الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أو أضافه خلقًا، فإن كان المضاف صفة لا يقوم بنفسه كالكلام الذي هو الكلام والعلم الذي هو العلم والأمر الذي هو الأمر، فإذا أضيف إلى الله تعالى، كان ذلك صفة من صفاته، وإن كان المضاف إليه بعض الأعيان القائمة بنفسها، وما يقوم بها من الصفات، كان مخلوقًا لله، ولم تكن إضافته إليه إضافة الصفة، كقوله للجنة: أنت رحمتي وقوله: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} .
[المراد بقوله {وروح منه} ] :
وقوله عن السموات: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي} . وقوله للمسيح كلمة الله وبهذا يظهر أيضًا قوله في المسيح: {وَرُوحٌ مِّنْهُ} فإن ذلك لا يقتضي أنه صفة لله، وذلك أن قوله: روحي أبلغ من قوله: وروح منه وقد قال في جبريل: {فَأَرْسَلْنَا
إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} . وقد قال في جبريل: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ} . وقال تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ} فهذا جبريل سماه الروح الأمين وروح القدس وأضافه إلى نفسه ومع هذا فهو مخلوق فقوله في المسيح روح منه أولى أن يكون مخلوقًا فإنه سبحانه قد قال: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} وذلك كله مخلوق. وقال تعالى {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} والنعم التي بنا (من الله) مخلوقة وكان النبي عليه الصلاة والسلام
يقول على أضحيته: «اللهم منك ولك» . وقال: «من قال إذا أصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر فقد أدى شكر ذلك اليوم»
فإذا كانت النعم التي بنا وما في السموات وما في الأرض من الله وهي مخلوقة فما المانع أن يكون المسيح روحًا من الله وهو مخلوق. وقد بينا أن جبريل الذي قال فيه: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا} هو مخلوق أيضًا وذلك كله لأن جبريل عين من الأعيان والمسيح وروحه عين من الأعيان قائم بنفسه. والأعيان القائمة بنفسها التي تنتقل من موضع إلى موضع يمتنع* فيها أن تكون صفة للمخلوق فكيف يكون صفة للخالق سبحانه وتعالى
[التعليق]
* في الأصل المطبوع: (يمنع) .
وهذا بخلاف قوله: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي} . وقوله: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} . وقوله: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ} . وقوله: {تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فإن القول هو صفة من الصفات لا تقوم بنفسها بل لا بد له من قائل يقوم به، فإذا قال:{حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي} امتنع أن يكون ذلك القول مخلوقًا في غيره وأنه قد يكون حق من ذلك الغير لا من الله. وكذلك القرآن كلام لا يقوم بنفسه بل بغيره فلو كان قد خلقه في الهواء أو في نفس جبريل أو نفس محمد أو في غير ذلك من المواضع* ولهذا قال السلف: القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود أي بدأ منه لم يبدأ
[التعليق]
* يبدو أن سقطًا قد حصل هنا، فالعبارة غير تامة.
من غيره، فيكون كلامًا لذلك الغير وإليه يعود أي يرفع من الصدور والمصاحف في آخر الزمان.
فالأصل المعقول في هذا الباب أن يفرق فيما أضيف إلى الله أو قيل: إنه منه وبين ما كان عينًا من الأعيان الموجودة في العالم التي تمتنع أن تكون صفة لغيره وبين ما قام بتلك الأعيان وبين ما هو صفة لا يقوم إلا بموصوف ولو قامت بغير الله لكانت صفة لذلك الغير لا لله تعالى فإن هذا الباب ضل فيه النصارى واليهود؛ فالنصارى شبهوا المخلوق بالخالق وجعلوا ما هو صفة لله صفة للمخلوق حتى جعلوا المخلوق إلهًا وربًّا، واليهود شبهوا الخالق بالمخلوق فجعلوا ما كان من خصائص المخلوق كاللغوب والفقر والبخل صفة لله والله سبحانه نزه نفسه عن هذا وهذا فقال للنصارى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَاّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا
لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} . وقال: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} . وقال: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} . {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ • اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَاّ إِلَهَ إِلَاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} .
وأمثال ذلك. وقال عن اليهود: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} . وقال: {لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا} .
وقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} . وقد ذكروا أن هذه الآية نزلت ردًّا على اليهود لما زعموا أن الله عز وجل لما خلق السموات والأرض في ستة أيام استراح وهذه اللفظة هي في التوراة التي بأيديهم لكن لعلماء المسلمين فيها قولين:
ص-52-
ص-53-