الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أصابهما يوم اليرموك من صحف أهل الكتاب - وكان يحدث منهما. ثم إن هذا الكلام لا يشبه كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما عليه حلاوته وإشراقه، يدرك ذلك من رزقه الله عز وجل حاسة حديثية صادقة، على حد قول بعض الصوفية "من ذاق عرف".
نعم، النهى عن قتل الضفدع -بدون التعليل المتقدم- ثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما رواه أبو داود (2/ 334) والنسائى (7/ 210) -واللفظ له- والحاكم (4/ 410، 411) والبيهقى وغيرهم من طرق عن أبن أبي ذئب عن سعيد بن خالد عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن عثمان التيمى: "أن طبيبًا ذكر ضفدعًا في دواء عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فنهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قتله". وإسناده صحيح، وهو أقوى ما ورد في الضفدع كما قال الإِمام البيهقي رحمه الله عند روايته.
وعبد الرحمن بن عثمان التيمى له صحبة، وكان يسمى "شارب الذهب". والله أعلى وأعلم.
استدراك:
وقال عبد الله بن الإِمام أحمد -في "علل أبيه"(1/ 302) - "قال أبي: حديث شعبة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي الحكم عن عبد الله بن عمرو: لا تقتلوا الضفادع. قال أبي: أبو الحكم عبد الرحمن بن أبي نعم". قلت: ورواية هشام الدستوائى بإسقاط أبي الحكم- أولى بالصواب، فإن هشامًا أثبت في قتادة من شعبة وعلى مسلك الجمع فيكون من المزيد في متصل الأسانيد، والله أعلى وأعلم.
الحديث الثامن والأربعون:
" لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم، وإن أبعد القلوب من الله القلب القاسى".
ضعيف. رواه الترمذى (2523، 2524) وكذلك الواحدى في "الوسيط"(1/ 27/ 2) وأبو جعفر الطوسى الفقيه الشيعى في "الأمالى"(ص 2) والبيهقى في "شعب الإِيمان"(2/ 65/ 1 - 2) -كما في "الضعيفة"(920) - من طريق إبراهيم بن عبد الله بن الحارث بن حاطب عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر مرفوعا به.
وقال الترمذى: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن عبد الله بن حاطب". وفي نسخة: "هذا حديث حسن غريب
…
" الخ كما في "الضعيفة". والأول أليق بحال هذا الإِسناد، فإن إبراهيم هذا قال ابن القطان "لا يعرف حاله". ولا أعلم أحدًا وثقه سوى ابن حبان فإنه ترجمه مرتين في (6/ 25، 14) وهو هو.
أما قول الحافظ رحمه الله في "التهذيب"(1/ 133): "وقال ابن حبان في "الثقات": مستقيم الحديث" فهذا وهم منه رحمه الله، فإن ابن حبان إنما قال ذلك في آخر متأخر عن هذا -من شيوخ شيوخه- إذ قال (8/ 82، 83): "إبراهيم بن عبد الله بن الحارث الجمحي، يروى عن يعلى بن عبيد وأهل العراق، حدثنا عنه عبد الكبير بن عمر الطائى، مستقيم الحديث". ولم يتفطن المعلق على "الثقات" لافتراقهما فقال: "له ترجمة في التهذيب 1/ 133".
فتفرد ابن حبان بتوثيقه لا يعتمد في مثل هذه الحالة لبعده عن طبقته وعدم وصفه بصفة تدل على الخُبر بحاله.
هذا، وقول الشيخ عبد القادر الأرنؤوط حفظه الله في حاشية "جامع الأصول" (11/ 737):"وإسناده حسن" غير حسن، فإن هذا الرجل المجهول الحال لا
يحتمل تفرد مثله بهذا المتن عن حافظ كبير كعبد الله بن دينار المدنى - دون كبار أصحابه الثقات كمالك وشعبة والسفيانين وعبيد الله بن عمر وموسى بن عقبة، بل مَنْ دون هؤلاء كمحمد بن عجلان (94) وسهيل وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار. وقال العلامة الألباني حفظه الله:"والحديث رواه الإِمام مالك في "الموطأ" (2/ 986/ 8) أنه بلغه أن عيسى بن مريم كان يقول: فذكره بأتم منه من قول عيسى عليه السلام، وقد مضى قريبًا (908). وهذا هو اللائق بمثل هذا الكلام أن يكون مما يرويه أهل الكتاب عن عيسى عليه الصلاة والسلام، وليس من حديث نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم" اهـ.
قلت: قد عزاه جماعة من السلف، من التابعين فمن بعدهم إلى عيسى عليه السلام، (ووقفت) في ذلك على خمسة آثار:
الأول: رواه أحمد في "الزهد"(ص 56) وعنه أبو نعيم (6/ 58) من طريق صالح المرى عن أبي عمران الجونى عن أبي الجلد أن عيسى بن مريم عليه السلام أوصى الحواريين لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله عز وجل فتقسو قلوبكم، وإن القاسى قلبه بعيد من الله عز وجل ولكن لا يعلم ولا تنظروا إلى ذنوب الناس كأنكم أرباب ولكنكم (كذا) انظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد والناس رجلان: معافى ومبتلى، فارحموا أهل البلاء في بليتهم، واحمدوا الله على العافية". وإسناده واه، صالح المرى وابن بشير البصرى القاضى وهو متروك شديد الضعف.
الثانى: رواه ابن أبي عاصم في "الزهد"(53) من طريق أبي سنان عن الأعمش عن إبراهيم قال: قال عيسى بن مريم عليه السلام: "أقلوا الكلام إلا بذكر الله، فإن كثرة الكلام تقسى القلب". وإسناده جيد، وإبراهيم أدرك بعض الصحابة فهو تابعى، لكن روايته عن الصحابة منقطعة حاشا ابن مسعود، فإنها صحيحة
(94) التحقيق في ابن عجلان يقضى بأنه ثقة مطلقا، لكنه دون ذلك في سعيد المقبرى ونافع خاصةً، إلا أن تثبت مخالفته أو اضطرابه فيهما. وسهيل ثقة كذلك إلا أنه في التثبت دون مالك وشعبة ومن ذكر معهما.
جدًا كما تقدم، في الحديث الحادي والثلاثين.
الثالث: رواه ابن أبي شيبة (11/ 548، 13/ 193) وعنه ابن أبي عاصم (60) عن أبي خالد الأحمر عن ابن عجلان عن محمد بن يعقوب قال: قال عيسى بن مريم
…
فذكره مطولًا. ومحمد بن يعقوب لعله الزمعى أخو موسى بن يعقوب، وهو مجهول كما قال أبو حاتم الرازى كما في "الجرح"(8/ 121) ووثقه ابن حبان (7/ 429).
الرابع: رواه هناد في "الزهد"(1122) عن قبيصة عن الثورى مطولًا. وإسناده إليه صحيح.
الخامس: رواه خيثمة الأطرابلسى: حدثنا أبو على الحسن بن مكرم، حدثنا شاذان، حدثنا الثورى. حدثنا عمرو بن قيس قال: قال عيسى بن مريم صلى الله عليه وآله وسلم
…
فذكره مطولًا. كما في:
وإسناده صحيح، فكأَنَّ الثورى أسنده مرة إلى من سمعه منه، وأرسله أخرى. والله أعلم.
الحديث التاسع والأربعون:
" لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار".
منكر. رُوِى من حديث ابن عباس وأنس وأبى هريرة وعائشة.
1 -
حديث ابن عباس:
رواه القضاعى (853) وكذلك أبو الشيخ والديلمى والعسكرى في "الأمثال" - كما في "المقاصد"(ص 467) من طريق سعيد بن سليمان سعدويه عن أبي شيبة الخراسانى عن ابن أبي مليكة عنه مرفوعًا به. وأبو شيبة هذا، قال الذهبي في "الميزان" (4/ 537): أتى بخبر منكر رواه عنه سعدويه
…
" فذكره.
وقال السخاوى: "وسنده ضعيف لا سيما وهو عند ابن المنذر في "تفسيره" عن ابن عباس من قوله
…
" الخ. وسيأتى تمام كلامه في محله.
2 -
حديث أنس:
رواه البغوى ومن جهته الديلمى عن خلف بن هشام عن سفيان بن عيينة عن الزهرى عنه، قال السخاوى:"وينظر سنده" قال محشيه: "نظرت سنده فوجدت فيه راويًا مجهولًا".
قلت: ولم أجده عند تفسير قوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} فالله أعلم. وهو منكر جدًا بهذا الإِسناد فإن سائرهم ثقات أئمة.
3 -
حديث أبي هريرة:
له طريقان إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن:
الأولى: عند الطبراني في "مسند الشاميين" من رواية مكحول عن أبي سلمة عنه: قال السخاوى: "وزاد في آخره: "طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا" وفي إسناده مبشر بن عبيد الدارسى، وهو متروك".
قلت: واتهم بالوضع، فالسند واه جدًا. أما شطره الثانى فثابت من وجه آخر.
الثانية: عند الثعلبى وابن شاهين في "الترغيب" من رواية بشر بن إبراهيم عن خليفة بن سليمان عن أبي سلمة عنه. وسكت عنها السخاوى مع أن إسنادها مثل ما قبلها أو أسوأ حالًا منه، فإن بشر بن إبراهيم هذا هو الأنصارى البصرى المفلوج أبو عمرو، وهو وضَّاع مشهور له ترجمة حافلة في "اللسان" (2/ 18: 20). وشيخه لم أقف له على ترجمة فلعله مُتَحَرِّف أو مختلق! .
4 -
حديث عائشة:
رواه إسحاق بن بشر أبو حذيفة في "المبتدأ" عن الثورى عن هشام بن عروة عن أبيه عنها. قال السخاوى: "وإسحاق حديثه منكر".
قلت: ليس هو كذلك فحسبُ، بل هو كذاب متهم بالوضع، وروايته لهذا
المتن بهذا الإِسناد الذى كالشمس، من الدلائل البينة على اتهامه وقد تعرضنا لبيان حاله في الحديث السابع عشر.
وبعد هذا البيان الموجز لسقوط هذه الطرق، فإن (الصحيح) أن حديث الترجمة هو قول عبد الله بن عباس رضى الله عنهما كما رواه الطبرى في "تفسيره" (9207) وابن أبي حاتم (النساء - 2948) من طريق قيس بن سعد عن سعيد ابن جبير أن رجلًا قال لابن عباس: كم الكبائر؟ أسبع هى؟ قال: إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار" وإسناده صحيح.
وكذلك هو في "تفسير ابن المنذر" -كما تقدم عن السخاوى- وقال: "وكذا رواه البيهقي في "الشعب" من حديث سعيد بن صدقة عن قيس بن سعد عن ابن عباس موقوفًا". كذا في "المقاصد" فلا أدرى أسقط "سعيد بن جبير" بين قيس بن سعد وابن عباس -من قبل الطابع أو الناسخ- أم هكذا جاءت هذه الرواية عند البيهقي؟ فإن هذا الإِسناد منقطع، وأيًا كان الأمر، فإنه لا يُعل الرواية الصحيحة الموصولة، فإنى لم أجد راويًا يسمى:"سعيد بن صدقة" فيما بين يدَىَّ من كتب الرجال يصلح لأن يكون هذا.
نعم، هناك:"سعيد بن صدقة الكوفى أبو مهلهل" وهو يروى عن سفيان الثورى كما في "الثقات"(8/ 262) فهو متأخر عن هذا وهناك أيضًا: "سعيد ابن أبي صدقة البصرى". وهو ثقة من السادسة -وهى طبقة قيس بن سعد- لكن لم أقف على أحد نصَّ على روايته عن قيس. والله أعلم.
تنبيه هام: وبعد تبين صحة (95) هذا الأثر عن ابن عباس تعلم ما في قول العلامة
(95) وفي الباب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم "
…
ويل لأقماع القول، ويل للمصرين الذين يصرون على مافعلوا وهم يعلمون" رواه أحمد عن ابن عمرو بسند صحيح. وأورده ابن كثير (1/ 408) بتمامه والويل: شدة الهلكة، أفلا يدل الحديث على صحة قول ترجمان القرآن؟ .
الشوكاني رحمه الله في "إرشاد الفحول"(ص 47) -كما ذكره عنه محقق "مسند الشهاب" وسكت عنه-: "وقد قيل: إن الإِصرار على الصغيرة حكمه حكم مرتكب الكبيرة، وليس على هذا دليل يصلح للتمسك به، وإنما هى مقالة لبعض الصوفية (! )، فإنه قال: لا صغيرة مع إصرار، وقد روى بعض من لا يعرف علم الرواية هذا اللفظ جعله حديثًا، ولا يصح ذلك، بل الحق أن الإِصرار حكمه حكم ما أصر عليه، فالإِصرار على الصغيرة صغيرة، والإِصرار على الكبيرة كبيرة" اهـ.
والعجب منه كيف خفى عليه هذا الأثر - مع ثبوته في أشهر مصدرين للتفسير بالأسانيد- مع سعة اطلاعه وتصنيفه في التفسير وسائر العلوم -ولا يرد على ذلك احتمال أن يكون قد وقف عليه ولم يعبأ به، إذ لو كان الأمر كذلك لعزاه إلى ترجمان القرآن الذى دعا له النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل- ثم ناقش حجيته من عدمها، ولما عزاه إلى صوفى مجهول لا يلتفت إلى كلامه في التشريع والغيبيات المستندة إلى النص والتوقيف أو الفهم الصحيح لكتاب الله عز وجل. فليعلم الجميع موقفنا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومقدار جلالتهم (96) في قلوبنا، ففى مثل هذا الموطن نقول ونصرخ:"إن لم نتبع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمن نتبع"؟ ! خلافًا لأخ فاضل قالها احتجاجًا على قوله في "البدائل المستحسنة"(هامش ص 87 من القسم الأول): "ومع ذلك، فالطعن في المتن -أعنى حديث "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"- لا يزال واردًا، لتجويزه الاقتداء بكبار علماء الصحابة مع ثبوت خفاء بعض السنن عليهم، أو رَدِّها بما رأوه أثبت منها".
(96) وقد كان الإِمام أحمد إمام أهل السنه والحديث - يقدم الآثار المتصلة على الأحاديث المرسلة بل ذكر له وهو يئن في مرض الموت عن ليث عن طاووس أنه كان يكره الأنين للمريض فكف بن الأنين في لحال مع أن ليثا ضعيف وطاووس تابعى، فما أشد عجبى لمن زعم الانتساب إلى أهل الحديث، ولم يوقر السلف توقير أهل الحديث لهم.
فوالله الذى لا إله غيره، إنى لم أُرِد مطلق الاقتداء، ولكنى أردت أن يتخير كل مسلم أحد الصحابة رضوان الله عليهم فيتابعه في كل ما يقول ويفعل، معرضًا عمن سواه، بل قد يخالف النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا محالة في مواطن لم يوفق فيها هذا الصحابى للدليل الصحيح الراجح، والمراد أن إنزال أى مخلوق - أيًا كان- منزلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المعصوم الذى أُمِرْنَا بطاعته والتحاكم إليه في كل صغيرة وكبيرة، هو الذى تنكره قلوبنا وقلوب جميع المسلمين الصادقين ولا تقره.
فاللهم اعف عنا وعن إخواننا في الله، وأصلح ذات بيننا، وألف بين قلوبنا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. آمين.
الحديث الخمسون:
" يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه، وينسى الجذع أو الجذل في عينه".
ضعيف، معلّ بالوقف. رواه ابن صاعد في "زوائد زهد ابن المبارك"(212) وابن حبان (1848) وأبو نعيم (4/ 99) والقضاعي (610) وأبو الشيخ في "الأمثال"(217) و "التوبيخ"(96) من طرق عن محمد بن حمير عن جعفر ابن برقان عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة مرفوعًا به.
وقال أبو نعيم: "غريب من حديث يزيد، تفرد به محمد بن حمير عن جعفر".
قلت: وقد خولف في رفعه كما يأتي. وقد اغتر العلامة الألباني أبو عبد الرحمن حفظه الله بظاهر هذا الإِسناد، فأورده في "صحيحته" (33) وقال:"قلت: ورجاله كلهم ثقات رجال الصحيح، ولا علة فيه، فهو حديث صحيح، ولا ينافيه قوله "غريب" لأن الغرابة قد تجامع الصحة كما هو مقرر في "مصطلح الحديث".
والحديث عزاه السيوطى في "الجامع الصغير" لأبى نعيم فقط! وقال المناوي:
"قال العامرى: حسن". ورواه البخارى في "الأدب المفرد"(592) من طريق مسكين بن بكير الحذَّاء الحراني عن جعفر بن برقان به موقوفًا على أبي هريرة. ومسكين هذا صدوق يخطئ، فرواية ابن حمير المرفوعة أرجح، لأنه لم يوصف بالخطأ، وكلاهما من رجال البخاري" اهـ.
قلت: وفي كلام الشيخ أمور تحتاج إلى وقفات:
الأول: قوله: "ورجاله كلهم ثقات"، فإن فيه توسعًا، لأن محمد بن حمير السليحي الحمصي مختلف فيه، ولذلك أورده الذهبي في "الميزان" (3/ 532) وقال: "وثقه ابن معين، ودحيم. وقال النسائي: ليس به بأس وقال أبو حاتم: لا يحتج به. بقية أحب إليَّ منه. وقال الفسوى: ليس بالقوى.
قلت: له غرائب وأفراد. ومات سنة مائتين .. ".
قلت: لفظ أبي حاتم -كما في "الجرح"(240/ 7) -: "يكتب حديثه ولا يحتج به، ومحمد بن حرب وبقية أحبُّ إلَىَّ منه". فحَسْبُهُ أن يكون صدوقًا كما قال الحافظ في "التقريب"(5837).
الثانى: قوله: "
…
رجال الصحيح"، فإن محمد بن حمير ليس له في "البخارى" سوى حديثين أحدهما له متابع، والآخر له شاهد كما قال الحافظ رحمه الله في "هدى السارى" (ص 438) -ومع ذلك- فكلاهما عن غير جعفر بن برقان. ولذلك قال العلامة المعلمي رحمه الله في تعليقه على حديث: "من قرأ آية الكرسى في دبر كل صلاة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت" -من "الفوائد المجموعة" (ص 299) للعلامة الشوكانى رحمه الله:"مدار الحديث على محمد بن حمير، رواه عن محمد بن زياد الألهاني، عن أبي أمامة، وابن حمير موثق، غمزه أبو حاتم، ويعقوب بن سفيان، وأخرج له البخارى في "الصحيح" حديثين قد ثبتا من طريق غيره، وهما من روايته عن غير الألهاني، فزعم أن هذا الحديث على شرط البخارى غفلة"(97) اهـ.
(97) الصواب أن هذا الحديث حسن الإسناد غريب من هذا الوجه من حديث أبي أمامة =
الثالث: قوله: "ومسكين هذا صدوق يخطئ"، إنما تبع فيه الحافظ في "التقريب"(6615)، وقد جاء في كلام بعض الأئمة ما يقتضى تخصيص هذا الخطأ بشعبة وحده، فقد قال أبو داود:"سمعت أحمد يقول: لا بأس به، ولكن في حديثه خطأ" فهذا مطلق يقيده قول الأثرم: "قدمه أبو عبد الله على مخلد بن يزيد وقال: حدَّث عن شعبة بأحاديث لم يروها أحد".
وروى العقيلى في "الضعفاء الكبير"(4/ 221) عن أحمد بن محمد -وهو الأثرم- قال: سمعت أبا عبد الله، وذكر أبا جعفر النفيلى، فأثنى عليه خيرًا، وقال: كان يجئ معى إلى مسكين بن بكير، وكأنه حسن أمره، قال: قلت: لأبى عبد الله: نظرت في حديث مسكين عن شعبة فإذا فيها خطأ، فقال: من أين كان يضبط هو عن شعبة؟ ثم ذكر له (4/ 222) حديثا من روايته عن شعبة، وقال:"ليس بمحفوظ من حديث شعبة .... ".
ومسكين أورده الذهبى في "الميزان"(4/ 101) ورجح توثيقه وقال: "قال أبو حاتم: لا بأس به، صاع الحديث وقيل: له عن شعبة ما ينكر
…
".
قلت: وعلى التسليم بأنه "صدوق يخطئ" بإطلاق فإنه لم يخطئ في هذا الحديث بخصوصه، بل أخطأ مخالفه، فقد تابعه على الوقف ثقة آخر من أعلم الناس بجعفر بن برقان وأرواهم لحديثه. ألا وهو:"كثير بن هشام الكلابى الرقى". فقد قال العجلي في "الثقات"(1546): "ثقة رجل صدوق، يتوكل للتجار يحترف. من أروى الناس لجعفر بن برقان، روى عنه ألف ومائة حديث، ويروى أيضًا عن شعبة". (في الأصل: .. لجعفر بن برقان، ألفا ومائة" الخ، والتصويب من "تاريخ بغداد" (12/ 483).
= وهو أقوى أسانيده - ولم أر لمحمد بن حمير مخالفًا ثقة أو ضعيفًا ولذلك احتمل تفرده به. أما تصحيح ابن حبان له، فلا تثريب عليه في ذلك فإن ابن حمير عنده ثقة. والله أعلم.
وقال أبو داود: "ثقة، لما مات كثير بن هشام، قيل: اليوم مات جعفر بن برقان" كما في "تاريخ بغداد"(12/ 483). وقال الإِمام الذهبي في (العبر)[1/ 277] .. "راوية جعفر بن برقان". ومن طريقه (موقوفًا) على أبي هريرة رواه الإِمام أحمد في "الزهد"(ص 178) وإبن أبي الدنيا في "الصمت"(194).
فالمراد أن اجتماع هذين الرجلين -مسكين وكثير- على إيقافه عن جعفر بن برقان لا يدع مجالًا للشك في أن محمد بن حمير قد وهم في رفعه. ولذلك لم نجد أحدًا خرجه ممن اشترط الصحة سوى ابن حبان. و "صحيحه" ملئ بعشرات الأحاديث التى أداه اجتهاده إلى تصحيحها وهى تستحق الوصف بالشذوذ أو الإعلال القادح.
بل الحديث أعرض عنه الإِمام أحمد في "مسنده" وأهل السنن وأصحاب المسانيد المشهورة، بل والطبراني في "معجمه الكبير" مع أنه اعتنى باستقصاء أحاديث أبي أمامة -خاصة- اعتناءً لا أعلم له مثيلًا. وقضية خلو الكتب المشهورة من حديث ما، لا نتعرض لها إلا بعد إثبات ضعف هذا الحديث أو إعلاله بما يقدح فتحكيم الحديث وعرضه على القواعد الاصطلاحية هو الأصل والأساس. أما رده ابتداءً لخلوه من كتب معينة، أو مخالفته لعقل قاصر، أو هوى متبع، فلا نعلم أحدًا يفعل ذلك إلا الحمقى والذين باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم.
الرابع: قوله: "لأنه لم يوصف بالخطأ"، فإن مقتضى كلام أبي حاتم والفسوى في تليينه -وإن لم يكن متضمنًا الوصف الصريح بذلك- إلا أنه يفهم منه أن في ضبطه قصورًا يقتضى عدم السلامة من الوهم والخطأ، بل لا أبعد إذا استظهرت أنهما قد اطلعا حقًا على أخطاء له غمزاه من أجلها.
الخامس: قوله: "وكلاهما من رجال البخارى". أما بشأن محمد بن حمير، فتقدم ما فيه. وأما مسكين بن بكير، فقد قال الحافظ في "هدى السارى" (ص 443): "ليس له في البخارى سوى حديث واحد عن شعبة عن خالد الحذاء
عن مروان الأصفر عن ابن عمر في قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} وتابعه عليه عنده روح بن عبادة عن شعبة
…
".
وبعد تقرير ما تقدم، من رجحان وقف حديث الترجمة على أبي هريرة رضى الله عنه، فنُبَيِّن أيضًا أن معناه (قد ثبت) عن كُلّ من: عمرو بن العاص رضى الله عنه، والحسن البصرى رحمه الله.
1 -
فقد روى ابن حبان في "روضة العقلاء"(ص 188) والشجرى (2/ 181) وابن عساكر (13/ 531) من طرق عن على بن رباح قال: قال عمرو ابن العاص: انتهى عجبى إلى ثلاث: المرء يفر من القدر وهو لاقيه. ويبصر في عين أخيه القذى فيعيبه، ويكون في عينه الجذع فلا يعيبه. ويكون في دابته الصغر فيقومها بجهده، ويكون فيه الصغر فلا يقوم نفسه". واللفظ لرواية ابن عساكر من طريق ابن المبارك عن ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن على به. وإسناده حسن. وقد أعرضنا عن رواية الليث بن سعد عن موسى بن على بن رباح عن أبيه به - مع مشابهتها النسبية لحديث الترجمة- لأن في الطريق إليه: العلاء بن هلال، وهو ضعيف اتهمه أبو حاتم برواية أحاديث موضوعة عن يزيد بن زريع. وفيها عنعنة الوليد بن مسلم عن الليث.
2 -
وروى ابن المبارك (211) وأحمد (ص 285) وابن أبي شيبة (13/ 523، 14/ 38) وابن أبي الدنيا (202) من طريق أبي الأشهب جعفر بن حيان عن الحسن قال: "يا ابن آدم، تبصر القذى في عين أخيك، وتدع الجذل معترضًا في عينك" وإسناده صحيح. بل إنه قبل أن يقوله هؤلاء الأئمة - فقد كان من الأمثال السائرة عند العرب، فقد قال الحافظ المناوى رحمه الله في "فيض القدير" (6/ 457): "هذا الحديث مثل من أمثال العرب السائرة المتداولة.
وروى عنهم بألفاظ مختلفة، فمنها: أن رجلًا كان صلب أبوه في حرب ثم تناول آخر وعابه، فقال له الآخر: يرى أحدكم القذاة في عينه، ولا يرى الجذع معترضًا في است أبيه، وفي لفظ: تبصر القذاة في عين أخيك، وتدع الجذع المعترض في
حلقك. وفي لفظ: في استك. وفي لفظ: في عينك. فكل هذا أمثال متداولة بينهم".
وقال أيضًا (6/ 456): "القذى: جمع قذاة، وهى ما يقع في العين والماء والشراب من نحو تراب وتبن ووسخ".
وقال (6/ 451): "قالوا: والجذل - بالكسر والفتح - أصل الشجر يقطع، وقد يجعل الله العود جذلًا".
تم بحمد الله القسم الأول من "تبييض الصحيفة بأصول الأحاديث الضعيفة" فالحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.