المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌أيام التشريق يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي - تسهيل المناسك

[عبد الكريم بن صنيتان العمري]

الفصل: ‌ ‌أيام التشريق يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي

‌أيام التشريق

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى} [البقرة: 203] .

قال المفسرون: الأيام المعدودات هي أيام التشريق، قال الإمام القرطبي: لا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات في هذه الآية هي أيام منى، وهي أيام التشريق، وأن هذه الأسماء الثلاثة واقعة عليها.

وأيام التشريق أيام أكل وشرب، وإظهار للفرح والسرور، يذكر المسلم فيها ربه عقب الصلوات المكتوبات، وفي كل أحواله، ويشمل الأمر بذكر الله الحاج وغيره.

وهذه الأيام الثلاثة يبيت فيها الحجاج بمنى، ويرمون فيها الجمار، فإذا كان اليوم الحادي عشر وهو أول أيام التشريق، وزالت الشمس من ذلك

ص: 91

اليوم، ابتدأ وقت الرمي، ولا يجوز رمي قبل الزوال، ويبتدئ برمي الجمرة الأولى وهي الصغرى التي تلي مسجد الخيف، يرميها بسبع حصيات متعاقبات، يكبر مع كل رمية، فإذا رماها يسن له أن يتأخر عنها، ويجعلها عن يساره، ويستقبل القبلة، ويرفع يديه ويدعو، ويكثر من دعائه وتضرعه لله تعالى.

ثم يتجه إلى الجمرة الوسطى فيرميها، ثم يدعو عندها كما فعل في الأولى.

ثم يرمي الجمرة الثالثة، وهى جمرة العقبة، ولا يقف للدعاء عندها لعدم ثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

واعلم أيها الحاج الكريم أن لرمي الجمار أحكاماً ينبغي معرفتها، نبّه إليها العلماء وذكروها في كتبهم.

فمن تلك الأحكام ما يتعلق بالرمي وصفته، فالحصى الذي يُرمَى به يكون بحجم الحمّصة تقريباً، ويلقط الحصى من منى أو مزدلفة أو غيرهما، كلُّ يوم

ص: 92

بيومه، ولا يجب في الرمي أن تضرب الحصاة العمود الشاخص، بل الواجب أن تستقر في الحوض المستدير حوله، فلو ضربت العمود ولم تسقط في الحوض وجب عليه أن يرمي بدلها، ولو سقطت في الحوض واستقرت له أجزأت، وإن لم تضرب الشاخص.

ولو نسى الرامي حصاة من إحدى الجمار فلم يرمها ولم يذكر إلا فيما بعد، عاد ورمى الحصاة التي نسيها.

ويجب على كل حاج أن يرمي بنفسه إن كان قادراً على الرمي، ولا يجوز أن يوكل غيره، سواء كان حجه فريضة أو تطوعاً، إلا أن يضق عليه الرمي كالرجل المسن، والمريض، والمرأة الحامل، أو الضعيفة، ونحوهم، فهؤلاء يجوز لهم التوكيل.

ويبدأ الوكيل بالرمي عن نفسه أولاً، ثم يرمي عن موكله، ويجوز أن يرمي في موقف واحد، فيرمي عن نفسه ثم عن موكله، ولا يلزمه أن يرمي، الجمرات

ص: 93

الثلاث عن نفسه أولاً، ثم يعود مرة أخرى فيرمي عن موكله، كما يفيد ذلك ظاهر حديث جابر رضي الله عنه، قال:(حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلبينا عن الصبيان، ورمينا عنهم) رواه ابن ماجه، فظاهره أنهم كانوا يفعلون ذلك في موقف واحد، إذ لو كانوا يكملون الثلاث عن أنفسهم، ثم يرجعون من أوال عن الصبيان، لبينوا ذلك ولنقل عنهم.

وأما رمي الجمرات ليلاً، فجمهور العلماء على جوازه، لما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال:" كان النبي صلى الله عليه وسلم يُسْأَل يوم النحر بمنى، فيقول: لا حرج، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: اذبح ولا حرج، وقال: رميت بعد ما أمسيت؟، قال: ارم ولا حرج ".

وهذا الحديث يدل على جواز الرمي في الليل؟ لأن اسم المساء يصدق على الليل، فيجوز الرمي ليلاً لمن كان له عذر، مثل الرعاة، والسقاة، وكبار السن،

ص: 94

وضعاف البنية؛ والنساء عموماً لمنع اختلاطهن بالرجال، وخوف التكشف.

ولاشك أن الأفضل هو الرمي نهاراً كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن شدة الزحام في هذا الزمن، وكثرة الحجاج، وما يجد كثير من الناس من المشقة في الرمي نهاراً، كل ذلك يرجح القول بجواز الرمي ليلا، وهذا الذي يوافق يسر الإسلام وسماحته وسهولته، فإن بعض الناس قد يموت أثناء الرمي، لكثرة التدافع حول الجمرات، والوقت من زوال الشمس إلى غروبها لا يستوعب جموع الحجيج كلها، ولا يكفى لرمي الأعداد الهائلة من الحجاج.

قال الشيخ محمد بن عثيمين- رحمه الله: الأفضل للإنسان أن يرمى الجمرات في النهار، فإن كان يخشى من الزحام، فلا بأس أن يرميها ليلاً، وذلك لأن الببي صلى الله عليه وسلم، وقَّت ابتداء الرمي، ولم يوقّت انتهاءه، فدل هذا على أن الأمر في ذلك واسع.

ص: 95

أيها الحاج: في هذه الأيام المباركة، أيام التشريق، ينبغي للمسلم أن يكثر من ذكر الله تعالى، والتكبير، والاستغفار، وقراءة القران، روى مسلم في صحيحه عن نبيشة الهذلي- رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"أيام منى أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل".

وذكر الله عز وجل المأمور به في أيام التشريق، أنواع متعددة، كما يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله، منها ذكره تعالى عقب الصلوات المكتوبات بالتكبر في أدبارها، وهو مشروعٌ إلى آخر يوم من أيام التشريق، ومنها ذكره تعالى على الأكل والشرب، فإن المشروع في الأكل والشرب، أن يسمي الله عز وجل في أوله، ويحمده في آخره، وقد قال عليه الصلاة والسلام:" إن الله عز وجل يرضى عن العبد، أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها" رواه مسلم.

ومنها ذكر الله تعالى بالتكبير عند رمي الجمار

ص: 96

في أيام التشريق، ومنها ذكر الله تعالى المطلق، فيستحب الإكثار منه في أيام التشريق، وقد كان عمر يكبر بمنى في قبته، فيسمعه الناس فيكبرون، فترتج منى تكبيرا. واستحب كثير من السلف الإكثار من هذا الدعاء في أيام التشريق، قال عكرمة: كان يستحب أن يقال في أيام التشريق: " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".

وهذا الدعاء من أجمع الأدعية، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر منه، وروي أنه كان أكثر دعائه، وكان إذا دعا بدعاء جعله معه، فإنه يجمع خيري الدنيا والآخرة.

قال الحسن البصري: الحسنة في الدنيا: العلم والعبادة، وفي الآخرة: الجنة.

اللهم اجعل في قلوبنا نوراً نهتدي به إليك، وتولنا بحسن رعايتك حتى نتوكل عليك، وارزقنا

ص: 97

حلاوة ذكرك والتذلل بين يديك،. واغفر لنا ولوالدينا، ولجميع المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ص: 98