الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والظاهر أنه كان يخلط به شئ يقشر أعلى البشرة، ومن أجل ذلك نهى عنه. وفى الحديث "لعنت القاشرة والمقشورة".
قلت: قد بيَّنا ما في ذلك، ولكن الحكم صحيح إن شاء الله، فإن "العبرة في الحرمة واستحقاق اللعن بتغيير خلق الله عز وجل لقول ابن مسعود - المتقدم آنفا - عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"لعن الله الواشمات .... ، المغيراتِ خلق الله".
وقال محمود شاكر أيضًا - بعد شرح معنى كل من: "المتفلجة" و "المتنمصة" و "النامصة" و "المستوشمة" و "الواشمة" و "الوشم" و "الواشرة" - الواردة في أحاديث رواها الطبرى-: "وكل هذا الذى لعن الله فاعله، تفعله نساؤنا المسلمات اليوم، متبرجات به، موغلات فيه، مقلدات لمن كفر بالله ورسوله. فمن أجل عصيانهن واستخفافهن - بل من أجل عصياننا جميعًا أمر الله - أحل الله بنا العقوبة التي أنذرنا بها رسول الله، بأبي هو وأمي، فجعل الله بأسنا بيننا، وسلط علينا شرارنا، وجمع علينا الأمم لتأكلنا.
(فاللهم أهد ضالنا، وخذ بنواصى عصاتنا، واغفر لنا وارحمنا، عليك نتوكل، وبك نستجير، وإليك نلجأ) اهـ.
قلت: وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره"(النساء - 4148) من طريق شيبان عن قتادة في قوله: {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} .
قال: "ما بال أقوام جهلة، يغيرون صبغة الله ولون الله؟ ". وإسناده صحيح. والله أعلم.
استدراك:
كان يلعن القاشرة والمقشورة
…
" رواه أيضًا الطبراني في "الدعاء" (2158) من هذا الوجه. ورواه (2159) بنحوه، بسند فيه ضعيف
ومجهولة. وروى (2611) عنها بلفظ: "نهى رسول الله صلى الله عليه وآله ؤسلم عن قشر الوجه، وعن الوشم
…
" الحديث وفيه أيضًا ضعيف آخر ومجهولة، وفى متنه ألفاظ غريبة. فأقل ما تدل عليه هذه الطرق أن له أصلًا عن عائشة، وأرجحها جميعًا الموقوف عليها.
الحديث الثالث والثلاثون:
" ليس الإيمان بالتمنى ولا بالتحلى، ولكن ما وقر في القلب وصدَّقه العمل".
منكر، واهٍ جدًا. رواه الديلمي في "مسند الفردوس"(61) من طريق عبد السلام بن صالح عن يوسف بن عطية عن قتادة عن أنس مرفوعًا به.
ورواه ابن النجار في "الذيل"(10/ 88/ 2) من طريق عبد السلام به، فزاد في السند:"الحسن" بين قتادة وأنس، وزاد في المتن:"العلم علم باللسان وعلم بالقلب، فأما علم القلب فالعلم النافع، وعلم اللسان حجة الله على بنى آدم"(62). وروى الزيادة - وحدها - الشجرى في "أماليه"(1/ 60) من طريق صالح بن عبد الكبير المسمعى قال: حدثنا يوسف بن عطية الصفار به. وعلقها ابن عبد البر (1/ 191) فقال: "ورواه يوسف بن عطية عن قتادة عن الحسن عن أنس مرفوعًا".
وهذا إسناد واه جدًا، قال المناوي في "الفيض" (5/ 356):"قال العلائي: حديث منكر، تفرد به عبد السلام بن صالح العابد، قال النسائي: متروك. وقال ابن عدى: مجمع على ضعفه، وقد رُوِى معناه بسند جيد عن الحسن من قوله. وهو الصحيح إلى هنا كلامه، وبه يعرف أن سكوت المصنف عليه لا يرتضى".
(61)"الفردوس"(3/ 450) وساق محققاه سنده كله.
(62)
كما في "السلسلة الضعيفة"(1098) للعلامة الألبانى.
قلت: ويوسف بن عطية هو الصفار البصرى، وهو متروك كما في "التقريب"(7873).
وقال العلامة الألباني حفظه الله - بعد بيان شدة ضعف الحديث في "الضعيفة"(1098) - "قلت: وقد رواه بعض الضعفاء عن الحسن موقوفًا عليه. أخرجه ابن أبى شيبة في "كتاب الإيمان" (رقم 93 بتحقيقى) من طريق جعفر. بن سليمان: نا زكريا قال: سمعت الحسن يقول: "إن الإيمان ليس بالتحلى ولا بالتمنى، إنما الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل".
وهذا سند ضعيف (63) من أجل زكريا هذا وهو ابن حكيم الحبطى، قال الذهبى في "الميزان":"هالك". وأقره الحافظ في "اللسان". لكن قال المناوى في "الفيض" تحت قول السيوطى: "رواه ابن النجار والديلمي في "مسند الفردوس" عن أنس": "قال العلائي
…
" فذكر ما تقدم.
قال "قلت: فلعل العلائي وقف على سند آخر لهذا الأثر عن الحسن؛ ولذلك جَوَّده. والله أعلم. اهـ.
قلت: بل (له طرق) أخرى عن الحسن - في كتب مشهورة ومتداولة -، وقد وقفت منها على أربع بعضها جيد، وخامسة حسنة بالمعنى:
1 -
فروى ابن أبي شيبة في "المصنف"(13/ 504) من طريق جعفر بن سليمان أيضًا قال: سمعت عبد ربه أبا كعب يقول: سمعت الحسن يقول: "إن الإيمان ليس بالتحلى ولا بالتمنى، إن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل". وإسناده جيد، وعبد ربه أبو كعب ثقة باتفاق.
2 -
ورواه ابن المبارك (1565) عن سفيان عن رجل عن الحسن بنحوه. وإسناده ضعيف لإبهام راويه عن الحسن.
(63) وهو في "المصنف" أيضًا (11/ 22). ومقتضى كون الحبطى هالكاً أن يقول الشيخ: وهذا سند ضعيف جدًا "أو واهٍ" كما تعودنا منه حفظه الله.
3 -
ورواه ابن بطة في "الإِبانة"(ص 692) من طريق أبي عبيدة الناجى عنه بنحوه. وأبو عبيدة ضعيف جدًا.
4 -
ورواه الخطيب في "اقتضاء العلم العمل"(56) وابن بطة من طريق أبي بشر الحلبي عنه قال: "ليس الإِيمان بالتحلى ولا بالتمنى، ولكن ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال. من قال حسنًا وعمل غير صالح، رده الله على قوله، ومن قال حسنًا وعمل صالحًا، رفعه العمل، وذلك بأن الله تعالى يقول:{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} .
وإسناده حسن، وأبو بشر الحلبى اسمه: عمران بن بشر، وهو متوسط الحال، قال أبو حاتم: صالح، وقال البزار: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"(7/ 236).
5 -
وروى عبد الله بن أحمد فى "زوائد الزهد"(ص 267) من طريق خالد ابن شوذب قال: رأيت فرقدًا السبخى وعليه جبة صوف، فأخذ الحسن بجبته ثم قال: يا ابن فرقد (64) -مرتين أو ثلاثة- إن التقوى ليس في هذا الكساء، إنما التقوى ما وقر في القلب وصدقه العمل والفعل". وإسناده حسن أيضًا.
ثم (وقفت) على معنى أثر الحسن هذا، من قول عبيد بن عمير رحمه الله، فقد روى الإِمام أحمد في "الإِيمان"(ق 118/ 1)(65) وعنه ابن بطة (ص 691) عن عبد الله بن يزيد المقرئ، وأبو نعيم (3/ 273، 272) عن زيد بن الحباب كلاهما عن ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة السبائى عنه أنه قال: "ليس الإيمان بالتمنى، ولكن الإِيمان قول يُفعل، وعمل يُعمل".
وإسناده حسن إن كان ابن هبيرة سمع من عبيد، فإنه أدركه أما الشطر الآخر من الحديث فهو واهٍ أيضا لأن مداره على يوسف بن عطية الصفار، وعبد السلام
(64) كذا في "الزهد" ولعل الصواب: "يا ابن أم فرقد" أو "يا ابن أبي فرقد".
(65)
قاله محقق "الإِبانة".
ابن صالح تابعه: صالح بن عبد الكبير المسمعى - عند الشجرى - وفيه جهالة، فقد ذكره في "التهذيب" (4/ 399) -تمييزًا- وقال:"روى عن حماد بن زيد. وعنه أبو الحسن أحمد بن محمد بن الحسن بن السكن المقرى". ولم يذكر فيه سوى ذلك، وقال فى "التقريب" (2875):"مقبول". والراوى عنه: أحمد بن محمد ابن السكن، الظاهر أنه المترجم فى "تاريخ بغداد"(5/ 26، 25) و "اللسان"(1/ 266، 267) وهو متهم بسرقة الحديث ويشكل على ذلك أن الحافظ سمى الراوى عن المسمعى. أحمد بن محمد بن الحسن بن السكن، وهناك آخر بهذا الاسم ترجمه الخطيب أيضًا (4/ 425) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا والمترجح أنه الأول الذى تكلم فيه أبو الشيخ، فإنه راويه عنه.
والصحيح أن هذا أيضًا من كلام الحسن البصرى كما رواه الدارمى فى "سننه"(1/ 102) من طريق هشام بن حسان عنه قال: "العلم علمان، فعلم فى القلب فذلك العلم النافع، وعلم على اللسان، فذلك حجة الله على ابن آدم". وإسناده صحيح.
وورد عن الحسن مرسلًا مرفوعًا، وعنه عن جابر مرفوعا أيضًا، وكلاهما لا يصح، أما الأول فللإِرسال، وأما الآخر فلأن فيه يحيى بن يمان وهو ضعيف، وآخر مجهول الحال، وعنعنة الحسن فإنه مدلس. وانظر "المشكاة"(270) بتحقيق العلامة الألبانى حفظه الله.
الحديث الرابع والثلاثون:
" ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها".
لا يعرف بهذا اللفظ. قال الحافظ العراقي (1/ 159): "لم أجده مرفوعًا وروى محمد بن نصر المروزى في كتاب "الصلاة" من رواية عثمان بن أبي دهرش مرسلًا: "لا يقبل الله من عبد عملًا حتى يشهد قلبه مع بدنه". ورواه أبو منصور الديلمى في "مسند الفردوس" من حديث أبى بن كعب.
ولابن المبارك فى "الزهد" موقوفًا على عمار: لا يكتب للرجل من صلاته ما سها عنه. اهـ.
قلت: حديث عثمان بن أبى دهرش رواه ابن نصر فى "تعظيم قدر الصلاة"(157، 158) والحكيم الترمذي فى "الصلاة ومقاصدها"(ص 54) - واللفظ له - من طريقين عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى يومًا بأصحابه فترك آية، فخفى على القوم ذلك، فقال:"ما بال أقوام يتلى عليهم كتاب الله فلا يدرون ما ترك مما تلى؟ هكذا خرجت عظمة الله من قلوب بنى إسرائيل فشهدت أبدانهم وغابت قلوبهم. لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يشهد قلبه منها ما شهد بدنه".
وهذا معضل، عثمان بن أبى دهرش يروى عن رجل من آل الحكم بن أبى العاص كما في "الجرح"(6/ 149) و "التاريخ الكبير"(1/ 220). وهو مع ذلك مستور، فقد روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبان - وحده فيما أعلم - وهو فى أتباع التابعين من "الثقات"(7/ 196). وله لفظة مطولة عند ابن نصر فى إسنادها يحيى بن سليم الطائفى أيضًا، وفيه مقال مشهور.
أما حديث أبى بن كعب الذى عزاه العراقي للديلمى، فلم أجده في مظانِّه من "فردوس الأخبار" فى المبدوء بـ:"ما بال أقوام" و "ليس" و "لا يقبل الله" و "لا يكتب" و "يكتب". فالله أعلم.
على أن تفرد الديلمى به قد كفانا مؤنته، فإن غالب ما ينفرد به لا يخلو من راوٍ ضعيف أو متروك أو وضاع أو مجاهيل كما يشهد بذلك الواقع، ولذلك يجتزئ الحافظ السيوطى رحمه الله بعزو الحديث للديلمى عن الرمز لضعفه.
أما أثر عمار بن ياسر ففي "زهد ابن المبارك"(1300) عن شريك عن جابر الجعفى عن أبى جعفر عنه. وإسناده واهٍ جدًا. شريك صدوق سيئ الحفظ، وجابر الجعفى واه متهم بالكذب والرجعة. وأبو جعفر هو محمد بن علي بن الحسين، وروايته عن عمار منقطعة.
والصحيح عن عمار ما رواه ابن المبارك عقب هذا (1301) وأحمد (4/ 319) وأبو داود وابن حبان وغيرهم مرفوعًا بلفظ: "إن الرجل ليصلى ولعله أن لا يكون له من صلاته إلا عشرها أو تسعها أو ثمنها أو سبعها -حتى انتهى إلى آخر العدد". وله مناسبة في أوله، وسأبين كل ذلك إن شاء الله فى القسم الثانى من "البدائل"(42).
(أما) حديث الترجمة فوقفت عليه ثابتًا من قول سفيان الثورى رحمه الله وهو أمير المؤمنين في الحديث- كما رواه أبو نعيم (7/ 61) من طريق أحمد بن محمد البغدادى قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: قال قاسم الجرمى: سمعت سفيان الثورى يقول: "يكتب للرجل من صلاته ما عقل منها". وإسناده صحيح جليل، وأحمد بن محمد البغدادى أحسبه أبا العباس البراق المترجم في "تاريخ بغداد"(5/ 3، 4) فإن له رواية عن بشر بن الحارث، وقال الدارقطني: ثقة مأمون. وبشر والقاسم الجرمى - وهو ابن يزيد الموصلي- ثقتان فاضلان من أهل الفضل والنُسُك. وهذا القول لا مجال للرأى فيه، فحكمه حكم الحديث المعضل. والله أعلى وأعلم.
الحديث الخامس والثلاثون:
" ليس من يوم إلا وهو ينادى: يا ابن آدم، أنا خلق جديد، أنا فيما تعمل فِىَّ عليك شهيد، فاعمل فِىَّ خيرًا أشهد لك به، فإنى لو مضيت لم ترنى؛ ويقول الليل مثل ذلك".
واه جدًا. رواه أبو نعيم (2/ 303، 304) -واللفظ له- وحمزة بن يوسف السهمى فى "آداب الدين مما لا يستغنى المسلم عنه في يومه وليلته" كما ذكره عنه الرافعى فى "أخبار قزوين"(2/ 93) -وإليهما عزاه الهندى فى "كنز العمال"(15/ 796) -من طريق الحكم بن مروان الكوفى ثنا سلام بن سليم المدائنى، عن زيد العمى، عن معاوية بن قرة عن معقل بن يسار مرفوعا به.
وقال أبو نعيم: "غريب من حديث معاوية، تفرد به عنه زيد، ولا أعلمه مرفوعا عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم إلا بهذا الإِسناد".
قلت: وإسناده واه جدًا، سلام بن سليم هالك، وقال ابن خراش: كذاب. وقال ابن حبان فى "المجروحين"(1/ 339): "يروى عن الثقات الموضوعات كأنه كان المتعمد لها". وقال الحاكم: "روى أحاديث موضوعة".
وشيخه زيد العمى ضعيف ضعفه الجمهور، وقال بعضهم: صالح وللحديث لفظ آخر، فقد رواه البيهقي فى "الشعب" عن عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس مرفوعا معضلًا بلفظ:"ما من يوم طلعت شمسه إلا يقول: من استطاع أن يعمل فِىَّ خيرًا فليعمله فإني غير مكر عليكم أبدًا".
كما فى "كنز العمال"(15/ 796، 797) -وجعله مرسلا- والأصوب أنه معضل، لأن عثمان هذا يروى عن التابعين، وهو أيضًا مختلف فيه.
ووصله الديلمى (ق: 206)(66) من طريق مطلب بن شعيب عن أبي صالح عن ليث عن عقيل عن الزهرى عنه عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس -إن شاء الله- (كذا فيه) مرفوعًا بلفظ: "ما من يوم طلعت شمسه إلا يقول: من استطاع أن يعمل فِيَّ خيرًا فليعمل، فإنى غير مكرور عليكم أبدًا، وكذلك يقول الليل". وإسناده ضعيف لضعف أبي صالح -واسمه عبد الله بن صالح المصرى- وكانت فيه غفلة، وكان له جار يُدخل عليه. وفيه كلام كثير سوى هذا.
واستثنى الحافظ فى "هدى السارى"(ص 414) رواية أهل الحذق عنه كالبخارى وابن معين وأبى زرعة وأبى حاتم، فصححها. وليس هذا منها. ولعل الصحيح رواية البيهقي المعضلة، ولا يمكن الجزم بذلك الآن لعدم تيسر الاطلاع على سنده فى "الشُعب".
(66) ساق محققًا "الفردوس"(4/ 347) سنده كله.
(والصحيح) فى حديث الترجمة أنه من قول بعض السلف، فقد ورد معناه عن غير واحد من التابعين فمن بعدهم.
1 -
فروى ابن أبي شيبة (13/ 549، 550) عن حسين الجعفى عن موسى الجهنى عن بعض أصحابه قال: "ما أتت على عبد ليلة قط إلا قالت: ابن آدم. أحدث فِىَّ خيرًا، فإنى لن أعود إليك أبدًا". ورجاله ثقات رجال الصحيح سوى قائله، فإنه لم يُسَمَّ. ولعلة تابعى فإن موسى يروى عن التابعين.
2 -
وروى أبو نعيم (2/ 310) من طريق الإِمام أحمد عن عفان عن همام قال: سمعت أبا عمران الجونى يقول: "ما من ليلة تأتى إلا وتنادى: اعملوا فِىَّ ما استطعتم من خير، فلن أرجع إليكم إلى يوم القيامة". وإسناده صحيح، وأبو عمران الجونى تابعى ثقة، واسمه: عبد الملك بن حبيب.
3 -
وروى أبو نعيم أيضًا (7/ 330) من طريق أحمد بن يحيى الصوفى قال: سمعت أبا غسان يقول: سمعت الحسن بن صالح يقول: الليل والنهار يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود ووعيد، ويقول النهار: ابن آدم، اغتنمنى فإنك لا تدرى لعله لا يوم لك بعدى، ويقول له الليل مثل ذلك". وإسناده صحيح.
والحسن ثقة من أتباع التابعين، ولعله تلقاه من موسى الجهنى -فى الطريق الأولى- فإن له رواية عنه كما فى "التهذيب"(10/ 354).
وهذه الآثار -مع قصور ألفاظها عن لفظ حديث الترجمة المرفوع -إلا أنها لا مجال للرأى فيها إذ تتضمن إخبارًا عن أمر غيبى لا يتلقى إلا بتوقيف، فحكمها حكم المراسيل المرفوعة، إلا أنه يخشى أن تكون مأخوذة من الإسرائيليات، فالله أعلم.
الحديث السادس والثلاثون:
" ما أحدث عَبْدٌ أخا فى الله، إلا أحدث الله له درجة فى الجنة".
ضعيف جدًا. رُوِى من حديث أنس وله طريقان:
الأول: عند ابن أبي الدنيا فى "كتاب الإِخوان" -كما فى "تخريج الإِحياء"(2/ 158) و "الجامع الصغير"(7789) وعنه الديلمى فى "مسند الفردوس"(ق: 217) إذ قال: "أخبرناه الإِمام والدى، أخبرنا أبو الحسن على بن محمد الميدانى كتابة، أخبرنا أبو طالب الحربى ببغداد، حدثنا أحمد بن محمد بن يوسف العلاف، حدثنا الحسين بن صفوان البرذعى (67)، حدثنا عبد الله بن محمد القرشى فى "كتاب الإِخوان"، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنى بقية، عن الأحوص" كذا أورده محققا "فردوس الأخبار"(4/ 355) فى حاشيته. وكأنه سقط من إسناده: "عن أنس" فإن للأحوص هذا رواية عنه. وهذا إسناد ضعيفٌ جدًا، له ثلاث علل:
الأولى: ضعف سويد بن سعيد، قال الحافظ (2690):"صدوق فى نفسه إلا أنه عمى فصار يتلقن ما ليس من حديثه، فأفحش فيه ابن معين القول".
قلت: وفى أمره تفصيل، فانظره فى "البدائل"(1/ 20، 21) إن شئت.
الثانية: عنعنة بقية بن الوليد، وهو صدوق حافظ، لكنه كثير التدليس. الثالثة: وهاء الأحوص وهو ابن حكيم بن عمير العَنْسى، فقد قال ابن معين:"ليس بشئ". وقال الإِمام أحمد -فى رواية الميمونى عنه-: "واه". وقال فى رواية إبراهيم بن هانئ-: "لا يسوى حديثه شيئًا" ووثقه ابن المدينى مرة لكنه قال فى أخرى: "لا يكتب حديثه". وقال النسائى -مرة-: "ليس بثقة". وقال أبو حاتم: "ليس بقوى، منكر الحديث". وقال ابن حبان (1/ 175):
(67) فى الأصل: "البردعى" والصواب ما أثبت.
"يروى المناكير عن المشاهير، وكان ينتقص على بن أبي طالب، تركه يحيى القطان وغيره".
قلت: وبلغ من غفلته أن أبا بكر بن عياش قال: "حدَّث الأحوص بن حكيم بحديث. قال: فقلت: عن النبي عليه السلام! فقال: أو ليس الحديث كله عن النبى عليه السلام؟ ". رواها العقيلى فى "الضعفاء الكبير"(1/ 120) -واللفظ له- وابن عدى (1/ 405) عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه عن أبي بكر. وإسنادها صحيح جليل.
وهى تذكرنى يقول أبان بن أبي عياش -وهو أسوأ حالًا من الأحوص هذا-: "وهل يروى أنس إلا عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم؟ " والحديث أورده الغزالى فى "الإِحياء" بلفظ: "من آخى أخًا فى الله رفعه الله درجة فى الجنة لا ينالها بشئ من عمله" فذكره العراقى باللفظ المتقدم وقال: "وإسناده ضعيف" وتوهم المناوى أن ابن أبي الدنيا رواه باللفظين -من طريقين مختلفين- فقال (5/ 412): "ويعضده خبر ابن أبي الدينا أيضًا
…
" فذكر لفظ: "الإِحياء" فلو كان اللفظان عنده لتبين ذلك فى تخريج العراقى إن شاء الله، فإنه لم يعزه إليه إلا بلفظ الترجمة. وقال العلامة الألبانى حفظه الله فى "ضعيف الجامع" (5/ 78): "ضعيف جدًا".
الثانية: عند أبي الشيخ -كما فى "كنز العمال"(9/ 18) -من طريق محمد ابن حميد الرازى عن الحكم بن بشير عن عمرو بن قيس الملائى عن أبي سلمة اللوذانى عن أنس ولفظه: "أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من أحدث أخًا فى الله عز وجل رفعه الله عز وجل بها درجة فى الجنة، وما تواد رجلان فى الله عز وجل إلا كان أفضلهما منزلة عند الله عز وجل أشدهما حبًا لأخيه حتى يحدث أحدهما، وأشرهما الذى يحدث". كما فى "الجرح والتعديل" (9/ 384) - فى ترجمة أبي سلمة هذا.
وهذا إسناد ضعيف جدًا أيضًا فيه ثلاث علل:
الأولى: شدة ضعف محمد بن حميد الرازى فإنه متهم -مع اتصافه بالحفظ.
الثانية: جهالة أبي سلمة اللوذانى هذا، إذ لم أجد له ترجمة إلا في "الجرح" و "الاستغناء" للحافظ ابن عبد البر رحمه الله (2386). وقال ابن أبي حاتم:"روى عنه عمرو بن قيس الملائى" ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
الثالثة: الانقطاع -على تردد في ذلك- فقد ختم ابن أبي حاتم الترجمة بقوله: "قال أبو عبد الله: لم يسمع أبو سلمة من أنس". وأبو عبد الله هو محمد بن حميد كما قال ابن عبد البر والمعلمى في "حاشية الجرح". ولا أدرى ما حجته في ذلك، فإن عمرو بن قيس من السادسة، مات سنة بضع وأربعين كما في "التقريب"(5100)، فإدراك شيخه لأنس محتمل جدًا. على أن ابن حميد متهم كما قدمنا.
أما سائر الحديث (68) فمروى من طريق ثابت عن أنس - وفيه اختلاف على ثابت لا مجال لذكره الآن - ومن طريق أبي الدرداء مرفوعًا عند الطبراني في "الأوسط".
ورواه محمد بن البراء العبدى في "كتاب الروضة" كما في "كتاب المتحابين في الله"(23) لابن قدامة المقدسى رحمه الله، ورجاله ثقات. ولعلى أتعرض له في موضع آخر إن شاء الله.
وختاما (فالصواب) أن حديث الترجمة من قول الحسن البصرى رحمه الله (69) كما رواه وكيع في "الزهد"(330) عن المسعودى عن زياد الأصفر قال: أراه عن الحسن قال: "من أفاد أخًا في الله، رفعه الله بها درجة". وإسناده حسن كما قال محقق "الزهد".
وسماع وكيع من السعودى نص الإِمام أحمد على أنه كان قبل اختلاطه كما في "التهذيب"(6/ 210) وغيره. والله أعلم.
(68) حاشا قوله: "حتى يحدث أحدهما
…
" الخ.
(69)
فكم من حديث يرويه الضعفاء والمتروكون عن أنس مرفوعًا، ويكون صوابه عن الحسن من قوله أو من مرسله.