الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بيان معنى فليتبوأ: فليتبوأ: أي فليتخذ لنفسه منزلاً، يقال تبوأ الرجل المكان إذا اتخذه سكناً، وهو أمر بمعنى الخبر، أو بمعنى التهديد، أو بمعنى التهكم، أودعا على فاعل ذلك: أي بوأه الله ذلك1.
وقال الكرماني2:يحتمل أن يكون الأمر حقيقة، والمعنى من كذب فليأمر نفسه بالتبؤ ورجح أنه أمر بمعنى الخبر. ووافقه الحافظ ابن حجر عليه3 مستدلاً بحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن الذي يكذب عليَّ يبنى له بيت في النار"4.
الباب الثاني وجوب معرفة الحديث الصحيح من الضعيف
يجب على المشتغل في الحديث النبوي الشريف، أن يبذل قصارى جهده في معرفة الحديث الصحيح من غيره، إذا كان من أهل الصناعة، حتى يتبين له الحديث الصحيح الذي تتوفر فيه شروط الصحة أو الحُسْن المعروفة من ضبط وعدالة واتصال وسلامة من شذوذ وعلة من الحديث الذي لا يتوفر فيه ذلك أو بعضه.
وإن لم يكن من أهل الصناعة فعليه أن يتعرف على ذلك من مظانه، كالكتب المشهود لها بالصحة، أومن أقوال العلماء المعتبرين في هذا الفن، حتى لا يتعرض للوعيد الشديد الصادر من فيه صلوات الله وسلامه عليه، المتقدم ذكره، إذا نسب حديثاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منه براء، إذا لم يرد من وراء ذلك بيان حاله لأنه يترتب على الأحاديث الأحكام الشرعية والأمور العلمية، فإذا كان الحديث ضعيفاً كيف يسوغ أن ينسب ذلك القول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لم يصدر عنه.
والإشتغال في تمييز الحديث الضعيف من الصحيح أولى من الإشتغال في تمييز الصحيح من الحسن أو العكس لأن كلا القسمين من المقبول، ويعمل بهما إلا إن احتيج إلى ذلك عند التعارض للترجيح.
وقد نهض أئمة هذا الشأن ببيان حال أكثر الأحاديث من صحة أو ضعف أو وضع
1 فتح الباري 1/ 201.
2 راجع شرح الكرماني 2/ 113.
3 فتح الباري 1/ 201.
4 سيأتي تخريجه وبيان درجته في صفحة 27.
وأصَّلوا أصولاً متينة، وقعدوا قواعد رصينة، من أتقنها وتضلع بمعرفتها أمكنه أن يعلم درجة أي حديث ولو لم ينصوا عليه وذلك هو علم أصول الحديث أو مصطلح الحديث.
قال الحافظ ابن حجر: "السبيل لمن أراد الإحتجاج بحديث من السنن الأربعة لا سيما سنن ابن ماجة ومصنف ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق مما الأمر فيه أشد، أو بحديث من المسانيد لأن هذه لم يشترط جامعوها الصحة والحسن: أنه إن كان أهلاً للنقل والتصحيح فليس له أن يحتج بشيء من القسمين حتى يحيط به. وإن لم يكن أهلاً لذلك فإن وجد أهلاً لتصحيح أو تحسين قلّده، وإلا فلا يقوم على الإحتجاج كحاطب ليل، فلعله يحتج بالباطل وهو لا يشعر"1.
ونحو ذلك قال زكريا الأنصاري في فتح الباقي شرح ألفية العراقي2.
وقال ابن تيمية: "المنقولات فيها كثير من الصدق وكثير من الكذب، والمرجع في التمييز بين هذا وهذا إلى علم الحديث، كما نرجع إلى النحاة في الفرق بين نحو العرب وغير نحو العرب، ونرجع إلى علماء اللغة، فيما هو من اللغة وما ليس من اللغة، وكذلك علماء الشعر والطب وغير ذلك فلكل علم رجال يعرفون به، والعلماء بالحديث أجل قدراً من هؤلاء وأعظمهم صدقاً، وأعلاهم منزلة وأكثر ديناً وهم من أعظم الناس صدقاً وأمانة وعلماً وخبرة فيما يذكرونه من الجرح والتعديل"3.
فعلى هذا يجب التحري في كل حديث حتى تتبين حاله. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} 4.
ومن المعلوم أن حجة الله عز وجل على عباده إنما هي الكتاب والسنة لا غير، إلا اللهم ما استنبطه العلماء منهما: فالقرآن تكفل الله عز وجل بحفظه كما قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} 5.
وأما السنة المطهرة فلم يتكفل بحفظها كالقرآن لحكمة يعلمها، ولهذا قد أدخل فيها ما لم يكن منها، فالإعتماد عليها مطلقاً، ونشرها دون تمييز أو تحقيق يؤدي حتماً إلى تشريع ما لم يأذن به الله. وفاعل ذلك قد لا يسلم من الوقوع في المحظور الذي هو الكذب على
1 المرقاة شرح المشكاة 1/ 21.
2 فتح الباقي: 1/ 106، 107.
3 منهاج السنة النبوية 4/ 10.
4 1لحجرات: الآية 6.
5 الحجر: الآية 9.
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيض الله عز وجل للأمة رجالاً أمناء، يقظين، مخلصين، قاوموا الوضاعين وتتبعوهم، ومازوا الغثه من السمن، ولولا الجهود المضنية التي بذلها الصحابة، والتابعون وعلماء الأمة من بعدهم لاشتبه على كثيرين من الناس بعض أمور دينهم لكثرة ما اختلقه من الكذب الوضاعون، ونسبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم زوراً وبهتاناً.
فصانوا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم منا أن يكون مطية لأهل الأهواء.
وقد كان بعض كبار التابعين، إذا سمعوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير الصحابة فزعوا إلى من عندهم من الصحابة ليتثبتوا عن ذلك الحديث، وكذلك شأن في صغار التابعين، يفزعون إلى من عندهم من كبار التابعين كل ذلك ليثبت1.
وهكذا أسهمت جهود العلماء في هذا المضمار بتكوين علم الجرح والتعديل، الذي أرسى قواعده وأسسه الصحابة والتابعون وأتباعهم، وقد ظهر في كل عصر عدد كبير من النقاد تكفل ببيان أحوال الرواة، ونقل السنة وحفظها على أسلم القواعد العلمية. ثم ما لبث أن صنف العلماء المؤلفات الضخمة في الرواة وأقوال النقاد فيهم، حتى أنه لم يعد يختلط الكذابون والضعفاء بالعدول الثقات2.
قيل لابن المبارك: "هذه الأحاديث الموضوعة؟ فقال: تعيش لها الجهابذة"3.
وقال مسلم: "فلولا الذي رأينا من سؤ صنيع كثير ممن نصب نفسه محدثاً فيما يلزمهم من طرح الأحاديث الضعيفة والروايات المنكرة، وتركهم الإقتصار على الأحاديث الصحيحة المشهورة مما نقله الثقات المعروفون بالصدق والأمانة، بعد معرفتهم وإقرارهم بألسنتهم أن كثيراً مما يقذفون به إلى الأغبياء من الناس هو مستنكر، ومنقول عن قوم غير مرضيين ممن ذم الرواية عنهم أئمة الحديث، مثل مالك بن أنس وشعبة بن الحجاج وسفيان ابن عيينة ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من الأئمة لما سهل علينا الإنتصاب لما سألت من التمييز والتحصيل، ولكن من أجل ما أعلمناك من نشر القوم الأخبار المنكرة بالأسانيد الضعاف المجهولة وقذفهم بها إلى العوام الذين لا يعرفون عيوبها خف على قلوبنا إجابتك إلى ما سألت".
وقال في موضع آخر: "ولا أحسب كثيراً ممن يُعَرِّج من الناس على ما وصفنا من هذه
1 أصول الحديث علومه ومصطلحه 428.
2 أصول الحديث علومه ومصطلحه 430.
3 الجرح والتعديل: 2/ 18 وتدريب الراوي 184.
الأحاديث الضعاف والأسانيد المجهولة، ويعتد بروايتها بعد معرفته بما فيها، من التوهن والضعف - إلا أن الذي يحمله على روايتها والإعتداد بها إرادة التكثر بذلك عند العوام، ولأن يقال ما أكثر ما جمع فلان من الحديث وألَّف من العدد، ومن ذهب في العلم هذا المذهب، وسلك هذا الطريق فلا نصيب له فيه. وكان بأن يسمى جاهلاً، أولى من أن ينسب إلى علم"1.
وقد لا يسلم الإنسان من الوقوع في المهالك إذا لم تكن عنده الخبرة التامة في معرفة الأحاديث، أو يعتمد في ذلك على من اعترف له بالإمامة في هذا الشأن.
أخرج مسلم2 بسنده عن أبي هريرة رضي الله. عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع".
ومن أجل ذلك قال مالك: "ليس يسلم رجل حدث بكل ما سمع، ولا يكون إماماً أبداً وهو يحدث بكل ما سمع"3
وقال عبد الرحمن بن مهدي: "لا يكون الرجل إماماً يقتدى به حتى يُمسك عن بعض ما سمع"4
وقال: "إن العالم إذا لم يعرف الصحيح والسقيم من الحديث لا يسمى عالماً"5.
وقال الإمام أحمد وإسحاق بن راهوية: "أن العالم إذا لم يعرف الصحيح والسقيم والناسخ والمنسوخ من الحديث لا يسمى عالماً"6.
وقال الثوري: "اتقوا الكلبي قال فقيل له: فإنك تروي عنه؟ قال: أنا أعرف صدقه من كذبه"7.
قال أبو عوانة: "لما مات الحسن البصري رحمه الله، اشتهيت كلامه فتتبعته عن أصحاب الحسن، فأتيت به أبان بن أبي عياش فقرأه عليَّ كله عن الحسن، فما استمل أن أروي عنه شيئاً"8.
1 المقدمة 28
2 صحيح مسلم. المقدمة، باب النهى عن الحديث بكل ما سمع ص 10.
3 مقدمة صحيح مسلم ص 11
4 مقدمة صحيح مسلم ص 11 وراجع الجرح والتعديل 2/35
5 الأباطيل والمناكير ص 12
6 معرفة علوم الحديث ص.6
7 شرح علل الترمذي لابن رجب ص103
8 شرح علل الترمذي لابن رجب ص 103