الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تنبيهات وآداب
إذا عزم المسلم على الذهاب إلى الحج فإن هناك أموراً مهمة ينبغي عليه معرفتها والإلمام بها، فمنها:
الإخلاص:
على الحاج أن يقصد بحجه وعمرته الأجر والثوابَ من الله تعالى، والتقربَ إليه بما يرضيه من الأقوال والأفعال، ولْيحذر من الرياء والسمعة والمفاخرة، فإن ذلك من أقبح المقاصد، ومن أعظم ما يحبط العمل، ويؤدي إلى رَدِّه.
فالإخلاص شرطٌ في جميع العبادات، فمن أتى بعبادةٍ، والباعث عليها غرضٌ دنيوي بحيث لو فُقِدَ
لتركها فليست بعبادة، وإنما هي معصية موبقة لصاحبها.
الاستخارة:
وهي أن يستخير الله تعالى في ذهابه للحج هذا العام، وصفةُ صلاة الاستخارة أن يصلي ركعتين من غير الفريضة بنية الاستخارة، ثم يذكر الأمر ويدعو بعدها، لحديث جابر رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، ويقول:
"إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَاّمُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ
أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي قَالَ: وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ "
والاستخارة إنما تكون في الأمور التي لا يدري العبد وجه الصواب فيها، أما ما هو معروف خيره كالعبادات، أو معروف شره كالمعاصي والمنكرات، فلا يستخار فيه، وفي الحج يستخير لمناسبة الوقت والرفقة.
التوبة:
إذا عزم على الحج واستقر على الذهاب، وجب عليه المبادرة إلى التوبة النصوح من جميع الذنوب والمعاصي التي اقترفها وارتكبها، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً} [التحريم:8] .
وقال جل شأنه: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [ٍالنور: 31] .
فالتوبة هي: الرجوع عن معصية الله، والإقلاع عن السيئات، والاستمرار على الطاعات.
والتوبة النصوح لابد أن تكونَ خالصةً لله عز وجل، وأن يكون الباعثُ لها حبَّ الله وتعظيمه، والخوفَ هن عقابه، وأن يندم على ما اقترف، ويأسفَ ويحزنَ على تفريطه فيما مضى، وينكسر بين يدي ربه طالباً منه العفو والغفران.
وأن يقلع عن جميع المعاصي، فإن كان تاركاً للأوامر فعلها، وإن كان فاعلاً للمحرمات هجرها ونأى بنفسه عنها، فإن التوبة لا تصح مع الإصرار على المعصية، وأن يعقد العزم على أن لا يفارق المنكرات والمعاصي في قادم الأيام، فإن ذلك دليلٌ على صدقه في توبته، وأن يردَّ المظالمَ والحقوقَ إلى أهلها ويتحلل منهم، ويطلب العفو والسماح.
كتابة الوصية:
أن يكتب وصيّته، والحقوقَ التي له على الناس،
والتي للناس عليه، ويوضح ذلك ويبينّه، وكذا حقوق الله تعالى من الزكاة والكفارات ونحو ذلك مما فرّط فيه وأجّله، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما حقُّ امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيتُ ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده" رواه البحاري ومسلم.
وينبغي أن يُشهد على الوصية، وأن يوكلَ من يقضي عنه ما لم يتمكن من قضائه، فلا ينبغي التساهل في الحقوق والتسويف في أدائها وإيفائها إلى أهلها، فإنَّ فِعْلَ العبادات والاجتهاد فيها لا يُعفى المسلم من ذلك، وقد قال عليه الصلاة والسلام:"يُغفرُ للشهيد كل شيء إلا الدَّين" رواه مسلم.
الاجتهاد في إرضاء والديه:
فعليه أن يجتهد في إرضاء من يتوجّه عليه برُّه، فمن له أبوان مسلمان أو أحدهما، يستحب أن لا يحج إلا بإذنهما، وهذا في حج التطوع، وأمَّا في حجة
الفريضة فإن مَنَعَاهُ لم يلتفت إلى منعهما.
كما ينبغي أن تسترضي الزوجة زوجها وأقاربها، ويستحبُّ للزوج أن يحج بها، وإلا حجت مع أحد محارمها.
تَعَلُّمُ أحكامِ الحج:
ينبغي لمن أراد الحج أن يتعلّم أحكامه وكيفيته، وأن يعرف كل ما يتعلق بأفعال الحج وشروطه وواجباته وأركانه، وأن يسأل أهل العلم الموثوقين عن ذلك، قال الإمام النووي- رحمه الله تعالى-:(وهذا فرض عين، إذ لا تصح العبادة ممن لا يعرفها) انتهى كلامه.
ومن المستحسن أن يختار كتاباً من كتب المناسك، الموضحة لجميع أحكامها، والتي كتبها العلماء، ودوّنوا فيها أحكام الحج العامة والخاصة، مقرونة بأدلتها الشرعية، ومن الكتب التي يُوصَى باختيارها، كتاب: "التحقيق والإيضاح لكثير من
مسائل الحج والعمرة والزيارة"، لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز- رحمه الله، وكتاب: "المنهج لمريد العمرة والحج" لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين- رحمه الله وغيرهما من الرسائل المفيدة، لتكون قريبة عنده، حين يحتاج إليها إذا أشكل عليه حكم من الأحكام- وهو يؤدّي مناسك الحج، أو في طريقه إلى مكة والمشاعر. كما ينبغي له أن يتعلم ما يحتاج إليه في سفره من أحكام الصلاة وقصرها ومعرفة القبلة، وأحكام التيمم، والمسح على الخفين وغير ذلك مما تمس الحاجة إلى معرفته والإحاطة به.
فإن من جهل أحكام العبادات، ولم يعرف أحكام المناسك يخشى عليه أن لا يصح حجُّه، فقد يقع في محظورٍ، أو يخلُّ بركن أو واجب وهو لا يدري.
فإن لم يتعلم أو جهل شيئاً من الأحكام، فليسأل ممن يثق به من أهل العلم، وليتحرَّ أن يكون المسؤول
من العلماء المشهورين بصحة العقيدة، وسلامة المنهج، والفقه في الدين، والدقة في معرفة الأحكام، قال تعالى:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43، الأنبياء: 7] .
وأن يكون المسؤول معروفاً بعلمه، محيطاً بالأحكام، عارفاً بها، لأن الإفتاءُ بغير علم حرام، فهو يتضمن الكذب على الله تعالى، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، ويتضّمن إضلال الناس، وهو من الكبائر.
قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] .
فقرن القول على الله بلا علم بالفواحش والشرك والظلم.
انتقاء النفقة الحلال:
على الحاج أن يختار لحجه وعمرته نفقة حلالاً،
لا شبهة فيها، لأن الله تعالى لا يقبل ما كان محرماً، والمال المحرم سببٌ في عدم قبول العبادة، وقد رُوِي عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا خرج الرجل حاجاً بنفقة طيبة، ووضع رجله في الغرز فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء، لبيك وسعديك، زادُك حلال، وراحلتُك حلال، وحجك مبرور غير مأزور. وإذا خرج الرجل حاجاً بالنفقة الخبيثة، فوضع رجله في الغرز، فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه منادٍ من السماء: لا لبيك ولا سعديك، زادُك حرام، ونفقتُك حرام، وحجك مأزور غير مبرور" رواه الطبراني.
فإذا اكتسب المرء مالاً من طريق غير مشروع فأكل منه، أو أنفق أو تصدق، فإنه لا يقبل منه، ويكون ذلك سبباً في رد دعائه وعدم الاستجابة له، وقد أمر الله تعالى بأن يكون عيش الإنسان من كسبه
الحلال.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَاّ طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} ، وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} . ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ" رواه مسلم.
ومن أعظم طرق المكاسب المحرمة، أكل الأموال الربوية، فإن ذلك من أكبر الكبائر، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة: 278] .
وقد شدد الله الوعيد على آكل الربا، وجعل آكله من أفحش الخبائث، وبَيَّن عقوبة المرابي في الدنيا
والآخرة، وأخبر أنه مُحارِبٌ لله ولرسوله، فعقوبة الربا في الدنيا أنه يمحق البركة في المال والجسم، وأما في الآخرة فقد بينها الله تعالى بقوله:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [البقرة: 275] .
وذلك أن الناس إذا بُعثوا من قبورهم، خرجوا مسرعين إلى المحشر، إلا آكل الربا، فإنه يقوم ويسقط كحال المصروع، الذي ينهض ثم يرتمي على الأرض بسبب الصرع.
ومن الأموال المحرمة، الاكتساب عن طريق الرشوة، فقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش، وهو الواسطة بينهما، والرشوة حرام بإجماع المسلمين، فالإسلام يحرمها لأنها من أكل أموال الناس بالباطل، وقد نهى الله تعالى عن ذلك، فقال:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَاّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] .
وإنما حرمت الرشوة لشدة ضررها، وشناعتها، وسوء أثرها على المجتمع، فإن ضررها يعم. ولهذا يرى بعض العلماء أن المال المكتسب عن طريق الرشوة أشد تحريماً من المال المدفوع للبَغِيِّ مقابل الزنا بها، مما يدلّ على شناعة الرشوة وعظيم ضررها.
كما أن من الأموال المحرمة، اكتسابها عن طريق الغش في المعاملات، كالبيع والشراء، والإجارة ونحو ذلك، وقد قال عليه الصلاة والسلام:"من غشنا فليس منا" رواه مسلم.
ومنها منع الأجير أجره، فعن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمتُه، رجلٌ أعطى بي ثم غدر، ورجلٌ باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره" رواه البخاري.
ومن الكسب المحرم اغتصاب الأموال، وسرقتها،
وانتزاعها من مالكيها بالقوة.
فعلى الحاج أن يحرص على تجنب ذلك، وأن ينتخب المال الحلال الذي حصل عليه من الكسب المشروع، حتى لا يكون حجُّه مردوداً، فإنه لو خالف وحج بمالٍ فيه شُبهة لم يكن حجه مبروراً، ويَبْعُدُ قبولُه.
قال الإمام أحمد رحمه الله: لا يجزئ حجُّه إن حج بمال حرام.
وعلى الحاج أن يأخذ معه من المال والنفقة ما يكفيه في طريقه إلى المشاعر المقدسة، وما يسد حاجته من المال الذي يصرفه على نفسه مدة إقامته، وفي طريق عودته إلى بلده بعد الحج.
روى أهل التفسير، بأسانيد مختلفة، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: كانت طائفة من العرب يحجون ولا يتزودون، وكان بعضُهم إذا أحرم ومعه زاد رمى به، فأنزل الله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ
الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة:197] .
فأمر الله تعالى من لم يكن يتزود منهم بالتزود لسفره، ومن كان منهم ذا زاد أن يحتفظ بزاده فلا يرمي به.
وذكر بعضهم أن الآية نزلت في قومٍ كانوا يحجون بلا زاد، ويقولون: نحن المتوكلون، ويقول بعضهم: كيف نحجُّ بيت الله تعالى ولا يطعمنا؟، فكانوا يبْقَونَ عالةً على الناس، فَنُهُوا عن ذلك وأُمِرُوا بالتزود.
فمن حج بلا زاد ولا نفقة، وتكلف السفر والوصول إلى المشاعر، يرمى بنفسه على الآخرين، ويعتمد على غيره في أكله وشربه، ويتكفَّف الناس ويسألهم، فقد أساء إلى نفسه؛ حيث ذمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم التسول ونهى عنه، وبين عاقبته، فقال عليه الصلاة والسلام:" لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى وليس في وجهه مُزْعَة لحم ". متفق عليه.
وفي الحديث الآخر، قال عليه الصلاة والسلام:"المسألة كُلُوح في وجه صاحبها يوم القيامة". رواه أحمد.
أي أنها دناءةٌ وخسة، وتدل على رداءة الحال، وانقلاب جمال الوجه.
فامتهان التسول، وانتشاره دليل على ضعف الثقة بالله، والتخلي عن سؤاله ودعائه، وما أذلّ المرء حين يعرضُ حاجته على العباد، ويترك التوكل على رب العباد، ويتذلل للمخلوقين، ويتركُ دعاء الخالق، وقد قال صلى الله عليه وسلم:" إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله". رواه أحمد.
فما أجمل أن يكتفي المسلمُ بما عنده، وينفق على نفسه من كسب يده، ويكرم أصحابه ومن هم بحاجته، وحريّ بالمسلم أن يُؤَمِّن لنفسه ما يغنيه عن الآخرين.
قال العلماء: ينبغي للحاج أن يستكثر من الزاد
والنفقة عند إمكانه، ليُؤثر منه المحتاجين والرُّفقة، وأن يُطيّبَ زَادَه، فعن مجاهد قال:"من كرم الرجل طيب زاده في سفره"، وأن تكون نفسُه طيّبةً بجميع ما ينفقُه، فإنّه أقربُ إلى القبول، وينبغي أن لا يسرف في التنعم والترفّه، وطلب الراحة في كل شيء.
إن الحجَ بمالٍ حلال، وكسبٍ طيب، ونفقةٍ جاءت من طرق مشروعة، وإنفاق الحاج على نفسه منها، وبعدَه عن المال المشبوه والكسب المحرم، كلُّ ذلك أدعى إلى قبول حجه، وأقرب إلى مغفرة ذنوبه، وعودته سليماً نقياً من الأوزار والآثام، بخلاف ما إذا كانت النفقة محرمة أو مشبوهة، فإن ذلك يؤدي إلى عدم قبول العمل ورده، كما قيل:
يا من حججتَ بمالٍ كلّه سحتُ
…
فما حججتَ ولكن حجت العِيْرُ
لا يقبل اللهُ إلا كلَّ طيبةٍ
…
ما كل من حجَّ بيت الله مبرورُ
اختيار الرفقة الطيبة ومعرفة آداب السفر:
ينبغي للحاج أن يختار رفقة صالحة، حسنة الأخلاق، فيرافق من هو موافق راغب في الخير، محباً له، معيناً عليه، بعيداً عن الشر، كارهاً له، مبغضاً إياه، إن نسي ذكَّره، وإن ذَكَرَ أعانه، وإن ضاق صبّره، وإن احتاج إلى عون ساعده، وأن يكون حسن المداراة، قليل الخوض والمجادلة والمجاراة.
قيل في الحث على الرفيق الصالح:
لا تصحبن رفيقاً لست تأمنهُ
…
بئس الرفيقُ رفيقٌ غيرُ مأمون
وأوصى سفيان الثوري رجلاً يريد الحج، فقال له: لا تصحب من هو أكثر منك مالاً، فإنك إن ساويته في النفقة أضرّ بك، وإن تفضّل عليك استذَلّك.
والأفضل أن يحج مع عالم يثق بعلمه يعلّمه ما
يحتاجه وما يجهله من أمور دينه.
فإذا تأهب للسفر استُحب أن يودِّعَ أهله وجيرانه وأصدقاءه وأقاربه، ويطلب السماح منهم، ويسألهم الدعاء، ويتوصل إلى تطييب قلوبهم بما يقدر عليه.
ويقول كلُّ واحدٍ منهم: (أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، زوّدك الله التقوى، وغفر لك ذنبك، ويسَّر لك الخير حيثما كنت) .
وقد روي عن الشعبي- رحمه الله أنه قال: حقٌ على الرجل إذا أراد أن يسافر أن يأتي إخوانه، فيسلم عليهم، وحقٌّ على إخوانه إذا قدِمَ أن يأتوا إليه، فيسلموا عليه، وإنما كان ذلك كذلك، لأنه إذا أراد سفراً فهو المفارق، فيكون التوديع منه، وإذا قدم يُؤْتَى إليه، ليُهنّا بالسلامة من خطر السفر.
فإذا خرج من بيته قال دعاءَ الخروج، وهو ما صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان إذا خرج من بيته قال:
" بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ، أو أُضَلَّ، أو أَزِل َّأو أُزَلَّ، أو أَظلم أو أُظلم، أو أَجهل أو يُجهل عليَّ" رواه أبو داود والترمذى.
فإذا ركب سيارته أو دابته أو وسيلة النقل المسافر عليها، فيستحب ان يدعو بدعاء السفر، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر، كبرّ ثلاثاً، ثم قال:" {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى وَمِنْ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالأَهْلِ " رواه مسلم.
ويُكره له أن يسافر وحده، بل يرافق جماعة،
لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام قال: "لو أن الناس يعلمون ما أعلم من الوحدة، ما سرى راكبٌ بليلٍ" يعني: وحده. رواه البخاري.
ويستحب أن يُؤَمِّرَ الرفقةُ على أنفسهم واحداً منهم، يختارون أفضلهم وأفطنهم وأجودهم رأياً، ويطيعونه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم. " إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم" رواه أبو داود.
ويستحب للمسافر أن يكبّر إذا صعد مرتفعاً، ويسبّح إذا هبط وادياً أو مُنْخَفَضَاً؛ لحديث جابر رضي الله عنه قال: كنا إذا صعدنا كبرنا، وإذا نزلنا سبّحنا.
ويستحب إذا أقبل على بلدٍ أو مدينةٍ أو قريةٍ، أن يقول:"اللهم إني أسألك خيرها وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها" رواه ابن حبان.
وإذا نزل في مكان يدعو بما ثبت من دعائه عليه
الصلاة والسلام، فإنه كان يقول:"من نزل منزلاً ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك" رواه مسلم.
ويستحب للمسافر أن يكثر من الدعاء لي سائر الأوقات؛ لأن دعوته مجابة، كما قال عليه الصلاة والسلام:" ثلاث دعوات مستجابات: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده "رواه أحمد وأبو داود.
ولا يجوز للمرأة أن تسافر للحج أو غيره إلا ومعها محرم، سواء كان سفراً طويلاً أو قصيراً، على أي حال كانت؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم" رواه مسلم.
ومما يجب على المسافر أن يتعلمه ويعرفه أحكام السفر، من جواز التيمم له إذا لم يجد الماء، أو كان معه ماء لا يكفيه، وكذلك فإن المشروع له قصر الصلاة الرباعية فيجعلها ركعتين من حين يخرج من بلده إلى أن
يعود، فلو صلّى المسافر خلف إمام يصلي أربعاً فإنه يتم تبعاً لإمامه.
كما يشرع له الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء إذا احتاج إلى الجمع، كأن يكرن مستمراً ثب سفره.
وينبغي له أن يعرف أحكام المسح على الخفين، فهو مشروع له ثلاثة أيام بلياليهن، تبدأ من أول مسح بعد الحدث، ويبطلُ المسح بانتهاء المدة، أو نزع الخفين، أو أحدهما، أو إذا كان عليه حدث كبر فينزعهما للغسل.
والسنة للمسافر إذا قضى حاجته، وأنهى مناسك حجه، أن يعجل العودة والرجوع إلى أهله، لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: "السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدَكم نومَه وطعامَه وشرابه، فإذا قضى أحدُكم نهمته فليعجل إلى أهله ". رواه البخاري ومسلم.