المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الباب السادس: العمل بالحديث الضعيف - تحقيق القول بالعمل بالحديث الضعيف

[عبد العزيز العثيم]

الفصل: ‌الباب السادس: العمل بالحديث الضعيف

ويقول: إنه يميز بين ما يكذبه وبين مالا يكذبه، ويذكر عن الثوري أنه كان يأخذ عن الكلبي، وينهى عن الأخذ عنه، ويذكر أنه يعرف. ومثل هذا قد يقع لمن كان خبيراًَ بشخص، إذا حدثه بأشياء يميز بين ما صدق فيه، وما كذب فيه، بقرائن لا يمكن ضبطها. وخبر الواحد قد يقترن به قرائن تدل على أنه صدق، أو تقترن به القرائن تدل على أنه كذب"1 انتهى.

وروى الإمام ابن عبد البر2 في (جامع بيان العلم وفضله) في باب الرخصة في كتابة العلم، عن سفيان الثوري أنه قال:"إني أحب أن أكتب الحديث على ثلاثة أوجه، حديث أكتبه أريد أن أتخذه ديناًَ، وحديث رجل أكتبه فأوقفه لا أطرحه ولا أدين به، وحديث رجل ضعيف أحب أن أعرفه ولا أعبأ به. وقال الأوزاعي: تعلم ما لا يؤخذ به، كما تتعلم ما يؤخذ به"3.

1 الفتاوى: 18/ 26- 27.

2 جامع بيان العلم وفضله 76.

3 قواعد التحديث 114- 116.

ص: 32

‌الباب السادس: العمل بالحديث الضعيف

الباب الخامس العمل بالحديث الضعيف

العمل الذي ندين الله به من فعل أو كف لا يكون إلا بدليل من كتاب الله أو مما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الأخبار المقبولة أربعة أقسام:

الأول: متواتر لفظاً ومعنى.

والثاني: أخبار متواترة معنى، وإن لم تتواتر لفظاً.

والثالث: أخبار مستفيضة متلقاة بالقبول بين الأمة.

والرابع: أخبار أحاد مروية بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط عن مثله، حتى تنتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وما عدا ذلك فهو الحديث الضعيف وتتفاوت درجته في الضعف بحسب بعده عن شروط الصحة، وله أحوال:

إما أن تتعدد طرقه وفيها طريقان فأكثر صالحة للإعتبار فيعضد بعضها البعض الآخر فيصبح حسناً لغيره، ويكون من أقسام الحديث المقبول المعمول به.

ص: 32

وإما أن تتعدد طرقه وكلها غير صالحة للإعتبار على تفاوت مراتب ضعفه كأن يكون موضوعاً وهو الذي في إسناده كذاب أو وضاع - وهو أشر أنواع الضعيف- أو أخف من سابقه قليلاً وهو الذي اشتد ضعفه بأن يكون في إسناده متهم أو مجمع على تركه، أو ذاهب الحديث، أو هالك، أو منكر الحديث، أو ليس بشيء أو ضعيف جداً، فهذا لا يلتفت إليه، مهما تعددت طرقه، ما دامت بهذه الصفة إلا على قول أنه بتعدد طرقه تخف شدة ضعفه1 بحيث تكون بمجموعها بمثابة طريق واحد صالح للمتابعة فهذا يكون العمل به كلاحقه.

وإما أن لا تتعدد طرقه بأن لا يكون له إلا طريق واحد صالح للإعتبار، أو تتعدد وهي كلها واهية سوى طريقاً واحداً صالحاً للمتابعة، فهذا إما أن تتلقاه الأمة بالقبول، فيعمل به على الصحيح، كما قال الشافعي: حديث "لا وصية لوارث" أنه لا يثبته أهل الحديث ولكن العامة تلقته بالقبول وعملوا به حتى جعلوه ناسخاً لآية الوصية له 2.

قلت: هذا إذا كان الحديث ضعيفاً، أما هذا الحديث فصحيح3.

وإما أن لا تتلقاه بالقبول فهذا يتوقف فيه، لأنه لا عاضد له من متابع وشاهد فيقبل ولم يشتد ضعفه فيرد من أجل ذلك4.

وهذا القسم اختلف العلماء في العمل به على أقوال ثلاثة5:

الأول: لا يعمل به مطلقاً، لا في الأحكام، ولا في الفضائل، حكاه ابن سيد الناس6 عن يحيى ابن معين ونسب إلى أبي بكر بن العربي7.

والظاهر أنه مذهب البخاري ومسلم، أخذ ذلك من شروط البخاري في صحيحه وتشنيع الإمام مسلم على رواة الضعيف وعدم إخراجها في صحيحهما شيئاً منه ذكره القاسمي8.

وذهب ابن حزم إلى هذا قال: "ما نقله أهل المشرق والمغرب، أو كافة عن كافة، أو ثقة عن ثقة، حتى يبلغ إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن في الطريق رجلاً مجروحاً: بكذب أو غفلة أو

1 انظر هذا القول في رواية الأحاديث الضعيفة ص18.

2 الرسالة 141، 142 المسألة 402،403 والأم 4/ 40 وراجع فتح المغيث 1/268.

3 راجع الاراء6/87 الحديث 1655ـ

4 راجع فتح المغيث: 1/ 71.

5 راجع القول البديع 256 وقواعد التحديث 113- 114.

6 عيون الأثر: 1/ 15.

7 راجع تدريب الراوي 196 والقول البديع 256.

8 قواعد التحديث 113- 114.

ص: 33

مجهول الحال فهذا يقول به بعض المسلمين، ولا يحل عندنا القول به، ولا تصديقه ولا الأخذ بشيء منه"1.

الثاني: أنه يعمل به مطلقاً، إذا لم يوجد في الباب غيره، ولم يوجد ما يدفعه، ولم يشتد ضعفه، لأن شديد الضعف متفق على عدم العمل به روي ذلك عن أحمد وأبي داود وغيرهما2.

قال الحافظ:" وقد روينا من طريق عبد الله بن أحمد بالإسناد الصحيح إليه قال سمعت أبي يقول: "لا تكاد ترى أحداً ينظر في الرأي إلا وفي قلبه دغل"، والحديث الضعيف أحب إلي من الرأي.

قال: وسألته عن الرجل يكون ببلد لا يوجد فيها إلا صاحب حديث لا يدري صحيحه من سقيمه وصاحب الرأي فمن يسأل؟ قال: "يسأل صاحب الحديث ولا يسأل صاحب الرأي"3.

وكان يقول: "يعمل بالضعيف إذا لم يوجد غيره، ولم يكن ما يعارضه"4.

وفي رواية عنه: "ضعيف الحديث أحب إلينا من رأي الرجال"5.

ونحو ما حكي عن أحمد قال الشافعي: "أن المرسل يحتج به إذا لم يوجد دلالة سواه" حكاه الماوردي عنه في الجديد6.

وذكر ابن القيم7 بأنه أخذ بأحاديث ضعيفة وقدمها على القياس كحديث تحريم صيد وج8 وجواز الصلاة بمكة في وقت النهي9 وحديث "من قاء أو رعف فليتوضأ ولبين

1 الفصل في الملل والنحل: 2/38.

2 راجع فتح المغيث 1/267.

3 النكت 1/437 وراجع القول البديع 255 وفتح المغيث 1/ 0 8.

4 القول البديع 255 والموضوعات لابن الجوزي 35.

5 القول البديع 255 والموضوعات لابن الجوزي 35.

6 راجع فتح المغيث 1/ 80.

7 إعلام الموقعين: 1/ 32.

8 وتحريم صيدوجّ رواه الزبير بن العوام أخرجه أحمد (المسند 1/165) وأبو داود المناسك (عون المعبود 2/ 164) ذكر الذهبي بأن الشافعي صححه (ميزان الإعتدال 2/393) وحسنه المنذري (التلخيص الخبير 2/ 280) قلت: هو من طريق محمد بن عبد الله بن إنسان عن أبيه ومحمد بن عبد الله ذكره ابن حبان في الثقات (9/33) وقال: كان يخطىء وقد تفرد بهذا الحديث نص عليه البخاري في التاريخ الكبير (1/140) وابن حبان. وقال ابن حجر فيه لين (التقريب 486) ومثل ذلك قال في أبيه (التقريب 296) وقال البخاري في عبد الله بن إنسان لم يصح حديثه (التاريخ الكبير 5/ 45) وكذا قال الأزدي وذكر الخلال أن أحمد ضعفه (التلخيص الخبير 2/ 280) وقال النووي: إسناده ضعيف.

9 دل على هذا حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" يا بنى عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت

ص: 34

على صلاته" 1.

ونقل أبو عبد الله بن مندة عن أبي داود- صاحب السنن- أنه يخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره وأنه أقوى عنده من رأي الرجال2.

قال الشاطبي: "فكلام أحمد ومن وافقه دال على أن العمل بالحديث الضعيف يقدم على القياس المعمول به عند جمهور المسلمين بل هو إجماع السلف رضي الله عنهم"3.

وقال السيوطي: "ويعمل به أيضاً في الأحكام إذا كان فيه احتياط"4.

وذكر ابن حزم أن جميع الحنفية مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث أولى عنده من الرأي والقياس5.

وذكر ابن القيم أن مالكاً يقدم الحديث المرسل والمنقطع والبلاغات وقول الصحابي على القياس6.

وقال ابن القيم: "يؤخذ بالحديث المرسل والضعيف إذا لم يكن في الباب شئ يدفعه" وهو الذي قدمه الإمام أحمد على القياس وقال: وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه والعمل به، بل الحديث الضعيف

وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهاراً. أخرجه الترمذي (الحج، باب ما جاء في الصلاة بعد العصر وبعد المغرب

(تحفة الأحوذي 2/ 94- 95) وأبو داود: المناسك، باب الطواف بعد العصر (عون المعبود 2/ 119) والنسائي (الصلاة، باب إباحة الصلاة في الساعات كلها بمكة 1/228) وابن ماجة (إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الرخصة في الصلاة بمكة في كل وقت 1/398) والشافعي (الرسالة) 325 وأحمد (المسند: 4/ 84) والدارمي: (المناسك، باب الطواف في غير وقت الصلاة: 2/ 75) وابن خزيمة (4/ 225) والحاكم (المستدرك 1/448) والبيهقي (السنن الكبر ى: 2/ 461) .

قال الترمذي فيه: حسن صحيح وصححه ابن خزيمة وقال الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي- وروي أيضاً من وجوه أخرى (راجع التلخيص الخبير 1/ 190

هذا الحكم مأخوذ من حديث لعائشة أم المؤمنين ولأبي سعيد الخدري وابن عباس فحديث عائشة أخرجه ابن ماجة (إقامة الصلاة: باب ما جاء في البناء على الصلاة 1/385) والدارقطنى 1/157 والبيهقي 1/142وهومن طريق إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة. وهو ضعيف لأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين وهو مخلط وفي روايته عنهم وقد رواه موصولاًً ومرسلاًً. وتكلم الأئمة في ذلك مبينين ترجيح إرساله على وصله، وأن المرسل أيضاًً ليس بشيء. وقد حاول ابن التركماني تصحيح حديث إسماعيل بن عياش بما لا طائل تحته (الجوهر النقي على السنن الكبرى للبيهقي 1/142،143) .

وحديث أبى سعيد الخدري أخرجه الدارقطني 1/ (157) وفيه أبو بكر الداهري متروك.

وحديث ابن عباس أخرجه الدارقطني (1/156) وفيه سليمان بن أرقم متروك.

وروى فيه أيضاًًً آثار راجع التلخيص الخبير1/275 والدارية 1/31 ونصب الراية 1/37 والكامل لابن عدي 1/288 والبيهقي 1/142،143.

2 راجع القول البديع 256 والنكت 1/ 436.

3 الاعتصام: 1/ 226.

4 تدريب الراوي 197.

5 ملخص أبطال القياس والرأي 68 وراجع الأحكام 7/ 54.

6 أعلام الموقعين 1/32.

ص: 35

عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن. ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف بل إلى صحيح وضعيف. وللضعيف عنده مراتب فإذا لم يجد في الباب أثر يدفعه ولا قول صاحب ولا إجماع على خلافه كان العمل به عنده أولى من القياس، وليس أحد من الأئمة إلا وهو وافقه على هذا الأصل من حيث الجملة فإنه ما منهم أحد إلا وقد قدم الحديث الضعيف على القياس"1.

ولما ذكر ابن حزم صفات وجوه النقل عند المسلمين قال في الوجه الرابع الذي هو المرسل والخامس الذي في إسناده ضعيف أنه أخذ بهما بعض المسلمين2.

ثم إن الإمام أحمد وغيره ممن نقل عنه القول بجواز العمل بالحديث الضعيف مطلقاً نقلت عنه روايات تدل على منع ذلك. وأن ذلك مخصوص في فضائل الأعمال.

قال أحمد- في رواية الميموني عنه-"الأحاديث الرقائق يحتمل أن يتساهل فيها حتى يجيء شئ فيه حكم"3.

وقال- في رواية عباس الدوري عنه-"ابن إسحاق رجل تكتب عنه هذه الأحاديث يعني المغازي ونحوها، وإذا جاء الحلال والحرام أردنا قوماً هكذا وقبض أصابع يده الأربعة"4. وسيأتي مزيد إيضاح لذلك في القول الثالث.

القول الثالث: يعمل به في الفضائل والمستحبات والمكروهات بشروط:

ا- أن يكون ضعفه غير شديد فيخرج ما اشتد ضعفه كحديث الكذابين والمتهمين بالكذب ومن فحش غلطه وهذا الشرط متفق عليه نقله العلائي5.

2-

أن يكون الحديث في الفضائل وما في معناها.

3-

أن يندرج تحت أصل معمول به.

4-

أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الإحتياط6.

1إعلام الموقعين: 1/ 31.

2 راجع الفصل في الملل والنحل: 1/83.

3 الكفاية 213 وراجع فتح المغيث 1/267.

4 فتح المغيث: 1/267.

5 القول البديع 255.

6 ذُكرت هذه الشروط أو بعضها في فتح المغيث ا/ 268 والقول البديع 255وتدريب الراوي 196 وتبين العجب بما ورد في فضائل رجب 32 وقواعد التحديث 116.

ص: 36