المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الباب الرابع رواية الأحاديث الضعيفة - تحقيق القول بالعمل بالحديث الضعيف

[عبد العزيز العثيم]

الفصل: ‌الباب الرابع رواية الأحاديث الضعيفة

والحاجة لا تدعو هنا إلى تعداد أنواع الحديث الضعيف لأنها مبسوطة في كتب علوم الحديث. وهذه الأنواع متفاوتة الضعف ويمكننا حصر ذلك التفاوت في ثلاثة أقسام:

الأول: الموضوع وهو أشر أنواع الضعيف، وما قيل في إسناده كذاب أو وضاع.

الثاني: أخف من سابقه قليلاً، لكنه شديد الضعف، وهو ما قيل فيه متهم أو مجمع على تركه أو ضعفه أو ذاهب الحديث أو هالك أو منكر أو ساقط أو ليس بشيء أو ضعيف جداً.

الثالث: الضعيف الذي ينجبر بمثله، وهو ما كان في سنده سيئ الحفظ أوله أوهام أو يهم أو مدلس معنعن أو مختلط أو ما قيل فيه ضعيف فقط أو لم أر فيه توثيقاً ونحو ذلك.

تنبيه: وفائدة هذا التقسيم هو معرفة ما ينجبر ومالا ينجبر فالقسم الأول والثاني لا ينجبران بالمتابعة، ولا ينتفعان بالشواهد إلا ما قيل في قرب ضعفه كما سيأتي بيانه إن شاء الله.

وأما الثالث فهو بعكس ذلك، وهو الذي وقع الخلاف فيه بالعمل به في حال تفرده، في فضائل الأعمال، كما ذهب إليه بعض الأئمة، وسيأتي بيان الحق فيه إن شاء الله وسنتكلم على كيفية رواية الأحاديث الواقعة في هذه الأقسام في الباب الرابع.

ص: 22

‌الباب الرابع رواية الأحاديث الضعيفة

الأحاديث الضعيفة تنقسم بالنسبة إلى روايتها إلى قسمين:

أحاديث صالحة للإعتبار.

وأحاديث اشتد ضعفها، لا تصلح للإعتبار بها، إلا على قول من قال: إن شديدة الضعف يعضد بعضها البعض الآخر حتى يقرب ضعفها، وتكون بمجموعها بمثابة طريق ضعيف صالح للمتابعة. وبهذا يظهر أن للحديث أصلاً، فإذا أتى الحديث من طريق آخر، أو عن صحابي آخر وضعفه يسير اعتضدا، وعمل بما فيها لأنه أصبح من قسم الحسن لغيره1.

فالقسم الأول: إما أن يكون مسنداً أو غير مسند.

1راجع فتح المغيث 1/ 71 وقواعد التحديث 109.

ص: 22

والمسند إما أن يكون في فضائل الأعمال، والترغيب والترهيب والقصص وما أشبه ذلك، وإما أن يكون في الأحكام أو في العقائد.

فإن كانت مسندة وكانت في فضائل الأعمال وما في معناها جازت روايتها على قول كثير من الأئمة ولو لم تبين حالها، لأنه يُحتاج إليها للإعتبار بها عند ما يرد طريق آخر أو حديث آخر عن صحابي آخر صالح للمتابعة فعندئذ يكون ما اشتمل عليه من أقسام المقبول ويعمل به.

ولأنه لو لم تنقل لتعطل جزء كبير من السنة عن العمل به. وتقدم قول الحافظ ابن حجر1 أن أهل السنن الأربعة لا سيما سنن ابن ماجة، وأهل المصنفات، والمسانيد لم يلتزموا الصحة والحسن.

ففرق بين رواية الحديث الضعيف وبين العمل به. فالأحاديث الضعيفة موجودة في بطون دواوين السنة لا سيما عند من لم يلتزم الصحة2.

قال أحمد في رواية عباس الدوري عنه - ابن إسحاق رجل تكتب عنه هذه الأحاديث يعني المغازي ونحوها وإذا جاء الحلال والحرام أردنا قوماً هكذا وقبض أصابع يده الأربع3.

وقال النوفلي: "سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل الأعمال، وما لا يضع، حكماً أو يرفعه، تساهلنا في الأسانيد"4.

وقال الميموني: "سمعت أبا عبد الله يقول: أحاديث الرقاق يحتمل أن يتساهل فيها حتى يجئ شئ فيه حكم"5.

وكان أبو زكريا العنبري يقول: "الخبر إذا ورد لم يحرم حلالاً ولم يحل حراماً ولم يوجب حكماً، وكان في ترغيب أو ترهيب أو تشديد أو ترخيص وجب الإغماض عنه والتساهل في رواته"6.

وقال البيهقي في المدخل عن ابن مهدي: "إذا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام

1انظر باب وجوب معرفة الحديث الصحيح والضعيف ص 17

2 الأجوبة الفاضلة 56.

3 فتح المغيث 1/267.

4 الكفاية: 213 وراجع فتح المغيث 1/267.

5 المصدر السابق.

6 الكفاية 213.

ص: 23

والأحكام شددنا في الأسانيد وانتقدنا في الرجال، وإذا روينا في الفضائل والثواب والعقاب سهلنا في الأسانيد وتسامحنا في الرجال"1.

وممن رُوي عنه ذلك السفيانان وابن معين وابن المبارك2.

وقال ابن عبد البر: "أحاديث الفضائل لا نحتاج فيها إلى من يحتج به"3.

وأما إذا كانت في الأحكام والعقائد فلا تروى وإذا كانت مسندة إلا مع بيان حالها، ولم ينقل عن أحد التساهل فيها.

قال ابن الصلاح: "يجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد ورواية ما سوى الموضوع من أنواع الأحاديث الضعيفة من غير اهتمام ببيان ضعفها فيما سوى صفات الله عز وجل وأحكام الشريعة من الحلال والحرام وغيرهما وذلك كالمواعظ وقصص وفضائل الأعمال وسائر فنون الترغيب والترهيب وسائر ما لا تعلق له بالأحكام والعقائد"4.

ونحو ذلك قال النووي5 والعراقي6.

وإذا لم تكن في الأحكام والعقائد وكانت غير مسندة، فإنها لا تروى بصيغ الجزم، بل تروى بصيغ التمريض، لا سيما عند عدم بيان حالها.

قال ابن الصلاح: "إذا أردت رواية الحديث الضعيف بغير إسناد فلا تقل فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، وما أشبه هذا من الألفاظ الجازمة بأنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك، وإنما تقول فيه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، أو بلغنا عنه كذا وكذا، أو ورد عنه، أو جاء عنه، أو روى بعضهم، وما أشبه ذلك.

وهكذا الحكم فيما تشك في صحته وضعفه وإنما تقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ظهر لك صحته"7.

لكن هذا الأمر لا يقال أعني نسبة الحديث الضعيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيغة التمريض إلا عند العلماء، أما عند طلاب العلم المبتدئين، أوفي المجالس العامة أو على

1 فتح المغيث 1 / 267 هذا النص مما سقط من المدخل للبيهقي نبه على ذلك محققه انظر ص 77.

2 فتح المغيث 1 / 267 وراجع التبصرة والتذكرة 1/ 291.

3 جامع بيان العلم وفضله 22.

4 المقدمة 949وراجع التقريب للنووي 169.

5 التقريب 195، 196.

6 ألفية العراقي مع شرحها للسخاوي 1/266.

7 المقدمة 49.

ص: 24

رؤوس المنابر، فلا ينبغي الإكتفاء بذلك، لأنهم إذا سمعوا التلفظ برسول الله صلى الله عليه وسلم ظنوا أنه حديث صحيح لجهلهم بقواعد علم الحديث وحصول هذا كثير مشاهد1.

ويؤيده قول علي- رضي الله عنه "حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله"2.

والأولى الإحتياط في ذلك كله، ما دام الحديث ضعيفاً فلا يروى أو ينقل إلا مقروناً ببيان حاله من غير تمييز بين ما كان في الأحكام والعقائد، وما كان في فضائل الأعمال.

ولهذا كان بعض الأئمة كابن خزيمة3 إذا روى حديثاً ضعيفاً بسنده قال: حدثنا فلان مع البراءة من عهدته، وربما قال هو والبيهقي "إن صح الخبر"4.

قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: "والذي أراه أن بيان الضعف في الحديث الضعيف واجب على كل حال لأن ترك البيان يوهم المطلع عليه، أنه حديث صحيح، خصوصاً إذا كان الناقل من علماء الحديث الذي يرجع إلى قولهم في ذلك"5.

وقال الترمذي: "وقد روى غير واحد من الأئمة عن الضعفاء وبينوا أحوالهم"6

قال الشاطبي: "ولو كان من شأن أهل الإسلام الأخذ بكل ما جاء عن كل ما جاء لم يكن لانتصابهم للتعديل والتجريح معنى، مع أنهم قد أجمعوا على ذلك، ولا كان لطلب الإسناد معنى يتحصل"7.

القسم الثاني: ما اشتد ضعفه، على اختلاف أنواعه، بأن يكون لوضاع أم متروك أو ما أشبه ذلك.

وقد كثرت الأحاديث التي من هذا القبيل، وانتشرت في بطون الكتب، ككتب التفاسير والسير والترغيب والترهيب وغيرها.

وقد أوجدت لغايات مختلفة وأغراض متباينة، منها عدم الدين كما وقع من بعض الزنادقة، والعصبية المذهبية، والأحوال السياسية، والأغراب لقصد الإشتهار، والتقرب إلى

1 راجع مقدمة صحيح الترغيب والترهيب ص 21.

2صحيح البخاري: العلم، باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية أو لا يفقهوا فتح الباري1/225

3راجع صحيح ابن خزيمة: 4/263، 351.

4فتح المغيث: 1/267.

5الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 91.

6شرح علل الترمذي: 103.

7هذا الكلام وتتمته مورد في صفحة 54- 55.

ص: 25

الله بوضع الأحاديث بزعمهم، وما وضع للتكسب به كالقصاص، ومن ذلك أيضاً ما وقع خطأ من بعض المغفلين من الصوفية، وضعفاء الحفظ، ممن لا عناية لهم بالحديث.

وهذا الأمر مستمر متجدد في كل عصر، فيجب على علماء هذا الشأن بيان وجه الحق فيما ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحاديث لا سيما التي لم يسبق لها بيان، ويخشى من عدم ثبوتها.

فالأحاديث التي من هذا القبيل لا تجوز روايتها مسندة، أو غير مسندة، إلا على جمعة بيان حالها، لخطورة أمرها، لأن روايتها من غير بيان حالها تفصيلاً أو جملة، يؤدي إلى الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم نص على ذلك ابن الصلاح1 والنووي2 وابن حجر3 وغيرهم.

قال النووي4: "تحرم رواية الحديث الموضوع على من عرف كونه موضوعاً أو غلب على ظنه وضعه، فمن روى حديثاً علم أو ظن وضعه ولم يبين حال رواية وضعه فهو داخل في هذا الوعيد، مندرج في جملة الكاذبين على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدل عليه الحديث "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين".

وقال: أنه لا فرق في تحريم الكذب عليه صلى الله عليه وسلم بين ما كان في الأحكام وما لا حكم فيه كالترغيب والترهيب والمواعظ وغير ذلك، فكله حرام من أكبر الكبائر وأقبح القبائح بإجماع المسلمين الذين يعتد بهم في الإجماع خلافاً للكراهية إلى أن قال وخالفوا صريح هذه الأحاديث المتواترة والأحاديث الصريحة المشهورة في إعظام شهادة الزور وخالفوا إجماع أهل الحل والعقد وغير ذلك من الدلائل القطعيات في تحريم الكذب على آحاد الناس فكيف بمن قوله شرع وكلامه وحي"!!

وإذا نظر إلى قولهم وجد كذباً على الله تعالى فإن الله تعالى قال: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى} 5.

قال الشافعي: "إذا كان الحديث عندك كذباً فحدثت به فأنت أحد الكاذبين"6.

وقد تقدم بعض الأحاديث المحذرة من ذلك وبيان وعيده.

1المقدمة: 47.

2التقريب المطبوع مع التدريب 178

3نزهة النظر 47.

4 شرح النووي 1/95، 96

5 النجم: الآية:3

6 تحذير الخواص 132

ص: 26

ولا يجوز نشر الحديث التي من هذا القبيل وروايتها دون التثبت من صحتها، وأن من فعل ذلك فهو حسبه من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشارك في الإثم لواضعه أو كاذبه، لأن من كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يشترط في حقه تعمد الكذب أو عدمه1 وقد تقدم سؤال الترمذي للدارمي عن حكم هذه المسألة 2.

دل على هذا الحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أن الذي يكذب عليَّ يبنى له بيت في النار" أخرجه أحمد3 والشافعي4 والبزار5 والحاكم6 والبيهقي7 والخطيب8.

وصحح الحافظ مسند الإمام أحمد وذكر مرة أخرى بأنه من الأحاديث الصحيحة9 الواردة في هذا المقام.

وحدث عثمان بن عفان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار".

أخرجه الطيالسي10 وأحمد11 والبزار12 والطحاوي13 والحاكم14 وصححه الحافظ ابن حجر15.

قلت: فيه عند هؤلاء عبد الرحمن بن أبي الزناد صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد16 ولم يتبين لي هل رُوي عنه هذا الحديث قبل ذلك أم بعده. وتصحيح الحافظ له إما لعلمه بأن عبد الرحمن حفظه أو أن له متابعاً لم أقف عليه.

راجع المدخل 91.

2 انظر الفصل الأول ص 11

3 المسند: 2/22، 103،144.

4 الرسالة: 396.

5 كشف الأستار: 1/ 114.

6 المدخل: 92.

7 معرفة السنن والآثار: 45- 46.

8 تاريخ بغداد: 3/238 ترجمة محمد بن محمد أبو منصور.

9فتح الباري: 1/201،203.

10 منحة المعبود: 1/38.

11 المسند:1/65.

12 كثف الأستار: 1/113.

13 شكل الآثار: 1/ 166.

14 المدخل 92.

15 فتح الباري: 1/203.

16 التقريب: 340.

ص: 27

وحديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: "إن من أفرى الفري من قولني ما لم أقل". أخرجه البخاري وقد تقدم.

ويؤدي مع ذلك إلى العمل عند جهلة الناس كما نسمع من بعض الناس في بعض الأحيان إذا سئلوا عن عمل استدلوا عليه بحديث، فإذا نظر ذلك الحديث وجد أنه من الموضوعات.

ولما سئل السيوطي رحمه الله عن حديث موضوع استغفر الله عز وجل قبل إيراده وبعد إيراده وقال: "علي ذلك ولولا الضرورة إلى حكايته لأجل بيان أنه كذب ما حكيته" ثم قال بعد بيان بطلانه: "لا تحل روايته ولا ذكره وخصوصاً بين العوام والسوقة والنساء"1.

وابن حجر لما أورد حديثاًُ لأبي الدرداء في فضل صيام أيام من رجب قال: "وهذا حديث موضوع ظاهر الوضع قبح الله من وضعه فوالله لقد قف شعري من قراءته في حال كتابته فقبح الله من وضعه، ما أجرأه على الله وعلى رسوله"2.

فظهر بهذا أنه لا تجوز رواية الأحاديث التي لا أصل لها إلا مقرونة ببيان حالها لئلا يغتر بها، ولأنه لو سكت عن ذلك مع العلم به لكان آثماً، وكان له نصيبه من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال مسلم- بعد بحث عن وجوب الكشف عن معائب رواة الحديث وذكر أقوال الأئمة في ذلك: "- إنما ألزموا أنفسهم الكشف عن معائب رواة الحديث، وناقلي الأخبار وأفتوا بذلك حين سئلوا لما فيه من عظيم الخطر إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليل أو تحريم أو أمر أو نهي أو ترغيب أو ترهيب فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه ولم يبين ما فيه لغيره ممن جهل معرفته كان آثماً بفعله ذلك غاشاً لعوام المسلين إذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الأخبار أن يستعملها أو يستعمل بعضها ولعلها أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها، مع أن الأخبار الصحاح من رواية الثقات وأهل القناعة أكثر من أن يضطر إلى نقل من ليس بثقة ولا مقنع"3.

قال أبو بكر بن خلاد: "قلت ليحيى بن سعيد آما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت

1 تحذير الخواص 72.

2 تبيين العجب بما ورد في فضائل رجب ص 31.

3 مقدمة صحيح مسلم1/28.

ص: 28

حديثهم خصماك عند الله يوم القيامة؟ فقال: لأن يكون هؤلاء خصمائي أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لم حدثت عني حديثاً ترى أنه كذب"1.

وقال يحيى بن سعيد: "سألت شعبة وسفيان بن سعيد وسفيان بن عيينة ومالك بن أنس عن الرجل لا يحفظ أو يتهم في الحديث فقالوا جميعاً: بين أمره"2.

وقال عبد الرحمن بن مهدي: "مررت مع سفيان الثوري برجل فقال: كذاب والله! لولا أنه لا يحل لي أن أسكت لسكت"3.

وقال الشافعي: "إذا علم الرجل من محدث الكذب لم يسعه السكوت عليه، ولا يكون ذلك غيبة فإن مثل العلماء كالنقاد، فلا يسع الناقد في دينه أن لا يبين الزيوف من غيرها4.

وقال محمد بن بندار بن السباك الجرجاني: "قلت لأحمد بن حنبل يا أبا عبد الله إنه ليشتد علي أن أقول فلان كذاب فلان ضعيف، فقال لي: إذا سكت أنت وسكت أنا فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم"5.

ويجاب عن ما وجد في كتب بعض الأئمة العارفين بالحديث كالحافظ أبي نعيم الأصبهاني بأنهم نقلوا ما وجدوا كما هو من غير بيان حاله، لأنهم جعلوا العهدة على قائله.

قال ابن تيمية: "وقد روى أبو نعيم في أول الحلية في فضائل الصحابة وفي كتاب مناقب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي أحاديث بعضها صحيحة وبعضها ضعيفة بل منكرة، وكان رجلاً عالماً بالحديث فيما ينقله لكن هو وأمثاله يروون ما في الباب لا يعرف أنه روي، كالمغسي الذي ينقل أقوال الناس في التفسير، والفقيه الذي يذكر الأقوال في الفقه، والمصنف الذي يذكر حجج الناس ليذكر ما ذكروه وإن كان كثير من ذلك لا يعتقد صحته بل يعتقد ضعفه لأنه يقول أنا نقلت ما ذكر غيري فالعهدة على القائل لا على الناقل"6.

والأحاديث الموضوعة أو الساقطة كثيرة نذكر قولاً لحماد بن زيد يوضح شيئاً من ذلك أخرج العقيلي بسنده عن حماد بن زيد قال: "وضعت الزنادقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر ألف حديث"7.

1المدخل: 111 والكفاية 90.

2 الكفاية: 88.

3 المجروحين 1/21 والكفاية 89 والأباطيل والمناكير 1/ 9.

4 الأباطيل والمناكير 1/ 10.

5 الكفاية: 92 والأباطيل 1/ 10.

6 مناهج السنة: 4/ 11.

7 مقدمة الضعفاء للعقيلي ص 14.

ص: 29