المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الباب الأول الأحاديث الواردة في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان معنى الكذب والوعيد الوارد في ذلك: - تحقيق القول بالعمل بالحديث الضعيف

[عبد العزيز العثيم]

الفصل: ‌الباب الأول الأحاديث الواردة في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان معنى الكذب والوعيد الوارد في ذلك:

‌الباب الأول الأحاديث الواردة في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان معنى الكذب والوعيد الوارد في ذلك:

وردت أحاديث في وعيد من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أجل ذلك كان بعض الصحابة يتحرج من التحديث خوفاً من الوقوع في الكذب عليه - صلوات الله وسلامه عليه - كالزبير بن العوام وأنس وأبو قتادة وعثمان بن عفان وصهيب1 رضي الله عنهم. واستفتح البحث في هذا الموضوع بإيراد بعض الأحاديث المتضمنة لوعيد من كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أخرجه الشيخان أو أحدهما، وأشير إلى الأحاديث التي لم يخرجاها.

1-

عن علي رضي الله عنه: قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تكذبوا عليَّ، فإنه من كذب عليّ فليلج النار"2.

2-

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثاً كثيراً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من تعمد عليَّ كذباً فليتبوأ مقعده من النار"3.

3-

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي، ومن رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي، ومن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"4.

4-

وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن كذباً عليَّ ليس ككذبِ على أحد، من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"5.

5-

وعن عبد الله بن الزبير قال قلت للزبير: "إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يحدث فلان وفلان؟ قال: أما أني لم أفارقه ولكن سمعته يقول: "من كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار"6.

6-

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بلغوا عني ولو آية،

1 مقدمة الكامل: 1/ 17

2 صحيح البخاري: العلم، باب آثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم فتح الباري 1/199- 202

3 انظر ما أشير إليه في هامش 2

4 انظر ما أشير إليه في هامش 2

5 صحيح البخاري: الجنائز، باب ما يكره من النياحة على الميت فتح الباري 3/ 160 وصحيح مسلم: المقدمة

باب تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم 1/9- 10

6 صحيح البخاري: العلم، باب آثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم فتح الباري 1/ 200

ص: 11

وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"1.

7-

وعن سلمة رضي الله عنه: قال:" سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من يقل عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار"2.

8-

وعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه يقول:" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أعظم الفرى أن يدعى الرجل إلى غير أبيه، أو يري عينه ما لم تر، أو يقول على رسول صلى الله عليه وسلم ما لم يقل"3.

9-

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عنيٍ غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليّ- قال همام- أحسبه متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"4.

10-

وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين"5.

أحاديث أخرى لم ترد في الصحيحين:

وهناك أحاديث أخرى ليست في الصحيحين، وهي صحيحة أو حسنة أو ضعيفة متفاوته في ضعفها.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وصح أيضاً في غير الصحيحين من حديث عثمان بن عفان وابن مسعود وابن عمر وأبي قتادة وجابر وزيد بن أرقم، وورد بأسانيد حسان من حديث طلحة ابن عبيد الله وسعيد بن زيد وأبي عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص ومعاذ بن جبل وعقبة بن عامر وعمران بن حصين وابن عباس وسلمان الفارسي ومعاوية بن أبي سفيان ورافع بن خديج وطارق الأشجعي والسائب بن يزيد وخالد بن عرفطة وأبي أمامة وأبي قرصافه وأبي موسى الغافقي وعائشة رضي الله عنهم فهؤلاء ثلاث وثلاثون نفساً من الصحابة6 وورد أيضاً عن نحو من خمسين غيرهم بأسانيد ضعيفة، وعن نحو من عشرين آخرين بأسانيد ساقطة"7.

1 صحيح البخاري أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بنى إسرائيل فتح الباري6/496

2 صحيح مسلم: الزهد والرقائق، باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم 2/2298صحيح البخاري: العلم، باب إثم مر كذب على النبي صلى الله عليه وسلم فتح الباري1/ 201

3 صحيح البخاري. المناقب،،باب

فتح الباري6/ 540

4 صحيح مسلم: الزهد والرقائق، باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم 2/2298

5 صحيح مسلم. المقدمة، باب وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين - 1/ 9

6 قلت: هو كما قال إلا أنه لم يذكر حديث سمر ة بن جندب الذي أحرجه مسلم في مقدمة صحيحه فبذكره يكون العدد أربعة وثلاثين كما هنا.

7 فتح الباري 1/203

ص: 12

ثم قال: "وقد اعتنى الحفاظ بجمع طرق هذا الحديث فذكر من جمعهم من الحفاظ مبتدأ بعلي بن المديني ثم ذكر بعده عدداً من الحفاظ ممن جمع طرق هذا الحديث إلى أن قال: وتحصل من مجموع ذلك كله رواية مائة من الصحابة على ما فصلته من صحيح وحسن وضعيف وساقط مع أن فيها ما هو في مطلق ذم الكذب عليه من غير تقييد بهذا الوعيد الخاص، ونقل النووي1 أنه جاء عن مائتين من الصحابة، ولأجل كثرة طرقه أطلق عليه جماعة أنه متواتر"2.

بيان معنى الكذب:

والكذب: خلاف الصدق

قال الصغاني: "تركيب الكذب يدل على خلاف الصدق وتلخيصه أنه لا يبلغ نهاية الكلام في الصدق"3.

وقال النووي: "الكذب فهو عند المتكلمين من أصحابنا الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عمداً كان أو سهواً هذا مذهب أهل السنة". وقالت المعتزلة: "شرطه العمدية"، ودليل خطاب هذه الأحاديث لنا فإنه قيده صلى الله عليه وسلم بالعمد لكونه قد يكون عمداً وقد يكون سهواً مع أن الإجماع والنصوص المشهورة في الكتاب والسنة متوافقة متظاهرة على أنه لا إثم على الناسي والغالط فلو أطلق صلى الله عليه وسلم الكذب لتوهم أنه يأثم الناسي أيضاً فقيده وأما الروايات المطلقة فمحمولة على المقيدة بالعمد4 والله أعلم.

ومعنى "لا تكذبوا عليَّ" قال الحافظ5: "هو عام في كل كاذب، مطلق في كل نوع من الكذب. ومعناه - لا تنسبوا الكذب إليَّ، ولا مفهوم لقوله "عليَّ" لأنه لا يتصور أن يكذب له لنهيه عن مطلق الكذب. وقد اغتر قوم من الجهلة فوضعوا أحاديث في الترغيب والترهيب، وقالوا: نحن لم نكذب عليه، بل فعلنا ذلك لتأييد شريعته، وما دروا أن تقويله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل يقتضي الكذب على الله تعالى، لأنه إثبات حكم من الأحكام الشرعية، سواء كان في الإيجاب أو الندب، وكذا مقابلهما وهو الحرام والمكروه. ولا يعتد بمن خالف ذلك من الكراهية حيث جوزوا وضع الكذب في الترغيب والترهيب في تثبيت ما ورد في القرآن والسنة

1 شرح النووي على صحيح مسلم: 1 / 92

2 انظر ما أشير إليه في هامش2 وراجع نظم المتناثر من الحديث المتواتر ص 20

3 عمدة القاري: 2/ 146

4 شرح النووي على صحيح مسلم 1/93

5 فتح الباري: 1/199- 0 20 وراجع فتح المغيث 1/ 244

ص: 13

واحتج بأنه كذب له لا عليه. وهو جهل باللغة العربية. وتمسك بعضهم بما ورد في بعض طرق الحديث من زيادة لم تثبت وهي ما أخرجه البزار1 وأبو نعيمِ2 قال البزار: حدثنا عبد الله بن سعيد ثنا يونس بن بكير ثنا الأعمش عن طلحة بن مصرف عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كذب عليّ ليضل به الناس

" الحديث. وقد اختلف في وصله وإرساله ورجح الدارقطني3 والحاكم4 إرساله.

قال الهيثمي5 في سند البزار: "رجاله رجال الصحيح".

قلت: فيه يونس بن بكير من رجال مسلم لكنه صدوق يخطئ6 وقد وهم في سند هذا الحديث في موضعين.

قال الحاكم: "يونس بن بكير واهم في إسناد هذا الحديث في موضعين: أحدهما أنه أسقط بين طلحة بن مصرف وعمرو بن شرحبيل أبا عمار.

والآخر أنه وصل بذكر عبد الله بن مسعود، وغير مستبدع من يونس بن بكير الوهم"7

وقال أبو نعيم: "هذا حديث غريب من حديث طلحة والأعمش، لم يروه مجوداً مرفوعاً إلا يونس بن بكير"8.

قلت: فدل هذا على أنه لم يصله بذكر ابن مسعود بالزيادة المذكورة غيره.

وأخرجه الدارمي9 من حديث يعلي بن مرة وهو من طريق عمر بن عبد الله بن يعلي بن مرة عن أبيه عن جده وعمر قال الحافظ: فيه ضعيف10.

قلت: حاله أسوأ مما قاله الحافظ11.

1 كشف الأستار: 1/ 114.

2 حلية الأولياء: 4/47ا.

3 1لعلل 4/ لوحه 9.

4 المدخل 99.

5 مجمع الزوائد: 1/ 144.

6 لتقريب 613.

7 انظر هامش 5.

8 حلية الأولياء: 4/147ترجمة عمرو بن شرحبيل

9 سنن الدارمي: المقدمة: باب إلقاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم والتثبت فيه 1/76

10 التقريب 414

11 راجع التهذيب: 7/ 47

ص: 14

وعلى تقدير ثبوته فليست اللام فيه للعلة بل للصيرورة كما فسر قوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ} 1.

والمعنى أن مآل أمره إلى الإضلال، أو هو من تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر فلا مفهوم له كقوله تعالى:{لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً} 2 و {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} 3 فإن قتل الأولاد، ومضاعفة الربا، والإضلال في هذه الآيات إنما هو لتأكيد الأمر فيها لا لاختصاص الحكم4.

قال القاري: "وبهذا يندفع زعم من جوز وضع الأحاديث للتحريض على العبادة كما وقع لبعض الصوفية الجهلة في وضع أحاديث في فضائل السور وفي الصلوات الليلية والنهارية وغيرها والأظهر أن تعديته بعلي لتضمين معنى الإفتراء"5.

قلت: وحمل بعضهم حديث "من كذب عليَّ" على من قال في حقه صلى الله عليه وسلم ساحر أو مجنون مستدلين على ذلك بحديث أخرجه الطبراني6 عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده بين عيني جهنم فشق ذلك على أصحابه، فقالوا: يا رسول الله نحدث عنك بالحديث نزيد وننقص؟ قال: ليس ذا أعنيكم إنما أعني الذي يكذب علي متحدثاً يطلب به تشقيق الإسلام" وأخرجه الحاكم7.

قال الحاكم فيه: "حديث باطل والحمل فيه على محمد بن الفضل بن عطية وهو ساقط"8وقال ابن حجر: "فيه كذبوه"9.

قال الترمذي: "سألت عبد الله بن عبد الرحمن أبا محمد عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "من حدث عني حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" قلت له: من يروي حديثاً وهو يعلم أن إسناده خطأ، أتخاف أن يكون قد دخل في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أو إذا روى الناس حديثاً مرسلاً فأسنده بعضهم، أو قلب إسناده يكون قد دخل في هذا الحديث؟ فقال: لا. إنما

1 الأنعام الآية، 144.

2 آل عمران: الآية، 130.

3 الإسراء: الآية، 31.

4 فتح الباري: 1/ 200 وراجع فتح المغيث 1/ 244.

5 تحفة الأحوذى: 3/ 2 37

6 المعجم الكبير:8/155.

7 المدخل: 96.

8 المدخل: 96.

9 التقريب 502.

ص: 15

معنى هذا الحديث إذا روى الرجل حديثاً ولا يعرف لذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أصل فحدث به فأخاف أن يكون قد دخل في هذا الحديث"1.

قال ابن حجر2: "فإن قيل الكذب معصية، إلا ما استثنى في الإصلاح وغيره، والمعاصي قد توعد عليها بالنار فما الذي امتاز به الكاذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوعيد على من كذب غيره فالجواب عنه من وجهين:

أحدهما: أن الكذب عليه يكفر متعمده عند بعض أهل العلم، وهو الشيخ أبو محمد الجويني، لكن ضعفه ابنه إمام الحرمين ومن بعده.

وقال ابن المنير إلى اختياره، ووجهه بأن الكاذب عليه في تحليل حرام مثلاً لا ينفك عن استحلال ذلك الحرام أو الحمل على استحلاله، واستحلال الحرام كفر. والحمل على الكفر كفر. وفيما قاله نظر لا يخفى. والجمهور على أنه لا يكفر إلا إذا اعتقد حل ذلك.

الجواب الثاني: أن الكذب عليه كبيرة، والكذب على غيره صغيرة فافترقا ولا يلزم من استواء الوعيد في حق من كذب عليه، أو كذب على غيره أن يكون مقرهما واحد أو طول إقامتهما سواء، فقد دل قوله صلى الله عليه وسلم " فليتبوأ " على طول الإقامة فيها، بل ظاهره أنه لا يخرج منها لأنه لم يجعل له منزلاً غيره إلا أن الأدلة القطعية قامت على أن خلود التأبيد مختص بالكافرين.

وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين الكذب عليه وبن الكذب على غيره كما في حديث المغيرة بن شعبة المتقدم " أن كذباً عليَّ ليس ككذب على أحد".

وقال السخاوي مشيراً إلى حديث سمرة المتقدم: "وكفى بهذه الجملة وعيداً شديداً في حق من روى الحديث وهو يظن أنه كذب فضلاً أن يتحقق ذلك ولا يبينه لأنه صلى الله عليه وسلم جعل المحدث بذلك مشاركاً لكاذبه في وضعه"3.

والكذب على الله تعالى وعلى رسوله بالجملة معلوم تحريمه من الدين ضرورة فإن القرآن مملوء بذلك في حقه تعالى والسنة في حق رسوله صلى الله عليه وسلم ولأن الإفتراء على الرسول افتراء على الله عز وجل4

1 جامع الترمذي: العلم، باب تعظيم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم (تحفة الأحوذي 3/374) .

2 فتح الباري 1/202.

3 القول البديع 256.

4 راجع تنقيح الأقطار وشرحه توضيح الأفكار 2/85.

ص: 16