المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

والخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم َ، أي: - تفسير الشعراوي - جـ ١٠

[الشعراوي]

الفصل: والخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم َ، أي:

والخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم َ، أي: ما تكون يا محمد في شأن. والشأن: هو الحال العظيم المتيمز الذي يطرأ على الأمر.

ونحن في حياتنا اليومية نقول: ما شأنك اليوم أو ما حالك؟ وهنا يجيب السامع بالشيء الهام الذي حدث له أو فعله، ويتناسى التافة من الأمور.

ولذلك يصف الله تعالى نفسه فيقول:

{كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 29] .

أي: لا تظنوا أن ربنا سبحانه وتعالى خلق النواميس والقوانين، وقال لها: اعملي أنتِ، لا فهو سبحانه كل يوم في شأن.

ولذلك حين سئل أحد العلماء: ما شأن ربك الآن؛ وقد صَحَّ أن القلم قد جَفَّ؟ فقال: «أمور يبديها ولا يبتديها» .

أي: أنه سبحانه قد رسم كل شيء، وجعل له زماناً ليظهر، فهو سبحانه قيُّوم، أي: مُبَالغ في القيام على مصالحكم؛ ولذلك يطمئننا سبحانه وقد جعل الليل لنومنا وراحتنا بأنه سبحانه قيوم لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم، وهو يراعينا.

فالحديث في الآية التي نحن بصددها موجَّه لرسول الله صلى الله عليه وسلم َ:

{وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ} [يونس:‌

‌ 61]

.

وشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم َ الذي يهتم به ليس المأكل ولا المشرب، إنما المهم بالنسبة له هو بلاغ الرسالة بالمنهج ب «افعل و» لا تفعل «.

{وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ} [يونس: 61] .

ص: 6012

و» منه «هنا بمعنى اللام، أي: ما تتلو له، وتعني تأبيداً لآيات القرآن.

وهناك في موضع آخر من القرآن يقول الحق سبحانه:

{مِّمَّا خطيائاتهم أُغْرِقُواْ} [نوح: 25]

أي: أغرقوا لأجْل خطيئاتهم.

وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نفهم ما تكون في شأن وما تتلو لأجل هذا الشأن من قرآن، فالنبي صلى الله عليه وسلم َ في شأن هام هو الرسالة، ويتلو من القرآن تأبيداً لهذا الشأن وهو البلاغ بالمنهج.

ويدخل في هذا الشأن ما فوِّض رسول الله صلى الله عليه وسلم َ فيه حسب قول الحق سبحانه:

{وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا} [الحشر: 7] .

ومثال ذلك: تحديد كيفية الصلاة وعدد ركعات كل صلاة، وكذلك نِصَاب الزكاة، وهذه أمور لم يأت بها القرآن تفصيلاً، ولكن جاءت بها الأحاديث النبوية.

إذن: فهناك تفويض من الحق للرسول صلى الله عليه وسلم َ ليكتمل البلاغ بمنهج الله، بنصوص القرآن، وبتفويض الله تعالى له أن يشرِّع.

ص: 6013

إذن: فكل شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم َ إما بلاغ عن الله بالنص القرآني، وإما تطبيق فعليّ للنص القرآني بالحديث النبوي، وبالأسوة التي تركها لنا صلى الله عليه وسلم َ في سُنَّته.

والحُجَّة على الحُكم أي حُكم يأتي بها القرآن، فإن كانت الأحكام غير صادرة من الله مباشرة، فيكفي فيها أنها صدرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم َ بتفويض من الله تعالى ليشرِّع.

وبذلك نردُّ على المنافقين الذين إذا حُدِّثوا بشيء من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم َ: قالوا: «بيننا وبينكم كتاب الله» وهدفهم أن يردُّوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم َ فِعْلاً، أو قولاً أو إقراراً.

ثم ينقل الحق سبحانه الخطاب من المفرد إلى الجماعة فيقول جَلَّ شأنه:

{وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَاّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً} [يونس: 61] .

وفي هذا انتقال للسامعين للقرآن، والمبلَّغ إليهم هذا المنهج، فكل عمل إنما يشهده الحق سبحانه.

والعمل هو مجموع الأحداث التي تصدر عن الإنسان، فكل حدث يصدر من الإنسان ولو بِنيَّة القلب يسمَّى عملاً؛ لأن عمل القلوب هو النية. ولكن إذا صدر الحدث من اللسان كان قولاً، وإذا صدر الحدث من بقية الجوارح كان فعلاً.

وهكذا ينقسم العمل إلى قسيمن: قول، وفعل.

ص: 6014

وقد اختُصَّ حدث اللسان باسم القول؛ لأن أصل مستندات التكليف كلهم قولية.

ثم يقول الحق سبحانه: {إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} أي: تسرعون إلى العمل بنشاط وحيوية وإقبال مما يدل على حسن الاستجابة للمنهج فور أن يبلَّغه الرسول صلى الله عليه وسلم َ.

والإقبال على العمل التكليفي بهذا الشوق، وتلك اللهفة، وحسن الاستقبال، وإخلاص الأداء، كل هذه المعاني يؤول إليها قول الحق سبحانه:{إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} كما يفيض ماء الإناء إذا امتلأ لينزل. أي: أن تقبلوا علىأعمال التكليف بسرعة وانصباب وانسكاب.

وقد قال الحق سبحانه: {فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ} [البقرة: 198] .

أي: شَرَعْتُم في الذهاب مسرعين؛ لأنكم أدَّيتم نُسُكاً أخذتم منه طاقة، وتقبلون بها على نُسُك ثانٍ.

إذن: فالحق سبحانه يشهد كل عمل منكم، لكن ماذا عن النيَّات وما يُبيَّت فيها من خواطر.

ها هو الحق سبحانه يخبرنا أن كل شيء مهما صغر واختفى فهو معلوم ومحسوب.

يقول الحق سبحانه:

ص: 6015

{وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرض وَلَا فِي السمآء وَلَا أَصْغَرَ مِن ذلك ولا أَكْبَرَ إِلَاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [يونس: 61] .

أي: كل أمورك، وأمور الخلق، والمخلوقات كلها معلومة لله تعالى، ومكتوبة في كتاب مبين واضح، فلا أحد بقادر على أن يختلس حركة قلب، أو يختلس حركة ضمير، وكملة «يعزب» تعني: يغيب ويختفي.

والحق سبحانه يخبرنا أنه لا يضيع عنده جزاء أي عمل أو نية مهما بلغ العمل أو النية أدنى درجة من القِلَّة.

ولم يوجد عند العرب ما يضرب به المثل على الوزن القليل إلا الذَّرَّة، وهي النملة الدقيقة الصغيرة جِدّاً، ثم أطلقت الذرة على الهَبَاء الشائع في الجو، ويمكنك أن ترى هذا الهَبَاء إن جلست في حجرة مظلمة مغلقة، ثم دخلها شعاع من ضوء، هنا ترى هذا الضوء وهو يمر من الثقب وكأنه سهم، وترى مكوِّنات هذا السهم من ذرات الهباء المتحركة الموجودة في الجو، تلك الذرات التي لا تراها وأنت في الضوء فقط أو في الظلام فقط، ولكن التناقض بين الضوء والظلام يُبرزها.

وأنت لا تدرك الشيء ولا تحسه لأمرين: إما لتناهيه في الصغر، وإما لتناهيه في الكبر؛ فلا تحيط به، وحين تقدم العلم التطبيقي اخترعوا المَجَاهر التي تُكبِّر الشيء المتناهي في الصغر آلاف، أو ملايين المرات.

وأنت لو وضعت جلدك تحت عدسة المجهر فسترى فجوات وكأنها آبار لم تكن تراها أو تحسها من قبل؛ لأنها بلغت من الدقة والصِّغر بحيث

ص: 6016

لا تستطيع عيناك أن تدركها، فإن رأيتها بالمجهر كَبُرَت فترى فجوات وتعاريج وعُلُوّاً وانخفاظاً مهما كان الجلد الذي تراه تحت المجهر ناعماً.

وكذلك أنت لا تقدر على إدراك الشيء الضخم، وقد تفصل بينك وبين الشيء الكبير مسافة؛ فتراه أصغر من حجمه، وكلما ابتعد صَغُرَ، فأنت إذا رأيت مثلاً رجلاً طويلاً على مسافة كبيرة، فأنت تراه وكأنه طفل صغير، وكلما اقترتب منه زاد طوله في عينيك.

إذن: لا الضخامة ولا البُعد ولا القِلَّة تمنع من علم الحق سبحانه لأي شيء.

وقد خاطب الحق سبحانه العرب بأصغر ما عرفوه، وهو الذرة، أي: النملة الصغيرة.

وأنت إذا وطأتَ نملة في أرض رملية فهي لا تموت، بل تدخل في فجوات الرمل، وتجد لنفسها طريقاً إلى سطح الأرض مرة أخرى.

قد بيَّن الحق سبحانه هذه المسألة حين تحدَّث عن سليمان عليه السلام في وادي النمل، فقال تعالى:

{قَالَتْ نَمْلَةٌ ياأيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [النمل: 18] .

لأنهم لا يرونهم؛ لحجمهم المتناهي في الصغر.

وهكذا يعطينا الحق سبحانه بياناً عن كل أمة في الحياة، وأن من بينهم جنوداً يحرسون بيقظة، فالنملة قامت بإنذار قومها من سليمان وجنوده،

ص: 6017

لأنهم لن يروا النمل الصغير.

إذن: الذَّرُّ إما أن يكون النمل الصغير، وإما أن يكون الذرَّات الهبائية.

وأراد الله سبحانه أن يضرب لنا مثلاً بإحاطة علمه في أنه لا يعزب عنه مثقال ذرة.

ويعزب، أي: يغيب، ويقال:«هذا البئر ماؤه عازب» ، أي قادم من عمق بعيد، ويحتاج استخراجه إلى دَلْوٍ وحبال طويلة.

ونسمِّي الرجل الذي يبعد عن أهله «عَزَب» .

وقول الحق سبحانه: {وَمَا يَعْزُبُ} . أي: لا يبعد ولا يغيب عنه أصغر شيء ولا أكبر شيء.

يقول سبحانه ذلك؛ ليطمئننا أن كل خاطرة من خواطر الإنسان إنما يشهدها الله، ويَعْلَمُها، وهو المُجَازِي عليها.

وإن استطاع إنسان أن يُعمِّي على قضاء الأرض، فلن يستطيع أن يُعمِّي على قضاء السماء.

ومسألة الذرَّة والصغر يقول عنها الحق سبحانه:

ص: 6018

{فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الزلزلة: 78] .

هذا للمتساوِي في الثقل والوزن، أما إن كان أصغر من الذرة، فقد ذكره الحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها فقال:

{وَلَا أَصْغَرَ مِن ذلك ولا أَكْبَرَ} [يونس: 61] .

وعلى زمن نزول القرآن الكريم لم يكن أحد يعرف أن هناك ما هو أصغر من الذرة، وكنا جميعاً حتى ما قبل الحرب العالمية الأولى لا نعلم أن هناك شيئاً أصغر من الذرة، وكان العلماء يعتقدون أن الذرة هي الجزء الذي لا يتجزَّا؛ لأنها أصغر ما يقع عليه البصر، فضرب الله مثلاً بالأقل في زمن نزول القرآن.

ولما تقدم العلم بعد الحرب العالمية الأولى واخترعت ألمانيا آلةً لتحطيم الذرة قيل عنها: إنها آلة تحطيم الجوهر الفرد. أي: الشيء الذي لا ينقسم، وهذه الآلة مكونة من اسطوانتين مثل اسطوانتي عَصَّارة القصب، والمسافة بين الاسطوانتين لا تكاد تُرَى، وحين حَطَّمت ألمانيا ما قيل عنه «الجوهر الفرد» تحول إلى ما هو أقل منه، وتفتَّتت الذرّة.

وقد جعل الحق سبحانه المقياس في الصغر هو الذرة.

وحين اخترعت ألماينا تلك الآلة توجَسّ المتصلون بالدين وخالوا أن يقال: إن الحق سبحانه لم يذكر ما هو أقل من الذرة، ولكنهم التفتوا إلى الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، فقرأوا قول الحق سبحانه:

{وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرض وَلَا فِي السمآء وَلَا أَصْغَرَ مِن ذلك ولا أَكْبَرَ إِلَاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [يونس: 61] .

ص: 6019

و {وَمَا يَعْزُبُ} أي: لا يبعد أو يغيب {عَن رَّبِّكَ} أي: عن عِلْمه {مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ} . أي: وزن ذَرَّة.

وقديماً قلنا: إن البعض يقول: إن «من» قد تكون حرفاً زائداً في اللغة، كقولنا:«ما جاءني مِنْ رجل» وتعرب كلمة «من» : حرف جر زائد، و «رجل» : فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة التي منع من ظهورها اشتعال المحلِّ وهو «اللام» بحركة حرف الجر الزائد.

ولكن في كلام الله لا يوجد حرف زائد، ف «مِنْ» في قوله:{مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ} . أي: من بداية ما يقال له «مثقال» .

ويقول الحق سبحانه في آية أخرى.

{وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَا تَأْتِينَا الساعة قُلْ بلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الغيب لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السماوات وَلَا فِي الأرض} [سبأ: 3] .

وكلمة {وَرَبِّي} مُقْسَمٌ به، وحرف «الواو» هو حرف الجر، ولم يأت هنا بالشهادة، وجاء بالغيب، ولم يأت بعلم الغيب في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها.

وعالم الشهادة، تعني: أنه عَالِمٌ بكل ما يشهد، ويظن البشر أنها غير مُحَاطٍ بها لعظمتها؛ أو لأن الله غيب فلا يرى إلا الغيب، لكن الحق سبحانه يرى ويعلم الغيب والشهادة.

ص: 6020

لقد قال الحق كلمة «مقال ذرة» ثلاث مرات:

مرة حين قال سبحانه: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [الزلزلة: 7] .

ومرة حين قال هنا:

{مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرض وَلَا فِي السمآء} [يونس: 61] .

وجاء ب «من» هنا ليبين أنه لا يغيب عن الله تعالى من بداية ما يقال له «مثقال» .

وقال الحق سبحانه في موضع آخر:

{لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السماوات وَلَا فِي الأرض} [سبأ: 3] .

وجاء بالسموات أولاً، وجاء في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بالأرض أولاً، وهو في الآيتين يتكلم عن علمه للغيب، فيأتي بمثقال الذرة ويقدِّم السماء ويأتي بها مفردة، ثم يأتي بما هو أقل من الذرة ويقدِّم الأرض.

وهذا كله من إعجاز أساليب القرآن التي أراد البعض من المستشرقين أن يعترضوا عليها، وكانت جميع اعتراضاتهم نتيجة لعجزهم عن امتلاك مَلَكة الأداء البياني.

وإنْ عرضنا الرد على تساؤلاتهم نجد أن الحق سبحانه قَدَّم الأرض في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها؛ لأنه سبحانه يتكلم عن أهل الأرض:

ص: 6021

{وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَاّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} [يونس: 61] .

وجاء أيضاً بالسماء، وهي السماء الدنيا التي يراها أهل الأرض.

أما الآية الأخرى فهو سبحانه يقول:

{وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَا تَأْتِينَا الساعة قُلْ بلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الغيب لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السماوات وَلَا فِي الأرض} [سبأ: 3] .

والكلام هنا عن الساعة، وعلمها عند الله تعالى، ولم تنزل من السموات إلى السماء الدنيا حتى نقول للمكلَّفين في الأرض: قوموا ها هي الساعة.

ولذلك جاء الحديث هنا عن السموات أولاً؛ لأن علم الساعة عند ربِّي، ولن ينزل إلا بمشيئته سبحانه.

وهكذا جاء كل أسلوب لا بإجمال المعنى، ولكن بدقة جزئياته، فتكلم في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، وآية سبأ عن العلم والذرَّة، والسماء والأرض، وكل آية جاءت الكلمات فيها بتقديم أو تأخير يناسب مجالها.

ثم يقول الحق سبحانه: {إِلَاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [يونس: 61] .

ولنا أن نلتفت إلى أن الاستثناء هنا لا يُخْرِج ما قبله، بل كل شيْ

ص: 6022

مكتوب في الكتاب المبين، ونحن في الدنيا نجد الإنسان إن كان له دَين عند آخر فهو يحتفظ بالوثائق المكتوبة التي تُسجِّل ما له وما عليه. ولكن، أيحتفظ الحق سبحانه بأعمالنا ونيَّاتنا مكتبوة كحجة له، أم حجة لنا؟

إنه سبحانه يعلم أزلاً كل أعمالنا، ولكنه يُسجِّل لنا بالواقع تلك الأعمال والنيات؛ لنعلم عن أنفسنا ماذا فعلنا؛ لتنقطع حجة من أساء إذا وقع به العقاب.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {ألا إِنَّ أَوْلِيَآءَ الله}

ص: 6023

وجاءت هذه الآية بعد كلامه الحق عن نفسه سبحانه بأنه عالم الغيب، ولا يخفى عليه شيء، وشاء الله سبحانه بذلك أن يعلّمنا أنه قد يفيض على بعض خلقه فيوضات الإمداد على قَدْر رياضات المرتاضين، فَهَبْ أن الله قد امتن عليك بنفحة، فإياك أن تقول إنها من عندك، بل هي من عند عالم الغيب سبحانه الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.

وعلى ذلك فلا يقال: إن فلاناً قد عَلِم غيباً لأنه وليٌّ لله، بل لنقل:«إن فلانا مُعَلَّمُ غَيْبٍ» ؛ لأن الغيب ما غاب عن الناس، وما يغيب عنك ولا يغيب عن غيرك فهو ليس غيباً مطلقاً.

ومثال ذلك: الرجل الذي سُرق منه شيء، هو لا يعرف أين يوجد الشيء الذي سُرق منه، ولكنه اللص يعرف، وكذلك من ساعد اللص وأخفاه وأخفى له المسروقات، كل هؤلاء يعلمون، وأيضاً الجن الذين كانوا في نفس مكان السرقة يعلمون، وهذا ليس غيباً مطلقاً.

ص: 6023

وأيضاً أسرار الكون التي كانت غيباً موقوتاً، مثل جاذبية الأرض، والسالب والموجب في الكهرباء، وتلقيح الرياح للسحاب لينزل الماء، كل ذلك كان غيباً في زمن ما، ثم شاء الحق سبحانه فحدَّد لكل أمرٍ منها ميعادَ كشفٍ، فصارت أموراً مشهورة.

وقد شاء الحق سبحانه ذلك؛ ليعمل الإنسان ويجتهد ليكشف أسرار الكون.

ومن العجيب أن الباحث قد يعمل من أجل كشف معين، فيصادف كشفاً آخر؛ لأن الله تعالى قد أذن لذلك الكشف الذي كان غيباً أن يولد، وإن لم يبحث عنه أهل الأرض.

ومن اكتشف «البنسلين» رأى العفن الأخضر حول بعض المواد العضوية فبحث عن أسرار ذلك، واكتشف «البنسلين» .

و «أرشميدس» الذي اكتشف قانون الطفو، واستفادت منه صناعات السفن والغواصات، وكل ما يسير في البحر، وقد اكتشاف قانون الطفو صدفة.

إذن: ففي الكون غيب قد يصير مَشْهَداً، إما بمقدِّمات يتابعها خَلْقُ الله بالبحث، وإما أن تأتي صدفة في أثناء أي بحث عن شيء آخر.

ومثال ذلك: عصر البخار الذي بدأ من رجل رأى إناء مُغَطّى يغلي فيه الماء، فضل غطاء الإناء يرتفع ليُخرج بعضاً من البخار، وانتبه الرجل إلى

ص: 6024

أن البخار يمكن أن يتحول إلى طاقة تجرّ العربات التي تسير على عَجَل، وهكذا جاء عصر البخار.

إذن: فميلاد بعض من أسرار الكون كان تنبيهاً من الله تعالى لأحد عباده لكي يتأمل؛ ليكتشف سِرّاً من تلك الأسرار.

وأغلب أسرار الكون تم اكتشافها صدفة، لنفهم أن عطاء الله بميلادها دون مقدمات من الخَلْق أكثر مما وُصِِل إليه بالعطاء من مقدمات الخلق.

ولذلك تجد التعبير الأدائي في القرآن عن لونَي الغيب، تعبيراً دقيقاً لنفهم أن هناك غيباً عن الخلق جميعاً وليست له مقدمات، ولا يشاء الله سبحانه له ميلاداً، واستأثر الله بعلمه؛ فلا يعلمه إلا هو سبحانه.

يقول الحق سبحانه:

{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَاّ بِمَا شَآءَ} [البقرة: 255] .

هذا هو الغيب الذي يكشفه الله سبحانه لهم، إما بالمقدمات، أو بالصدفة، وقد نسب المشيئة له سبحانه، والإحاطة من البشر، وهذا هو غيب الابتكارات.

أما الغيب الآخر الذي لا يعلمه أحد إلا هو سبحانه ولا يُجَليِّه إلا الرسول صلى الله عليه وسلم َ، فيقول الحق عنه:

ص: 6025

{عَالِمُ الغيب فَلَا يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً إِلَاّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ} [الجن: 2627] .

إذن: فالحق سبحانه يفيض من غيبه الذاتي على بعض خَلْقه، والقرآن الكريم فيه الكثير من الغيب، وأفاضة الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم َ، وتحققت الأحداث كما جاءت في القرآن.

والحق سبحانه يهب بعضاً من خلقه بعضاً من فيوضاته، وقد أعطى الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم َ بعضاً من الهِبَات وحدَّد من يعطيه بعضاً من الغيب:

{إِلَاّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ} [الجن: 27] .

وهي ليست للحصر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم َ أسوة، وقال فيه الحق سبحانه:

{لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ الله واليوم الآخر وَذَكَرَ الله كَثِيراً} [الأحزاب: 21] .

ومن يعمل بعمل الرسول صلى الله عليه وسلم َ ويقتدي به؛ يهبه الله تعالى هِبةً يراها الناس فيعرفون أن مَنْ يتّبع الرسول صلى الله عليه وسلم َ كقدوة يعطيه الله سبحانه الهبات النوارنية، ولكن هذه الهِبَة ليست وظيفة، وليست (دُكَاناً) للغيب، بل هي مِنْ عطاءات الله تعالى.

ص: 6026

وانظر إلى دقة القرآن حين يقول:

{وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لَا يَعْلَمُهَآ إِلَاّ هُوَ} [الأنعام: 59] .

أي: أنه سبحانه لم يُعْطِ مفتاح الغيب لأحد، والوليّ من أولياء الله إنما يأخذ الهبة منه سبحانه، لكن مفتاح الغيب هو عند الله وحده.

وعندما نتأمل قول الحق سبحانه:

{ألا إِنَّ أَوْلِيَآءَ الله لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62] .

نجد أن كلمة «وليّ» من وَلِيَهُ، يليه، أي: قريبٌ منه، وهو أول مَفزَع يفزع إليه إن جاءه أمر يحتاج فيه إلى معاونة من غيره، وإن احتاج إلى نصرة فهو ينصره، وخيره يفيض على مَنْ والاه.

ومَنْ يقْرُب عالماً يأخذ بعضاً من العلم، ومَنْ يقرب قويّاً يأخذ بعضاً من القوة، ومَنْ يقرب غنيّاً، إن احتاج، فالغني يعطيه ولو قَرْضاَ.

إذن: فالوَاليّ هو القريب الناصر المُعِين المُوالِي.

وتطلق «الولي» مرةً لله سبحانه، وقد قال القرآن:

{فالله هُوَ الولي} [الشورى: 9] .

ص: 6027

لأنه سبحانه القريب من كل خَلْقه، عكس الخَلْق الذين يقتربون من بعضهم أو يتباعدون حسب إمكاناتهم، أما الله سبحانه وتعالى فهو الوليّ المُطلَق، فقُربه مِنْ خَلْقٍ لا يبعده عن خَلقٍ، ولا يشغله شيء عن شيء، فهو الوليّ الحقُّ، وهو سبحانه يقول:

{هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ الحق} [الكهف: 44] .

فمن يحتاج إلى الولاية الحقَّة فَليلجأ إلى الله، وهو سبحانه يُفيض على الأوفياء لمنهجه من الولاية.

ونجد التعبير القرآني الدقيق:

{الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ} [البقرة: 257] .

فهو سبحانه يقرب من عباده المؤمنين، والمؤمنون يقربون من الله تعالى في قول الحق سبحانه:

{ألا إِنَّ أَوْلِيَآءَ الله} [يونس: 62] .

إذن: فالولاية المطلقة لله، وإنْ قُيِّدت بشيء مضافٍ ومضافٍ إليه، فهي مرة تكون من المؤمنين لله، ومرة تكون من الله للمؤمنين.

والحق سبحانه لا تحكمه قوانين؛ فبطَلاقة قُدرته سبحانه إذا رأى في إنسانٍ ما خَصْلة من خير، فيكرمه أولاً، فيصير هذا العبد طائعاً من بعد ذلك.

وتسمع من يقول: إن فلاناً قد خُطف من المعصية أي: أنه كان عاصياً، ثم أحب الله تعالى خَصْلة خيرٍ فيه، فهداه.

ومثال ذلك: الرجل الذي سقى كلباً، بل احتال ليسقيه بأن ملأ خُفَّه

ص: 6028

بالماء من البئر ليروي ظمأ الكلب؛ فغفر الله سبحانه وتعالى له سيئاته.

هذا الرجل لم يكن ليروي الكلب نفاقاً للكلب، ولكن لأن الرجل شعر بالعطف على كائن ذي كبد رطبة.

إذن: فليست المسائل عند الله تعالى آلية أو ميكانيكية، بل طلاقة قُدرته سبحانه تقدّر كل موقف كما قدَّرتْ اختلاف الخَلْق، ولذلك قال سبحانه:

{وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السماوات والأرض واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} [الروم: 22] .

فليس عند الله تعالى قالب يضع فيه الخلق، بل سبحانه يخلق الطويل والقصير والسمين والرفيع والأشقر والزنجي، وهذا بعضٌ من طلاقة قدرته سبحانه، وبرحمته سبحانه قرب من خَلْقه الذين آمنوا أولاً، وقربه سبحانه منهم:{يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور} [البقرة: 257] .

فمن يتبع المنهج يأخذ النور، فإذا علم الله سبحانه عمله بمنهجه فهو سبحانه يُقرّبه قُرْباً أكثر فيعطيه هبةً اصطفائية يراها الذين حوله وقد يقتدون به.

والحق سبحانه يريد من المؤمن الأدب مع خَلْق الله، فإذا علم سيئةً عن إنسان فعليه أن يسترها، لأن الحق سبحانه يحب السَّتْر ويحب من يَستر.

ص: 6029

وأنت قد تكره إنساناً تعلم عنه سيئةً ما، وقد تكره كل حسنة من حسناته، فيريد الله ألاّ يحرمك من حسنات مَنْ له سيئة فيسترها عنك لتأخذ بعضاً من حسناته، ويأمرك الحق ألاّ تحتقر هذا المسيء؛ لأنه قد يتمتع بخَصْلة خير واحدة، فيكرمه الله سبحانه من أجلها أولاً، ثم يطيعه هذا العبد ثانياً.

والحق سبحانه يقول في الحديث القدسي:

«يا ابن آدم أنا لك محبٌّ فبحقّي عليك كن لي مُحِبّاً» .

ويقول الله سبحانه في حديث قدسي:

«أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإنْ ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» .

وفي هذا القول يضع مسئولية القُرب من الله في يد الخَلْق، ويضيف الحق سبحانه:

«وإن تقرَّب إليَّ شبراً تقرَّبتُ إليه ذراعاً، وإن تقرب إليَّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» .

ومن يريد أن يأتيه الله هرولة فليذهب إلى الله ماشياً.

إذن: فالإيمان بالله يسلِّم المؤمن مفتاح القرب من الله.

ومن يكن من أصحاب الخُلُق الملتزمين بالمنهج يُقرِّبْه الله منه أكثر وأكثر.

ص: 6030

إذن: فمن الناس مَنْ يصل بطاعة الله إلى كرامة الله، ويدق على باب الحق، فينفتح له الباب، ومن الناس مَنْ يصل بكرامة الله أولاً إلى طاعة الله ثانياً.

ولله المثل الأعلى: أنت كواحد من البشر قد يدق بابك إنسانٌ يحتاج إلى لقمة أو صدقة فتعطيه، وهناك إنسان آخر تحب أنت أن تعطيه، وعندما تعطيه يطيعك من منطلق الإحسان إليه، فما بالنا بعطاء الحق لعباده؟

إذن: فمنهم مَنْ يصل بكرامة الله إلى طاعة الله، ومنهم من يصل بطاعة الله إلى كرامة الله، وحين يصل الإنسان إلى القرب من الله، ويقرب الله من العبد، هنا يكون العبد في معية الله، وتفيض عليه هذه المعية كثيراً.

وقد قال أبو العلاء المعري لمحبوبته:

أنت الحبيبُ ولكني أعوذ بِهِ

من أن أكون حبيباً غير محبوبِ

أي: أنه يستعيذ بالله من أن يكون محباً لمن يرفض حبّه، ولكن محبة الله تختلف عن محبة البشر، وسبحانه لا يعامل محبيه كذلك، فأنت حين تحب الله يقرّبك أكثر وأكثر، ويسمَّي ذلك «المصافاة» ، فإذا أفاض الله سبحانه على بعض خَلْقه هِباتٍ من الكرامات فعلى العباد الذين اختصهم الحق سبحانه بذلك أن يُحسنوا الأدب مع الله، وألا يتبجَّح واحد منهم متفاخراً بعطاء الله سبحانه له.

فالمباهاة بالكرامات تضيعها، ويسلبها الحق سبحانه من الذي يتبجَّح بها

ص: 6031

ويتفاخر ويتباهى، فمن تظاهر بالكرامة ليس له كرامة.

إذن: فالحق سبحانه يريد أن يكون العبد دائماً في معيّيته، وهو سبحانه الذي بدأ وبيَّن بالآية الواضحة أنه سبحانه وليّ المؤمنين؛ ولذلك سيخرجهم من الظلمات إلى النور. فقال:

{الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور} [البقرة: 257] .

ونحن نعلم أنه سبحانه يأتي بالمحسَّات ليبيِّن المعنويات؛ لأن إلْفَ الإنسان أولاً بالمحسَّات، وهي أقرب إلى تقريب المراد، فحين يضرب الحق سبحانه لنا المثل بالكفر والإيمان، يصف الكفر بالظلمة، والإيمان بالنور، إنما يريد الحق أن يجعل لك المراد واضحاً موصولاً بمفهومك.

وإذا كنا نتجنَّب معاطب الظلمات الحسية، أليس الأجدر بها أيضاً أن نتجنب معاطب الظلمات المعنوية، إن الظلمة الحسية تستر الأشياء فلا نرى الأشياء، وقد نرتطم بأضعف شيءٍ فنحطِّمه أو نصطدم بأقوى شيء فيحطمنا.

إذن: فَحَجْب المرائي يسبِّب الكوارث، أما حين يأتي النور؛ فهو يبيِّن ملامح الأشياء فتسير على هُدىً وأنت مطمئن.

وهَبْ أنك في مكان مظلم ويوجد شيء آخر في مكان منير، فأنت في الظلمة ترى مَنْ يوجد في النور، وهذه مسألة لم يفطن لتفسيرها علماء

ص: 6032

ما قبل الإسلام، حيث كانوا يظنون أن الرؤية إنما تحدث من انتقال شعاع من عين الرائي إلى المرئيِّ، حتى جاء «الحسن بن الهيثم» العالم الإسلامي واكتشف قوانين الضوء، وكشف خطأ ما سبقه من نظريات، وحدَّد أن المرئي هو الذي يصدر منه شعاع إلى الرائي، وإذا ما كان المرئي في ظُلمةٍ فلن يراه أحد، ولو كان هناك شعاع يخرج من الرائي؛ لرأى الإنسان في الظلام.

إذن: أول ولاية من الله للمؤمنين أنه سبحانه يخرجهم من الظلمات إلى النور، والظلمة المعنوية أقوى من الظلمة الحسية، وكذلك النور المعنوي أقوى من النور الحسّي، فعالَمُ القيم قد يكون أقوى من عالم الحس؛ لأن الجبر في عالم الحسّ يمكن أن يحدث، أما في عالم القيم فهو أمر شاق؛ ولذلك قال الشاعر:

جراحاتُ السنانِ لها التئامُ

ولا يلتامُ ما جَرَحَ اللسانُ

ويقول الحق سبحانه في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها:

{ألا إِنَّ أَوْلِيَآءَ الله لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62] .

و «ألا» كما أوضحنا من قبل أداة تنبيه من المتكلَم للمخاطب حتى لا تفوته كلمة واحدة مما يجيء في الخطاب.

وقوله سبحانه: {لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [يونس: 62] . أي: لا خوف عليهم من غيرهم {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62] أي: أن الحزن لن يأتي منهم، والخوف يكون من توقع شيء ضار لم يقع حتى الآن، ولكنه قد

ص: 6033

يحدث في المستقبل.

وفي حياتنا اليومية نجد الأب يمسك بيد ابنه في الزحام خوفاً عليه، وقد ترى وليّاً من أولياء الله وقد أصيب ابنه في حادث أو مات الابن، تجد الوليّ في ثبات لأنه يعلم حكمة الله في قضائه، فلا تتطوع أنت بالخوف عليه.

إذن: فالخوف يأتي من المستقبل، وهو أمر مرتقب، أما الحزن فهو إحساس يحدث على شيء فات.

والحق سبحانه يقول:

{لِّكَيْلَا تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ} [الحديد: 23] .

والحزن على ما فات عبث؛ لأن ما فات لا يعود.

وأولياء الله تعالى لا خوف عليهم؛ لأنهم دائماً بصدد معرفة حكمة الله، ومَنْ لا يعرف حكمة الله تعالى في الأشياء قد يقول:«إن فلاناً هذا مسكين» ؛ لأنك لا تعرف ماذا جرى له.

وأما الحزن فهو مشاعر قلبية يريد الله من المؤمن أن تمر على باله.

وقد قال صلى الله عليه وسلم َ حين افتقد ابنه: «وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» ولكنه حزن الوَرَع الذي يتجلَّى في قوله صلى الله عليه وسلم َ:

«إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا» .

ص: 6034

وبين الله سبحانه لنا شروط الولاية فيقول: {الذين آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}

ص: 6035

والإيمان هو الأمر الاعتقادي الأول الذي يُبنى عليه كل عمل، ويقتضي تنفيذ منهج الله، الأمر في الأمر، والنهي في النهي، والإباحة في الإباحة.

والتقوى كما علمنا هي اتقاء صفات الجلال في اله تعالى، وأيضاً اتقاء النار، وزاد رسول الله صلى الله عليه وسلم َ في صفات من تصدر عنه التقوى؛ لأنها مراحل، «فقال صلى الله عليه وسلم َ يصف المتقين:

» هم قوم تحابُّوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لَعلَى نور «.

وقد سئُل عمر رضي الله عنه عن المتقين فقال:» الواحد منهم يزيدك النظر إليه قُرباً من الله «. وكأنه رضي الله عنه يشرح لنا قول الحق سبحانه:

{سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السجود} [الفتح: 29] .

وساعة ترى المتقي لله تُسَرُّ وتفرح به، ولا تعرف مصدر هذا السرور إلا حين يقال لك: إنه ملتزم بتقوى الله، وهذا السرور يلفتك إلى أن تقلده؛ لأن رؤياه تذكِّرك بالخشوع، والخضوع، والسكينة، ورقَّة

ص: 6035

السَّمْت، وانبساط الأسارير.

والواحد من هؤلاء ينظر إلى الكون ولا يجد في هذا الكون أي خَلَل، بل يرى كل شيء في موضعه تماماً، ولا يرى أي قُبح في الوجود، وحتى حين يصادف القبح، فهو يقول: إن هذا القبح يبيِّن لنا الحُسْن، ولولا وجود الباطل ومتاعبه لما عشق الناسُ الحقّ، وهكذا يصير الباطل من جنود الحق.

إن وجود الشرّ يدفع الناس إلى الخير؛ ولذلك يقال: كُنْ جميلاً في دينك تَرَ الوجود جميلاً؛ لأنك حين ترى الأشياء وتقبل قدر الله فيها، هنا يفيض الله عليك بهبات من الفيض الأعلى، وكلما تقرَّبت إلى الله زاد اقتراب الله سبحانه منك، ويفيض عليك من الحكمة وأسرار الخلق.

ومثال ذلك: العبد الصالح الذي آتاه الله من عنده رحمة وعلَّمه من لدنه علماً، هذا العبد يعلّم موسى عليه السلام، فحين قارن بين خَرْق العبد الصالح لسفينة سليمة، ولم يكن يعلم أن هناك حاكماً ظالماً يأخذ كل سفينة غَصْباً؛ ولذلك ناقش موسى العبد الصالح، وتساءل: كيف تخرق سفينة سليمة؟ وهنا بيَّن له العبد الصالح أن الملك الظالم حين يجد السفينة مخروقة فلن يأخذها، وهي سفينة يملكها مساكين.

وحين قَتل العبدُ الصالح غلاماً، كان هذا الفعل في نظر موسى

ص: 6036

جريمة، ولم يعلم سيدنا موسى ما علمه العبد الصالح أن هذا الولد سوف يسيء إلى أهله، وأمر الله العبد الصالح بقتله قبل البلوغ حتى لا يفتن أهله، وسوف يدخل هذا الولد الجنة ويصير من دعاميص الجنة.

ويقال: إن من يموت من قبل البلوغ ليس له مسكن محدّد في الجنة، بل يذهب حيث يشاء؛ فهو كالطفل الصغير الذي يدخل قصراً، ولا يطيق البقاء في مكان واحد، بل يذهب هنا وهناك، وقد يذهب إلى حيث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم َ أو أبو بكر الصديق، أو عند أي صحابي جليل.

وأيضاً حين دخل سيدنا موسى عليه السلام مع العبد الصالح إلى قرية واستطعما أهلها فرفضوا أن يطعموهما وطلب الطعام. هو أصدق ألوان السؤال فأبى أهل القرية أن يطعموهما، وهذا دليل الخسَّة واللؤم؛ فأقام العبد الصالح الجدار الآيل للسقوط في تلك القرية.

ولم يكن سيدنا موسى عليه السلام قد علم ما علمه العبدُ الصالح من أن رجلاً صالحاً قد مات وترك لأولاده كنزاً تحت هذا الجدار، وبناه بناية موقوتة بزمن بلوغ الأبناء لسن الرشد؛ فيقع الجدار ليحد الأبناء ما ترك لهم والدهم من كنز، ولا يجرؤ أهل القرية اللئام على السطو عليه.

ص: 6037

إذن: هذه هباتٌ من فيض الحق سبحانه على عباده الصالحين، وهو سبحانه وتعالى يجعل مَثَل هؤلاء العباد كالصواري المنصوبة التي تهدي الناس، أو كالفنار الذي يهدي السفن في الظلمة.

ويقول الحق سبحانه: {لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا}

ص: 6038

والبُشرى: من البِِشْر والبشارة والتبشير، وكلها مأخوذة من البشرة، وهي الجلد؛ لأن أي انفعال في باطن النفس الإنسانية إنما ينضح على البشرة، فإذا جئت للإنسان بأمر سارٍّ تجد أثر هذا السرور على أساريره، وإن جئت للإنسان بخبر سيِّىء تجد الكدر وقد ظهر على بشرته، فالبشرة هي أول منفعل بالأحداث السارة أو المؤلمة.

وحين يقال: «بشرى» فهذا يعني كلاماً إذا سمعه السامع يظهر على بشرته إشراق وسرور؛ لأنه كلام مبشِّر بخير.

وحين «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم َ عن البشرى، قال:» إنها الرؤية الصالحة تُرى للمؤمن أو يراها «، وقال صلى الله عليه وسلم َ:» إنها جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة «.

ص: 6038

وقد أوحي للنبي صلى الله عليه وسلم َ بالرؤيا ستة أشهر، وأوحي إليه في اليقظة ثلاثة وعشرين عاماً، فإذا نسبت الستة أشهر إلى الثلاثة والعشرين عاماً، تجد أن الستة أشهر تمثل جزءاً من ستة وأربعين جزءاً.

والرؤيا ليست هي الحُلْم؛ لأن الرؤيا هي شيء لم يشغل عقلك نهاراً، وليس للشيطان فيه دخل.

والمثل العامي يقول:» الجوعان يحلم بسوق العيش «فإن كان ما يراه الإنسان في أثناء النوم له علاقة بأمر يشغله، فهذا هو الحلم، وليس للرؤيا، وإن كان ما يراه الإنسان في أثناء النوم شيئاً يخالف منهج الله، فهذه قذفة من الشيطان.

إذن: فهناك فارق بين الرؤيا والحلم، وأضغاث الأحلام.

البشرى إذن هي الرؤيا الصالحة، أو هي المقدمات التي تُشْعر خَلْق الله بهم فتتجه قلوب الناس إلى هؤلاء الأولياء، وقد تجد واحداً أَحبه الله تعالى في السماء،» فيقول الله سبحانه وتعالى لجبريل عليه السلام:«إني أحب فلاناً فأحبَّهُ. قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في السماء فيقول: إن الله يَحب فلاناً فأحِبُّوه، فيحبه أهل السماء. قال: ثم يُوضع له القبول في الأرض» .

ص: 6039

وساعة تراه مكتوباً له القبول، فالكل يُجمعون على أن في رؤيتهم لهذا المحبوب من السماء سَمْتاً طيباً، وهذه هي البشرى.

أو أن البشرى تأتي لحظة أن يأتي مَلَكُ الموت، فيُلْقي عليه السلام، ويشعر أن الموت مسألة طبيعية، مصداقاً لقول الحق سبحانه:

{الذين تَتَوَفَّاهُمُ الملائكة طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادخلوا الجنة بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32] .

أو ساعة يبيضُّ الوجه حين يأخذ الإنسان من هؤلاء كتابه بيمينه، وهذه بشرى في الدنيا وفي الآخرة.

والحق سبحانه يقول: {إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائكة أَلَاّ تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بالجنة التي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي الحياة الدنيا وَفِي الآخرة وَلَكُمْ فِيهَا مَا تشتهي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ}

[فصلت: 3031] .

إذن: فهؤلاء الأولياء يتلقون من فيوضات الله عليهم بواسطة الملائكة ويتميزون عن غيرهم؛ لأن الواحد منهم قد يفرض على نفسه نوافل فوق الفروض؛ لأن الفروض هي أقل القليل من التكاليف.

وقد يرى واحد منهم أن القيام بالفروض لا تناسب مع حبه لله تعالى؛

ص: 6040

فيزيد من جنسها على ما فرض الله، ويصلِّي بدلاً من خمسة فروض عشرة أخرى نوافل، أو يصوم مع رمضان شهراً أو اثنين، أو يصوم يومي الاثني والخميس من كل أسبوع.

وهذا دليل على أنه وجد أن الفروض قليلة بالنسبة لدرجة حبه لله تعالى، وأن الله تعالى يستحق أكثر من ذلك، وهذا معناه أن مثل هذا العبد قد دخل في مقام الود مع الله تعالى، وهنا يفيض الله سبحانه وتعالى عليه بما يشاء، وينال من رضوان الله ما جاء في الحديث القدسي:

«من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورِجْلَهُ التي يمشي عليها، وإن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته» .

وهكذا تختلف المقاييس بين عبد يحب الله تعالى ويؤدي فوق ما عليه، وعبد آخر يقوم بالتكاليف وحدها.

ويُنهي الحق سبحانه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله:

{لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ذلك هُوَ الفوز العظيم} [يونس: 64] .

ص: 6041

وما دام الحق سبحانه قد قال: {لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله} فلن تجد أحداً قادراً على ذلك، كما أن الخلق مقهورون كلهم يوم القيامة؛ ومَنْ كان يبيح له الله تعالى أن يملك شيئاً في الدنيا لم يعد مالكاً لشيء، بدليل أن الكل سيسمع قول الحق سبحانه:

{لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار} [غافر: 16] .

وما دام الحق سبحانه قد وعد ببشرى الدنيا وبشرى الآخرة، فلا تبديل لما حكم به الله، فلا شيء يتأبَّى على حكم الله تعالى، والوعد بالبُشريات في الدنيا وفي الآخرة فوز عظيم مؤكد.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً}

ص: 6042

تجيء هذه الآية بعد أن بيَّن الله سبحانه وتعالى اعتراضات الكفار، وإيذاءهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم َ وتكذيبهم له وقولهم فيه ما قالوه، وفيما قالوه ما أحزنه صلى الله عليه وسلم َ؛ لذلك طلب منه الحق سبحانه ألَاّ ينفعل لما قالوه انفعال الحزين، فقد قالوا: ساحر، وكاذب، ومُفْتَرٍ، ومجنون، وقد نفى عنه الحق سبحانه كل ما قالوه، فلو كان محمد صلى عليه وسلم ساحراً فلماذا لم يسحرهم هم أيضاً، وهل للمسحور إرادة مع الساحر؟!

إذن: كَذَّبَ قولَهم في أنه صلى الله عليه وسلم َ سحر عبيدَهم وأولادَهم.

وقالوا: مجنون، ولم يكن في سلوكه صلى الله عليه وسلم َ أدنى أثر من جنون، وفنَّد أقوالهم هذه بقوله سبحانه:

ص: 6042

{ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 14] .

فالمجنون لا يكون على خُلُق عظيم أبداً.

وحين قالوا: إنه افترى القرآن، تحداهم أن يأتوا بسورة من مثل ما قال، وعجزوا عن ذلك رغم أنهم مرتاضون للشعر والأدب والبيان.

وقول الحق سبحانه:

{وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} [يونس: 65] لأن أقوالهم لا حصيلة لها من الوقوف أمام الدعوة؛ لأن {العزة للَّهِ جَمِيعاً} [يونس: 65] والعزة هي القوة، والغلبة، ويقال: هذا الشيء عزيز، أي: لا يوجد مثله، وهو سبحانه العزيز المُطْلَق؛ لأنه لا إله إلا هو لا يُغلَب ولا يُقهَر.

وتلحظ حين تقرأ هذه الآية وجود حرف «الميم» فوق كلمة {قَوْلُهُمْ} وتعني: ضرورة الوقف هنا.

ص: 6043

ولسائل أن يقول:

كيف يلزم الوقف هنا مع أن القرآن الكريم مبنيٌّ على الوصل؛ وآخر حرف في كل سورة تجده مُنوَّناً، وليس في القرآن ما يُلزم الوقف للقارىء؟

وأقول رَدّاً على هذا التساؤل: إن العلماء حين لاحظوا ضعف مَلَكة اللغة؛ جاءوا بهذا الوقف ليتفهم القارىء الذي لا علم له بالبيان العربي كيف يقرأ هذه الآية، فهَبْ أن واحداً لا يملك فطنة الأداء، فينسب {إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً} [يونس: 65] إلى {وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} [يونس: 65] . ويخطىء الفهم، ويظن معاذ الله أن العزة لله هي أمر يُحزِن النبي صلى الله عليه وسلم َ؛ لذلك جاء العلماء بالوقف هنا لندقِّق القراءة ونُحْسِن الفهم.

ولذلك علينا أن نقرأ {وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} [يونس: 65] ثم نتوقف قبل أن نتابع القراءة {إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً} [يونس: 65ِ] ؛ وبهذا نفهم المعنى: يجب ألَاّ تحزن يا محمد؛ لأن أقوالهم لن تغيّر في مجرى حتمية انتصارك عليهم.

ويريد الحق سبحانه هنا أن يطمئن رسوله صلى الله عليه وسلم َ في أمر محدد، هو أنه صلى الله عليه وسلم َ مهمته هي البلاغ فقط، وليس عليه أن يُلزمهم بالإيمان برسالته والتسليم لمنهجه.

وبيّن له الحق سبحانه: أنهم إذا ما صدُّوا بعد بلاغك، فلا تحزن مما يقولون؛ فأقوالهم لا يقوم عليها دليل، ولا تنهض لها حُجَّة، وقد جاء فيهم قول الحق سبحانه:

{وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ} [النمل: 14] .

ص: 6044

وأقوالهم لن تقف في سبيل دعوتك، وسيُتمُّ الله نوره، ولا يوجد أعز من الله سبحانه وتعالى، ولن يجير أحد على أحداً، فهو سبحانه يُجير ولا يُجار عليه.

وإذا كانت العزة هي القهر والغلبة، وقد تكون عزة حُجّة، وقد تكون عزة حلْف، وقد تكون عزة حكمة، وكل واحد من خلق الله سبحانه قد توجد له عزة مجالٍ ما أو محيط ما، لكن العزة لله سبحانه شاملة مطلقة في كل محيطٍ وفي كل مجال، شاملة لكل شيء وأي شيء.

ولماذا لم يأت الحق سبحانه بأسلوب القَصْر في هذه الآية؟

أي: أن تأتي الصفة للموصوف وتنفيها عما عداه؛ كأن نقول: «لزيدٍ مالٌ ليس لغيره» . وإذا قدمنا الجار والمجرور وهو المتعلّق فنقول: «لفلانٍ كذا» ، وهذا يعني ان غير فلانٍ ليس له كذا.

وإنْ قلنا: «فلان له كذا» فيصح أن نقول: «ولفلانٍ كذا، ولفلانٍ كذا، ولفلانٍ كذا» .

أما إذا قلت: «لفلان كذا» فمعناها: امتناع أن يكون لغير فلان شيء من مثل ما قلت.

وهنا يقول الحق سبحانه: {إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً} [يونس: 65] وجاء بالتأكيد ولم يأت لها بأسلوب القصر الذي يعطي العزة لله سبحانه وينفيها عن غيره؛ لأنه لا يوجد لهذه الآية مناهض، وهو كلام ابتدائي يخبر به الله سبحانه خبراً كونياً بأن العزة لله جميعاً.

ص: 6045

وما دام الحق سبحانه هو الذي يقول ذلك وهو خالق الخلق فلن تأتي قضية كونية تناقضها، ولو وجدت معاذ الله قضية كونية تناقضها، فالآية لن تكون صادقة. وهذا لم ولن يحدث أبداً مع آيات الحق سبحانه؛ لأنه هو خالق الكون، وهو مُنزل الآيات؛ فلا يمكن أن يحدث تناقض أبداً بين الكون وكلام خالق الكون سبحانه وتعالى:

وقد حدث أن ادعى بعضهم العزة لنفسه وقالوا:

{لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل} [المنافقون: 8] .

وكان مغزى قولهم هو ادعاء العزة لأنفسهم، وادعاء الذلة للمؤمنين.

إذن فالعزة قد ادُّعيت، وما دامت قد ادعيت فلماذا لم تأت بأسلوب القصر؟

نقول: لا، لقد شاء الحق سبحانه أن يقول:

{وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8] .

فالعزة لله لا تتعداه، ولكنه سبحانه شاء أن تكون عزة رسوله صلى الله عليه وسلم َ وعزة المؤمنين من باطن عزة الله تعالى.

وقول الحق سبحانه هنا:

{إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً} أي: في كل ألوانها هي لله سبحانه وتعالى، إن كانت عزة حكمه فهو الحكيم، وإنْ كانت عزة القبض على الأمور فهو

ص: 6046

العزيز، وإن كانت عزة الحلْم فهو الحليم، وإنْ كانت عزة الغضب والانتقام فهو المنتقم الجبّار، وكلُّ ألوان العزة لله تعالى:

{هُوَ السميع العليم} [يونس: 65] .

وما دامت العزة هي الغلبة والقهر، فالله سبحانه يسمع من يستحق أن يُقهر منه، وما دام الأمر فيه قول فهو يجيء بالسمع، وإنْ كان فيه فعل، فهو يأتي بصفة العليم، فهو السميع لما يُقال والعليم بما يُفعل.

ونحن نعلم أن المنهيَّ عنه هنا هو: {وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} [يونس: 65] .

لذلك كان المناسب أن يقال: {هُوَ السميع} أولاً.

ويريد الحق سبحانه أن يدلِّل على هذه القضية دلالة كونية في آيات الله تعالى في الكون، وليس في الوجود أو الكون مَنْ يقف أمامه سبحانه؛ لذلك لا بد أن نلحظ أن قانون «العزة لله جميعاً» محكوم بأن لله تعالى ما في السموات وما في الأرض.

لذلك يقول الحق سبحانه بعد ذلك: {ألا إِنَّ للَّهِ مَن فِي السماوات}

ص: 6047

فالحق سبحانه إذن لن يَخرج كائنٌ مَنْ كان عن ملكه.

وساعة تجد الحق سبحانه يبيِّن الشيء وضده، فهو يأتي بالقانون والإطار

ص: 6047

{للَّهِ ما فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} [البقرة: 284] .

ومثال ذلك: حين تبع قوم فرعون موسى عليه السلام وقومه، قال أصحاب موسى:{إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: 61] .

قالوا ذلك؛ لأنهم رأوا البحر أمامهم، فشاء الحق سبحانه أن يبيِّن لهم أن البحر لن يعوق مشيئته سبحانه، ولم ينفلت البحر من قوة الله تعالى؛ لأن لله ما في السموات وما في الأرض، والبحر منها؛ لذلك انفلق البحر، فكان فِرْقٍ كالطود العظيم.

فلا شيء يخرج عن مُلكه سبحانه تعالى؛ ولذلك يأتي الحق سبحانه بالنقيض، فبعد أن جعل الحق سبحانه لهم مسلكاً في البحر، وكل فرْق كالطود العظيم، ويظل البحر مفلوقاً فيدخل قوم فرعون فيه.

والحق سبحانه يقول لموسى عليه السلام: {واترك البحر رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ} [الدخان: 24] .

فيأمر الحق سبحانه البحر أن يعود كما كان؛ فيغرق قوم فرعون بعد أن أنجى الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام ومن معه، فأهلك وأنجى بالشيء الواحد؛ لأنه سبحانه له ما في السموات وما في الأرض، وليبيِّن الحق سبحانه لنا أنه لا شيء في كون الله تعالى يقوم مقام عزته سبحانه أبداً.

ص: 6048

وهناك مثال آخر: حين يقول نوح عليه السلام لابنه: {يابني اركب مَّعَنَا} [هود: 42] .

فيردّ الابن قائلاً:

{سآوي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ المآء} [هود: 43] .

وهذا كلام صحيح من ناحية أن الجبل يعلو مستواه عن مستوى المياه، ولكن ابن نوح نسي أن لله تعالى جندياً آخر هو الموج؛ فكان من المغرَقين.

صحيح أن ابن نوح فطن إلى أن السفينة سوف تستوي على «الجدوى» ، وأن من يركبها لن يغرق، وكذلك من يأوي إلى الجبل العالي، لكنه لم يفطن إلى الموج الذي حال بينه وبين الجبل؛ فكان من المغرقين.

إذن: فكل كائن هو مؤتمر بأمر الله تعالى، وما دامت العزة لله جميعاً فمصداقها أن لله تعالى ما في السموات وما في الأرض، وليس هناك كائن في الوجود يتأبَّى على أن يكون جندياً من جنود الحق سبحانه، فيكون جندياً للإهلاك، وجندياً للنجاة في نفس الوقت.

وقول الحق سبحانه هنا: (ألا) نعلم من أن (ألا) أداة تنبيه للسامع فلا يؤخذ على غرَّة ولا تفوته حكمة من حكم الكلام، وينتبه إلى أن

ص: 6049

هناك خطاباً عليه أن يجمع عقله كله ليحسن استقبال ما في هذا الخطاب.

ويقول الحق سبحانه:

{ألا إِنَّ للَّهِ مَن فِي السماوات وَمَنْ فِي الأرض} [يونس: 66] .

ولقائل أن يقول: هناك كثير من الكائنات غير العاقلة، وقوله هنا {مَن} مقصود به الكائنات العاقلة؟

ولنا أن نتساءل للرَّدِّ على هذا القائل:

وهل هناك أي شيء في الوجود لا يفهم عن الله؟

طبعاً لا، والله سبحانه وتعالى هو القائل عن الأرض:

{يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا} [الزلزلة: 45] .

إذن: فكل الكائنات في عُرف الاستقبال عن الله سبحانه سواء ب «مَنْ» أو ب «ما» ، وكل من في الوجود يفهم عن الله.

ونلحظ أن الحق سبحانه يأتي مرة بالقول: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً} [آل عمران: 83] .

ومرة يقول الحق سبحانه: {ألا إِنَّ للَّهِ مَن فِي السماوات وَمَنْ فِي الأرض} [يونس: 66] .

كما جاء في هذه الآية التي نحن بصددها الآن.

شاء الحق سبحانه ذلك، لأن هناك جنساً في الوجود يوجد في السماء ويوجد في الأرض، وهم الملائكة المُدَبِّرَات أمْراً، هؤلاء هم المقصودون بأن لله ما في السموات والأرض.

ص: 6050

ولله سبحانه وتعالى أيضاً جنس في السموات لا يوجد في الأرض وهم الملائكة المهيمون العالين، وليس لهم وجود على الأرض، كما أن لله تعالى جنوداً في الأرض ليس لهم وجود في السماء، فإن لا حظنا الملائكة المدبرات أمراً، نجد أن قول الحق سبحانه:

{للَّهِ ما فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} [البقرة: 284] .

مناسب لها.

وإن لا حظنا أن لله ملائكة مهيمين في السماء، وجنوداً في الأرض لا علاقة لهم بالسماء يكون مناسباً لذلك قول الحق سبحانه:

{ألا إِنَّ للَّهِ مَن فِي السماوات وَمَنْ فِي الأرض} [يونس: 66] .

وما دام كل شيء في الكون مملوكاً لله تعالى فلا شيء يخرج عن مراده سبحانه، فلا يوجد مثلاً غار يدخله كائن فراراً من الله؛ لأنه سبحانه قادر على أن يسد الغار، وإن شاء الله سبحانه أن يساعد من دخل الغار فهو تعالى يعمي بصر من يرقب الغار.

إذن: فلن يجير شيء على الله تعالى، وستظل له صفة العزة

ص: 6051

لا يخدشها خادش من وجود الله في الكون.

ثم يقول الحق سبحانه:

{وَمَا يَتَّبِعُ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله شُرَكَآءَ} [يونس: 66] .

ومعنى اتباعهم شركاء كأن هناك شركاء، رغم أن الأصل والحقيقة ألَاّ شركاء له سبحانه.

إذن: فهم يتبعون غير شيء؛ والدليل على ذلك موجود في طي القضية، فهم يبعدونهم من دون الله تعالى، ومعنى العبادة أن يطاع أمر وينهى نهي، وما يعبدونه من أشياء لا أوامر لها ولا نواهي؛ فليس هناك منهج جاءوا به.

إذن: فلا ألوهية لهم.

إذن: فالأصل ألا شركاء لله تعالى، ولو كان له شركاء لأنزلوا منهجاً ولأوجدوا أوامر، وكان لهم نواهٍ؛ لأن الذي يقول:«اعبدني» إنما يحدد طريقة وأسلوب العبادة. وهاتوا واحداً من الذين تتبعونهم وتدعون لهم يكون له منهج، ولن يستطعيوا ذلك، ولاحق سبحانه هو القائل:

{قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لَاّبْتَغَوْاْ إلى ذِي العرش سَبِيلاً} [الإسراء: 42] .

أي: أننا لو افترضنا أن هناك آلهة ولها مظهر قوة كالشمس التي تضيء والقمر الذي ينير، والمطر الذي ينزل من السماء، والملائكة التي تدبِّر الأمر، لو صدَّقنا أن كل هؤلاء آلهة، فهم سيبحثون عن الإله الواحد الأحد؛ ليأخذوا منه القوة التي ظننتم أنها لهم.

ص: 6052

ولذلك يقول الحق سبحانه:

{وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ سُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91] .

إذ لو كان هذا الأمر صحيحاً لكانت هناك ولايات إليهة.

ولذلك قال الحق سبحانه:

{أولئك الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوسيلة} [الإسراء: 57] .

وهم قالوا إنهم يعبدون الملائكة، وعليهم أن يعلموا أن الملائكة نفسها تعبد الله سبحانه وتعالى، وما دام لا يوجد شركاء لله لتتبعوهم؛ إذن: فأنتم تتبعون الظن.

لذلك جاء قول الحق سبحانه:

{إِن يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظن وَإِنْ هُمْ إِلَاّ يَخْرُصُونَ} [يونس: 66] .

ونحن نجد الذين أولعوا بأن يُوجِدوا في القرآن ظاهر تعارض ليشكِّكوا فيه، قالوا: إن هذه الآية مثال على ذلك؛ فيقولون: في بداية الآية يقول: {وَمَا يَتَّبِعُ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله شُرَكَآءَ} [يونس: 66] .

فينفي أن المشركين يتبعون شركاء لله، ثم يأتي في آخر الآية فيقول إنهم يتَّبعون الظن والخرص، ففي أولها ينفي الاتباع، وفي آخرها يثبته.

ص: 6053

وهذا جهل ممن قال بهذا وادعى أن هناك تناقضاً في الآية، فالله سبحانه ينفي أن يكون ما يدعوه هؤلاء المشركون شركاء لله في ملكه، فللَّه من في السموات ومن في الأرض، ولكنه يثبت أنهم يتَّبعون الظن والخرص والتخمين.

ونقول: ما هو الظن؟ وما هو الخرص؟

إن الظن حكم بالراجح كما أوضحنا من قبل في النسب من أن هناك نسبة إنْ لم تكن موجودة فهي مشكوك فيها، أو نسبة راجحة، أو أن نسبة تساوي فيها الشك مع الإثبات، فإنْ كان الشك مساوياً للإثبات فهذا هو الشك. وإن رجحت، فهذا هو الظن. أما المرجوح فنسميه وهماً.

الظن إذن حكم بالراجح. والخًَرْص: هو التخمين، والقول بلا قاعدة أو دليل.

والحق سبحانه يقول هنا:

{إِن يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظن وَإِنْ هُمْ إِلَاّ يَخْرُصُونَ} [يونس: 66] .

والقرآن حين يوجه خطاباً فهو يأتي بالخطاب المستوعب لكل ممكن، وهو سبحانه حكم عليهم هنا أنهم يتَّبعون الظن والخرص.

ونحن نعلم أن الكافرين قسمان: قسم يُعْلم حقيقة الشيء، ولكنه يغيّر الحقيقة إلى إفك وإلى خَرْص، وقسم آخر لا يعرف حقيقة الشيء، بل يستمع إلى من يعتقد أنه يعرف.

ص: 6054

إذن: فهناك مُتَّبِع بكسر الباء وهناك مُتَّبًَع بفتح الباء المُتَّبَع بفتح الباء يعلم أن ما يقوله هو كلام ملتوٍ، يشوّه الحقيقة ويزينها، أما المتّبع بكسر الباء فيظن أنه يتبع أناساً عاقلين أمناء فأخذ كلامهم بتصديق.

إذن: فالمتبع (بكسر الباء) يكون الظن من ناحيته، أما المتبع (فتح الباء) فيكون الخَرْصو الكذب والافتراء من ناحيته؛ ولذلك يقول لنا الحق سبحانه:

{وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الكتاب إِلَاّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَاّ يَظُنُّونَ} [البقرة: 78] .

هؤلاء إذن يصدِّقون ما يقال لهم؛ لأنهم أميُّون، والكلام الذي يقال لهم راجح، وهم لو فكروا بعقولهم لما انتهوا إلى أنه كلام راجح.

أما الآخرون فيقول فيهم الحق سبحانه:

{فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ الله لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} [البقرة: 79] .

وهؤلاء هم الذين يأتي منهم الخَرْص والإفك وقول الزور والبهتان.

إذن: فالكفار إن كانوا من الأميين فهم من أهل الظن، وينطبق عليهم قول الحق سبحانه:{إِن يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظن} [يونس: 66] .

وإن كانوا من القادة والرؤساء فهؤلاء هم من ينطبق عليهم قول الحق سبحانه: {وَإِنْ هُمْ إِلَاّ يَخْرُصُونَ} [يونس: 66] .

ص: 6055

وشاء الحق سبحانه بعد أن بيَّن الإيمان والمؤمنين، وما يمكن أن يدَّعيه الكافرون في نبيِّ الرسالة، وبعد أن بيَّن المنهج، ها هو سبحانه يأتي بالكلام عن آياته سبحانه في الكون تأييداً للمطلوب بالمجود.

فالمطلوب أن نؤمن برسول يبلِّغ منهجاً عن الله؛ ليكون هذا المنهج نافعاً لنا، وإنْ أراد أحد دليلاً على ذلك فلينظر إلى الآيات التي وجدت للإنسان من قبل أن يُكلِّف، أهي في مصلحته أم غير مصلحته؟

وما دامت الآيات الموجودة في الكون والمسخَّرة للإنسان تفيد الإنسان في حياته، فلماذا لا يشكر من أعطاه كل تلك النعم، وقد أعطى الحق سبحانه وتعالى الإنسان من قبل التكليف الكثير من النعم، وفور أن يصل إلى البلوغ يصير مكلَّفاً.

إذن: فالله سبحانه لم يكلِّف أحداً إلا بعد أن غمره بالنعم النافعة له باعتقاد من العبد وصدق من الواقع.

فإذا ما جاء لك التكليف، فَقِسْ ما طُلِب منك على ما وُجِد لك، فإذا كنت تعتقد أن الآيات الكونية التي سبقت التكليف نافعة لك قبل أن يطلب منك «افعل كذا» و «لا تفعل كذا» ؛ فَخُذْ منها صدقاً واقعاً يؤيد صدق ما طُلِب منك تكليفاً، فكما نفعك في الأولى، فالحق سبحانه

ص: 6056

سينفعك باتباعك التكليف، واستقبلْ حركة الحياة على ضوء هذا التكليف؛ لتسعد.

ونحن نعلم أن الأصل في الإنسان أن يرتاح أولاً ليتحرك، ثم يتعب، ثم يرتاح؛ ولذلك نجد التكاليف قد جاءت على نفس المنوال، فقد أراحك الحق سبحانه إلى سن البلوغ وأخذت نعم الله تعالى وتمتعت بها إلى سن البلوغ، ارتحت اختياراً، وارتحت في مراداتك، ثم تجيء «افعل» و «لا تفعل» لتلتزم بما يُصْلِح لك كل أحوالك.

وإذا كان التكليف سيأخذ منك بعضاً من الجهد، فهناك فاصل زمني للراحة، وأنت في حياتك تجد وقتاً للراحة، ووقتاً للحركة، والراحة تجعلك تسعى بنشاط إلى الحركة، والحركة تأخذ منك الجهد الذي تحب أن ترتاح بعده.

إذن: فالحركة تحتاج للراحة، والراحة تحتاج للحركة.

وجاء الحق سبحانه إلى الفترة الزمنية المسماة «اليوم» ، فبيَّن لنا أنه كما قسَّم الوجود الإنساني إلى مرحلتين:

الأولى: هي ما قبل البلوغ ولا تكليف فيها.

والثانية: هي ما بعد البلوغ وفيها التكليف.

فقد قسَّم الله سبحانه أيضاً «اليوم» إلى وقت للراحة ووقت للحركة، فقال الله تعالى {هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً} [يونس: 67] .

ص: 6057

فكما خلق سبحانه لنا اليوم وفيه وقت للراحة، ووقت للحركة، كذلك شرع الحق سبحانه منهج الدين؛ لتستقيم حركة الحياة؛ لأن الإنسان الخليفة في الأرض لا بد أن يتحرك، لا بد أن تكون حركته على مقتضى «افعل كذا» و «لا تفعل كذا» ، وما لم يَرِدْ فيه «افعل» و «لا تفعل» فهو مباح؛ إن شاء فعله، وإن شاء لم يفعله.

وكل فعل، وكل نهي يتطلب حركة، وإياك أن تتصور أن النهي لا يتطلب حركة؛ لأنك تتحرك في أمر ما ثم يأتيك قرار التوقف، وقد تتوهم أن التوقف لا يحتاج إلى حركة؛ لأنه سلبك ملكة القيام بما تعمل، ولكنك تنسى أن هناك حركة داخلية، وهي الدوافع التي كانت تلح عليك أن تقوم بما تشتهيه نفسك ولا يواكب منهج الله، وأنت تكبت تلك الدوافع وتكبح جماحها؛ لأن الله سبحانه قد أمرك بذلك.

وما دامت هناك حركة فلا بد أن يأتي منها تعب؛ لذلك جعل الله تعالى لك حقّاً في الراحة.

وكذلك عُمْر الإنسان، لم يكلِّف الله تعالى الإنسان إلا بعد البلوغ، وترك له الفترة الأولى من عمره دون تكليف منه وحساب، لكنه سبحانه لم يقطع عنه التكليف في تلك المرحلة بتاتاً، وإنما منع حسابه على ما «يفعل» أو «لا يفعل» ، وترك مسئولية التدريب على التكليف للأب مثلاً، فالأب يقول لابنه:«لا تكذبْ» فإن كذب؛ فالأب يعاقبه، وهكذا يكون الأمر من الوالد، والنهي للولد والأمر والنهي يتطلب ثواباً أو عقاباً.

ص: 6058

ويبيِّن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم َ هذا الأمر فيقول: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين» .

والذي يأمرهنا الابن بالصلاة هو الأب، وهو أيضاً الذي يعاقب على ترك الصلاة، وهو الذي يثيب ابنه إن أراد أن يجعل الصلاة محبوبة للابن، وأن يجعل للابن انساً بالعبادة.

وحين يكلِّف الأب ابنه بالصلاة، فالابن يطيع؛ لأن الأب هو الذي يقضي حاجات الابن، ويحقق له مصالحه، والابن يعلم أن والده لن يكلفه إلا بما يحقق تلك المصالح، وهو يفعل ذلك؛ لأنه يحبه؛ لذلك جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم َ الأمر والنهي من النافع للابن؛ لتوجد حيثية قبول في النفس.

وما إن يأت البلوغ فيكون التكليف من الله والأمر من الله، والثواب والعقاب منه سبحانه.

إذن: فالأمر والنهي قبل البلوغ يأتيان من الأب؛ ليتعود الإنسان استقبال الأمر والنهي من ربه ورب أبيه.

وإذا كانت الحياة والسير فيها على ضوء منهج الله يقتضي حركة في «افعل» و «لا تفعل» فلا بد أن يحتاج الإنسان إلى راحة من الحركة، لذلك يبيِّن لنا الله سبحانه أنه جعل في «اليوم» ليلاً ونهاراً، ولكلٍّ مهمة، فإياك أن تضع مهمة شيء مكان شيء آخر؛ حتى لا ترتبك الأمور، ولكن الظروف قد تضطرك إلى ذلك، فهناك من يسهر للحراسة، وهناك من يسهر للعمل في المخابز، أو إعداد طعام الإفطار للناس؛ ولذلك فهناك احتياط قدري، فقال الحق سبحانه في آية ثانية:

ص: 6059

{وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم باليل والنهار وابتغآؤكم مِّن فَضْلِهِ} [الروم: 23] .

لأن الحق سبحانه قد علم أزلاً أن هناك مصالح لا يمكن إلا أن تكون ليلاً، فالذي يعمل ليلاً يرتاح نهاراً، ولو أن الآية جاءت عمومية؛ لقلنا لمن ينام بالنهار: لا، ليس هذا وقت السكن والراحة.

ولكن شاء الحق سبحانه أن يضع الاحتياطيَّ القدريَّ؛ ليرتاح من يتصل عمله بالليل.

وهنا يقول الحق سبحانه:

{هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} يونس: 67] .

ونحن نعلم أن هناك فارقاً بين «الخَلْق» ، و «الجَعْل» ، و «المِلْك، والمثال على الخلق: أنه سبحانه خَلَق الزمن، ثم جاء لهذا الزمن ليجعل منه ليلاً ونهاراً.

إذن: فالجعل هو توجيه شيء مخلوق لمهمة.

ومثال ذلك ولله المثل الأعلى وهو منُزَّه عن أي تشبيه أو مثل:

تجد صانع الفخَّار وهو يمسك بالطين؛ ليجعل منه إبريقاً، فهو يصنع الطين أولاً بأن يخلط الماء بالتراب ويعجنها معاً، ثم يجعل من الطين

ص: 6060

إبريقاً أو اصُصَ زرع أو زهرية ورد، وهو بذلك إنما يحوِّل مخلوقاً إلى شي له مهمة.

والزمن كله لله سبحانه، جعل منه قسم الليل، وقسم النهار، مثلما خلق الإنسان، ووجَّه جزءاً منه؛ ليجعله سمعاً، وجزءاً آخر؛ ليجعله بصراً، وجزءاً آخر؛ ليصير مخاً، وجزءاً آخر؛ ليكون رئة، كل ذلك مأخوذ مما خلقه الحق سبحانه.

أي: أنه سبحانه جعل أشياء مما خلق أصلاً؛ لتؤدي مهمة للمخلوق.

وفي حياتنا ولله المثل الأعلى نجد من يغزل من القطن خيوطاً، وهناك من ينسج من تلك الخيوط قماشاً، وبعد ذلك نجد من يأخذ هذا القماش؛ ليجعل منه جلباباً أو بنطلوناً أو قميصاً أو لحافاً.

إذن: فالجعل هو أخذ من شيء مخلوق لمهمة. والخلق قد يترتب عليه مِلْك، والجعل أيضاً قد يترتب عليه مِلْك؛ فمن عمل قِدْراً من الطين هو مالكه، ومن جعل من الطين إبريقاً إنما يملكه.

وهكذا نجد الخَلْق والجَعْل قد يترتب عليهما ملكية ما، لكن الملكية المنسحبة بعد الخلق والجعل تجعلك تنتفع بالأشياء وقد لا تملكها؛ لذلك نجد قول الحق سحبانه:

{أَمَّن يَمْلِكُ السمع والأبصار} [يونس: 31] .

والحق سبحانه خلق لنا الأنعام، وذلَّلها لنا، وملَّكها لنا، وإذا قال الحق سبحانه:» مِلْك «فملكيته سبحانه لا تنتهي لأحد أبداً سواء من الخلق أو الجعل، بل يَظل مملوكاً؛ ولذلك قلنا: إن نقل الأعضاء هو تحكُّم فيما لا يملكه المخلوق، بل يملكه الخالق سبحانه وتعالى.

ص: 6061

يذكر الحق سبحانه الليل والنهار فيقول:

{هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً} [يونس: 67] .

وكان مقتضى الكلام أن يقول:

جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتتحركوا.

وشاء سبحانه أن يأتي هنا بالأداء القرآني المعجز فقال: {والنهار مُبْصِراً} .

فهل النهار هو الذي يُبصر أم نحن؟

هل النهار مُبصِر أم مُبصَر فيه؟

وقديماً لم يكونوا قد وصلوا إلى الحقيقة العلمية التي وصلنا إليها الآن، فقد كانوا يعتقدون أن الضوء يخرج من العين إلى المرئي فتراه، إلى أن جاء «الحسن بن الهيثم» العالم العربي المسلم، وأوضح بالتجربة أن الضوء إنما ينعكس من المرئي إلى العين، بدليل أن المرئي إن كان في النور وأنت في الظلام، فأنت تراه وإذا كان الأمر بالعكس فانت لا تراه.

إذن: فقد سبق القرآن كل النظريات، وبيَّن لنا أن النهار إنما يأتي بالضوء فينعكس الضوء من الكائنات والموجودات إلى العين فتراه.

إذن: فالنهار هو المبصر؛ لأنه جاء بالضوء اللازم لانعكاس هذا الضوء من المرائي إلى العيون.

ونحن نجد القرآن حين يتعرض لليل والنهار يقول:

ص: 6062

{وَمِنْ آيَاتِهِ ايل والنهار} [فصلت: 37] .

ويقول:

{وَجَعَلْنَا اليل والنهار آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ اليل وَجَعَلْنَآ آيَةَ النهار مُبْصِرَةً} [الإسراء: 12] .

وهي مبصرة كما أثبت الحسن بن الهيثم العالم المسلم، وإن كانت في ظاهر الامر مُبْصَرٌ فيها.

ويعطي لنا الحق سبحانه تجربة حية مع موسى عليه السلام، وذلك في قوله سبحانه لموسى عليه السلام:

{وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى قَالَ أَلْقِهَا ياموسى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تسعى} [طه: 1720] .

وشاء الحق سبحانه ذلك؛ ليتعرف موسى بالتجربة على ما سوف يحدث من عصاه أمام فرعون، ثم أمام السحرة، ثقة منه سبحانه أن موسى حين يراها تنقلب إلى حية أمام عينيه لأول وهلة سوف يفزع؛ فيطمئنه الحق سبحانه بقوله:

{خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الأولى} [طه: 21]

وكانت المرة الأولى لتحوُّلِ العصا إلى حية، هي تجربة للاستعداد؛ حتى لا يجزع موسى عليه السلام أو يخاف لحظة أن يمر بالتجربة العملية، وحتى يقبل على تقديم المعجزة وهو واثق تمام الثقة أمام فرعون.

ص: 6063

ثم قال الحق سبحانه لموسى عليه السلام:

{وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} [النمل: 12] .

والجيب: هو المكان الذي تنفذ منه الرقبة في الجلباب ويسمى (القبة) ، فلا يظن أحد أن الجيب المقصود هنا هو مكان وضع النقود؛ لأن مكان وضع النقود قديماً كان يوجد من داخل الجلباب، مثل جيب (الصديري) الذي يرتديه أهل الريف، وقد سُمِّي الجيب الذي نضع فيه النقود جيباً؛ لأن اليد لا تذهب إلى الجيب إلا إذا دخلت في الفتحة التي تخرج منها الرقبة.

وقد قال الحق سبحانه لموسى عليه السلام:

{وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء}

[النمل: 12] .

ويخبره الحق سبحانه:

{فِي تِسْعِ آيَاتٍ إلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً} [النمل: 1213] .

هكذا كانت الآيات مبصرة وكأنها تقول للعين: أبصريني.

ص: 6064

وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه:

{هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً} [يونس: 67] .

ولم يقل: لتتحركوا فيه، بل جاء بما يضمن سلامة الحركة، فقال سبحانه:{مُبْصِراً} لأن الضوء الذي ينعكس على الأشياء هو الذي يحفظ للإنسان سلامة الحركة.

ولكن البعض من الناس في زماننا يستخدمون نعمة الكهرباء في الإسراف في السهر، وحين يأتي الليل يسهرون حتى الصباح أمام جهاز (التلفزيون) أو (الفيديو) أو في غير ذلك من أمور الترفيه، ثم ينامون في النهار، وينسون أن الليل للرقود، والنهار للعمل. وقد ثبت أن للضوء أثراً على الأجسام، فالضوء يؤثر في الكائن الحي، وقد سبق النبي صلى الله عليه وسلم َ ذلك الاكتشاف بزمان طويل وقال:

«أطفئوا المصابيح إذا رقدتم» ؛ وذلك حتى لا ينشغل الجسم بإشعاعات الضوء التي تتسبب في تفاعلات كيماوية في الجسم.

لذلك أقول دائماً: خذوا الحضارة بقواعد التحضير لها؛ لأننا يجب أن نتيح للفلاح أن يذهب إلى حقله والعامل إلى مصنعه؛ لأن السهر ضار، وإذا ادَّعى الإنسان أنه هو الذي تحضَّر، فليحترم قيمة العمل الذي يصنع الحضارة؛ لأن الآلة التي يسهر لمراقبتها ومشاهدتها هي إنتاج أناس يلتزمون بقواعد الحضارة؛ واحترام قيمة العمل في النهار، وقيمة الترفيه في الوقت المخصص.

نحن نسيء استخدام أدوات الحضارة، فالزمن الذي وفَّرته الثلاجة للزوجة؛ حتى لاتقف في المطبخ نصف النهار لتعد الطعام، وصارت

ص: 6065

تطهو وجبات ثلاثة أيام وتحفظها في الثلاجة، وتستخدم الغسالة الكهربائية فتنهي الغسيل في ساعة من الزمن، لكن بقية الوقت يضيع أمام (التلفزيون) ولا تلتفت إلى تربية الأبناء.

وهكذا يسيء البعض استخدام الآلات المتحضرة، وفي هذه الإساءة نوع من التخلف، فإذا أخذنا الحضارة بمنطقية فهذا هو التحضر.

وعلى سبيل المثال: أقول لمن يركب سيارة: إياك أن تسرع بها في طريق متربة حتى لا يثور الغبار ويملأ صدور الناس بالحساسية.

وإياك أن تهمل صيانة سيارتك حتى لا يفسد الموتور؛ ويخرج العادم الضار بصحة الناس والبيئة، فلا يسافر الإنسان في الطريق المتربة أو بسيارة غير جيدة الصاينة؛ فيصيب صدور الناس بالمرض، ويصيب الزروع ويفسد الهواء.

ويجب ألَاّ نأخذ الحضارة بتلصص، إنما علينا أن نرتقي إلى مدارجها بصيانة أساليبها؛ لأن من لا يأخذ الحضارة بقواعدها هو من يتخلف رغم تقدُّم الآلة، فتصير الآلة أكثر تحضُّراً منه.

إذن: فإن أخذنا كل أمر بمهمته فحن نحقق الراحة لأنفسنا ولغيرنا.

ولذلك قلنا في تفسير قول الحق سبحانه:

{واليل إِذَا يغشى والنهار إِذَا تجلى} [الليل: 12] .

وإن بدا للإنسان أن هناك تعارضاً بين غشيان الليل (أي: تغطيته للمرئيات) وتجلِّى النهار (أي: كشف المرئيات) فهذا ليس تعارضاً، بل هو التكامل؛ لأن حركة النهار تتولد من الليل، وراحة الليل تتولد من النهار.

ثم يقول الحق سبحانه:

ص: 6066

{وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى} [الليل: 3] .

وهذا الخلق للذكر والأنثى هو للتكامل، لا للتناقض، هكذا جاء الحق سبحانه بنوعين:

الأول: هو الزمن ليلاً ونهاراً.

والثاني: هو الإنسان ذكراً وأنثى.

ويقول الحق سبحانه: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى} [الليل: 4] .

أي: أن حركتكم هي الموصِّلة إلى غايتكم، والحركات شتى (أي: مختلفة) ، سواء في الليل أو النهار أو للذكر أو للأنثى، فإن خلطنا الحركة وعبثنا بأنظمة الحياة، فالحياة ترتبك، ونعاني من مرارة التجربة إلىأن تتعقد الأمور، فنبحث لها عن حلول.

وقد نادينا أن تعمل المرأة نصف الوقت لتعطي البيت بعضاً من الوقت، أو أن تعتني بالبيت إن كان لها ما يكفيها من دخل، أو كان لزوجها ما يكفي لحياة الأسرة، ولكن أحداً لم يلتفت إلى ذلك إلا بعد مرارة التجارب.

وهناك مثال آخر: في قول البعض أن الليل في تلك البلاد المتحضِّرة لا ينتهي وأنت تجد السهر هناك حتى الصباح، وعندما أسمع مثل هذا القول أقول: إن هذا ليس في مصلحة سكان تلك البلاد؛ لأن الليل يجب أن يكون سباتاً لتأتي الحركة المنتجة في النهار.

ص: 6067

إذن: فالآفة أن تنقل مهمة نوع إلى مهمة نوع آخر، سواء أكان في الزمان أو في الإنسان، واقرأ جيداً قول الحق سبحانه:

{إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى} [الليل: 4] .

فكل فرد من أفراد الكون له مهمة وله سعي يختلف عن سعي الآخرين.

وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يُنهي الحق سبحانه الآية فيقول:

{إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [يونس: 67] .

ولقائل أن يقول: لم يقل «إن في ذلك لآيات لقوم يبصرون» .

ونقول: لننتبه إلى أن الحق سبحانه حين يتكلم عن زمان فهو يبيِّن في هذا الزمان مهمته، وهو القائل في صدر الآية ووسطها:

{جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً} [يونس: 67] .

فالعلَّة في هذه الآية هي سكون الليل، لا حركة النهار، والعين في الليل لا تؤدي مهمتها، بل السمع هو الذي يؤدي مهمته.

والحق سبحانه هو القائل:

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ اليل سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ} [القصص: 71] .

أي: أن أحداً لن يستطيع الحركة في مثل هذا الليل السرمدي ولا أحد سيتبيَّن شيئاً.

ص: 6068

والحق سبحانه هو القائل:

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النهار سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلَا تُبْصِرُونَ} [القصص: 72] .

إذن: فقد جاء الحق سبحانه في آية الليل بالسمع، وجاء في آية النهار بالأبصار، وبعد أن تكلم الله سبحانه عن مجال الحركة بالنهار والراحة في الليل، يأتي الكلام عن الينبوع الذي يجب أن تَصْدُرَ عنه الحركة أو السكون، وهو ضرورة الامتثال لأمر إله واحد حتى لا تصطدم حركتك بآمر إله آخر يقول ما يناقض حركة الإله الأول.

وكما تتحرك في النهار، وترتاح في الليل لا بد أن تكون حركتك صادرة عن أمر واحد، هذا الأمر الواحد صادر من الآمر الواحد، وهو الله تعالى الذي تعبده بلا شريك، ومن يقول بغير ذلك إنما يربك حركة الحياة.

والله سبحانه يقول:

{إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ} [المؤمنون: 91] .

ولذلك يقول الله سبحانه بعد ذلك: {قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً سُبْحَانَهُ}

ص: 6069