الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وستأتي مناقشة هذه الشروط إن شاء الله تعالى.
قال النووي: "قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم يجوز ويستحب العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعاً"1.
وحكي إجماع * أهل الحديث وغيرهم على العمل به في الفضائل2.
قيل لابن المبارك لما روى عن رجل حديثاً- هذا رجل ضعيف فقال:" يحتمل أن يروى عنه هذا القدر أو مثل هذه الأشياء. قلت لعبدة مثل أي شئ كان؟ قال: في أدب، موعظة، في زهد"3.
وقال ابن معين في موسى بن عبيدة يكتب حديثه في الرقائق4.
وتقدم نحو هذا عن أحمد وابن مهدي وأبي زكريا العنبري وابن عبد البر5.
ولما قال ابن حجر الهيتمي بجواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، قال:"لأنه إن كان صحيحاً في نفس الأمر فقد أعطى حقه من العمل، وإلا لم يترتب على العمل به مفسدة تحليل ولا تحريم ولا ضياع حق حتى للغير"6.
وقال في الدر المختار: "فيعمل به في فضائل الأعمال"7.
وقال محشيه ابن عابدين: "لأجل تحصيل الفضيلة المترتبة على الأعمال"8.
وقال نور الدين عتر: "ووجه هذا المذهب أن الحديث الضعيف لما كان محتملاً للإِصابة ولم يعارضه شئ، فإن هذا يقوي جانب الإصابة في روايته فيعمل به"9.
1 الأذكار: 5.
2 فتح المغيث: 1/267.
3 راجع الجرح والتعديل 2/ 30 وشرح علل الترمذي102.
4 شرح علل الترمذي 102.
5 انظر باب رواية الحديث الضعيف ص22.
6 قواعد في علوم الحديث 92-93.
7 قواعد في علوم الحديث 92-93.
8قواعد في علوم الحديث 9293-.
9 منهج النقد في علوم الحديث 291.
* حكاية الإجماع محل نظر إذ أنه لم يقل بعض الأئمة بالعمل به أنظر القول الأول ص32 وانظر رد القول بجواز العمل بالحديث الضعيف ص37.
الباب السابع: الأحاديث التي استدلوا بها:
…
الأحاديث التي استدلوا بها:
واستدلوا على ذلك بحديث: "من بلغه عن الله عز وجل شيء فيه فضيلة فأخذه إيماناً به، ورجاء ثوابه أعطاه الله ذلك وان لم يكن كذلك". وهو مروي بألفاظ مختلفة عن عدد من الصحابة: عن جابر بن عبد الله وانس بن مالك وعبد الله بن عمره وابن مهرة وابن عباس رضي الله عنهم وسيأتي بيانها وذكر من أخرجها والكلام عليها في صفحة (46) .
رد القول بجواز العمل بالحديث الضعيف:
وبعد عرض الأقوال في هذا الموضوع وإيراد ما استدل به بعضهم من الأدلة أبين إن شاء الله أولاها بالصواب فأقول: أرجح هذه الأقوال وأعدلها وأولاها بالصواب هو القول الأول وهو الذي تركن إليه النفس وتطمئن به. وديننا الذي أكمله الله سبحانه وتعالى بغنية عن الحديث الضعيف الذي لم تثبت صحته، ومن القيام بما احتوى عليه من طلب فعل أو كف، أو فيما معناه، لأن العمل بالحديث الضعيفة إختراع عبادة وتشريع في الدين ما لم يأذن به الله عز وجل.
وقول من قال بجواز العمل به على الإطلاق يكدره ما نقل عن أحمد وغيره من التساهل إذا لم يكن الأمر يتعلق بالأحكام. وتقدمت الإشارة إلى مثل ذلك في القول الثالث وفي رواية الحديث الضعيف ثم أن إطلاقهم في ذلك محمول على أحد أمرين:
الأول: أنهم أرادوا بالحديث الضعيف الحسن.
الثاني: أنهم أرادوا بالقياس المفضل عليه حديث الضعيف هو الفاسد إذ أنه لا يجوز إتفاقاً العمل بالحديث الضعيف في الأحكام.
قال النووي: "وأما فعل كثير من الفقهاء أو أكثرهم ذلك، واعتمادهم عليه فليس بصواب بل قبيح جداً، وذلك لأنه إن كان يعرف ضعفه لم يحل له أن يحتج بالضعيف في الأحكام، وإن كان لا يعرف ضعفه لم يحل له أن يهجم على الإحتجاج به من غير بحث عليه بالتفتيش عنه، إن كان عارفاً أو بسؤال أهل العلم به إن لم يكن عارفاً"1.
لأن الحسن على ما قالوه لم يشتهر القول به قبل الترمذي وكان الحديث قبله إما صحيحاً وإما ضعيفاً فقط.
قال شيخ الإسلام: "ومن نقل عن أحمد أنه كان يحتج بالحديث الضعيف الذي ليس بصحيح ولا حسن فقد غلط عليه، ولكن كان في عرف أحمد بن حنبل ومن قبله من العلماء أن الحديث ينقسم إلى نوعين: صحيح وضعيف. والضعيف عندهم ينقسم إلى ضعيف متروك لا يحتج به، وإلى ضعيف حسن. كما أن ضعف الإنسان بالمرض ينقسم إلى: مرض مخوف يمنع التبرع من رأس المال، وإلى ضعيف خفيف لا يمنع من ذلك. وأول من عرف أنه قسم الحديث ثلاثة أقسام صحيح وحسن وضعيف هو أبو عيسى الترمذي في جامعه.
1 شرح النووي 1/ 163.
والحسن عنده ما تعددت طرقه ولم يكن في رواته متهم وليس بشاذ1 فهذا الحديث وأمثاله يسميه أحمد ضعيفاً ويحتج به وهذا مثل أحمد الحديث الضعيفة الذي يحتج به بحديث عمرو2بن شعيب"3.
وقال: "وأما من قبل الترمذي من العلماء فما عرف عنهم هذا التقسيم الثلاثي لكن كانوا يقسمونه إلى صحيح وضعيف، والضعيف عندهم نوعان:
ضعيف ضعفاً لا يمتنع العمل به، وهو يشبه الحسن في اصطلاح الترمذي.
وضعيف ضعفاً يوجب تركه وهو الواهي، وهذا بمنزلة مرض المريض قد يكون قاطعاً بصاحبه فيجعل التبرع من الثلث، وقد لا يكون قاطعاً بصاحبه، وهذا موجود في كلام أحمد وغيره "4.
ولهذا يوجد في كلام أحمد وغيره من الفقهاء أنهم يحتجون بالحديث الضعيف كحديث عمرو بن شعيب وإبراهيم الهجري وغيرهما فان ذلك الذي سماه أولئك ضعيفاً هو أرفع من كثير من الحسن بل هو مما يجعله كثير من الناس صحيحاً5.
وقال ابن رجب: "وكان الإمام أحمد يحتج بالضعيف الذي لم يرد خلافه، ومراده بالضعيف قريب من مراد الترمذي بالحسن"6.
وقال ابن القيم: "في ذكره لأصول الفتوى عند الإمام أحمد الأصل الرابع: الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شئ يدفعه، وهو الذي رجحه على
1 راجع شرح علل الترمذي: 287 والفتاوى 18/23.
2 عمرو هذا حسن الحديث، إذ أنه صدوق (التقريب 423) ولا فرق بين ما رواه عن غير أبيه إذا كان صدوقاًً أو ثقة، وما رواه عن أبيه عن جده، لأن أباه شعيباًً صدوق، وقد روى عن جده عبد الله وهو الذي رباه، لأن أباه محمد مات وشعيب صغيراًً.
قال أحمد:" قد صح سماع عمرو بن شعيب من أبيه، وصح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو ".
وقال البخاري:" رأيت علي بن المديني وأحمد بن حنبل والحميد وإسحاق بن راهويه يحتجون به ".
وذكر الحاكم دليلاً لا يقبل الجدل. على أن شعيباً سمع من جده عبد الله وذلك أن رجلاًً سأل ابن عمر وثم ذهب معه شعيب إلى عبد الله بن عمر بأمر جده عبد الله بن عمر وثم إلى ابن عباس بأمر جده أيضاًً ثم عاد معه إلى جده عبد الله بن عمرو ثم قال الحاكم:" هذا حديث ثقاة رواته حفاظ وهو كالأخذ باليد في صحة سماع شعيب بن محمد عن جده عبد الله بن عمرو ".
قلت: وقد ذكر هذه القصة قبل الحاكم ابن أبي شيبة 4/142.
وقد بسط القول في هذا الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى بما يغنى عن الإطالة ذاكراً مصدر كل قول فليراجعه من سلا. (راجع تعليقه على مسند الإمام أحمد 10/ 25 الحديث 6518 وجامع الترمذي 2/ 140- 144)
3 الفتاوى: 252/1، ومنهاج السنة: 2/ 191 وراجع في استدلال أحمد بحديث عمرو بن شعيب فتح المغيث: 1/ 80.
4 الفتاوى 18/ 25.
5 الفتاوى: 8 ا/249 ومنهاج السنة 2/ 191 وفتح المغيث 1/ 80.
6 شرح علل الترمذي: 259.
القياس، وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه والعمل به، بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب، فإذا لم يجد في الباب أثراً يدفعه ولا قول صاحب ولا إجماع على خلافه كان العمل به عنده أولى من القياس. وليس أحد من الأئمة إلا وهو موافقه على هذا الأصل من حيث الجملة، فإنه ما منهم أحد إلا وقد قدم الحديث الضعيف على القياس1 وحمل القول بالعمل بالحديث الضعيف على الحسن غير هؤلاء"2.
واعترض على من قال بأن الحديث الحسن لم يعرف إلا بالترمذي بأنه قد وجد في شيوخه وشيوخ شيوخه من استعمله في بعض عباراته.
وقال ابن الصلاح: "أن الحسن وجد التعبير به في كلام شيوخ الطبقة التي قبل الترمذي كالشافعي"3.
قال الحافظ ابن حجر: "قد وجد التعبير بالحسن في كلام من هو أقدم من الشافعي".
قال إبراهيم النخعي: "كانوا إذا اجتمعوا كرهوا أن يخرج الرجل حسان حديثه. وقيل لشعبة كيف تركت أحاديث العرزمي وهي حسان؟ قال: من حسنها فررت".
ووجد هذا من أحسن الأحاديث إسناداً في كلام علي بن المديني، وأبي زرعة الرازي وأبي حاتم ويعقوب بن شيبة وجماعة.
لكن منهم من يريد بإطلاق ذلك المعنى الإصطلاحي، ومنهم من لا يريده. فأما ما وجد في ذلك في عبارة الشافعي ومن قبله بل وفي عبارة أحمد بن حنبل فلم يتبين لي منهم إرادة المعنى الإصطلاحي، بل ظاهر عبارتهم خلاف ذلك.
فإن حكم الشافعي على حديث ابن عمر رضي الله عنهما في استقبال بيت المقدس حال قضاء الحاجة بكونه حسناً خلاف الإصطلاح بل هو صحيح متفق على صحته4.
ثم نقل قولي أحمد في حديث أم حبيبة في نقض الوضوء بمس الذكر وذلك أنه قال فيه مرة: "أصح ما قيل فيه حديث أم حبيبة"، وقال مرة أخرى:"هو حديث حسن". فعقبه الحافظ
1 أعلام الموقعين: 1/ 31.
2 فتح المغيث: 1/80.
3 النكت 1/424.
4 النكت 1/ 424- 425 وراجع في حديث ابن عمر والبخاري: الوضوء، باب من تبرز على لبنتين (فتح الباري 1/ 247) ومسلم: الطهارة، باب الاستطابة: 1/ 225.
بقوله: "فظاهر هذا أنه لم يقصد المعنى الإصطلاحي لأن الحسن لا يكون أصح من الصحيح".
ثم قال: "وأما علي بن المديني فقد أكثر من وصف الأحاديث بالصحة والحسن في مسنده وفي علله فظاهر عبارته قصد المعنى الإصطلاحي. وكأنه الإمام السابق لهذا الإصطلاح، وعنه أخذ البخاري ويعقوب بن شيبة وغير واحد، وعن البخاري أخذ الترمذي. فمن ذلك ما ذكر الترمذي في العلل الكبير أنه سأل البخاري عن أحاديث التوقيت في المسح على الخفين فقال: حديث صفوان بن عسال صحيح وحديث أبي بكرة حسن. وحديث صفوان الذي أشار إليه موجود فيه شرائط الصحة"1.
ثم قال: "فبان أن استمداد الترمذي لذلك إنما هو من البخاري، ولكن الترمذي أكثر منه وأشاد بذكره وأظهر الإصطلاح فيه فصار أشهر به من غيره"2.
فظهر بهذا أن الحق مع من قال أن الحسن لم يشتهر إلا بالترمذي، لأن الحسن على المعنى الإصطلاحي وإن استعمل قبل الترمذي إلا أن الترمذي هو الذي أكثر منه وأشاد بذكره وأظهر الإصطلاح به حتى أنه عرف به كما ذكره ابن حجر فيما تقدم.
وكلام ابن تيميه المتقدم صريح في ذلك إذ أنه قال: "وأول من عرف أنه قسم الحديث ثلاثة أقسام صحيح وحسن وضعيف هو أبو عيسى الترمذي في جامعه" ولم ينف استعماله فيما قبل الترمذي. ومن البعيد أن يخفى على ابن تيمية مع ما وصف به من التحقيق وكذلك تلميذه ابن القيم ورود الحسن في كلام من تقدم على الترمذي والله أعلم.
وقد تأول جماعة من العلماء هذه الروايات بأن المراد بها معنى آخر غير المعنى المتعارف لكلمة (ضعيف) وهذا المعنى المراد هو (الحسن) لأنه ضعف عن درجة الصحيح. لكن هذا التأويل يشكل عندنا بما قاله أبو داود ولفظه وإن من الأحاديث في كتابي السنن ما ليس بمتصل وهو مرسل ومدلس، وهو إذا لم توجد الصحاح عند عامة أهل الحديث على معنى أنه متصل وهو مثل الحسن عن جابر والحسن عن أبي هريرة، والحكم عن مقسم عن ابن عباس- حيث جعل أبو داود الحديث غير المتصل صالحاً للعمل عند عدم الصحيح، ومعلوم أن المنقطع من أنه الحديث الضعيف لا الحسن. كما أنه على تأويل الضعيف
1 النكت: ا/426-427.
2 النكت:1/ 429.
بالحسن لا معنى لتخصيص هؤلاء الأئمة بالعمل به وتقديمه على القياس، لأن هذا مذهب جماهير العلماء1.
قال الشيخ أحمد شاكر: "إن الإصطلاح في التفرقة بين الصحيح والحسن لم يكن في عصرهم مستقراً واضحاً، بل كان أكثر المتقدمين لا يصف الحديث إلا بالصحة أو الضعف فقط"2.
قلت: هناك فرق بين الحسن الوارد في كلام من تقدم على الترمذي إذا أرادوا المعنى الإصطلاحي وفي كلام الترمذي فأولئك يعنون به الحسن لذاته، والترمذي يريد به الحسن لغيره، لأنه عرف الحسن بأنه ما تعددت طرقه ولم يكن في رواته متهم وليس بشاذ فيحتمل أن يكون ابن تيمية ومن نحا نحوه أرادوا به حمل الحديث الضعيف في كلام أحمد وغيره على الحسن لغيره لا لذاته. لأن الحسن لذاته صحيح عند قوم حسن عند آخرين، والحسن لغيره جمع بين صفتين، صفة الضعف وصفة الحسن فإن نظر إلى تفرده فهو ضعيف وإن نظر إلى مجموعه فهو الحسن. والحسن من هذا القبيل حسن عند قوم وضعيف عند آخرين3.
ويؤيد ذلك تعقيب كلامه بتعريف الترمذي للحسن فيما مضى.
وهذا الذي تقدم منصباً على ما عدا المرسل، أما المرسل فقد أخذ من أخذ به لأن الذي لم يذكر فيه كالمذكور المعدل.
قال الشاطبي: "وكذلك أخذ من أخذ منهم بالمرسل ليس إلا من حيث ألحق بالصحيح في أن المتروك ذكره كالمذكور والمعدل فأما ما دون ذلك فلا يؤخذ به بحال عند علماء الحديث".
والإحتمال الثاني: أنهم أرادوا بتفضيل الحديث الضعيف على القياس الفاسد لأن الحديث وإن كان ضعيفاً لا بد من وجود نسبة في احتمال ثبوته وإن قلّت، لكن لا نستطيع أن نحكم بها لضعف سنده ولتجرده من القرائن والضمائم التي تقويه، وأما القياس الفاسد فبخلاف ذلك.
وذكر الشاطبي وملا علي القاري: "بأن المراد بالقياس الذي ورد تفضيل الحديث الضعيف عليه في كلام أحمد القياس الفاسد الذي لا أصل له من كتاب ولا سنة ولا إجماع"4.
1 منهج النقد في علوم الحديث 292.
2 الباعث الحثيث 92.
3 راجع فتح المغيث 1/17.
4 راجع الإعتصام1/226 وقواعد في علوم الحديث 96.
فظهر بهذا أنهم لم يقولوا بالعمل الحديث الضعيف المعروف بهذه الصفة، وإذا لم يحتمل قولهم أحد الإحتمالين فهو قول مجتهد كما قال الشاطبي والجواب عن هذا أنه كلام مجتهد يحتمل اجتهاده الخطأ والصواب، إذ ليس له على ذلك دليل يقطع العذر، وإن سلم فيمكن حمله على خلاف ظاهره، لإجماعهم على طرح الضعيف الإسناد، فيجب تأويله على أن يكون أراد به الحسن السند وما دار به على القول بأعماله، أو أراد خيراً من القياس1.
كما أن في نسبة القول بتقديم الحديث الضعيف على القياس إلى أبي داود شك، وقد تشكك فيه الحافظ ابن حجر2.
فإن قيل إذا كان الأمر كذلك يعني أنه لا يجوز العمل بالحديث الضعيف فلماذا روى الأئمة الأحاديث الضعيفة في كتبهم كمالك في الموطأ، وابن المبارك وأحمد في الرقاق، وسفيان في جامع الخير وغيرهم فقد سبق الجواب عنه في حكم رواية الحديث الضعيف.
وأما من قال بالعمل به في الفضائل والترغيب والترهيب فغير متجه، لأن فضائل الأعمال والترغيب من قسم المندوب، وهو من الأحكام كما هو معلوم. وقد مضى بيان حكم العمل بالحديث الضعيف في الأحكام، كما أنه يتضمن الأخبار عن الله عز وجل في الوعد على ذلك العمل بالإثابة والأخبار بالعقوبة المعينة.
قال الشوكاني: "إن الأحكام الشرعية متساوية الأقدام، لا فرق بينها، فلا يحل إثبات شئ منها إلا بما تقوم به الحجة، وإلا كان من التقول على الله عز وجل بما لم يقل. وفيه من العقوبة ما هو معروف، والقلب يشهد بوضع ما ورد في هذا المعنى وبطلانه"3.
قال شيخ الإسلام: "العمل إذا علم أنه مشروع بدليل شرعي، وروي في فضله حديث لا يعلم أنه كذب جاز أن يكون الثواب حقاً، ولم يقل أحد من الأئمة أنه يجوز أن يجعل الشيء واجباً أو مستحباً بحديث ضعيف. ومن قال هذا فقد خالف الإجماع وهذا كما أنه لا يجوز أن يحرم شئ إلا بدليل شرعي، لكن إذا علم تحريمه وروى حديث في وعيد الفاعل له، ولم يعلم أنه كذب جاز أن يرويه فيجوز أن يروى في الترغيب والترهيب ما لم
1 الإعتصام: 1/ 226.
2 النكت: 1/ 443.
3 الفوائد المجموعة 1/283.
يعلم أنه كذب، لكن فيما علم أن الله رغب فيه أو رهب منه بدليل آخر غير هذا الحديث المجهول حاله.
وهذا كالإسرائيليات، يجوز أن يروى منها ما لم يعلم أنه كذب للترغيب والترهيب فيما علم أن الله تعالى أمر في شرعنا ونهى عنه في شرعنا فأما أن يثبت شرعاً لنا بمجرد الإسرائيليات التي لم تثبت فهذا لا يقوله عالم، ولا كان أحمد بن حنبل ولا أمثاله من الأئمة يعتمدون على مثل هذه الأحاديث في الشريعة"1.
قال ابن رجب: "وظاهر ما ذكره مسلم في مقدمة كتابه يقتضي أن لا يروى أحاديث الترغيب والترهيب إلا عمن تروى عنه الأحكام"2.
ومعنى قول أحمد وابن مهدى وابن المبارك "أنه إذا جاء الترغيب والترهيب تساهلنا في الأسانيد" يعني أننا روينا الحديث بإسناده حتى يتبين ما فيه للناظر فيما بعد رجاء أن يحصل له شاهد أو متابع ثم أنه قال: تساهلنا ولم يقل روينا الحديث الضعيف البينّ ضعفه بمعنى أنهم يميزون بين أسانيد الأحكام التي فيها الحلال والحرام والنكاح والطلاق فلا يأخذونها إلا عن الثقات وأما ما كان في فضائل الأعمال فيأخذونها عمن دونهم ما لم يصل إلى حد الضعيف المتفق عليه ولا شيء أدل على ذلك من قول سفيان الثوري المتقدم في رواية الحديث الضعيف. وقول الإمام أحمد لابنه: "لو أردتُ أن أقصر على ما صح عندي لم أرو من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء، ولكنك يا بني تعرف طريقتي في الحديث لست أخالف ما ضعف إلا إذا لم يكن في الباب ما يدفعه"3.
وقال الشيخ أحمد شاكر: "والذي أراه أن بيان الضعيف في الحديث الضعيف واجب في كل حال لأن ترك البيان يوهم المطلع عليه أنه حديث صحيح خصوصاً إذا كان الناقل له من علماء الحديث الذين يرجع إلى قولهم في ذلك، وأنه لا فرق بين الأحكام وبين فضائل الأعمال ونحوها في عدم الأخذ بالرواية الضعيفة بل لا حجة لأحد إلا بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث صحيح أو حسن"4.
وقال ابن حزم في صفات وجهه النقل عند المسلمين: "والرابع شيء نقله أهل المشرق
1 الفتاوى 1/ 251.
2 شرح علل الترمذي 102
3 الخصائص 15 وراجع فتح المغيث 1/ 80.
4 الباعث الحثيث 92
والمغرب أو الكافة أو الواحد الثقة عن أمثالهم إلى أن يبلغ من ليس بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم إلا واحداً فأكثر فسكت ذلك البلوغ إليه عمن أخبره بتلك الشريعة عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعرف من هو فهذا نوع يأخذ به كثير من المسلمين ولسنا نأخذ به البتة ولا نضيفه إلى النبي صلى الله عليه وسلم إذ لم نعرف من حدث به عن الني صلى الله عليه وسلم وقد يكون غير ثقة ويعلم منه غير الذي روى عنه ما لم يعرف منه الذي روى عنه.... والخامس شيء نقله كما ذكرنا إما بنقل أهل المشرق والمغرب أو كافة عن كافة أو ثقة عن ثقة حتى يبلغ إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن في الطريق رجلاً مجروحاً يكذب أوفيه غفلة أو مجهول الحال فهذا أيضاً يقول به بعض المسلمين ولا يحل عندنا القول به ولا تصديقه ولا الأخذ بشيء منه وهذه صفة نقل اليهود والنصارى فيما أضافوه إلى أنبيائهم"1.
وقال الشاطبي- بعد ذكره أن وجوه البدعة لا تنحصر:-"لكن نذكر من ذلك أوجهاً كلية يقاس عليها ما سواها. فمنها اعتمادهم على الأحاديث الواهية الضعيفة، والمكذوب فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي لا يقبلها أهل صناعة الحديث في البناء عليها: كحديث الإكتمال يوم عاشوراء وإكرام الديك الأبيض، وأكل الباذنجان بنية وأن النبي صلى الله عليه وسلم تواجد واهتز عند السماع حتى سقط الرداء عن منكبيه وما أشبه ذلك. أمثال هذه الأحاديث على ما هو معلوم [لا يبنى عليها حكم، ولا تجعل أصلاً في التشريع أبداً، ومن جعلها كذلك فهو] 2 جاهل ومخطىء في نقل العلم. فلم ينقل الأخذ بشيء منها عمن يعتد به في طريقة العلم، ولا طريقة السلوك. وإنما أخذ بعض العلماء بالحديث الحسن لإلحاقه عند المحدثين بالصحيح لأن سنده ليس فيه من يعاب بجرحة متفق عليها. وكذلك أخذ من أخذ منهم بالمرسل ليس إلا من حيث ألحق بالصحيح في أن المتروك ذكره كالمذكور والمعدل، فأما من دون ذلك فلا يؤخذ به بحال عند علماء الحديث"3.
وقال الشيخ محمد محي الدين عبد الحميد في هامش توضيح الأفكار: "وفضائل الأعمال لا تخلو عن حكم أهونه الإباحة، وأي فرق بين حكم وحكم، ما دام معنى حكم المجتهد على شيء من الأشياء بحكم من الأحكام يتضمن حكماً ضمنياً على الله تعالى وعلى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه بأنه يقتضي في هذا الموضوع بما يذهب إليه
1 الفصل في الملل 2/83.
2 ما بين المعكوفتين ألحقته من مقدمة صحيح الترغيب ص 28. وقد نقل فضيلة الشيخ النص سالماً من السقط من نسخة أخرى.
3 الإعتصام: 1/ 224- 225.