ الترجمة فى "كنز العمال"(3/ 107) وقال: "رواه صالح ابن أحمد فى كتاب "التبصرة" عن أنس"، ولم أجد للآن من تكلم عليه.

وقد رُوِى بألفاظ أخرى، ففى "العظمة" (43) من طريق عطاء الخراساني عن أبى هريرة مرفوعًا:"فكرة ساعة خير من عبادة ستين سنة". وفى إسناده: عثمان بن عبد الله القرشى، وإسحاق بن نجيح الملطي، وهما متهمان بالوضع. ورواية عطاء الخراساني عن أبي هريرة منقطعة أيضًا. وقال العلامة الألباني فى "الضعيفة" (173):"موضوع".

وروى الديلمى من طريق محمد بن جعفر الوركانى عن سعيد بن ميسرة عن أنس قال: "تفكر ساعة فى اختلاف الليل والنهار، خير من عبادة ألف سنة".

أورده السيوطى فى "اللآلئ المصنوعة"(2/ 327) كشاهد لحديث أبى هريرة، فتعقبه الألبانى بأنه - مع كونه موقوفًا ومغايرًا للفظ الحديث - فهو موضوع أيضًا.

(وبعد)، فإن حديث الترجمة ورد موقوفًا من قول ابن عباس وأبى الدرداء - رضى الله عنهم - والحسن رحمه الله.

1 -

أثر ابن عباس: رواه أبو الشيخ (42) من طريق ليث بن أبى سليم عن سعيد بن جبير عنه. والديلمى (34) بلفظ: "خير من قنوت ليلة". ولكن لا أدرى أهو عنده من نفس الطريق أم من غيرها. وليث ضعيف يعتبر بحديثه فى الشواهد والمتابعات. وقول الحافظ فى "التقريب"(5685): "صدوق، اختلط

(34) كما فى "زهر الفردوس" مصور الجامعة الإِسلامية برقم (1451) قاله محقق "العظمة".

ص: 55

أخيرًا (35) ، ولم يتميز حديثه فترك".

ليس معناه أنه "متروك الحديث" كما فهم محقق "تفسير ابن أبى حاتم"، وإنما مراده أنه لما اختلطت أحاديثه التي حدث بها قبل الاختلاط بتلك التي حدث بها بعده رُدَّت كلها وحكم بضعفها. والله أعلم.

ورواه أبو الشيخ (44) من طريق أخرى ضعيفة عن سعيد عنه بلفظ: "ركعتان مقتصدتان فيهما تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساه". ورواه ابن المبارك فى "الزهد"(288) عن رجل عن عكرمة عنه، فالطريقان يقوى كل منهما الآخر. وهو بهذا اللفظ عنه أشبه من الأول.

2 -

أثر أبى الدرداء: وله - فيما وقفت عليه - أربع طرق:

الأول: عند أحمد فى "الزهد"(ص 139) وهناد (943) وابن سعد (7/ 2 / 117، 118) ثلاثتهم عن أبى معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سالم ابن أبى الجعد عن أم الدرداء عنه. وإسناده صحيح على شرطهما.

الثانية: عند ابن عساكر (13/ 753) من طريق مكحول عنه. وإسناده منقطع.

الثالث: عند أبى نعيم (1/ 208، 209) عن سالم بن أبى الجعد أيضًا عن معدان ابن أبي طلحة عنه.

الرابعة: عند ابن عساكر من طريق عون بن عبد الله عن أم الدرداء عنه به. وكلاهما واهٍ.

3 -

أثر الحسن: رواه أحمد فى "الزهد"(ص 272) وابن أبى شيبة (13/ 507) كلاهما عن محمد بن فضيل عن العلاء بن المسيب عنه. وإسناده صحيح.

(35) فى "التقريب"(ط. دار البشائر الإسلامية): "اختلط جدا" والتصويب من (ط. دار المعرفة)(2/ 138).

ص: 56

وروى ابن المبارك (285) عن الربيع بن صبيح عنه قال: "إن من أفضل العمل الورع والتفكر".

ورواه عبد الله بن أحمد فى "زوائد الزهد"(ص 265) بلفظ: "أفضل العلم الورع والتوكل". والربيع بن صبيح رجل صالح، وفيه ضعف. قال الحافظ (1895):"صدوق سيئ الحفظ".

قلت: لكن يغتفر له مثل هذا الأثر المقطوع، لا سيما وهو واحد من أشهر أصحاب الحسن، وقد قواه غير واحد من الأئمة. والله أعلم.

الحديث التاسع عشر:

" التائب من الذنب كمن لا ذنب له".

ضعيف. رُوِى من حديث ابن مسعود وابن عباس وأنس وأبو سعيد الأنصارى وأبو عنبة الخولانى وعائشة.

1 -

حديث ابن مسعود: رواه ابن ماجة (4250) والطبرانى فى "الكبير"(10/ 185) - وعنه أبو نعيم (4/ 210) والشجرى (1/ 198) - والقضاعى (108) وغيرهم من طريق وهيب بن خالد عن معمر عن عبد الكريم الجزرى عن أبى عبيدة بن عبد الله بن مسعود عنه به.

ورجاله كلهم ثقات لكنه منقطع، أبو عبيدة لم يسمع من أبيه كما تقدم فى أثناء الحديث الثاني ومع أن هذه الطرق معدودة من أصح طرق هذا المتن، لكنني وقفت لها على علة قادحة.

قال الحافظ الخطيب رحمه الله فى "موضح أوهام الجمع والتفريق"(1/ 257): "تفرد بروايته محمد بن عبد الله الرقاشي عن وهيب بهذا الإسناد مرفوعًا، ولم يتابع عليه".

ص: 57

قلت: وتكلم على هذه الطريق (1/ 257، 258) كلامًا حاصله:

1 -

أن عبد الرزاق رواه عن معمر - فلم يقم إسناده - فقال: "عن عبد الكريم الجزري عن زياد بن أبى مريم عن عبد الله" وأوقفه بلفظ: "الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له".

2 -

وأن ابن المبارك (36) أيضًا رواه عن معمر فقال "عن عبد الكريم عن أبى عبيدة عن أبيه" وأوقفه مقتصرًا على قوله: "الندم توبة".

3 -

وأن ابن المدينى رواه عن عبد الرزاق عن معمر هكذا، ثم قال: قال لنا عبد الرزاق: "وهذا وهم، اجعلوه عن رجل عن ابن مسعود".

وقد أوقفه على ابن مسعود ثقة ثالث - هو محمد بن ثور الصنعانى- فقد قال ابن أبى حاتم فى "علل الحديث"(2/ 141): "سألت أبى عن حديث رواه ابن ثور عن معمر عن عبد الكريم الجزرى عن أبى عبيدة بن عبد الله عن ابن مسعود قال: الندم توبة، التائب من الذنب كمن لا ذنب له. قال أبى: هذا خطأ إنما هو: عبد الكريم عن زياد بن الجراح عن ابن معقل قال: دخلت مع أبى على ابن مسعود.

قلت: هذا الترجيح صواب بشأن رواية ابن مسعود عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "الندم توبة". حَسْبُ. أما لفظة: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له"، فلا أعلم لها إسنادًا إلا من طريق معمر عن عبد الكريم الجزرى على الخلاف المتقدم إسنادًا، ورفعا ووقفا.

وإنما روى جماعة من الثقات وغيرهم عن عبد الكريم بالسند الذى رجحه أبو حاتم، قوله صلى الله عليه وآله وسلم:"الندم توبة". وقد أفاض الخطيب جدًا

(36) رواية ابن المبارك وصلها الخطيب من طريق نعيم بن حماد عنه، وهى ثابتة فى "زوائد الزهد"(168) ونعيم يرويه من كتاب - حتى لا يتعلل بعدم ثبوته عن ابن المبارك من أجل ما فى نعيم بن حماد من مقال تقدم فى الحديث العاشر.

ص: 58

في بيان ذلك، فانظر "الموضح" (1/ 263: 247) مع تعليق العلامة المعلمى رحمة الله عليه. فالحاصل أن الحديث مُعَلّ بالوقف بإسناد منقطع.

2 -

حديث ابن عباس: رواه ابن أبي الدنيا بزيادة: "والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه، كالمستهزئ بربه، ومن آذى مسلمًا كان عليه من الإثم مثل كذا وكذا" كما في "المقاصد"(ص 152) وقال السخاوى: "وسنده ضعيف، فيه من لا يُعرف، وروى موقوفًا، قال المنذرى: ولعله أشبه، بل هو الراجح".

ورواه البيهقى في "الشعب"(2/ 373/ 1) وغيره بلفظ: "كان عليه من الإثم مثل منابت النخل". كما في "الضعيفة"(616). وقال الذهبى: "إسناده مظلم" كما في "الفيض"(3/ 277).

قلت: وهو من طريق سلم بن سالم البلخى عن سعيد الحمصي عن عاصم الجذامي عن عطاء عن ابن عباس وهذا إسناد واهٍ، سلم بن سالم اتفقوا على تضعيفه وأشار أبو زرعة الرازى إلى أنه كان لا يصدُق. وسعيد الحمصى لا يعرف. ويحتمل أن يكون:"سعيد بن عبد الجبار الزبيدى الحمصى". وهو واهٍ، من طبقة بقية، وروى بقية عنه أيضًا. وقرينة هذا الاحتمال أن شيخه من شيوخ بقية. قال الذهبى (2/ 358):"شيخ لبقية. لا يعرف" ثم وجدت لسلم بن سالم رواية عن سعيد ابن عبد الجبار عند الشجرى (2/ 47) فلله الحمد.

3 -

حديث أنس: رواه القشيرى في "الرسالة"(ص 49) قال: "أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين بن فورك قال: أخبرنا أحمد بن محمود بن خرزاذ (37) قال: حدثنا محمد بن فضل بن جابر قال: حدثنا سعيد بن عبد الله قال: حدثنا أحمد بن زكريا قال: حدثنى أبي قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا أحب الله عبدًا لم يضره ذنب" ثم تلا: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ

(37) في "الرسالة"(ط. مصطفى الحلبى): "أحمد بن محمود بن خراز" والتصويب من "لسان الميزان"(1/ 309)، (6/ 314).

ص: 59

وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} قيل يا رسول الله، وما علامة التوبة؟ قال:"الندامة".

ورواه ابن النجار من طريقه (10/ 161/ 2). قال الشيخ الألبانى حفظه الله في "الضعيفة"(615)(38): "قلت: وهذا إسناد مظلم، من دون أنس لم أجد لأحد منهم ذكرًا في شيء من كتب الرجال، اللهم إلا ابن خرذاذ (39) هذا فهو من شيوخ الدارقطني، وقد ساق له حديثا بسند له إلى مالك عن الزهرى عن أنس. ثم قال الدارقطني: "هذا باطل بهذا الإسناد، ومن دون مالك ضعفاء". وقال في موضع آخر:"مجهول" كما في "اللسان". فالظاهر أنه هو آفة هذا الحديث. والله أعلم. والحديث أورده في "الجامع الصغير" من رواية القشيرى وابن النجار، ولم يتكلم عليه المناوى بشئ" اهـ.

قلت: كذا قال حفظه الله، وجماعة من الذين لم يجدهم الشيخ معروفون:

1 -

فشيخ القشيرى الصواب في اسمه: "أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك" وهو المتكلم المشهور، ترجمه الذهبي في "السير" (17/ 214: 216)، ولم يذكر في ترجمته ما يفصح عن حاله في الحديث. وقال: "

وسمع من ابن خرزاذ الأهوازي". وختم ترجمته بحكايتين شنيعتين، فانظرها إن شئت.

2 -

وشيخ شيخه وقع اسمه للشيخ: "محمد بن فضيل بن جابر" فلم يعرفه، ولو وضع احتمال تصحفه لعرفه، فإنه:"محمد بن الفضل بن جابر" وهو السقطى - من شيوخ الطبراني - صدَّقه الدارقطني كما في "سؤالات الحاكم"(197) ووثقه الخطيب (3/ 153).

3 -

وشيخ السقطى - سعيد بن عبد الله - يحتمل أن يكون: "سعيد بن

(38) لم يذكر فيها زيادة: ثم تلا

الخ، لا أدرى لماذا؟

(39)

كذا سماه - بذالين - وكذلك أورده في السند، والصواب:"خرزاذ" كما قدمنا عن "اللسان". وسيأتي عن الذهبي ما يؤيد ذلك. وفى الرواة أيضًا: "عثمان بن عبد الله ابن محمد بن خرزاذ" وهو ثقة حافظ من رجال "التهذيب".

ص: 60

عبد الله بن دينار". قال ابن حبان في ترجمة عبد الواحد بن زيد البصري من "الثقات" (40) (7/ 124): "ويجتنب من حديثه من رواية سعيد بن عبد الله بن دينار، فإن سعيدًا يأتي بما لا أصل له عن الأثبات" وأورده الحافظ في "اللسان" (3/ 35) وقال:"له ذكر في ترجمة عبد الواحد بن زيد البصرى" وذهل فأعاده في (3/ 126) وهو هو فكان على الشيخ أن يستظهر أنه هو ثم وجدت له ترجمة في "تاريخ دمشق"(7/ 288/ 289) و "الجرح"(4/ 18) وقال أبو حاتم: "مجهول".

4 -

حديث أبي سعيد الأنصارى: رواه أبو نعيم (10/ 398) من طريق ابن أبي فديك عن يحيى بن أبي خالد عن ابن أبي سعيد الأنصارى عن أبيه مرفوعًا. ولفظه: "الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له".

ورواه الحكيم الترمذى في "نوادر الأصول" - بتقديم وتأخير- كما في الإصابة (4/ 87) - ولكن سماه: "ابن أبي سعد".

وإسناده ضعيف مظلم، فيحيى بن أبي خالد مجهول قاله أبو حاتم كما في "الجرح" (9/ 140) وحكى الحافظ في "اللسان" (6/ 252) عنه أنه قال:"روى عن ابن أبي سعيد عن أبيه رفعه: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" وهو حديث ضعيف، رواه مجهول عن مجهول".

وابن أبي سعيد ترجمه ابن أبي حاتم (9/ 321) باسم: "ابن أبي سعد" وحكى عن أبيه أيضًا أنه قال: "مجهول". وأبوه ترجمه (9/ 378) وسماه "أبا سعد الأنصارى" وقال: "روى عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم: "الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ومنك من أعتبك (كذا) وإنى لأكره

(40) لقد أغرب ابن حبان رحمه الله بذكره عبد الواحد بن زيد في "الثقات" فإن الجمهور على تركه وسقوط حديثه، ثم إنه تناقض فيه فأورده أيضًا في "المجروحين" (2/ 154، 155" وقال: "كان ممن يغلب عليه العبادة حتى غفل عن الإتقان فيما يروى، فكثر المناكير في روايته، فبطل الاحتجاج به ا. هـ وهو الصواب.

ص: 61

المرأة المرهاء، والمرأة السلتاء". روى ابن أبي فديك عن يحيى بن أبي خالد عن ابن أبي سعد عن أبيه".

5 -

حديث أبي عنبة الخولاني: أخرجه البيهقى كما في "المقاصد"، ولم أرَ أحدًا تعرض للكلام عنه، فالله أعلم بحاله.

6 -

حديث عائشة: رواه أبو نعيم في "أخبار أصبهان"(1/ 132) من طريق على بن زيد عن سعيد بن المسيب عنها - في حديث طويل عجيب لوائح الوضع عليه بادية، فأوله:"الموت غنيمة، والمعصية مصيبة، والفقر راحة، والغناء عقوبة، والعقل هدية من الله، والجهل ضلالة، والظلم ندامة، والطاعة قرة العين، والبكاء من خشية الله النجاة من النار، والضحك هلاك البدن، والتائب .... " الحديث.

وعلى بن زيد ضعيف، والإسناد إليه واهٍ وفيه إظلام أيضًا.

وبَعْد، فمن الواضح - بعد ظهور علة حديث ابن مسعود - أن سائر طرق هذا الحديث مظلمة، وأكثرها - مع إظلامه - واهٍ، وإحداها حالها مجهولة، ولذلك فالقول بحُسنه - مع كثرتها - مما تدفعه القواعد الحديثية الدقيقة ولا ينشرح القلب لمثله.

أما نسبته إلى ابن مسعود فالأمر في ذلك هين، فإن أبا عبيدة يروى عن جماعة من الصحابة وعن كبار أصحاب أبيه.

والغالب على أصحاب ابن مسعود الثقة والأمانة (ولكن) حديث الترجمة صحيح قطعًا من قول عامر بن شراحيل الشعبي رحمه الله وهو من فقهاء التابعين وفضلائهم - كما رواه وكيع في "الزهد"(278) والبيهقى في (41)"شعب الإيمان"(2/ 2/ 450) عن سفيان الثورى عن عاصم الأحول عنه به، ثم قرأ: {إِنَّ اللَّهَ

(41) قاله محقق "زهد وكيع" حفظه الله.

ص: 62

يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}.

ورواه أيضًا ابن أبي الدنيا كما في "المقاصد". وإسناده صحيح على شرطهما. ورواه أبو نعيم (4/ 318) من طريق قيس - هو ابن الربيع - عن عاصم عنه، بلفظ:"كان يقال (42): "التائب من الذنب كمن لا ذنب له، إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، فإذا أحب الله عبدًا لم يضره ذنب، وذنب لا يضر كذنب لم يعمل".

وفى هذا الإسناد مقال، قيس بن الربيع هو الأسدي الكوفي، قال الحافظ (5573):"صدوق تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدَّث به".

قلت: والثورى رحمه الله لا نظير له في الحفظ والإتقان، فروايته - مختصرًا - هى الراجحة عن عاصم عن الشعبى، والتى تجعل المتن من قول الشعبي نفسه، لا من حكايته بلفظ:"كان يقال" فتنبه. والله أعلم.

الحديث العشرون:

" الجنة حرام على كل فاحش أن يدخلها".

ضعيف. رواه ابن أبي الدنيا في "الصمت"(322) من طريق يحيى بن يحيى حدثنا ابن لهيعة عن عياش بن عباس عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال:

فذكره.

وهذا إسناد ضعيف، رجاله كلهم ثقات سوى عبد الله بن لهيعة المصرى، فإنه معروف بالضعف - على تفصيل فيه. وما هو من رواية أحد من قدماء أصحابه

(42) في هذا اللفظ تشابه شديد مع حديث أنس - المتقدم - كأن الأصل فيه هذه الرواية. والله أعلم.

ص: 63

كالعبادلة الثلاثة وغيرهم.

والأشبه أنه موقوف على عبد الله بن عمرو، وأخطأ ابن لهيعة فرفعه، (فقد) قال أبو نعيم رحمه الله في "الحلية" (1/ 288):"حدثنا محمد بن معمر ثنا موسى ابن هارون ثنا قتيبة بن سعيد ثنا الليث بن سعد عن عياش بن عباس (43) عن أبي عبد الرحمن قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: "إن الجنة حرام على كل فاحش أن يدخلها".

ورجاله كلهم ثقات معروفون، رجال الصحيح سوى موسى بن هارون وهو ابن عبد الله الحمال، أحد الثقات الحفاظ، وسوى شيخ أبي نعيم: محمد بن معمر وهو ابن ناصح الأصبهانى، ترجمه أبو نعيم في "أخبار أصبهان" (2/ 284/ 285) وقال:"الذهلى الأديب، توفى في صفر سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. روى عن موسى بن هارون ويوسف القاضى وأبى شعيب وطبقتهم، وعن ابن أبي عاصم ببعض مصنفاته". ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.

وترجمه الذهبى في "العبر"(2/ 96) - في وفيات سنة 355 - فقال: "وفيها: محمد بن معمر بن ناصح، أبو مسلم الذهلي الأديب، بأصبهان، روى عن أبي بكر بن أبي عاصم، وأبى شعيب الحرانى، وطائفة".

ثم وجدت الخطيب أيضًا ترجمه في "تلخيص المتشابه"(ص 129، 130) فذكر نحوًا مما قاله أبو نعيم وقال "ثنا عنه أبو نعيم أحمد بن عبد الله، وعلى بن يحيى بن جعفر الأصبهانيان" ثم روى له حديثًا عن ابن أبي عاصم. ولم أقف على أحد تكلم فيه، وقد تتبعت ما رواه أبو نعيم عنه - من خلال "فهارس الحلية" - فوجدته روى (2/ 297، 298) عنه حديثا قال عقبه: "هذا حديث صحيح ثابت. أخرجه مسلم في صحيحه" عن القواريرى عن حماد بن زيد

" فذكر الاختلاف في إسناده. ولم أجد في سائر المواضع ما يمكن أن يؤخذ عليه.

(43) جاء في "الحلية" - خطأ - "عن عياش بن عياش".

ص: 64

وقد توبع على أصل السند في الحديث الذى نحن بصدده - لولا أن ابن لهيعة زاد الرفع - وأوقفه هذا الشيخ، فمحله الصدق والأمانة إن شاء الله تعالى ومما يجدر التنبيه عليه أن الحافظ السيوطى رحمه الله ذكر حديث الترجمة في "الجامع"(3648) وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في "الصمت" وأبى نعيم في "الحلية" عن ابن عمرو، ورمز لضعفه، وأقره على ذلك الحافظ المناوى رحمه الله مؤكدًا ذلك بقوله:"كلاهما" أى كلاهما رواه عن ابن عمرو مرفوعًا.

ومثله قول الحافظ العراقى رحمه الله في "تخرج الإحياء"(3/ 121):

"أخرجه ابن أبي الدنيا وأبو نعيم في "الحلية" من حديث عبد الله بن عمرو" وقد علمت أنه في "الحلية" موقوف، فالكمال لله وحده. وحكى المناوى وغيره عن الحافظ العراقى قال:"سنده لين". والله أعلم.

الحديت الحادى والعشرون:

" الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها".

ضعيف جدًا. رُوِى من حديث أبي هريرة، وأنس، وعلى، وبريدة، ومن مرسل زيد بن أسلم.

1 -

حديث أبي هريرة: رواه الترمذى (2828) وابن ماجة (4169) والقضاعي (52) والعسكرى في "الأمثال" والبيهقى في "المدخل"(412) وابن الجوزى في "العلل المتناهية"(114) من طريق إبراهيم بن الفضل المخزومي المدني عن سعيد بن أبي سعيد المقبرى عنه به وإسناده ضعيف جدًا.

قال الترمذى: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإبراهيم بن الفضل المخزومي ضعيف في الحديث".

وقال البيهقى: "تفرد به إبراهيم بن الفضل، وليس بالقوي".

وقال ابن الجوزى: "هذا حديث لا يصح. قال يحيى: إبراهيم ليس حديثه بشئ".

ص: 65

وكذلك أورده كل من "العقيلي" في "الضعفاء الكبير"(1/ 60، 61) وابن حبان في "المجروحين"(1/ 105) وابن عدى (1/ 232) من جملة ما استنكر عليه.

وقال الحافظ (228): "متروك" والحديث قال العلامة الألبانى في "ضعيف الجامع"(4/ 166): "ضعيف جدًا".

2 -

حديث أنس: رواه العسكرى في "الأمثال" من حديث عنبسة بن عبد الرحمن عن شبيب بن بشر عنه رفعه: "العلم ضالة المؤمن حيث وجده أخذه" كما في "المقاصد"(ص 191، 192).

وإسناده ضعيف جدًا أيضًا، عنبسة متروك، وشبيب مختلف فيه، فوثقه ابن معين وقال ابن حبان في "الثقات":"يخطئ كثيرًا" ولينه أبو حاتم وقال البخارى: منكر الحديث. فهو إلى الضعف أقرب.

3 -

حديث على: له طريقان:

الأولى: من رواية أبي الدنيا الأشج عنه. قال السخاوى "

وكذا هو في نسخة أبي الدنيا الأشج الكذاب عن على".

الثانية: عند الديلمى من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عنه مرفوعًا بلفظ:

"ضالة المؤمن العلم، كلما قيد حديث طلب إليه آخر".

قاله السخاوى أيضًا. وإسناده ضعيف جدًا، عبد الوهاب بن مجاهد متروك وقد كذبه الثورى كما في "التقريب"(4263).

وقال محقق "مسند الشهاب": "ورواه الديلمى (2/ 101) من حديث على، وهو ضعيف جدًا".

4 -

حديث بريدة: رواه الديلمي (44) بلفظ: "الحكمة ضالة المؤمن، من

(44)"الفردوس"(2/ 243) وقال الحافظ في "تسديد القوس" "

وفى الباب عن بريدة" ا. هـ. كما في الحاشية.

ص: 66

حيث ما وجدها أخذها". ولم يتكلم الحافظ على إسناده. فالله أعلم.

5 -

مرسل زيد بن أسلم: رواه القضاعي (146) من طريق الليث بن سعد عن هشام بن سعد عنه مرفوعًا بلفظ: "الحكمة ضالة المؤمن، حيثما وجد المؤمن ضالته، فليجمعها إليه".

وشيخ القضاعى: أبو الحسن عبد العزيز بن محمد بن داود لم أجد له ترجمة. وفيه أيضًا أبو قرصافة محمد بن عبد الوهاب العسقلانى، لم أجد أيضًا له ترجمة مستقلة، لكن ذكره المزى في "تهذيب الكمال"(2/ 303) في الرواة عن آدم بن أبي إياس العسقلانى - شيخه في هذا الإسناد- وهو أيضًا معلول، فقد ورد بإسناد صحيح عن زيد بن أسلم موقوفًا عليه كما يأتى.

إذ (الصحيح) أن حديث الترجمة من قوله، وكذلك من قول سعيد بن أبي بردة - بلفظ:"كان يقال" - وعبد الله بن عبيد بن عمير، وثلاثتهم من خيار التابعين وثقاتهم.

1 -

أثر زيد بن أسلم: رواه ابن عساكر (6/ 551) من طريق عبد الله بن وهب عن هشام بن سعد عنه قال: "نعم الهدية الكلمة من كلام الحكمة يهديها لأخيه. والحكمة ضالة المؤمن، إذا وجدها أخذها".

وإسناده صحيح، وهشام وإن كان فيه مقال، فقد قال الإمام أبو داود رحمه الله:"هو أثبت الناس في زيد بن أسلم". وقال الإمام الذهبي رحمه الله في ترجمته من "الميزان"(4/ 298): "

يقال له يتيم زيد بن أسلم، صحبه وأكثر عنه

" وفى ترجمته من "السير" (7/ 345): "

يتيم زيد بن أسلم. حدث عن .... وزيد بن أسلم، وهو مكثر عنه، بصير بحديثه".

2 -

أثر سعيد بن أبي بردة - وهو ابن أبي موسى الأشعرى رضى الله عنه - رواه ابن أبي شيبة (14/ 51) والبيهقي في "المدخل"(844) من طريق وكيع عن المسعودى عنه قال: "كان يقال: الحكمة ضالة المؤمن، يأخذها حيث وجدها".

ص: 67

3 -

أثر عبد الله بن عبيد بن عمير: رواه ابن أبي شيبة (14/ 60) وأبو خيثمة في "العلم"(157) - واللفظ له - وأبو نعيم (3/ 354) من طرق عن عبد العزيز ابن أبي رواد عنه قال: "العلم ضالة المؤمن، كلما أصاب شيئًا حواه، وابتغى ضالة أخرى". وإسناده صحيح، صححه العلامة الألباني في تحقيق "العلم".

الحديث الثانى والعشرون:

" خير الأمور أوساطها".

ضعيف. رُوِى من حديث على، ومن مرسل مطرف بن عبد الله ومعضل عمرو ابن الحارث المصرى بلاغًا.

1 -

حديث على: رواه ابن السمعاني في "ذيل تاريخ بغداد" بسند مجهول. قاله السخاوى في "المقاصد"(ص 205).

وقال السيوطى في "الدرر المنتثرة"(218): "

بسند فيه من لا يعرف حاله".

2 -

مرسل مطرف: يأتى الكلام عليه في محله.

3 -

معضل عمرو بن الحارث: رواه البيهقى في "سننه"(3/ 273) من طريق ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد عن هارون عن كنانة أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الشهرتين: أن يلبس الثياب الحسنة التي ينظر إليه فيها، أو الدنية أو الرثة التي ينظر إليه فيها. قال عمرو: بلغنى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "أمرًا بين أمرين، وخير الأمور أوساطها". وقال البيهقى: "هذا منقطع".

قلت: الحديث الأول ضعيف لإرساله، وكنانة هو ابن نعيم العدوى. أفاده ابن التركمانى حفظه الله في "الجوهر النقي". وهو ثقة من الرابعة كما في "التقريب"(5668).

ص: 68

وللبيهقي في "الشعب" عن أبي هريرة وزيد بن ثابت مرفوعًا: "نهى عن الشهرتين: رقة الثياب وغلظها، ولينها وخشونتها، وطولها وقصرها، ولكن سداد بين ذلك واقتصاد" كما في "الجامع الصغير"(6057) وقال الألبانى في "ضعيفه"(6/ 30): "موضوع".

وأما قول عمرو بن الحارث: بلغنى

الخ، فهو ضعيف لإعضاله، وعمرو بينه وبين النبى صلى الله عليه وآله وسلم ما لا يقل عن رجلين. ولم أجد أحدًا ممن تكلم على حديث الترجمة تعرض لهذه الطريق المعضلة، وإنما وقفت عليها - بمحض القدر - أثناء تقليبى لفهارس "السنن الكبرى" إذ لم يكن في الحسبان أن الحديث فيها.

وللديلمى عن ابن عباس مرفوعًا - بلا سند كما قال السخاوى - "دوموا (45) على أداء الفرائض والنوافل، فمن عوَده الله عز وجل عبادة فليمض عليها، فإن خير الأعمال أوسطها، وأحمد الأعمال ما دام عليه العبد، وإن قلت".

(وحديث) الترجمة إنما هو ثابت من قول مطرف بن عبد الله بن الشخير وأبى قلابة الجرمى رحمهما الله.

1 -

أثر مطرف:

رواه ابن أبي شيبة (13/ 479) وابن سعد (7/ 1/ 103) من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عنه وإسناده صحيح على شرط مسلم.

ورواه أبو عبيد في "غريب الحديث"(2/ 397، 398) عن ابن علية عن إسحاق ابن سويد عنه - حين قال لابنه لما اجتهد في العبادة: "خير الأمور أوساطها، والحسنة بين السيئتين، وشر السير الحقحقة"(46). وإسناده صحيح على شرط

(45) وفى "الفردوس"(2/ 331): "داوموا

".

(46)

قال أبو عبيد: "وقوله: شر السير الحقحقة، وهو أن يلح في شدة السير حتى تقوم عليه راحلته أو تعطب فيبقى منقطعًا به. وهذا مثل ضربه للمجتهد في العبادة حتى يحسر".

ص: 69

الشيخين.

وذكر السيوطي رحمه الله في "الدر المنثور"(4/ 208) - عند قوله تعالى: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} أن ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم أخرجوا عنه قال: "العلم خير من العمل، وخير الأمور أوسطها، والحسنة بين تلك السيئتين، وذلك لأن الله تعالى يقول:

وذكر الآية. ولم أجد شيئًا من ذلك عند الطبرى في تفسير هذه الآية لا عن مطرف ولا عن يزيد بن مرة الجعفي - إذ عزاه السخاوى والسيوطى إليهما مختصرًا. وجزم الغزالى بنسبته إلى النبى صلى الله عليه وآله وسلم (3/ 57، 96، 169) فعزاه العراقى في المواضع الثلاثة إلى "شعب الإيمان" عن مطرف مرسلًا (47)، ولم يتيسر النظر في سنده الآن ولكن قرائن الحال تدل على ضعف الرواية المرفوعة عن مطرف وقد أعرض عنها غير واحد، فالله أعلم.

2 -

أثر أبي قلابة:

رواه ابن أبي شيبة (13/ 497) وعنه أبو نعيم (2/ 286) عن يعمر بن بشر الخراساني عن ابن المبارك عن معمر عن أيوب عنه بلفظ: "خير أموركم أوساطها". وإسناده صحيح جليل.

ويعمر بن بشر من كبار أصحاب ابن المبارك، ذكره ابن حبان في "الثقات"(9/ 291) وعليه اقتصر الحافظ في "تعجيل المنفعة"(ص 457) وأبو زرعة بن العراقى في "ذيل الكاشف"(1728) مع أن له ترجمة جيدة في "تاريخ بغداد"(14/ 357، 358) جاء فيها أن الإمام أحمد قال: "ما أرى كان به بأس" وأن ابن المديني قال: "كان يعمر بن بشر ثقة، وكان له ختن سوء، وكان عدوًا له". وأن أبا رجاء محمد بن حمدويه قال: "يعمر بن بشر من ثقات أهل مرو ومتقنيهم، وقد روى عنه أقرانه من أصحاب ابن المبارك

" الخ. وأن الدارقطنى قال:

(47) جاء في "تخريج الإحياء"(ط. دار المعرفة) - في الموضع الأول - "أخرجه البيهقي" في "شعب الإيمان" من رواية مطرف بن عبد الله معضلا. (كذا، والصواب: مرسلا) كما في سائر المواضع.

ص: 70

"يعمر بن بشر ثقة ثقة".

وقال الهيثمى في "المجمع"(5/ 122) - في حديث لسمرة بن فاتك الأسدى - "رواه أحمد عن شيخه يعمر بن بشر ويقال: مشايخ أحمد كلهم ثقات، وبقية رجاله ثقات" اهـ.

فهذا منه رحمه الله أعجب، فإن توثيق ابن حبان معتمد عنده - في الغالب - ووجه العبرة من ذلك ألا يعتمد الباحث أو طالب العلم على كتب الأئمة المتأخرين الجامعة - كـ "تعجيل المنفعة" و "ميزان الاعتدال" و "التهذيب" ونحوها - فضلًا عن "الكاشف" و "ذيله" و "الخلاصة" و "التقريب" ونحوها - وحدها، بل عليه أن يرجع إلى الأصول من كتب الأئمة المتقنين كـ "تواريخ يحيى بن معين" و "علل الإمام أحمد" و "المعرفة والتاريخ" للفسوى يعقوب بن سفيان و "الضعفاء" للعقيلي و "الكامل" لابن عدى و "تاريخ بغداد" و "سؤالات الحاكم والسهمى والبرقاني للدارقطني" و "تاريخ دمشق" لابن عساكر، ليتحقق من سلامة النص - من جهة - وليحيط علمًا بكل ما قيل في الراوى من مدح أو قدح، وبما استنكروه عليه من جهة أخرى، لا سيما إذا افتقر الراوى إلى توثيق لغير ابن حبان رحمه الله كما في هذه الحالة.

ورحم الله أئمتنا جميعهم، إذ جاهدوا في سبيل دينه وسنة نبيه حق الجهاد، وبلغوا الغاية في الفضل والعلم والعمل، وكل من أتى بعدهم فهو عالة عليهم، وما يساوى أحد منهم تراب نعالهم، وإن استدرك عليهم ما استدرك! .

هذا - وفى معنى الأثر - (ما رواه) أبو يعلى بسند رجاله ثقات - كما قال السخاوى - وعنه ابن عساكر (17/ 962) من طريق إسماعيل بن عبد الكريم عن عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه قال: "إن لكل شئ طرفين ووسطًا، فإذا أمسك بأحد الطرفين مال الآخر، وإذا أمسك بالوسط اعتدل الطرفان، فعليكم بالأوسط من الأشياء".

وجاء من طريقين منقطعين عن على - عند ابن أبي شيبة (13/ 282) وأبى عبيد

ص: 71