المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المواقيت الزمانية والمكانية - تسهيل المناسك

[عبد الكريم بن صنيتان العمري]

الفصل: ‌المواقيت الزمانية والمكانية

‌المواقيت الزمانية والمكانية

اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون للعبادات أوقات محددة، لا يصح فعل العبادة إلا في وقتها المحدد لها، فلو أتى بها قبل الوقت أو بعده لم تصح منه، إلا أن يكون معذوراً، أو في حالات لا يتسع المجالُ لذكرها هنا.

والحج أحد العبادات التي حدد وقتها، ومكانُ فعلها. فأما الوقت فهو المعروف عند الفقهاء بالمواقيت الزمانية للحج، وقد ذكر الله تعالى وقت الحج، وحدّده بقوله جل شأنه:{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197] .

فبينت الآية، أن وقت عمل الحج أشهر، قال جمهور العلماء: هي شوال، وذو القَعْدة، وعشرة أيام من شهر ذي الحجة، فلو أتى بشيء من أعمال الحج

ص: 53

في غير الوقت المحدد لم يجزئه ذلك.

وأما المواقيت المكانية، فهي الأماكن والمواضع التي سماها النبي صلى الله عليه وسلم، وحدد تلك الأماكن، وألزم المكلف القاصد البيت الحرام لأداء أحد النسكين أن لا يتجاوزها إلا وهو محرم، وذلك لأن الله تعالى ميّز البيت الحرام، وجعل للحرم منزلة خاصة به، فيما لهذا البيت من قدسية وعظمة وحرمة {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] حُرّم دخوله لمن أراد نسكاً إلأ بإذن خاص.

وألزم قاصده بِسيِماً معيّنة، وصفة مُمَيَّزة، ينفرد بها عن غيرة، وهى ملابس الإحرام، فكل من رأى هذا المرتدي لتلك الملابس عَرَفَ أنه متلبس بعبادةٍ لله تعالى، متجّه إلى بيته الحرام، ويُعبّر المحرم- إضافة إلى لبسه الخاص به- بتوحيده لخالقه؛ عندما يردّد:(لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) .

ص: 54

وفد حددت الشريعة لكل جهة وناحية ميقاتاً معروفاً، لا يصح لأحد من أهل تلك الجهة أن يتجاوزه إلا وهو محرم، إن أراد أداء الحج أو العمرة.

وهذه المواقيت تكتنف مكة وتحيط بها من جميع جهاتها، وهي:

الميقات الأول: ذو الحُليفة:

وهو ميقات أهل المدينة، ويعرف اليوم بآبار علي، وهو أبعد المواقيت عن مكة، حيث تقدر المسافة بينه وبينها بأربعمائة وثلاثين كيلو متراً تقريياً.

وذكر بعض العلماء الحكمة من كونه أبعد ميقات عن مكة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله: إن أهل البلدان الأخرى- غير المدينة- عوضوا عن ذلك، بأن جعلت المسافة التي يقطعونها وهم محرمون قصيرة.

وأما أهل المدينة: فلأنهم لا يقطعون إلا مسافة

ص: 55

فريبة حتى يصلوا إلى الميقات، جعل عليه الصلاة والسلام كل مسافتهم إلى مكة إحراماً.

وقال بعض العلماء: إن ذلك كان من أجل تقريب خصائص الحرمين، فالمدينة حرم، ومكة حرم، ولكن الإحرام بالنسك من خصائص مكة، فكان من الحكمة أن لا يخرج من حدود حرم المدينة حتى يدخل في خصائص حرم مكة.

وميقات أهل المدينة هو أفضل المواقيت، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم منه، وصلى وبات فيه.

وثاني المواقيت: الجُحْفَة:

وهي قرية قديمة، سميت بذلك، لأن السيل أجحف بأهلها وحرف منازلهم إلى جبل هنالك، وتسمى قديماً (مَهْيَعَة) ولما زالت (الجحفة) واندثرت، صار الناس يحرمون من (رابغ) على ساحل البحر الأحمر، بينها وبين مكة مائتا كيلو متر تقريباً.

وهي ميقات لأهل الشام ومصر والمغرب، فإن

ص: 56

أهل مصر والمغرب، كانوا يأتون عبر المكان الذي حفرت فيه قناة السويس، ثم يتجهون إلى مكة ويمرون بالجحفة، فجعلها النبي صلى الله عليه وسلم ميقاتاً لهم.

والميقات الثالث: قَرْنُ المَنَازِل:

وهو الجبل المشرف على الموضع، وقرن المنازل حبل سمي الوادي الذي يطل عليه الجبل بهذا الاسم، ويسمى الآن بالسيل الكبير، وعلى موازنته من طريق كرا وادي محرم، ويبعد عن مكة ما يقرب من تسعين كيلو متراً.

وهذا ميقات أهل نجد والطائف وتلك الجهات.

ورابع المواقيت: يَلَمْلَم:

وهو جبل من جبال تهامة ويسمى الآن بالسَّعْدِية، بينه وبين مكة مائة كيلو متر تقريياً.

وهو ميقات أهل اليمن ومن بناحيتهم.

والميقات الخامس: ذات عِرْق:

سمي بهذا لِعرْق فيه، أي جبل صغير، وذات

ص: 57

عِرْق تسمى اليوم (الضَّرِيبة) ويقال لها (الخريبات) بينها وبين مكة ثمانون كيلو متراً. وهي ميقات أهل المشرق والعراق وخراسان وتلك الجهات.

وهذه المواقيت وقتها النبي صلى الله عليه وسلم لأهلها الذين مر ذكرهم، ولمن مر عليها من غيرهم، ممن أراد العمرة أو الحج، فالواجب على من مر عليها أن يحرم منها، ويَحْرُم عليه أن يتجاوزها دون إحرام. وأما من كان دون المواقيت، أي بين الميقات وبين مكة، فإنه يحرم من مكانه الذي هو فيه كأهل جدة، والشرائع، وبدر وغيرها.

وأهل مكة يحرمون بالحج من منازلهم في مكة لقوله صلى الله عليه وسلم: " ومن كان مسكنه دون ذلك فَمَهَلُّه من أهله، حتى أهل مكة يهلون من مكة" متفق عليه.

أما في العمرة، فيخرجون إلى الحِلّ ويحرمون منه.

هذه هي المواقيت التي يَحْرُم على الحاج أن

ص: 58

يتجاوزها دون إحرام، فلو تجاوزها ولم يُحْرِم، وجب عليه الرجوع ليُخْرِم من الميقات الذي تجاوزه، سواء كان عامداً أو ناسياً أو جاهلاً، فإن عاد فلا شيء عليه، وإن لم يعد، فإن كان عامداً فهو آثم وعليه الفدية، وإن كان جاهلاً عليه الفدية ولا إثم عليه.

ص: 59