المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب "فعلت بغير ألف - تحفة المجد الصريح في شرح كتاب الفصيح

[اللبلي]

الفصل: ‌باب "فعلت بغير ألف

‌بابُ "فَعَلتُ بغيرِ ألفٍ

"

قوله: "شَمَلَتِ الريِّحُ"

قال أبو جعفر: أي هَبَّتْ ريحٌ شمالٌ. وقوله: "من الشَّمال" متعلق بمعنى الفعل، كأنه قال مأخوذ من الشمال، أيْ: هذا الفعل الذي هو شَمَلَتْ مأخوذ من الرِّيح الشَّمال، وكذلك الكلام في جَنَبَتْ من الجنوب، وباقيها.

قال التدميري: وقال بعضهم: هي في الشمال متعلقة بشَمَلَتْ، وفي الجنوب متعلقة بجنبت، وكذلك في الصبا، والدبور، والتقدير عنده: شملت الريح من ناحية الشمال، وجنبت من ناحية الجنوب، فتكون "مِنْ" ها هنا لابتداء الغاية في المكان.

والشمال هي: الريح التي مِنْ عَنْ شمالك إذا استقبلت مطلع الشمس، والشمال أيضًا قد يكون اسماً للناحية التي تلي قُطْبَ بناتِ نعشٍ،

ص: 221

وذلك مما سمي باسم الشيء بحكم المناسبة، عن التدميري فعلى هذا/ القول يكون معنى شملت الريح من الشمال، أي: هبت الربح من ناحية الشمال، ويكون المجرور - الذي هو من الشمال - "متعلق" بالفعل الذي هو شملت، وكذلك في الصبا وباقيها.

وأحسن ما رايته في معرفة الرياح ما كان يقوله لنا الأستاذ أبو علي: إن المسمي للرياح [إذا] استقبل مطلع الشمس فما استقبله من الرياح سماه قبولًا، وما استدبره - أي: جاءه من دبره - سماه دبوراً، وما جاءه من ناحية شماله سماه شمالاً، وما جاءه من ناحية اليمين سماه جنوبًا.

وكذا كان يقول الأستاذ أبو بكر ابن طلحة، وغيرهما.

قال أبو جعفر: الريح نسيم الهواء، أنثى، والجمع أرواح، أبو حنيفة: وأرياح، وعلى هذا قيل: أراييح، وأروايح جمع أرواح، والكثير

ص: 222

رياح، عن صاحب كتاب العالم، وابن سيدة في المخصص. قالا: وحكى بعضهم ريح وريحة مع كوكب وكوبة، وأشْعر أنَّهما لغتان. وقالا عن الفارسي: أعلم أن الريح اسم على فِعْل، والعين منه واو، فانقلبت في الواحد للكسر، فأما في الجمع القليل فصَحَّت. لأنه لا شيء فيه يوجب الإعلال، ألا ترى أنَّ الفتحة لا توجِبُ إعلال هذه الواو في نحو: يَوْم وقَوْل وعَوْن.

فأما في الجمع الكثير فَرِياح، انقلبت الواو ياء للكسرة التي قبلها، وإذا كانت قد انقلبت في نحو: ديمة وديم، وحيلة وحيل، فإنْ تنقلبَ في رياح أجدرُ لوقوع الألف بعدها، والألف تشبه الياء، والياء إذا تأخرت عن الواو أوجبت فيه الإعلال، فكذلك الألف لشبهها، وقد يكون الرَّيح يُعْني به الجمع، كقولك: كتُر الدينار والدرهم، ونظيره كثير.

قال أحمد: وإنما سميت الريح ريحاً/ لأن الغالب عليها في هبوبها المجيء [بالروح] والراحة، وانقطاع هبوبها يُكسِب الكَرْبَ والغّمَّ والأذى، فهي مأخوذة من الرَّوح، حكى هذا ابن الأنباري في كتابه الزاهر.

ص: 223

قال أبو جعفر: والشمال فيه لغات، يقال: شمال بتخفيف الهمزة، وشمال كما قال امرؤ القيس:

*لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وشَمْأَلِ*

وشأمل على القلب، وشمل كأسد، وشمل كفلس، وشمول على وزن رسول، عن صاحب الواعي، وابن سيدة في المخصص، وكراع في المجرد، ما عدا شمولاً فإن "كراع" لم يحكه.

وحكى أيضًا جميعها صاحب كتاب العالم، وزاد ابن سيدة، وصاحب كتاب العالم، واليزيدي في نوادره، وعبد الواحد اللغوي: وشَيْمَل على وزن فيصل، وزاد صاحب الواعي: وشَامَل على وزن طَابَقٍ، وحكاه أيضاً كراع في المجرَّد. وزاد صاحب الواعي: وشِمَال، على وزن كِتَابٍ، وشَمِيل بفتح الشين وكسر الميم.

قال أبو جعفر: قال سيبويه: الهمزة في شَامَلٍ، وشَمْأَلٍ

ص: 224

رائده. واستدلَّ الفارسيُّ على ذلك بقولهم: شملت الرِّيح بلا همز، كما قالوا: امرأة ضَهْيَأَةٌ ووزنها فَعْلأَةٌ، فيمن حعلها من ضَاهيتُ، أَيْ: شابهتُ: غير مهموزٍ. وقال أبو عليٌّ أيضًا: فأمَّا شَمَلٌ فَمُخَفَّفٌ من شَمْأَلٍ.

وامرأة ضَهْيَأُ مهموزة غير ممدودة، ومنهم من يمدُّ فيجعلها على فَعْلاء بالمدّ، والهمزة فيها زائدة؛ لأنّهم يقولون: نساء فُهْيٍّ، فيحذفون الهمز، عن ابن ولَاّد في مقصوره.

قال ابن فارس: المضاهاة: المشاكلة، تهمز ولا تهمز.

وقال صاحب كتاب العالم، وابن سيدة: لا يلزم قول/ أبي عليٍّ، قد يكون شَمَلٌ موضوُعاً أوَّلَ كَشَمْلٍ.

قال أبو جعفر: ويقال في الجمع الشَّمَالتُ، والشَّمَائِلُ، عن صاحب كتاب العالم، وعن ابن سيدة أيضًا، قال: ويقال: لا تكاد الشَّمَال تهُبُّ ليلًا، والعرب تقول: إن الجنوب قالت للشَّمَال: "إنَّ لي عليك فضلًا، أنا أَسْري وأنتِ لا تَسْريِن، فقالت الشَّمُول: إنّ الحُرَّةَ لا تَسري".

ص: 225

قال أبو جعفر: ويقال: شَمَلَتْ تَشْمُلُ شَمْلاً، وشمُوُلاً، عن اللَّحيانيّ في نوادره، وعن الزيديِّ نوادره أيضاً.

وقال كراع في المجرد: ويقال للشمَّال: أيْرٌ وإيْرٌ وأيِّرٌ، وَهْيرٌ وهَيِّر وهِيْرٌ، سِتُّ لغات.

وقوله: "وَجَنَبَتْ من الجَنُوب".

قال أبو جعفر: أَيْ هبَّت ريح جَنُوبً، والجَنُوبَ ريح قِبْلِيَّةً، أَو يكون بالمعنى الثَّانِي أي: هبَّت ريحً مِن جهة الجَنُوبِ، ويكون الجنوب أيضاً اسماً للنَّاحية التي تلي القُطْبَ المقابلَ لبنات نَعْشٍ، كما تقدم في شمَلَتْ.

قال أبو جعفر: والجمع الجَنَائِبُ، عن اليزيديِّ في نوادره، وعن ابن سيده. قالا ويقال: جَنَبَتْ تَجْنُبُ جُنُوباً، قال اليزيديُّ: بضم الجيم [قال]، وجَنْباً بفتح الجيم، قال: والاسم الجَنُوبُ بفتح الجيم.

وقوله: "وصَبَتْ من الصَّبَا".

قال أبو جعفر: هو على ما تقدَّم في شَمَلَتْ، وَجَنَبَتْ، ويقال لها: القبول، عن ابن خالويه، وغَيْرِهِ.

ص: 226

وحكى اللَّحيانيُّ في نوادره: أنَّ ريح الصَّبَا يكتب بالياء، والألف، لقولهم في تثنيته: صَبَوانِ، وصَبَيانِ

ويقال في الجمع: الصَّبَوَاتُ، والأصْبَاءُ، عن ابن سيدة في المخصص، وعن اللَحيانيِّ. وعن ابن سيدة: صَبَتْ تصْبُو صَباً.

قال أبو جعفر: وزاد اليزيديُّ في نوادره: وصُبُوّاً.

وقوله: "ودَبَرَتْ من الدَّبُور".

قال أبو جعفر: على ما قَدَّمناه [أيضاً] من التَّفسير، إِمِّا أنْ يكون الدَّبُور الرِّيح / الغربيَّة، فيكون المعنى هَبَّتْ ريحٌ دَبُورٌ، ويكون من الدَّبُور متعلِّقاً بمعنى الفعل. وإمّا أن يكون الدّبُور الغرب، فيكون المعنى هَبَّتْ من جهة الدَّبُور، أيْ: من جهة الغرب، والجمع الدَّبائِر.

ص: 227

قال أبو جعفر: وقال اليزيديُّ في نوادره: وقد دَبَرَتْ تدُبر دَبْراً، ودُبُوراً.

قال أبو عبيد: وكلُّ ريح من هذه الأربع انحرفت فوقعت بين ريحين فهي نكباء. قال اليزيديُّ في نوادره: وقد نكَبَتْ تَنْكُب نَكْباً، ونُكُوباً.

قال أبو جعفر: وإنَّما سمُيِّتْ بذلك لأنَّها نَكَبَتْ، أَيْ: عدلتْ عن مهابِّ هذه الرِّياح الأَرْبع قاله القُتَبِيُّ.

وقوله: "كلُّ ذلك بغير ألفٍ".

قال أبو جعفر: قال التُّدميريُّ، ونقلته من خَطِّه: وكلُّها يقال فيها فَعَلَتْ بغير ألف إلا النُّعاميَ وحْدَها - وهي الجنوب - فإنَّه يقال فيها: أنعمت بالألف: إذا هَبَّتْ. وكذا قال ابن هشام، وغيرُهما.

وحكى ابن سيدة في المخصص، وصاحب كتاب العالم، كلاهما عن ابن دريد أنَّه قال: أفْعَلَتْ مقولة في ذلك كلِّه.

ص: 228

قال أبو جعفر: وهل هذه الألفاظ أسماء أم صفات؟ فإنَّ سيبويه قال: هي صفات في أكثر كلام العرب، سمعناهم يقولون: هذه ريحٌ شَمَالٌ، وهذه ريحٌ سَمُوم، وهذه ريحٌ جَنُوب، سمعنا ذلك من فصحاء العرب لا يعرفون غيره، قال الأعشى:

لها زَجَلَّ كحفيفِ الحَصَا

دِ صَادَفَ باللَّيلِ رِيحاً ذَبُورا

وقوله: "وخَسَاتُ الكَلْبَ"

قال أبو جعفر: معناه: طردته وأبعدته، عن ابن دَرَستويه، قال: وذلك أن تقول له: اخْسَأُ.

قال أبو جعفر: وخَسَأَ من الألفاظ التي سَوَّوْا فيها بين التعديِّ وغير المُتَعَدِّي، فجاء التعدَّي وغيرُ/ المتعدِّي بلفظٍ واحدٍ، كقولهم: غاض الماء وغِضْتُهُ، وعاب الشَّيء وعِبتُهُ، وزاد الشَّيء وزِدتُهُ، وعَمَرَ المنزلُ وعَمَرتُهُ، ومدَّ النَّهر ومَدَدْتُهُ، وهي ألفاظ ذكر كثيراً منها ابن جنَّيٍّ في الخصائص، وأبو عبيد في المصنِّف، جاءت مُتَعَدِّيةً من غيرِ همز، ولا حرف جَرَّ، ولا

ص: 229

َتضْعِيفِ عينٍ، وكذلك خَسَأ، لأنَّه يقال خَسَأ الكلب وخَسَأتُهُ، فجاء مُعَدىً من غير شيءٍ يتعدَّى به، وكان حقُّه أنْ لا يتعدَّى إلاّ بأحد الأشياء التي ذكرناها: لأن معناه كما قدَّمناه بَعُدَ، وبَعُدَ لا يتعدَّى، فهو من تلك الألفاظ.

قال أبو جعفر: على هذا أهل اللُّغة، أعني: أنَّ خَسَأَ من الألفاظ التي سَوَّوْا فيها بين المُتَعَدِّي وغيرهِ.

وقال ابن الدَّهَّان في شرحه، [وصاحب الموعب]: العامَّة تقول: أخسأته، بالألف، وهي لغة.

قال أبن دَرَستويه: إنَّما تعدَّتْ هذه الأشياء بنفسها من غير مُعَدٍّ؛ لأنَّه كَثُرَ استعمالها، وعُرِفَ معناها، فحذف منها حرف التَّعْدية والنَّقْلِ تخفيفاً، واستُغْنيَ عنه بالتعارف لمعناها.

قال أبو جعفر: ويقال: خَسَأتُهُ فَخَسَأ، وخَسِئَ وانْخَسَأ، أيْ: أبعدته فَبَعُد، عن صاحب الواعي.

وقال صاحب المبُرزِّ عن الأصمعيِّ ويقال: أخْسَأ يا كلب، واخْسَئِي يا كلبةُ.

ص: 230

وقال ابن أبي إسحاق لبكر بن حبيب: ما ألحن في شيء فقال لا تقل، فقال: خُذ عليَّ كَلِمةً، فقال: هذه واحدة، قل: كلِمَهْ.

ومرَّتْ سِنَّوْرَةٌ فقال لها: [اخسَيْ]، فقال: أخطأت، إنَّما هو اخْسَئِي.

وقال الكراع في المجرد: خَسَأُتُ الكلب لا يقال بالألف.

قال أبو جعفر: حكى صاحب الموُعِبِ عن قطربٍ، وابنُ الدَّهَّان وقد [تقدم] أنَّه يقال: أَخْسَأتُهُ بالألف لغة.

وحكى [هو و] صاحب المبرِّز والفرَّاء في مصدر خَسَأَ: خَسْئاً وخُسُوءاً.

وقوله: "وفَلَجَ الرَّجُلُ على خصمه".

ص: 231

قال أبو جعفر: أيْ ظهر عليه وغَلَبَه بالحُجَّة، عن غير واحد.

قال التدُّميريُّ ومن خطِّه: وهو مأخوذ من الفُلْجِ، وهو الظَّفَر.

وقال اللَّحيانيُّ في نوادره [يقال]: لِمَن الفَلَجُ والفَلْجُ؟ بفتح الفاء مع تكسين اللام وتحريكها، والفُلْجُ بضمِّ الفاء وسكون اللَاّم، ويقال: أفْلَجْتُ فلاناً على فلانٍ، ويقال: فَالَجْتُ فلاناً فَفَلَجْتُهُ، وأنا أَفْلُجُهُ، أَيْ: خصمتُهُ وغلبته.

قال أبو جعفر: ويقال في الماضي: فَلَجَ، وَأفْلَجَ بالألف، ذكره صاحب الواعي، وابن القطَّاع، وثابت، وأبو عبيد. وحكاها أيضاً قطربٌ في فَعَلْتُ وأَفْعَلْتُ، قالا وقال بعضهم: فَلَجَهُمْ: إذا فلج عليهم.

ويقال في الصِّفة من فَلَجَ: فَالِجٌ وفَلْجٌ، كما يقال بَالِغٌ وبَلْغٌ، وثَابِتُ وثَبْتٌ، عن الكراع في المجرد.

ص: 232

ويقال في المصدر من فَلَجَ: الفُلْجُ بضمِّ الفاء وتسكين اللَاّم، والفَلَجُ بفتح الفاء واللَاّم. وفي المصدر من أَفْلَجَ على القياس: الإفْلَاجُ.

وقوله: "ومذى الرَّجُل يَمْذِي".

قال أبو جعفر: معناه خرج من ذَكَرِه المَذْيُ، وهو ماء أَرَقُّ من المَنِيَّ، ولا لذّة له عند خروجه، عن ابن دَرَستوريه. قال: واسم ذلك الماء المَذِىُّ بكسر الذَّال، كأنَّه سُمِيَّ بمصدره، لأنَّه يقال: مَذَى يَمْذِي مَذْياً، وإنَّما يخرج ذلك الماء عند الملاعبة، أو ذكرِ الجماع.

وحكى الكراع في المجرد أنَّه يقال فيه: المَدْيُ، بدال غير معجمة، ولم أره لأحد من اللُّغويين سواه.

قال أبو جعفر: والوَدْيُ الماء الذي يخرج أبيضَ رقيقا على أَثَر البول. عن أبي عبد الله القزَّاز، قال: والذَّال المعجمة فيه لغة، قال: والمَنيُّ ماءُ الرَّجل الذي يكون منه الولد.

قال أبو جعفر: وحكي أبو عبيد في المصنَّف عن الأصمعيِّ أنَّه قال:

ص: 233

المذِيُّ، والمَنِيُّ والوَدِيُّ مُشَددَّاتُ/ الياء. قال أبو عبيد: وغيره يُخَفِّفُ المذْيَ، والوَدْيَ. قال أبو عبيد: والصواب عندنا أنَّ المَنِيَّ وحده بالتَّشديد، والآخران مُخَفَّفان، وحكى المطرِّز في ياقوته عن ابن الأعرابي أنَّه قال: المَذْيُ مثل: الرَّمْي، والمَذِي مثل: العَمِي، والوَدْيُ مثل: الرَّمْي، والوَدِي مثل: العَمى، والمَنِيُّ مثل: الشَّقِيّ، والمَنِي على مثال: العَمِي، قال: والأولى أفْصَحُهُنَّ.

قال أبو جعفر: ويقال في الفعل منه: مَذَى، وأَمْذَى. حكى [ذلك] أبو عبيد في المصنَّف، والكراع في المجرد، والمطرِّز، وغيرُهم. [وزاد المطرِّز ومَذَّى بالتشديد]

وقال الدِّيْنورِي في كتابه إصلاح المنطق: وأمذى قليلة، قال: وكذا قال الفَرَّاء في فَعَلْتُ وأَفْعَلْتُ: ومَذَى بالتخفيف أفْصَحُهُنَّ.

ص: 234

[ويقال من المَنِيِّ: مَنَى الرَّجلُ، وأمنى، عن من تقدمَّ، وزاد المطرِّز: ومَنَّى بالتَّشديد، قال: ومَنَى بالتَّخفيف أفصحهن].

وحكى الكراع في المجرد: أنَّ المَنيَّ يجمع مُنْي على مثال: فُعْلٍ. ويقال من الوَدْى: وَدىَ وأَوْدَى، عن المطرِّز، والقزَّاز. وزاد المطرِّز: وَدَّى، بالتَّشديد، قال: ووَدَى بالتخفيف أفْصَحُهُنَّ.

وقولة: "ورَعَيْتُ الرَّجُلَ أرْعَبُهُ".

قال أبو جعفر: أَيْ: أخفتهُ وأفزعتُه، عن غير واحدٍ.

قال التُّدميريُّ: وهو مأخوذ من الرُّعب، وهو الخوف والفزع.

وقال مكِّيِّ في شرحه: معناه ملأتُه فَزَعاً، وهو من قولهم: رَعَبَتِ السُّيوُلُ الوادي: إذا ملأته، ومن رَعَبْتُ الإناء: إذا ملأتَه.

قال ابن التَّيَّانيِّ: ورَجُلٌ رَعِيبً، ومَرْعُوبَّ، وقد رُعِبَ بضمِّ الرَّاءِ، ورَعُبَ بضم العين وفَتْحِ الرَّاِء، قال: يكون ذلك في الجَبَان والشُّجَاع مثل

ص: 235

الفزع والذُّعْر. وحَكَى رَعَبْتُ الرَّجُل رُعُباً، بضمَّتين، وتُسَكِّنُ العين، فهي مَرْعُوبٌ ومُرْتَعِب أَيْ: فَزِعٌ.

قال أبو جعفر: قال ابن الأعرابيِّ في نوادره: العرب تقول: رَعَبْتُ الرَّجُل، ولا تقول: أرعبته.

وحكى ابن طلحة الاشبيليّ: أرْعَبْتُهُ بالألف. / قال الأزهريُّ: ورَعَّبْتُهُ فهو مُرَعَّب.

وقوله: "ورَعَدَتِ السَّماء من الرَّعْدِ".

قال أبو جعفر: أَيْ سُمعَ منها الرَّعد. والرَّعْد هو: الصَّوت الذي تسمعه نحو الغيم ويقال: إنَّ الرَّعد اسم ملك يزجر السَّحاب، وهو يقول ابن عباس. وما تسمعه صوت، وليس الرَّعد اسم الصَّوت الذي تسمعه

ص: 236

حقيقة، إنَّما اسم ذلك الصَّوت [الشَّعَارُ] بفتح الشِّين، قال الشَّاعر:

*وقِطِارُ سَاريَةٍ بغير [شَعَار].

وجاء في الخبر عن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "إنَّ الله تعالى يُنْشِئ السَّحاب، فتنطق أحسن المَنْطِق، وتضحك أحسن الضَّحك، فمنطقها الرعَّد، وضَحِكُها البرق".

قال القزَّاز: فإذا سمعتَ الرَّعد قلت: أَرْعَدْتُ، أيْ: دخلتُ في موضعٍ تسمعُ فيه الرَّعد. وقال اللَّحيانيُّ في نوادره: رَعَدَتِ السَّماء تَرْعَدُ وتَرْعُدُ بالفتح والضَّمِّ، رَعْداً ورُعُوداً. أبن التَّيَّانيَّ: ورَعْدَةً.

وقوله: "وبَرَقَتْ من البرق"

قال أبو جعفر: قال التُّدميريُّ: البرق عند أهل اللُّغة نور وضياء، يصحبان السَّحاب. وقال ابن خالويه: البرق: مَصْع ملك أي: ضرب ملك. قال الزَّمخشري: والبرق النَّار التي من الغيم: قال: وربما قالوا للبرق: بارق، وللسَّحاب الذي فيه البرق: بارق.

ص: 237

قال أبو جعفر: قال محمد بن أبان في كتابه العالم، وابن سيدة في المخصص: رَعَدَتِ السَّماء وبَرَقَتْ، هذا الكلام العالي الفصيح، وقد جاء أرعدت، وأبرقت على قلَّةٍ، وهو مرغوب عنه، والأصمعي يردُّها، وحكاها أبو زيد.

قالا: وبرقت السَّماء تبرُق بَرْقًا، وبَرَقَانًا.

قال أبو جعفر: وحكى اللُّغتين أيضاً ابن القطَّاع، وقال في المصدر: بَرْقً، وبرُوُقٌ.

/ قال أبو جعفر: وحكى أيضًا رَعَدَتْ وأَرْعَدَتْ، وبَرَقَتْ وأَبْرَقَتْ ابن التَّيَّانيَّ في مختصر الجمهرة، قال: والسَّحابة بَارِقَةً، والجمع بَوَارقٌ.

وقوله: "وكذلك رَعَدَ الرجل وبَرَقَ: إذا أَوْعَدَ وتهدَّد، وقد يقال: أرْعَدَ وأَبْرَقَ".

قال أبو جعفر: أي: أَفْزَعَ كما يُفْزِعُ الرَّعد والبرق.

وحكى أبو عبيد في المصنَّف عن الأصمعيَّ: أنَّه أنكر أَرْعَدَ وأبْرَقَ

ص: 238

بالألف. وكذلك حكى يعقوب في الإصلاح عنه أنَّه لا يقال: أرْعَدَ وأبْرَقَ، قال يعقوبُ: ولم يكن يرى بيت الكُمَيت حُجَّةَّ: لأنَّه عنده مولد، وهو قوله:

أبْرِقْ وأَرْعِدْ يا يزيدُ

فما وعيدكُ لي بِضَائْر

قال ابن دَرَستويه: إنَّما لم يُجِزْهُ الأصمعيُّ لأنَّه كان صاحب رواية وسماع، وليس بصاحب قياس ولا نظره، وكان يخطئ الكُمَيْتَ في هذا البيت ولا يحتجُّ بشعره، من أجل أنَّه قرويٌّ متأدبِ كاتب.

قال ابن دَرَستويه: وليس ذلك ممَّا يسقط به الشاعر، وقد كان المُرَقَّشُ كاتباً، وعَدِيُّ بن زيد كاتباً متأدباً، وأمَيَّةُ بن أبي

ص: 239

الصَّلْتِ كاتباً عالماً، وقُسُّ بن ساعدة كذلك، وليس في أشعارهم مطعن لأحد.

وكان أبو الأسود الدُؤليّ كاتباً أديباً عالماً، وهو إمام النَّحويَّين في النَّحو، وأشعاره حُجَجٌ لازمةٌ. قال: وإنَّما انحرف الأصمعيُّ عن الكُمَيتِ لمذهبه، لا لأدبه، وقد روت العرب شعراً لامرئ القيس تزعم أنَّه أجاب به [عَمْرَو بن حُنَيٍّ] حين سأله أنْ يقول بيتاً فيه سبع عينات، وبيتاً فيه سبع قافات، فقال:

فَأَرْعَدَ رَعْدُ الرَّعِداتِ وأرْعَدَتْ

رَوَاعِدُ رَعْدٍ رَعْدُهُنَّ قَصُوفُ

وأبْرَقَ بَرْقُ البَارِقاتِ وأبْرَقَتْ

بَوَارِقُ بَرْقٍ بَرْقُهُنَّ خَطُوفُ

فأتى بألف في أرعد وأبرق، وهو سيِّد الشُّعراء، ولم ينكره أحد من العرب عليه.

/ قال أبو جعفر: وقد حكى غير الأصمعيِّ من الأئمة الوثوق بهم في اللُّغة أنَّه يقال: أَرعد وأَبرق بالألف، حكى ذلك يعقوب في الإصلاح عن

ص: 240

أبي عبيدة، أبي عمرو. وكذلك حكي أبو عبيد في المصنَّف عن غير الأصمعيّ من الأئمة، وأنشد لذي الرُّمّة:

إذا خَشِيَتْ مِنْهُ الصَّريمةَ أبْرَقَتْ

له بَرْقَة مِنْ خُلَّبٍ غَيرِ ماطِرِ

وحكاها اللحيانيّ [أيضاً] في نوادره.

فإنكار الأصمعيِّ ليس بِحُجَّة، وإنَّما الحجَّة فيما قدمناه.

وقوله: "وهَرَقْتُ الماء، فأنا أُهْرِيقُهُ، وإذا أمرتَ قلتَ: أرقْ ماءك وهو الأصل".

قال أبو جعفر: معنى هَرَقْتُ الماء، صيبته، قال ابن خالويه: العرب تقول: هرقتُ الماء، وصببُتُه، ودفقُتُه، وسكبتُهُ.

قال أبو جعفر: وأصل هرقتُ: أرقتُ، والعرب تُبدِل من الهمزة هاءً، ومن الهاء همزة: للقرب الذي بينهما من حيث أنَّهما من أقصى الحلق: فجاز أَنْ يبدل كلُّ واحد منهما من صاحبه، فمن أبدال الهاء من الهمزة قولهم: إيَّاك وهَياَّك، وكما قال:

ص: 241

*لَهِنَّك من برقٍ عليَّ كريمُ*

قال اللَّحيانيُّ في نوادره: يقال: أرَدْتُ أَنْ أفعل ذاك، وهَرَدْتُ أنْ أفعل ذاك، وأَنَرْتُ الثَّوب، وهَنَرْتُهُ. وأرَحْتُ دابتي، وهَرَحْتُها. وأرَقْتُ الماء، وهَرَقْتُهُ. ومن إبدال الهمزة من الهاء قولهم: هيهات وأيهات، كما قال:

أيْهَاتَ منزلُنا بنَعْفِ سُويقَةٍ

كانَتْ مَبَاركَةً من الأيَّام

ثُمَّ قالوا:

فَهَيْهَاتَ هَيْهاَتَ العَقِيقُ وأهلُهُ

وهَيْهَاتَ خِلٌّ بالعَقِيقِ نُوَاصِلُهْ

فتبَّين أنَّ أصله الهمزُ

وقد أُخِذَ على ثعلب في إدخاله هَرَقْتُ في هذا / الباب؛ لأنَّ هذا

ص: 242

الباب إنَّما هو باب فَعَلْتُ بغير ألفٍ، وهَرَقْتُ من باب أفْعَلُتُ بالألف، وبيان أنَّه من باب أفْفَلْتُ أنَّ أصله كما قَدَّمنا أرَقْتُ، وهو فِعْلُ مُعْتَلُّ العين من الواو على قول، وأصله على هذا أرْوَقْتُ؛ لأنَّه من قولهم: رَاقّ الماء يَرُوقُ: إذا انصبَّ.

وقيل أصله أرْيَقْتُ؛ لأنه من رَاقَ يَرِيْقُ رَيْقًا: إذا انصبَّ، ثُمَّ نقلت حركة الياء أو الواو إلى الرَّاء، وحُذِفت الياء أو الواو لالتقاء السَّاكنين، فبقى أرَقْتُ. وممَّا يدل أيضاً على أنَّه رباعيٌّ أنُّك إذا أسندتَ إلي الغائب قلتَ: هَرَاقَ، وأرَاقَ، وفي المستقبل: يُهَرِيقُ، ويُريِقُ، فلو كان ثلاثياً لقيل: يَهْرقُ أو يُهْرُقُ. فخرج من هذا كلِّه أنَّه ليس ثلاثيًا، وإنَّما هو فعل رباعيٌّ.

فوجه العذر لثعلبٍ أنَّه إنَّما أدخله في هذا الباب مراعاةً للَّفظ؛ لأَنَّ لفظه ثلاثيٌ، فذكره في هذا الباب لهذا الوجه، كما ذكره غيره لوجهٍ أخر.

قال أبو عبد الله القزاز في كتابه الجامع لمَّا ذكر هَرَقْتُ في "الهاء والرَّاء والقاف"، اعتذر عن ذكره له في هذا الموضع فقال: ليس هذا من هذا الباب، ولكن ذكرناه من أجل لزوم الهاء للبدل.

ص: 243

قال أبو جعفر: فهذا اعتذار منه عن ذكره هَرَقْتُ في هذا الموضع، ولم يذكره فيء الهمزة والرَّ اء والقاف" الذي هو أصله، لكنَّه راعى كما ذكر لزوم البدل، وكذلك ثعلب كان حقُّه أنْ لا يذكرَ هرقتُ إلَاّ في باب أفعل، ولا يذكره في باب فَعَلْتُ، لكنَّه راعى كما قدَّمناه لفظه، فإنَّه ثلاثيٌّ.

قال أبو جعفر: ويمكن أنْ يكون الذي حمل ثعلباً على أن ذكر هرقتُ في هذا الباب وإن كان ليس بابه أن كلامه في هذا الباب إنما هو فيما يقال من الأفعال بغير ألف/ في الأفصح، وكان في هرقتُ لغتان: هرقتُ، وأهرقت على ما حكاه أبو عبيد في المصنَّف، واللَّحيانيُّ في نوادره. وقال عنها:

إنَّها أبعدُ اللُّغات، وهي لبني تَغْلِب. قال: ونُرَى أنَّ الهاء فيها زائدة، كما قالوا: أمهات.

وحكاها أيضاً الجوهري، وأبو عمرو الشيباني في نوادره.

فَذَكَر ثعلبٌ هرقتُ إشارة إلي أنَّها أفصح من أهرقت، مع أن اللَّفظ ليس ثلاثياً.

قال أبو جعفر: وحكى الجوهريُّ أنَّ في هرقتُ ثلاث لغات، وذكر هاتين اللُّغتين، وقال فيه لغة ثالثة: أهْرَاقَ يُهْرِيقُ أِهْرِياقاً، فهو مُهْريِقٌ،

ص: 244

والشيء مُهْرَاق ومُهَرَاق أيضاً بالتحريك، قال: وهذا شَاذٌّ.

وقوله: "فأنا أُهَريقهُ".

قال أبو جعفر: كان أصله على ما قدمناه أُأرِيقُهُ، فَحُذِفَتْ إحدى الهمزتين استثقالاً لاجتماع همزتين، وكان المحذوف من الهمزتين الثَّانية، لأنَّها زائدة لغير معنى، سوى معنى بناء الفعل على أفعل في الماضي، وتُرِكتْ همزة المُخْبِرِ عن نفسه، لأنَّها دليل الاستقبال، ثُمَّ حُذِفت الهمزة مع باقي حروف المضارعة وإنْ لم تجتمع فيها همزتان، حملاً على ما تجتمع فيه همزتان، وهو المُخْبِرُ عن نفسه، ولئلا يختلف حكم الفعل المضارع، فيجري الباب كلُّه مَجْرىَّ واحداً، كما قالوا: وَعَدَ يَعدُ، وأصله يَوْعِدُ، فحذفوا الواو استثقالاً لها بين ياءٍ وكسرةٍ، وحملوا على ذلك سائر حروف المضارعة، ليستوي الباب كله، ولا تثبت هذه الهمزة إلا في الشِّعر كما قال:

*فَإِنَّهُ أَهْلّ لأنْ يُؤَكْرَمَا*

ص: 245

وكما قال:

*وصَالياتٍ كَكَمَا يُؤَتفَيْنْ*

/ ومن أبدل الهمزة في أراق هاءِّ لم يحذفها في المستقبل: لأنَّ الهاء أسهل من الهمزة، فلهذا قالوا: يُهَرِيقُ، ولم يقولوا في الكُلَّ: يُؤَريِقُ.

وقوله: "أرِقْ ماءك، وهو الأصل".

قال أبو جعفر: أصبُبْ ماءك، وقد تقدمت عِلَّته.

قال أبن دَرَستويه: وهو عامٌّ في كُلِّ شيء مثله، كالدَّمع والمطر والخمر والدَّم، وغير ذلك.

وقوله: "وصَرَفْتُ الصبَّيان".

قال أبو جعفر: معناه: سَرَّحتهُمُ من موضع التَّعليم.

والعامة تقول: أصرفت. ولا أذكر فيه الآن إلاّ فعلت، بغير ألفٍ، كما ذكره ثعلب، وإنما يقال: أصرفت في الشَّراب: إذا جعلته صِرفاً، أي: خالصاً.

ص: 246

وقولهم: انصرف، يدلُّ على أنَّ مُتَعَدِّيه بغير ألف، لأنَّهم قالوا: لا يجيء انفعل مطاوعةً من أفعل إلَاّ قولهم: أغلقت الباب فانغلق، وأطلقت الرَّجُلَ فانطلق. وزاد بعضهم أدخلته فاندخل، وأنشد:

*ولا يَدِي في حَميِتِ السَّكنِ تَنْدَخِلُ*

وقالوا "أجَلتُه فانجال.

ومعنى صرف الله عنك الأذى، أي: أزاله وأذهبه.

وقوله: "وقَلَبْتُ القَوْمَ".

قال أبو جعفر: معناه كمعنى صرفتهم، عن ابن دَرَستويه، وغيره. قال: والعامة تقول: أقلبت الصبيان، وأقلبت القوم والثَّوب، ونحو ذلك، بالألف، وهو خطأ.

قال أبو جعفر: وقال اللحيانيُّ في نوادره يقال: قلبت الغلمان، وقلبت الثوب، وقلبت الحديث، وقلبت الرجل عما كان عليه، هكذا كلام العرب بغير ألف، قال: وكل شيء يُقْلَبُ فهو بغير ألف، وبعضهم يقول: أقلبت في

ص: 247

كلها/ وهو مرغوب عنه، وحكي أيضاً "أقلبت" قطربٌ في فعلت وأفعلت.

وقوله: "وكذلك التَّوبُ".

قال أبو جعفر/: معنى قلبت الثوب: حوَّلته.

ويجوز في الثوب وجهان: الرفع، والنَّصب. فأمَّا الرفع فعلى الابتداء والخبر كذلك، وأما النَّصبُ فعلى تقدير وكذلك قلبت الثَّوبَ.

وقوله: "ووَقَفْتُ الدَّابَّة".

قال أبو جعفر: معناه: حبستها عن السَّير، عن ابن درستويه.

ويقال أيضًا: أوقفت الدَّابَّة. بالألف، حكاها ابن سيدة في المحكم، وابن القَطَّاع. وحكاها أيضاً أبو علي القالي في فعلت وأفعلت، وقال عنها: هي رديئة جداً. وحكاها أيضاً القزاز، وقال عن الفراء: إن بعض بني يقول: أوقفت الدَّابَّة والدَّار وأنشد الفَرَّاء:

وقولها والرَّكاب مُوْقَفَهْ

أقم علينا حينًا فلم اقِمْ

وقال يعقوب في فعلت وأفعلت: سمع الكسائيُّ في فَزَارة أوقفتُ الدَّابَّة.

ص: 248

وقال أبو حاتم في تقويم المفسد عن أبي زيد: العرب تقول ما أوْقَفَكَ ها هنا، قال: فإن قالوا "من" لم يقولوا أوقفك، ولكن من وقَفَك ها هنا، من غير ألف.

قال أبو زيد: وكتب رجل من الفُرسْ يسأل الخليل عن قولهم ما أوقفك، ومن وقفك؟ فكتب إليه هما سواء، ثم لقيني الخليل فسألني، فقلت يقال: ما أوْقَفَكَ، ومن وَقَفَكَ بغير ألف.

قال أبو جعفر: وكذا حكى ابن القوطيَّة قال: وعن بعضهم من وقَفَك، وما أوقفك سواء.

قال أبو جعفر: وقال اليزيديُّ في نوادره تقول: ما أوقفك يا فلان هاهنا؟ وما وقفك؟ كلُّ يقال. وحكى هذا أيضاً ابن القوطية، وقال: أي جعلك تقف.

قال أبو جعفر: وحكى ابن الأنباري عن ثعلب أنَّه قال: ليس في كلام العرب أوقفتُ بالألف إلاّ في موضعين:

ص: 249

يقال: تكلم الرَّجُلُ فأوقف، أي: انقطع عن الحجَّة،/ وأوقفتُ المرأة: جعلت لها سواراً من وَقْفٍ.

قال أبو جعفر: وقال ابن القطَّاع في أفعاله قالوا: ليس في كلامهم أوقفتُ إلا قولهم: أوقفت عن الأمر الذي كنتُ فيه أي: أقلعت.

وحكي أبو عمرو الشّيبانيّ: كلَّمتهم ثم أوقفت، أي: سكتُّ.

قال أبو جعفر: الوَقْفُ: السَّوار يكون من العاج والقَرْنِ، وقيل: هو الخَلْخَالُ ما كان من فِضَّة أو غيرها، قالوا: وأكثر ما يكون من الذَّبْلِ، عن القَزَّاز.

وقوله: "ووقفتُ وقفاً للمساكين".

قال أبو جعفر: معناه حَبَسْتُ عليهم شيئاً يأخذونه.

قال الجوهريُّ: وأوقفتُ، بالألف لغة رديئة.

وقوله: "ومَهَرْتُ المرأة".

قال أبو جعفر: معناه جعلتُ لها مهراً، وهو الصدَّاَق، عن ابن دَرَستوية.

ويقال أيضاً: أمْهَرْتُها، بالألف، حكي ذلك أبو عبيد في

ص: 250

المصنف، وابن درستويه، والجوهري، وثابت في لحنه، وأبو عبيدة. وحكى اللغتين أيضاً: قطرب في فعلت وأفعلت، قال ابن خالويه في كتاب الأفق: وأمهرتها لغة بني عامر.

ومن أمثال العرب: "هو كالممهورة إحدى خدمتيها". فهذا على مهرت، ولو كان على أمهرت لقال: كالممهرة. يضرب لمن يستحمق فيخدع بشيء.

قال أبو عبد الله القزاز: والحدمتان: الخلخالان، قال: وأصله أن رجلًا خطب امرأة، فقالت: وما تمهرني؟ فأخذ إحدى خدمتيها فأعطاها لها، فرضيت بذلك. قال: وامرأة ممهورة، وممهرة، ومهيرة، وتجمه مهيرة على مهائر.

وفرق بينهما بعض اللغويين - أعني بين مهرت، وأمهرت - فقال:

ص: 251

مهرتها: إذا قطعت لها مهراً وأعطيتها مهراً، فإذا زوجتها من رجل على مهرٍ قلت: أمهرتها.

قال القزاز: ويدل على أنهما لغتان قول الشاعر:

أُخِذْنَ اغتِصاَباً خِطبَةً عَجرَفِيةً

وأُمهِرنَ أرْماَحاً من الخَطَّ ذُبَّلا

وأنشد هذا البيت أيضاً أبو عبيد في المصنف عن أبي زيد. وأنشد الزمخشري:

وَيْحَكَ ياَ حُرقُوصُ مَهلًا مهَلا

أإبِلًا أَمْهَرتَنِي أمْ نَخْلا

أم أنت شيءُ لا تُبَالِي جَهلا

وقوله: "وعلفتُ الدَّابَّةَ".

قال أبو جعفر: معناه أطعمتها العلف، وهو التِّبنُ والقتُّ، وما أشبه ذلك، عن ابن درستويه، قال: ويكون في الحمام والدجاج، وشبهها.

ص: 252

وقال الجوهري: العلف للدواب. وقال ابن خالويه: لا يكون العلف إلا في التبن والشعير، ونحو ذلك، ولا يكون في الماء، وخرج قول الشاعر:

*عَلَفْتُها تبناً وماءً باردا*

على إضمار فعل، كأنه قال: وسقيتها ماءُ، كما قال الآخر:

ورأيت زَوْجَكِ في الوَغَى

مُتَقَلِّداً سيفاً ورمحا

على أنه نصب رمحاً على إضمار فعلٍ، تقديره وحاملًا رمحاً، ولا يجوز أن يكون منصوباً على العطف على قوله:(متقلِّداً) لأن الرمُّح لا يُتَقَلَّد.

ص: 253

قال أبو جعفر: قال ابن التياني: وجمع العلف علاف، وأعلاف [قال المرزوقي: وعلوفة، زيدت الهاء تأكيداً لتأنيث الجمع].

قال أبو جعفر: ويقال: علفت الدابة، وأعلفتها بالألف، وحكى ذلك أبو علي البغدادي، وأبو إسحاق الزجاج في فعلت وأفعلت.

وأنكر الزمخشري أعلفت الدابة بالألف، قال: العامة تقوله، وهو خطأ. وقال عن أبي زيد الكلابي: ليس في كلام العرب أعلفت إلا قولهم: أعلف الطلح: إذا خرج علفه. وهو شيء مثل الباقلي الرطب.

قال القزاز: ويقال: دابة معلوفة، وعليف.

وقال ابن سيدة في المخصص عن صاحب العين: وقد اعتلفت: أكلت العلف، واستعلفت: طلبت العلف.

ص: 254

قال: والعليفة والمعلفة: الناقة والشاة تعلف لتسمن، ولا ترسل فترعى، والعلوفة: ما يعلفون، الواحد والجميع فيه سواء.

وقوله: "وزررتُ عليَّ قَميصِي".

قال أبو جعفر: معناه جعلت له زِرا، عن القزاز. والأزرار والأزرة ما يكون في الطوق.

وقال ابن درستوية: معناه: شددت زره بعروة. قال: والعامة تقول: أزررت بالألف، وهو خطأ.

قال أبو جعفر: ليس بخطأ، حكى ابن دريد في الجمهرة، وقطرب في فعلت وأفعلت، وثابت في لحنه، زررت، وأزررت. وحكى اللغتين أيضاً أبو عليُ القاليُّ في فعلت وأفعلت، فقال: يقال: زررت القميص، وأزررته لغتان فصيحتان، ذكرهما أبو عبيدة.

وحكاهما القزاز أيضاً، قال: ومن اللغويين من فرق بين زررته وأزررته، فقال: معنى زررته: إذا كان محلولًا فشددت أزراره، ومعنى أزررته: لم يكن له [زرِّ] فجعلته له. وحكى هذا أيضاً كراع في

ص: 255

المجرد، وابن سيدة في المحكم، ونسبه لابن الأعرابي.

قال أبو جعفر: والزير لغة في الزر، عن ابن خالويه في كتابه ليس.

وقوله: "وازْرُرْ عليك قميصك، وزُرَّه، وزُرُّه، وزُرِّه، مثل: مُدَّ، ومُدُّ، ومُدِّ"

[قال الشيخ أبو جعفر: قوله: "ازْرُر" هو أمر من زررت القميص: إذا رددت أزراره، وهي لغة أهل الحجاز، وزُرَّ أمر أيضاً من زررت القميص، وهي لغة بني تميم، والتضعيف هو الأصل].

قال أبو جعفر: فمن قال ازْرُرْ أخرجه على الأصل، ومن قال زُرَّ بالفتح فللتخفيف كلعل وأين؛ وذلك أنه إذا اجتمع ساكنان حرك أحدهما إلى الفتح لأنه أخف الحركات، ومن قال زر بالكسر قال: اجتمع ساكنان فحركت أحدهما إلى الكسرة، ومن قال زر بالضم فللإتباع.

واعترض ثعلباً الأستاذُ أبو إسحاق بن ملكون، وقال: تجويزه الكسر والفتح والضم مع اتصال الضمير خطأ.

ص: 256

قال: وإنما تجوز الأوجه الثلاثة بشرط ألا يتصل ضمير بالفعل المضاعف، نحو قولك: مد، ورد، فإن اتصل به ضمير فإن كان ضمير المذكر نحو قولك: مده ورده فلا يجوز فيه/ إلا الضم فقط، وإن كان هاء ضمير المؤنث فتحوا، فيقولون: ردها.

قال أبو جعفر: هذا الذي ذكره الأستاذ أبو إسحاق بن ملكون هو الذي ينص عليه النحويون في كتبهم، لكن ما ذكره ثعلب ليس بخطأ.

حكى سيبويه أن بعض العرب يفتح ويكسر ويضم مع اتصال الضمير بالفعل، فصح ما قاله ثعلب، وبطل ما اعترض به الأستاذ أبو إسحاق.

قال الشاعر:

قال أبو ليلى بَحَبْلٍ مُدِّهِ

حَتَّى إذا مَدَدْتَه فَشُدِّهِ

إنَّ أبا ليلى نسيجُ وَحْدِهِ

[وبعد هذا فكان حق أحمد بن يحيى أن يورده في الفصيح من الكلام]. قال أبو جعفر: وغلط ثعلباً أيضاً الأستاذ أبو بكر بن طلحة

ص: 257

الإشبيلي فقال: إنما الفصيح زره بالضم، ثم زره بالفتح، وأما زره بالكسر فقليلة، وبابها الشعر. قال: وأما مُدَّ، ومدُّ، ومدِّ التي مثلها فكلها فصيحة.

وقوله: "ونَشَدْتُك الله عز وجل".

قال أبو جعفر: معناه سألتُك بالله، عن القزَّاز، وابن درستويه، وغيرهما.

وهو من قولهم: نشدت الضالة: إذا سألت عنها، عن ابن درستويه، وابن خالويه.

قال أبو جعفر: وقال ثعلب في أماليه: معناه ذكرتك الله تعالى. وزاد ابن طريف في أفعاله: مستحلفا. قال القزاز: وناشدتك الله تعالى مناشدة.

ص: 258

قال ثعلب: وأنشدتك بالألف، ذكرها في أماليه ولم أرها لغيره.

ولهذا ذكر نشدتك في هذا الباب، لأنها مما فيه لغتان: نشد، وأنشد بالألف، ونشد بغير ألف أفصح؛ فلهذا ذكرها.

وقال اللحياني في نوادره [يقال]: نشدته الله، وبالله، نشدة ونشيدة. وقال اليزيدي في نوادره، وابن طريف: ونشدانا.

قال اللحياني: ويقال: أنشدك الله، وأنشدك بالله، وأذكرك الله، وأذكرك بالله.

وقال المطرز في شرحه: وتقول: نشدتك الله، وعمرك، وقعدك الله، وقعدك وقعيدك، وقيدك الله، كله بمعنى واحد، معناه: أذكرك الله.

قال أبو جعفر: واسم الله تعالى في قوله "نشدتك الله" ينتصب على وجهين: إما على إسقاط حرف الجر، كأنه قال: سألتك بالله، على ما فسرناه قبل من معنى نشدتك.

وإما أن يكون منصوبا بنشدتك من غير إسقاط حرف جر، كأنه قال: ذكرتك الله، فيعدي نشدتك إلى اسم الله تعالى من غير واسطة، كما

ص: 259

يتعدى ذكَّرتك، وقد حكينا قبل عن ثعلب أن معنى نشدتك: ذكرتك، فينتصب على هذا.

وقوله: "وحُشْ عليَّ الصَّيدَ".

قال أبو جعفر: قال الجوهري: حشت الصيد: إذا جئته من حواليه لتصرفه إلى الحبالة. وكذلك أحشت الصيد، وأحوشته.

قال أبو جعفر: وحكى هذا اللغات أيضاً صاحب الواعي، وثعلب في المجالس، واللحياني في نوادره، وزاد صاحب الواعي: وحوشته، قال: وفي حديث عمر رضي الله عنه "أنه دخل أرضاً له فرأى كلباً فقال: احيشوه علي". قال صاحب الواعي أي سوقوه إلي.

قال أبو زيد: إذا طلبت المعاونة من صاحبك قلت: أحوش، بتصحيح الواو.

ص: 260

قال أبو جعفر: وحكى اللحياني وثعلب في المجالس في مصدر حشت: حوشاً، وحياشةً.

وقال الجوهري: واحتوش القوم الصيد: إذا أنفره بعضهم على بعض، قال: وإنما ظهرت فيه الواو كما ظهرت في اجتوروا.

قال أبو جعفر: قال التدميري: وحشت الصيد مأخوذ من الحوش، والاحتواش، وهو الانضمام إلى الشيء، والاستدارة حواليه، يقال عن ذلك: احتوش/ القوم فلاناً، وانحاشوا إليه: إذا انضموا إليه، وجعلوه وسطهم، ومنه قيل لجماعة النخل: الحائش.

وكان من أصله أُحْوُشْ على مثال: أُنْقُشْ، فلما وجب أن تعتل الواو في الماضي لتحركها وانفتاح ما قبلها، وجب ها هنا في [الأمر] أن تنقل حركة العين إلى الفاء فاجتمع عند ذلك ساكنان، لام الفعل وعينه، فحذفت العين لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة دالة عليها، ولما تحركت فاء الفعل بالحركة

ص: 261

المنقولة إليها من العين سقطت ألف الوصل استغناء عنها بتلك الحركة، فقالوا: حش. كما قالوا: قل، وبع، وما أشبه ذلك.

وقوله: "ونَبَذْتُ النَّبِيْذَ".

قال أبو جعفر: معناه تركته ليطيب/ عن غير واحد. وهو فعيل في معنى مفعول، كثتيل وجريح في معنى مقتول ومجروح. وأصل النبذ الطرح والرفض. وبه سمي النبيذ، كأنه طرح في الأوعية ليدرك.

وفي الحديث "فنبذ خاتمه، ونبذ الناس خواتيمهم".

أي: رمى خاتمه، ورمى الناس خواتيمهم.

وقوله تبارك وتعالى: {فَنَبَذُوهُ ورَاءَ ظُهُورِهِمْ} أي: طرحوه.

قال التدميري: ويحتمل أن يكون معنى النبيذ، أي: تركته وهجرته، من قوله تبارك وتعالى:{فَنَبَذُوهُ ورَاءَ ظُهُورِهِمْ} قال: والوجه الأول أظهر.

قال أبو جعفر: قال ابن درستويه: والعامة تقول: أنبذت بالألف، وهو خطأ.

قال أبو جعفر: وكذا قال كراع في المجرد، ويعقوب في

ص: 262

الإصلاح: أن "أنبذت" خطأ.

وحكى اللحياني أنه يقال: نبذ تمراً، وأنبذه، قال: وهي قليلة.

وحكاها أيضاً قطرب في كتابه فعلت وأفعلت، وأبو الفتح المراغي في لحنه. وقال القزاز: أكثر الناس يقول: نبذت النبيذ/ بغير ألف.

وحكى الفراء عن الرؤاسي: أنبذت النبيذ، وقال الفراء: أنا لم أسمعها من العرب، وكان الرؤاسي ثقة.

وحكى ابن سيدة في المحكم: نبذ النبيذ، وأنبذه، وانتبذه ونبذه.

وقال في العويص وقيل: الانتباذ: المعالجة.

وقوله: "ورهنت الرهن".

قال أبو جعفر معناه جعلته عند المرتهن وأثبته. قال ابن سيده في المحكم: والرهن ما وضع عند الإنسان مما ينوب مناب ما أخذه منه.

قال أبو جعفر: والراهن: الذي يدفع الرهن، والمرتهن: الذي يأخذه.

قال القزاز: وسمي الرهن رهناً لثباته عند المرتهن، تقول العرب لكل

ص: 263

مقيم: راهن، أي: ثابت، ويقولون: هذا طعام راهن: إذا كان دائماً، قال ويقال: رهنت الشيء، ورهنتك الشيء، وأرهنت بالألف. قال الشاعر:

لَمْ أَرَ بُوساِّ مَثْلَ هذا العَامِ

أَرْهَنْتُ فيه للشَّقا خَيتَامِ

وقال ابن همَّام السَّلوليُّ:

وكَرَّهَنِي دَارَهم أَنَّنِي

رَأَيْتُ لَهُم مَالِكاً فّاتِكا

فلما خشيت أظافيره

نَجَوْتُ وأَرْهَنتُهُ مَالِكا

قال أبو جعفر: وكان الأصمعي يقول: لا يقال: أرهنته بالألف، قال: والرواية في هذا البيت "نجوت وأرهنه مالكا" كما تقول: قمت وأضرب وجهه، يعني أن أرهنه فعل مضارع من رهن، والجملة في موضع الحال، كأنه قال: نجوت وهذه حالي. فقوله والرواية في هذا البيت

ص: 264

"وأرهنه" ليس بحجة؛ لأنه رد لما رواه غيره من الثقات، ولا يتصور أن يقول: لا يقال: أرهنت؛ لأني لم أسمعه، ويحتاج إلى تبديل الروايات.

هذا لا يصح، إن كان لم يسمعه هو سمعه غيره، وقد حكى/ ابن الأعرابي في نوادره، والفراء في المصادر، أنه يقال: رهنت، وأرهنت. قالا: وأرهنت قليلة. قال ابن الأعرابي: ورهنته لساني لا غير.

قال أبو جعفر: قال صاحب الواعي: وجمع الرهن: رهان، ورهن، وقرئ:{فَرِهَانُّ مَقْبُوضَةُ} بالوجهين، ورهون أيضاً. ابن درستويه: ورهائن.

قال ابن سيدة في المحكم عن ابن جني: ورهين، كعبد وعبيد.

قال مكي: واسم الشيء الذي يرهن رهن، كأنه سمي بالمصدر.

وقوله: "وخَصَيْتُ الفحل".

ص: 265

قال أبو جعفر: معناه سللت أنثييه، عن القزاز، وغيره. قال: فإن رضضتهما ولم تخرجهما فذلك الوجاء.

وقال المطرز في شرحه يقال: خصيت الفحل، ووجأته، ومتنته: إذا سللت بيضتيه. قال: ونطفته: إذا أنت دققت خصييه ليذبلا، ومعلته: إذا سللت خصييه بالعجلة. قال القتبي: فإن شددتها حتى تندرا فقد عصبته.

والصفة خاص، وهو مخصي وخصي، فعيل بمعنى مفعول. قال كراع: وجمعه خصية، وخصيان.

قال أبو جعفر: والعامة تقول: أخصيت، وهو خطأ؛ لأنه من باب إصابة الأعضاء، [وقياسه أن يجئ بغير ألف، كقولهم: رأسته: إذا أصبت رأسه]، وظهرته: إذا ضربت ظهره، وبطنته: إذا ضربت بطنه.

وقوله: "وبرئتُ إليك من الخِصاء".

ص: 266

قال أبو جعفر: قد قلنا إن الخصاء بالمد هو سل الأنثيين، والوجاء هو أن ترضهما من غير أن تخرجهما.

وقال اليزيدي في نوادره: الوجاء هو أن توجأ عروق الخصيتين حتى تيبس البيضتان، والجب أن تجب البيضتان مع جلدتهما، وملستهما ملسا: وذلك أن تشق عنهما وتسلهما سلًا بعروقهما، ومتنتهما متناً: وذلك أن تشق عن البيضتين وتسلهما سلًا، وكل هذا الخصاء.

ومعنى برئت إليك من الخصاء، أي: إن مات فلا شيء علي.

/وتبرأت منه، عن ابن خالويه، وغيره. [قال المرزوقي: يقال هذا الكلام عند التبايع به، قال: وذلك إذا كان خصاؤه حديثاً].

وقوله: "ونَعَشْتُ الرَّجُل".

قال أبو جعفر: معناه تداركته من هلكة، عن ابن التياني. وقال ابن درستويه: معناه رفعته من صرعته، وذلك إذا صره بيديه فوقع على الأرض، أو سق

جاهه، أو ظلمه ظالم فنصرته، أو عثر فأخذت بيده، أو زل في كلامه فأعنته، أو افتقر فأغنيته، أو آسيته، قال: ففي كل ذلك قد

ص: 267

نعشته، أي: رفعته.

قال أبو جعفر: ومنه سرير الميت سمي نعشاً؛ لأنه يرفع عليه الميت، يقال: نعشت الشيء: رفعته.

وقال المفضل بن سلمة في كتابه الفاخر: ومن ذلك قد انتعش الرجل: إذا استغنى بعد فقر، أو قوي بعد ضعف، وقلل: وقيل معنى نعشه، أي: جبره الله وأحياه.

قال أبو جعفر: قال ابن درستويه: والعامة تقول: أنعشه بالألف، وهو خطأ.

قال أبو جعفر: وكذا قال ابن دريد في الجمهرة: لا يلتفت إلى أنعشه، فهو كلام العامة، ولم يقله أحد.

وحكى أيضاً يعقوب في الإصلاح: إنكاره عن الأصمعي، وأنكره أيضاً الجوهري في الصحاح.

وحكى ابن سيدة في المحكم، وصاحب الجامع، وابن القطاع أنه

ص: 268

يقال: نعشه الله، وأنعشه. وأنشد صاحب الجامع:

وأنْعَشَنِي مِنْهُ بسَيْبٍ مُفَعَّمِ

وحكى المطرز في شرحه عن ثعلب عن سلمة عن الفراء أنه قال: كلام العرب الفصحاء نعشه بغير ألف، قال: وقد سمعنا أنعشه بالألف، ونعشه، قال: والأولى أفصح. وحكاها أيضاً أبو عبيد في المصنف عن الكسائي.

وقوله: "وحَرَمْتُ الرَّجل عطاءه، أَحْرِمهُ".

قال أبو جعفر: أي منعته، عن غير واحد. والحرمان منع العطية. والعطاء اسم لما يعطي كالعطية، وحرمت مأخوذ من الحرمان، وهو المنع، ومنه قوله تبارك وتعالى:{للسَّائِلِ والْمَحْرُومِ} أي: الممنوع الرزق، / قاله الهروي.

ويقال في الماضي: حرم بفتح الراء، كما حكاه ثعلب. وحرم بكسر الراء، حكاه ابن سيدة في المحكم، وصاعد في الفصوص.

ص: 269

ويقال أيضا: أحرم بالألف، حكاه أبو عبيد في المصنف، وأنشد:

وأنبئتُها أَحْرَمَتْ قومَها

لِتَنْكِحَ في مَعْشرٍ آخرينا

قال: وليست بالجيدة. وحكاها أيضاً صاعد، والكراع في المجرد، وابن القطاع في أفعاله، وصاحب الجامع، وابن درستويه، وأبو علي القالي في فعلت وأفعلت، والمطرز في شرحه عن ابن الاعرابي.

قال المطرز: وحرمت بغير ألف أفصح. وكذا قال ابن سيدة في المحكم.

قال أبو جعفر: ويقال في المصدر: حرمان وحرم، بكسر الراء وفتح الحاء، وحرمة بكسر الراء أيضا وفتح الحاء. ابن سيدة:

ص: 270

وحرما بكسر الحاء وإسكان الراء. القزاز: وحرما بضم الحاء وسكون الراء. [ابن سيدة وأبو نصر البصري في كتابه الألفاظ، وابن القطاع في أفعاله، والقزاز، والكراع في المجرد، وصاعد في الفصوص: وحريمة على مثال: ضريبة]. ابن سيدة: وحرمة بفتح الحاء والراء. القزاز وصاعد والكراع في المجرد: ومَحْرَمة ومَحْرِمة، بفتح الراء وكسرها، وزاد القزاز وابن القطاع في أفعاله: وحرمة، بكسر الحاء وإسكان الراء. ابن سيدة: وحريما على مثال: ظريف.

وقال أبو نصر البصري في كتابه الألفاظ: ويقال: هو عليه حرام، وحرِم، وحُرْم.

قال أبو جعفر: قال اليزيدي في نوادره: وحرْم، بكسر الحاء وبسكون الراء.

قال أبو نصر: حرَمَه، وحَترهُ، ومنعه، وجبَههُ، وزَوَاه ورعاه عنه.

ص: 271

وقوله: "وحَلَلْتُ من إحرامي أحلُّ".

قال أبو جعفر: أي فرغت منه، وحل لي ما كان محرما علي في حال الإحرام كالطيب والنساء.

ويقال أيضاً: أحل، حكاها أبو عبيد في المصنف، وابن التياني عن أبي زيد، والفراء في كتابه البهيِّ، وأبو عبيدة.

وقال اللحياني في نوادره: لغة أهل الحجاز حل فلان من إحرامه يحل حلا ومحلا، وهو/ حلال، وحل، وبه نزل القرآن، قال الله تبارك وتعالى:{وإذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} . وتميم تقول: أحللت من إحرامي. أحل إحلالا، وأنا محل وحلال.

قال أبو جعفر: وكذا حكى اليزيدي في نوادره: أن حل لغة أهل الحجاز، وتميم تقول: أحلَّ.

وقال الدينوري في كتابه إصلاح المنطق: حللت من إحرامي، أحل حلًا، وأنا حلال، ولا يقال: حالُّ.

قال ابن خالويه في الأفق: ونحن حلال، لا يثنى ولا يجمع.

وقوله: "وحزَنَني الأمر يَحْزُنُنِي".

ص: 272

قال أبو جعفر: إذا غمه، عن ابن السيد في مثلثه.

وقال الخطابي: أكثر الناس لا يفرقون بين الهم والحزن، وهما على اختلافهما يتقاربان في المعنى، إلا أن الحزن إنما يكون على أمر قد وقع، والهم إنما هو فيما يتوقع ولما يكن بعد.

قال أبو جعفر: ويقال في الماضي أيضاً: أحزن بالألف، حكاها ابن سيدة في المحكم، والقزاز، وأبو نصر البصري في ألفاظه، واليزيدي في نوادره، ويعقوب في فعل وأفعل، وأبو علي القالي في فعلت وأفعلت، وابن السيد في المثلث. وقرئ قوله تبارك وتعالى:{إنِّي لَيَحْزُنُنِي} و"يحزنني".

وذكر ابن سيدة عن سيبويه تفرقة بين حزن وأحزن، فقال: أحزنه: جعله حزيناً، وحزنه: فعل فيه حزناً، كأفتنه: جعله فاتنا، وفتنه: جعل فيه فتنة.

ص: 273

قال ابن سيدة: ويقال أيضاً: حزن بكسر الزاي، وتحازن، وتحزن.

قال أبو جعفر: ويقال في الصفة عنه: محزون، ومحزن وحزين، وحزن، وحزنان، ومحزان: شديد الحزن، من قوم حزناء، وحزان.

قال يعقوب في فعل وأفعل: يقال: حزنني هذا الأمر، وهذا أمر محزن بكسر الزاي، ولا يتكلمون به على القياس، ذهبوا إلى لغة من قال: أحزنني.

وقوله: "وشَغَلنِي عنك أمرُ يَشْغَلُنِي".

قال أبو جعفر: أي منعني. قال ابن درستوية: الشُّغل: هو ما حاك بينك وبين غيرك، وقطعك عما سواه.

قال: وإنما ذكره ثعلب؛ لأن العامة تقول: أشغلني/ بالألف، وهو خطأ.

قال أبو جعفر: وأنكرها أيضاً يعقوب في الأصلاح، والقزاز في الجامع.

ص: 274

وحكى ابن سيدة في العويص عن أبي عبيد أنه يقال: شغلني، وأشغلني. وحكاها أيضاً أبو علي في فعلت وأفعلت، وقطرب في فعلت وأفعلت له أيضاً، وحكاها أيضاً ثابت في لحنه، وقال: أخبرني بها أبو زيد عن يونس. وحكاها أيضاً أبو عبيدة في فعل وأفعل، قال: والجيدة شغلته.

وقال المطرز في شرحه: أخبرنا ثعلب عن ابن الأعرابي أنه يقال: شغلته عن الأمر وأشغلته، وشغلني وأشغلني، قال: والأولى أفصح. وبمثله قال الزجاج في فعلت وأفعلت.

وحكاها أيضاً ابن خالويه، وقال عنها: إنها ليست بالجيدة؛ لأن الله تبارك وتعالى قال: {شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وأَهْلُونَا} .

قال: وقال علي رضوان الله عليه يوم النهروان: "شغلونا عن الصلاة الوسطى - يعني العصر - حتى غابت الشمس، ملأ الله قبورهم ناراً".

ص: 275

وقولهم: "أشغل من ذات النحيين". حجة أيضا لمن قال: شغلني، لأنه لا يجئ من (أفعلت) أفعل من كذا إلا نادرا، وهو قولهم: أولى للمعروف، وأعطى للمال. وأتقى من فلان، وزاد بعضهم: وأذهب لكذا، من أذهبته، واحتج بقول الشاعر:

يَقُولون لِي اِصرِمْ يَرْجِعِ العَقْلُ كلُّه

وصُرْمُ حَبِيبِ النَّفْسِ أَذْهَبُ لِلعَقْلِ

قال أبو جعفر: ويقال في المصدر: شُغل وشَغل، وشَغل وشُغل عن المطرز، وابن خالويه، وأبي عبيدة [في فعل وأفعل]، ومكي.

قال أبو جعفر: وحكى ابن الأعرابي في نوادره، ونقلته من خط الآمدي: أن العرب تقول ما الذي كبأك عني؟ وشجرك، وعبدك،

ص: 276

وغصنك، وشحنك، أي: ما الذي حبسك، وشغلك؟

وقوله: "وشفاه الله يشفيه"

قال أبو جعفر: أي: أذهب ما به من داء، أو غم. /والشفاء ممدود: هو البرء والصحة.

قال ابن درستويه: وإنما ذكره ثعلب؛ لأن العامة تقول: أشفاه، بألف، وهو خطأ. قال: وكان من دعائه عليه السلام: "اشف شفاء لا يغادر سقماً"، وفي الحديث أيضاً:"أنا الراقي، والله الشافي" على مثال: فاعل. قال: فهذا يدل على أن فعله بغير ألف.

قال أبو جعفر: ما ذكره ابن درستويه هو المشهور، وحكى ابن هشام وغيره أنه يقال: أشفاه الله. وقال القزاز يقال: أشفى هذا الدواء داء فلان إشفاءً، واستشفى هو بهذا الدواء.

وقوله: "وغاظني الشيء يغيظني".

ص: 277

قال أبو جعفر: أي أغضبني، عن كراع في المجرد. قال ابن سيدة: هو أشد الغضب. وفرق الزمخشري بين الفيظ والغضب، فقال: الغيظ على من لا تقدر عليه، والغضب على من تقدر عليه، يقال: غضب السلطان على رعيته، واغتاظ الغلام على سيده. قال: وهذه الكلمة بالظاء، وهي لغة أهل الحجاز. وتميم تقول ذلك بالضاد، وقال الشاعر:

إلِى الله أَشْكُو مِنْ خَليِلٍ أَوَدُّهُ

ثَلاثَ خِصَالٍ كلُّها لِيَ غَائِضُ

وهذا كقولهم: فاظت نفسه بالظاء، والضاد، وأنكر الأصمعي ذلك. فأما الغيض بالضاد فهو النقصان، يقال: غاض الماء: إذا نقص.

قال ابن درستويه: وإنما ذكره ثعلب؛ لأن العامة تقول: أغاظني، بالألف، وهو خطأ.

قال أبو جعفر: ليس بخطأ، حكى المطرز في شرحه عن ثعلب عن سلمة

ص: 278

عن الفراء أنه يقال: غاظني الشيء، وأغاطني، بالألف، غيطني لغة، والأولى أفصح. وقال مكي في شرحه: وأغاظني لغة رديئة.

وحكاها أيضا ابن سيدة في المحكم عن الزجاج، وقال: ليست بالفاشية. قال ابن سيدة: وقد غاظه فاغتاظ، [وغيظه فتغيظ].

وقوله: "ونَفَيْتُ الرَّجل".

قال أبو جعفر: /أي أجليته وغربته، وعن نسبه أيضاً أبعدته، عن التدميري. وقال ابن القوطية: معناه حبسته.

وقوله تبارك وتعالى: {أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ} فسر على وجهين، أحدهما: أنه ينفى من الأرض التي أفسد فيها، والقول الآخر: أنه يحبس، ولهذا قال بعض المحبسين:

ص: 279

خَرَجْنا من الدنُّيا ونَحْنُ من أَهْلِها فَلَسْنا مِنَ الأَحْيَاء فيها ولا المَوْتَى

إذا جَاءنا السَّجَّان يَوماِّ لحاَجَةٍ

عَجبِنْاَ وقُلنا جَاء هَذَا منَ الدُّنيا

وقوله: "ورديء المتاع".

قال أبو جعفر: معناه نحيت الردئ من الطيب، قال ابن درستويه: وهو في كل شيء من الدنانير والدواب والناس، وغير ذلك. قال: إنما ذكره ثعلب، لأن العامة تقول: أنفيت الرجل، وهو خطأ.

قال أبو جعفر: لا أعرفه الآن بالألف، وقال الجوهري: يقال: نفيته فانتفى، ونفى هو أيضاً، يتعدى ولا يتعدي، وأنشد:

*فَأصْبَحَ جَارَاكم قَتيلًا ونَافيا*

قال الزمخشري: ويقال: انتفل بمعنى انتفى.

قال أبو جعفر: ويقال في المصدر: نفي، ونفاية، ونفاية بفتح النون وكسرها، عن صاحب الواعي.

ص: 280

قال أبو جعفر: والمتاع جهاز المرأة، عن ابن التياني، وقال عن أبي حاتم: المتاع والجهاز كناية.

وقال عن الفراء: العرب تجمع المتاع على أمتعة، وأماتيع، ومتعٍ.

قال ابن التياني: وحكى أبو زيد رفع القوم أماتعهم.

وقوله: "وزَوَى وجهَه عني يَزْوِيه زَيًّا إذا قبَضه".

قال أبو جعفر: زويا، عن ابن القطاع، وثابت في لحنه. ورأيت بخط ابن شاهين صاحب أبي عبيدة، أي: قبَّضه، بتشديد الباء. [وقال الكراع في المجرد] إذا قبض بين عينيه. وقال ثابت في لحنه: إذا لواه.

قال أبو جعفر: وجاء في الحديث: "زويت لي الأرض". قال صاحب الواعي أي: جمعت لي وقبضت.

وقال القزاز: /زويت الشيء أزويه زيا: إذا جمعته، وزوى الرجل وجهه: إذا قيضه، قال: كل هذا بالتخفيف، قال: ومن هذا قالوا: زوت الجلدة

ص: 281

في النار: إذا تقبضت، ومن هذا سميت زاوية البيت؛ لأنها ما ضاق بين اقتران حائطيه، وقد تزوى: إذا جلس في الزاوية.

قال أبو جعفر: قال ابن درستويه: والعامة تقوله بالألف، قال: والصواب زويته، وأنشد للأعشى:

يزيدُ يغُضُّ الطرف عنِّي كأنَّما

زَوَى بين عَيْنَيهِ علىَّ المحاجمُ

فلا يَنْبسطَ مِنْ بَيْنَ عينيك ما انْزوى

ولا تَلْقَنِي إلاّ وأَنْفُكَ رَاغِمُ

قال أبو جعفر: قد حكى المطرز في شرحه عن ثعلب عن ابن الأعرابي أنه يقال: زوى، وأزوى لغة، وزوى بالتشديد لغة أخرى، قال: والأولى أفصح.

وقوله: "وَبَرَدْتُ عَيْني أَبْرُدُها".

قال أبو جعفر: معناه كحلتها بالبرود، وهو كحل بارد، عن ابن درستويه، وابن خالويه. قال ابن الدهان: هو كالتوتياء.

ص: 282

وحكى أيضاً بردت عيني بالكحل وأبردتها، ابن القطاع في أفعاله، قال: ومعناه أذهبت حرها، قال: والماء بالثلج مثله.

وقال ابن درستويه: بردت عيني وبردتها مما يتعدى دون معد، وكان القياس أن يقال: بردتها بالتشديد، وأبردتها بالألف.

وقوله: "وكذلك بَرَدَ الماءُ حرارةَ جوفي يَبرُدها".

قال أبو جعفر: بروداً، عن اليزيدي في نوادره، أي: سكن لهبه.

قال الهروي: ويسمى النوم برداً؛ لأنه يرخي المفاصل، ويسكن الحركات. وقال القزاز: إنما قالوا لمن مات: برد؛ لأن المعنى عدم حرارة الروح. وقال ابن التياني في مختصر الجمهرة: يقال: بردت الشيء برداً، وبردته بالتشديد، وجاء في الشعر أبردته: / صيرته بارداً.

وحكى ابن القطاع ما حكاه ابن التياني، وقال: أبردته بالألف لغة رديئة.

ص: 283

وقال صاحب الواعي ونقلته من خطه: يقال: بردت الماء، وبردت الشيء، والرجل مبرد، وبارد، قال: وزهم بعض أهل العربية أنك تقول: بردت الماء، من الإبراد. وبردته، من الإسخان، وقال: هو من الأضداد، وينشد في ذلك بيت يغلط فيه وهو:

عَافَت الماءَ في الشِّتَاء فَقُلنا

بَرِّدِيْهِ تُصَادِفِيهِ سَخْيِنَا

وإنما هو بل رديه، فأدغم اللام في الراء، كما يقرأ بالإدغام {كَلَاّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} .

قال أبو جعفر: وحكى هذا أيضاً ابن سيدة في المخصص عن أبي حاتم. وقال عنه: الذي قال إن بردت وسخنت شيء واحد هو قطرب. ورد عليه بما ذكره صاحب الواعي.

قال ابن سيدة: ويقال: ماء برد، وبرود، وبارد: بين البرد والبرودة، وقد برد. وقال عبد الحق: وتقول العرب: اسقني وأبرد،

ص: 284

معناه: إتت به بارداً، واسقني وابرد، أي: ابرد غليلي، عن ابن الأعرابي في نوادره. وأنشد ثعلب:

"وعَطِّل قَلُوصِي في الرِّكاب فَإِنَّها

سَتَبْرُدُ أكباداً وتُبْكي بَوَاكِيا"

قال أبو جعفر: البيت لمالك بن الريب، وقيل لجعفر بن علبة الحارثي، وقيل لعبد يغوث بن وقاص الحارثي، وقبله:

إذا ما أتيت الحارثيات فانْعَنِي

لَهُنَّ وخَبِّرْهُنَّ أنْ لا تَلَاقيا

ثم قال: وعطِّل قَلُوصِي في الركِّاب ..... البيت.

القلوص من الإبل هي مثل الجارية من الأناسي، والركاب: من الإبل خاصة، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وواحدتها راحلة، والبواكي" جمع باكية، والأكباد جمع كبد.

قال الحضرمي في شرحه: ووجدت/ في بعض الروايات قبل البيت:

ص: 285

تَذَكَّرْتُ مَنْ يَبْكِي عَلَيَّ فَلَم أَجِدْ

سِوَى السَّيفِ والرُّمحِ الرُّدَينْيِّ بَاكِيا

وأشقر محبوك يجر عنانه

على الماء لمَ يَتْرُكْ له الموتُ ساقِيا

إذا ما أتيت الحارثيات ........... البيت

وعطل قلوصي ............ البيت

ومعنى البيت: كأنه ينوح على نفسه فيقول لصاحبه وهو بخراسان، وقد لدغته الحية يوصيه، إذا أنا فقدت فعطل قلوصي، أي: اتركها معطلة بلا راكب يركبها، ولا قائم يقوم عليها، من قوله تبارك وتعالى:{وإذَا العِشَارُ عُطِّلَتْ} ، وكان ذلك علامة من مات صاحبه.

وقوله: "ستبرد أكباداً وتبكي بواكيا".

أي: إذا فقدت وعطلت قلوصي فرح لذلك أعدائي، فبردت أكبادهم من حرارة الموجدة والشنف، وحزن أحبائي، فبكوا من شدة الوجد والشغف.

وموضع الشاهد من قوله: "ستبرد" بفتح التاء وضم الراء، فدل على أن الماضي منه "فعل" بفتح [العين]، إذ لا يجوز في أفعال الغرائز أن تتعدى إلى مفعول، ولأن باب (فضل يفضل) أقل مما يقاس عليه.

ص: 286

وقوله: "بواكيا" منصوب بتبكي، وقياسه بواكي غير مصروفٍ؛ لأنه جمع لا نظير له من الأحاد، وإنما زيدت الألف هنا في بواكيا لإطلاق القوافي، كما زيدت الواو في قول الآخر:

*سُقِيتِ الغيثَ أيَّتها الخيامو*

والياء في قوله:

* كانت مباركةً من الأيامي *

وجمع القلوص: قلص، وقلاص، وقلائص.

ويروى أنه لما بلغت هذه الأبيات نساء بني الحارث قمن يبكين عليه، وقام أبوه إلى كل ناقة وشاة فنحر أولادها، وألقاها بين أيديها، وقال:

ص: 287

ابكين معنا على جعفر، فما زالت النوق ترغو، والشاء تثغو، والنساء ينحن ويبكين، وهو يبكي معهن فما رئ في العرب يوم كان أوجع ولا/ أحزن منه.

وقوله: "وهلْتُ عليه التراب فأنا أَهيله".

قال أبو جعفر: أي صببت. يقال: كثيب مهيل، يعني: مصبوباً، عن ابن خالويه، وغيره.

وفي حديث عثمان بن أبي العاص، ومات في سفر قال:"هيلوا علي الكثيب ولا تحفروا لي فيحبسكم".

قال الشاعر:

هِيلُوا عَلَى دَيْسَمَ من بَرْدِ الثَّرى

يَأبَى إلاهُ النُاسِ إِلَاّ مَا تَرَى

ص: 288

وفي الحديث أيضاَ: "كيلوا ولا تهيلوا"

قال القزاز: وأصله من هلت الكثيب، وذلك أن ترسله إرسالًا.

وقال أبو زيد في مصادره: الهيل ما لم ترفع به يديك، والحثي ما رفعت به يديك.

قال التدميري: وكان أصله هيلت بكسر الياء، منقولًا من فعلت بفتح العين، قال سيبويه: ولو لم يحولوها إلى فعلت - يعني بكسر العين - لكان حال الفاء فيها الآن كحالها لو اعتلت من فعلت. يعني أنها لو لم تكن محولة من فعلت بفتح العين إلى فعلت بكسرها لوجب أن تقول فيها: هلت، بفتح الهاء.

قال ابن درستويه: وإنما ذكر هذا لأن العامة تقول: أهلت التراب، بالألف، وهو خطأ.

قال أبو جعفر: ليس بخطأ، حكى أبو عبيد في الغريب المصنف

ص: 289

هلت عليه التراب، وأهلت.

وحكى المطرز في شرحه عن ابن الأعرابي أنه يقال: هلت التراب، وأهلته، وهيلته، قال: والأولى أفصح. وقال الزمخشري في شرحه: أهلت لغة في هذيل وأنشد:

وَأَصْبَحَ إِخْوَان الصَّفَاءِ كَأنَّهُ

أهَالَ عَلَيهِم جَانِب التُّرْبِ هَائِلُ

فجمع اللغتين.

وقوله: "وفض الله فاه".

قال أبو جعفر: معناه كسر الله أضراسه، عن ابن خالويه، وغيره.

قال صاحب الواعي: ومنه فضضت الشيء: إذا كسرته وفرقته، ولا يكون إلا بالتفرقة نحو: فضضت الخاتم، وما أشبهه. / وفلان يفض العطاء، أي: يفرقه. قال: ومنه قوله جل وعلا: {وإذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهُوًا انفَضُّوا إلَيْهَا} أي: تفرقوا إليها. قال: ومن هذا يقال: أصاب بلادهم غيث فضيض" أي: متفرق، وفضضت جموع القوم: إذا فرقتها وكسرتها،

ص: 290

وكل شيء تفرق من شيء فهو فضاضة، ولذلك قال النابغة:

تَطِيرُ فُضَاضاً بينها كُلُّ قَوْنَسٍ

وَتتْبَعُها مِنْهُم فَرَاشُ الحَواجِبِ

قال أبو جعفر: يقال: فض الله فاه، وفض فوه وقال ابن القطاع: يقال: فض الله فاه، وأفضه.

وقوله: "ولا يفضض الله فاك".

قال أبو جعفر: أي لا يكسر الله أسنانك اللائي في فيك، ثم حذفها لعلم المخاطب كما يقال:"يا خيل الله اركبي، وأبشري بالجنة" يريد يا ركاب خيل الله، عن المطرز.

قال صاحب الواعي: والفم يقوم مقام الأسنان، ولذلك تقول: سقط فم فلان، أي: سقطت أسنانه، قاله هو، وغيره.

ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم للنابغة الجعدي لما مدحه بقصيدته الرائية:

ص: 291

ولا خَيرَ في حِلْمٍ إذا لمَ تَكُنْ لَهُ

بَوَادِرُ تَحمْي صَفْوَهُ أَنْ يُكدَّرا

: "لا يفضض الله فاك" أي: لا يسقط أسنانك، وأقام الفم مقام الأسنان.

قال أبو جعفر: يقال: إنه عمر حتى أدرك ابن الزبير، وله أكثر من مائة سنة ولم تسقط له سن، لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد قيل: إنما قال ذلك لعمه العباس لما قال فيه أبياتاً مدحه بها.

قال ابن درستويه: وإنما ذكره ثعلب لأن العامة تقول: لا يفضض الله فاك، بضم الياء، وهو خطأ. وكذلك قال صاحب الواعي.

قال أبو جعفر: وحكى المطرز في شرحه عن ابن الأعرابي أنه يقال في الدعاء: لا يفضض الله فاك من (فعل وأفعل)، ولا يفض الله فاك من الإفضاء.

ص: 292

/ قال: فمن قال فض وأفض: أراد الكسر.

وحكى أيضا لا يفض الله فاك ابن خالويه، وقال في معناه، أي: لا جعل الله فاك لا سن فيه.

قال أبو جعفر: وقال الفراء في كتابه البهي: وبعض العرب يقول: لا يفض الله فاك، من أفضيت. قال: والفض أن تكسر أسنانه، والإفضاء: أن تسقط ثناياه من تحت ومن فوق، قال: وفض الله فاه، وفضض.

وقوله::وقد ودَج دابته يَدِجُها"

قال أبو جعفر: أي فصد عرقاً في عنقها. قال القزاز: والودج عرق في العنق، وهما ودجان يقال لهما: الوريدان. قال: وقيل: الودج عرق متصل من الرأس إلى السحر، والجمع الأوداج.

قال القزاز: فإذا فصد هناك قيل: ودج توديجاً. قال: ويقال: ودجت الدابة، وفصدت الناقه، وفزدت، بالزاي أيضاً، وحكى:"ما حرم من فزد له" أي: من فصد له ذراع البعير.

ص: 293

قال أبو جعفر: قال ابن درستويه: وإنما ذكره ثعلب لأن العامة تقول: ودج دابته، بالتشديد، إلا أن يراد به مرة بعد أخرى، فشدد للتكثير.

قال أبو جعفر: قد حكى ابن سيدة في المخصص ودج بالتشديد مثل ودج المخففة. وحكى في المصدر: ودجاً، ووداجاً.

وقوله: "يدجها".

كان أصله يودجها، فخرج على قياس وعد يعد، ووزن يزن، بحذف الواو استثقالًا لها بين ياء وكسرة.

/ [وقوله: "دج دابتك".

قال الشيخ أبو جعفر: هو أمر من ودج، وكذلك تد هو أمر من وتد،

ص: 294

والأصل فيهما اودج واوتد، فحذفت الواو فيهما لوقوعها بين كسرتين، بين كسرة الهمزة وكسرة الحرف الذي بعد الواو، فلما حذفت الواو سقطت همزة الوصل؛ لأنها إنما اجتلبت من أجل الواو الساكنة].

وقوله: "ووتد وتده".

قال أبو جعفر: إذا ضربه في الأرض.

قال ابن درستويه: الوتد معروف، وهو عود مثل سكة الحديد، يوتد في الحائط وغيره للثياب.

قال أبو جعفر: ويقال فيه: وتد ووتد، بالكسر والفتح، حكاها يعقوب في الإصلاح عن أبي عبيدة، قال: وأهل نجد يقولون: ود. وحكى أيضاً هذه اللغات يونس في نوادره، والكراع في المجرد.

قال صاحب الواعي: ووتد، ثم تدغم التاء في الدال فيصير وداً.

قال أبو جعفر/: فإذا جمعته، أو صغرته رجع إلى أصله، فقلت: أوتاد، ووتيد، لانفكاك الإدغام.

وحكى ابن عديس في كتاب الصواب، ونقلته من خطه أنه يقال: وتد مثل: إبل، ونسبه لابن خالويه، وقال عن القزاز وهو الوتيد أيضاً.

ص: 295

قال ابن درستويه: وإنما ذكره ثعلب لأن العامة تقول: قد أوتد، بالأف وتفتح التاء من الوتد، وهو خطأ.

قال أبو جعفر: ليس بخطأ، حكى يونس في نوادره، ويعقوب في فعل وأفعل، وأبو إسحاق الزجاج، وأبو علي البغدادي في فعلت وأفعلت، وأبو عبيدة عن يونس في فعلت وأفعلت، وابن القوطية، وابن القطاع أنه يقال: أوتدت الوتد، بالألف.

وقد حكينا قبل الفتح في الوتد، فلا يكون ما تقوله العامة خطأ.

وكان الأستاذ أبو علي يحكي لنا وتد بالتشديد. وحكى الجوهري وتد [الرجل] بالتشديد: أنعظ.

وقوله: "وقد جهد دابته: إذا حمل عليها في السير فوق طاقتها".

قال أبو جعفر: قال القزاز يقال: بلغ الرجل جهده، ومجهوده: إذا بلغ أقصى قوته.

ص: 296

قال أبو جعفر: وبالوجهين قرئ قوله تبارك وتعالى: {والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلَاّ جُهْدَهُم} و"جهدهم"

قال ابن خالويه: وقد فرق [بينهما] فقيل: الجهد بالضم: الطاقة، والجهد بالفتح: المشقة.

قال ابن درستويه: وإنما ذكره ثعلب لأن العامة تقول: أجهد دابته، بالألف، وهو خطأ.

قال أبو جعفر: ليس بخطأ، حكى أبو زيد في فعلت وأفعلت، وقطرب، وأبو عبيدة في فعل وأفعل قال: والكلام الجيد بغير ألف، ومكي، وابن القطاع في أفعاله، وابن جني في شرح شعر المتنبي أنه يقال: أجهد دابته بالألف.

قال القزاز ويقال: جهدت في الأمر، وأجهدت: إذا بلغت فيه المجهود.

ص: 297

وقوله: "وفرَضت له أفرِض"

قال أبو جعفر: معناه / أن تجعل رزقا لمن لا ديوان له، وسمي فرضاً لأنه قد صار لازماً كالفرض الذي في القوس: وهو الحز الذي يدخل فيه الوتر، وكذلك فرائض الله سبحانه لما كانت لوازم سميت بذلك، قاله غير واحد. [قال المرزوقي عن الأصمعي: الفرض ما تهبه لغير جزاء، قال وقال غيره: الفرض ما تهبه لتكافأ عليه].

وحكى ابن خالويه بإسناد له عن ابن الأعرابي قال: جاء رجل إلى معاوية رحمه الله فقال افرض لي، ففرض له، فقال: افرض لابني، قال: لا أفعل، قال: فافرض لعشيرتي، فقال معاوية:

طَلَبَ الأبلقَ العَقُوقَ فَلَّما

لم يَجِدهُ أرَادَ بيضَ الأَنُوقِ

قال: وإنما ذكره لأن العامة تقول: أفرضت، بالألف، وهو خطأ.

ص: 298

قال أبو جعفر: قد حكى ابن القطاع، وقطرب في فعلت وأفعلت: أفرضت بالألف. وقال أبو زيد في كتابه حيلة ومحالة يقال: أفرضت للرجل إفراضاً، والفرض: الهبة والعطية.

وقوله: "وصِدت الصيدَ أصِيده".

قال أبو جعفر: معناه معروف، أي أخذت الصيد. قال ابن هشام ونقلته من خطه: الصيد كل ما كان من الحيوان ممتنعاً، وكان أكله حلالًا، ولا مالك له.

وقال ابن الأعرابي في نوادره: جميع الوحش يقال له: الصيد.

وقال ابن خالويه في كتابه ليس: ليس في كلام العرب الصيد من غير الحيوان إلا في ثلاثة [أشياء]: صدت ماء، وصدت بيضة، وصدت كمأة.

وقال الزمخشري: ويستعمل الصيد فيما ليس بمملوك، فأما إذا ملكته مرة ثم أصبته أخرى لا تقول: صدته.

قال أبو جعفر: ويقال: صدتك الصيد، وصدت لك، عن أبي زيد في نوادره.

قال ابن درستويه: وإنما ذكره ثعلب لأن العامة تقول: أصدت، بالألف، وهو خطأ.

قال أبو جعفر: أما أصدت بالألف فلا أذكره الآن، ولكن يقال: اصطدته، وتصيدته، حكى ذلك ابن طلحة في شرحه. وقال ابن القطاع في أفعاله يقال: صاد الصيد يصيده/ ويصاده.

ص: 299