الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أعمالُ الحجِّ
اليوم الثامن من ذي الحجة هو يوم التروية، وسمي بذلك لأن الناس كانوا يتزودون فيه بالماء ويتروّون منه، وفيه يُحْرِمُ المتمتعُ بالحج،، من أراد الحج من أهل مكة يحرم من مكانه الذي هو فيه؟ فإن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أقاموا بالأبطح، ثم أحرموا بالحج منه يوم التروية بأمره عليه الصلاة والسلام.
ويستحب أن يغتسل عند إحرامه ويتنظف ويتطيب، كما فعل عند إحرامه بالعمرة من ميقاته.
ثم ينوي الدخول في نسك الحج، قائلاً: لبيك حجاً، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
وإن كان نائباً عن غيره، قال: لبيك حجاً عن فلان، ويسميه، ويستحب له أن يداوم على التلبية وأن
يكثر منها، من إحرامه بالحج، ولا يقطعها حتى يرمي جمرة العقبة.
ثم يتجه بعد إحرامه بالحج إلى منى إن أحرم من غيرها، ويصلى بها الصلوات الخمس ويقصر الرباعية منها، ويصلي كل صلاة في وقتها بلا جمع.
وهذا الحكم عام حتى لأهل مكة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس من أهل مكة وغيرهم، بمنى وعرفة ومزدلفة قصراً، ولم يأمر أحداً بالإتمام، ولو كان القصر خاصاً بغير أهل مكة لنبه إليه، فإذا طلعت الشمس يوم التاسع من ذي الحجة سار إلى عرفة ملبياً مكبراً، لما رواه محمد بن أبى بكر الثقفى أنه سأل أنس بن مالك- رضي الله عنه وهما غاديان من منى إلى عرفة، كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال:"كان يُهِلُّ منَّا المُهِلُّ فلا ينكِرُ عليه، ويكبّر منا المُكَبِّرُ فلا يُنْكِرُ عليه " رواه البخاري ومسلم.
والسنة للحاج أن ينزل بنمرة إلى الزوال، إذا
تيسر له ذلك، لفعله عليه الصلاة والسلام، ويخطب الإمام- بعد الزوال- خطبة يبين فيها للناس أحكام الحج وغيره، يصلي الحاج الظهر والعصر قصراً وجمعاً في وقت الأولى منهما، يؤذن لهما أذاناً واحداً، ويقيم لكل منهما إقامة منفردة، يسر فيهما بالقراءة، قال جابر- رضى الله عنه-: فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحّلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس. إلى أن قال جابر: ثم أذّن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر " رواه مسلم.
فإذا صلى الناس، وقفوا بعرفة، ويجزئ الوقوف في أي مكان منها إلا بطن وادي عرنة، ويجب على الحاج أن يتأكد من أن وقوفه داخل عرفات، وحُدُودُها واضحةٌ؛ حيث وضِعَتْ علامات وأمارات تبين للناس حدّها من كل جهة من جهاتها.
وبطن عرنة ليس موقفاً لأن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"وقفت هنا وعرفة كلها موقف، وارفعوا عن بطن عُرَنة" رواه أحمد وابن حبان.
وعلى الحاج الإكثار من الذكر والدعاء في هذا اليوم العظيم، والخضوع والتذلل لله تعالى، ويستحب حال وقوفه استقبال القبلة وجبل الرحمة إن تيسر له ذلك، وإلا استقبل القبلة، ولا يزال مشتغلاً بالذكر والدعاء وسؤال الله تعالى إلى أن تغرب الشمس، ولا يجوز له أن ينصرف منها قبل ذلك.
وقد وصف جابر رضي الله عنه حجة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "
…
واستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيبُ مَورِك رَحْلِه، ويقولُ بيده اليمنى: أيها الناس، السكينةَ السكينةَ
…
" رواه مسلم.
وهكذا ينبغي للحاج أن يجمع في وقوفه بعرفة بين النهار والليل، ثم يدفعُ إلى مزدلفة بهدوء وسكينة، فلا يزاحم إخوانه الحجاج، ولا يؤذيهم بقول ولا فعل.
فإذا وصل الحاج إلى مزدلفة، أذن ثم أقام فصلى المغرب حين وصوله، ثم أقام فصلى العشاء ركعتين، ولم يصل بين المغرب والعشاء شيئاً، فيجمع بين الصلاتين سواء كان وصوله إلى مزدلفة في وقت المغرب أو بعد أن دخل وقت العشاء، قال جابر رضي الله عنه:" حتى أتى المزدلفة - أي رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها المغرب بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً" رواه مسلم.
وفي هذه الليلة يبيت الحاج في مزدلفة، وليكن نومه مبكراً حتى يستيقظ نشيطاً يؤدي أعمال يوم النحر دون مشقة، ولا يحيى ليلة المزدلفة بصلاة ولا غيرها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم اضطجع حتى طلع الفجر.
قال ابن القيم رحمه الله: ثم نام رسول الله صلى الله عليه وسلم
حتى أصبح، ولم يحيي تلك الليلة، ولا صح عنه في إحياء ليلتي العيدين شيء.
ويجوز للضَعَفَة من النساء والصبيان أن يدفعوا من مزدلفة إلى منى آخر الليل؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أَذن في تلك الليلة لضَعَفَة أهله أن يتقدموا إلى منى قبل طلوع الفجر، وكان ذلك عند غيبوبة القمر، وأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس.
فإذا طلع الفجر صلى الحاج صلاة الفجر أول وقتها، ثم يستقبل القبلة ويذكر الله تعالى ويدعو، ويبقى كذلك حتى يسفر جداً، ومزدلفة كلها موقف، ففي أي موضع منها وقف الحاج أجزأه، ولا يجب عليه القرب من المشعر الحرام ولا صعوده، لقوله صلى الله عليه وسلم:"وقفت هاهنا"- يعني على المشعر - وجمع- أي مزدلفة - كلها موقف "رواه مسلم.
ثم ينصرف الحاج من مزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس، ويكثر من التلبية في سره، فإذا وصل وادي
مُحَسِّر أسرع قليلاً، ويستمر في تلبيته حتى يصل جمرة العقبة فيقطع التلبية تم يرميها بسبع حصيات متعاقبات، واحدة بعد الأخرى، كل جمرة أكبر من الحمّصة قليلاً، يرفع يده عند رمي كل حصاة ويكبّر، ويستحبُّ أن يرميها من بطن الوادي، ويجعلُ الكعبة عن يساره، ومنى عن يمينه لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يتيسر أجزأه رميها من أي جهة من جهاتها إذا وقع الحصى في الحوض المستدير حولها، ثم بعد الرمى ينحر هديه، ثم يحلق رأسه، ثم يتحلل ويتجه بعد ذلك إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة، تم يسعى إن كان متمتعاً، وهذا السعي لحجِّه والسعي الأول لعمرته، ثم يعود إلى منى ويبقى فيها.
هذه أعمال الحج إجمالاً، وسنبدأ بذكرها مفصلة.