الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تمهيد
فضائل عشر ذي الحجة
يقول الله تعالى في كتابه الكريم:
بسم الله الرحمن الرحيم: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} [الفجر: 1- 3]
أقسم الله تعالى بهذه المخلوقات في مستهل هذه السورة،- ليؤكد المعنى، ويُثَبته في أفئدة السامعين، ونفوس المخاطبين، وذلك من أقوى الأساليب المستعملة عند العرب قي كلامهم.
فأقسم بالفجر، وهو الصُّبح، لأنه الوقتُ الذي ينفجر فيه النور، وينشق الضوء، إيذاناً بانتهاء الليل وانقضائه، وانتشار الناس وخروجهم لطلب الرزق، والسعي في كسب معايشهم، وتحصيل منافعهم.
ثم أقسم بالليالي العشر، وهي عشر ذي الحجة، والشّفع، وهو يوم النحر، والوتر: وهو يوم عرفة.
قائمين يذكرون الله تعالى، ينطرحون بين يديه، {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر: 19]
كان سعيد بن جبير- رحمه الله إذا دخلت ليالي العشر، ضاعف من عبادته، واجتهد فيها اجتهاداً لا يكاد أحد أن يبلغه أو يأتي بمثله، وكان يقول: لا تطفئوا سُرُجَكم ليالي العشر؛ من شدة حرصه على العمل الصالح، وحثه لإخوانه على المسابقة إلى الطاعة.
ليالي العشر أوقات الإجابه
…
فبادر رغبة، تلحق ثوابه
ألا لا وقتَ للعمال فيه
…
ثواب الخير أقرب للإصابه
من أوقات الليالي العشر حقاً
…
فشمر واطلبَنْ فيها الإنابة
إن عبادَ الله المخبتين، دائمو الصلة بربهم، لا يفترون من القيام، ولا يملون من الصلاة والصيام، لا يُقَوِّتون لحظة من الليالي والأيام، إلَاّ زرعوا فيها عملاً صالحاً، وأودعوا فيها خَصلةً نافعة، قد قويت
صلتهم بربهم، وتوثقت رابطُتهم بإلههم وسيّدهم، فهم لا يأنسون إلا بعبادته، ولا يتلذذون إلا بدعائه ومناجاته.
إن العمل الصالح في هذه العشر، عمل عظيم، ثوابه مضاعفٌ وجسيم؛ لأنه يشمل جميع العبادات، ففيها الحج والصيام والصدقات، بالإضافة إلى الصلوات المفروضة والنافلة والقيام.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ورد في الحديث أن هذه العشر، أفضل أيام السنة، وفضّله كثير من العلماء على عشر رمضان، لأن هذا يُشرع فيه ما يشرع في ذلك من صلاة وصيام وصدقة وغيرها، وتمتاز عشر ذي الحجة بأداء فرض الحج، وقيل: إن أيام عشر رمضان أفضل لاختصاصها بوجود ليلة القدر فيها.
وتوسَّط آخرون فقالوا: أيام عشر ذي الحجة أفضل، وليالي عشر رمضان أفضل، ولعل هذا هو
الأقرب، والله تعالى أعلم.
ويقول الحافظ ابن حجر- رحمه الله: وإنما كانت أيام هذه العشر أفضل، وامتازت على غيرها لاجتماع أمهات العبادة فيها، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا تجتمع هذه العبادات مع بعضها إلا في هذه الأيام. انتهى كلامه رحمه الله.
ومما ينبغي التنبيه له، أن كل من أراد أن يضحي، فعليه أن لا يقص شيئاً من شعره، ولا يقلم أظفاره عند دخول شهر ذي الحجة لقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضخوا، فليمسك عن شعره وأظفاره حتى يضحي" رواه مسلم.
فاغتنم- أيها الأخ الفاضل- هذه الأوقات الفاضلة، واجتهد فيها، وضاعف من أعمالك الصالحة، فإلى متى وأنت في سهو وغفلة، وحتى متى ومواسم الخير تمر عليك، وأنت تلهو وتجري وراء ملذات هذه الحياة، وتلهث وتُرهق جسمك في جمع
روى جابر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} قال: إنَّ العشرَ عشر الأضحى، والوتر يومُ عرفة، والشفعَ يومُ النحر" رواه أحمد، والحاكم وصححه.
وروى الإمام الطبري بإسناده، عن أبن عباس رضي الله عنهما قال:" إنّ الليالي العشرَ التي أقسمَ اللهُ بها، هي ليالي العشرِ الأول من ذي الحجة".
وقال الضحاك: أقسم اللهُ بهن لما يعلم من فضلهن على سائر الأيام.
وقد بين لنبي صلى الله عليه وسلم ما يناله المؤمنُ من الأجر العظيم، والثواب الجزيل من الله تعالى، حين يضاعف أعماله في هذه العشر، ويتقرب إلى ربه بالصالحات، وفعل الخيرات، ولبعد عن المعاصي والمخالفات، احتساباً للأجر عند الله تعالى، وطلباً لمغفرته ورضوانه وعفوه، ففي صحيح البخاري، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ما من أيام
العمل الصالح فيهن أحبُّ إلى الله تعالى من هذه العشر،- أي عشر ذي الحجة- قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله، قال عليه الصلاة والسلام: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، ولم يرجع من ذلك بشيء".
فقد دل هذا الحديث على أن الأعمال الصالحات، وفِعْلَ الطاعات، وطلب َالأجر وزيادة الحسنات، والاجتهاد في هذه الأيام أحبُّ إلى الله تعالى من العمل في جميع أيام السنة دون استثناء، وإذا كان أحبَّ إلى الله تعالى، فهر أفضلُ عنده.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: وإذا كان العمل في أيام العشر، أفضل وأحب إلى الله تعالى من العمل في غيره من أيام السنة كلها، صار العمل في هذه العشر- وإن كان مفضولاً- أفضل من العمل في غيرها وإن كان فاضلاً، ولهذا، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل
الله، ثم استثنى جهاداً واحداً، هو أفضل الجهاد، فإنه صلى الله عليه وسلم، سئل أيُّ الجهاد أفضل؟، قال: "من عُقر جوادُه، وأُهريق دمه، وصاحبُه أفضل الناس درجةً عند الله
…
". رواه أحمد.
وسمع عليه الصلاة والسلام رجلاً يقول: اللهم أعطني أفضل ما تعطي عبادك الصالحين، فقال:"إذن يعقر جوادك وتستشهد". رواه أحمد.
فهذا الجهاد بخصوصه، يفْضُلُ على العمل في عشر ذي الحجة.
قال الإمام الأوزاعي رحمه الله: بلغني أنَّ العمل في اليوم من أيام العشر، كقدر غزوة في سبيل الله، يصام نهارُها، ويُحرس ليلُها، إلا أن يحُتَّص امرؤ بشهادة.
لقد كالن السلف الصالح- رحمهم الله يخصون ليالي العشر بمزيد من العبادة، فيضاعفون من قيامهم لربهم تلك الليالي، يهجرون مضاجعهم، وينتصبون
حطامها، وتغفُلُ عن اغتنام فرصِ الأعمالِ الصالحات، التي تَسنح لك بين الحين والآخر، تنبّه لذلك، وقدّم صالحاً؛ تنجُ وتفُرْ به عند خالقك يوم العرض عليه.