الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتابته على اللوح للتعليم أو غير ذلك مما يكتب في غير المصاحف، فهو جائز لأن الإقرار من الرسول والإجماع من الصحابة حصل في المصحف وحده دون غيره، ولا يقاس عليه لأنه أمر توقيفي لغير علّة، فلا يدخله القياس.
فصل منه: أنّ الرّسول محمّدا صلى الله عليه وسلم لم يكن يكتب:
الجزم أو التأكيد بأن الرسول سيدنا محمّدا صلى الله عليه وسلم كان يعرف أشكال الحروف لا يستساع، لأن الأحاديث التي جاءت في الباب ضعيفة لا تقوّي لمدّع حجة، ثم لاختلاف العلماء في تأويل الأحاديث التي جاءت في كتابة الرسول صلى الله عليه وسلم، وفهمها على وجه أنه لم يكتب أقوى وأكثر حجّة. ثم لورود الخبر بأنه لا يحسن الكتابة؛ والأمر مثار جدل لمن يريد، والأخذ مع مراد دلالات الخطاب الشرعي في الباب أولى وأسلم.
قال القاضي عياض: وردت آثار تدلّ على معرفة حروف الخط وحسن تصويرها كقوله لكاتبه: [ضع القلم على أذنك فإنّه أذكر لك] وقوله لمعاوية: [ألق الدّواة وحرّف القلم وأقم الياء وفرّق السّين ولا تعور الميم] وقوله [لا تمدّ بسم الله].وهذا وإن لم يثبت أنه كتب فلا يبعد أن يرزق علم وضع الكتابة، فإنه أوتي علم كل شيء. وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث
(1)
.ونقل القرطبيّ؛ قال: قال القاضي عياض: وهذا وإن لم تصحّ الرواية أنه صلى الله عليه وسلم كتب فلا يبعد أن يرزق علم هذا، ويمنع من القراءة والكتابة
(2)
.قلت: وفي هذا تفصيل والتفات نباهة للعلماء رحمهم الله.
1.
حديث زيد بن ثابت قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يديه كاتب فسمعته يقول: [ضع القلم على أذنك فإنّه أذكر للمملي] قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وهو إسناد ضعيف، وعنبسة بن عبد الرحمن ومحمد بن زاذان يضعّفان في الحديث
(3)
.
(1)
فتح الباري: ج 7 ص 641:شرح الحديث 4252.
(2)
الجامع لأحكام القرآن: ج 13 ص 353.
(3)
الجامع الصحيح للترمذي: كتاب الاستئذان: باب (21):الحديث (2714).
2.
أما حديث معاوية، أنه كان يكتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له:[يا معاوية ألق الدّواة وحرّف القلم وانصب الباء وفرّق السّين ولا تغوّر الميم وحسّن الله ومدّ الرّحمن وجوّد الرّحيم، وضع قلمك على أذنك اليسرى فإنّه أذكر لك]
(1)
.
3.
لعل توجيه القاضي عياض لهذه الأحاديث، حين يغضّ النظر عن سندها، هو الأصحّ في المسألة، بقوله:(وهذا وإن لم تصحّ الرواية أنه صلى الله عليه وسلم كتب، فلا يبعد أن يرزق علم هذا، ويمنع القراءة والكتابة)
(2)
.
بمعنى أن وصف الرسول سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم بجري القلم على يد الكاتب في رسم الحروف، وخطّ شكلها، مأمور به من الله، فيأتي به الوحي ليعلّم الكاتب رسم الحرف وخط شكله، وهذا يتفق وأن رسم حرف القرآن توقيف من الله، وتفسير لسبب تغاير خطّ القرآن عن خط رسائل المصطفى عليه الصلاة والسلام للملوك والرؤساء، مع أن الكتّاب أنفسهم من كتبة الوحي بين يديه صلى الله عليه وسلم ستة وعشرون كاتبا أو أكثر.
تمسّك الفقيه الأندلسي أبو الوليد الباجي، بظاهر حديث مسلم في صلح الحديبية، فادعى أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كتب بيده بعد أن لم يكن يحسن الكتابة. فشنّع عليه علماء الأندلس في زمانه ورموه بالزندقة، وأن الذي قاله يخالف القرآن. فجمعهم الأمير فاستظهر الباجي عليهم بما لديه من المعرفة وقال للأمير: هذا لا ينافي القرآن، بل يؤخذ من مفهوم القرآن لأنه قيّد النفي قبل ورود القرآن فقال:{وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ}
(3)
.وبعد أن تحقّقت أمّيته وتقررت بذلك معجزته وأمن الارتياب في ذلك لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم فتكون معجزة أخرى.
(1)
أخرجه الديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب: الرقم (8533).قال في الفتح: وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث.
(2)
حكاه القرطبي في الجامع: ج 3 ص 353.
(3)
العنكبوت 48/.
وذكر ابن دحية أن جماعة من العلماء وافقوا الباجي في ذلك. ومنهم شيخه أبو ذرّ الهروي وأبو الفتح النيسابوري وآخرون من علماء أفريقية وغيرها، واحتجّ بعضهم بما أخرجه ابن أبي شيبة وعمر بن شيبة من طريق مجاهد عن عوف بن عبد الله قال:
[ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتّى كتب وقرأ] قال مجاهد: ذكرته للشعبي فقال: صدق قد سمعت من يذكر ذلك ومن طريق يونس بن ميسرة عن أبي كبشة السّلولي عن سهل ابن الحنظلية: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر معاوية أن يكتب للأقرع وعيينة، فقال عيينة: أتراني أذهب بصحيفة المتلمّس؟ فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة فنظر فيها فقال: [قد كتب لك بما أمر لك] قال يونس: فترى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب بعد ما أنزل عليه.
قلت: وهذا فيه نظر:
1.
إن أحاديث عوف بن عبد الله والشعبي وسهل بن الحنظلية؛ لا تصحّ، قال القرطبي:
قال ابن عطية: وهذا كله ضعيف، وقول الباجي منه
(1)
.
2.
أما حديث مسلم فهو بما وقع في الصحيح من حديث البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: [أكتب الشّرط الّذي بيننا بسم الله الرّحمن الرّحيم، هذا ما قاضى عليه محمّد رسول الله] فقال المشركون: لو نعلم أنّك رسول الله تابعناك، ولكن اكتب محمّد بن عبد الله. فأمر عليّا أن يمحاها! فقال عليّ: لا والله لا أمحاها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أرني مكانها فأراه مكانها فمحاها وكتب ابن عبد الله]
(2)
.فأخذ بعض العلماء بظاهر النص، وأوّلوا الآية من سورة {وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ}
(3)
،وفهموا نصّا عند البخاري فيه؛ [فأخذ رسول الله الكتاب فكتب، وليس يحسن يكتب]
(4)
.وليس كما تأوّلوا أو فهموا؛ من وجوه:
الأوّل: قول الراوي [فكتب] حكاية عن أمره للكاتب أن يكتب، أي فيه حذف
(1)
ينظر: مجمع الزوائد للهيثمي: ج 8 ص 271.
(2)
كتاب الجهاد والسير: باب صلح الحديبية: الحديث (1783/ 92).
(3)
العنكبوت 48/.
(4)
ينظر: صحيح البخاري: كتاب المغازي: باب عمرة القضاء: الحديث (4251).
تقديره فمحاها وأعادها لعليّ فكتب، أي أمره بالكتابة، وهو كثير كقوله:
كتب إلى قيصر، وكتب إلى كسرى، فلا يلزم أنه هو الذي يكتب، بل يملي على كاتبه، فعدّ إملاؤه كتابة.
الثاني: جاء في نصّ الحديث سؤال الرسول سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم لكاتبه أن يريه مكانها، فقال:[أرني مكانها] فلو كان يعرف شكل الحرف أو الكتابة أو القراءة لما احتاج السؤال ولو كانت من ضروب المعجزة والأمر الخارق للعادة ما احتاج السؤال أيضا. لهذا لا يصحّ مثل هذا الفهم، فهو بعيد جدا.
الثالث: أنه جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتاج تعلّم لغة قوم أعداء، فطلب من كتّابه فعل ذلك وكفايته أمرهم، عن زيد بن ثابت قال:
أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلم له كتابة يهود، قال:[إنّي والله لا آمن يهود على كتاب]،قال زيد: فما مرّ بي نصف شهر حتى تعلّمته له. قال:
فلمّا تعلّمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم]
(1)
.
الرابع: إن الكتابة من الأمور الإدارية والتراتيب الفنية التي لا يحتاجها الأمير لنفسه، وله أن يوكّل من ينوب بها عنه ويقرّ شأنها وينفذه بعد أن يطلع عليه؛ فهي تراتيب إدارية ومدنية. وليس مطلب المعجزة فيها بمكان متميّز بل غير مطلوب، لهذا من هذا الوجه يستبعد التأويل بأن الرسول سيدنا محمّدا صلى الله عليه وسلم كان يعرف الكتابة أو شكل الحروف. قال القرطبي: قلت: وقال بعض المتأخّرين من قال هي آية خارقة، فيقال له: كانت تكون آية لا تنكر لولا أنّها مناقضة لآية أخرى وهي كونه أميّا لا يكتب، وبكونه أميّا في أمّة أمّيّة قامت الحجّة؛ وأفحم الجاحدون، وانحسمت الشبهة فكيف يطلق الله يده فيكتب وتكون آية. وإنما الآية ألاّ يكتب، والمعجزات يستحيل أن يدفع
(1)
الجامع الصحيح للترمذي: كتاب الاستئذان، باب ما جاء في علم السريانية: الحديث (2715) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
بعضها بعضا. وإنما معنى كتب وأخذ القلم، أي أمر من يكتب به من كتّابه، وكان من كتبة الوحي بين يديه صلى الله عليه وسلم ستّة وعشرون كاتبا
(1)
.
3.
الصحيح في الباب أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كتب ولا حرفا واحدا، ولا قرأ. وإنما أمر أن يكتب الكتاب، وهذا مقتضى فهم النصوص على السجية من غير تكلّف، قال القرطبي: هذا هو الصحيح في الباب أنه صلى الله عليه وسلم ما كتب ولا حرفا واحدا، وإنما أمر من يكتب وكذلك ما قرأ ولا تهجّى.
فإن قيل: فقد تهجّى النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر الدجّال، فقال:[مكتوب بين عينيه كافر]
(2)
وقلتم إنّ المعجزة قائمة في كونه أميّا؛ قال الله تعالى: {وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ} الآية وقال-أي النبي صلى الله عليه وسلم: [إنّا أمّة أمّيّة لا نكتب ولا نحسب]
(3)
فكيف هذا؟ فالجواب ما نصّ عليه صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة، والحديث
(1)
الجامع لأحكام القرآن: ج 13 ص 353.
(2)
عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [إنّه مكتوب بين عيني الدّجال كافر يقرؤه كلّ مؤمن]. مسند الإمام أحمد: ج 3 ص 327.وعن عمر بن ثابت الأنصاري أنه أخبره بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم حذر الناس الدجال: [إنّه مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه من كره عمله أو يقرؤه كلّ مؤمن] صحيح مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة: الحديث (169/ 95) من أحاديث الدجال. ولفظ التهجي جاء عند أنس بن مالك [مكتوب بين عينيه ك ف ر أي كافر] وفي لفظ [مكتوب بين عينيه كافر ثمّ تهجّاها كافر يقرؤه كلّ مسلم] ولربما كان المتهجّي هو أنس بن مالك وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم. لأن الحديث في طرقه عن جابر بن عبد الله وعمر بن ثابت الأنصاري وعبد الله بن عمر عن أبيه ليس فيه ذكر التهجي والله أعلم. ينظر: مسند الإمام أحمد: ج 5 ص 433 وفي ج 6 ص 139 عن أم المؤمنين عائشة بلفظ [مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كلّ مؤمن] من حديث طويل تفرد به الإمام أحمد. وعن حذيفة أخرجه مسلم والطبراني في المعجم الكبير: الحديث (3018):ج 3 ص 167.
(3)
صحيح البخاري: كتاب الصوم: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا نكتب ولا نحسب: الحديث (1813) وصحيح مسلم: كتاب الصيام: الحديث (1080/ 15) وسنن أبي داود: الحديث (2319) وسنن النسائي: كتاب الصوم: ج 2 ص 139 - 140.