المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب «فعلت وأفعلت باختلاف المعنى» - تحفة المجد الصريح في شرح كتاب الفصيح

[اللبلي]

الفصل: ‌باب «فعلت وأفعلت باختلاف المعنى»

‌باب «فَعَلْتُ وأَفْعَلْتُ باختلاف المعنى»

مقصوده بهذا الباب الفصل بين فعل وأفعل، لأنهما قد يختلفان وقد يجيئان بمعنى واحد، فموضوع هذا الباب للفصل بينهما.

قوله: «شرقت الشمس: إذا طلعت»

قال الشيخ أبو جعفر رضي الله عنه: قد فسره ثعلب، فهي تشرق شروقًا، [ومشرقًا]، ومشرقًا، بالفتح [والكسر] عن اليزيدي في نوادره.

ويقال أيضًا: أشرقت بالألف: إذا طلعت، عن صاحب كتاب العالم، وعن ابن سيدة في المحكم.

وحكاه أيضًا ابن القطاع في أفعاله، ونسبه للأصمعي فقال عنه: يقال: شرقت الشمس، وأشرقت: طلعت.

ص: 415

وحكى أيضًا شرقت الشمس وأشرقت: إذا طلعت، ابن خالويه في كتابه ليس، وقطرب في كتاب الأزمنة، وأبو عبيدة في فعل وأفعل.

قال الشيخ أبو جعفر: ويقال: شرقت الشمس، وذرت، /وطلعت، وبزغت، وذر قرن الشمس، كله بمعنى واحد، عن ابن خالويه، وغيره.

قال الشيخ أبو جعفر: وفي حديث أنس: "أتينا خبير حين بزقت الشمس".

قال الهروي: هكذا الرواية، يقال: بزقت الشمس وبزغت.

قال صاحب كتاب العالم: وشودت، قال: ويقال للشمس أول ما تطلع: بسرة، وأنشد:

*فَعَالَيْتٌ قبلَ الضَّوء والشَّمسُ بُسْرَةٌ*

قال: والبسر من كل شيء الغض، قال: فمن هذا قيل الشمس: بسرة.

ص: 416

قال الشيخ أبو جعفر: فإذا زالت الشمس قيل: دلكت، ودحضت، وزاغت، وزالت، وعدلت، وضجعت، والشمس صغواء، عن صاحب كتاب العالم. قال: فإن أذنت للمغيب قيل: شرقت بكسر الراء، ودنقت.

قال الحامض في نوادره: دنفت الشمس، وأدنقت، بالفاء، ودنقت بالقاف، ورنقت بالراء والقاف، وأشفت، وشفت، بالفاء، وصفرت.

قال صاحب كتاب العالم: وضيقت، وتضيفت، وضافت، وضرعت، وزبت وأزبت، ورسبت، وقسبت، ودلكت، وطفلت، وتطفلت، وتطرقت، وكربت، وضجعت، قال: وقد تقدم ضجعت: زالت. قال: فإذا غربت الشمس قيل: غابت، ووجبت، وسقط القرص، والعرج، قال: والعرج: غيبوبة الشمس، وأنشد:

ص: 417

*حتى إذا ما الشَّمس هَمَّتْ بِعَرَج*

وآبت، وبادت، وغارت، وغربت، وغربت بالتشديد، ووقبت، وقنبت، قال: والقنوب مثل [الوقوب].

قال: ويقال: هي المشس، وذكاء على زنة فعال غير مصروفة، والجونة، والجارية، والغزالة، والإلاهة.

قال الشيخ أبو جعفر: قال ابن سيدة في المحكم: /الإلاهة، والألاهة، قال: والضم في أوله عن ابن الأعرابي.

قال صاحب كتاب العالم: [هي] الشمس، وإلاهة على وزن فعالة، وألاهة على مثال: فعالة، والأليهة، والضح، والضحاء، والسراج، والبيضاء، وبوح، وبراح على وزن قطام، وبراح بالرفع،

ص: 418

ومهاة، والشرق، والشرقة، بتسكين الراء فيهما، والشرق بفتح الراء، والشارق، والشريق، وحناذ، والعين.

قال الشيخ أبو جعفر: كل ما حكيناه عن صاحب كتاب العالم [حكاه] جميعه ابن سيدة في المخصص: والزبرقان، وقال الفارسي: ويوح بنقطتين من أسفل.

قال الشيخ أبو جعفر: قال أبو حاتم في كتابه التذكير والتأنيث: الشمس مؤنثة، وكذلك كل اسم للشمس.

وقال صاحب كتاب العالم، وابن سيدة ويقال: طلعت الغزالة، ولا يقال: غابت. وقالا هما والكراع في المجرد يقال: طلعت الشرق - والشرق الشمس، وقد تقدم - ولا يقال: غربت الشرق، لأن هذا اسم إنما يقع عليها عند الطلوع.

قال صاحب كتاب العالم، وابن سيدة ويقال: اقعد في الشرق،

ص: 419

والشرقة، [والمشرقية] والمشرقة، المشرقة.

وقال القزاز: الشرق: الشمس - وقد تقدم - يقال: اقعد في الشرق، أي: اقعد في الشمس، والشرق الضوء، والشرق خلاف الغرب.

وقال ابن سيدة في المحكم: وقيل: الشرق والشرق والشرقة والشرقة، والشارق والشريق: الشمس حين تشرق، والشرق [والشرقة والشرقة]: موقع الشمس/ في الشتاء، فأما في الصيف فلا شرقة لها.

قوله: «وأشرقت: إذا أضاءت» .

قال الشيخ أبو جعفر: قد فسره أيضًا، قال الزمخشري في شرحه: يقال: أشرقت الشمس، وأشرق الله الشمس، اللازم والمتعدي بلفظ واحد.

قال: وقال قوم: شرقت الشمس وأشرقت بمعنى واحد كقولهم: ضاء وأضاء، ونار وأنار، وفي ضده دجا وأدجى [وغسى وأغسى].

قال الشيخ أبو جعفر وحكى أيضًا ابن سيدة في المحكم: شرقت وأشرقت: إذا أضاءت.

ص: 420

وقال كراع في المجرد: [أشرق] لونه، أي: صفا. وقال القزاز: وكل منير مشرق، وقد أشرقت الأرض: إذا أضاءت بنور يسطع فيها، وأشرق وجه الرجل: إذا تلالأ حسنًا وجمالاً.

وقوله: «ومشيت حتى أعييت، وأنا معي

وعييت بالأمر: إذا لم تعرف جهته وأنا

به عيي»

قال الشيخ أبو جعفر: معنى مشيت حتى أعييت أي: كللت وتعبت وأنا معي، قال ابن التياني عن أبي حاتم: ولا يقال عيان، ونحن معيون، ويعير معي، وإبل معايا، قال: وإبل معي وناقة معي سواء، وإبل معاي مكسورة، قال وأبو زيد وغيره: معايا.

وقال سيبويه: وسألته عن قولهم معايا؟ فقال: الوجه معاي، وهو المطرد، وكذلك قول يونس، وغنما قالوا: معايا كما قالوا: مدارى، وصحارى، كانت مع الياء أثقل إذ كانت تستثقل وحدها.

ص: 421

قال الشيخ أبو جعفر: ومعنى عييت بالأمر: إذا عجزت عنه ولم تطق إحكامه/، عن ابن سيدة في المحكم.

قال الشيخ [أبو جعفر]: وقال أيضًا ابن التَّيًّانيِّ عن الأصمعي: يقال: عيي فلان بالأمر: عجز عنه، بياءين ولا يقال: أعيا بالأمر.

قال ابن التياني: ومن العرب من يقول: عي فلان بالأمر، بالإدغام. كما يقرأ:{وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}

قال الجعدي:

سألتني جارتي عن أُمَّةٍ

وإذا ما عَيَّ ذو اللُّبِّ سألْ

وكما قال:

عَيُّوا بِأَمْرِهِمُ كَمّا

عَيَّتْ بِبَيْضَتِها الحَمَامَةْ

ص: 422

قال الشيخ أبو جعفر: قال ابن سيدة: يقال: عي بالأمر عيا، وعيي، وتعاليا، واستعيا هذه عن الزجاجي، وهو عي، وعيي، وعيان.

قال الزمخشري: فهو عيي على فعيل، وعي على فعل، وعي على فعل، كما تقول: عفيف وعف، وخفيف [وخف].

قال سيبويه: وجمع العي: أعيياء، وأعياء، التصحيح من جهة أنه ليس على وزن الفعل، والإعلال لاستثقال اجتماع الياءين.

قال الشيخ أبو جعفر: قال ابن خالويه: العي في اللفظ، والإعياء في المشي.

قال اليزيدي في نوارده: عييت بالأمر فأنا أعيا به عيًا شديدًا، وعياية.

وقوله: «وحبست الرجل عن حاجته، وفي الحبس، فهو محبوس» .

قال الشيخ أبو جعفر: أي: منعته من التصرف، عن غير واحد.

ص: 423

والموضع الذي يحبس فيه: محبس قال الزمخشري: ولا يقال حبس، استغنوا بلفظ السجن عنه، استغنوا بلفظ السجن عنه، فالمحبس: مكان المحبس: مكان الحبس، والنحبس: المقرمة.

وقوله: «وأحبست فرسًا/ في سبيل الله

عز وجل، فهو محبس وحبيس»

قال الشيخ أبو جعفر: أي: جعلته حبسًا للغزو.

وحكى أبو عبيد في المصنف عن الأصمعي أنه يقال: حبست الفرس في سبيل الله، بغير ألف، وحكاها أيضًا ابن سيدة في المحكم، وابن القطاع في أفعاله، ويعقوب في فعلت وأفعلت، والفراء في فعلت وأفعلت، والزجاج في فعلت وأفعلت أيضًا. وقال ابن طريف، والخطابي: المعروف الفصيح احبسته، بالألف.

قال الشيخ أبو جعفر: وقال القزاز: وحبيس هو أحد ما جاء على فعيل من أفعل وأفعلته فهو مفعل، وفعيل قليل منها هذا، ومنها: أعقدت العسل

ص: 424

فهو معقد وعقيد وأيتم الله الغلام فهو موتم ويتيم، وأترصت الباب فهو مترص وتريص، وأعتقت الغلام فهو معتق وعتيق، وأبهمت الأمر فهو مبهم وبهيم، وأحزن الشيء فهو محزن وحزين.

قال ابن هشام ونقلته من خطه: أما [محبس] فهو اسم المفعول من أفعلت أن يأتي على مفعل نحو: أكرمت فهو مكرم، وأحبست فهو محبس. قال: فأما حبيس فإنما هو منقول من مفعول، وهو محبوس كما تقول: قتيل، والأصل مقتول، ورحيم، والأصل مرحوم، وإنما كان كذلك لأن الهمزة زائدة وأصله [الثلاثي]، وربما ردوا أسم الفاعل والمفعول إلى [الثلاثي] كما قالوا: أجنة الله فهو مجنون، ولم يقولوا: مجن، وأحمه الله [فهو محموم] ولم يقولوا: محم، وأيفع الغلام فهو يافع، ولم يقولوا: موفع، لأنهم قدروا الأصل/ ثلاثيًا، ومن شأنهم أن يردوا الرباعي وليس يعكسون الأمر.

ويحتمل أن يكون حبيس من قولهم حبست فرسًا في سبيل الله، ولا يكون من أحبست، فأتى بمحبس من أحبست، وأتى بحبيس من حبسته وإن كانت إحدى اللغتين أفصح من الأخرى، ويكون أيضًا مجنون من جن، ومحموم من حم، لأنهم يقولون فيها وفي نظائرها فعل بغير ألف.

ص: 425

قال الشيخ أبو جعفر: قال القزاز: والمحبس الموضع الذي يحبس فيه، قال: وربما سموا المعلف محبسًا ومحبسًا، قال: وفي لسان فلان [خبسة] أي: ثقل.

ويقال: احتبست فرسًا: إذا حبسته لنفسك، عن الزمخشري قال: والافتعال كثيرًا ما يجيء بمعنى الاختصاص [كالاشتواء، والاقتدار، والاطباخ].

وقوله: «أذنت للرجل في الشيء يفعله، فهو مأذون له فيه» .

قال الشيخ أبو جعفر: معناه أبحث له فعله، عن مكي.

وقال ابن درستويه: ليس معناه أمرته كما زعم بعض أهل اللغة،

ص: 426

لأن الإذن إنما يكون في كل ما كان ممنوعًا ثم يطلق بعد ذلك، فإطلاقه المتوقع هو الإذن.

قال: وأما الأمر فقد يقع [بـ]ـما لم يكن محظورًا ولا محبوسًا على الإذن، ولا متوقعًا إطلاقه.

وقوله: «وأذنته بالصلاة وغيرها، فهو مؤذن بها» .

قال الشيخ أبو جعفر: معناه أعلمته، عن غير واحد.

قال ابن درستويه: والمصدر منه الإيذان، والأذان أيضًا، قال الله تبارك وتعالى:} وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ {أي: إعلام.

وقال/ ابن خالويه: ومنه سمي المؤذن مؤذنًا، لأنه يعلم الناس بالصلاة، ويقال: أذان وأذين بمعنى واحد. قال: واشتقاقه من الأذن، كأنه قال: أليقيت الخبز في أذنك.

وقوله: «وأهديت الهدية إهداء، وأهديت إلى البيت الحرام هديًا، وهديًا» .

قال القزاز: والهدية أيضًا مصدر كما تقول: أعطيت العطية إعطاء، وعطية، وأنا مهد، والعطية مهداة، وفي الحديث: "إنما أنا

ص: 427

رحمة مهداة".

قال الشيخ أبو جعفر: وقال اللحياني في نوادره: رجل مهداء ممدود: [يكثر] الهدايا، والمهدي بالقصر: الطبق الذي يهدي عليه.

قال الشيخ أبو جعفر: وقال اليزيدي في نوادره: أهديت الهدية إهداء، والهدية اسم الذي يهدي.

قال الشيخ أبو جعفر رضي الله عنه: معنى أهديت: أرسلت، والهداية: ما أتحفت به.

وقال اللحياني في نوادره أيضًا: هو هدي لبيت الله، أهل الحجاز يخففونه، وتميم يثقلونه.

قال الشيخ أبو جعفر: وحكى هذا أيضًا اليزيدي في نوادره، وأنشد:

حلفتُ بربَّ مكَّةَ والمصلَّى

وأعناقِ الهَدِيِّ مُقَلَّدَاتِ

قال: وواحد الهدي هدية، تقول: ناقة هدية، وقد قرئ بالوجهين

ص: 428

جميعًا:} حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ {" الْهَدْيُ مَحِلَّهُ"

قال الشيخ أبو جعفر: قال اليزيدي: واحدها هدي مخفف ....

فقيل: يكون الهدي حيوانًا وغير [حيوان].

/ وقال ابن درستويه - وهو قول الأكثرين-: الهدي والهدي إسمان لما أهدي إلى البيت من الإبل والغنم، وغيرها، كما قالت عائشة رضي الله عنها:"كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم".

قال: وإنما تقلد الأنعام والحيوان، ولا يقلد المصدر، فوضعت هذه الأسماء موضع المصادر. قال: فتوهم ثعلب أنها مصادر على الحقيقة.

قال الشيخ أبو جعفر: وكذا قال ابن هشام في شرحه، ورأيته بخطه، وكذا قال ابن طلحة في شرحه أيضًا.

ص: 429

[والذي] أوقعهم في هذا الوهم أنهم رأوا الهدي والهدي قد [جاءا] مع الفعل الذي هو أهديت، فاعتقدوا أنهما مصدران لمجيئهما مع الفعل الذي هو أهديت، وليس كذلك، بل هما مفعولان لا مصدران، كما أن العروس - في قوله «أهديت العروس» - مفعول بأهديت، كذلك الهدي والهدي مفعولان بأهديت، لأنهما اسمان لما يهدى [وليسا] بمصدرين.

وقال الفراء في كتابه البهي - وهو الذي أخذ منه ثعلب - تقول: أهديت إلى البيت هديًا وهديًا، وإذا أردت المصدر قلت: إهداء.

قال الشيخ أبو جعفر: وحكى اللحياني في نوادره: أهديت الهدي إلى البيت الله إهداء، وفي الحديث في ذكر الجدب:"هلك الهدي ومات الودي".

قال الهروي: أي هلكت الإبل، ويبست النخل.

قال الشيخ أبو جعفر: ويقال: أهديت إليه هدية، /وهديت إليه هدية، عن أبي حاتم في تقديم المفسد، وعن الزجاج.

ص: 430

ويقال في جمع الهدية: هدايا، وهداوي، عن صاحب الواعي ومن خطه، وعن ابن خالويه في كتابه الأبنية.

قال الشيخ أبو جعفر: وذكر هذا الجمع أيضًا ابن سيدة في المحكم، وزاد وهداوي وهد [اوٍ] قال: والآخرية عن ثعلب، وقال عن [هداوي]: أنه نادر.

وف كتاب المصادر لأم البهلول: الهدايا بالفتح في لغة مضر، وسفلاها تقول: الهدايا بالضم.

وقوله: «وهديت العروس إلى زوجها هداء» . هدى

قال الشيخ أبو جعفر: إذا زففتها إليه أي: حملتها إليه ليلة بنائه بها.

ويقال أيضًا: أهديت العروس إلى زوجها، بالألف، عن اللحياني في نوادره، وابن القطاع في أفعاله، [وهي لغة طيىء].

قال المطرز في الياقوت وقال عن ابن الأعرابي: إن هديت بغير ألف أفصح.

ص: 431

وحكاها أيضًا ابن سيدة في المحكم، وزاد و [اهتداها]، قال: وهي عن أبي علي الفارسي، وأنشد:

*كَذّبْتُم وبيتِ اللَّه لا تَهْتَدوُنَها*

قال الشيخ أبو جعفر: وحكى كراع في المجرد، وابن سيدة في المحكم أنه يقال للعروس نفسها: الهدية، والهدي.

وقوله: «وهديت القوم الطريق هداية، وفي الدين هدى» .

قال الشيخ ابو جعفر: أي: عرفتهم إياه، عن الكراع، وعن ابن عديس ونقلته من خطه عن ابن سيدة [الهدي]: الإرشاد، والهدى ضد الضلال، أنثى، وقد حكى فيها التذكير،/ قال اللحياني: الهدى مذكر، قال: وقال الكسائي: بعض بني أسد يؤنثه، يقول: هذه هدى مستقيمة. وقد هداه هدى، وهديا، وهداية، وهدية.

قال الشيخ أبو جعفر: ويقال: هديته كذا، وهديته لكذا، وهديته

ص: 432

إلى كذا، عن صاحب الواعي قال: فمن الأول قوله تبارك وتعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} ومن الثاني تبارك وتعالى:} قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ {ومن الثالث قوله جل وعلا: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} أي: دلوهم.

قال الشيخ أبو جعفر: وحكى جميع ما حكاه صاحب الواعي ابن سيدة في المحكم .... قال اليزيدي.

قال الشيخ أبو جعفر: قال ابن سيدة: هداه للدين هدى، وقد تهدى إلى الشيء [واهتدى]، ورجل هدو على مثال: عدو، كأنه من الهداية.

وقوله: «وقد سفرت المرأة: إذا ألقت خمارها، والرجل عمامته [وهي] سافر» .

قال الشيخ أبو جعفر: معناه كشفت وجهها، والرجل أزال عمامته.

قال اليزيدي في نوادره: سفرت المرأة وجهها وعن وجهها وعن وجهها سوى، سهي سافر، قال: ومصدره السفور، والسفر بسكون الفاء. وأنشد في السفور بالضم.

ص: 433

وكنتُ إذا ما جِئتُ لَيْلَى تَبَرْقَعَتْ فقد رَابنَيِ منها الغَدَاةَ سُفُورهُا

وقوله: «وأسفر وجهها: إذا أضاء» .

قال الشيخ أبو جعفر: قد فسره ثعلب، وقال اليزيدي في نوادره: أسفر وجهه/: إذا حسن وأشرق، قال: ومنه قوله تبارك وتعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ} أي: مبيضة.

وقال عبد الحق: وهي المنيرة سرورًا.

قال عبد الحق، وابن سيدة: وفعلها سفر، وأسفر.

وقوله: «وكذلك أسفر الصبح: إذا تبين ضوؤه» .

قال الشيخ أبو جعفر: قد فسره أيضًا، ويقال: أسفر الصبح، وجشر، وابتسم، وانفجر عمود الصبح، وضحك، عن ابن خالويه. قال: إلا أن ضحك غير مستعملٍ.

قال الشيخ أبو جعفر: وحكى القزاز، وابن عديس في كتاب الصواب: سفر الصبح، بغير ألف. وحكاه أيضًا ابن القطاع في أفعاله فقال يقال: سفر الصبح، وأسفر، وأبى الأصعمي إلا أسفر.

ص: 434

وقال ابن درستويه: كل ذلك راجع إلى أصل واحد، هو السفر، يقال: سفرت البيت -: إذا كشفته أو كنسته - سفرًا، وسفرت الريح السحاب، وسفرت النار الظلمة.

قال الشيخ أبو جعفر: وفي الحديث: "لو أمرت بهذا البيت فسفر" أي: كنس.

ويقال: إن السفر سمي سفرًا لأنه يسفر عن أخلاق الناس، أي: يكشف عنها، ولهذا قال علي عليه السلام:"السفر ميزان القوم" أي: كل يعرف مقدراه فيه. قال الشاعر:

مِنَّ أَينَ أَلْقَى صَاحبَّا مثل عٌمَرْ يَزْدَادُ طِيبَا كُلَّما زَادَ السَّفّر

والسفير ما سفرته الريح من ورق الشجر أي: كنسته وجمعته.

قال صاحب الواعي: والسفر والسفارة: ما تكنسه من البيت فتلقيه، وهو بضم السين، قال: والمسفرة: المكنسة، ويقال لها: السفير/ أيضًا.

ص: 435

قال الشيخ أبو جعفر: وقال اللحياني في نوادره: ويقال للمكنسة: المقمة، والمخمة، والمسفرة، والمكسحة. وهي القمامة، والخمامة، والكساحة، والكناسة. قال: والمحوقة: المكنسة.

وقوله: «وخنست عن الرجل: إذا تأخرت عنه» .

قال الشيخ أبو جعفر: أخنس، وأخنس بالضم عن الأخفش ونسبها للفراء. قال: والخنوس هو التأخير على أي وجه كان.

قال الشيخ أبو جعفر: وفي الحديث: "الشيطان يوسوس للعبد، فإذا ذكر الله تعالى خنس".

قال الهروي: أي انقبض وتأخر، يقال: خنسته فخنس، أي: أخرته فتأخر، وأخنسته أيضًا.

قال الشيخ أبو جعفر: وفي الحديث أيضًا: "الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، وخنس إبهامه في الثالثة" أي: قبضها.

وقال القزاز: يقال: خنس الرجل عن القوم: إذا مضى في خفية. قال: وسمي الأخنس بن شريف الثقفي أخنس؛ لأنه خنس ببني

ص: 436

زهرة يوم بدر، وكان مطاعًا فيهم، فلم يشهدها منهم أحد، قال والعرب تقول: خنس: إذا رجع.

وقوله: «وأخنست عنه حقه: إذا سترته» .

قال الشيخ أبو جعفر: وخنست أيضًا، عن قطرب.

قال ابن درستويه: لا معنى لقوله «سترته» ولو كان فيه معنى سترته لقيل في كل مستور: أخنسته، وإنما معنى أخنسته: أخرته. قال فإنما هذا تفسير أخذ عن رواة تفسير القرآن في قوله تعالى جده: {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّس} أنها الكواكب/ المستترة التي لا تظهر، قال: وإنما قيل لها الخنس لقصورها.

ومنه قيل للبقرة خنساء، لقصور أنفها عن الارتفاع، والمرأة إذا كانت كذلك قيل لها أيضًا: خنساء، ولذلك قيل للكواكب: قد [خنست]، ومنه الآية الكريمة:{فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} .

قال الشيخ أبو جعفر: وكان الأستاذ أبو علي يقول: إنما فسره ثعلب بالمعنى، وذلك أن معنى قوله «إذا سترته» أي: اعتذرت له بأنه ليس عندي ما أعطيه، وأنا عندي ما أعطيه فاستر عنه ذلك الذي عندي لئلا

ص: 437

يطلبه لي، ويستحقه مني، ويكون ذلك منه [كناية] عن تأخير الحق عن صاحبه. ومثل هذا من الكناية بالشيء عما هو في معناه كثير في الاستعمال.

قال: ويكون ذلك من ثعلب تفسيرًا بمعنى اللفظ مجردًا من تفسير الاشتقاق، فأن تفسير [هـ] قد يكون على هذين الوجهين، أعني:

تفسير المعنى مجردًا من تفسير اللفظ، وهو تفسير الاشتقاق.

تفسير يجمع فيه بين تفسير المعنى وتفسير الاشتقاق، الذي هو تفسير اللفظ.

قال الشيخ أبو جعفر: وكتفسير ثعلب فسره يعقوب في كتابه فعلت وأفعلت، وقال عن الفراء قال [الكلابي]: قد أخنست عنك حقك، فهو مخنس: سترته عنك.

وكذا فسره ابن قتيبة في كتاب خلق الإنسان، وكذا فسره أبو عبد الله القزاز فقال: أخنست عن الرجل حقه: أذا سترته عنه.

وقوله: «وأقبست الرجل علمًا» . أقتبس

قال الشيخ أبو جعفر: معناه: أفدته إياه./ ومعنى قبسته نارًا،

ص: 438

أي: أخذتها في عود ودفعتها إليه، قاله ابن خالويه، وغيره. قال الكراع: وأقبستها.

وحكى أبو عبيد في المصنف عن الكسائي أنه قال: أقبسته علمًا، وقبسته، بألف وبغير ألف.

وقوله: «و [قبسته] نارًا» .

قال الشيخ أبو جعفر: إذا طلبت له نارًا، والقابس الطالب، ومصدره القبس بتسكين الباء، والنار تسمى القبس بفتحها، وهذا كالنقض والنقض ويقال أيضًا: أقبسته نارًا، بالألف، حكى أبو عبيد في المصنف عن الكسائي أنه يقال: قبسته نارًا، وأقبسته نارًا، بألف أيضًا وبغير ألف.

وحكى أبو عبيد أيضًا عن أبي زيد أنه قال: قبسته نارًا: إذا [جئته] بها، فإن كان طلبها له قال: أقبسته نارًا.

ص: 439

قال الشيخ أبو جعفر: قال كراع في المجرد: والقبس النار، والمقابس السراج.

وقوله: «وأوعيت المتاع في الوعاء» .

قال الشيخ أبو جعفر: معناه جعلته في الوعاء، وهو ظرف نحو الجراب والجوالق للثوب، وما أشبهه، قاله ابن خالويه.

قال الله تبارك وتعالى: {وَجَمَعَ فَأَوْعَى} .

وقال الشاعر:

الخيرُ يبقى وإن طال الزَّمان به

والشَّرُّ أَخْبَتُ ما أَوعَيْتُ في الزَّاد

قال ابن التياني عن أبي مسحل: وعى الحب: أمسك ماءه فلم يقطر منه شيء. وقال القزاز: الوعي أصله جمع الشيء، قال الله عز وجل:} وَجَمَعَ فَأَوْعَى {، ووعى العظم يعي: إذا اجتمع مع صاحبه فانجبر.

[وعت] المدة في الجرح، قال ابن التياني: إذا اجتمعت.

ص: 440

وقوله: «ووعيت العلم: إذا حفظته» .

قال الشيخ أبو جعفر: قال ابن التياني: الوعي حفظ القلب الشيء، وقد وعى يعى وعيا، ووعاية: إذا حفظ كلامًا أو حديثًا، أو قلبه بقلبه، قال الله تبارك وتعالى:} أُذُنٌ وَاعِيَةٌ {أي: حافظة، من وعيت.

قال الشيخ أبو جعفر: قال ابن دستوريه: هما جميعًا من الوعاء، ولكن وعيته خص به ما كان في السمع والقلب، ومعناه الفهم والحفظ والذكر.

وقال القزاز: و [الواعية]: النائحة، سميت بذلك لإظهارها ما اجتمع في جوفها من الحزن، ومنه قوله جل وعز:{وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ} .

قال القزاز: [أي ما] يجتمعون في صدورهم من التكذيب والإثم.

وقال الهروى: الوعي: الحافظ، الكيس، الفقيه، العالم.

ص: 441

قال الشيخ أبو جعفر: وفي الحديث: "سمعته أتناي، ووعاه قلبي": وفي خطبة قس بن ساعدة: "يأيها الناس استمعوا وعوا".

قال ابن التياني في مختصر الجمهرة: وعى العلم يعيه، وأوعاه: حفظه. وحكي أيضًا وعيت العلم، وأوعيت، ابن القطاع، وقطرب في فعلت وأفعلت.

وقوله: «وقد أضاق الرجل مثل: أعسر، فهو مضيق» .

قال الشيخ أبو جعفر: هو كما فسره أي: صار ماله ضيقا، كما قيل: أعسر أي: صار أمره عسرا، عن ابن درستوريه، والأعسر الفقير.

قال الشيخ أبو جعفر: وهذا قياس مستتب، واعتبار مطرد، يقولون: أجبل الرجل/: إذا صار إلى الجبل، وأسهل: إذا صار إلى السهل، وأبحر [صار إلى البحر، وأفضى]: صار إلى الفضاء.

وقوله: «وضاق الشيء فهو ضيق» . ضاق

قال الشيخ أبو جعفر: هو مثل صغر في المعنى، وذلك نحو: الخاتم

ص: 442

والثوب والمنزل والجراب إذا صغر فلم يسع الكثير مما يوعى [فيه] فهو ضيق، عن ابن درستويه أيضًا.

قال الشيخ أبو جعفر: يقال ضاق الشيء يضيق ضيقًا وضيقًا، فهو ضيق وضيق، [ولا يجوز فيه ضيق]، إنما يجوز ذلك في المصادر، فأما النعت فلا يجوز فيه إلا الضيق، والضيق. قال الزمخشري: وأما قول رؤية.

* وشفها الليل بمأزول ضيق*

فلا نحسبها لغة، فإنما قال كذلك لضرورة الشعر، والشاعر يجوز له في الشعر ما لا يجوز لغيره في الكلام، من تشديد المخفف، وتخفيف المشدد، وقصر الممدود، وغير ذلك.

وقوله: «وقد أقسط الرجل: إذا عدل فهو مقسط» .

ص: 443

قال الشيخ أبو جعفر: يعني [جاء] بالقسط، وهو العدل، قال الله تبارك وتعالى:} اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ {.

ويقال أيضًا: قسط: إذا عدل، بغير ألف، حكاه يعقوب في كتاب الأضداد [قال]: قسط: جار، وقسط: عدل، وأقسط بألف: عدل لا غير.

وحكي أيضًا أن قسط ضد ابن القطاع في أفعاله، وابن دريد في كتاب الأضداد، وابن الأنباري في كتاب الأضداد، قال: والجور أغلب على قسط.

قال الزمخشري: أقسطت إليهم، وأقسطت بينهم، بمعنى واحدٍ.

وقوله: «وقسط: إذا جار، فهو قاسط» .

قال الشيخ أبو جعفر:/ قد فسره أيضًا، ومنه [قوله] جل وعز:} وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا}.

قال الجوهري: قسط: إذا جاز، يقسط بالكسر في المستقبل

ص: 444

قسوطًا، وقسطًا. وحكى المصدرين أيضًا ابن القطاع.

وقوله: «وخفرت الرجل: إذا أجرته، خفرة وخفارة» .

قال الشيخ أبو جعفر: وكذا قال غيره، وحكي صاحب الواعي هذا، وقال: وخفرت الرجل: إذا أخذت منه جعلا لتجيره.

وقال الزمخشري عن اللحياني: خفرت فلانًا: إذا تعدته وتفقدته.

وقال صاحب الواعي أيضًا، وابن سيدة في المحكم: الخفارة، والخفارة، والخفارة، باللغات الثلاث: الاسم، خفرت الرجل: إذا أجرته.

قال ابن سيدة: والخفارة، والخفارة، والخفارة أيضًا: جعل الخفير.

قال الشيخ أبو جعفر: وقال كراع في المجرد: والخفير والخفرة: الذي يخفرك أي: يمنعك، والخفرة: المنع، وكذلك الخفارة والخفارة والخفارة، أربع لغات.

ص: 445

وقال اللحياني في نوادره: يقال: هو في حريمه، وحريمته، وخفارته، وخفارته، وحيزه.

وقوله: «وأخفرته: إذا نقضت عهده» .

قال الشيخ أبو جعفر: قال كراع في المجرد، وأبن القطاع في أفعاله: وأخفرته أيضًا: يعثت معه خفيرًا، قال ابن القطاع: أي [مجيرًا].

وقال القزاز: يقال خفر فلان بفلان، وأخفره: إذا غدر به.

قال الشيخ أبو جعفر: وفي حديث أبي بكر رضي الله/ عنه، وذكر المسلمين فقال:"فمن [ظلم] منهم أحدًا فقد أخفر الله" يريد: نقض عهده، وفي الحديث أيضًا:"من صلى الصبح فهو في خفرة الله" أي: في ذمامه وعهده، وفيه أيضًا "لا تخفروا الله في ذمته".

ص: 446

وقوله: «وخفرت المرأة: إذا استحيت، خفرًا وخفارة» .

قال الشيخ أبو جعفر: الخفر: شدة الحياء، قاله أبو عبيد في المصنف، يقال منه: امرأة خفرة، ومتخفرة. قال القزاز: والجمع خفرات.

قال الشيخ أبو جعفر: قال الزمخشري في شرحه: الخفر الذي هو الحياء يختص به النساء، [لا] يقال: خفر الرجل، [ولكن] خفرت المرأة.

قال الشيخ أبو جعفر: وإنما ذكر ثعلب خفرت المرأة في هذا الباب على معنى التتميم.

وقوله: «ونشدت الضالة» .

قال الشيخ أبو جعفر: أي [التليفة] من الإبل، ونحوها: إذا طلبتها، فقلت: من رأى كذا وكذا؟ وأنشدتها: إذا عرفتها، فقلت: من ضاع له كذا وكذا؟ عن التدميري.

ص: 447

قال الشيخ أبو جعفر: وحكى اللحياني في نوادره نشدت الضالة: إذا طلبتها، وأنشدتها بغير ألف: إذا عرفتها، قال ويقال: أنشدت الضالة أنشدها إنشادة: إذا عرفتها، قال وقال الأصمعي: في كل شيء رفعت به صوتك فقد أنشدت به ضالة كانت أو غيرها.

وقال الكراع في المجرد، وأبن القطاع: يقال: نشدت الضالة: طلبتها وعرفتها، ضد، وأنشدتها بالألف/: عرفتها لا غير. .

قال الشيخ أبو جعفر: وكذا قال أبو عبيد في المصنف، وأنشد بيت أبي دؤاد:

ويصيخ أحيانًا كما استمع

العضل لصوت ناشد

قال وقال الأصمعي: يقال في الناشد ها هنا: إنه المعرف، ويقال: بل الطالب، لأن المضل يشتهي أن يجد مضلاً مثله ليتعزى به.

ص: 448

قال صاحب الواعي: وبدل على أن الناشد هو الطالب قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فقال: "أيها الناشد! غيرك الواجد". معناه: لا وجدت، يريد الدعاء عليه. قال ومنه قال الشاعر:

أَنشِدُ الدِّار بِعطْفَي مَنْعِجِ

وخَزَازى نِشْدَةَ الباغي المُضِلَ

قال: فهذا يدلك على أن نشدت: طلبت، قال: ومعنى أنشد الدار: أقول أين ذهب أهلك؟. قال وقيل للطالب: ناشد؛ لرفعه صوته بالطلب، والنشيد رفع الصوت، ومنه إنشاد الشعر، إنما هو رفع الصوت به.

قال الشيخ أبو جعفر: وحكى اللحياني في نوادره نشدت الضالة نشدة، ونشدة، ونشدانا، أي: طلبتها.

وقوله: «وقد حضرني قوم، وشيء» .

قال الشيخ أبو جعفر: معنى حضر الشيء وحضرني، كمعنى شهد وشهدني، وهو ضد الغيبة، عن ابن درستويه. قال: ولذلك قيل للمشهد: الحضرة، والحاضرة.

وقال القزاز: الحضر خلاف البدو، والحاضرة/ خلاف البادية، وهؤلاء أهل الحاضرة، أي: أهل الحضر، وحضرة الرجل فناء داره.

ص: 449

وهي حضرته أيضًا. قال والعرب تقول: كلمته بحضرة فلان، وبعضهم يقول: بحضرته وحضرته، وبمحضره، وكلهم يقول: بحضره.

قال الشيخ أبو جعفر: ويقال: حضرني قوم، وحضرني بكسر الضاد، حكاه ابن خالويه عن أبي عمرو. وحكاه أيضًا القزاز عن أبي الحسن، وحكاه يعقوب عن الفراء، وحكاه أيضًا الجوهري.

قال الزمخشري عن الخليل: [لغة أهل المدينة] حضر بالكسر، فإذا انتهوا إلى المستقبل قالوا: يحضر، رجوعًا إلى الأصل، ومثله: فضل يفضل.

وقال عن الفراء: حضرت الصلاة وغيرها، وأنشد لجرير:

ما مَنْ جَفَانَا إذا [حاجاتُنا] حَضرِتَ كَمَنْ لنا عنده التَّكريمُ واللَّطَفٌ

ص: 450

قال المرزوقي: يقال: حضرني الشيء، وأحتضرني، حضورًا وحضرة وحضرًا.

قال الزمخشري: والحاضر المقيم بالحضر، والبادي المقيم بالبدو وقال أبو عبد الله القزاز: والحاضرة القوم الحضور، والحاضر أيضًا: القوم الحضور. والحضر والحاضره والحضرة والحضارة كله بمعنى. وفلان حسن الحضرة، والحضرة: إذا حضر بخيرٍ.

وقوله: «وأحضر الرجل والغلام: إذا عدوا» .

قال الشيخ أبو جعفر: عدا الغلام: أذا جرى، والحضر أشد عدو الفرس، عن ابن خالويه.

وقال ابن درستويه: فإذا نقلت حضر المتقدم الذكر في قولك: حضرني قوم وشيء/ أدخلت الألف في أوله، فقلت: أحضرني فلان كذا وكذا، أي: جعله حاضرًا، ولذلك قيل للرجل والغلام إذا عدوا، والفرس: قد أحضر، لأنه جعل العدو حاضرًا. قال: ولكن لما استعمل ذلك في العدو سمي بالحضر ليفرق بينه وبين الحضور الذي يعم كل حاضر، ولا يخص العدو.

قال الشيخ أبو جعفر: ويقال: استحضرت الفرس: إذا طلبت حضره، عن القزاز. قال: وفرس محضير، ولا يقولون: محضار،

ص: 451

وهو نادر، والجمع محاضير، وهم يقولون: أحضر الفرس إحضارًا وحضرًا، وهي ألفاظ يقال فيها: إفعال وفعل مثل: أعسر إعسارًا وعسرًا.

وقوله: «وكفأت الإناء: إذا كببته» .

قال الشيخ أبو جعفر: قال ابن درستويه: معنى كفأته كمعنى قلبته، وهو أن تميله عن الاستواء، كببته أو لم تكبه، قال: ولذلك قيل: أكفأت في الشعر لأنه قلب القوافي عن جهة استوائها، فلو كان مثل كببته كما زعم لما قيل في القوافي، لأنها لا تكب. قال فقيل: كفأت الإناء على مثال: قلبته، لأنه في معناه، و [نقل] بالألف إلى الشعر وما أشبهه، أي: جعلت فيه قلبًا.

قال الشيخ أبو جعفر: وكان الأستاذ أبو علي [يقال]: إن لم يكن دليل ابن درستويه -على أنه يقال: كفأت الإناء بمعنى كببته -إلا الاشتقاق [فليس] بشيء لأنه يمكن أن يكون اشتقاقه منه على وجه آخر، وهو الخلاف الذي بين حالة الكب/ وبين الحالة الأولى، كما كان الإكفاء خلافًا في حرف الروي في نفسه، أو في حركته، أو حركة ما قبله على ما سيأتي.

ص: 452

قال الشيخ أبو جعفر: والحق أن يقال: إن اللغويين قد فسروه بالمعيين: بمعنى كببته كما قاله ثعلب، وبمعنى قلبته كما قاله ابن درستويه.

فمن الأول ما حكاه صاحب الواعي عن الكسائي أنه يقال: كفأت الإناء: إذا كببته. وهذا هو الذي منع منه ابن دستوريه، وحكاية الكسائي حجة عليه، وناهيك بالكسائي، وبإمامته.

وحكاها أيضًا صاحب الواعي عن غير الكسائي.

ومن الثاني ما حكاه يعقوب في الإصلاح، وأبو حاتم في تقويم المفسد عن الأصمعي، والزجاج في فعلت وأفعلت، وأبو زيد في كتاب الهمز له، أنه يقال: كفأت الإنا كفئا -عن أبي زيد المصدر -: إذا قلبته.

فخرج بما ذكرناه أن أخذ ابن درستويه ليس بشيء.

قال ابن القطاع: كببت الشيء كبا: قلبته لوجهه فأكب هو وهو من النوادر.

ص: 453

قال الشيخ أبو جعفر: ويقال: كفأت الإناء، وأكفأته أيضًا بالألف، حكاه يعقوب في الإصلاح عن ابن الأعرابي، وابن القوطية.

وحكاه أيضًا أبو عبيد في المصنف، وأبو عبيد البكري في فصل المقال، وقالا: وكفأته بغير ألف أفصح.

وقوله: «وأكفأت في الشعر، وهو مثل الإقواء» .

قال الشيخ أبو جعفر: [اختلفوا في] الأكفاء في الشعر، فمنهم من قال: إذا قلت بيتًا مرفوعًا وآخر مخفوضًا، كقول الشاعر:

وهّلْ هِنْدُ إلَا مهرةٌ عربيَّةٌ

سَليِلةٌ أفراس تحلَّلَها بَغْلُ

فَإِنْ نَتَجَتْ مُهْرًا كَرَيمًا فَبِالحَرَى

وإِنْ يَكُ إِقرافٌ فَمِنْ قِبَلِ الفَحَلِ

ص: 454

قاله/ أبو عبيد البكري في فصل المقال. وقال: لا يقال أكفأت في الشعر [إلا] بالألف.

وقال الزمخشري: وقال أبو عبيدة: الإكفاء في الشعر نقصان حرف من الفاصلة نحو قول الشاعر:

أَفَبَعْدَ مقتلِ مَالِك بن زهيرٍ

ترجُو النُّساءُ عَوَاقِبَ الأطْهارِ

وقال عن المبرد: الإكفاء اختلاف الحرف الذي قبل الروي، كقول عمرو بن كلثوم:

علينا كلُّ سَابِغَةٍ دِلَاصٍ

تَرَى فَوقَ النٌجادِ لها غُضُوْنا

ص: 455

ثم قال في البيت الثَّاني:

كأنَّ مُتُونَهُنَّ مُتُونُ غُدْرٍ

تُصَفِّقُها الريٌاحٌ إذا جَرَيْنا

وقال يعقوب، وأبو علي القالي، والزجاج في فعلت وأفعلت، وأبو زيد في كتاب الهمز: أكفأت في الشعر: إذا خالفت بين قوافيه. قال كراع: وهو أن تأتي قافية على النون، وأخرى على الميم، وكذلك الدال والطاء، والعين [والغين] وما أشبه ذلك.

قال الشيخ أبو جعفر: وكذا قال صاحب الواعي، وابن القطاع عن أبي زيد.

قال عبد الحق: وتكون من الحروف التي تشبه بعضها بعضًا، مثل قول الشاعر:

بُنَيَّ إنَّ البِرَّ شيُ هَيِّنْ

ثم قال: المَنْطِقُ اللَّيِّنُ والطُّعَيِّمْ

قال: فجعل إحدى القافيتين نونًا، والأخرى [ميمًا].

ص: 456

قال: وقال الآخر:

/ واللَّهِ مَا آسَى عَلَىَ الجِيْرَانِ

ثم قال: إِلَاّ عَلىَ الإخوانِ والأَعْمَامٍ

ومن غيره قول الآخر:

جَارِيَةٌ مِنْ ضَبَّة بن أُدِّ

كَأنَّ تحت دِرْعِها المُنْعَطَّ

شَطًّا رَمَيْتَ خلفه بِشَطِّ

وقال الآخر:

إذا نَزَلْتُ فاجْعَلاني وَسَطَا

إنِّيَ شيخٌ لا أٌطِيقُ العَنَدَا

يريد العَنَتَ.

ص: 457

قال الشيخ أبو جعفر: وأنشد ابن الأعرابي في كتاب المعاقبات عن الفراء:

إِنّي إذا حَمِيَ الوطيسّ

وجَعَلَتْ نِبَالُهمُ تطيشْ.

فعاقب في القافية بين السين والشين، عن غير تاخ في المخرج ولا تقارب إلا لاندغام اللام فيهما.

قال الشيخ أبو جعفر: وأما الإقواء فقال صاحب الواعي أيضًا، وابن طريف قيل:[الأكفاء] والإقواء واحد.

قال صاحب الواعي: وهو قلب القافية من الجر إلى الرفع، وما أشبه ذلك، مأخوذ من أكفأت الإناء: إذا قلبته، وكفأت القوم: إذا أرادوا وجهًا فصرفتهم عنه، قال الشاعر:

أَفِدَ التَّرّحُّلُ غير أنَّ رِكَابَنَا

لَمَّا تَزَلْ بِرِحَالنِا وكَأَنْ قَدِ

ثم قال:

زَغَمَ الغُدّافُ بأَنَّ رَحْلتَنَا غَدًا

ويذاك خَبَّر [نا] الغُدَافُ الأسودُ

ص: 458

فخفض في الأول، ورفع في الثاني، وقد تقدم ذلك.

وقال كراع/ في المجرد: الإقواء هو اختلاف إعراب قوافيه، فعم ولم يخص بحركة، كما قال غيره: إن الإقواء بين مرفوع ومخفوض فقط، ولا يكون بين منصوب ومرفوع في الأكثر، نحو قول امرئ القيس:

*إني امرؤ صَرْعِي عَليكِ حَرَامُ*

والبيت من القصيدة التي أولها:

لمن الدَّار غشيتها بِسُحَام

فَعَمَايَتَينِ فَهَضْبِ ذي أقدامِ

والقوافي مخفوضة.

قال الشيخ أبو جعفر: وقد جاء الإقواء بين المرفوع والمنصوب، أنشد الفارسي:

لا تنكحنً عجوزًا أو مُطَلَّقةً

ولا يَسُوقنَّها في حَبْلِكَ القَدَرُ

وإنْ أتوك فقالوا إنَّها نَصَفٌ

فإنَّ أطيبَ نِصْفَيها الَّذي غَبَرا

ص: 459

فهذا إقواء بين المرفوع والمنصوب.

قال الشيخ أبو جعفر: وقال كراع في المجرد: الإجارة في الشعر أن تكون القافية طاء والأخرى دالاً، يقال [لها أيضًا]: الأكفاء في قول الخليل.

وقال ابن القطاع: الإجارة هي الخالف بين حركة القوافي، ونسبه لابن السكيت.

وقوله: «وحصرت الرجل في منزله: إذا حبسته» .

قال الشيخ أبو جعفر: هو كما فسره، غير أنه بقى في قوله «في منزله» شيء، وهو أنه لا يعني أن الحبس لا يكون إلا في منزله فقط، بل يكون في منزله وفي غيره من المواضع كالسجن، وأمثاله.

وقد تقدم لثعلب مثل هذا، في قوله في باب فعلت بفتح العين، وهو

ص: 460

قوله: / وقوله: «ويولغ: إذا أولغه صاحبه» . وليس لتخصيص صاحبه معنى، بل يولغه صاحبه وغيره، وكذلك هذا، يحبس الرجل في منزله وفي السجن، وفي غير ذلك من المواضع.

قال الشيخ ابو جعفر: ومنه قول الله تبارك وتعالى: {وَاحْصُرُوهُمْ} أي: احبسوهم وامنعوهم من التصرف.

ويقال للذي يحبس في السجن: قد حصر. والحصير: السجن، عن صاحب الواعي. قال الله تبارك وتعالى:{وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} أي: سجنًا، عنه وعن غيره. "وسمي الحصير حصيرًا لأنه يمنع الجالس عليه من أذى الأرض".

قال صاحب الواعي، وغيره: ويقال: من حصرك هنا؟ ومن أحصرك؟ أي: من حبسك عن التصرف؟.

وقال ابن التياني عن الزجاج: وقيل للذي لا يأتي النساء: حصور، لأنه حبس عما يكون من الرجال، كما يقال للذي لا يتيسر له اللفظ: قد حصر في منطقه. والحصور الذي يكتم السر: أي يحبس السر في نفسه.

ص: 461

قال الشيخ أبو جعفر: ويقال في مستقبل حصر: يحصر بكسر الصاد، ويحصر بالضم، عن القزاز. ويقال: حصرت، وأحصرت بالألف، حكاه أبو عبيد، وأنشد لابن ميادة:

ومَا هَجْرُ ليلى أَنَّ تكونَ تَبَاعَدَتْ

عليك ولا أنْ أَحْصَرتَكْ شُغُولُ

وحكى ذلك أيضًا الكراع في المجردَّ، والجوهري عن أبي عمرو الشيباني فقال عنه: حصرني الشيء، وأحصرني الشيء وأحصرني: حبسني.

وقوله: «وأحصره المرض: إذا منعه من السير» .

قال الشيخ أبو جعفر قد فسره، وزاد يعقوب في إصلاحه: أومن حاجة يريدها. / وهو راجع إلى معنى المنع كما تقدم في حصر، كما قال الله تبارك وتعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ {أي: منعتم من علة، أو عائق. قال صاحب الموعب: هكذا يقول أبو عبيدة، وقال عن الزجاج: الرواية عن أهل اللغة أنه يقال للرجل الذي يمنعه الخوف والمرض من التصرف:

ص: 462

قد أحصر فهو محصر، والذي حبس: قد حصر فهو محصور.

قال وقال [الفراء]. لو قيل في الذي يمنعه المرض والخوف: قد حضر، لأنه بمنزلة الذي قد حبس بمنزلة المرض والخوف، الذي منعه من التصرف. قال صاحب الموعب: والحق في هذا ما عليه أهل اللغة، لأن الرجل إذا امتنع من التصرف فقد حبس نفسه، فكأن المرض أحبسه، أي: جعله يحبس نفسه، وحصرت فلانا: حبسته، لا أنه حبس نفسه، ولا يجوز فيه أحصر.

قال ابن دريد: حصرت الرجل: حبسته، وأحصرته: منعته من التصرف، فكأن الحصر الضيق، والإحصار المنع.

وقوله: «وأدلجت: إذا سرت من أول الليل

وادلجت: إذا سرت من أخره».

قال الشيخ ابو جعفر: قال ابن سيدة: الدلجة بالفتح والإسكان: سير السحر، والدلجة: سير الليل كله.

والدلجة والدلجة، بالفتح والضم والإسكان، والدلج والدلجة، بالفتح

ص: 463

والتحريك فيهما: الساعة من آخر الليل.

وادلجوا: ساروا من آخره، [وأدلجوا: ساروا الليل] كله.

وقيل الدلج: الليل كله من أوله إلى آخره، حكاه ثعلب عن أبي سليمان العرابي/ وقال: أي ساعة سرت من [أول] الليل إلى آخره فقد أدلجت، على مثال أخرجت. وحكى الفارسي أدلجت وادلجت لغتان في المعينيين جميعًا. وإلى هذا ينبغي أن يذهب في قول الشماخ، والاسم الدليج.

قال الشيخ أبو جعفر: وغلط ابن درستويه ثعلبًا في تخصيصه ادلج بالتشديد بسير [آخر] الليل، وأدلج بالتخفيف بسير [أوله] / قال: وإنما هما جميعًا عندنا سير الليل في كل وقت، من أوله ووسطه وآخره، وهو إفعال وافتعال من الدلج، والدلج: سير الليل بمنزلة السرى، [والإدلاج]

ص: 464

مخفف] إفعال منه، وليس واحد من هذين المثالين بدليل على شيء من الأوقات، ولو كان المثال دليلاً على الوقت لكان قول القائل: الاستدلاج بوزن الاستفعال أيضًا دليلاً لوقت آخر، وكان الاندلاج على الانفعال لوقت آخر.

وهذا كله فاسد، ولكن الأمثلة عند جميعهم لاختلاف معاني الأفعال في أنفسها، لا لاختلاف أوقاتها.

قال: فأما وسط الليل ولآخره وأوله وسحره وقبل النوم وبعده فمما لا تدل عليها الأفعال، ولا مصادرها، ولذلك احتاج الأعشى إلى اشتراطه بعد المنام، وزهير إلى سحرة.

وهذا بمنزلة قولهم: الإبكار والابتكار والتبكير والبكور في أنه كله العمل بكرة، ولا يتغير الوقت بتغير هذه الأمثلة، وإن اختلف معانيها، قال: وقد وافق قول كثير من أهل اللغة في ذلك، واحتجوا على اختصاص الادلاج بسير آخر الليل بقول الأعشمي:

/ وادَّلاج بعد المنام و [تهجيـ

ـرٍ وقُفٍّ] وسبسب ورمال

وقول زهير:

بَكَرْنَ بُكُورًا وادَّلَجْنَ بِسُحْرَةٍ

فَهُنَّ لِوَادِ الرَّس كَالْيَدِ للفَمِ

ص: 465

قال: فلما قال الأعشي: "وادلاج بعد المنام" ظنوا أن الادلاج لا يكون غلا بعد المنام، ولما قال زهير:"وادلجن بسحرة" ظنوا أن الادلاج لا يكون إلا بسحرة، وهذا وهم وغلط، وإنما كل واحد من الشاعرين وصف كل ما فعله هو وخصه دون ما فعلهغيره، ولولا أنه يكون بسحرة وبغير سحرة لما احتاج إلى ذكر سحرةٍ، لأنه إذا كان الادلاج بسحرةٍ وبعد المنام فقد استغنى عن تقييده.

قال: ومما يوضح فساد تأويلهم أن العرب تسمي القنفذ مدلجًا، لأنه يدرج بالليل ويتردد فيه، لا لأنه لا يدرج إلا في أول الليل، أو في وسطه، أو في آخره، أو فيه كله، ولكنه يظهر بالليل في أي أوقاته احتاج إلى الدروج: لطلب علف أو ماء أو غير ذلك.

قال الشيخ أبو جعفر: هذا كلام ابن درستويه في رد كلام ثعلب ومن وافقه من اللغويين، وتتبعه على هذا الرد طوائف كثيرة من المتأخرين.

ومت قاله ابن درستويه: من أن [اللغويين] أخذوا الفرق بين الإذلاج والادلاج من البيتين المتقدمين، وأمثالهما، فالإنصاف في ذلك أن يقال: إن كان اللغويون أخذوا الفرق بينهما من البيتين كما ذكره فالحق ما قاله ابن درستويه، لأنه ليس فيهما دليل، وإن كان أخذوا الفرق بينهما سماعًا من العرب [لا من] البيتين/ فالحق مع من خالقه ابن درستويه، وهذا.

ص: 466

هو الظاهر، فإن كثيرًا من اللغويين يذكرون الفرق بينهما من غير استشهاد [عليهما] بالبيتين، ولا بأمثالهما.

وأما قوله: إن الأفعال تختلف لاختلاف المعاني إلى أخر كلامه، فهو كلام يدور على حرف، وهو أن الفعال هل دخلت لمعنى واحدٍ؟ وهو تخصيص الحدث بزمان فقط، أو دخلت لهذا ولغيره من المعاني؟

فزعم ابن درستويه [أنها] ما دخلت إلا لهذا المعنى فقط، وخالفه الأستاذ أبو علي وقال: إن الفعال تختلف أبنيتها لاختلاف المعاني على الجملة، فالمعاني التي تختلف لها الأبنية ليست بمقصورة على شيء من المعاني دون شيء، وإذا لم تكن مقصورة على شيء من المعاني دون شيء فما الذي يمنع أن تكون الدلالة إذ ذاك على أخر الوقت، أو أوله، أو الوقت كله؟

قال الشيخ أبو جعفر: وقال اللحياني في نوادره: سرينا سرية من الليل وسرية، وخرجنا ببلجة من الليل وبلجة، وبسدفة وسدفة، وشدفة وشدفة، وهو السدف والشدف، ودلجة من الليل ودلجة، وبعضهم يقول: الدلجة فيهما جميعًا، قال: ويقال خرجنا بعد بتك من الليل، ودلجة، [و] أفاويق من الليل، وبعد قطع وقطعة وقطيع، وخرجنا بغطاط من الليل، وغطاط: وهو السحر.

ص: 467

وقوله: «وأعقدت العسل وغيره، فهو معقد وعقيد» .

/ قال الشيخ أبو جعفر: معناه أن تطبخه حتى يخثر، قاله صاحب الواعي.

ويقال أيضًا: عقدت العسل، بغير ألف، كما تقوله العامة عن صاحب الواعي أيضًا، وعن كراع في المجرد.

وقوله: «معقد، وعقيد» .

قال الشيخ أبو جعفر: الكلام فيهما كالكلام في محبس وحبيس، وقد تقدم.

قال ابن سيدة في المحكم: وقد عقد العسل نفسه وانعقد.

وقال الجوهري: يقال: أعقدت العسل، وعقدته بالتشديد تعقيًدا.

قال الزمخشري: والعامة تقول: انعقد. قال: ولا يجيء انفعل من أفعلت، إلا النادر الذي لا يقاس عليه، وهو قولهم: أجلته فانجال، ويقال

ص: 468

أدخلته فاندخل، فهذا نادر، والمعروف قولهم: أغلقت الباب فانغلق، وأطلقته فانطلق.

وقوله: «وعقدت الحبل، والعهد، فهو معقود» .

قال الشيخ أبو جعفر: قال ابن سيدة في المحكم: العقد نقيض الحل، يقال: عقده يعقده عقدًا، وتعاقدًا، وعقده، أنشد ثعلب:

لا يَمْنَعَنَّك من بُغَا

ء الخَير تَعْقَادُ الرَّتائم

وقد انعقد، وتعقد.

قال الشيخ أبو جعفر: و [العقد]: العهد، وجمعه عقود، قال الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ {أي: بالعهود، عن

ص: 469

ابن خالويه، وغيره.

وقوله: «وأصفدت الرجل: إذا أعطيته فهو مصفد» .

قال الشيخ أبو جعفر: قد فسر ثعلب، وكذا فسره غيره.

وحكى الزجاح/ في معانيه، ويعقوب في كتاب فعلت وأفعلت، وقطرب في فعلت وأفعلت أيضًا، وثابت: صفدته بغير ألف.

قال يعقوب: وقال رؤبة: صفدته، أي: أعطيته.

قال صاحب الواعي: الاسم من العطية ومن الوثاق جميعًا الصفد، والجمع منهما جميعًا أصفاد، والمصدر من العطية [الإصفاد]، ومن الوثائق: الصفد والتصفيد.

وقوله: «صفدته فهو [مصفود]» .

قال الشيخ أبو جعفر: إذا قيدته وأوثقت يده إلى عنقه، عن القزاز قال: قيل: الصنفد بسكون الفاء هو هذا، وأعني الغل، وقيل: هو القيد. قال: ويقال أيضًا: صفود في المصدر. قال: وجمع الصفد أصفاد، وقيل الاسم: الصفاد، والجمع صفد. قال: ويدل على الأصفاد

ص: 470

قوله تعالى: {وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ} [ص: 38] وقد زعم قوم أنه جمع صفاد. قال: وهو النسع والحبل يوثق به الإنسان.

قال الشيخ أبو جعفر: قال الزمخشري: الصفاد والصفد والصفد: الذي يشد به حبلاً كان أو غير حبل.

وفي الحديث: "إذا جاء رمضان صفدت الشياطين" معناه: غلت، أو قيدت، على ما ذكرناه.

ويقال: صفدته، بالتشديد والتخفيف، عن كراع في المجرد، وعن القزاز.

قال ابن درستويه: وقيل في هذا: صفدته، لأنه بمعنى شددته فجاء على ما هو معناه. قال: وجاء أصفدته في العطية لأنه في معنى أعطيته، فلذلك جاء على أفعلته. قال: والأصل فيهما الشد والتوكيد والوثيقة، وتسمى العطية:/ الصفد، لأنها توكد الحال، وتشد المودة وتوكدها، وكذلك يسمى القيد: الصفد، لمثل ذلك المعنى.

وقوله: «وأفصح الأعجمي، وفصُح اللحان» .

ص: 471

قال الشيخ ابو جعفر: أفصح الأعجمي، أي: تكلم بالعربية بعد أن كان يتكلم بغيرها: لأن العجمي مشبه بالبهيمة عند العرب، ويقال للطير: عجم، إذا كان لا يفهم [نطقها] وغناؤها: قاله ابن خالويه.

قال ابن خالويه: ومعنى فصح اللحان، أي: صار معربا وحسنت لغته، ولم يلحن.

قال الشيخ أبو جعفر: واللحان الكثير اللحن، وفعال من أبنية المبالغة، ولا يقال لمن صدر اللحن منه [مرة واحدة لحان، وإنما يقال له: لاحن، فإن كثر منه] يقال له: لحان.

قال ابن درستويه: ومعناهما جميعًا من الفصاحة، وهي البيان والإصابة في القول.

قال الشيخ أبو جعفر: يقال أفصح الرجل: يريدون القول، كما قالوا: أسرع: يراد في العمل، وأحسن: يراد في الشيء. وقد يقال: أفصح لمن لا فصاحة له: يراد به البيان.

وتقول: أفصح لي عن كذا وكذا، أي: بينة ولا تجمجم، عن القزاز، قال: ويستعيرون الفصيح لكل متكلم، والأعجم لكل من لا يتكلم. وفي

ص: 472

حديث الحسن: "من ذكر الله في السوق كان له من الأجر بعدد كل من فيها، من فصيح وأعجم" يريد بالفصيح الإنسان، وبالأعجم البهائم.

وقال الزمخشري في [شرحه]: العرب إذا قالت الفصيح والعجم فإنهم يعنون به العرب والعجم، وأنشد للأعشى:

/ ولمِّا رأيت النَّاس للشَّرِّ أَقْبَلُوا

وثابوا إلَيْنَا مِنْ فَصِيحٍ وأَعْجَمِ

قال القزاز: وأفصح الصبح: إذا بدا لك ضوؤُه، وكل شيء وضح لك فقد أفصح لك.

قال الشيخ أبو جعفر: ومعنى العجمي: هو الذي لا يفصح، وجمعه عجم، عن الكراع في المجرد.

وقال صاحب الموعب: رجل أعجمي، منسوب إلى العجم وإن كان فصحيًا، ويقال: عجمي، يريد (أعجمي) ينسبه إلى أصله.

وقال ابن سيدة: الأعجم و [الأعجمي]: الذي لا يفصح، فأما

ص: 473

العجمي: فالذي من جنس العجم، أفصح او لم يفصح، والجمع عجم.

وقال صاحب الواعي: الأعجم الذي في لسانه عجمة وإن كان عربيا وكذلك الأعجمي، وكل كلام ليس بالعربية فهو أعجم إذا لم ترد به النسبة والعجمة: قلة الفصحاحة، ورجل عجمي: إذا كان من العجم وإن كان فصيح اللسان. قال: وقيس تقول: الأعجم في العجم.

قال الشيخ أبو جعفر: وقال المطرز في كتاب غريب الشعراء: أخبرنا ثعلب عن ابن الأعرابي، وأخبرنا عن سلمة عن الفراء، وأخبرنا عن أبي نصر عن الأصمعي، قالوا كلهم: العجمي من كان أصله من العجم وإن كان فصيحًا بالعربية، والأعجمي الذي يتكلم بالفارسية وإن كان أصله عربيًا.

وقوله: «وقد لممت شعثه» . لمم

قال الشيخ أبو جعفر: أي أصلحت أمره، وأصل اللم: الجمع، والشعث: التفرق، ثم استعير اللم في إصلاح كل فاسد، عن الزمخشري قال: وقد لممت شعثه، ولممته على شعثه.

ص: 474

قال صاحب الواعي: وكل مجتمع لمة، بالضم.

/ قال الزمخشري: وقد [لملمت] الشيء: جمعته، وهذا لتكرير يفيد التكثير.

قال صاحب الواعي: وفي الحديث: "أسالك رحمة تلم بها شعثي" أي: تجمع بها ما تفرق من أمري.

قال الشيخ أبو جعفر: وقال ابن درستويه. معنى لممته كمعنى رممته: إذا أصلحته وغيرت فساده، وهو تشعثه، ولكنه استعمل بالراء في المنازل والضياع والثياب ونحوها. وباللام في الشعر إذا اتسخ وقفر من الدهن والغسل، ولكنه قد [استعير لسوء] الحال في المال والنفس، ونحو ذلك.

قال الشيخ أبو جعفر: وقال ابن خالويه: ويقال في الدعاء: لم الله شعثك، ورم نشرك. ويقال: ولي فلان فأصلح الفاسد، ورتق الفتق، ولم الشعث، وضم النشر، العين ساكنة من الشعث، والشين مفتوحة من النشر، فأما النشر بالسكون فهو ضد الطي.

ص: 475

ومثله رم الرث، وجمع [الشتات]، وجبر الكسر، ورقع الخرق والوهن، وأبرأ الكلم، وشعب الصدع، ورأب أيضًا.

قال الشيخ أبو جعفر: والشعث انتشار الأمر، وفي الحديث:"وشعث النا [س] على عثمان". أي: أخذوا في التثريب والفساد، عن صاحب الجامع. قال: وأصله من الشعث: الذي هو انتشار الأمر وفساده، قال النابغة:

ولستَ بِمُسْتَبْقٍ أخًا لا تَلُمُّهُ

على شَعَثٍ أيُّ الرِّجَالِ المُهَذُّبُ

قال: ومنه شعر أشعث ومشعث: إذا كان مختلاً.

وقوله: «وألممت به: إذا أتيته وزرته» .

قال الشيخ أبو جعفر: الإلمام/ الزيارة إذا لم تداوم عليها، والإلمام من كل شيء: الإقلال منه، ويقال: ما زرته إلا لمامًا، أي: يسيرًا.

قال:

فَمَيِلي فيكُمُ وهَوَايَ مَعْكُمْ

وإِنْ كانتْ زِيَارَتُنا لِمَاما

ص: 476

أي: قليلاً. ويقال: ألممت به، وألممت به، قال نصيب للأول:

[بزينب] أَلْمِمْ قبل أنْ يَظْعَنَ الرٌكبُ

وقُلْ إنْ تَملَّينا فما مَلَّكِ القَلْبُ

وقال الآخر:

أَلِمَّا على مَعْنٍ وقولا لقبره

سَقَتْكَ الغَوادي [مربعًا ثم] مربعا.

وقال صاحب الجامع: واللمم هو الإيتاء بالذنب الحين بعد الحين، وقيل: هو ما دون الفاحشة، وقيل: هو ما دون الكبيرة.

قال: وأرى أن يكون اللمم الاختلاط، لأن اللمم من المس، والمس إنما هو اختلاط في العقل، فيكون {إِلَّا اللَّمَمَ} ، أي: ما يخالط من الأمور فلا يعرف وجه تحريمه.

قال الشيخ أبو جعفر: قال ابن درستويه. والعامة تقول فيهما جميعًا: لممت، وهو خطأ.

قال الشيخ أبو جعفر: ليس بخطأ، حكى المبرد في كتاب الاشتقاق

ص: 477

لممت به، بغير ألف: وهي لغة بني تميم.

وقوله: «وحمدت الرجل: إذا شكرت له صنيعه،

وأحمدته: إذا أصبته محمودًا».

قال الشيخ أبو جعفر: فسر ثعلب حمدته بمعنى شكرته لما كان جزاء لنعمة، وهو الصنيع، لأن الصنيع والصنيعة: النعمة.

وهو مما اختلف فيه اللغويون، فقيل معنى حمدته: رضيته، قاله ابن عرفة، قال: وذهب ناس إلى أن الحمد هو الشكر.

قال الشيخ أبو جعفر: وهو قول/ اللحياني في نوادره، وقاله أيضًا ابن سيدة في المحكم.

قال ابن عرفة: وإنما قالوا إن الحمد بمعنى الشكر؛ لأنهم رأوا المصدر بالشكر [نائبًا] عن الحمد، وذلك قولهم: الحمد لله شكرًا. قال: ومصدر [الحمد] يخرج من غيره، مثل: قولهم: قتله صبرًا، فالصبر غير القتل، حكى هذا عنه صاحب الوعي. قال هو، والخطابي: والشكر الثناء، وكل شاكر حامد، وليس كل حامد شاكرًا.

ص: 478

قال صاحب الواعي: والقتيبي: وربما جعل الحمد مكان الشكر، ولا يجعل الشكر مكان الحمد. والفرق بين الشكر والحمد:[أن الشكر] هو الثناء على الإنسان بخير أو معروف اصطنعه عندك، والحمد الثناء عليه بكرم أو حسب أو شجاعة، [تقول]: حمدت شجاعته، ولا تقول: شكرت شجاعته، عن صاحب الجامع والقتيبي، وغيرهما.

قال صاحب الجامع: وأصل الشكر إظهار النعمة، والشكور: الشكر، قال الله تبارك وتعالى:{لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا} .

قال الشيخ بو جعفر: وكذا حكى صاحب الياقوت عن ثعلب قال: قلت لابن الأعرابي: أتفرق بين الحمد والشكر؟ قال: نعم، لا يكون [الشكر] إلا جزاء لنعمته، وهو قولك إذا أنعم الله عليك، بنعمة: الحمد لله، فهذا هو الشكر الصراح، وقولك إذا قيل لك إن [فلانًا] قد استغنى بعد فقر: الحمد لله، فهذا ثناء وذكر الله تعالى، ليس فيه شيء من الشكر.

قال الشيخ أبو جعفر: وحكى ابن عديس عن ثعلب أن الفرق بين الحمد

ص: 479

والشكر: أن الحمد يكون عن يد وعن غير يد، والشكر لا يكون/ إلا عن يد.

قال الشيخ أبو جعفر: فإن حمدته مرة بعد مرة قلت: حمدته فهو محمد، وفي الأول محمود.

وحكى ابن سيدة في المحكم حمدت الرجل حمدًا وحمدة، ومحمدًا ومحمدًا، ومحمدة ومحمدة، بكسر الميم وفتحها.

قال الشيخ: قال صاحب الواعي: [ليس] في كلام العرب فعلت مفعلة غير هذا، وحسبت محسبة، وحميت محمية.

قال الشيخ أبو جعفر: وحكى اللحياني في نوادره رجل حمد وذم، وامرأة حمد وحمدة، وذم وذمة، يريد محمودة ومذمومة، وأتينا منزلاً حمدًا، ومنزلة حمدًا ومنزلة ذمًا، وأنشد:

ص: 480

ألا هل أتى ذَلفاء أنَّي لم أجد

على كَبِدِي للماء مُنْذُ نَأَت بَرْدَا

وأَنِّيَ لم أُشْرَفْ يَفَاعًا عَشٍيَّة

ولا غُدوةً إلَاّ حَنَنْتِّ ولالا نجدَا

وكَانَتَّ مِنْ الزُّوجات يُّوْمَنُ غَيَبُها

وتَرْتَادُ فيها العَيْنُ مُنْتَجَعَّا حَمْدا

قال الشيخ أبو جعفر: وحكى هذا أيضًا ابن عديس في كتاب الصواب، وقال عن غيره ويقال حمدت الرجل، وحمدته، بفتح الميم وكسرها، وأحمدته: وجدته محمودًا. قال: وقال بعضهم: أحمدت الرجل: إذا رضيت فعله ومذهبه، ولم تنشره للناس، وحمدته: جزيته وقضيت حقه، وأحمدته: استبنت أنه مستحق للحمد، وأحمد الرجل: فعل ما يحمد عليه، وأحمد أمره: صار عنده محمودًا.

قال الشيخ أبو جعفر: وحكى ابن القطاع في أفعاله/ عن أبي زيد: حمدت الرجل وأحمدته، بمعنى، ضد ذممته. وحكى هذا أيضًا أبو عبيدة في فعل وأفعل.

وقوله: «وأصحت السماء فهي مصحية» .

قال الشيخ أبو جعفر: أي ذهب غيمها، وهو ضد أغيمت، يقال: يوم صحو: إذا لم يكن في السماء سحابة، عن ابن خالويه.

ص: 481

قال الشيخ أبو جعفر: وحكى ابن سيدة في المخصص عن ابن السكيت أنه قال: أصحت المساء وهي صحو، ولا يقال: مصحية.

وقال أبو حاتم: الناس يقرون أن الإصحاء هو انقشاع الغيم، وليس كذلك، إنما هو إقلاع [البرد] سواء كن غنيم أو لم يكن، وكذل قال صاحب الواعي: أصحت السماء فهي مصحية، ويوم مصحٍ: إذا لم يكن فيه برد وإن كان في السماء غيم، قال: وأصحى يومنا: إذا كان كذلك.

قال الشيخ ابو جعفر: وحكى الفراء صحت السماء بغير ألف، قال الزمخشري: وكذلك كل ما يضاف إلى السماء يجوز فيه فعل وأفعل، كقولهم: رعدت وأرعدت، [وبرقت] وأبرقت، ومطرت وأمطرت. قال: وإن كان بعضها أوجه من بعض.

قال ابن خالويه: ويقال: يوم دجن، أي: غيم، ويوم غيم

ص: 482

وغين، بمعنى واحدٍ.

قال الزمخشري: ويوم غم، كل هذا إذا كانت السماء متغيمة، قال ويجوز يوم غيم بالإضافة.

قال الشيخ أبو جعفر: يقال: غامت السماء تغيم غيمومة فهي غائمة وغيمة، وأغامت وتغيَّمتْ، وغَيَّمَتْ، وغَيِمَتْ، وغِيْنَتْ، وغَيَّمتْ، وأغمت، عن الهروي.

قال صاحب كتاب العالم، وابن سيدة/ في المخصص: وتربدت، وغثت، ودججت، وأضبت، كل ذلك يقال عند تغيم السماء. قالا: ويقال في حال صحو السماء: السماء مصحية، وجلواء، ومقشعة، ومجهية، يقال: أجهت السماء فهي مجهية: إذا ذهب غيمها.

وقوله: «وصحا السكران من سكره فهو صاحٍ» .

قال الشيخ أبو جعفر: معناه ذهب سكره، عن ابن سيدة في المحكم، وابن خالويه، وغيرهما.

ص: 483

قال ابن درستويه: أصلهما جميعًا من الصحو، وهو انجلاء الغيم عن السماء، وذهاب السكر عن السكران، وإنما السكر بخار يغطي على عقل الشارب كما يغطي السحاب وجه السماء، فإذا فاق السكر عن السكران قيل: قد صحا، أي: عقل، فلذلك جاء بغير ألف، وجاء أصحت بالألف، لأنه بمعنى أقشعت، وأسفرت.

قال الشيخ أبو جعفر: قال ابن سيدة في المحكم يقال: صحا السكران وأصحى، وكذلك المشتاق. وحكاه أيضًا ابن القطاع في أفعاله.

قال الشيخ أبو جعفر: وقد يستعار في اللهو والصبا، فيقال: صحوت عن اللهو، وصحوت عن الصبا: إذا أفقت منه، وتركته، وأنشد ابن خالويه لجرير:

أَتَصْحُو أَمْ فُوَادكُ غيرُ ضَاحٍ

عَشيَّةَ هَمَّ صَحْبُك بالرُّواح

تَقُول العَاذِلاتُ عليك شَيبٌ

أَهَذَا الشَّيبُ يَمْنَعُنِي مِرَاحِي

قال الشيخ أبو جعفر: قال ابن درستويه: [شبه] جرير زوال الهم عن القلب بزوال السكر عن الشارب.

قال الشيخ/ أبو جعفر: وحكى ابن خالويه بإسناذ له عن

ص: 484

ابن الأعرابي قال: يقال: يوم شيبان: إذا كان يوم غيم وصفا الجو. وحكى أيضًا بسنده عن ابن الأعرابي قال: قل الأعرابي ما أشد البرد؟ فال: إذا كانت السماء مصحية، والأرض ندية، والريح شامية.

قال الشيخ أبو جعفر: ويقال: صحا السكران صحوا، وصحوًا، عن ابن سيدة في المحكم وابن درستويه.

وقوله: «وأقلت الرجل البيع إقالة» .

قال الشيخ أبو جعفر: الإقالة في البيع: نقضه وإبطاله، عن أبي درستويه.

وقال الفارسي: معناه أنك رددت عليه ما أخذت منه، تقول في البيع: قلته، وهو خطأ.

قال الشيخ أبو جعفر: ليس بخطأ، حكى أبو عبيد في المصنف، وابن القطاع في الأفعال، والفراء في كتاب المصادر له، وأبو عبيدة في كتاب فعل وأفعل، واللحياني في نوادره: قلته البيع وأقلته.

قال اللحياني: هي لغة ضعيفة، يقال: قلته البيع قليلاً، وإقالة.

ص: 485

وحكاها أيضًا اليزيدي في نوادره، وقال عنها: لغة رديئة. وحكاها أيضًا قطرب في كتابه فعلت وأفعلت، وقال: وأهل الحجاز يقولون: قلته، وهو مقيول ومقيل، ومقيل أجود مثل: مبيعٍ، ومبيوع لغة أناسٍ.

قال الشيخ أبو جعفر: وأقلت كان في الأصل أقيلت، ويدلك على أنه من ذوات الياء [قولهم: تقابل الرجلان تقايلا].

وقوله: «وقلت، من القائلة، قيلولة» .

قال الشيخ أبو جعفر: أي نمت وقت القائلة،، عن ابن/ خالويه.

والقيلولة نوم نصف النهار، عن ابن درستويه، قال: وبه سمي شرب نصف النهار قيلاً.

قال الشيخ أبو جعفر: وأما القائلة [فهي] تدل على الساعة، كقولهم الهاجرة، عن الزمخشري. قال: وفي الحديث: "قيلوا فإن الشيطان لا يقيل".

ص: 486

قال اللحياني في نوادره، وابن القطاع في أفعاله، والفراء في المصادر: يقال من القائلة: قلت، وأنا أقيل قيلا، ومقيلاً، وقيلوة.

قال الفراء: وقائلة: قال ابن القطاع: إذا نام القائلة، [أ] وشرب فيها.

قال اللحياني: وأنا قائل، والجمع قائلون، وقيال، قال الله عز وجل:{أَوْ هُمْ قَائِلُونَ}

قال الشيخ أبو جعفر: وقال ابن سيدة في المخصص، وأبو حاتم في لحنه: رجل قائل، وقوم قيل، وأنشدا:

*إنْ قال قَيْلٌ لم أَقِلْ في القُيَّلِ*

قال أبو حاتم: وقوم قيل، قال: والقيل أيضًا الشراب نصف النهار.

قال الشيخ أبو جعفر: وبين النحويين اختلاف في وزن قيلولة، فذهب البصريون إلى أن وزنها فيعلولة (قيولولة) مثل:[كيونونة]،

ص: 487

فقبلوا الواو ياء وأدغموا فقالوا: قيلولة وكينونة، ثم خففوا كما خففوا الميت، فقالوا: الميت.

وذهب الكسائي إلى أن وزنها فعلولة بالياء، وهي من الواو. فقيل في رده: لو كان ما قاله حقًا لقالوا [كونونة]، لأن (كان) من ذوات الواو، وهم لم يقولوا إلا كينونة.

فقال الكسائي في الانفصال عن ذلك: هي من الواو، ولمن قبلت الواو من الياء لأنهما أختان يتعاقبان، كما قالوا: دام ديمومة، وساد [سيدوده]، / وهاع هيعوعة، من التهوع، وأصله كونونة مخففة، وسودودة، ودومومة.

وذهب الفراء إلى أن كينونة وأخواتها أريد بهن فعلولة ففتحوا اولها كراهية أن تصير الواو ياء فقالوا: قيلولة، وهذا الأصل لذوات الياء كقولهم: حيدودة، وطيرورة، وأشباههما. قال: ولم يأت في ذوات الواو إلا قليلاً نحو: كينونة وأخواتها.

قال الشيخ أبو جعفر: ومن اقوى حجج البصريين على تصحيح مذهبهم أن الشاعر قد نطق بها على الأصل، فقال:

يَا لَيْتٌ أنُّا ضمَنُّا سَفيِنةُ

حتَّى يعودَ الوصل كَيْنُونَةْ

ص: 488

قال الزمخشري: هيعوعة وقع فيه غلط ليس من الباب، لأنه يقال: دام يدوم، وساد يسود، وهاع يهوع.

وقوله: «وأكننت الشيء: إذا أخفيته في نفسك» .

قال الشيخ أبو جعفر: قال الله تبارك وتعالى:} أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ {. أي: سترتم.

وقوله: «وكننته: إذا سترته بشيء» .

قال الشيخ أبو جعفر: كنا وكنونا، عن اليزيدي في نوادره، وعن الفراء في المصادر.

وقال الزمخشري عن الفراء: أكننت الشيء: إذا جعلته في كن، كما يقال: أغلفته: إذا جعلته في غلاف، والكنان: الغلاف، وجمعه أمنة، ومنه قوله تبارك وتعالى حكاية: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ {أي/: [في غلف.

وقال الكسائي: كننت: إذا سترت وحفظت، قا] ل الله تبارك

ص: 489

وتعالى: {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ} فمكنون] من كننت.

[وأنشد يعقـ]ـوب في الإصلاح للشماخ:

ولو أني [أشاء] كننت نفسي

إلى بيضاء بهكنة شموع.

قال الشيخ أبو جعفر: وكذا حكى أبو عبيد في المصنف عن الكسائي، كما حكاه ثعلب هنا من أن أكننت الشيء في نفسك بالألف، وكننته: إذا سترته، بغير ألف.

وحكى أبو عبيد أيضًا عن أبي زيد أنه قال: كننت الشيء في الكن وأكننته، وفي النفس [مثلهما] جميعًا.

وقال ابن طريف: قول الكسائي أعم، وهي لغة القرآن، وذكر الآيتين المتقدمتين.

وقال أبو عبيدة في فعل وأفعل قالت تميم: كنت الجارية أكنها كنا،

ص: 490

والكاف مكسورة، وأكننت العلم والسر، وقالت قيس: كنت السر والعلم، بغير ألف، وأكننت الجارية، بألف.

قال الشيخ أبو جعفر: وقال ابن الأعرابي في نوادره: أكنت السر، بالألف، وكننت وجهي من الحر، وكننت سيفي، قال: وقد يكون هذا أيضًا بالألف.

وقوله: «وقد أدنت الرجل: إذا بعته بدين» .

قال الشيخ أبو جعفر: قال ابن التياني: يقال: أدان الرجل: أخذ بدين، خفيفة الدال، وأدان فلان الناس، خفيفة أيضًا: أعطاهم الدين، فهو [مد] ين بضم الدين، والمدان: الآخذ بالدين، وهو أيضًا المعطي.

/ قال: ويقال للذي يعطي الدين: دائن.

قال الشيخ أبو جعفر: قال اللحياني في نوادره: رجل مديان، وامرأة مديان، [والجمع] منهما مدايين بلا همز.

ص: 491

قال الفراء في المصادر: ومديان مثل: .... قليل.

وقوله: «ودنت أنا، وادنت، أي: أخذت بدين» .

قال الشيخ أبو جعفر: حكى ابن السيد في الاقتضاب عن الخليل أنه يقال: رجل مدين، ومديون، ومدان، ودائن، وأدان، واستدان، ودان إذا أخذ بالدين، وأنشد:

إنِّ المَديِن غَمُّةُ طَرِيُّ

والدَّينُ دَاءٌ كاسمه دَوِيُّ

قال الشيخ أبو جعفر: وقوله: «وادانت ادان» افتعل من الدين، وكان في الأصل آدتان، فانقلبت تاء الافتعال دالاً، وأدغمت في الأصلية، فقالوا: ادّان، وفي الأثر:"فأدان معرضًا"

وقوله: «وضفت الرجل: إذا نزلت به

وأضفته: إذا أنزلته».

قال الشيخ أبو جعفر: يقال: ضفت الرجل، وتضيفته: إذا نزلت به

ص: 492

وصرت ضيفًا له، عن كراع في المجرد، والجوهري، وأنشد الجوهري للفرزدق:

ووَجَدْتَ الثَّرى فينا إذا التُمِسّ الثّرى

ومن هو يرجُو فَضْلَهُ المُتَضَيِّفُ

قال الشيخ أبو جعفر: وأصله الميل، وذلك أنه يميل إلى من يضيفه.

والضيفن: [ضيف] الضيف، وهو الذي نهلا النبي صلى الله عليه وسلم [عنه] بقوله:"إذا دعي أحدكم إلى طعام فلا يستتعبن أحدًا".

قال: ويقال: أضفته، وضيفته: إذا أنزلته بك ضيفًا وقريته.

ص: 493