الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نشأة التصوف وتطوره:
كلمة "تصوف" قيل: إنها مشتقة من الصوف، وذلك لأن الصوفية خالفوا الناس فلبسوا الصوف تقشفا وزهدا.
وقيل: هي مشتقة من "الصفاء"، وذلك لصفاء قلب المريد، وطهارة باطنه وظاهره عن مخالفة ربه!.
وقيل: إنه مأخوذ من "الصفة" التي ينسب لها فقراء الصحابة المعروفون بأهل الصفة.
ويرى بعض العلماء أن الكلمة لقب غير مشتق، قال القشيري
رحمه الله: "ولا يشهد لهذا الاسم اشتقاق من جهة العربية ولا قياس، والظاهر أنه لقب، ومن قال باشتقاقه من الصفاء أو الصفة فبعيد من جهة القياس اللغوي. قال: وكذلك من الصوف، لأنهم لميختصوا به"1.
وأيا ما كان الأمر فالتصوف هو- كما قيل- إرسال النفس مع الله على ما يريده.
وقيل: "هو مناجاة القلب، ومحادثة الروح، وفي هذه المناجاة طهرة لمن شاء أن يتطهر، وصفاء لمن أراد التبرؤ من الرجس والدنس، وفي تلك المحادثة عروج إلى سماء النور والملائكة، وصعود إلى عالم الفيض والإلهام، وما هذا الحديث والنجوى إلا ضرب من التأمل والنظر والتدبر في ملكوت السماوات والأرض، بيد أن الجسم والنفس متلازمان، وتوأمان لا ينفصلان، ولا سبيل إلى تهذيب أحدهما بدون
1 مقدمة ابن خلدون ص 522 ط. الشرفية سنة 1327 هـ.
الآخر، فمن شاء لنفسه صفاء ورفعة فلابد له أن يتبرأ عن الشهوات وملذات البدن.. فالتصوف إذا: فكر، وعمل، ودراسة، وسلوك"1. والتصوف بهذا المعنى موجود منذ الصدر الأول للإسلام، فكثير من الصحابة كانوا معرضين عن الدنيا ومتاعبها، آخذين أنفسهم بالزهد والتقشف، مبالغين في العبادة. فكان منهم من يقوم الليل ويصوم النهار، ومنهم من يشد الحجر على بطنه تربية لنفسه، وتهذيبا لروحه، غير أنهم لم يعرفوا في زمنهم باسم الصوفية، وإنما اشتهر بهذا اللقب فيها بعد من عرفوا بالزهد والتفاني في طاعة الله، وكان ظهو هذا اللقب في القرن الثاني الهجري، قيل: وأول من اشتهر به، أبو هاشم الصوفي المتوفي سنة 55اهـ خمسين ومائة من الهجرة2.
وفي القرن الثاني وما بعده تولدت بعض الأبحاث الصوفية، وظهرت تعاليم القوم ونظرياتهم التي تواضعوا عليها، وأخذت هذه الأبحاث تنمو وتتزايد كلما مر عليها الزمن، وبمقدار ما اقتبسه القوم من المحيط العلمي الذي يعيشون فيه تطورت هذه الأبحاث والنظريات. غير أن الصوفية تأثروا بالفلاسفة أكثر من تأثرهم بغيرهم، وأخذوا من الفكر الفلسفي كثيرا من النظريات الفلسفية التي يتنافي بعضها مع الدين، بل وكون بعض المتصوفة لأنفسهم فلسفات خاصة، وأوغلوا في ذلك حتى أصبحنا نرى بعضا منهم أشبه بالفلاسفة منهم بالمتصوفة.
وكان لبعض هؤلاء المتصوفة فلسفات لا تتفق ومباديء الشريعة، مما أثار عليهم جمهور أهل السنة إلى حد أن رموهم بالكفر والزندقة، ومن
1 دروس في تاريخ الفلسفة للدكتور بيومي مدكور ويوسف كرم ص 140.
2 كشف الظنون ح 1 ص150.