المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة الكهف ‌ ‌ {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ - تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة - جـ ٥

[محمد علي طه الدرة]

الفصل: ‌ ‌سورة الكهف ‌ ‌ {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ

‌سورة الكهف

{الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (1)}

الشرح: قال الخازن-رحمه الله: أثنى الله سبحانه وتعالى على نفسه بإنعامه على خلقه، وعلم عباده كيف يثنون عليه، ويحمدونه على أجزل نعمائه عليهم، وهي الإسلام، وما أنزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب الذي هو سبب نجاتهم، وفوزهم. وخص رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذكر؛ لأن إنزال القرآن، كان نعمة عليه على الخصوص، وعلى سائر الناس على العموم. انتهى. {وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً} أي: لم يجعل فيه شيئا من العوج باختلاف في اللفظ، أو اختلال في المعنى، والعوج بكسر العين، وفتحها، وقد فرق العرب بينهما، فخصوا المكسور بالمعاني، والمفتوح بالأعيان، تقول: في دينه عوج بالكسر، وفي الجدار عوج بالفتح. وقيل: العوج في المعاني كالعوج في الأعيان. وانظر الآية رقم [107] من سورة (طه) تجد ما يسرك.

ص: 425

{لِلّهِ:} (الله): علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به لتخلف شروط الإجابة؛ التي أعظمها أكل الحلال، ولم يسمّ به أحد سواه. قال تعالى:

{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} أي: هل تعلم أحدا تسمى (الله) غير الله، وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمائة وستين موضعا. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [65] من سورة (مريم) عليها السلام.

الإعراب: {الْحَمْدُ:} مبتدأ. {لِلّهِ:} متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، تقديره: ثابت لله، والجملة الاسمية ابتدائية، لا محل لها. {الَّذِي:} اسم موصول مبني على السكون في محل جرّ صفة لله، أو بدل منه. {أَنْزَلَ:} ماض، والفاعل يعود إلى {الَّذِي،} وهو العائد. {عَلى عَبْدِهِ:}

متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. {الْكِتابَ:} مفعول به، وجملة:{أَنْزَلَ..} .

إلخ صلة الموصول، لا محل لها. {وَلَمْ:} الواو: واو الحال. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. {يَجْعَلْ:} مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل يعود إلى {الَّذِي}. {لِلّهِ:} متعلقان بالفعل قبلهما. {عِوَجاً:} مفعول به، وجملة:{وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً} في محل نصب حال من {الْكِتابَ} والرابط: الواو، والضمير، وأجيز عطفها على جملة الصلة. وقيل: هي معترضة بين الحال {قَيِّماً،} وصاحبها، وهو {الْكِتابَ} وهو ضعيف.

{قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (2)}

الشرح: {قَيِّماً:} مستقيما معتدلا، لا إفراط فيه، ولا تفريط، أو قيما بمصالح العباد، فيكون وصفا له بالتكميل بعد وصفه بالكمال، أو قيما على الكتب السابقة يشهد بصحتها. انتهى.

بيضاوي. وقرأه العامة بالتشديد، فأصله: قيوما، فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت الياء في الياء، وقرأه أبان بن تغلب:«(قيما)» بكسر القاف وفتح الياء مخففة، فأصله قوما، فقلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [162] من سورة (الأنعام)، والآية رقم [5] من سورة (النساء)، والآية رقم [97] من سورة (المائدة) وذكر الاستقامة بعد نفي العوج للتأكيد، وربّ مشهود له بالاستقامة لا يخلو عن أدنى عوج عند السبر، والصفح. هذا؛ وفي «القاموس» وغيره: القيّم على الأمر متوليه، كقيّم الوقف، والقيّم على اليتيم

إلخ، وقيّم المرأة:

زوجها، وأمر قيّم مستقيم، والديانة القيّمة المستقيمة. قال تعالى:{وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} وقال تعالى: {ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} .

{لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً} أي: لينذر الذين كفروا عذابا شديدا عاجلا في الدنيا، وعذابا أليما في الآخرة. {مِنْ لَدُنْهُ:} من عند الله تعالى. وانظر شرح (لدن) في الآية رقم [80] من سورة

ص: 426

(الإسراء). {وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ..} . {أَجْراً حَسَناً:} هو الجنة وما فيها من النعيم الدائم الذي لا ينقطع. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [9] من سورة (الإسراء).

الإعراب: {قَيِّماً:} حال من {الْكِتابَ،} أو من الضمير في {لِلّهِ،} أو هو مفعول به لفعل محذوف، تقديره: جعله قيما. وقدره ابن هشام بقوله: (أنزله قيما) على أنّ {قَيِّماً} حال من مفعول الفعل المحذوف، وعلى الأول: فهو من تعدد الحال مختلفا بالأفراد، والجملة، أو من تداخلها. تأمل، وتدبر. وقال أبو حيان:{قَيِّماً} بدل من جملة: {وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً؛} لأنها في معنى المفرد؛ أي: جعله مستقيما. {لِيُنْذِرَ:} مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى {الْكِتابَ،} والمفعول الأول: محذوف، انظر تقديره في الشرح. {بَأْساً:}

مفعول به ثان. {شَدِيداً:} صفة له. {مِنْ لَدُنْهُ:} متعلقان بمحذوف حال من فاعل (ينذر) المستتر؛ أي: صادرا من لدنه. وأجيز تعليقهما بمحذوف صفة ثانية ل: {بَأْساً} وتعليقهما بمحذوف حال من الضمير في {شَدِيداً} . و (لدن) مبني على السكون في محل جر ب: {مِنْ،} والهاء في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة والفعل (ينذر) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل {أَنْزَلَ}. {وَيُبَشِّرَ:} معطوف على ينذر منصوب مثله، والفاعل يعود إلى {الْكِتابَ}. {الْمُؤْمِنِينَ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة {الْمُؤْمِنِينَ،} أو بدل منه. {يَعْمَلُونَ:} مضارع مرفوع

إلخ، والواو فاعله. {الصّالِحاتِ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة:{يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ} صلة الموصول، لا محل لها. {أَنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {لَهُمْ:} متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {أَجْراً:} اسمها مؤخر. {حَسَناً:} صفة له، و {أَنَّ} واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بكونهم مأجورين

إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (يبشر). تأمل، وتدبر.

{ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (3) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً (4)}

الشرح: {ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً:} مقيمين في ذلك الأجر، وهو دار الخلود لا يموتون، ولا يخرجون منها أبدا. هذا؛ وماكث اسم فاعل من مكث، يمكث بمعنى أقام يقيم، والمصدر:

المكث. قال الكميت يذم ولاة السوء: [الطويل]

فتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم

فحتّام حتّام العناء المطوّل؟

والمكث: بضم الميم، وتكسر، وهذا على أنّه اسم، وأما المصدر، فإن كان فعله من باب:

نصر؛ فهو بضم الميم أيضا، وإن كان من باب كرم؛ فهو بفتح الميم.

ص: 427

{وَيُنْذِرَ:} يخوف بالتهديد، والوعيد. {الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً:} وهم اليهود الذين قالوا: عزير ابن الله، والنصارى الذين قالوا: عيسى ابن الله، ومشركو العرب الذين قالوا:

الملائكة بنات الله. هذا؛ و (الأبد): الزمان الطويل الذي ليس له حد، فإذا قلت: لا أكلمك أبدا؛ فالأبد من وقت التكلم إلى آخر العمر. هذا؛ وقيد سبحانه المكث بالأبد حتى لا يفهم منه المكث الطويل الذي ينقطع، ولا يدوم.

الإعراب: {ماكِثِينَ:} حال من الضمير في: {لَهُمْ} منصوب، وعلامة نصبه الياء.. إلخ، وفاعله مستتر فيه. {فِيهِ:} متعلقان ب: {ماكِثِينَ} . {أَبَداً:} ظرف زمان متعلق به أيضا.

{وَيُنْذِرَ:} معطوف على لينذر، منصوب مثله، والفاعل يعود إلى (الكتاب) أيضا. {الَّذِينَ:}

اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول، والمفعول الثاني: محذوف، تقديره: عذابا شديدا، بخلاف الأول، فإنه حذف منه المفعول الأول: كما رأيت، فقد حذف من كل منهما ما ذكر في الآخر، ومثل هذا يسمى في الكلام احتباكا. {قالُوا:} ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، وجملة:{اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً} في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالُوا..} . إلخ صلة الموصول، لا محل لها.

{ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً (5)}

الشرح: {ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ} أي: ليس للكافرين الذين يزعمون أن الله اتخذ ولدا، ليس لهم علم بالولد، أو باتخاذه، أو بالقول الذي يفترونه، والمعنى: أنهم يقولونه عن جهل مفرط، وتوهم كاذب، أو تقليد لما سمعوه من أوائلهم من غير علم بالمعنى الذي أرادوا به. أو المعنى:

لا يعرفون الله حق المعرفة، ولو عرفوه لما جوزوا نسبة اتخاذ الولد إليه. {وَلا لِآبائِهِمْ} أي:

وليس لآبائهم علم بما تقوّلوه، وافتروه من قبلهم.

{كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ} أي: عظمت مقالتهم هذه في الكفر لما فيها من التشبيه، والتشريك، وإيهام احتياجه تعالى إلى ولد يعينه، ويخلفه إلى غير ذلك من الزيغ والضلال. هذا؛ وجمع {أَفْواهِهِمْ} على الأصل؛ لأن الأصل في: فم: فوه مثل: حوض، وأحواض. {إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً} أي: قولهم: اتخذ الله ولدا كذب صراح؛ لكونه في غاية الفساد، والبطلان، فكان يجري على لسانهم على سبيل التوهم، والتقليد بدون تعقل، وتفكر، وتدبر. هذا؛ والمراد: ب: {كَلِمَةً} الكلام الكثير. وانظر الآية رقم [24] من سورة (إبراهيم) عليه السلام.

وانظر شرح (الكذب) في الآية رقم [105] من سورة (النحل).

ص: 428

الإعراب: {ما:} نافية. {لَهُمْ:} متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. {بِهِ:}

متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وأجيز تعليقهما ب:{عِلْمٍ} . {مِنْ:} حرف جر صلة. {عِلْمٍ:} مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها: اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {وَلا:} الواو: حرف عطف. (لا): نافية، أو زائدة لتأكيد النفي. {لِآبائِهِمْ:} معطوفان على {لَهُمْ} . {كَبُرَتْ:} ماض محول إلى باب: فعل لإنشاء الذم، والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر تقديره:«هي» يعود إلى قولهم: {اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً} انظر الشرح. {كَلِمَةً:} تمييز، ويقرأ بالرفع على أنها فاعل. {تَخْرُجُ:} مضارع، والفاعل يعود إلى {كَلِمَةً}. {مِنْ أَفْواهِهِمْ:} متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:{تَخْرُجُ..} . إلخ صفة كلمة على القراءتين فيها، وجملة:{كَبُرَتْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {إِنْ:} حرف نفي. {يَقُولُونَ:} مضارع مرفوع

إلخ، والواو فاعله. {إِلاّ:}

حرف حصر. {كَذِباً:} مفعول به، وجاز ذلك؛ لأنه بمعنى: كلام كثير، أو هو صفة مصدر محذوف؛ أي: قولا كذبا، وجملة:{إِنْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (6)}

الشرح: {فَلَعَلَّكَ:} يا محمد. {باخِعٌ نَفْسَكَ:} مهلك نفسك، وقاتلها. {عَلى آثارِهِمْ:}

من بعدهم، شبهه وإياهم حيث تولوا عنه، وأعرضوا عن دعوته، ولم يؤمنوا بالقرآن الذي جاء به، وما تداخله من الحزن الشديد على توليهم برجل فارقته أحبته، فهو يتساقط حسرات عليهم، ويهلك نفسه وجدا عليهم، وتلهفا على فراقهم. ففي الكلام استعارة تمثيلية، والمراد:

ب: {الْحَدِيثِ} القرآن، كما هو في كثير من الآيات، و (الأسف) المبالغة في الحزن، ولقد أسف يعقوب على فراق ولديه، كما رأيت في الآية رقم [84] من سورة (يوسف) على حبيبنا، وشفيعنا وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. وانظر شرح نفسك في الآية [53] منها أيضا. وانظر شرح الإيمان في الآية رقم [38] من سورة (النحل)، وبخع نفسه: قتلها غما. وقال ذو الرّمة: [الطويل]

ألا أيّهذا الباخع الوجد نفسه

بشيء نحته عن يديه المقادر

الإعراب: {فَلَعَلَّكَ:} الفاء: حرف استئناف. (لعلك): حرف مشبه بالفعل، والترجي هنا ليس على بابه، بل المقصود من هذا الترجي النهي؛ أي: لا تبخع نفسك؛ أي: لا تهلكها غما على عدم إيمانهم. وقيل: هو للإشفاق على بابها. هذا؛ والفرق بين الترجي، والإشفاق: أن الأول: في المحبوب، والثاني: في المكروه، وما في الآية من هذا القبيل. وقيل: لعل هنا للاستفهام، وهو رأي: الكوفيين، ومثل الآية الآية رقم [3] من سورة (الشعراء). والكاف

ص: 429

اسمها. {باخِعٌ:} خبر (لعلّ)، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» . {نَفْسَكَ:} مفعول به ل: {باخِعٌ} والكاف في محل جر بالإضافة، ولا يعمل اسم الفاعل إلا إذا كان حكاية حال ماضية، كما في الآية رقم [18] الآتية، أو كان بمعنى: الحال، أو الاستقبال، ولا يعمل إذا كان بمعنى: الماضي المحض. {عَلى آثارِهِمْ:} متعلقان ب: {باخِعٌ} . {إِنْ:} حرف شرط جازم. {لَمْ:} حرف جازم. {يُؤْمِنُوا:} مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون

إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. {بِهذَا:} متعلقان بما قبلهما، والهاء حرف تنبيه، لا محل له مقحم بين اسم الإشارة والجار. {الْحَدِيثِ:} بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، ويقال: صفة له.

{أَسَفاً:} مفعول لأجله، أو هو مصدر في موضع الحال من الضمير في {باخِعٌ،} والعامل فيه على الاعتبارين باخع مع تباعد ما بينهما، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله؛ إذ التقدير:

إن لم يؤمنوا

فلا تبخع نفسك عليهم. هذا؛ وقرئ بفتح همزة (أن) على اعتبارها مصدرية، تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لعدم إيمانهم، والجار والمجرور متعلقان ب:{باخِعٌ} أيضا، والجملة الاسمية:{فَلَعَلَّكَ باخِعٌ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

{إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (7)}

الشرح: {إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها} أي: ممّا يصلح أن يكون زينة لها، ولأهلها من زخارف الدنيا، وما يستحسن منها، فالمراد: النبات، والأشجار، والأنهار، وفي هذه الأيام:

البناء، وما يتعلق به من تقدم الحضارة، من: كهرباء، وتقدم المواصلات في الأرض، والهواء

إلخ. وقيل: أراد به الرجال خاصة، فهم زينة الأرض. وقيل: أراد به العلماء والصلحاء. وقيل: المراد: جميع ما في الأرض. وهو المعتمد، فإن قيل: أية زينة في الحيات، والعقارب، وجميع الهوام المؤذية، والشياطين من الإنس والجن، فالجواب زينتها تدل على وحدانية الله، وكمال قدرته. انتهى. خازن بتصرف.

{لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أي: لنعاملهم معاملة المختبر لأحوالهم كيف يعملون، فإن ما خلقه الله في الأرض زينة لها، ولهم، وأسباب، ومواد لوجود بني آدم ومعاشهم، وما تحتاج إليه أعمالهم، ودلائل، وأمارات يستدلون بها، ويستنبطون منها معرفة الواحد الأحد، فيبعثهم ذلك على الإيمان به، وإخلاص العبادة له. فعن عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا: {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} من سورة (هود)، ثم قال:«أيكم أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله» . هذا؛ والابتلاء الاختبار يكون في الخير، والشر. قال تعالى:{وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} رقم [167] من سورة (الأعراف).

ص: 430

الإعراب: {إِنّا:} حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وحذفت النون، وبقيت الألف دليلا عليها. {ما:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. {عَلَى الْأَرْضِ:}

متعلقان بمحذوف صلة الموصول. {زِينَةً:} أجيز اعتباره مفعولا لأجله، وحالا على اعتبار {جَعَلْنا} بمعنى: خلقنا، ومفعولا ثانيا إن كان بمعنى: صيرنا. {لَها:} متعلقان بزينة، أو بمحذوف صفة لها، والجملة الاسمية:{إِنّا..} . إلخ مستأنفة. وقيل: تعليل للنهي المقصود من الترجي، ولا محل لها على الاعتبارين. {لِنَبْلُوَهُمْ:} مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره:«نحن» ، والهاء مفعول به أول. {أَيُّهُمْ:} اسم استفهام مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. {أَحْسَنُ:} خبره. {عَمَلاً:} تمييز، والجملة الاسمية:{(أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)} في محل نصب مفعول به ثان، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل {جَعَلْنا}. هذا؛ وأجيز اعتبار {أَيُّهُمْ} اسما موصولا بمعنى:(الذي) و {أَحْسَنُ} خبر مبتدأ محذوف، والجملة الاسمية هذه صلة له، ويكون هذا الموصول في محل نصب بدلا من مفعول {لِنَبْلُوَهُمْ،} تقديره: لنبلو الذي هو أحسن، وعليه فالضمة للبناء، والمعتمد الأول، ويؤيده الآية رقم [7] من سورة (هود) عليه السلام.

{وَإِنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً (8)}

الشرح: (الصعيد): التراب، والصعيد: وجه الأرض مطلقا، وبالأول: فسر الشافعي رحمه تعالى قوله جل ذكره: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} وبالثاني: فسره أبو حنيفة رحمه الله تعالى.

وجمعه: صعد. والصعيد: الطريق، وقد جاء في الحديث:«إياكم والقعود على الصّعدات» .

وعن أبي الدرداء-رضي الله عنه-عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «لو تعلمون ما أعلم؛ لبكيتم كثيرا، ولضحكتم قليلا، ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى الله، لا تدرون تنجون، أو لا تنجون؟!» .

رواه الحاكم وانظر الآية رقم [40]. هذا؛ و (الجرز) الأرض التي لا تنبت شيئا، وجمعها:

أجراز، ويقال: سنة جرز، وسنون أجراز؛ أي: لا مطر فيها، وتكون فيها جدوبة، ويبس، وشدة. قال ذو الرمة يصف إبلا:[الطويل]

طوى النّحز والأجراز ما في بطونها

فما بقيت إلاّ الضّلوع الجراشع

والجروز المرأة الأكول. قال الراجز: [الرجز]

إنّ العجوز خبّة جروزا

تأكل كلّ ليلة قفيزا

هذا؛ ويستشهد بهذا البيت على نصب «إنّ» لاسمها، وخبرها. ورجل جروز: إذا كان لا يبقي شيئا إلا أكله. قال الراجز: [الرجز]

خبّ جروز وإذا جاع بكى

ويأكل التّمر ولا يلقي النّوى

ص: 431

هذا؛ والجرز، والجرز بمعنى: واحد. هذا؛ والجرز هنا فسرناه بما رأيت، والجرز أيضا الأرض التي جرز نباتها؛ أي: قطع وأزيل، ودليله قوله تعالى في الآية رقم [27] من سورة (السجدة):{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ} بدليل قوله تعالى: {فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً} وبالجملة فإن معنى الجرز: هي التي لا تنبت، أو التي أكل نباتها، وهو ما في القاموس المحيط. ومعنى الآية الكريمة: إنا لنعيد ما على الأرض من الزينة ترابا مستويا من الأرض، ونجعله كصعيد أملس لا نبات فيه. وجرزه الزمان: اجتاحه. قال تبع: [الكامل]

لا تسقني بيديك إن لم ألقها

جرزا كأنّ أشاءها مجروز

الإعراب: {وَإِنّا:} الواو: حرف عطف. إنا: حرف مشبه بالفعل. وانظر الآية السابقة.

{لَجاعِلُونَ:} اللام: هي المزحلقة. (جاعلون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو

إلخ، وفاعله مستتر فيه تقديره:«نحن» . {ما:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول ل: {لَجاعِلُونَ؛} لأنه اسم فاعل يعمل عمل فعله. {عَلَيْها:} متعلقان بمحذوف صلة الموصول. {صَعِيداً:} مفعول به ثان. {جُرُزاً:} صفة له، والجملة الاسمية:{وَإِنّا..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.

{أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (9)}

الشرح: {أَمْ حَسِبْتَ} أي: بل أحسبت؛ أي: أظننت يا محمد أنّ قصة أصحاب الكهف والرقيم، وهذه الهمزة المقدرة للاستفهام الإنكاري مع ملاحظة معنى النهي؛ أي: لا تظن أنها عجب مستغرب دون غيرها من الآيات الدالة على قدرة الله تعالى كخلق السموات، والأرض، أو لا تظن: أنّها أعجب الآيات، بل من الآيات ما هو أعجب، وأعظم منها كخلق السموات والأرض. انتهى. جمل.

هذا؛ و (حسب) من باب: تعب في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضا على غير قياس، وقد قرئ المضارع بفتح السين، وكسرها.

والمصدر: الحسبان بكسر الحاء، وحسبت المال حسبا-من باب: قتل-بمعنى: أحصيته عددا.

وانظر شرح: (صاحب) أو (أصحاب) في الآية رقم [39] من سورة (يوسف) عليه السلام، وشرح آيات في الآية رقم [1] من سورة (الحجر).

و {الْكَهْفِ} الغار الواسع في الجبل، فإن لم يتسع؛ فهو غار، والجمع: كهوف، ومن المجاز قولهم: فلان كهف قومه؛ أي: ملجؤهم، وملاذهم، و (الرقيم) هو لوح كتب فيه أسماء أصحاب الكهف، وقصتهم، ثم وضع على باب الكهف، وكان اللوح من رصاص. وقيل: من حجارة، وعن ابن عباس-رضي الله عنهما: إنّ الرقيم اسم الوادي الذي فيه أصحاب الكهف.

ص: 432

وقال كعب الأحبار: هو اسم للقرية التي خرج منها أصحاب الكهف. وقيل: اسم للجبل الذي فيه أصحاب الكهف. وقيل: هو كلبهم. قال أمية بن أبي الصلت: [الطويل]

وليس بها إلاّ الرقيم مجاورا

وصيدهم، والقوم في الكهف همّد

هذا؛ وانفرد البيضاوي بقوله: وقيل: هم قوم آخرون كانوا ثلاثة خرجوا يرتادون لأهليهم، وذكر حديث الثلاثة الذين، آواهم المبيت إلى غار، وقد ذكره الحافظ المنذري رحمه الله تعالى في كتاب الترغيب، والترهيب في باب الإخلاص، وفي باب بر الوالدين، وغيرهما.

أما (العجب) بفتح العين، والجيم، فهو انفعال نفساني يعتري الإنسان عند استعظامه، أو استطرافه، أو إنكاره ما يرد عليه. وقال الراغب: العجب حالة تعرض للإنسان بسبب الشيء، وليس هو شيئا له في ذاته حالة حقيقية، بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب، ومن لا يعرفه، وحقيقة:«أعجبني كذا» : ظهر لي ظهورا لم أعرف سببه. هذا؛ والعجب بضم العين وسكون الجيم رؤية النفس، وحقيقته: أن يرى الإنسان نفسه فوق غيره علما، أو ورعا، أو أدبا، أو غير ذلك، ويعتقد: أن له منزلة لا يدانيه فيها سواه، وهذا هو الكبر الذي يدخل صاحبه جهنم وبئس المصير، وهذا لا يكون إلا من ضعيف الإيمان، وناقص العقل، وميت الضمير، والوجدان الإنساني، ورحم الله من يقول:[البسيط]

ملأى السنابل تنحني بتواضع

والفارغات رءوسهنّ شوامخ

الإعراب: {أَمْ:} حرف عطف. {حَسِبْتَ:} فعل، وفاعل. {أَنَّ:} حرف مشبه بالفعل.

{أَصْحابَ:} اسم {أَنَّ،} وهو مضاف، و {الْكَهْفِ:} مضاف إليه. {وَالرَّقِيمِ:} معطوف على ما قبله. {كانُوا:} ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. {مِنْ آياتِنا:}

متعلقان ب: {عَجَباً} بعدهما؛ لأنه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة:«نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» وجوز تعليقهما بمحذوف خبر (كان) و {عَجَباً} خبر ثان، أو حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور، وجملة:{كانُوا..} . إلخ في محل رفع خبر {أَنَّ،} و {أَنَّ} واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسدّ مفعولي (حسب)، وجملة:{أَمْ حَسِبْتَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً (10)}

الشرح: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ} أي: نزلوه، وسكنوه، والتجئوا إليه. يقال: أوى إلى منزله من باب: ضرب إذا نزله بنفسه، وسكنه، و {الْفِتْيَةُ:} الشباب، وكانوا سبعة. وانظر الآية

ص: 433

رقم [62] من سورة (يوسف) عليه السلام. {فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ:} أعطنا من عندك. {رَحْمَةً} أي: رحمة من خزائن رحمتك، وجلائل فضلك، وإحسانك، وهب لنا الهداية والنصر على الأعداء. {وَهَيِّئْ لَنا} أي: أصلح لنا، وأصل التهيئة: إحداث هيئة الشيء. وانظر: {لَدُنْكَ:}

في الآية رقم [80] من سورة (الإسراء).

تنبيه: ملخص قصة أصحاب الكهف: أنهم كانوا شبانا من أشراف الروم مردا، وكانوا سبعة على المعتمد، أرادهم الملك دقيانوس على الشرك، وعبادة الأوثان، كما أجبر أهل المدينة على ذلك، ومن لم يستجب له قتله، فخرج هؤلاء الفتية من مدينتهم خائفين على إيمانهم، واسم مدينتهم: أفسوس عند أهل الروم، واسمها عند العرب: طرسوس، وثبت: أنها في بلاد تركيا اليوم، فلما أمرهم الملك بالشرك ذهب كل واحد منهم إلى بيت أبيه، فأخذ منه زادا، ونفقة، وخرجوا فارين هاربين، حتى أووا إلى كهف في جبل قريب من المدينة، فاختفوا فيه، وصاروا يعبدون الله تعالى، ويأكلون، ويشربون، ويبعثون واحدا منهم خفية ليشتري لهم الطعام من المدينة كلما نفذ زادهم، وهم خائفون من اطلاع أهل المدينة عليهم، فيقتلهم دقيانوس لعدم دخولهم في دينه الفاسد، فجلسوا يوما بعد الغروب يتحدثون، فألقى الله عليهم النوم. وحادثة أصحاب الكهف كانت بعد أن مرج أمر أهل الإنجيل من النصارى، وكثرت فيهم الذنوب والمعاصي، وطغت الملوك؛ حتى عبدوا الأصنام، وذبحوا للطواغيت، وبقيت فيهم بقية على دين المسيح الصحيح متمسكون بعبادة الله وتوحيده، ومن أشدهم تمسكا بعبادة الله هؤلاء الفتية.

وفي الآيات التالية تقف على تفصيل هذه الحادثة وشرحها إن شاء الله تعالى. وانظر ما أذكره تبعا للآية رقم [21] الآتية.

الإعراب: {إِذْ:} ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر وقت أوى

إلخ، وابن هشام يعتبره مفعولا به للفعل المقدر، وأجاز أبو البقاء تعليقه ب:{عَجَباً،} ولا أجيزه، {أَوَى:} ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. {الْفِتْيَةُ:} فاعله. {إِلَى الْكَهْفِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:{الْفِتْيَةُ} . التقدير: ملتجئين إلى الكهف، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {إِذْ} إليها. {فَقالُوا:} الفاء: حرف عطف. (قالوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. {رَبَّنا:} منادى حذف منه حرف النداء، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. وانظر إعراب (رب) في الآية رقم [35] من سورة (إبراهيم) عليه الصلاة والسلام. {آتِنا:} فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» ، و (نا): مفعول به أول. {مِنْ لَدُنْكَ:}

متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب:{رَحْمَةً} بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من

ص: 434

{رَحْمَةً} كان صفة له

إلخ على مثال ما رأيت في الآية السابقة. {رَحْمَةً:} مفعول به ثان، والكلام:{رَبَّنا..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{فَقالُوا..} . إلخ معطوفة على جملة: {أَوَى..} . إلخ فهي في محل جر مثلها. {وَهَيِّئْ:} فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره:

«أنت» . {لَنا:} متعلقان بما قبلهما. {مِنْ أَمْرِنا:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما على مثال ما قبلهما، و (نا): في محل جر بالإضافة. {رَشَداً:} مفعول به، وجملة:

{وَهَيِّئْ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها.

{فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (11)}

الشرح: {فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ} أي: ضربنا عليها حجابا يمنع السماع، بمعنى: أنمناهم إنامة، لا تنبههم فيها الأصوات، فحذف المفعول الذي هو: الحجاب. {سِنِينَ عَدَداً} أي:

أنمناهم سنين كثيرة. قال الزجاج: أي: تعد عددا لكثرتها؛ لأن القليل يعلم مقداره من غير عدد، فإذا كثر عد، فأما قولك: دراهم معدودة فهي على القلة؛ لأنهم كانوا يعدون القليل، ويزنون الكثير، وسيأتي بيان هذه السنين في الآية رقم [25]. هذا؛ وفي قوله:{فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ} استعارة تبعية، حيث شبهت الإنامة الثقيلة بضرب الحجاب على الآذان، ثم ذكر المشبه به، وأريد المشبه، ثم اشتق منه الفعل:(ضربنا).

الإعراب: {فَضَرَبْنا:} فعل، وفاعل. وانظر إعراب «حفظنا» في الآية رقم [17] من سورة (الحجر)، والمفعول محذوف كما رأيت في الشرح. {عَلَى آذانِهِمْ:} متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، {فِي الْكَهْفِ:} متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال؛ أي: حالة كونهم في الكهف. {سِنِينَ:} ظرف زمان متعلق ب: (ضربنا) أيضا منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. {عَدَداً:} صفة {سِنِينَ} وهي بمعنى: معدودة، أو ذوات عدد، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف؛ أي: تعد عددا، وتعود الجملة صفة ل:{سِنِينَ،} وجملة:

{فَضَرَبْنا..} . إلخ معطوفة على جملة: {أَوَى..} . إلخ فهي في محل جر مثلها.

{ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً (12)}

الشرح: {ثُمَّ بَعَثْناهُمْ} أي: أيقظناهم من نومهم. {لِنَعْلَمَ} أي: علم مشاهدة، وذلك أن الله عز وجل لم يزل عالما، وإنما أراد ما تعلق به العلم، من ظهور الأمر لهم؛ ليزدادوا إيمانا واعتبارا. انتهى. خازن، وهذا ليس مرادا، بل المراد ليعلم الناس ما ذكر بالمشاهدة. {أَيُّ الْحِزْبَيْنِ} أي: المختلفين في شأن أصحاب الكهف. واختلف فيهما أيضا، فقيل: المراد

ص: 435

بالحزبين: نفس أصحاب الكهف؛ لأنهم لما استيقظوا اختلفوا في مدة لبثهم، كما ستعرفه في الآية رقم [19]. وهذا قاله مجاهد. وقال الفراء: إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم. وقال عطاء عن ابن عباس-رضي الله عنهما: المراد بالحزبين:

الملوك الذين تداولوا المدينة ملكا بعد ملك، وأصحاب الكهف. وعبارة الخازن: وذلك: أن أهل المدينة اختلفوا في مدة لبثهم في الكهف.

{أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً} أي: أضبط، وأحفظ لما مكثوا في كهفهم نياما، واختلف في {أَحْصى} فاعتبره الزجاج والتبريزي أفعل تفضيل، واعتبره الزمخشري، وابن عطية فعلا ماضيا.

قال الزمخشري: فإن قلت: فما تقول فيمن جعله أفعل تفضيل؟ قلت: ليس بالوجه السديد، وذلك: أن بناءه من غير الثلاثي ليس بقياسي. وقال أبو البقاء: وجاء {أَحْصى} على حذف الزيادة، كما جاء:(هو أعطى للمال) و (أولى بالخير). وقال البيضاوي مثله. وقال ابن هشام في المغني: ومن الوهم قول بعضهم في: {أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً:} إنه أفعل تفضيل، فإن الأمد ليس محصيا، بل محصى، وشرط التمييز المنصوب بعد أفعل كونه فاعلا في المعنى، كزيد أكثر مالا، بخلاف مال زيد أكثر مال. هذا؛ و (الأمد) الغاية ومنتهى الشيء، وجمعه: آماد، يقال: طال عليهم الأمد؛ أي: الأجل.

الإعراب: {ثُمَّ:} حرف عطف. {بَعَثْناهُمْ:} ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:{أَوَى الْفِتْيَةُ..} . إلخ فهي في محل جر مثلها. {لِنَعْلَمَ:} مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل. وقيل: العاقبة، والفاعل مستتر تقديره:«نحن» ، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما. {أَيُّ:} اسم استفهام مبتدأ، وهو مضاف، و {الْحِزْبَيْنِ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. {أَحْصى:} خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، أو هو ماض كما رأيت، فيكون فاعله مستتر تقديره:«هو» يعود إلى: {أَيُّ الْحِزْبَيْنِ،} وعلى اعتباره أفعل التفضيل فاعله أيضا مستتر فيه. {لِما:} اللام: حرف جر. (ما): مصدرية، تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور، متعلقان ب {أَحْصى،} وجملة: {أَحْصى..} .

إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، أو هما متعلقان بمحذوف حال من {أَمَداً،} كان صفة له على نحو ما رأيت في الآية رقم [9] هذا؛ وقيل: اللام زائدة، و (ما) موصولة في محل نصب مفعول به لأحصى على اعتباره ماضيا، ومفعول به لفعل محذوف على اعتباره أفعل تفضيل، وهو المعتمد، وجملة:{لَبِثُوا:} صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: أحصى الذي لبثوه، وهو ضعيف معنى كما ترى. {أَمَداً:} مفعول ل: {أَحْصى} على اعتبار اللام أصلية، وتمييز على اعتبار اللام

ص: 436

زائدة، والجملة الاسمية:{أَيُّ الْحِزْبَيْنِ..} . في محل نصب مفعول به ل: (نعلم) المعلق عن العمل لفظا، وقد سدت مسد المفعولين، إن كان «علم» من أفعال القلوب.

{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (13)}

الشرح: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ} أي: نقرأ عليك يا محمد خبر أصحاب الكهف بالصدق. {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ} أي: شبان. {آمَنُوا بِرَبِّهِمْ} أي: الذي خلقهم وأنعم عليهم بنعم كثيرة. {وَزِدْناهُمْ هُدىً:} إيمانا، وبصيرة ويقينا. وقال السدي: زادهم هدى بكلب الراعي حين طردوه، ورجموه مخافة أن ينبح عليهم، وينبه بهم، فرفع الكلب يديه إلى السماء كالداعي، فأنطقه الله، فقال: لم تطردونني؟ لم ترجمونني؟ لم تضربونني؟ فو الله لقد عرفت الله قبل أن تعرفوه بأربعين سنة، فزادهم الله بذلك هدى. انتهى. قرطبي. والله أعلم بحقيقة ذلك. واختلف في لونه، وفي اسمه اختلافا كبيرا، فذكر ابن عباس-رضي الله عنهما-أن اسمه: قطمير. انتهى.

بعد هذا {نَقُصُّ عَلَيْكَ} نخبرك لتخبر قومك، واليهود الذين سألوك عن خبر أصحاب الكهف لعلهم يعتبرون، فيهتدون للإيمان. هذا؛ والقصص: تتبع الأثر، يقال: قص فلان أثر فلان؛ أي:

تتبعه؛ ليعرف أين ذهب، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول أم موسى:{وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ} أي:

اتبعي أثره، وإنما سميت الحكاية: قصة؛ لأن الذي يقص الحديث يذكر تلك القصة شيئا فشيئا.

والنبأ: الخبر وزنا ومعنى، ويقال: النبأ أخص من الخبر؛ لأن النبأ لا يطلق إلا على كل ما له شأن، وخطر من الأخبار. وقال الراغب: النبأ: خبر ذو فائدة يحصل به علم، أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحق: أن يتعرى عن الكذب، كالمتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر الرسول صلى الله عليه وسلم. هذا؛ وفعله يتعدى في الأصل لثلاثة مفاعيل، وقد يجيء الفعل من (نبأ) غير مضمن معنى أعلم، فلذلك يعدى لواحد بنفسه، وللآخر بحرف الجر، وهو كثير في كتاب الله تعالى مثل قوله تعالى:{وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ} .

هذا؛ و {هُدىً} أصله: «هديا» بضم الهاء وفتح الدال، وتحريك الياء منونة فقلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الألف، والتنوين؛ الذي يرسم ألفا في حالة النصب بحسب الأصل، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار:(هدى) وإنما أتوا بياء أخرى لتدل على الياء المحذوفة الأصلية، بخلاف ما إذا لم يأتوا بها. وقالوا:«هدا» فلا يوجد ما يدل عليها.

بعد هذا انظر «نا» في الآية رقم [23] من سورة (الحجر)، وشرح {الْحَقُّ} في الآية رقم [81] من سورة (الإسراء)، وشرح {رَبُّكُمْ} في الآية رقم [8] منها، وشرح «زاد، يزيد» في الآية [41] منها أيضا. هذا؛ وفي الآية التفات من التكلم إلى الغيبة كما ترى، انظر الآية [22] من سورة (النحل).

ص: 437

الإعراب: {نَحْنُ:} ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. {نَقُصُّ:} مضارع، وفاعله مستتر تقديره:«نحن» . {عَلَيْكَ:} متعلقان بما قبلهما. {نَبَأَهُمْ:} مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، {بِالْحَقِّ:} متعلقان بمحذوف حال من فاعل {نَقُصُّ} أو من مفعوله، وجملة:

{نَقُصُّ..} . إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {إِنَّهُمْ:}

حرف مشبه، والهاء اسمها. {فِتْيَةٌ:} خبر (إنّ)، وجملة:{آمَنُوا بِرَبِّهِمْ} في محل رفع صفة فتية، وجملة:{وَزِدْناهُمْ} معطوفة عليها، فهي في محل رفع صفة مثلها. {هُدىً:} مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها وقيل: تمييز، ولا وجه له البتة. والجملة الاسمية:{إِنَّهُمْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها، وهي بمنزلة جواب لسؤال مقدر، اقتضاه ما قبلها، فكأنه قيل: ما نبؤهم؟. تأمل.

{وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (14)}

الشرح: {وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ} أي: وقويناها بالصبر على هجر الوطن، والأهل، والمال، والجراءة على إظهار الحق، والرد على دقيانوس الكافر الجبار؛ حيث مثلوا بين يديه، وتوعدهم بالقتل، إن لم يعبدوا الأصنام؛ التي اخترعها وابتدعها. وفيه استعارة تصريحية تبعية؛ لأن الربط هو الشّدّ بالحبل.

وقال ابن عطية: تعلقت الصوفية في القيام والقول بقوله تعالى: {إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} قال القرطبي: قلت: وهذا تعلق غير صحيح، هؤلاء قاموا فذكروا الله على هدايته، وشكروه لما أولاهم من نعمه ونعمته، ثم هاموا على وجوههم منقطعين إلى ربهم، خائفين من قومهم، وهذه سنة الله في الرسل، والأنبياء، والفضلاء، والأولياء، أين هذا من ضرب الأرض بالأقدام، والرقص بالأكمام، وخاصة في هذا الزمان عند سماع الأصوات الحسان من المرد، والنسوان؟! هيهات بينهما والله ما بين الأرض والسماء! وقال الإمام أبو بكر الطّرسوسيّ، وسئل عن مذهب الصوفية، فقال: وأما الرقص، والتواجد، فأول من أحدثه أصحاب السامري، لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار، قاموا يرقصون حوله، ويتواجدون، فهو دين الكفار، وعباد العجل. انتهى. قرطبي. وهذا تحامل على الصوفية كبير.

فقالوا: {رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ..} . إلخ: فيه إخلاص العبادة لله تعالى، وتبرؤ من عبادة الأصنام التي دعا إليها دقيانوس. هذا؛ والشطط: الجور، أو الكذب، أو البعد عن جادة الحق. قال أعشى بني قيس بن ثعلبة:[البسيط]

أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط

كالطّعن يذهب فيه الزيت والفتل

ص: 438

هذا؛ ودونه: من الدنو، وهو القرب، ومنه: تدوين الكتب؛ لأنه إدناء؛ أي: تقريب البعض من البعض، ثم استعير للرتب، فقال: زيد دون عمرو؛ أي: في الشرف، والسيادة، ثم اتسع فيه، فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد. هذا؛ ويأتي «دون» بمعنى: قدام. قال الشاعر: [الطويل]

تريك القذى من دونها وهي دونه

إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق

هذا؛ ومثله: أدنى، وألفه منقلبة عن واو؛ لأنه من: دنا، يدنو: إذا قرب، وله معنيان:

أحدهما أن يكون المعنى: ما تقرب قيمته بخساسته، ويسهل تحصيله. والثاني: أن يكون بمعنى:

القريب منكم لكونه في الدنيا، والذي هو خير ما كان من امتثال أمر الله تعالى؛ لأن نفعه متأخر إلى الآخرة، خذ قوله تعالى لليهود اللؤماء حكاية عن قول موسى-عليه السلام-لهم:{قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} وقيل: الألف مبدلة من همزة؛ لأنه مأخوذ من دنؤ، يدنؤ، فهو دنئ، والمصدر: الدناءة، وهو من الشيء الخسيس، فأبدلت الهمزة ألفا. وقيل: أصله:

أدون من الشيء الدون، فأخرت الواو، فانقلبت ألفا، فوزنه الآن: أفلع. انتهى. عكبري.

الإعراب: {وَرَبَطْنا:} الواو: حرف عطف. {رَبَطْنا):} فعل، وفاعل. {عَلى قُلُوبِهِمْ:}

متعلقان بما قبلهما. {إِذْ:} ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله، وجملة:{قامُوا} مع المتعلق المحذوف في محل جر بإضافة {إِذْ} إليها.

{فَقالُوا:} ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والألف للتفريق. وانظر إعراب {دَخَلُوا} في الآية رقم [52] من سورة (الحجر)، والجملة الفعلية مع مقولها معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها، وجملة:{وَرَبَطْنا..} . إلخ معطوفة على جملة: {أَوَى الْفِتْيَةُ..} .

إلخ فهي في محل جر مثلها. {رَبُّنا:} مبتدأ، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {رَبُّ:} خبر المبتدأ، و {رَبُّ} مضاف، و {السَّماواتِ} مضاف إليه مثل سابقه. {وَالْأَرْضِ:} معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية:{رَبُّنا..} . إلخ في محل نصب مقول القول. {لَنْ:} حرف نفي ونصب واستقبال. {نَدْعُوَا:} مضارع منصوب ب:

{لَنْ،} والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن» ، ومفعوله الأول: محذوف، إن كان بمعنى:

نسمي، ولا حذف إن كان بمعنى: نعبد. {مِنْ دُونِهِ:} متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من إلها كان صفة له

على مثال ما رأيت في الآية رقم [9]. {إِلهاً:}

مفعول به، وجملة:{لَنْ نَدْعُوَا..} . إلخ في محل نصب مقول القول أيضا. {لَقَدْ:} اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.

{قُلْنا:} فعل، وفاعل. {إِذاً:} حرف جواب وجزاء مهمل لا عمل

إلخ. {شَطَطاً:} صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: قلنا قولا شططا. وقال سيبويه: نصبه على الحال من ضمير مصدر {قُلْنا} . وقيل: إنه مفعول ب: {قُلْنا،} لتضمنه معنى الجملة. انتهى. جمل نقلا عن السمين. وجملة: {لَقَدْ..} . إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المحذوف، وهناك شرط

ص: 439

محذوف، قدره الجلال-رحمه الله تعالى-بقوله:«لقد قلنا إذا شططا إن دعونا إلها غير الله فرضا» والكلام كله في محل نصب مقول القول. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

{هؤُلاءِ قَوْمُنَا اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً (15)}

الشرح: {هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً:} هذا الكلام قالوه بحضرة دقيانوس أشاروا إلى أهل مدينتهم، والمقصود هو بالذات؛ لأنه هو الذي أجبر الناس على عبادة الأصنام، ففيه تعريض له. {لَوْلا:} هلا. {يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ:} على الأصنام، والمراد: على عبادتها، وجمعت الأصنام جمع المذكر العاقل على مثال ما رأيت في الآية رقم [42] من سورة (الإسراء).

{بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ:} بحجة قوية ظاهرة على دعواهم. {فَمَنْ أَظْلَمُ} أي: لا أحد أظلم، وأكفر، وأشقى. {مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً} أي: من الذي يختلق الكذب على الله، وذلك بعبادة غيره، ونسبة الشريك إليه.

الإعراب: {هؤُلاءِ:} اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. {قَوْمُنَا:} مبتدأ ثان، و (نا): في محل جر بالإضافة، وجملة:{اِتَّخَذُوا..} . إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الثاني، والجملة الاسمية في محل رفع خبر {هؤُلاءِ} . هذا؛ ويجوز اعتبار {قَوْمُنَا} خبرا مفردا عن {هؤُلاءِ،} وجملة: {اِتَّخَذُوا..} . إلخ في محل نصب حال من {قَوْمُنَا،} والعامل اسم الإشارة، وهي على تقدير قد قبلها، كما يجوز اعتبار قومنا بدلا من {هؤُلاءِ} أو عطف بيان عليه، وجملة:{اِتَّخَذُوا..} . إلخ هي خبر {هؤُلاءِ،} أوجه كلها قوية، وقد مر معنا كثير من ذلك. {مِنْ دُونِهِ:} متعلقان بمحذوف مفعول به ثان قدم على الأول، إن اعتبرت الفعل متعديا لاثنين، وهو بمعنى: صيروا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:

{آلِهَةً} كان صفة له

إلخ على مثال ما رأيت في الآية رقم [9]. {آلِهَةً:} مفعول به، والكلام في محل نصب مقول القول. {لَوْلا:} حرف تحضيض. {يَأْتُونَ:} مضارع مرفوع

إلخ، والواو فاعله. {عَلَيْهِمْ:} متعلقان بما قبلهما وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وهو غير ظاهر. {بِسُلْطانٍ:} متعلقان بالفعل قبلهما. {بَيِّنٍ:} صفة (سلطان) والجملة: {لَوْلا يَأْتُونَ..} . إلخ في محل نصب مقول القول أيضا كالجملة الاسمية قبلها. {فَمَنْ:} الفاء:

حرف استئناف. (من): اسم استفهام معناه النفي مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.

{أَظْلَمُ:} خبر المبتدأ. {مِمَّنِ:} متعلقان ب: {أَظْلَمُ،} و (من) اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر ب:(من). {اِفْتَرى:} ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (من)، وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (من)، أو صفتها. {عَلَى}

ص: 440

{اللهِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من {كَذِباً،} كان صفة له على مثال ما رأيت في الآية رقم [9]. {كَذِباً:} مفعول به، والجملة الاسمية:{فَمَنْ أَظْلَمُ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{وَإِذِ اِعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً (16)}

الشرح: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ..} . إلخ: فالمعنى: وقال بعضهم لبعض: اذكروا حين اعتزلتم هؤلاء الكافرين واعتزلتم عبادتهم إلا عبادة الله، فأنتم متمسكون بها. والمراد: بالاعتزال:

اعتزال العقيدة، أو اعتزال الأجسام، وكلاهما قد وقع فعلا. {فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ:} التجئوا إلى الكهف، واختبئوا فيه. {يَنْشُرْ لَكُمْ..}. إلخ: يبسط لكم ربكم رحمة من خزائن رحمته في الدنيا، والآخرة. وقال البيضاوي: يبسط الرزق لكم، ويوسع عليكم،. انتهى وليس هذا مرادا هنا فيما أرى. {وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً:} يسهل لكم أموركم، وما تحتاجون إليه من أمر الدنيا، والآخرة، و (المرفق) ما يرتفق؛ أي: ما ينتفع به، وإنما قالوا ذلك ثقة بفضل الله، وقوة في رجائهم، لتوكلهم عليه، وصحة يقينهم، وسلامة عقيدتهم. هذا؛ وقرئ:{مِرْفَقاً} بكسر الميم وفتح الفاء، وبالعكس، فقيل: هما بمعنى: واحد، وهو ما يرتفق به، وليس بمصدر.

وقيل: بكسر الميم لليد الجارحة، وبفتحها للأمر، وهو معنوي، وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر، حكاه الأزهري عن ثعلب. وقال بعضهم: هما لغتان فيما يرتفق به، فأما الجارحة فبكسر الميم فقط. انتهى. جمل. وهو في اليد الموصل بين الساعد والعضد، وجمعه مرافق.

قال تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ} .

الإعراب: {وَإِذِ:} الواو: حرف استئناف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكروا، وقت

إلخ، وهذه الجملة في محل نصب مقول القول. انظر الشرح لتقدير هذا القول. {اِعْتَزَلْتُمُوهُمْ:} ماض مبني على السكون. والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها. هذا؛ واعتبر ابن هشام (إذ) في شذور الذهب حرف تعليل، وقدر الكلام كما يلي: ولأجل اعتزالكم إياهم.

{وَما:} الواو: حرف عطف. (ما): أجيز فيها اعتبارها موصولة، ونكرة موصوفة، ومصدرية، ونافية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب معطوفة على الضمير المنصوب، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: والذي، أو: وشيئا يعبدونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب معطوف على

ص: 441

الضمير المنصوب، ويكون التقدير: وإذ اعتزلتموهم، وعبادتهم. {إِلاَّ:} أداة استثناء. {اللهَ:}

منصوب على الاستثناء، وهو على حذف مضاف؛ إذ التقدير: إلا عبادة الله، وعلى التقديرين فالاستثناء متصل على تقدير كونهم مشركين كأهل مكة، ومنقطع على تقدير تمحضهم في عبادة الأوثان، وعلى اعتبار (ما) نافية فإنه إخبار من الله تعالى عن الفتية بالتوحيد، وتكون الجملة معترضة بين إذ وجوابها. {فَأْوُوا:} الفاء: قال الفراء: واقعة في جواب (إذ)، كما تقول: إذ فعلت فافعل كذا. وقيل: دليل على جوابه، التقدير: إذا أردتم اعتزالهم فافعلوا ذلك بالالتجاء إلى الكهف. انتهى. وهذا يفيد أن (إذ) شرطية، مع أنها بدون (ما) لا تقع شرطية، بل تكون ظرفية، أو تعليلية، وقد نقل السيوطي في «همع الهوامع» أنه قول ضعيف لبعض النحاة، أو يقال: هو تسمّح؛ لأنه بمعناه. انتهى. جمل.

{فَأْوُوا:} الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا فعلتم ما فعلتم من الاعتزال فأووا، وبعضهم يعتبرها حرف عطف، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، (اؤووا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. {إِلَى الْكَهْفِ:} متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها حسب ما رأيت الكلام في الفاء المقترنة بها. {يَنْشُرْ:}

مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط مقدر. {لَكُمْ:} متعلقان به.

{رَبُّكُمْ:} فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {مِنْ رَحْمَتِهِ:} متعلقان بما قبلهما، وجملة:{يَنْشُرْ..} . إلخ لا محل لها؛ لأنها لم تقترن بالفاء. {وَيُهَيِّئْ:} معطوف على {يَنْشُرْ} مجزوم، والفاعل يعود إلى ربكم. {لَكُمْ:} متعلقان بما قبلهما. {مِنْ أَمْرِكُمْ:} متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من {مِرْفَقاً،} كان صفة له

إلخ على مثال ما رأيت في الآية رقم [9]{مِرْفَقاً:} مفعول به.

{وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَّزوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (17)}

الشرح: {وَتَرَى الشَّمْسَ..} . إلخ: قيل هنا ثلاث جمل محذوفة، تقديرها فأووا إلى الكهف، وناموا، وأجاب الله دعاءهم حيث قالوا:{رَبَّنا آتِنا..} . إلخ. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لكل أحد، وليس المراد: أن من خوطب بهذا يرى هذا المعنى، ولكن العادة في المخاطبة تكون على هذا النحو، ومعناه أنك لو رأيتهم لرأيت الشمس. انتهى. جمل نقلا عن الخطيب. {تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ:} تتنحى وتميل، وقرئ:«(تزور)» ، و «(تزّاور)» ، و «(تزّوارّ)» وكلها بمعنى: الميل، والإعراب لا يتغير. {ذاتَ الْيَمِينِ:} جهة اليمين. {وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ:} تتركهم، وتدعهم.

ص: 442

والمعنى: أنهم كانوا لا تصيبهم الشمس البتة كرامة لهم، وهو قول ابن عباس-رضي الله عنهما-يعني: أن الشمس إذا طلعت؛ مالت عن كهفهم ذات اليمين؛ أي: يمين الكهف وإذا غربت؛ تمر بهم جهة الشمال؛ أي: شمال الكهف، فلا تصيبهم في ابتداء النهار، ولا في آخره، وكان كهفهم مستقبل بنات نعش في أرض الروم، فكانت الشمس تميل عنهم طالعة وغاربة وجارية، لا تبلغهم لتؤذيهم بحرها، وتغير ألوانهم، وتبلي ثيابهم، وذهب الزجاج إلى أن فعل الشمس كان آية من آيات الله دون أن يكون باب الكهف إلى جهة توجب ذلك. انتهى قرطبي بتصرف.

{وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ:} وهم في متسع من الكهف؛ أي: في وسطه بحيث ينالهم روح الهواء، ولا يؤذيهم كرب الغار، ولا حر الشمس، فيقع شعاعها على جانبيه، فيحلل عفونته، ويعدل هواءه.

{ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ} أي: ما فعل الله بأصحاب الكهف كل ذلك من عجائب قدرته، ودلائل عظمته. {مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ} أي: من هداه الله للإيمان، فهو الذي أصاب الفلاح والنجاح، والمراد: به إما الثناء على أصحاب أهل الكهف، أو التنبيه على أنّ أمثال هذه الآيات كثيرة، ولكن المنتفع بها من وفقه الله تعالى للتأمل فيها، والاستبصار بها. وانظر الآية رقم [97] من سورة (الإسراء). {وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً} أي: ومن سبق له في حكم الله الأزلي، وتقديره الأبدي بالضلال، والجهل، فلا يوجد له نصير، أو حبيب يرشده إلى الإيمان، ولا يجدي معه وعظ، ولا نصح، ولا إرشاد مهما قدمت له من البراهين، ومهما ضربت له من الأمثلة والحجج. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [27] من سورة (الرعد).

تنبيه: ذكر الخازن: أن الملك الظالم الذي فروا منه بنى على باب الكهف سدا. وقال:

لكي يموتوا جوعا وعطشا، وأن هذا السد استمر عليهم مدة لبثهم نياما، وأن الملك الصالح اجتمع بهم حين تيقظوا، وبنى على باب الغار مسجدا بعد موتهم، وصريح هاتين الآيتين يرد هذا؛ ويبطله؛ إذ لو كان باب الغار قد سد، كما ذكر لم يستقم قوله تعالى:{وَتَرَى الشَّمْسَ..} .

إلخ فليتأمل ويحرر. انتهى. جمل. هذا؛ و {تَزاوَرُ} أصله: تتزاور، فحذفت إحدى التاءين، وهو كثير ومستعمل في الآيات القرآنية.

بعد هذا انظر شرح: {الشَّمْسَ} في الآية رقم [33] من سورة (إبراهيم) عليه السلام، أما {ذاتَ} فقد أتت في هذه الآية والتي بعدها بمعنى: الجهة. وانظر معناها بغير ذلك في الآية رقم [1] من سورة (الأنفال)، أو الآية رقم [2] من سورة (الحج) إن شاء الله تعالى. وانظر شرح (الله) في الآية رقم [1] وإعلال (تجد) مثل إعلال (تزر) في الآية رقم [15] من سورة (الإسراء).

وانظر شرح «وليا» في الآية رقم [63] من سورة (النحل).

أمّا (ترى) فماضيه: رأى، والقياس ترأي، وقد تركت العرب الهمز في مضارعه لكثرته في كلامهم، وربما احتاجت إلى همزه، فهمزته كما في قول سراقة بن مرداس البارقي:[الوافر]

أري عينيّ ما لا ترأياه

كلانا عالم بالتّرّهات

ص: 443

وربما جاء ماضيه بغير همز، وبه قرأ نافع في {أَرَأَيْتَكُمْ} و {إِذا رَأَيْتَ} إلخ «(أريتكم)» و «(أريت)» بدون همز. وقال الشاعر:[الخفيف]

صاح هل ريت، أو سمعت براع

ردّ في الضّرع ما قرى في الحلاب؟

وإذا أمرت منه على الأصل قلت: ارء، وعلى الحذف: ره بهاء السكت، وقل في إعلال ترى: أصله ترأي قلبت الياء ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وحذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على الراء للتخفيف.

الإعراب: {وَتَرَى:} الواو: حرف استئناف. (ترى): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنت» . {الشَّمْسَ:} مفعول به.

{إِذا:} ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله، أو بالفعل بعده.

{طَلَعَتْ:} ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى الشمس، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {إِذا} إليها. {تَزاوَرُ:} مضارع، والفاعل يعود إلى الشمس، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الشمس. هذا؛ وقيل: إذا شرطية وعليه ف: {طَلَعَتْ} شرطها، و (تزاور) جوابها، و (إذا) ومدخولها في محل نصب حال من الشمس، وهو ضعيف جدا؛ لأن {إِذا} للمستقبل. تأمل. {عَنْ كَهْفِهِمْ:} متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة.

{ذاتَ:} ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و {ذاتَ:} مضاف، و {الْيَمِينِ:} مضاف إليه {وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ} معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق.

{وَهُمْ:} الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.

{فِي فَجْوَةٍ:} متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. {مِنْهُ:} متعلقان بمحذوف صفة {فَجْوَةٍ} والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.

{ذلِكَ:} اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {مِنْ آياتِ:} متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و {آياتِ:} مضاف، و {اللهِ:} مضاف إليه. هذا؛ وأجيز اعتبار {ذلِكَ} خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الأمر ذلك، و {مِنْ آياتِ اللهِ} حالا، والأول: أقوى، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ..} . إلخ انظر الآية رقم [97] من سورة (الإسراء) ففيها الكفاية؛ لأنها مثلها شرحا، وقراءة وإعرابا، والله أعلم، وأجل، وأكرم.

{وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اِطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (18)}

الشرح: {وَتَحْسَبُهُمْ:} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكل واحد. وانظر (حسب) في الآية رقم [9].

{أَيْقاظاً:} جمع: يقظ، ويقظان؛ أي: منتبهين؛ لأن عيونهم مفتحة. {وَهُمْ رُقُودٌ:} نيام

ص: 444

جمع: راقد، مثل: راكع، وركوع، وساجد، وسجود، وقاعد، وقعود، وفي هذه الجملة طباق، ومقابلة بين أيقاظ و {رُقُودٌ،} وتشبيه مأخوذ من معنى (تحسب) فقد شبه الله أهل الكهف في حال نومهم بالأيقاظ، فقد جاءت أداة التشبيه هنا فعلا من أفعال الشك على حد قوله تعالى:{وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً} الآية رقم [19] من سورة (الإنسان). وقوله تعالى:

{حَسِبَتْهُ لُجَّةً} الآية رقم [44] من سورة (النمل). {وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ..} . إلخ: أي: على جنوبهم؛ لئلا تأكل الأرض ما يليها من أجسامهم، وإن الله قادر على حفظهم من غير تقليب، ولكن جعل لكل شيء سببا في أغلب الأحوال. وقيل: إنهم كانوا يقلبون في كل سنة مرة.

وقيل: يقلبون مرّتين في العام. وقيل: غير ذلك، وظاهر كلام المفسرين: أن التقليب من فعل الله، ويجوز أن يكون من فعل ملك بأمر الله، وكلّه من فعل الله، أو أمره.

{وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} أي: نائم، وماد ذراعيه بفناء الكهف، أو ببابه، أو بعتبته قال أمية بن أبي الصلت:[الطويل]

وليس بها إلاّ الرّقيم مجاورا

وصيدهم، والقوم في الكهف همّد

وكانوا إذا انقلبوا انقلب معهم، وهو مثلهم في صفة النوم، فلما ناموا نام معهم، ولما استيقظوا استيقظ معهم، ولما ماتوا مات معهم، وهو من الحيوانات التي تدخل الجنة، مثل كبش إسماعيل، وناقة صالح-عليهما الصلاة والسّلام-، وكذا كبش هابيل، وحمار عزير-عليهما السلام. هذا؛ وقالت فرقة: لم يكن كلبا حقيقة، وإنما كان أحدهم، وكان قد قعد عند باب الغار طليعة لهم، كما سمي النجم التابع للجوزاء كلبا؛ لأنه منها كالكلب من الإنسان ويقال له:

كلب الجبار. وهو ضعيف، ولا يعتدّ به.

{لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً} أي: لو نظرت إليهم؛ لهربت منهم. {وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً} أي: خوفا يملأ صدرك لما ألبسهم الله من الهيبة، أو لوحشة مكانهم، وكان الله آواهم إلى هذا المكان الموحش في الظاهر؛ لينفر الناس منهم. وقيل: الفرار، والرعب لطول شعورهم، وأظفارهم، وهذا بعيد؛ لأنهم لما استيقظوا قال بعضهم لبعض:(لبثنا يوما، أو بعض يوم) وهذا يدل على أنّ أشعارهم كانت بحالها إلا أن يقال: إنما قالوا ذلك قبل أن ينظروا إلى أظفارهم وشعورهم. قال ابن عطية: والصحيح من أمرهم: أن الله عز وجل حفظ لهم الحالة التي ناموا عليها؛ لتكون لهم، ولغيرهم فيهم آية، فلم يبل لهم ثوب، ولم تغير لهم صفة، ولم ينكر الناهض إلى المدينة إلا معالم الأرض والبناء، ولو كانت في نفسه حالة ينكرها لكانت عليه أهم. هذا؛ وقرئ «(لملئت)» بتخفيف اللام مع ضم العين وسكونها في (رعبا) وتشديد اللام مع تسكين العين فقط، فالقراءات ثلاث سبعية.

تنبيه: روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس-رضي الله عنهم. قال: غزونا مع معاوية نحو الروم، فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف، فقال معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء

ص: 445

نظرنا إليهم. فقال ابن عباس: قد منع الله من هو خير منك، وأراد سيد الخلق، وحبيب الحق صلى الله عليه وسلم، فقال له:{لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ..} . إلخ فلم يسمع، وبعث ناسا، فلما دخلوا بعث الله عليهم ريحا، فأخرجتهم، وفي رواية فأحرقتهم، فظن معاوية أن هذا المعنى، وهو امتناع الاطلاع عليهم مختص بذلك الزمان الذي قبل بعثهم، وأما ابن عباس-رضي الله عنهما-فعلم:

أن ذلك عام في جميع الأوقات. انتهى جمل.

تنبيه: قال ابن عطية: وحدثني أبي-رضي الله عنه-قال: سمعت أبا الفضل الجوهري في جامع مصر، يقول على منبر وعظه سنة تسع وستين وأربعمائة: إن من أحب أهل الخير نال من بركتهم، كلب أحب أهل فضل، وصحبهم، فذكره الله في محكم تنزيله.

قلت: إذا كان بعض الكلاب قد نال هذه الدرجة العليا بصحبته، ومخالطته الصلحاء والأولياء، حتى أخبر الله بذلك في كتابه جل وعلا، فما ظنك بالمؤمنين الموحّدين، المخالطين، المحبين للأولياء والصالحين، بل في هذا تسلية وأنس للمؤمنين المقصرين عن درجات الكمال، والمحبين للنبي صلى الله عليه وسلم، وآله خير آل.

روي في الصحيح عن أنس بن مالك-رضي الله عنه-قال: بينما أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم خارجان من المسجد، فلقينا رجل عند سدة باب المسجد، فقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: «ما أعددت لها؟» . قال: فكأن الرجل استكان، ثم قال: يا رسول الله! ما أعددت لها كثير صلاة، ولا صيام، ولا صدقة، ولكني أحب الله، ورسوله. قال:«فأنت مع من أحببت» . قال أنس رضي الله عنه، فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي صلى الله عليه وسلم:«فأنت مع من أحببت» . ثم قال: أنا أحب الله، ورسوله، وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم؛ وإن لم أعمل بأعمالهم.

قلت: وهذا الذي قاله أنس، وتمسك به يشمل من المسلمين كل ذي نفس، فكذلك تعلقت أطماعنا بذلك، وإن كنا مقصرين، ورجونا رحمة الرحمن، وإن كنا غير مستأهلين، كلب أحب قوما، فذكره الله معهم، فكيف بنا، وعندنا عقد الإيمان، وكلمة الإسلام، وحب النبي صلى الله عليه وسلم {وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ..}. إلخ الآية. انتهى. قرطبي بحروفه. أقول: وخذ قول الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه-مخاطبا الشافعي-رضي الله عنه: [الوافر]

أحبّ الصّالحين ولست منهم

لعلّي أن أنال بهم شفاعة

وأكره من بضاعته المعاصي

وإن كنّا سواء في البضاعه

عن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اتّخذ كلبا إلاّ كلب ماشية، أو صيد، أو زرع، انتقص من أجره كلّ يوم قيراط» . رواه البخاري، فدل هذا على جواز اقتناء الكلب لما ذكر، من غير أن ينقص من أجر من اقتناه لذلك شيء، أما النقص في أجر من يقتنيه لغير منفعة،

ص: 446

إما لترويع الكلب المسلمين، أو تشويشه عليهم بنباحه، أو لمنع دخول الملائكة البيت، أو لنجاسته العينية، وذكرت في الآية رقم [5] من سورة (المائدة) شروط اقتناء كلب الصيد، وحل صيده. هذا؛ ومن خاف الكلب فليقرأ:{وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} فإنه يأمن شره.

الإعراب: {وَتَحْسَبُهُمْ:} الواو: حرف عطف. (تحسبهم): مضارع، والفاعل مستتر تقديره:

«أنت» ، والهاء مفعول به أول. {أَيْقاظاً:} مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:

{وَتَرَى الشَّمْسَ..} . إلخ، وما بينهما اعتراض، والجملة الاسمية:{وَهُمْ رُقُودٌ} في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. {وَنُقَلِّبُهُمْ:} مضارع والفاعل مستتر تقديره: «نحن» ، والهاء مفعول به. {ذاتَ:} ظرف مكان متعلق بما قبله، و {ذاتَ:} مضاف، و {الْيَمِينِ} مضاف إليه، {وَذاتَ الشِّمالِ:} معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: ونحن نقلبهم، والجملة الاسمية هذه معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب حال مثلها. هذا؛ ويقرأ:«(وتقلّبهم)» بضم اللام وفتح الباء على أنه مصدر مفعول به لفعل محذوف، التقدير: وترى تقلبهم، وعليه فالجملة فعلية وهي معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها. {وَكَلْبُهُمْ:} مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. {باسِطٌ:} خبره، وفاعله مستتر فيه. {ذِراعَيْهِ:} مفعول به لباسط منصوب وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى

إلخ وحذفت النون للإضافة والهاء في محل جر بالإضافة. {بِالْوَصِيدِ:} متعلقان بباسط، أو بمحذوف حال من ذراعيه؛ أي: ممدودة بالوصيد، وعمل باسط مع كونه للماضي؛ لأنه حال محكية كما في الآية رقم [6] فهو بمعنى: يبسط ذراعيه بدليل: {وَنُقَلِّبُهُمْ} ولم يقل: قلبناهم، وبهذا يندفع قول الكسائي، وابن هشام: إن اسم الفاعل الذي بمعنى: الماضي يعمل، ومعنى الحكاية: أنه يقدر الهيئة الواقعة في الزمن الماضي واقعة في حال التكلم، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير، أو هي مستأنفة، لا محل لها.

لو: حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. {اِطَّلَعْتَ:} فعل، وفاعل. {عَلَيْهِمْ:} متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.

{لَوَلَّيْتَ:} اللام واقعة في جواب (لو). (وليت): فعل، وفاعل، والجملة لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم. {مِنْهُمْ:} متعلقان بما قبلهما. {فِراراً:} نائب مفعول مطلق؛ لأن «ولى» بمعنى: «فر» . وقيل: هو مصدر في موضع الحال، وأجيز اعتباره مفعولا لأجله، وهو ضعيف، وأضعف منه اعتباره تمييزا، و {لَوِ} ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. (ملئت):

ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {مِنْهُمْ:} متعلقان بما قبلهما. {رُعْباً:} تمييز. وقيل: مفعول به ثان، والأول: أقوى.

ص: 447

{وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (19)}

الشرح: {وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ} أي: أيقظناهم من نومهم الطويل، والمعنى: كما أنمناهم في الكهف، وحفظنا أجسامهم، بل وثيابهم من البلى على طول الزمان؛ بعثناهم من النومة التي تشبه الموت على ما كانوا عليه من هيئتهم في ثيابهم وأحوالهم. {لِيَتَساءَلُوا:} ليسأل بعضهم بعضا، فاللام للصيرورة والعاقبة، وليست للتعليل، فبعثهم لم يكن لأجل تساؤلهم. {قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ:}

هو رئيسهم وكبيرهم: مكسلمينا. {كَمْ لَبِثْتُمْ} أي: كم كان نومكم، وذلك: أنهم شعروا بطول نومهم.

{قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ:} وذلك؛ لأنهم دخلوا الكهف أول النهار، وأيقظهم الله في آخره. {قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ:} قيل: إن رئيسهم لما سمع الاختلاف بينهم في مدة اللبث هو الذي قال: ربكم أعلم

إلخ. {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ:} يعني: تمليخا، وهو الذي كان يأتيهم بالطعام كلما نفد زادهم قبل نومهم. {بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ:} الورق: الفضة مضروبة كانت، أو غير مضروبة، واسم المدينة: طرسوس كما تقدم. هذا؛ وقال أحد الكتاب المفلسين من المال يخاطب الله تعالى: [البسيط]

أعطيتني ورقا لم تعطني ورقا

قل لي بلا ورق ما تنفع الحكم؟

فخذ من العلم شطرا واعطني ورقا

ولا تكلني إلى من جوده عدم

فأجيب هذا القائل من هاتف يهتف به، ويقول:[البسيط]

لو كنت ذا حكم لم تعترض حكما

عدلا خبيرا له في خلقه قسم

هلاّ نظرت بعين الفكر معتبرا

في معدم ما له مال، ولا حكم

وأنا من جانبي أتمثل بقول القائل: [الوافر]

رضينا قسمة الجبّار فينا

لنا علم وللجهّال مال

{فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً} أي: أحل طعاما. وقيل: أمروه أن يطلب ذبيحة مؤمن، ولا تكون ذبيحة من يذبح لغير الله، وكان فيهم مؤمنون يخفون إيمانهم. وقيل: أطيب طعاما، وأجوده.

وقيل: أكثر طعاما، وأرخصه. {فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} أي: قوت، وطعام تأكلونه. {وَلْيَتَلَطَّفْ:}

ص: 448

وليتكلف اللطف فيما يباشره من أمر المبايعة؛ حتى لا يغبن، أو في أمر التخفي؛ حتى لا يعرف.

{وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً:} ولا يخبرن، ولا يعلمن بكم أحدا.

تنبيه: قال النسفي وغيره: وفي حملهم الورق عند فرارهم دليل على أنّ حمل النفقة، وما يصلح للسفر هو رأي: المتوكلين على الله، دون المتكلين على الاتفاقات، وعلى ما في أوعية القوم من النفقات. وعن بعض العلماء: أنه كان شديد الحنين إلى بيت الله، ويقول: ما لهذا السفر إلا شيئان: شدّ الهميان، والتوكل على الرحمن. انتهى. والهميان: كيس تجعل فيه الدراهم، ويشد على الوسط، وجمعه: همايين، وهو أعجمي معرب.

الإعراب: {وَكَذلِكَ:} الواو: حرف استئناف (كذلك) الكاف: حرف تشبيه وجر، و (ذا):

اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: بعثناهم بعثا كائنا مثل هدايتنا لهم، وإيوائهم إلى الكهف، وإنامتهم فيه تلك المدة المتطاولة. {بَعَثْناهُمْ:} فعل، وفاعل، ومفعول به. والكلام مستأنف كله. {لِيَتَساءَلُوا:}

مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام الصيرورة، أو العاقبة، وبعضهم يعتبرها لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلى اعتبار اللام للتعليل يكون المعنى: بعثناهم ليسأل بعضهم بعضا، فيتعرفوا حالهم، وما صنع الله بهم، فيزدادوا يقينا على كمال قدرة الله تعالى، ويستبصروا أمر البعث، ويشكروا ما أنعم به عليهم. انتهى بيضاوي. {بَيْنَهُمْ:} ظرف مكان متعلق بما قبله وقيل: متعلق بمحذوف حال، ولا وجه له.

{قالَ:} ماض. {قائِلٌ:} فاعله، وفيه ضمير مستتر هو فاعله. {مِنْهُمْ:} متعلقان بقائل، أو بمحذوف صفة له. {كَمْ:} اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بما بعده، والمميز محذوف لدلالة الجواب عليه، التقدير: كم يوما. {لَبِثْتُمْ:}

فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {قالُوا:} ماض، وفاعله، والألف للتفريق. {لَبِثْنا:} ماض، وفاعله. {يَوْماً:}

ظرف زمان متعلق بما قبله، {أَوْ:} حرف عطف. {بَعْضَ:} ظرف زمان معطوف على ما قبله، و {بَعْضَ:} مضاف، و {يَوْمٍ:} مضاف إليه، وجملة:{لَبِثْنا..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالُوا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {قالُوا:} ماض، وفاعله

إلخ.

{رَبُّكُمْ:} مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {أَعْلَمُ:} خبر المبتدأ، وفاعله مستتر وجوبا تقديره:«هو» . وهو على غير بابه.

ص: 449

{بِما:} الباء: حرف جر. (ما): مصدرية، تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما، التقدير: ربكم أعلم بلبثكم. والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، واعتبار (ما) موصولة ضعيف، لا يؤيده المعنى، إلا على تقدير: ربكم أعلم بالزمن الذي لبثتموه، وجملة:{قالُوا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{فَابْعَثُوا:} الفاء: هي الفصيحة. (ابعثوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب «امضوا» في الآية رقم [65] من سورة (الحجر). {أَحَدَكُمْ:}

مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. {بِوَرِقِكُمْ:} متعلقان بمحذوف حال من {أَحَدَكُمْ،} والكاف في محل جر بالإضافة. {هذِهِ:} اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر صفة (ورقكم)، والهاء حرف تنبيه لا محل له. {إِلَى الْمَدِينَةِ:} متعلقان بالفعل (ابعثوا)، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا لم تعلموا كم كان لبثكم؛ فابعثوا

إلخ. هذا؛ وإن اعتبرت الجملة معطوفة على جملة محذوفة مقرونة بالفاء الفصيحة؛ فالتقدير كما يلي: وإذا كان الحال كما ذكرنا. فدعوا التساؤل، وخذوا فيما هو أهم، وأجدى لنا في موقفنا، وابعثوا. فهو معنى جيد، وهذا الكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالُوا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{فَلْيَنْظُرْ:} الفاء: حرف عطف. (لينظر): مضارع مجزوم بلام الأمر، والفاعل يعود إلى {أَحَدَكُمْ،} وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. {أَيُّها:} اسم استفهام مبتدأ، و (ها): في محل جر بالإضافة، وأصل الكلام: أي: أهلها، فحذف كما في قوله تعالى:

{وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ} . {أَزْكى:} خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وفاعله مستتر فيه. {طَعاماً:} تمييز، والجملة الاسمية:{أَيُّها..} . إلخ في محل نصب مفعول به للفعل قبله المعلق عن العمل فهو طالب لهذه الجملة من حيث المعنى على معنى الحرف؛ لأن نظر يتعدى بواسطة حرف الجر، تقول: نظرت فيه، ونظرت إليه. هذا؛ وأجيز في:{أَيُّها} أن تكون موصوله بمعنى: الذي، و {أَزْكى} خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الذي هو أزكى، وهذه الجملة صلة الموصول، وعليه فالضمة للبناء، والمعتمد الأول. وانظر مثله في الآية رقم [7] وجملة:{فَلْيَنْظُرْ..} . إلخ معطوفة على جملة: {فَابْعَثُوا..} . إلخ على الوجهين المعتبرين فيها.

{فَلْيَأْتِكُمْ:} مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى {أَحَدَكُمْ} والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. {بِرِزْقٍ:} متعلقان بالفعل قبلهما. {مِنْهُ:} متعلقان بمحذوف صفة رزق، وجملة:{وَلْيَتَلَطَّفْ} معطوفة أيضا على ما قبلها. (لا): ناهية. {يُشْعِرَنَّ:} مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد التي هي حرف لا محل له، والفاعل، مستتر تقديره:«هو» ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا. {رَبُّكُمْ:} متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من {أَحَداً،} كان صفة له، على مثال ما رأيت في الآية رقم [9]. {أَحَداً:} مفعول به.

ص: 450

{إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً (20)}

الشرح: {إِنَّهُمْ} أي: أهل المدينة الكفار. {إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} أي: يطلعوا عليكم، أو يظفروا بكم. {يَرْجُمُوكُمْ} أي: بالحجارة. وقيل: يسبوكم، ويشتموكم، والأول: أقوى؛ لأن من عادتهم القتل بالحجارة لمن فارق ديانتهم، ومعبوداتهم الباطلة. {أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ} أي: يردوكم إلى عبادتهم كرها، وقسرا. {وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً:} إن دخلتم في ملتهم الفاسدة، وعبادتهم الباطلة. وانظر شرح {أَبَداً} في الآية رقم [3]. هذا؛ وإعلال:{يُعِيدُوكُمْ} و {تُفْلِحُوا} مثل إعلال: {تُوقِنُونَ} في الآية رقم [2] من سورة (الرعد) بلا فارق بينهما. هذا؛ و {مِلَّتِهِمْ} بكسر الميم: طريقتهم، وديانتهم، وهي بفتح الميم: الرماد الحار.

الإعراب: {إِنَّهُمْ:} حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. {إِنْ:} حرف شرط جازم.

{يَظْهَرُوا:} مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون

إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. {عَلَيْكُمْ:} متعلقان بما قبلهما. {يَرْجُمُوكُمْ:} مضارع جواب الشرط مجزوم مثل سابقه، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب:«إذا» الفجائية، و {إِنْ} ومدخولها في محل رفع خبر (إنّ).

{يُعِيدُوكُمْ:} معطوف على جواب الشرط، وهو مثله في إعرابه. {فِي مِلَّتِهِمْ:} متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. {وَلَنْ:} الواو: حرف عطف. (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال. {تُفْلِحُوا:} مضارع منصوب بلن، وعلامة نصبه حذف النون

إلخ، والواو فاعله.. إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على جملة جواب الشرط. {إِذاً:} حرف جواب، وجزاء مهمل لا عمل له. {أَبَداً:} ظرف زمان متعلق بما قبله. والجملة الاسمية:

{إِنَّهُمْ..} . إلخ في محل نصب مقول القول.

{وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا اِبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (21)}

الشرح: {وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ} أي: كما أنمناهم المدة الطويلة، وأيقظناهم؛ أطلعنا عليهم. هذا؛ و (أعثر) تعدية:«عثر» ، وأصل العثار في القدم، وأعثره: أطلعه على السر وغيره.

ص: 451

وانظر الآية رقم [107] من سورة (المائدة). {لِيَعْلَمُوا} أي: الناس الذين بعث أصحاب الكهف على عهدهم. {أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ} أي: بالبعث، والحساب، والجزاء، والمجازاة على العمل خيرا كان، أو شرا. {وَأَنَّ السّاعَةَ} أي: يوم القيامة. {لا رَيْبَ فِيها:} لا شك، ولا ارتياب في وقوعها وحصولها. {إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ} أي: يتخاصمون، ويتجادلون في أمر دينهم، ويختلفون في حقيقة البعث، والحشر، والنشور، فقد أنكره بعضهم، وبعضهم يقول: تبعث الأرواح دون الأجساد، وبعضهم يقول: تبعث الأجساد مع الأرواح، فقد أطلعهم الله على أصحاب الكهف؛ ليرتفع الخلاف، وليتبين: أنّ الأجساد، تبعث حية حساسة فيها أرواحها، كما كانت قبل الموت، وليوقن الناس: أن من توفى نفوس أهل الكهف، وأمسكها تلك المدة المتطاولة، حافظا على أبدانها عن التحلل، والتفتت، ثم أرسلها قادر على أنّ يتوفى نفوس جميع الناس ممسكا إياها إلى أن يحشر أبدانها، فيردها عليها.

هذا؛ وقيل: إن المتنازعين هم أصحاب الكهف أنفسهم؛ أي: اختلفوا في مدة لبثهم.

وليس بشيء. {فَقالُوا} أي: المتنازعون في شأنهم حين توفاهم الله، وقبض أرواحهم، والمراد:

بهم: الملك الصالح، والمسلمون معه. {اِبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً} أي: على باب كهفهم لئلا يتطرق إليهم الناس تكريما لهم، ومحافظة على تربتهم، كما حفظت تربة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحظيرة.

{رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ:} هذه الجملة من كلام المتنازعين بشأنهم في زمانهم، أو المتنازعين فيهم على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، كأنهم تذاكروا أمرهم، وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم ومدة لبثهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقة ذلك. قالوا:{رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ،} أو هو من كلام الله عز وجل ردّا لقول الخائضين في حديثهم. و {أَعْلَمُ:} بمعنى: عالم، وليس على بابه من التفضيل؛ لأن الله تعالى لا يشاركه في علمه أحد.

{قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ:} من المسلمين، وملكهم، وكانوا أولى بهم، وبالبناء عليهم:

{لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً} أي: على باب الكهف، يصلي فيه المسلمون، ويتبركون بمكانهم، ويعتبرون بهم. بينما قالت الطائفة الكافرة: تبني بيعة، أو مضيفا يأوي إليه الناس الغرباء. وقد غلب المسلمون، وبنوا ما أرادوا. وروي: أن الملك الصالح أراد أن يدفنهم في صندوق من ذهب، فأتاه آت منهم في المنام، فقال: أردت أن تجعلنا في صندوق من ذهب، فلا تفعل، فإنا قد خلقنا من التراب، وإليه نعود، فدعنا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ولا تنس: أنّ في قوله تعالى: {يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ} استعارة مكنية.

تنبيه: بعد أن، أوى الفتية إلى الكهف، وناموا نومتهم المتطاولة مات دقيانوس الكافر الذي ذكرت لك شأنه في الآية رقم [10] ومضت قرون على موته، وملك تلك المدينة رجل صالح، اسمه: بيدروس، فاختلف الناس في عهده في أمر الحشر، وبعث الأجساد من القبور، فشك في

ص: 452

ذلك بعض الناس، واستبعدوه. وقالوا: إنما تحشر الأرواح، والجسد تأكله الأرض. وقال بعضهم: تبعث الروح، والجسد جميعا. بينما يوجد في تلك البلدة من لا يؤمن ببعث، ولا بحساب، ولا بجنة، ولا بنار، فكبر ذلك على بيدروس، وبقي حيران لا يدري كيف يتبين أمره لهم، حتى لبس المسوح، وقعد على الرماد، وتضرع إلى الله تعالى في حجة، وبيان، فأيقظ الله أهل الكهف، كما رأيت، وبعثوا تمليخا ليشتري لهم طعاما، وزادا بورقهم التي كانت معهم، وهي من ضرب دقيانوس الجبار، وقد استنكر الناس شخصه، ودراهمه لبعد العهد، فحمل إلى الملك الصالح بيدروس، وبعد نقاش طويل، وأخذ وردّ عرف شأنه، وعرفه الناس أيضا، فقال الملك: فقد كنت أدعو الله تعالى أن يرينيهم، وسأل الفتى، فأخبره، فسرّ الملك بذلك. وقال لقومه: لعل الله قد بعث لكم آية، فلنسر إلى الكهف معه، فركب مع أهل المدينة إليهم، فلما قربوا من الكهف قال تمليخا: أنا أدخل عليهم لئلا يرعبوا، فدخل عليهم، وأعلمهم بالأمر، وأن الأمة أمة مسلمة، فروي: أنهم سروا بذلك، وخرجوا إلى الملك، وعظموه، وعظمهم، ثم رجعوا إلى كهفهم. وأكثر الروايات على أنهم ماتوا حين حدثهم تمليخا ميتة الحق، ورجع من كان شك في بعث الأجساد إلى اليقين. انتهى. قرطبي بتصرف.

بعد هذا انظر شرح (الوعد) في الآية رقم [31] من سورة (الرعد)، وشرح {السّاعَةَ} في الآية رقم [85] من سورة (الحجر)، وشرح {لا رَيْبَ} في الآية رقم [99] من سورة (الإسراء)، وشرح {الْحَقُّ} في الآية رقم [81] منها. هذا؛ ومسجد اسم مكان، وهو بكسر الجيم، والقياس فتحها لأن اسم المكان والزمان يكونان على وزن مفعل بفتح العين إن كانا مأخوذين من ماض ثلاثي يجيء مضارعه بفتح العين، أو ضمها، كمذهب، ومنظر، وبكسرها إن كانت عين المضارع مكسورة كمجلس ومنزل ومثلهما المصدر الميمي، وقد جاءت التلاوة بكسر العين كما ترى هنا وفي قوله تعالى:{وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} وكما خرج «مسجد» عن القياس خرج كثير مثل: المشرق، والمغرب، والمنبت، والمقسط، والمرفق، والمنخر، والمجزر، والمظنة مع أن مضارعها مضموم العين. والتحقيق: أنها أسماء نوعية، غير جارية على فعلها، وإلا فلا مانع من الفتح.

الإعراب: (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير:

أعثرنا الناس عليهم عثرا، أو عثارا كائنا مثل إنامتهم تلك المدة، وإيقاظهم منها. وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [19] ومفعول {أَعْثَرْنا} محذوف كما رأيت. {عَلَيْهِمْ:} متعلقان بالفعل قبلهما، والكلام معطوف على ما قبله لا محل له. {لِيَعْلَمُوا:} مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون

إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {أَنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {وَعْدَ:} اسمها، وهو مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه.

ص: 453

من إضافة المصدر لفاعله، ومفعولاه محذوفان. {حَقٌّ:} خبرها، و {أَنَّ} واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل قبله. {لا رَيْبَ فِيها} انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [99] من سورة (الإسراء)، والجملة الاسمية في محل رفع خبر {أَنَّ،} والمصدر المؤول معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مثله.

{إِذْ:} ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: {أَعْثَرْنا} وهو بمعنى: حين، أو وقت. {يَتَنازَعُونَ:} مضارع مرفوع

إلخ، والواو فاعله. {بَيْنَهُمْ:} ظرف مكان متعلق بما قبله. {أَمْرَهُمْ:} مفعول به، أو هو منصوب على نزع الخافض؛ أي: في أمرهم، والناصب له عند البصريين الفعل، وعند الكوفيين النزع. والهاء فيهما في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {إِذْ} إليها. {اِبْنُوا:} أمر مبني على حذف النون

إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. {عَلَيْهِمْ:} متعلقان به. {بَنَيْنا:} مفعول به؛ وقيل: مفعول مطلق، والأول: أقوى؛ لأنه بمعنى: عمارة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:{فَقالُوا..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. {رَبُّهُمْ:} مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {أَعْلَمُ:} خبر المبتدأ، وفاعله مستتر فيه. {رَبُّهُمْ:} متعلقان ب: {أَعْلَمُ،} والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، إن كانت من قول المتنازعين، ومعترضة إن كانت من مقول الله تعالى.

{قالَ:} ماض. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة:

{غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ:} صلة الموصول، لا محل لها، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{لَنَتَّخِذَنَّ:} اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (نتخذن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره:«نحن» .

{عَلَيْهِمْ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من {مَسْجِداً} على مثال ما رأيت فيما مضى. {مَسْجِداً:} مفعول به، والجملة الفعلية:{لَنَتَّخِذَنَّ..} . إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم المحذوف وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ الَّذِينَ..} .

إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (22)}

الشرح: {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ:} المراد بواو الجماعة: أهل الكتاب، والمسلمون، وذلك: أنهم اختلفوا في عدد أهل الكهف هذا الاختلاف المنصوص. وقيل:

ص: 454

المراد به: النصارى، فإن جماعة من أهل نجران حضروا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجرى ذكر أصحاب الكهف، فقالت اليعقوبية، كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم. وقالت النسطورية: كانوا خمسة سادسهم كلبهم. وقال المسلمون: كانوا سبعة ثامنهم كلبهم. {رَجْماً بِالْغَيْبِ:} رميا بالخبر الخفي الذي لا مطلع لهم عليه. ففيه استعارة، أو ظنا بالغيب، والرجم: القول بالظن، يقال لكل ما يخرص ويخمن: رجم فيه، ومرجوم، ومرجم. قال زهير بن أبي سلمى المزني:[الطويل]

وما الحرب إلاّ ما علمتم وذقتم

وما هو عنها بالحديث المرجّم

ومثله قوله تعالى في سورة (سبأ) رقم [53]: {وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ} .

{قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ:} أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أن يرد علم عدتهم إليه عز وجل، ثم أخبر: أن عالم ذلك من البشر قليل، فقال:{ما يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ} فقال ابن عباس-رضي الله عنهما: أنا من ذلك القليل، كانوا سبعة، وثامنهم كلبهم، ثم ذكر السبعة بأسمائهم، وهم:

مكسلمينا، ويمليخا، ومرطونس، وبينونس، وسارينونس، وذو نوانس، وكشفيططنونس، وهو الراعي، واسم كلبهم قطمير. وقيل في تسميتهم غير ذلك.

{فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِراً} أي: لا تجادل في أصحاب الكهف إلا بظاهر ما قصصنا عليك، فقف عنده، ولا تزد عليه. وقيل: معنى المراء الظاهر أن تقول: ليس كما تقولون، ونحو هذا. وفي هذا دليل على أن الله تعالى لم يبين عددهم لأحد. {وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً} أي: لا تسأل أحدا من أهل الكتاب عن قصة أهل الكهف، ولا عن عدتهم. وفي هذا دليل على منع المسلمين من مراجعة أهل الكتاب في شيء من العلم. انتهى خازن، وقرطبي بتصرف.

هذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-والواو في قوله: {وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} طريق النحويين: أنها واو العطف دخلت في آخر إخبار عن عددهم لتفصل أمرهم، وتدل على أنّ هذا غاية ما قيل، ولو سقطت لصح الكلام. وقالت فرقة منهم ابن خالويه: هي واو الثمانية. وحكى الثعلبي عن أبي بكر بن عياش: أن قريشا كانت تقول في عددها: ستة، سبعة، وثمانية، فتدخل الواو في الثمانية. وحكى نحوه القفال، فقال: إن قوما قالوا: العدد ينتهي عند العرب إلى سبعة، فإذا احتيج إلى الزيادة عليها، استأنف خبر آخر بإدخال الواو، كقوله تعالى:{التّائِبُونَ الْعابِدُونَ..} . ثم قال: {وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ} الآية رقم [112] من سورة (التوبة). وانظر ما ذكرته في الآية رقم [80] من سورة (التوبة) أيضا.

وقال القرطبي: يدل عليه أنه تعالى لما ذكر أبواب جهنم: {حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها} الآية رقم [71] من سورة (الزمر) بلا واو، ولما ذكر الجنة. قال:{وَفُتِحَتْ أَبْوابُها} بالواو، الآية رقم [73] من سورة (الزمر). وقال:{خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ..} . ثم قال: {وَأَبْكاراً} الآية رقم [5]

ص: 455

من سورة (التحريم)، فالسبعة نهاية العدد عندهم كالعشرة الآن عندنا، انظر الآية رقم [80] من سورة (التوبة).

قال القشيري أبو نصر: ومثل هذا الكلام تحكم، ومن أين السبعة نهاية عندهم؟! ثم هو منقوض بقوله تعالى:{هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبّارُ الْمُتَكَبِّرُ} ولم يذكر الاسم الثامن بالواو. وقال قوم ممن صار إلى أن عددهم سبعة: إنما ذكر الواو في قوله: {سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ} لينبه على أنّ هذا العدد هو الحق، وأنه مباين للأعداد الأخر؛ التي قال فيها أهل الكتاب، ولهذا قال في الجملتين المتقدمتين:{رَجْماً بِالْغَيْبِ} ولم يذكره في الجملة الثالثة، ولم يقدح فيها بشيء، فكأنه قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: هم سبعة، وثامنهم كلبهم. انتهى قرطبي.

هذا؛ وقد قال ابن هشام في مغنيه: واو الثمانية ذكرها جماعة من الأدباء كالحريري، ومن النحويين الضعفاء كابن خالويه، ومن المفسرين كالثعلبي، وزعموا: أن العرب إذا عدوا. قالوا:

ستة، سبعة، وثمانية إيذانا بأن السبعة عدد تام، وأن ما بعدها عدد مستأنف، واستدلوا على ذلك بآيات، وذكر ما ذكرته لك سابقا، وفنّد قولهم. وقال: لا يرضاه نحويّ؛ لأنه لا يتعلق به حكم إعرابيّ، ولا سرّ معنوي، وعاب على أبي البقاء على إمامته في النحو القول في آية التوبة بقول الضعفاء. انتهى.

الإعراب: {سَيَقُولُونَ:} السين: حرف استقبال، وهو مفيد تقوية الكلام، وتحقيقه.

(يقولون): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله.

{ثَلاثَةٌ:} خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم ثلاثة. {رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ:} مبتدأ، وخبر، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم في الجميع حرف دال على جماعة الذكور، والجملة الاسمية في محل رفع صفة {ثَلاثَةٌ}. وقيل: هي في محل نصب حال، ولا وجه له. وجملة: «هم ثلاثة

» إلخ المقدرة في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية:{سَيَقُولُونَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة:{وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ} معطوفة عليها، لا محل لها، وإعرابها مثلها. {رَجْماً:} مفعول مطلق لفعل محذوف؛ أي: يرجمون رجما. وقيل: عاما (يقولون)؛ لأن القول والرجم واحد. وقيل: هو مصدر في موضع الحال؛ أي: راجمين.

{بِالْغَيْبِ:} متعلقان ب: {رَجْماً،} أو بمحذوف صفة له. {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ..} . إلخ: الواو أي:

الواقعة قبل (ثامنهم). قيل: هي حرف عطف. وقيل: هي واو الحال، وعلى هذا يقدر المبتدأ اسم إشارة؛ أي: هؤلاء سبعة ليكون في الكلام ما يعمل في الحال، ويردّ ذلك: أنّ حذف عامل الحال إذا كان معنويا ممتنع. وانظر قول من قال: إنها واو الثمانية، والمعتمد أنها زائدة مؤكدة للصوق الصفة بالموصوف، والجملة الاسمية:{وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} تابعة للقول بالواو. {قُلْ:}

ص: 456

أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» . {رَبِّي:} مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع

إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. {أَعْلَمُ:} خبر المبتدأ، وفاعله مستتر فيه. {بِعِدَّتِهِمْ:} متعلقان ب: {أَعْلَمُ،} والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {رَجْماً:} نافية. {يَعْلَمُهُمْ:} مضارع والهاء في محل نصب مفعول به. {إِلاّ:} حرف حصر. {قَلِيلٌ:} فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الضمير فقط، والجملة الاسمية:{رَبِّي..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قُلْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {فَلا:} الفاء: هي الفصيحة.

(لا): ناهية. {تُمارِ:} مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» . {فِيهِمْ:} متعلقان بالفعل قبلهما. {إِلاّ:} حرف حصر. {مِراءً:} مفعول مطلق. {ظاهِراً:} صفته، وجملة:{فَلا تُمارِ..} . إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا وصحيحا فلا

إلخ، وجملة:{وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ} معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق.

{ثامِنُهُمْ:} متعلقان بمحذوف حال من {أَحَداً،} كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا

إلخ. {أَحَداً:} مفعول به، والكلام {فَلا تُمارِ..} . إلخ كله في محل نصب مقول القول.

{وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (23)}

الشرح: قال ابن عباس-رضي الله عنهما: إن قريشا اجتمعوا. وقالوا: إن محمدا نشأ فينا بالأمانة، والصدق، وما اتهمناه بكذب قط، وقد ادعى ما ادعى، فابعثوا نفرا إلى اليهود بالمدينة، واسألوهم عنه، فإنهم أهل كتاب، فبعثوا جماعة إليهم، فقالت اليهود: سلوه عن ثلاثة أشياء، فإن أجاب عن كلها، أو لم يجب عن شيء منها، فليس بنبي، وإن أجاب عن اثنتين، ولم يجب عن واحدة فهو نبي. فاسألوه عن فتية فقدوا في الزمن الأول: ما كان شأنهم؟ فإنه كان لهم شأن عجيب! وعن رجل بلغ مشرق الأرض ومغربها ما خبره؟ وعن الروح.

قال: فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أخبركم بما سألتم عنه غدا، ولم يقل: إن شاء الله، فلبث الوحي. قال مجاهد: اثني عشر يوما. وقيل: خمسة عشر يوما. وقيل: أربعين يوما، وأهل مكة يقولون: قد وعدنا محمد غدا، وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيء، حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكث الوحي، وشقّ عليه ما يقوله أهل مكة، ثم نزل جبريل عليه السلام بقوله تعالى:{وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ..} .

إلخ الآية، ونزل في الفتية:{أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ..} . إلخ الآية رقم [9] وما بعدها من هذه السورة، ونزل في الروح:{وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ..} . إلخ الآية رقم [85] من سورة (الإسراء). انتهى. خازن في سورة (الإسراء)، ونزل في الرجل الذي بلغ مشرق الأرض ومغربها الآية رقم [83] وما بعدها.

ص: 457

هذا؛ وأضيف: أنه كان أشد الناس سخرية واستهزاء به صلى الله عليه وسلم أم قبيح امرأة عمه أبي لهب، فكانت تقول له: إني لأرجو أن يكون شيطانك قد قلاك، وهجرك. فنزل جبريل بما ذكرت، وبسورة الضحى، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام؛ قال له:«يا أخي ما حبسك عني؟ لقد اشتقت إليك!» فقال جبريل: إني كنت أشد شوقا إليك، ولكني عبد مأمور، ونزل قوله تعالى:

{وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ..} . إلخ الآية رقم [63] من سورة (مريم) عليها السلام. انتهى خازن من تفسير سورة (الضحى) بتصرف مني.

بعد هذا انظر {الْقَوْلُ} في الآية رقم [16] من سورة (الإسراء)، وشرح {شَيْءٍ} في الآية رقم [35] من سورة (النحل)، وأما {غَداً} فهو اليوم الذي بعد يومك على الأثر، وأصله: غدو، فحذفت منه الواو لغير علة تصريفية، وهو ما يسمى الحذف اعتباطا، وقد ردها لبيد بن ربيعة الصحابي-رضي الله عنه-في قوله:[الطويل]

وما النّاس إلاّ كالدّيار وأهلها

بها يوم حلّوها وغدوا بلاقع

الإعراب: {وَلا:} الواو: حرف عطف، أو استئناف. (لا): ناهية جازمة. {تَقُولَنَّ:}

مضارع مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له في محل جزم ب:(لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» ، والجملة الفعلية معطوفة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. إني: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. {فاعِلٌ:} خبر (إنّ)، وفاعله مستتر فيه. {ذلِكَ:} اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به لاسم الفاعل قبله، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {غَداً:} ظرف زمان متعلق ب: {فاعِلٌ،} والجملة الاسمية: {إِنِّي فاعِلٌ..} . إلخ في محل نصب مقول القول.

{إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَاُذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً (24)}

الشرح: {إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ:} فالمعنى: إذا عزمت على فعل شيء؛ فقل: إن شاء الله، ولا تقله بغير ذكر المشيئة. وقال ابن عطية: في الكلام حذف يقتضيه الظاهر، ويحسنه الإيجاز، تقديره: إلا أن تقول إلا أن يشاء الله، أو إلا أن تقول: إن شاء الله. وما قاله هو قول الكسائي، والفراء، والأخفش. وقال البصريون: المعنى: إلا بمشيئة الله. فإذا قال الإنسان: أنا أفعل هذا إن شاء الله؛ فمعناه بمشيئة الله.

{وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ} أي: نسيت الاستثناء، فقل: إن شاء الله. وقال البيضاوي: ويجوز أن يكون المعنى: واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت الاستثناء مبالغة في الحث عليه. أو

ص: 458

اذكر ربك، وعقابه إذا تركت بعض ما أمرك به؛ ليبعثك على التدارك، واذكره إذا اعتراك النسيان لتذكر المنسي. انتهى.

{وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ..} . إلخ: أي: قل: أرجو أن يثبتني، أو يدلني على طريق هو أقرب، وأرشد، وأظهر دلالة من خبر أصحاب الكهف، وخبر ذي القرنين! وقد هداه الله لأعظم من ذلك كقصص الأنبياء المتباعد عنه أيامهم من لدن آدم إلى عهده، والأخبار بالمغيبات، والحوادث النازلة في الأعصار المستقبلة إلى قيام الساعة، وهو كثير لا يعدّ، ولا يحصى.

تنبيه: قوله تعالى: {إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ} يطلق عليه اسم الاستثناء. وانظر ما ذكرته آنفا، فينبغي لكل مسلم أن يقوله عند العزم على عمل من الأعمال، وهو عند الشافعي للتبرك، وعند أبي حنيفة تعليق. ويطلق الاستثناء أيضا على ما يستثنيه المسلم في تصرفاته كلها من طلاق، وعتاق، وإقرار بالديون، والحقوق، كقوله: لفلان عليّ ألف إلا مائة، ونحو ذلك. فجوزه ابن عباس-رضي الله عنهما-منقطعا، ولو بعد سنة. وجمهور الفقهاء على خلافه، ولو أخذنا بقوله لم يتقرر إقرار، ولا طلاق، ولا عتاق. هذا؛ وفسر الاستثناء المنسي بأمور كثيرة، والمعتمد ما ذكرته لك.

هذا؛ والنسيان: مصدر نسيت الشيء أنساه، وهو مشترك بين معنيين: أحدهما: ترك الشيء عن ذهول، وغفلة، والثاني: عن تعمد، وقصد، وما هنا من الأول، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {إِلاّ:} أداة استثناء، والمصدر المؤول من:{أَنْ يَشاءَ اللهُ} في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: إلا قائلا إن شاء الله. على قول الكسائي، والفراء، والأخفش، وهو حل معنى كما ترى، وهو في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، التقدير: إلا ملتبسا بمشيئة الله، وهو قول البصريين، وهو أصح معنى، وأقوى سبكا. {وَاذْكُرْ:} أمر، وفاعله مستتر فيه. {رَبَّكَ:} مفعول به، والكاف في محل جرّ بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {إِذا:} ظرف زمان متعلق بالفعل قبله مبني على السكون في محل نصب. {نَسِيتَ:} فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف، التقدير: إذا نسيت ذكره، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة. {إِذا} إليها، وجملة:

{وَاذْكُرْ..} . إلخ معطوفة على جملة: {وَلا تَقُولَنَّ..} . إلخ لا محل لها مثلها.

{وَقُلْ:} أمر، وفاعله مستتر. {عَسى:} فعل ماض جامد. {أَنْ:} حرف مصدري ونصب. {يَهْدِيَنِ:} مضارع منصوب ب: {أَنْ،} والنون للوقاية، وياء المتكلم، وهي المفعول به محذوفة، {رَبِّي:} فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم

إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله

إلخ. و {أَنْ} والمضارع في تأويل مصدر في محل رفع فاعل {عَسى} . وقيل: اسم {عَسى} ضمير، تقديره:«هو» ، وهو غير صحيح قطعا، وجملة:{عَسى..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{وَقُلْ..} . إلخ

ص: 459

معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. {لِأَقْرَبَ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للصفة ووزن:«أفعل» . {مِنْ:}

حرف جر. {هذا:} اسم إشارة مبني على السكون في محل جر ب: {مِنْ،} والهاء حرف تنبيه لا محل له، والجار والمجرور متعلقان ب:(أقرب). {رَشَداً:} تمييز. وقيل: مفعول مطلق على تفسيره ب: «هداية» ، وهو ضعيف.

{وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَاِزْدَادُوا تِسْعاً (25)}

الشرح: {وَلَبِثُوا..} . إلخ: أي: أقاموا في كهفهم. قال الخازن: قيل: هذا خبر عن قول أهل الكتاب، ولو كان خبرا من الله عن قدر لبثهم، لم يكن لقوله:{قُلِ اللهُ أَعْلَمُ..} . إلخ وجه، وقد رد قولهم به. والأصح: أنه إخبار من الله تعالى عن قدر لبثهم في الكهف، ويكون المعنى:

إن نازعوك في مدة لبثهم في الكهف فقل أنت: الله أعلم منكم، وقد أخبر بمدة لبثهم. وقيل: إن أهل الكتاب قالوا: إن المدة من حين دخلوا الكهف إلى يومنا هذا، وهو اجتماعهم بالنبي صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وتسع سنين فرد الله عليهم بذلك. وقال {قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا} يعني بعد قبض أرواحهم إلى يومنا هذا لا يعلمه إلا الله تعالى. انتهى.

هذا؛ و {ثَلاثَ مِائَةٍ} المراد: السنوات الشمسية، وهي بالقمرية تزيد تسع سنين، والمسلمون يعتمدون عليها في عبادتهم، ومعاملاتهم، وعدد نسائهم، وفي جميع أحوالهم، وتصرفاتهم.

هذا، ويقرأ بتنوين «مائة» ، وبغير تنوين بالإضافة لسنين، وهو ضعيف في الاستعمال؛ لأن «مائة» تضاف إلى المفرد. قال ابن مالك رحمه الله في ألفيته:[الرجز]

ومائة والألف للفرد أضف

ومائة بالجمع نزرا قد ردف

وهو محمول على الأصل، والأصل إضافة العدد إلى الجمع، ويقوي ذلك أن علامة الجمع هنا جبر لما دخل السنة من الحذف، فإنها تتمة الواحد. انتهى عكبري. والذي حذف من السنة هو لامها كما هو معروف في الإعلال وهل أصلها سنة، أو سنو؟ خلاف، وجمعها على الأول: سنهات وعلى الثاني: سنوات. وكلاهما جمع مؤنث سالم، والنسبة إليها سنوي، أو سنهي، وتجمع بالواو، والنون، أو بالياء والنون على أنها ملحقة بجمع المذكر السالم، كما في الآية الكريمة، وكثير غيرها، وكسرت السين في سنين؛ لتدل على أنه جمع على غير الأصل؛ لأن كل ما جمع جمع السلامة، لا يتغير فيه بناء الواحد، فلما تغير بناء الواحد في هذا الجمع بكسر أوله، وقد كان مفتوحا في الواحد، علم: أنه جمع على غير أصله؛ لذا فإنه يلحق بجمع المذكر السالم إلحاقا.

الإعراب: {وَلَبِثُوا:} الواو: حرف استئناف. (لبثوا): ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. {فِي كَهْفِهِمْ:} متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {ثَلاثَ:}

ص: 460

ظرف زمان متعلق بالفعل (لبثوا) و {ثَلاثَ:} مضاف، و {مِائَةٍ:} مضاف إليه. {سِنِينَ:} بدل من {ثَلاثَ} أو عطف بيان عليه، وأجاز قوم اعتباره تابعا ل:«مائة» بما ذكرته، وضعفه ابن هشام؛ لأنه إذا أقيم مقام «مائة» فسد المعنى. هذا؛ وعلى قراءته بالإضافة فهو تمييز مجرور لفظا، منصوب محلا، وعلامة النصب، أو الجر على جميع الاعتبارات الياء نيابة عن الفتحة أو عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.

{وَازْدَادُوا:} ماض، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.

{تِسْعاً:} مفعول به، واكتفى به مع أنّ «زاد» ينصب مفعولين، كما رأيت في الآية رقم [41] من سورة (الإسراء)؛ لأنه لما نقل إلى باب «افتعل» نقص واحدا، واعتباره تمييزا أجازه قوم.

{قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26)}

الشرح: {قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا:} تقدم: أن هذه الجملة، ردّ لما كان اليهود يزعمونه من لبث أهل الكهف، و {أَعْلَمُ} بمعنى: عالم، وليس على بابه. {لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} أي:

إنه سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء من أحوال أهل السموات والأرض، فإنه العليم الخبير البصير بذلك وحده، فكيف يخفى عليه حال أصحاب الكهف؟! والغيب: ما غاب عن الإنسان، ولم تدركه حواسه. قال الشاعر المسلم:[الطويل]

وبالغيب آمنّا وقد كان قومنا

يصلّون للأوثان قبل محمّد

{أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} معناه: ما أبصر الله بكل موجود، وأسمعه بكل مسموع! لا يغيب عن بصره وسمعه شيء، يدرك البواطن، كما يدرك الظواهر، والقريب والبعيد، والمحجوب، وغيره، لا تخفى عليه خافية، وهو السميع البصير. {ما لَهُمْ:} ما لأهل السموات والأرض.

{مِنْ دُونِهِ:} من دون الله. {وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ:} لا يشرك الله علم غيبه. وقيل في قضائه {أَحَداً} من خلقه. هذا؛ وقرئ: «(لا تشرك

)» إلخ بتاء المضارعة، والنهي للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد: به كل واحد. هذا؛ و (الولي) بمعنى: النصير، والمعين، والمتولي شئون غيره.

الإعراب: {قُلِ:} أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» . {اللهُ أَعْلَمُ:} مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. {بِما:} الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. {لَبِثُوا:}

ماض، وفاعله، و (ما) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان ب:{أَعْلَمُ،} وفاعله مستتر؛ إذ التقدير: أعلم بلبثهم. وقيل: (ما) اسم موصول مجرور، التقدير: أعلم بالزمن الذي لبثوه، وجملة:{قُلِ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {اللهُ:} متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {غَيْبُ:} مبتدأ مؤخر، و (غيب): مضاف، و {السَّماواتِ:} مضاف إليه.

ص: 461

{وَالْأَرْضِ:} معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية:{اللهُ..} . إلخ في محل نصب مقول القول أيضا. {أَبْصِرْ:} ماض جامد أتى على صيغة الأمر، بمعنى: ما أبصره، والهاء عائدة على الله، وهي الفاعل، والباء الجارة مزيدة فيه إصلاحا للفظ. وقيل: إن الفاعل ضمير المصدر. وقيل:

هو ضمير المخاطب؛ أي: أوقع الأبصار أيها المخاطب. وقيل: هو أمر حقيقة لا تعجب، وإن الهاء تعود على الهدى المفهوم من الكلام ويعزى هذا القول للزجاج. والمعتمد الأول: من كل هذه الوجوه. {وَأَسْمِعْ:} معطوف على ما قبله، وهو مثله فيما رأيت، وقد حذف المتعجب منه، وهو الفاعل لزوما لدليل، وهو عطفه على {أَبْصِرْ بِهِ} المذكور معه مثل ذلك المحذوف، ومثله قوله تعالى:{أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا} الآية رقم [38] من سورة (مريم)، ومثل الآيتين -ولا ثالثة لهما-قول الشاعر:[الرجز]

أعزز بنا وأكف إن دعينا

يوما إلى نصرة من يلينا

وأيضا قول الآخر: [الطويل]

ومستبدل من بعد غضبى صريمة

فأحر به من طول فقر وأحريا

فإن التقدير في الأول: وأكف بنا، وفي الثاني: وأحريا به. والكلام: {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} كله في محل نصب مقول القول، وإن اعتبرته مستأنفا فلست مفندا. {بِما:} نافية. {لَهُمْ:}

متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {مِنْ دُونِهِ:} متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو بالخبر المحذوف نفسه، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من {وَلِيٍّ،} كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا

إلخ، والمحققون لا يجيزون مجيء الحال من المبتدأ. {مِنْ:} حرف جر صلة. {وَلِيٍّ:} مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي في محل نصب مقول القول. {وَلا:} الواو: حرف عطف. لا: نافية. {يُشْرِكُ:} مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). {فِي حُكْمِهِ:} متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة.

{أَحَداً:} مفعول به، وجملة:{وَلا يُشْرِكُ..} . إلخ معطوفة على الجملة الاسمية قبلها. هذا؛ وعلى قراءة النهي فالجملة الفعلية معطوفة على جملة: {قُلِ اللهُ..} . إلخ لا محل لها مثلها.

{وَاُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (27)}

الشرح: {وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ:} هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: اقرأ يا محمد ما أنزل الله إليك من القرآن، وآياته، ولا تلتفت لقول المشركين، والكافرين:{اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ} وأعرض أيضا عما يتقولونه في أصحاب الكهف. {لا مُبَدِّلَ}

ص: 462

لِكَلِماتِهِ: لا أحد يبدل شيئا منها بما هو أصدق وأعدل أو لا أحد يقدر أن يحرفها، كما فعل بالتوراة، والإنجيل من التحريف، والتغيير، والتبديل والتزييف. {وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ:} من دون الله. {مُلْتَحَداً:} ملجأ تلجأ إليه، وملاذا تلوذ به.

الإعراب: {وَاتْلُ:} الواو: حرف عطف. (اتل): أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنت» .

{ما:} اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. {أُوحِيَ:}

ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى {ما،} وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة {ما،} أو صفتها. {إِلَيْكَ:} متعلقان بالفعل قبلهما. {مِنْ كِتابِ:} متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، و (من) بيان لما أبهم في:(ما) و {كِتابِ:} مضاف، و {رَبِّكَ:} مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة:{وَاتْلُ..} . إلخ معطوفة على جملة: {قُلِ..} . إلخ لا محل لها مثلها.

{لا:} نافية للجنس تعمل عمل «إنّ» . {مُبَدِّلَ:} اسم {لا} مبني على الفتح في محل نصب.

{لِكَلِماتِهِ:} متعلقان بمحذوف خبر {لا،} والجملة الاسمية: {لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ} في محل نصب حال من (ربك)، والرابط: الضمير فقط. {وَلَنْ:} الواو: حرف استئناف. (لن): حرف نفي ونصب، واستقبال. {تَجِدَ:} مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» . {مِنْ دُونِهِ:}

متعلقان بما بعدهما، أو بمحذوف حال منه، كان صفة له

إلخ، والهاء في محل جر بالإضافة. {مُلْتَحَداً:} مفعول به، والجملة الفعلية:{وَلَنْ تَجِدَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{وَاِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاِتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28)}

الشرح: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ:} احبسها، وثبتها. وانظر (الصبر) في الآية رقم [24 - من سورة (الرعد). وشرح {النَّفْسَ} في الآية رقم [53] من سورة (يوسف) عليه السلام. {مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ:} يعبدون ربهم، ويتضرعون إليه. {بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ} أي: طرفي النهار. وقيل: المراد:

صلاة العصر، والفجر. والأولى حملها على جميع أوقاتهم، بل وعلى كل الحالات. هذا؛ والعشي، ومثله: عشية، ويراد بهما الوقت من صلاة المغرب إلى العتمة، وهو قول الجوهري.

وقال: قلت: وقال الأزهري: العشي: ما بين زوال الشمس، وغروبها. انتهى. وهذا هو المعتمد.

والغداة: الضحوة الكبرى، وقد قوبل العشي بالإبكار في الآية رقم [41] من سورة (آل عمران) ومثلها الآية رقم [11] من سورة (مريم) عليها السلام، كما قوبل البكرة بالأصيل في الآية رقم [5] من سورة (الفرقان) وانظر الآية رقم [16] من سورة (الرعد) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.

ص: 463

{يُرِيدُونَ وَجْهَهُ:} يريدون طاعته، ورضاه، وذلك بإخلاص العبادة له. وانظر (الإرادة) في الآية رقم [40] من سورة (النحل). {وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ:} لا تنصرف عيناك عنهم، وهو بمعنى: لا تصرف عينيك عنهم، فالفعل مسند إلى العينين، وهو في الحقيقة موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

ويزيدك وضوحا قول الزجاج: إن المعنى: لا تصرف بصرك عنهم إلى غيرهم من ذوي الهيئات، والزينة، وهو على فرض التقدير، مثل قوله تعالى:{لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ،} والشرك محال في حقه صلى الله عليه وسلم. وانظر شرح {الْحَياةِ الدُّنْيا} في الآية رقم [107] من سورة (النحل).

تنبيه: قال ابن هشام في مغنيه: إن الفعل {وَلا تَعْدُ} متعد، وقد جاء لازما هنا؛ لأنه بمعنى:(لا تنب عيناك عنهم) وأورد قول ذي الرمة وهو الشاهد رقم [920] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» : [الطويل]

وإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها

إلى الضّيف يجرح في عراقيبها نصلي

فإنه قال: ضمّن «يجرح» معنى: «يفسد» ولذا جاء لازما. وقال الزمخشري: ألا ترى كيف رجع معنى قوله تعالى: {وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ} إلى قولك: ولا تقتحم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم، وقوله تعالى:{وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ} أي: لا تضموها إليها آكلين، وكل ما ذكر إنما هو من باب التضمين؛ الذي هو إشراب لفظ معنى لفظ آخر، فيعطونه حكمه، وفائدته أن تؤدي كلمة مؤدى كلمتين. وانظر الشاهد رقم [1166] من كتابنا:«فتح القريب المجيب» ، وهو للفرزدق:[الرجز]

كيف تراني قالبا مجنّي

قد قتل الله زيادا عنّي

{وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا} أي: جعلنا قلبه غافلا لا يقبل الهدى، ولا ينتفع بآيات القرآن، و (الذّكر) يطلق على التوحيد، والإيمان، وعلى القرآن، ومحال أن يطيع الرسول صلى الله عليه وسلم المطبوع على قلوبهم، فهو مثل سابقه، وفيه دليل على أنّ الله خالق للعبد وعمله، خلافا للمعتزلة. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [27] من سورة (الرعد). {وَاتَّبَعَ هَواهُ} أي: ما تزينه له نفسه من الشرك، وطلب الشهوات الدنيئة، {وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً:} ضياعا، ضيع أمره، وعطل حياته. وقيل: ندما. وقيل: سرفا وباطلا. هذا؛ والفرط بفتحتين ما يتقدم غيره إلى الشيء، فعليه يكون المعنى متقدما على الباطل، وجريئا على ارتكابه، وإقحام نفسه فيه. هذا؛ وانظر شرح:

{هَواهُ} في الآية رقم [43] من سورة (إبراهيم) عليه السلام.

تنبيه: جاء في القرطبي، والخازن، وغيرهما: أن الآية نزلت في عيينة بن حصن الفزاري، والأقرع بن حابس التميمي، وغيرهما، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده جماعة من الفقراء، منهم سلمان الفارسي-رضي الله عنه-وعليه شملة من صوف قد عرق فيها، وبيده خوص يشقه، وينسجه، فقال عيينة للنبي صلى الله عليه وسلم: أما يؤذيك ريح هؤلاء، ونحن سادات مضر، وأشرافها إن أسلمنا أسلم

ص: 464

الناس، وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء، فنحّهم حتى نتبعك، أو اجعل لنا مجلسا، فأنزل الله الآية، وما قبلها، وما بعدها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك:«الحمد لله الّذي جعل في أمّتي من أمرت أن أصبّر نفسي معهم» .

أقول: وهذا يعني: أن الآيات مدنية، ولم يقل بذلك غير الجلال رحمه الله تعالى، بينما أجمع المفسرون على: أنّ سورة (الكهف) بكاملها مكية. وإذا رجعنا إلى الآية رقم [52] من سورة (الأنعام) وفهمنا فحوى الآيتين هنا وهناك عرفنا: أن ذلك كان في مكة قبل الهجرة، وأن الذين طلبوا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم هم زعماء قريش، والذي أغفل الله قلبه عن اتباع الحق هو أمية بن خلف، ومن على شاكلته من زعماء قريش. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ولا تنس: ما ذكر الله عن قوم نوح في هذا الصدد في الآية رقم [27] من سورة (هود) على نبينا وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين ألف صلاة وأتم تسليم.

الإعراب: {وَاصْبِرْ:} الواو: حرف عطف. (اصبر): أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» .

{نَفْسَكَ:} مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. {مَعَ:} ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و {مَعَ:} مضاف، و {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة:

{يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} صلة الموصول، لا محل لها. {بِالْغَداةِ:} متعلقان بالفعل قبلهما.

{وَالْعَشِيِّ:} معطوف على ما قبله. وجملة: {وَاصْبِرْ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها في الآيتين السابقتين لا محل لها مثلهما، وجملة:{يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط. {وَلا:} الواو: حرف عطف. لا: ناهية جازمة. {تَعْدُ:} مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها. {عَيْناكَ:} فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والكاف في محل جر بالإضافة. {عَنْهُمْ:} متعلقان بما قبلهما، وجملة:{وَلا تَعْدُ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. {تُرِيدُ:} مضارع والفاعل مستتر تقديره: «أنت» .

{زِينَةَ:} مفعول به، وهو مضاف، و {الْحَياةِ} مضاف إليه. {الدُّنْيا:} صفة الحياة مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة:{تُرِيدُ..} . إلخ في محل نصب حال من كاف الخطاب، وصح مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأن المضاف جزؤه. قال ابن مالك رحمه الله في ألفيته:[الرجز]

ولا تجز حالا من المضاف له

إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله

أو كان جزء ماله أضيفا

أو مثل جزئه فلا تحيفا

{وَلا تُطِعْ:} مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل: أنت. {مَنْ:} اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة:{أَغْفَلْنا قَلْبَهُ} صلة {مَنْ} أو

ص: 465

صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالإضافة. {عَنْ ذِكْرِنا:} متعلقان بما قبلهما، و (نا): في محل جر بالإضافة، وجملة:{وَلا تُطِعْ مَنْ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها، وجملة:{وَاتَّبَعَ هَواهُ} معطوفة على جملة: {أَغْفَلْنا..} . على الوجهين المعتبرين فيها. وأيضا جملة: {وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} معطوفة عليها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

{وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (29)}

الشرح: {وَقُلِ الْحَقُّ}

{فَلْيَكْفُرْ} أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا:

من ربكم الحق، وإليه التوفيق والخذلان، وبيده الهدى والضلال، وليس إلي من ذلك شيء، فالله يهدي إلى الحق من يشاء، وإن كان ضعيفا، ويحرمه من يشاء، وإن كان غنيا قويا، ولست بطارد المؤمنين لهواكم، فإن شئتم فآمنوا، وإن شئتم فاكفروا، وليس هذا بترخيص، وتخيير بين الإيمان، والكفر، وإنما هو وعيد وتهديد؛ أي: إن كفرتم فلكم النار، وإن آمنتم فلكم الجنة. انتهى قرطبي، وخازن بتصرف.

{إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ ناراً} أي: هيّأنا وحضّرنا للكافرين نارا يحترقون فيها، انظر التعبير عن الكافرين بالظالمين، ونحوه في الآية رقم [13] من سورة (إبراهيم) عليه الصلاة والسلام. وانظر دركات النار في الآية رقم [44] من سورة (الحجر). {أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها:} السرادق: السور.

وقال ابن عباس-رضي الله عنهما: هو حائط من نار، فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«سرادق النار أربعة جدر كثف، كلّ جدار أربعون سنة» . أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه وقيل: هو عنق يخرج من النار فيحيط بالظالمين كالحظيرة، والمعتمد: أنه سور، أو حائط.

هذا؛ والسرادق في الأصل واحد السرادقات؛ التي تمد فوق صحن الدار، وكل بيت من قطن، ونحوه فهو سرادق. قال رؤبة. وقيل: هو للكذاب الحرمازي: [الرجز]

يا حكم بن المنذر بن الجارود

سرادق المجد عليك ممدود

يقال: بيت مسردق: إذا كان فيه ما ذكرت. وقال سلامة بن جندل يذكر أبرويز وقتله النعمان بن المنذر تحت أرجل الفيلة: [الطويل]

هو المدخل النعمان بيتا سماؤه

صدور الفيول بعد بيت مسردق

وقال الراغب: السرادق: فارسي معرب، وليس في كلامهم اسم مفرد ثالث حروفه ألف بعدها حرفان إلا هذا. {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا:} من شدة الحر، وحرارة العطش. {يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ:}

ص: 466

قال ابن عباس-رضي الله عنهما-هو ماء غليظ مثل درديّ الزيت؛ أي: عكره الذي يبقى في الأسفل، فعن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه:«كعكر الزّيت، فإذا قرّب إليه سقطت فروة وجهه منه» . أخرجه الترمذي. وقيل: المهل: الدم، والقيح. وقال أبو عبيدة: هو كل ما أذيب من جواهر الأرض من حديد، ورصاص، ونحاس، وقزدير فتموج بالغليان، فذلك المهل. وانظر شرح الآية رقم [16] و [17] من سورة (إبراهيم) عليه الصلاة والسلام ففيها الكفاية. {بِئْسَ الشَّرابُ} أي: المذموم المهل الذي يغاثون به، وقل: بئس الطعام الذي يأكلونه قياسا على الشراب، والخلاصة: أن المهل اسم جامع لكل مستقذر تتقزز منه النفس، وتتألم، وتنفر. {وَساءَتْ مُرْتَفَقاً} أي: ساءت النار منزلا. قاله ابن عباس. وقال مجاهد: مجتمعا كأنه ذهب إلى معنى المرافقة. وقيل غير ذلك، وأصله من المتكأ، يقال منه:

ارتفقت؛ أي: اتكأت على المرفق. قال الشاعر: [الرجز]

قالت له وارتفقت ألا فتى

يسوق بالقوم غزالات الضّحى

ويقال: ارتفق الرجل: إذا نام على مرفقه، لا يأتيه نوم. قال أبو ذؤيب الهذلي:[البسيط]

نام الخليّ وبتّ الليل مرتفقا

كأنّ عينيّ فيها الصّاب مذبوح

وأخيرا: قال الله تعالى: {وَساءَتْ مُرْتَفَقاً} لمقابلة قوله الآتي: {وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً} وإلا فلا ارتفاق لأهل النار، إلا بالويل والثبور، وعظائم الأمور، لطفك يا غفور، وعفوك يا عفوّ! كما أن قوله تعالى:{يُغاثُوا} تهكم بهم؛ حيث سمى أقسى أنواع العذاب إغاثة، والإغاثة في الحقيقة هي الإنقاذ من العذاب تهكما بهم وتشفيا منهم.

بعد هذا انظر شرح (نعم) و (بئس) في الآية رقم [24] من سورة (الرعد)، وشرح {الْقَوْلُ} في الآية رقم [16] من سورة (الإسراء)، وشرح {رَبِّكُمْ} في الآية [8] منها، وشرح {الْحَقُّ} في الآية [81] منها. وشرح (شاء) في الآية [2] من سورة (النحل)، وشرح (الكفر) في الآية رقم [107] منها، وشرح (ماء) في الآية رقم [10] منها أيضا.

الإعراب: {وَقُلِ:} الواو: حرف عطف. (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» .

{الْحَقُّ:} خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو الحق. {مِنْ رَبِّكُمْ:} متعلقان بمحذوف حال من {الْحَقُّ} . هذا؛ وقيل: {الْحَقُّ:} مبتدأ، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبره، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:{وَقُلِ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.

{فَمَنْ:} الفاء: حرف استئناف وتفريع. من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {شاءَ:} ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)،

ص: 467

والمفعول محذوف، التقدير: شاء الإيمان والهداية. {فَلْيُؤْمِنْ:} الفاء: واقعة في جواب الشرط.

(ليؤمن): مضارع مجزوم بلام الأمر، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل:

جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فهو مبتدأ، وجملة:{شاءَ} صلته، وجملة:{فَلْيُؤْمِنْ} خبره، ودخلت الفاء في خبره لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، ولكن الأول: هنا أقوى وأرجح. تأمل، والجملة الاسمية مستأنفة مفرعة عما قبلها، ولكنها في محل نصب مقول القول، وجملة:{وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ} معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق.

{إِنّا:} حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. {أَعْتَدْنا:} فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). {لِلظّالِمِينَ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من {ناراً،} كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا

إلخ. {ناراً:} مفعول به. هذا؛ وقد نصب هذا الفعل مفعولين في الآية رقم [102] من هذه السورة، والجملة الاسمية:{إِنّا..} . إلخ تعليل للأمر، لا محل لها. {أَحاطَ:} ماض.

{بِهِمْ:} متعلقان بالفعل قبلهما. {سُرادِقُها:} فاعل، وها: في محل جر بالإضافة، وجملة:

{أَحاطَ..} . إلخ في محل نصب صفة {ناراً} . {وَإِنْ:} الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. {يَسْتَغِيثُوا:} فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون

إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.

{يُغاثُوا:} مضارع مبني للمجهول جواب الشرط مجزوم؛ وعلامة جزمه حذف النون

إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب:«إذا» الفجائية. {بِماءٍ:} متعلقان بما قبلهما. {كَالْمُهْلِ:} متعلقان بمحذوف صفة (ماء).

{يَشْوِي:} مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى (ماء).

{الْوُجُوهَ:} مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية ل:(ماء)، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. و (إن) ومدخولها كلام مستأنف، ولكنه في محل نصب مقول القول. {بِئْسَ:} ماض جامد دال على إنشاء الذم. {الشَّرابُ:} فاعله، والمخصوص بالذم محذوف التقدير: المذموم المهل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {وَساءَتْ:} الواو:

حرف عطف. (ساءت): ماض جامد دال على إنشاء الذم، والفاعل يعود إلى (النار).

{مُرْتَفَقاً:} تمييز، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، هذا هو الإعراب الظاهر، وفي الحقيقة: أن الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هي» دل عليه التمييز بعده، وهو مرتفقا.

هذا؛ وأنث الفعل ساءت مع كون الفاعل مميز بمذكر، وهو:(مرتفق) لأن المرتفق هنا عبارة عن

ص: 468

النار، ولفظها مؤنث، فلذا جاز تأنيث فعله، ولا تنس: أنّ المخصوص بالذم محذوف، التقدير:

ساءت مرتفقا هي هي، فهي الثاني: هو المخصوص. هذا؛ وأجيز في مثل هذه الآية اعتبار:

(ساءت) بمعنى: أحزنت، فتكون متصرفة ناصبة للمفعول، وهو هنا محذوف أي: إن النار أحزنت أصحابها وداخليها، ويكون مرتفقا تمييزا، أو حالا، وهو تكلف لا داعي له.

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (30)}

الشرح: لما ذكر الله ما أعد للكافرين من الهوان؛ ذكر أيضا ما للمؤمنين من الكرامة، والثواب، وتلك سنة الله في كتابه العظيم حيث اقتضت حكمته تعالى ورحمته، فلا يذكر التصديق من المؤمنين؛ إلا ويذكر التكذيب من الكافرين، ولا يذكر الإيمان؛ إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنة؛ إلا ويذكر النار، ولا يذكر الرحمة؛ إلا ويذكر الغضب، والسخط؛ ليكون المؤمن راغبا، راهبا، راجيا خائفا، والمراد: ب: {(عَمِلُوا الصّالِحاتِ):} الأعمال الصالحات على اختلافها، وتفاوت درجاتها ومراتبها، ولا تنس: أن عطف العمل الصالح على الإيمان يسمى في فن البديع احتراسا، وهو يفيد: أن الإيمان وحده بدون العمل الصالح قد لا يكفي، كما أن العمل الصالح بدون إيمان لا يجدي، ولا يقبل. ومن قرأ القرآن بتدبّر، وتفهّم؛ يجد العمل الصالح معطوفا على الإيمان في كثير من الآيات. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [93] من سورة (الحجر)، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

فعن البراء بن عازب-رضي الله عنه: أن أعرابيا قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع؛ وهو واقف بعرفات على ناقته العضباء، فقال: إني رجل مسلم، فأخبرني عن هذه الآية:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ..} . إلخ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنت منهم ببعيد، ولا هم ببعيد منك، هم هؤلاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، فأعلم قومك: أنّ هذه الآية نزلت فيهم» . ذكره الماوردي. انتهى قرطبي. أقول وهي تشمل كل مؤمن، ومؤمنة قد عملا الصالحات إلى يوم القيامة إن شاء الله تعالى.

الإعراب: {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم {إِنَّ،} وجملة: {آمَنُوا} مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة:{وَعَمِلُوا} معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. {الصّالِحاتِ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وقد عرفت: أنه صفة لموصوف محذوف. {إِنّا:} حرف مشبه بالفعل. و (نا): اسمها، وجملة:{لا نُضِيعُ..} . إلخ في محل رفع خبر (إنّ). {أَجْرَ:} مفعول به، وهو مضاف، و {مَنْ} اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة. {أَحْسَنَ:} ماض، وفاعله يعود إلى من، وهو العائد، أو

ص: 469

الرابط. {عَمَلاً:} مفعول به، والجملة الفعلية صلة {مَنْ،} أو صفتها، والجملة الاسمية:

{إِنّا..} . إلخ في محل رفع خبر {إِنَّ} الأولى، والرابط محذوف؛ إذ التقدير: إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا منهم، أو مستغنى عن الرابط بعموم {مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً،} كما هو مستغنى عنه في قولك: (نعم الرجل زيد) ووقع موقعه الظاهر، وهو (من) لأنّه بمعنى: الموصول الذي هو اسم {إِنَّ} هذا؛ وقيل: خبر {إِنَّ} الجملة الاسمية: {أُولئِكَ..} . إلخ وما بينهما معترض. وقيل:

يجوز أن تكون الجملتان، أعني {إِنّا لا نُضِيعُ..} . إلخ و {أُولئِكَ..} . إلخ خبرين لإن الأولى عند من يرى جواز تعدد الخبر، وإن لم يكونا في معنى واحد. وقيل: الخبر محذوف تقديره: إن الذين

يجازيهم الله بأعمالهم، ودلّ على ذلك قوله:{إِنّا لا نُضِيعُ..} . إلخ، أوجه، أقواها أولها، والجملة الاسمية:{إِنَّ الَّذِينَ..} . إلخ مستأنفة، أو ابتدائية لا محل لها على الاعتبارين.

{أُولئِكَ لَهُمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (31)}

الشرح: {أُولئِكَ:} الإشارة إلى الذين آمنوا، وعملوا الصالحات من الرّجال وهو يشمل النساء كما ذكرته مرارا. {جَنّاتُ عَدْنٍ:} انظر الآية رقم [23] من سورة (الرعد) ففيها الكفاية.

{تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ} أي: من بين أيديهم ينظرون إليها، من أعالي أسرتهم وقصورهم، وهذا أحسن في السرور، والنزهة، والفرجة. {يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ:} قال سعيد بن جبير-رضي الله عنه: على كل واحد منهم ثلاثة أسورة: واحد من ذهب، وواحد من ورق، وواحد من لؤلؤ. انتهى. وهذا منصوص عليه في القرآن، فقال هنا:{مِنْ ذَهَبٍ} وقال في (الحج):

{يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً} رقم [23]، ومثلها في سورة (فاطر) رقم [33]، وقال في سورة (الإنسان):{وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ،} وفي الحديث الصحيح: «تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء» .

{وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً:} خص الخضرة بالذكر؛ لأنها أحسن الألوان، وأكثرها طراوة، ولأن البياض يبدد النظر ويؤلم، والسواد يذم، والخضرة بينهما، وذلك يجمع الشعاع. {مِنْ سُنْدُسٍ:} هو الرقيق من الديباج، واحده: سندسة، والاستبرق: ما غلظ منه، وهو موشى بالذهب، واحده:

استبرقة، وهل هو عربي الأصل مشتق من البريق، أو هو معرب أصله: إستبره؟ خلاف بين اللغويين، وفي سورة (الرحمن) {بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} والمراد: الفرش كما ستعرفه بعونه تعالى. {مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ} أي: يجلسون على السرر كما هو حال المتنعمين المترفين في الدنيا. هذا؛ و {الْأَرائِكِ} جمع: أريكة، وهي في الجنة من ذهب مكللة بالدرّ والياقوت، وأصل {مُتَّكِئِينَ:} موتكئين، واتكأ،

ص: 470

أصله: اوتكأ، والتكأة أصلها: وكأة، فقلبت الواو تاء، وأدغمت في التاء. {نِعْمَ الثَّوابُ:} هو في مقابلة: {بِئْسَ الشَّرابُ،} و {(حَسُنَتْ مُرْتَفَقاً):} هو في مقابلة: (ساءت مرتفقا).

هذا؛ وأساور جمع سوار، وهو زينة المرأة في الدنيا، ويحلى به الرجال في الجنة أيضا تكريما لهم. وقيل: جمع سوار: أسورة، وأساور: جمع الجمع، وثياب: جمع: ثوب، أصله ثواب قلبت الواو ياء، لمناسبة الكسرة، ومثله: حوض، وحياض، وسوط، وسياط.

الإعراب: {أُولئِكَ:} اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. {لَهُمْ:} متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {جَنّاتُ:} مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، و {جَنّاتُ:} مضاف، و {عَدْنٍ} مضاف إليه. {تَجْرِي:} مضارع مرفوع

إلخ، {مِنْ تَحْتِهِمُ:} متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. {الْأَنْهارُ:} فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، أو هي في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا باللام، والرابط على الاعتبارين؛ الضمير. وقيل: هي حال من {جَنّاتُ} أو صفة لها، ولا وجه له قطعا؛ لأنه لا يوجد فيها رابط يعود إلى {جَنّاتُ}. {يُحَلَّوْنَ:} مضارع مبني للمجهول مرفوع

إلخ، والواو نائب فاعله. {فِيها:} متعلقان به. {مِنْ أَساوِرَ:} متعلقان بمحذوف صفة مفعول به ثان؛ أي: شيئا من أساور، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. هذا؛ ويجوز على مذهب الأخفش اعتبار {مِنْ} زائدة في الإيجاب وهو مذهب الكوفيين. فيكون أساور مفعولا ثانيا مجرورا لفظا منصوبا محلا. {مِنْ ذَهَبٍ:} متعلقان بمحذوف صفة {أَساوِرَ،} وجملة: {يُحَلَّوْنَ..} .

إلخ تصلح للحالية، والخبرية مثل سابقتها، والجملة الاسمية:{أُولئِكَ..} . إلخ في محل رفع خبر {إِنَّ} أو هي مستأنفة على حسب ما رأيت في الآية السابقة، وجملة:{وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين فيها، وإعرابها، ومحلها مثلها. {مُتَّكِئِينَ:} حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء

إلخ، وفاعله مستتر فيه، وعاملها محذوف؛ أي: ويجلسون متكئين. {فِيها عَلَى الْأَرائِكِ:} كلاهما متعلقان ب: {مُتَّكِئِينَ،} {نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً:} انظر إعراب مثل هاتين الجملتين في الآية رقم [29].

{وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً (32)}

الشرح: هذه الآية وما بعدها تقصّ علينا قصة رجلين كثرت أقوال المفسرين فيها بطرق متعددة، وروايات مختلفة، وها أنا ذا أذكرها لك باختصار، فالرجلان أخوان من بني إسرائيل:

أحدهما كافر، اسمه قطروس، والآخر مؤمن اسمه يهوذا، ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار،

ص: 471

فاقتسماها بالسوية، فاشترى الكافر أرضا بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم إن أخي اشترى أرضا بألف دينار، وأنا أشتري منك أرضا في الجنة بألف، فتصدق به، ثم بنى أخوه دارا بألف، فقال: اللهم إني أشتري منك دارا في الجنة بألف، فتصدق به، ثم تزوج أخوه امرأة بألف، فقال: اللهم إني جعلت ألفا صداقا للحور العين، ثم اشترى أخوه خدما، ومتاعا بألف دينار، فقال: اللهم إني اشتريت منك الولدان المخلدين بألف، فتصدق به، ثم أصابته حاجة، فجلس لأخيه على طريقه، فمر به في حشمه، فتعرض له، فرده، ووبّخه على التصدق بماله. والآيات التالية تبين لنا ما حل به وبما له من الهلاك والبوار. هذا؛ وأكثر المفسرين على أنّ هذين الأخوين هما اللذان قص الله علينا خبرهما بعد الموت في سورة (الصافات)، وذلك في قوله جل شأنه:{فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ..} . إلخ الآية رقم [50] وما بعدها، فبين الله حالهما في الدنيا في هذه السورة، وبين حالهما في الآخرة في سورة (الصافات).

هذا؛ وقيل: إن الأخوين كانا في مكة من بني مخزوم: أحدهما مؤمن، وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد زوج أم سلمة-رضي الله عنهما-قبل النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر كافر، وهو الأسود بن عبد الأسد. وقيل: هو مثل لعيينة بن حصن وأصحابه مع سلمان، وصهيب، وأصحابهما، والمعتمد الأول، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

بعد هذا انظر: {وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً} في الآية رقم [24] من سورة (إبراهيم) عليه الصلاة والسلام، و {أَعْنابٍ:} جمع عنب، وعنب: اسم جنس جمعي مثل: تمر، ويفرق بينه وبين واحده بالتاء، وهي عنبة، وتمرة، ونخل أيضا مثل عنب، ومفرده: نخلة، ونخيلة، وجمعه:

نخيل، وفي المختار: النخيل، والنخل بمعنى، فهو يفيد أنهما جمعان لنخلة، وهو ما رأيته في الإسراء [91] تأمل، ومعنى جنتين بستانين، والزرع: ما يزرع من الحبوب على جميع أنواعها، والخضار على اختلاف أجناسها، وأشكالها. هذا؛ ووجود الأشجار العالية على جوانب البستان، ووجود الحبوب والخضار في وسطه، ممّا يزيده جمالا وروعة، مع توفر ما يحتاج إليه الإنسان من قوت، وما يشتهيه من تفكه بالفواكه، وتلذذ في الخضار.

{وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ:} جعلنا النخل محيطا بهما من كل جانب، يقال: حفّه القوم: إذا طافوا به، وحففته بهم: إذا جعلتهم حافين حوله. وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «حفّت الجنّة بالمكاره، وحفّت النّار بالشّهوات» . وفي آخر سورة (الزمر) قوله تعالى: {وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ} .

أما (أحد) فأصله: وحد؛ لأنه من الوحدة، فأبدلت الواو همزة، وهذا قليل في المفتوحة، وإنّما يحسن في المضمومة والمكسورة، مثل قولهم: وجوه، وأجوه، ووسادة، وإسادة، وهو مرادف للواحد في موضعين: أحدهما: وصف الباري جل علاه، فيقال: هو الواحد، وهو الأحد، والثاني: أسماء العدد، فيقال: أحد وعشرون، وواحد وعشرون، وفي غير هذين الموضعين يفرق

ص: 472

بينهما في الاستعمال، فلا يستعمل أحد إلا في النفي، وهو كثير في الكلام، أو في الإثبات مضافا، كما في قوله تعالى:{يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} بخلاف الواحد، وقولهم: ما في الدار أحد هو اسم لمن يعقل. ويستوي فيه الواحد، والجمع، والمذكر، والمؤنث. قال تعالى:

{يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ} وقال جل ذكره: {فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ} .

الإعراب: {وَاضْرِبْ:} الواو: حرف استئناف. (اضرب): أمر، وفاعله مستتر تقديره:

«أنت» ، والمخاطب بذلك النبي صلى الله عليه وسلم. {لَهُمْ} أي: لأهل مكة: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {مَثَلاً:} مفعول به. {رَجُلَيْنِ:} بدل من {مَثَلاً} منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة:{وَاضْرِبْ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، والاستئناف أقوى فلا محل لها على الوجهين. {جَعَلْنا:} فعل، وفاعل.

{لِأَحَدِهِما:} متعلقان بما قبلهما، والاستئناف أقوى فلا محل لها على الوجهين. وقيل: متعلقان بمحذوف مفعول به ثان تقدم على الأول، وهو ضعيف معنى، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. {جَنَّتَيْنِ:} مفعول به منصوب مثل: رجلين. {مِنْ أَعْنابٍ:} متعلقان بمحذوف صفة {جَنَّتَيْنِ،} وجملة: {وَجَعَلْنا..} . إلخ في محل نصب صفة رجلين. {وَحَفَفْناهُما:} فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب صفة مثلها. {بِنَخْلٍ:} متعلقان بما قبلهما، وهما في محل مفعول به ثان.

{وَجَعَلْنا:} فعل، وفاعل. {بَيْنَهُما:} ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة.

{زَرْعاً:} مفعول به، وجملة:{وَجَعَلْنا..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب أيضا.

{كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً (33)}

الشرح: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ:} أعطت. {أُكُلَها:} هو كل ما يؤكل من ثمر النخل، والأعناب، وجميع أنواع الحبوب، ومنه قوله تعالى:{أُكُلُها دائِمٌ} في الآية رقم [35] من سورة (الرعد)، وقرئ:«(كل الجنتين آتى أكله)» ويقرأ: (أكلها) بضم الهمزة وضم الكاف وسكونها قراءتان سبعيتان. {وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً:} ولم تنقص من أكلها شيئا يعرف في البساتين، فإن الثمار تتم في عام، وتنقص في عام غالبا، وأما ثمر هاتين الجنتين فهو تام في جميع الأعوام. وقيل: المعنى لم تمتنع منه شيئا، ومن نوادر الأعراب. قيل لأعرابي: أتأكل العنب؟ قال: ما ظلمني أن آكله؛ أي: ما منعني أن آكله. وقيل منه: {وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً} .

تنبيه: كلا، وكلتا مفردان لفظا مثنيان معنى، مضافان أبدا، لفظا، ومعنى إلى كلمة واحدة معرفة دالة على اثنين، إما بالحقيقة والتنصيص، كما في هذه الآية، وإما بالحقيقة والاشتراك، نحو:

(كلانا)، فإن «نا» مشتركة بين الاثنين والجماعة، أو بالمجاز كقول عبد الله بن الزّبعرى:[الرمل]

ص: 473

إنّ للخير وللشّرّ مدى

وكلا ذلك وجه وقبل

ويجوز مراعاة لفظ كلا وكلتا في الإفراد، كما في هذه الآية، ومراعاة معناهما كما في الآية التالية، وقد جمع الفرزدق بينهما في قوله:[البسيط]

كلاهما حين جدّ السّير بينهما

قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي

ففي قوله «أقلعا» راعى معنى «كلا» ، وفي قوله:«رابي» راعى لفظها، وهو الإفراد. هذا؛ وإن أضيفا إلى الاسم الظاهر أعربا بحركات مقدرة على الألف كالاسم المقصور، وإن أضيفا إلى الضمير أعربا إعراب المثنى بالإلحاق، علما بأن لفظ {كِلْتَا} لم يرد في غير هذه الآية، ولفظ «كلا» لم يرد في غير آية الإسراء رقم [23] أما في الشعر فلفظ «كلا» كثير، ومنه البيتان المذكوران، وأما لفظ «كلتا» فخذه في قول حسان-رضي الله عنه:[الكامل]

إن التي ناولتني فرددتها

قتلت قتلت، فهاتها لم تقتل

كلتاهما حلب العصير فعاطني

بزجاجة أرخاهما للمفصل

الإعراب: {كِلْتَا:} مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، و {كِلْتَا:} مضاف، و {الْجَنَّتَيْنِ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء

إلخ. {آتَتْ:} ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره:«هي» يعود إلى لفظ {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ} والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية: {كِلْتَا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {وَلَمْ:} الواو: حرف عطف. لم: حرف نفي، وقلب، وجزم. {تَظْلِمْ:} مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل يعود إلى لفظ {كِلْتَا} أيضا. {مِنْهُ:}

متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من {شَيْئاً} كان صفة له على نحو ما رأيت في الآية رقم [9] {شَيْئاً:} مفعول به وأجيز اعتباره نائب مفعول مطلق، والأول: أولى، وجملة:

{وَلَمْ تَظْلِمْ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. هذا؛ وإن اعتبرتها في محل نصب حال من فاعل {آتَتْ} المستتر؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير.

{وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً} الشرح: {وَفَجَّرْنا:} أجرينا، وشققنا، وهو يقرأ بالتشديد والتخفيف، انظر الآية رقم [90 و 91] من سورة (الإسراء). {خِلالَهُما:} وسطهما. {نَهَراً:} ليدوم شرب الجنتين، فإن الماء سبب لإنعاش النبات على جميع أنواعه، ويزيد الأرض جمالا وبهاء. هذا؛ و (نهر) بفتح الهاء لغة في النّهر، ونهر في قوله تعالى:{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ} هو في معنى الجمع؛ أي: أنهار. هذا؛ و «نهر» يجمع على أنهار، وأنهر، ونهر، ونهور. هذا؛ وانظر «نا» في الآية رقم [23] من سورة (الحجر).

ص: 474

الإعراب: {وَفَجَّرْنا:} فعل، وفاعل. وانظر إعراب «حفظنا» في الآية رقم [17] من سورة (الحجر). {خِلالَهُما:} ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. {نَهَراً:} مفعول به، والجملة الفعلية:{وَفَجَّرْنا..} . إلخ معطوفة على جملة: {وَلَمْ تَظْلِمْ..} . إلخ على الوجهين المعتبرين فيها، وعلى اعتبار الحالية، فيجب تقدير «قد» قبل هذه لتقربها من الحال.

{وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً (34)}

الشرح: {وَكانَ لَهُ} أي: للأخ الكافر. {ثَمَرٌ:} جمع: ثمرة، وهو بفتح الثاء والميم. قال في المختار: الثمرة: واحدة الثمر، والثمرات، وجمع الثّمر ثمار، مثل: جبل، وجبال، وجمع الثمار: ثمر، مثل: كتاب، وكتب، وجمع الثّمر: أثمار، كعنق، وأعناق. هذا؛ وعلى قراءة:

«(ثمر)» بالضم فسر بالأموال الكثيرة المثمرة من كل صنف من الذهب، والفضة وغيرهما، فيكون من: ثمر ماله: إذا جمعه، وكثره. هذا؛ و (ثمر) بضم الثاء مع ضم الميم وسكونها، و {ثَمَرٌ} بفتحتين، فالقراءات الثلاث سبعية. انتهى جمل. {فَقالَ لِصاحِبِهِ} أي: لأخيه المؤمن الذي أنفق ماله في سبيل الله. هذا؛ والصاحب يكون بمعنى: الصديق، والزوج، ويكون بمعنى المالك، كقولك: صاحب الدار؛ أي: مالكها، ويجمع على أصحاب، وصحب، وصحابة، وصحاب، وصحبة، وصحبان، ثم يجمع: أصحاب على: أصاحيب أيضا، ثم يخفف، فيقال: أصاحب.

{وَهُوَ يُحاوِرُهُ} أي: يراجعه في الكلام، ويجادله، والمحاورة: المراجعة في الكلام بين اثنين وانظرها في سورة (المجادلة). {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً:} انظر شرح «المال» في الآية رقم [6] من سورة (الإسراء). {وَأَعَزُّ نَفَراً} أي: أقوى عشيرة، أو ولدا. وقيل: خدما، وحشما. هذا؛ و «نفر» اسم جمع لا واحد له من لفظه مثل: قوم، ومعشر، ورهط، ويحدد بما دون العشرة.

قيل: إنه أخذ بيد أخيه المؤمن، وجعل يطوف به في الجنتين، ويريه ما فيهما، ويفاخره بما ملك من مال، وثمار، وأنهار

إلخ. تأمل، وتدبر.

الإعراب: {وَكانَ:} الواو: حرف استئناف. (كان): ماض ناقص. {لَهُ:} متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {ثَمَرٌ:} اسم (كان) مؤخر، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. (قال): ماض، وفاعله يعود إلى الكافر. {لِصاحِبِهِ:} متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. {وَهُوَ:}

الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {يُحاوِرُهُ:} مضارع، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى الكافر، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل قال المستتر، والرابط: الواو، والضمير، {أَنَا:} ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، {أَكْثَرُ:} خبره. {مِنْكَ:} متعلقان بأكثر.

ص: 475

{مالاً:} تمييز. {وَأَعَزُّ نَفَراً:} معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية:{أَنَا..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{فَقالَ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.

{وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً (35)}

الشرح: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ} أي: دخل الكافر جنته آخذا بيد أخيه المؤمن، يطوف به فيها، ويريه إياها. {وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ} أي: بكفره، وفيه دليل على أنّ العاصي لا يضر إلا نفسه، والمؤذي للناس يعود أذاه على نفسه؛ لأنه يسبب لها العقاب الشديد، والعذاب الأليم في نار الجحيم. {قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ} أي: تهلك، وتفنى. {هذِهِ أَبَداً:} وذلك أنه راقه حسنها، وغرته زهرتها، فتوهم: أنها لا تفنى أبدا، فأنكر الحشر، والنشر، وهو ما في الآية التالية، وترى أكثر الأغنياء من المسلمين تنطق ألسنة أحوالهم بذلك في هذا الزمن.

هذا؛ وقد قال البيضاوي: وإفراد الجنة؛ لأن المراد ما هو جنته، وهي ما متع بها في الدنيا، تنبيها على أنه لا جنّة له غيرها، ولا حظّ له في الجنة التي وعد المتقون. أو لاتصال كل واحدة من جنتيه بالأخرى، أو لأن الدخول يكون في واحدة واحدة. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {وَدَخَلَ:} ماض، وفاعله يعود إلى الأخ الكافر. {جَنَّتَهُ:} مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. وانظر إعراب:{اُسْكُنُوا الْأَرْضَ} في الآية رقم [104] من سورة (الإسراء).

وجملة: {وَهُوَ ظالِمٌ} في محل نصب حال من فاعل (دخل) المستتر، والرابط: الواو، والضمير، {لِنَفْسِهِ:} متعلقان بظالم. هذا؛ وأجيز اعتبار اللام زائدة، ونفسه مفعول به لظالم، فيكون مجرورا لفظا، منصوبا محلا، وفاعل ظالم مستتر فيه، وجملة:{وَدَخَلَ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. {قالَ:} ماض، وفاعله تقديره:«هو» . {ما:} نافية. {أَظُنُّ:}

مضارع، وفاعله مستتر تقديره:«أنا» . {أَنْ تَبِيدَ:} مضارع منصوب ب: «أن» . {هذِهِ:} اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع فاعل، والهاء حرف تنبيه لا محل له. {أَبَداً:} ظرف زمان متعلق بما قبله، والمصدر المؤول من:{أَنْ تَبِيدَ} في محل نصب سد مسد مفعولي {أَظُنُّ} وجملة:

{أَظُنُّ} إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً (36)}

الشرح: {وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً:} فهو ينفي القيامة، ولا يعتقد بوجودها. {وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً:} إقسام منه على أنه إن ردّ إلى ربه على سبيل الفرض، كما يزعم صاحبه؛ ليجدن في الآخرة خيرا من جنته في الدنيا؛ ادعاء لكرامته على رغم مكانته عنده،

ص: 476

والمنقلب: المرجع، والمآب، وهو اسم مكان، أو مصدر ميمي. هذا؛ ويقرأ:«(خيرا منهما)» بالتثنية بالرجوع إلى {الْجَنَّتَيْنِ} .

الإعراب: {وَما:} الواو: حرف عطف. (ما): نافية. {أَظُنُّ:} مضارع، والفاعل تقديره:

«أنا» . {السّاعَةَ:} مفعول به أول. {قائِمَةً:} مفعول به ثان. {وَلَئِنْ:} الواو: حرف عطف.

اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. {رُدِدْتُ:} ماض مبني للمجهول مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء نائب فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. {إِلى رَبِّي:} متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع

إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {لَأَجِدَنَّ:} اللام: واقعة في جواب القسم. (أجدن):

مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره:«أنا» . {خَيْراً:} مفعول به. {مِنْها:} متعلقان ب: {خَيْراً} . {مُنْقَلَباً:} تمييز، وجملة:

{لَأَجِدَنَّ} جواب لأقسم، لا محل لها، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه، انظر الآية رقم [62] من سورة (الإسراء)، فالكلام فيها كاف واف. هذا؛ والكلام {وَما أَظُنُّ..} . إلخ معطوف على ما قبله، وهو في محل نصب مقول القول مثله.

{قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً (37)}

الشرح: {قالَ لَهُ} أي: للكافر المنكر للبعث. {صاحِبُهُ} أي: المؤمن. وانظر المحاورة في الآية رقم [35]. {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ} أي: الذي ابتدأ خلقك من تراب، وهذا الخلق غير مباشر إذا كان المراد: خلق أباك آدم، وهو مباشر إذا كان المراد خلقك؛ لأن خلق الإنسان مبدؤه من النطفة التي تقذف في رحم المرأة، وهذه النطفة من الدم، والدم منشؤه من الطعام والشراب، وكلاهما مستخرج من الأرض. وانظر ما أذكره في الآية رقم [12] من سورة (المؤمنون) والآية رقم [5] من سورة (الحج). {ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً} أي: عدلك بشرا سويا، وكملك إنسانا ذكرا بالغا مبلغ الرجال، فقد جعل كفره بالبعث كفرا بالله تعالى؛ لأن منشأه الشك في كمال قدرة الله تعالى.

الإعراب: {قالَ:} ماض. {لَهُ:} متعلقان بما قبلهما. {صاحِبُهُ:} فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية:{وَهُوَ يُحاوِرُهُ} في محل نصب حال من صاحبه، والرابط:

الواو، والضمير. {أَكَفَرْتَ:} الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (كفرت): فعل، وفاعل.

{بِالَّذِي:} متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة:{خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ} صلة الموصول، لا محل لها.

{مِنْ نُطْفَةٍ:} معطوفان على ما قبلهما. {ثُمَّ:} حرف عطف. {سَوّاكَ:} ماض مبني على فتح

ص: 477

مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى {(بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ)} والكاف مفعول به أول.

{رَجُلاً:} مفعول به ثان وجوزت فيه الحالية، وجملة:{سَوّاكَ رَجُلاً} معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، وجملة:{أَكَفَرْتَ..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} .

إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (38)}

الشرح: {لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي:} هذا استدراك لقوله: أكفرت لأخيه، فالمعنى أنت كافر لكني مؤمن موحد. {وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً:} فيه تعريض بأخيه بأنه مشرك بالله تعالى يعبد غيره بدليل إنكاره البعث، والحساب، والجزاء. هذا؛ وأصل:{لكِنَّا:} لكن أنا؛ فحذفت الهمزة، ثم أدغمت النونان في بعضهما.

الإعراب: {لكِنَّا:} (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. (أنا): مبتدأ أول. {هُوَ:}

مبتدأ ثان. {اللهُ:} مبتدأ ثالث. {رَبِّي:} خبر الثالث: مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية:{اللهُ رَبِّي} في محل رفع خبر المبتدأ الثاني، والجملة الاسمية:{هُوَ اللهُ..} . إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: (لكن أنا

) إلخ مستأنفة، لا محل لها، والرابط في هذه الأخبار، هو ياء المتكلم. هذا؛ وأجيز اعتبار لفظ الجلالة بدلا من الضمير، أو بيانا له، والأول: أقوى.

{وَلا:} الواو: حرف عطف. لا: نافية. {أُشْرِكُ:} مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«أنا» .

{بِرَبِّي:} متعلقان بالفعل قبلهما، {أَحَداً:} مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية:{هُوَ اللهُ رَبِّي} فهي في محل رفع مثلها، والذي لا يجيز عطف الفعلية على الاسمية يعتبر الجملة حالا من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير.

{وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً (39)}

الشرح: {وَلَوْلا:} وهلا. {إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ:} المعنى: هلا قلت عند دخولك جنتك، والنظر إلى ما رزقك الله منها: ما شاء الله، اعترافا منك بأنها وكل ما فيها من خير، إنما هو بمشيئة الله تعالى وفضله. وإن أمرها بيده، وإنه إن شاء تركها عامرة، وإن شاء تركها خرابا يبابا. {لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ} أي: وهلا قلت: لا قوة إلا بالله، إقرارا منك بأن ما قويت به على عمارتها، وتدبير أمرها، إنما هو بمعونة الله، وتدبيره، وتأييده، ولا أقدر على حفظ مالي، ودفع

ص: 478

شيء عنه إلا بالله تعالى. {إِنْ تَرَنِ..} . إلخ: هذا من المؤمن رد لقول الكافر: {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً} . والمعنى: لأجل هذا تكبرت عليّ وتعظّمت. هذا؛ وقوله جل ذكره: (ولدا) انتصار لمن فسر {نَفَراً} بالأولاد. هذا؛ ويقرأ: (ترن) هنا، و {يَهْدِيَنِ} في الآية رقم [24]، و {يُؤْتِيَنِ} في الآية التالية و {تُعَلِّمَنِ} في الآية رقم [66] الآتية بإثبات ياء المتكلم وحذفها.

تنبيه: ينبغي لكل من دخل بيته أن يقول: {ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ} فقد روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي هريرة-رضي الله عنه: «ألا أدلّك على كلمة من كنوز الجنة، أو قال: كنز من كنوز الجنّة؟!» . قلت: بلى يا رسول الله! قال: «لا حول ولا قوّة إلاّ بالله؛ إذا قالها العبد، قال الله عز وجل: أسلم عبدي، واستسلم» . أخرجه مسلم. وقالت عائشة-رضي الله عنها:

«إذا خرج الرجل من منزله، فقال باسم الله. قال الملك: هديت، وإذا قال: ما شاء الله. قال الملك: كفيت. وإذا قال: لا قوّة إلا بالله. قال الملك: وقيت» . خرجه الترمذيّ. انتهى قرطبي بتصرف. هذا؛ وهذه الكلمات وقاية من العين فينبغي لكل مسلم، ومسلمة أن يكثرا منها، ولا سيما عند إرادة السفر، وعند الرجوع منه. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {وَلَوْلا:} الواو: حرف عطف. (لولا): حرف تحضيض. {إِذْ:} ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: {قُلْتَ} . {دَخَلْتَ:} فعل، وفاعل.

{جَنَّتَكَ:} مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. وانظر:{اُسْكُنُوا الْأَرْضَ} في الآية رقم [104] من سورة (الإسراء) والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {إِذْ} إليها. {قُلْتَ:} فعل، وفاعل.

{ما:} اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الأمر الذي شاءه الله، أو في محل رفع مبتدأ خبره محذوف، التقدير: الذي شاءه الله كائن. هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) شرطية مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم لفعل شرطها، والجواب محذوف، التقدير: أيّ شيء شاء الله كان، والكلام في محل نصب مقول القول. {لا:} نافية للجنس تعمل عمل «إن» . {قُوَّةَ:} اسم {لا} مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: لا قوة موجودة. إلا: حرف حصر. {بِاللهِ:} متعلقان ب: «موجودة» المقدّرة، وعلقهما أبو البقاء بمحذوف خبر لا، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا. وهو فحوى ما تقدم. {إِنْ:} حرف شرط جازم. {تَرَنِ:} مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» ، والنون للوقاية، والمفعول الأول، وهو ياء المتكلم محذوف. {أَنَا:} ضمير فصل لا محل له من الإعراب، وأجيز اعتباره تأكيدا لياء المتكلم المقدرة على المحل، والأول: أقوى. {أَقَلَّ:} مفعول به ثان. هذا؛ ويقرأ برفعه على أنه خبر للضمير، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به، وهذا على إجراء البصرية مجرى العلمية. {مِنْكَ:}

متعلقان ب: {أَقَلَّ} . {مالاً:} تمييز. {وَوَلَداً:} معطوف عليه، وجملة:{تَرَنِ..} . إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط ما يلي:

ص: 479

{فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (40)}

الشرح: {فَعَسى رَبِّي:} هذا رجاء من المؤمن. {أَنْ يُؤْتِيَنِ..} . إلخ: أن يعطيني في الدنيا، أو في الآخرة لإيماني بقدرته، وثقتي بعظمته، ووحدانيته أفضل من جنتك التي تفاخر بها.

{وَيُرْسِلَ عَلَيْها} أي: على جنتك. {حُسْباناً مِنَ السَّماءِ} أي: مرامي من السماء، واحدها:

حسبانة، وهي قطعة من نار. والحسبانة: السحابة، والحسبانة: الوسادة، وهي أيضا الصاعقة، والحسبان العذاب، والحسبان الجراد، وهو أيضا الحساب. قال تعالى:{الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ} . {فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً:} أرضا بيضاء، لا ينبت فيها نبات، ولا تثبت عليها قدم لملامستها، فتكون أخبث أرض بعد أن كانت أنفع أرض. وانظر {صَعِيداً} في الآية رقم [8].

الإعراب: {فَعَسى:} الفاء: واقعة في جواب الشرط. (عسى): ماض جامد مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. {رَبِّي:} اسم عسى مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم

إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {أَنْ:} حرف مصدري، ونصب. {يُؤْتِيَنِ:} منصوب ب: {أَنْ،} والفاعل يعود إلى {رَبِّي} والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به أول. {خَيْراً:} مفعول به ثان. {مِنْ جَنَّتِكَ:}

متعلقان ب: {خَيْراً} والكاف في محل جر بالإضافة، والمصدر المؤول من {أَنْ يُؤْتِيَنِ..} . إلخ في محل نصب خبر (عسى)، ويلزم تأويله باسم الفاعل، وجملة:{فَعَسى..} . إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. {وَيُرْسِلَ:}

معطوف على {يُؤْتِيَنِ} منصوب مثله، والفاعل يعود إلى {رَبِّي} أيضا. {عَلَيْها:} متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل مفعوله الأول. {حُسْباناً:} مفعول به ثان. {مِنَ السَّماءِ:} متعلقان بمحذوف صفة {حُسْباناً} . {فَتُصْبِحَ:} الفاء: للسببية. (تصبح): مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء، واسمه يعود إلى {جَنَّتِكَ}. {صَعِيداً:} خبره. {زَلَقاً:} صفة مؤكدة لما قبلها، و «أن» المضمرة والفعل (تصبح) في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق.

{أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً (41)}

الشرح: {أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها:} ماء الجنة الجاري فيها. {غَوْراً:} غائرا ذاهبا، فتكون أعدم أرض للماء بعد أن كانت، أوجد أرض للماء، والغور: مصدر وضع موضع اسم الفاعل، كما يقال: رجل صوم، وفطر، وعدل، ورضا، وفضل، وزور، ونساء نوم، ويستوي فيه المذكر، والمؤنث، والتثنية والجمع. وقيل: الأصل: أو يصبح ماؤها ذا غور، فحذف المضاف على

ص: 480

حد: {وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ} . {فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً} أي: لا تستطيع ردّ الماء الغائر، وإلى هنا انتهت مناظرة المؤمن لأخيه الكافر. وانظر شرح {السَّماءِ} في الآية رقم [10] من سورة (النحل).

الإعراب: {أَوْ:} حرف عطف. {يُصْبِحَ:} معطوف على ما قبله منصوب مثله. {ماؤُها:}

اسم {يُصْبِحَ،} و (ها): في محل جر بالإضافة. {غَوْراً:} خبرها. {فَلَنْ:} الفاء: حرف عطف.

(لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال. {تَسْتَطِيعَ:} منصوب ب: (لن)، والفاعل مستتر تقديره:

«أنت» . {لَهُ:} متعلقان ب: {طَلَباً؛} لأنه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة، انظر الآية رقم [9]. {طَلَباً:} مفعول به، ولعلك تدرك معي: أن الكلام من قوله: {لكِنَّا..} . إلخ إلى هنا كله من مقول المؤمن. تأمل، وتدبر.

{وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (42)}

الشرح: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ:} أهلك أمواله حسبما توقعه صاحبه، وأنذره منه، وهو مأخوذ من أحاط به العدو، فإنه إذا أحاط به غلبه، وإذا غلبه أهلكه، ونظيره أتى عليه: إذا أهلكه، من أتى عليهم العدو إذا جاءهم مستعليا عليهم، ففي الكلام استعارة تبعية بالفعل. وانظر شرح {ثَمَرٌ} وما فيه من قراءات في الآية رقم [34]. {فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ} أي: فصار الكافر يضرب إحدى يديه على الأخرى ندما، وتحسرا؛ لأن هذا يصدر من النادم. {عَلى ما أَنْفَقَ فِيها} أي: في عمارتها وزراعتها. {وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها} أي: ساقطة سقوفها. وقيل: إن أشجار العنب المعرشة سقطت عروشها على الأرض، ومثله في الآية رقم [259] من سورة (البقرة). {وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ..}. إلخ: فقد تذكر موعظة أخيه المؤمن، وعلم: أنه أتي من جهة شركه وطغيانه، فتمنى أن لو لم يكن مشركا، وهذا ندم منه حين لا ينفعه الندم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {وَأُحِيطَ:} الواو: حرف استئناف. (أحيط): ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر يعود إلى مصدر الفعل، وأقوى منه تعليق {بِثَمَرِهِ} بنائب فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة. وقيل: معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فهلكت جنته بالصواعق وغور الماء، وأحيط بثمره بالهلاك أيضا. {فَأَصْبَحَ:} ماض ناقص، واسمه مستتر تقديره:«هو» . {يُقَلِّبُ:} مضارع، وفاعله مستتر فيه. {كَفَّيْهِ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. {عَلى ما:} متعلقان بالفعل {يُقَلِّبُ} أو بمحذوف حال من فاعله المستتر، وجملة:{أَنْفَقَ فِيها} صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: على الذي أنفقه فيها، وجملة:{فَأَصْبَحَ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، والجملة الاسمية:{وَهِيَ خاوِيَةٌ} في محل نصب حال من الضمير المجرور

ص: 481

بفي، والرابط: الواو، والضمير. {عَلى عُرُوشِها:} متعلقان ب: {خاوِيَةٌ} لأنها اسم فاعل، وفاعلها مستتر، و (ها): في محل جر بالإضافة. {وَيَقُولُ:} مضارع، فاعله مستتر فيه. (يا): حرف تنبيه، واعتبارها أداة نداء، والمنادى محذوف ضعيف أفاده ابن هشام في مغنيه. (ليتني): حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم اسمها، وجملة:{لَمْ أُشْرِكْ..} . إلخ في محل رفع خبر (ليت)، وجملة:{يا لَيْتَنِي..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{وَيَقُولُ..} . إلخ معطوفة على جملة {يُقَلِّبُ..} . إلخ، وأجيز اعتبارها حالا من فاعل {يُقَلِّبُ،} وهذا يحوج إلى تقدير مبتدأ قبلها. تأمل، وتدبر؛ لأن المضارع الواقع جملته حالا لا يقرن بالواو.

{وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً (43)}

الشرح: {وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ:} جماعة من عشيرة، ونحوها. هذا؛ ويقرأ الفعل بالياء، والتاء قراءتان سبعيتان. {يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ:} يمنعونه من عذاب الله، وضل عنه من افتخر بهم من الخدم والولد. هذا؛ وجمع الضمير مع كونه عائدا على {فِئَةٌ} لأنها اسم جمع مثل: قوم، ورهط

إلخ. {وَما كانَ مُنْتَصِراً} أي: ممتنعا من العذاب، فهو لا يقدر على الانتصار لنفسه.

وانظر شرح الجلالة في الآية رقم [1] وشرح: {دُونِ} في الآية رقم [14].

الإعراب: {وَلَمْ:} الواو: حرف عطف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. {تَكُنْ:}

مضارع ناقص مجزوم ب: (لم). {لَهُ:} متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {فِئَةٌ:} اسم يكن مؤخر، وجملة:{يَنْصُرُونَهُ} في محل رفع صفة {فِئَةٌ} . هذا؛ وأجيز اعتبار هذه الجملة خبرا ل: {تَكُنْ} وعليه فالجار والمجرور: {لَهُ} متعلقان بمحذوف حال من {فِئَةٌ} كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا.. إلخ، والوجه الأول: هو رأي: سيبويه، والثاني: هو رأي:

أبي العباس المبرد، محتجا بقوله تعالى:{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} . {مِنْ دُونِ:} متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له، و {دُونِ:} مضاف، و {اللهِ:}

مضاف إليه، وجملة:{وَلَمْ تَكُنْ..} . إلخ معطوفة على جملة: {وَأُحِيطَ..} . إلخ لا محل لها مثلها. {وَما:} الواو: حرف عطف. (ما): نافية. {كانَ:} ماض ناقص، واسمه يعود إلى الكافر. {مُنْتَصِراً:} خبر كان، وجملة:{وَما كانَ مُنْتَصِراً} معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، واعتبارها حالا من الضمير المنصوب غير مستبعد، ويكون الرابط: الواو، والضمير.

{هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً (44)}

الشرح: {هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ} أي: في ذلك المقام، وتلك الحال النصرة لله وحده، لا يملكها غيره، ولا يستطيعها سواه، هو تقرير لقوله:{وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ} وقيل: {هُنالِكَ:}

إشارة للآخرة. هذا؛ ويقرأ {الْوَلايَةُ} بكسر الواو، وفتحها، وهما بمعنى: واحد، كالرّضاعة

ص: 482

والرّضاعة. وقيل: {الْوَلايَةُ} بالفتح من الموالاة، كقوله تعالى:{اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} وبالكسر:

السلطان، والقدرة، والإمارة. هذا؛ ويقرأ:{الْحَقِّ} بالرفع، والجر. {هُوَ خَيْرٌ ثَواباً} أي: في الدنيا، والآخرة لمن آمن به، وليس أحد ثمّ يرجى خيره، ولكنه أراد في ظنّ الجهال؛ أي: هو خير من يرجى. {وَخَيْرٌ عُقْباً} أي: هو خير عاقبة لمن رجاه وآمن به، ويقرأ:{عُقْباً:} بضم القاف، وسكونها. قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل عسر ويسر، ورحم، وحلم، ورسل

إلخ.

بعد هذا انظر {الْحَقِّ} في الآية رقم [81] من سورة (الإسراء)، أما {خَيْرٌ} فهو أفعل تفضيل، أصله: أخير، نقلت حركة الياء إلى الخاء؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم حذفت الهمزة استغناء عنها بحركة الخاء، ومثله قل في حبّ وشرّ اسمي تفضيل؛ إذ أصلهما أحبب وأشرر، فنقلت حركة الباء الأولى والراء الأولى إلى ما قبلهما، ثم أدغم الحرفان المتماثلان في بعضهما، ثم حذفت الهمزة من أولهما، استغناء عنها بحركة الخاء، والشين، وقد يستعمل: خير، وشر على الأصل، كقراءة بعضهم قوله تعالى:{(سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ)} بفتح الشين، ونحو قول رؤبة:[الرجز]

يا قاسم الخيرات وابن الأخير

ما ساسنا مثلك من مؤمّر

وخير وشر وحب يستعملن بصيغة واحدة للمذكر، والمؤنث، والمفرد، والمثنى، والجمع؛ لأنهنّ بمعنى: أفعل، كما رأيت. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

الإعراب: {هُنالِكَ:} اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية، أو الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. {الْوَلايَةُ:} مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، أو هو متعلق ب:{مُنْتَصِراً،} وعليه فالوقف على: {هُنالِكَ} . {لِلّهِ:} متعلقان بالولاية على الوجه الأول في الإعراب. ومتعلقان بمحذوف خبر {الْوَلايَةُ} على الوجه الثاني في إعراب {هُنالِكَ} والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {الْحَقِّ:} بالجر صفة الجلالة، وبالرفع صفة الولاية، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، وأجاز أبو البقاء اعتباره خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو الحق، واعتباره مبتدأ خبره الجملة الاسمية بعده. {هُوَ خَيْرٌ:} مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {ثَواباً:} تمييز. {هُوَ خَيْرٌ:} معطوف على سابقه. {عُقْباً:} تمييز.

{وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً (45)}

الشرح: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ..} . إلخ: أي: اذكر، وقرر لأهل مكة حال الدنيا في زهرتها، ونضارتها، وسرعة زوالها، وفنائها. وينبغي أن تعلم: أن هذا الكلام فيه التفات من الغيبة، وهي

ص: 483

قصة الرجلين اللذين رأيت الكلام فيهما إلى الحضور والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولأهل مكة المعاندين الحق، كما هو واضح للعيان. {كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ} أي: بالماء. {نَباتُ الْأَرْضِ:} فالتف بسببه، وخالط النبات بعضه بعضا من كثرته، وتكاثفه، وحقه أن يكون الكلام، فاختلط بنبات الأرض، لكن لما كان كل من المختلطين موصوفا بصفة صاحبه، عكس للمبالغة في كثرته. وانظر الآية رقم [24] من سورة (يونس) عليه السلام، فإنها مثل هذه الآية في التشبيه التمثيلي، وفي كل شيء.

{فَأَصْبَحَ هَشِيماً:} متكسرا من اليبس متفتتا بسبب انقطاع الماء عنه. {تَذْرُوهُ الرِّياحُ:} تفرقه، وتذهب به، وقرئ:«(تذريه)» بضم التاء من أذرى الرباعي، وبفتحها من ذرى الثلاثي. هذا؛ وفي الآية تشبيه التمثيل، انظر سورة (يونس). {وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ} من الإنشاء، والإفناء، والإحياء، والإماتة، وغير ذلك. {مُقْتَدِراً:} قادرا لا يعجزه شيء في هذا الكون.

تنبيه: قالت الحكماء: إنما شبه الله تعالى الدنيا بالماء؛ لأن الماء لا يستقر في موضع، كذلك الدنيا لا تبقى على حال واحد، ولأن الماء لا يستقيم على حالة واحدة كذلك الدنيا، ولأن الماء لا يبقى، ويذهب، كذلك الدنيا تفنى، ولأن الماء لا يقدر أن يدخله أحد إلا ويبتل، كذلك الدنيا لا يسلم من دخلها من فتنتها، وآفتها، ولأن الماء إذا كان بقدر كان نافعا منبتا، وإذا جاوز المقدار كان ضارّا مهلكا، وكذلك الدنيا الكفاف منها ينفع، وفضولها يضر، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل: يا رسول الله! إني أريد أن أكون من الفائزين. قال: «ذر الدّنيا، وخذ منها كالماء الرّاكد، فإنّ القليل منها يكفي، والكثير منها يطغي» . وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنّعه الله بما آتاه» . انتهى. قرطبي بحروفه.

هذا؛ وأقول: إن كل إنسان وحياته كالنبات الذي ينبت من الأرض بسبب المطر: طفولته، ومراهقته، وشبابه، وكهولته، وشيخوخته، وهرمه. كل ذلك شبيه بأطوار النبات على الأرض، ورحم الله من يقول:[البسيط]

ما أنت إلاّ كزرع عند خضرته

لكلّ شيء من الآفات مقصود

فإن سلمت من الآفات أجمعها

فأنت من بعد ذا لا بدّ محصود

الإعراب: {وَاضْرِبْ:} الواو: حرف استئناف. (اضرب): أمر، وفاعله مستتر تقديره:

«أنت» . {مَثَلَ:} مفعول به، وهو مضاف، و {الْحَياةِ} مضاف إليه. {الدُّنْيا:} صفة {الْحَياةِ} مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف. {كَماءٍ:} متعلقان بالفعل (اضرب) على أنهما مفعوله الثاني، إن كان بمعنى: صير، وأوضع منه أن تعتبر الكاف اسما بمعنى: مثل مبنيا على الفتح في محل نصب مفعوله الثاني، والكاف مضاف، و (ماء) مضاف إليه. هذا؛ وإن كان الفعل بمعنى: اذكر، فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو كماء،

ص: 484

وعليه فالجملة الاسمية في محل نصب بدلا من {مَثَلَ الْحَياةِ} . وجملة: {وَاضْرِبْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{أَنْزَلْناهُ:} فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة (ماء). {مِنَ السَّماءِ:} متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب. {فَاخْتَلَطَ:} ماض. {بِهِ:} متعلقان به. {نَباتُ:} فاعل، وهو مضاف، و {الْأَرْضِ} مضاف إليه، والجملة:{فَاخْتَلَطَ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها. {فَأَصْبَحَ:} ماض ناقص، وهو بمعنى: صار، واسمه يعود إلى {نَباتُ الْأَرْضِ}. {هَشِيماً:} خبره، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا.

هذا؛ ووجود رابط في الأولى رابط لكل ما يعطف عليها. {تَذْرُوهُ:} مضارع مرفوع

إلخ، والهاء مفعول به. {الرِّياحُ:} فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ثان لأصبح، وهو أقوى من اعتبارها صفة هشيما. {وَكانَ:} ماض ناقص. {اللهُ:} اسمها. {عَلى كُلِّ:} متعلقان بما بعدهما، و {كُلِّ:} مضاف، و {شَيْءٍ} مضاف إليه. {مُقْتَدِراً:} خبر (كان)، وجملة:{وَكانَ..} .

إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً (46)}

الشرح: {الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ..} . إلخ: يتزين بهما الإنسان في دنياه، ثم تفنى هذه الزينة، وإنما كانا زينة الحياة الدنيا؛ لأن في المال جمالا، ونفعا، وفي البنين قوة، ودفعا، فصارا زينة الحياة الدنيا، وإنما أفرد {زِينَةُ} مع كونها عائدة على اثنين؛ لأنها مصدر، فصح الإخبار بها عن الاثنين، وهي بمعنى: المفعول، أو هي من قبيل قوله تعالى:{وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} الآية رقم [62] من سورة (التوبة).

{وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ:} لقد اختلف في تفسيرها، فقال ابن عباس، وابن جبير، وأبو ميسرة، وعمرو بن شرحبيل: هي الصلوات الخمس. والصحيح: أنها كل عمل صالح من قول، أو فعل يبقى للآخرة. وقال علي-رضي الله عنه:«الحرث حرثان، فحرث الدنيا: المال والبنون، وحرث الآخرة: الباقيات الصالحات، وقد جمعهن الله تعالى لأقوام» . وقال الجمهور: هي الكلمات المأثور فضلها: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر، ولا حول، ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم) خرجه مالك في موطئه عن عمارة بن صيّاد عن سعيد بن المسيب.

وعن أبي الدرداء-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله، فإنّهنّ الباقيات الصّالحات، وهنّ يحططن الخطايا كما تحطّ الشجرة ورقها، وهي من كنوز الجنّة» . رواه الطبراني.

ص: 485

وقال عبيد بن عمير: هن البنات، يدل عليه، أوائل الآية. قال تعالى:{الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا} ثم قال: {وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ} يعني البنات الصالحات، هن عند الله لآبائهن خير ثوابا، وخير أملا في الآخرة لمن أحسن إليهن. انظر ما ذكرته في الآية رقم [59] من سورة (النحل)، وخذ ما يلي: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «لقد رأيت رجلا من أمّتي أمر به إلى النار، فتعلق به بناته، وجعلن يصرخن، ويقلن: ربّ إنه كان يحسن إلينا في الدّنيا، فرحمه الله بهنّ» . هذا؛ وليس في زينة الدنيا خير، ولكنه في التحقيق ممّا يظنه الجهال: أنه خير في ظنهم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وانظر الآية رقم [76] من سورة (مريم) عليها السلام.

هذا، وفي قوله تعالى:{الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ..} . إلخ فن الجمع، وهو أن يجمع المتكلم بين شيئين في حكم واحد، فقد جعل الله المال والبنين زينة الحياة الدنيا، ومنه قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [90]:{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ..} . إلخ ومنه قول الشاعر: [البسيط]

آراؤه وعطاياه ونعمته

وعفوه رحمة للنّاس كلّهم

وانظر المحسنات البديعية في كتاب قواعد اللغة العربية الذي شرحته، وحققته.

الإعراب: {الْمالُ:} مبتدأ. {وَالْبَنُونَ:} معطوف عليه مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. {زِينَةُ:} خبر المبتدأ، وهو مضاف، و {الْحَياةِ} مضاف إليه. {الدُّنْيا:} صفة الحياة مجرور مثله، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف، والجملة الاسمية:{الْمالُ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{وَالْباقِياتُ:} مبتدأ. {الصّالِحاتُ:} صفة لها. {خَيْرٌ:} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، أو هي مستأنفة. {عِنْدَ:} ظرف مكان متعلق ب: {خَيْرٌ،} و {عِنْدَ:} مضاف، و {رَبِّكَ} مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، {ثَواباً:} تمييز. {وَخَيْرٌ:} معطوف على ما قبله. {أَمَلاً:} تمييز.

{وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (47)}

الشرح: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ} أي: نزيلها من أماكنها من على وجه الأرض، ونسيرها كما نسير السحاب. قال تعالى في سورة (النمل):{وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ} و {وَتَرَى:} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لكل واحد. {بارِزَةً:} ظاهرة، ليس عليها ما يسترها من جبل، أو شجر، أو بنيان. وقيل: المعنى برز ما فيها من الكنوز، والأموات، كما قال تعالى:

{وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ} وقال: {وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها} وهذا قول عطاء رحمه الله تعالى.

{وَحَشَرْناهُمْ:} أخرجناهم من قبورهم، وسقناهم إلى المحشر جميعا برهم، وفاجرهم، إنسهم،

ص: 486

وجنهم. {فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً:} فلم نترك أحدا منهم، والمغادرة: الترك، ومنه الغدر؛ لأنه ترك الوفاء. هذا؛ ويقرأ الفعل {نُسَيِّرُ} بالتاء، والبناء للمجهول، والبناء للمعلوم، ورفع الجبال معهما. هذا؛ والتعبير بالفعل الماضي في هذه الآية وما بعدها، وهو ينص على شيء يقع في المستقبل بلا ريب، إنما هو لتحقق وقوع ما يذكر، وهذا التعبير مستعمل في القرآن الكريم بكثرة. هذا؛ و {الْجِبالَ} مفرده جبل ويجمع على: أجبل، وأجبال أيضا.

الإعراب: {وَيَوْمَ:} الواو: حرف عطف. (يوم): معطوف على الظرف {عِنْدَ} التقدير:

وخير يوم، أو هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: واذكر يوم.. إلخ وتكون هذه الجملة معطوفة على جملة: {وَاضْرِبْ..} . إلخ وما بينهما اعتراض. {نُسَيِّرُ:} مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«نحن» . {الْجِبالَ:} مفعول به، وعلى القراءتين الأخريين هو فاعل، أو نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة يوم إليها. {وَتَرَى:} مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» . {الْأَرْضَ:} مفعول به. {بارِزَةً:} حال من الأرض؛ لأن الفعل بصري، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها.

{وَحَشَرْناهُمْ:} فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا، أو هي في محل نصب حال من الأرض على تقدير قد قبلها، والرابط: الواو فقط على حد قوله تعالى: {قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} . {فَلَمْ:} الفاء: حرف عطف.

لم: حرف جازم. {نُغادِرْ:} مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره:«نحن» . منهم:

متعلقان بمحذوف حال من أحدا، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على نحو ما رأيت في الآية رقم [9] {أَحَداً:} مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. والعطف هو الأقوى.

{وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً (48)}

الشرح: {وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا:} قال مقاتل: يعرض الخلق صفا بعد صف كالصفوف في الصلاة، كل أمة، وزمرة صفا، لا أنهم صف واحد. وقيل: جميعا. وقيل: قياما، وخرج الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن منده في كتاب التوحيد عن معاذ بن جبل-رضي الله عنه:

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الله تبارك وتعالى ينادي يوم القيامة بصوت رفيع غير فظيع: يا عبادي أنا الله، لا إله إلاّ أنا أرحم الرّاحمين، وأحكم الحاكمين، وأسرع الحاسبين، يا عبادي لا خوف عليكم اليوم، ولا أنتم تحزنون، أحضروا حجّتكم ويسّروا جوابا، فإنكم مسئولون محاسبون، يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفا على أطراف أنامل أقدامهم للحساب» . انتهى. قرطبي.

ص: 487

{لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي: حفاة، عراة، لا مال معكم، ولا ولد. وقيل: فرادى كما في الآية رقم [94] من سورة (الأنعام)، انظرها فالبحث فيها جيد. هذا؛ وفي صحيح مسلم عن عائشة-رضي الله عنها-قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يحشر النّاس يوم القيامة حفاة عراة غرلا» . قلت: يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: «يا عائشة! الأمر أشدّ من أن يهمّهم ذلك» . زاد النسائي في رواية له: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} ومعنى غرلا: غير مختونين، والمراد: وجود القلفة التي تزال عند الختان، وهو تحقيق لما في هذه الآية. {بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ..}. إلخ: بل ادعيتم باطلا، وافتراء أننا لن نجعل لكم وقتا لإنجاز ما وعدتم على ألسنة الرسل من البعث، والحشر، والنشور، أو نجعل لكم مكان وعد للمحاسبة. هذا؛ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [43] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف تحية، وألف صلاة.

الإعراب: {وَعُرِضُوا:} الواو: حرف عطف. (عرضوا): ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. {عَلى رَبِّكَ:} متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {صَفًّا:} حال بمعنى: مصطفين، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:{وَحَشَرْناهُمْ} على الوجهين المعتبرين فيها. {لَقَدْ:} اللام: واقعة في جواب قسم مقدر. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. {جِئْتُمُونا:} ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، ونا مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول لقول محذوف واقع حالا، التقدير: مقولا لهم:

لقد

إلخ.

{كَما:} الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. {خَلَقْناكُمْ:} فعل، وفاعل، ومفعول به. {أَوَّلَ:} ظرف زمان متعلق بما قبله، وهو مضاف، و {مَرَّةٍ} مضاف إليه، وما المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: جئتمونا مجيئا كائنا مثل خلقنا إياكم أول مرة. وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر، المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، لا يجوز إلا في مواضع محصورة معينة، وليس هذا منها.

{بَلْ:} حرف إضراب تستأنف بعده الجمل. {زَعَمْتُمْ:} فعل، وفاعل. {أَلَّنْ:} حرف مشبه بالفعل، مخفف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف. التقدير: أننا. (لن): حرف ناصب. {نَجْعَلَ:} مضارع منصوب ب: (لن) والفاعل مستتر تقديره: «نحن» . {لَكُمْ:} متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله الثاني، أو هما متعلقان بموعدا بعدهما الذي هو مفعول به،

ص: 488

وجملة: {أَلَّنْ نَجْعَلَ..} . إلخ في محل رفع خبر (أن)، و (أن) واسمها المحذوف وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي زعم، وجملة:{زَعَمْتُمْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49)}

الشرح: {وَوُضِعَ الْكِتابُ} أي: نشرت كتب الأعمال؛ التي عملها بنو آدم في الدنيا. وانظر التعبير بالماضي عن المستقبل في الآية [48] فقد روى القرطبي-رحمه الله تعالى-: أن عمر رضي الله عنه-قال لكعب: ويحك يا كعب! حدثنا من حديث الآخرة. قال: نعم يا أمير المؤمنين! «إذا كان يوم القيامة رفع اللوح المحفوظ، فلم يبق أحد من الخلائق، إلاّ وهو ينظر إلى عمله. قال: ثم يؤتى بالصحف التي فيها أعمال العباد، فتنثر حول العرش، وذلك قوله تعالى:{وَوُضِعَ الْكِتابُ..} . إلخ. قال كعب: ثم يدعى المؤمن، فيعطى كتابه بيمينه، فينظر فيه، فإذا حسناته باديات للناس، وهو يقرأ سيئاته؛ لكيلا يقول: كانت لي حسنات، فلم تذكر، فأحب الله أن يريه عمله كلّه حتى إذا استنقص ما في الكتاب؛ وجد في آخر ذلك كلّه أنّه مغفور لك، وأنك من أهل الجنة، فعند ذلك يقبل إلى أصحابه، ثم يقول:{هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ} ثم يدعى بالكافر، فيعطى كتابه بشماله، ثم يلفّ، فيجعل من وراء ظهره، ويلوى عنقه، فذلك قوله:{وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ} فينظر في كتابه، فإذا سيئاته باديات للناس، وينظر في حسناته لكيلا يقول: أفأثاب على السيئات؟!. وكان الفضيل بن عياض-رحمه الله تعالى-إذا قرأ هذه الآية، يقول: يا ويلتاه! ضجّوا إلى الله تعالى من الصغائر قبل الكبائر.

{وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً:} مكتوبا في الصحف، أو وجدوا جزاء ما عملوا حاضرا. {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} أي: بنقص شيء من ثوابه، ولا بزيادة شيء من عقابه. وانظر الآية رقم [14] من سورة (الإسراء). هذا؛ والصغيرة: النظرة المحرمة، وكذلك: اللمسة، والقبلة، ونحو ذلك، وأما الكبيرة فهي ما تستحق حدا في الدنيا، وعقابا في الآخرة، ولا تنس: أنّ الإصرار على الصغيرة، والإكثار منها كبيرة. وخذ ما يلي: عن سهل بن سعد-رضي الله عنه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

«إيّاكم ومحقّرات الذّنوب، فإنّما مثل محقّرات الذّنوب كمثل قوم، نزلوا بطن واد، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود حتّى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإنّ محقّرات الذنوب متى يأخذ بها صاحبها تهلكه» . رواه أحمد، وفي كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري كثير من هذا، ولا تنس: أن في المسلمين كثيرا من المجرمين والظالمين والفاسقين

إلخ، وقد بينته فيما مضى كثيرا، والله أسأل، وبنبيه أتوسل أن يهدينا جميعا سواء السبيل، فإنه خير مسئول.

ص: 489

الإعراب: {وَوُضِعَ:} الواو: حرف عطف. (وضع): ماض مبني للمجهول. {الْكِتابُ:}

نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. (ترى): مضارع مرفوع

إلخ، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» . {الْمُجْرِمِينَ:} مفعول به منصوب. {مُشْفِقِينَ:} حال من المجرمين؛ لأن الفعل بصري، منصوب، وعلامة النصب فيهما الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة:{فَتَرَى..} . إلخ معطوفة على ما قبلها.

{مِمّا:} متعلقان ب: {مُشْفِقِينَ؛} لأنه اسم فاعل، لذا فاعله مستتر فيه. {فِيهِ:} متعلقان بمحذوف صلة الموصول. {وَيَقُولُونَ:} مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعل. {يا وَيْلَتَنا:} يا: قال الجلال: حرف تنبيه. (ويلتنا): قال الجلال: مصدر، لا فعل له من لفظه، وهو يعني: أنه مفعول مطلق، والتحقيق: أنه منادى، ونداء الويلة على تشبيهها بشخص يطلب إقباله، كأنه قيل: يا هلاكنا أقبل، فهذا، أوانك، ففيه استعارة مكنية، وتخييلية، وفيه تقريع لهم، وإشارة إلى أنه لا صاحب لهم غير الهلاك، وطلبوا هلاكهم، لئلا يروا ما هم فيه. انتهى جمل نقلا عن الشهاب. أقول: انظر شرح «الويل» في الآية رقم [2] من سورة (إبراهيم) عليه السلام. وانظر إعراب {يا وَيْلَتى} في الآية رقم [72] من سورة (هود) عليه السلام، و (نا): في محل جر بالإضافة.

{ما لِهذَا:} (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (لهذا): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و (ها) التنبيه مقحمة بينهما، وهو حرف لا محل له.

{الْكِتابُ:} بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، والجملة الاسمية، والندائية قبلها كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة:{وَيَقُولُونَ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها أيضا، جملة:{لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً} في محل نصب حال من {الْكِتابُ،} والرابط: الضمير فقط والعامل اسم الإشارة. {إِلاّ:} حرف حصر. {أَحْصاها:} ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الكتاب، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة {صَغِيرَةً} و {كَبِيرَةً،} أو هي في محل نصب مفعول به ثان؛ لأن يغادر بمعنى: يترك.

{وَوَجَدُوا:} ماض، وفاعله، والألف للتفريق. {مِمّا:} تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: وجدوا الذي، أو شيئا عملوه، وعلى اعتبار {مِمّا} مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير:

وجدوا عملهم. {حاضِراً:} حال من الضمير المنصوب المقدر، أو من المصدر عملهم، أو هو مفعول به ثان، وجملة:{وَوَجَدُوا..} . إلخ معطوفة على جملة: {وَيَقُولُونَ..} . إلخ فهي في محل نصب حال مثلها، ويجب تقدير قد قبلها، وجملة:{وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} معطوفة أيضا، واعتبارها مستأنفة وجه صحيح، لا غبار عليه.

ص: 490

{وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً (50)}

الشرح: {وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ:} انظر خلق آدم، وما المراد من السجود لآدم في الآية رقم [26] من سورة (الحجر) وما بعدها. وانظر شرح (آدم) في الآية رقم [61] من سورة (الإسراء). {فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ:} انظر شرح (إبليس) في الآية رقم [31] من سورة (الحجر).

{كانَ مِنَ الْجِنِّ:} قال ابن عباس-رضي الله عنهما: كان من حيّ من الملائكة، يقال لهم:

الجن خلقوا من نار السموم. وقال الحسن-رحمه الله تعالى-: كان من الجن، ولم يكن من الملائكة، فهو أصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس، وكونه من الملائكة، لا ينافي كونه من الجن، بدليل قوله تعالى:{وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً} وذلك: أن قريشا قالت: الملائكة بنات الله، فهذا يدل على أنّ الملك يسمى جنا، ويعضده اللغة؛ لأن الجن مأخوذ من الاجتنان، وهو الستر، فعلى هذا تدخل الملائكة فيه، فكل الملائكة جن لاستتارهم، وليس كل جن ملائكة، ووجه كونه من الملائكة أن الله تعالى استثناه من الملائكة، والاستثناء يفيد إخراج ما لولاه لدخل، ويصح دخوله، وذلك يوجب كونه من الملائكة، ووجه من قال: إنه كان من الجن، ولم يكن من الملائكة قوله تعالى:{كانَ مِنَ الْجِنِّ} والجن جنس مخالف للملائكة. وقوله:

{أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ} فأثبت له ذرية، والملائكة لا ذرية لهم، وأجيب عن الاستثناء: أنه استثناء منقطع، وهو مشهور في كلام العرب. قال تعالى:{لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاّ سَلاماً} قيل: إنه كان من الملائكة، فلما خالف الأمر؛ مسخ، وطرد، ولعن. انتهى. خازن.

{فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ:} خرج عن طاعة ربه. {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ..} . إلخ: فيه توبيخ، وتقريع لمن اتبع خطوات الشيطان الرجيم. {بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً} أي: بئس عبادة الشيطان بدلا من عبادة الله تعالى، أو بئس إبليس بدلا من الله. هذا؛ وقيل:{عَنْ} هنا بمعنى:

بعد، انظر رقم [63] من سورة (النور) تجد ما يسرك.

بعد هذا لقد اختلف: هل لإبليس ذرية من صلبه. فقال الشعبي: سألني رجل، فقال: هل لإبليس زوجة؟ فقلت: ذاك عرس لم أشهده، ثم ذكرت قوله تعالى:{أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ} فعلمت أنه لا تكون ذرية إلا من زوجة، فقلت: نعم. وقال مجاهد: إن إبليس أدخل فرجه في فرج نفسه، فباض خمس بيضات، فهذا أصل ذريته. وقيل: إن الله تعالى خلق له في فخذه اليمنى ذكرا، وفي اليسرى فرجا، فهو ينكح هذا بهذا، فيخرج له كل يوم عشر بيضات، يخرج من كل بيضة سبعون شيطانا، وشيطانة، فهو يخرج، وهو يطير، وأعظمهم عند أبيهم منزلة أعظمهم في بني آدم فتنة. وقال قوم: ليس له أولاد، ولا ذرية، وذريته: أعوانه من الشياطين.

ص: 491

قال القشيري أبو نصر: والجملة: أن الله تعالى أخبر: أن لإبليس أتباعا، وذرية، وأنهم يوسوسون إلى بني آدم، وهم أعداؤهم، ولا يثبت عندنا كيفية في كيفية التوالد منهم، وحدوث الذرية عن إبليس، فيتوقف الأمر فيه على نقل صحيح.

قال القرطبي-رحمه الله تعالى-الذي ثبت في هذا الباب من الصحيح عن سلمان الفارسي رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تكن أوّل من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها، فبها باض الشيطان، وفرّخ» . وهذا يدل على أنّ للشيطان ذرية من صلبه، والله أعلم. انتهى. باختصار السند، أقول: وإذا علمت: أنّ لكل واحد من بني آدم قرينا من الشياطين، كما ذكرته لك مرارا؛ علمت: أنه لا بد من التوالد، وأنهم يموتون كما يموت بنو آدم إلا إبليس اللعين الذي طلب من الله النّظرة، والإمهال كما رأيت مرارا.

وذكر الطبري وغيره: أن مجاهدا قال: ذرية إبليس: الشياطين، وكان يعدّهم: زلنبور صاحب الأسواق، يضع رايته في كل سوق بين السماء والأرض، يجعل تلك الراية على حانوت أول من يفتح، وآخر من يغلق، ويزين اللغو، والحلف الكاذب، ومدح السلع. وبتر، وهو صاحب المصائب، يزين ضرب الوجوه، وشق الجيوب، والدعاء بالويل، والثبور. والأعور صاحب الزنى ينفخ في إحليل الرجل، وعجيزة المرأة. ومطوس صاحب الأخبار الكاذبة، يلقيها في أفواه الناس، فلا يجدون لها أصلا. وداسم وهو الذي إذا دخل الرجل بيته، ولم يسم، ولم يذكر الله دخل معه، وشاركه في مبيته، وطعامه، وشرابه، انظر مشاركة الشيطان لابن آدم في الآية رقم [64] من سورة (الإسراء). والولهان، وهو صاحب الطهارة يوسوس فيها. ومرة، وهو صاحب المزامير، وبه يكنى.

قال ابن عطية: هذا؛ وما جانسه ممّا لم يأت به سند صحيح، ولم يمرّ بي في هذا صحيح إلا ما في كتاب مسلم من أن للصلاة شيطانا يسمى خنزب، وذكر الترمذي: أن للوضوء شيطانا يسمى: الولهان. انتهى. قرطبي.

فعن جابر بن عبد الله-رضي الله عنهما-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ إبليس يضع عرشه على الماء، ثمّ يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة، أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئا، ثمّ يجيء أحدهم، فيقول: ما تركته حتّى فرّقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه، ويقول: نعم أنت» . رواه مسلم.

الإعراب: {وَإِذْ:} الواو: حرف عطف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المحذوف، فهو مبني على السكون في محل نصب.

{قُلْنا:} فعل، وفاعل. {لِلْمَلائِكَةِ:} متعلقان بما قبلهما. {اُسْجُدُوا:} أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. {لِآدَمَ:} متعلقان بما قبلهما، وجملة:{قُلْنا..} . إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها، وجملة: «اذكر

» إلخ المقدرة

ص: 492

معطوفة على جملة: (اضرب لهم

) إلخ، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين، وجملة:

{فَسَجَدُوا..} . إلخ معطوفة على جملة: {قُلْنا..} . إلخ فهي في محل جر مثلها.

{إِلاّ:} أداة استثناء. {إِبْلِيسَ:} مستثنى ب: {إِلاّ،} وهل هو متصل، أو منقطع؟ انظر الشرح. {كانَ:} ماض ناقص، واسمه، يعود إلى {إِبْلِيسَ}. {مِنَ الْجِنِّ:} متعلقان بمحذوف خبر كان، وجملة:{كانَ مِنَ الْجِنِّ} في محل نصب حال من {إِبْلِيسَ،} و «قد» قبلها مقدرة، والرابط: الواو، والضمير، وأجيز اعتبارها تعليلا مستأنفا. {فَفَسَقَ:} ماض، وفاعله يعود إلى {إِبْلِيسَ}. {عَنْ أَمْرِ:} متعلقان به، و {أَمْرِ:} مضاف، و {رَبِّهِ} مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة:{فَفَسَقَ..} . إلخ معطوفة على جملة: (سجدوا

) إلخ، فهي في محل جر مثلها. وقيل: معطوفة على جملة:

{كانَ..} . إلخ فهي في جملة التعليل، وهو أولى.

{أَفَتَتَّخِذُونَهُ:} الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ. الفاء: حرف استئناف. (تتخذونه):

مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون

إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعول به أول.

{وَذُرِّيَّتَهُ:} معطوف على الضمير المنصوب منصوب مثله وأجيز اعتباره مفعولا معه، والهاء في محل جر بالإضافة. {أَوْلِياءَ:} مفعول به ثان. {مِنْ دُونِي:} متعلقان بما قبلهما إما بالفعل، أو بمحذوف صفة {أَوْلِياءَ} وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع

إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية:{أَفَتَتَّخِذُونَهُ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{وَهُمْ:} الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.

{لَكُمْ:} متعلقان بعدوّ بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. {عَدُوٌّ:} خبر المبتدأ. وانظر شرحه في الآية رقم [53] من سورة (الإسراء)، والجملة الاسمية:{وَهُمْ..} . إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من المفعول به، والرابط على الاعتبارين: الواو، والضمير. {بِئْسَ:} ماض جامد دال على إنشاء الذم، وفاعله مستتر فسره التمييز بعده. {لِلظّالِمِينَ:} متعلقان ب: {بَدَلاً،} أو بمحذوف حال منه، كان صفة له

إلخ. {بَدَلاً:} تمييز، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: هو إبليس، وجملة:

{بِئْسَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (51)}

الشرح: {ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:} الضمير المنصوب يعود إلى {إِبْلِيسَ} وذريته، المعنى: لم أحضرهم على خلق السموات والأرض، ولم أشاورهم بذلك، فكيف تتخذونهم

ص: 493

أولياء من دوني؟!. وقيل: يعود الضمير إلى الملائكة. وقيل: يعود إلى الكفار أنفسهم، فكيف ينسبون إلى الله ما لا يليق بجلاله، وعظمته؟!، وقرئ:«(ما أشهدناهم)» على التعظيم. {وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} أي: ولا أشهدتهم خلق أنفسهم، ولا استشرتهم في خلقها. قال القرطبي: فتتضمن الآية الرد على طوائف من المنجمين، وأهل الطبائع، والمتحكمين من الأطباء، وسواهم من كل من ينخرط في هذه الأشياء. انتهى.

{وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً} أي: معينا، وناصرا، ومساعدا، والمراد: بالمضلين الشياطين، وأولياؤهم، وأتباعهم، وأصل العضد: العضو الذي هو من المرفق إلى الكتف. ففي الكلام استعارة، وفيه قراءات ثمانية. هذا؛ وقرئ بفتح التاء خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم. هذا؛ والعضد تذكر، وتؤنث. وقال اللحياني: العضد مؤنثة لا غير، وهي العضو ما بين المرفق، والكتف، وتكون بمعنى: الناصر والمعين، كما في الآية الكريمة على سبيل الاستعارة. قال أبو الشعر الهلالي، من قصيدة له مستجادة:[البسيط]

كلا أخي وخليلي واجدي عضدا

في النّائبات وإلمام الملمّات

وتكون بمعنى: القوة، كما في قوله تعالى:{قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} أي: سنقويك بأخيك. وقال طرفة بن العبد: [السريع]

أبني لبينى لستم بيد

إلا يدا ليست لها عضد

والعضد: قوام اليد، وبشدتها تشتد، ويقال في دعاء الخير: شدّ الله عضدك! وفي ضده:

فتّ الله في عضدك! وقال تعالى لموسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في سورة (القصص):{سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ..} . إلخ الآية رقم [35].

الإعراب: {ما:} نافية. {أَشْهَدْتُهُمْ:} فعل، وفاعل، ومفعول به أول. {خَلْقَ:} مفعول به ثان، و {خَلْقَ:} مضاف، و {السَّماواتِ:} مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {وَالْأَرْضِ:} معطوف على ما قبله. {وَلا:}

الواو: حرف عطف. (لا): نافية، ويقال: زائدة لتأكيد النفي. {خَلْقَ:} معطوف على ما قبله، وهو مضاف، و {أَنْفُسِهِمْ} مضاف إليه

إلخ. {وَما:} الواو: حرف عطف. (ما): نافية.

{كُنْتُ:} ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. {مُتَّخِذَ:} خبر (كان)، وهو مضاف، و {الْمُضِلِّينَ} مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله الأول، وفاعله مستتر فيه. {عَضُداً:}

مفعول به ثان ل: {مُتَّخِذَ} وجملة: {وَما كُنْتُ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.

ص: 494

{وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً (52)}

الشرح: {وَيَوْمَ يَقُولُ} أي: اذكروا يوم يقول الله تعالى. هذا؛ وقرئ الفعل بالنون، والياء قراءتان سبعيتان، فبالنون لمناسبة:{وَإِذْ قُلْنا} وبالياء لمناسبة: {وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ} . {نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ:} ادعيتم أنهم آلهة فليمنعوكم من العذاب، وهذا القول لعبدة الأوثان يوم القيامة.

{فَدَعَوْهُمْ:} فنادوا، واستغاثوا بهم. {فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ} أي: لم يجيبوهم، ولم يستطيعوا نصرهم.

{وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً} أي: بين الأصنام وعبدتها مهلكا. قال أنس بن مالك-رضي الله عنه:

هو واد في جهنم من قيح ودم. وقال ابن عباس-رضي الله عنهما: هو واد في النار. وقيل:

نهر تسيل منه نار وعلى حافتيه حيات مثل البغال الدّهم. وقيل: كل حاجر بين شيئين فهو موبق.

وقيل: البين: تواصلهم في الدنيا، كان هلاكا لهم في الآخرة، انظر شرح:(بين) في الآية رقم [45] من سورة (الإسراء)، وشرح (اليوم) في الآية رقم [14] منها، وشرح (القول) في الآية رقم [16] منها، وشرح «زعم» في الآية رقم [56] منها أيضا، ومعنى {شُرَكائِيَ:} الذين أشركتموهم معي في العبادة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

هذا؛ و «موبق» اسم مكان، وياتي مصدرا ميميا أيضا، وجاء على وزن مفعل بكسر العين لأن مضارعه مكسور عينه، فهو من باب ضرب، وواوي الفاء أيضا. وانظر ما ذكرته في شرح (مسجد) في الآية رقم [21] و (مصرف) في الآية الآتية مثل (موبق)؛ لأن ماضيه: صرف، ومضارعه: يصرف بكسر الراء.

الإعراب: {وَيَوْمَ:} الواو: حرف عطف. (يوم): مفعول به لفعل محذوف، انظر، الشرح.

{يَقُولُ:} مضارع، وفاعله يعود إلى (الله). {نادُوا:} أمر وفاعله، والألف للتفريق.

{شُرَكائِيَ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع

إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب بدلا ممّا قبله، أو هو صفة له. {زَعَمْتُمْ:} فعل، وفاعل، ومفعولاه، أو ما يسد مسدهما محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية صلة الموصول، وجملة:{نادُوا..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{يَقُولُ..} . إلخ في محل جر بإضافة يوم إليها، وجملة: «اذكروا

» إلخ المقدرة مستأنفة، لا محل لها. {فَدَعَوْهُمْ:} ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. {يَسْتَجِيبُوا:} مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. {لَهُمْ:} متعلقان بما قبلهما. {وَجَعَلْنا:} فعل، وفاعل. {بَيْنَهُمْ:} ظرف

ص: 495

مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو مفعول به على تفسيره ب:«وصلهم» والهاء في محل جر بالإضافة، {مَوْبِقاً:} مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.

{وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً (53)}

الشرح: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ:} أبصر الكافرون النار، وما فيها. {فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها} أيقنوا: أنهم واقعون في جهنم، وفي الخبر: إن الكافر ليرى جهنم، ويظن: أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة، والمواقعة: ملابسة الشيء بشدة. {وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً:} مهربا، أو ملجأ يلتجئون إليه. هذا؛ وانظر ما ذكرته عن {الْمُجْرِمِينَ} في الآية رقم [49] وانظر الظن في الآية رقم [102] من سورة (الإسراء) وهو هنا معناه اليقين؛ لأن رؤية النار يوم القيامة لا شك فيها.

بعد هذا فالنار أصلها: النّور، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وهي من المؤنث المجازي، وقد تذكر، وتصغيرها: نويرة، وجمعها: أنور، ونيرة، ونيران، ويكنى بها عن جهنم التي سيعذب الله بها الكافرين، والفاسقين، والمجرمين، والظالمين

إلخ، من أبناء المسلمين. وانظر دركاتها في الآية رقم [44] من سورة (الحجر)، والفعل: نار، ينور. يستعمل لازما ومتعديا إذا بدئ بهمزة التعدية، كما في قولك: أنارت الشمس الكون.

الإعراب: {وَرَأَى:} ماض مبني على فتح مقدر على الألف. {الْمُجْرِمُونَ:} فاعل مرفوع

إلخ. {النّارَ:} مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {فَظَنُّوا:} الفاء: حرف عطف. (ظنوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. {أَنَّهُمْ:} حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. {مُواقِعُوها:} خبر (أنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وها: في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (ظنّوا)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {وَلَمْ:} الواو:

حرف عطف. لم: حرف جازم. {يَجِدُوا:} مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون

إلخ، والواو فاعله والألف للتفريق. {عَنْها:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما؛ لأنه اسم زمان، أو مكان، أو هو مصدر ميمي. {مَصْرِفاً:} مفعول به، وجملة:{وَلَمْ يَجِدُوا..} . إلخ معطوفة على خبر (أنّ)، واعتبارها حالا من فاعل {مُواقِعُوها} المستتر لا بأس به.

{وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً (54)}

الشرح: {وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا..} . إلخ: انظر الآية رقم [41] من سورة (الإسراء) ففيها الكفاية. {وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} أي: جدالا في الباطل. قال ابن عباس-رضي الله

ص: 496

عنهما-: أراد النضر بن الحارث، وجداله في القرآن. وقيل: أراد به أبيّ بن خلف. وقيل: أراد جميع الكفار، وهو الأولى.

فعن علي بن أبي طالب-كرم الله وجهه-: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه، وفاطمة-رضي الله عنها-ليلا، فقال:«ألا تصلّيان» . فقلت: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت له ذلك، ثمّ سمعته، وهو مدبر يضرب فخذه، ويقول:{وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} . والجدل: شدة الخصومة. وهي مذمومة إلا عند الضرورة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلاّ أوتوا الجدل» .

ثم قرأ قوله تعالى: {ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً} . رواه الترمذي وابن ماجة.

الإعراب: {وَلَقَدْ صَرَّفْنا..} . إلخ: انظر الآية رقم [41] و [89] من سورة (الإسراء) ففيهما الكفاية. {وَكانَ:} الواو: حرف استئناف. (كان): ماض ناقص. {الْإِنْسانُ:} اسم (كان).

{أَكْثَرَ:} خبر (كان)، و {أَكْثَرَ:} مضاف، و {شَيْءٍ} مضاف إليه. {جَدَلاً:} تمييز، وجملة:{وَكانَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الناس؛ فلست مفندا، ويكون الرابط الواو فقط، و «قد» قبلها مقدرة.

{وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً (55)}

الشرح: {وَما مَنَعَ النّاسَ..} . إلخ: المعنى وما منع الكافرين من الإيمان بالله ورسوله وقت مجيء الهدى إليهم، وما صدهم عن استغفار ربهم، وطلب العفو منه عنهم إلا انتظارهم أن يحل بهم ما حل بالأمم السابقة، وهو عذاب الاستئصال، والهلاك، أو إلا أن يحل بهم حكم الله بالانتقام منهم. وقيل: المعنى: ما منعهم من الإيمان إلا طلبهم أن تأتيهم سنّة الأولين. فحذف.

وهذا تجلى في قولهم: {اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ..} . إلخ الآية رقم [32] من سورة (الأنفال). {أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً} أي: عيانا، ومشاهدة. وقيل: فجأة. وهو يقرأ بضمتين، فقيل: جمع: قبيل بمعنى: أنواع. ويقرأ بفتحتين، وهو لغة فيه. وقيل: هو بمعنى:

متفرقا يتلو بعضه بعضا، وقرئ:(قبلا) بكسر وفتح، وهو بالمعنى الأول: الذي رأيته، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

بعد هذا انظر شرح: (الناس) في الآية رقم [60] من سورة (الإسراء)، وشرح {جاءَ} في الآية رقم [5] منها، وشرح {رَبُّكُمْ} في الآية رقم [8] منها، وشرح:{سُنَّةُ} في الآية رقم [13] من سورة (الحجر)، وشرح {أَتى} في الآية رقم [1] من سورة (النحل)، وشرح (أوّل) في الآية رقم [24] منها.

ص: 497

الإعراب: {وَما:} الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. {مَنَعَ:} ماض. {النّاسَ:} مفعول به. {أَنْ:} حرف مصدري ونصب. {يُؤْمِنُوا:} مضارع منصوب ب: {أَنْ،} وعلامة نصبه حذف النون

إلخ، والواو، فاعله، والألف للتفريق، و {أَنْ} والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به ثان، أو في محل جر بحرف جر محذوف، على الخلاف بين سيبويه، والخليل.

{إِذْ:} ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل يؤمنوا، وعلقه الجمل بالفعل {مَنَعَ}. {جاءَهُمُ:} ماض، والهاء مفعول به. {الْهُدى:} فاعله مرفوع

إلخ، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها. {وَيَسْتَغْفِرُوا:} معطوف على {يُؤْمِنُوا} منصوب مثله

إلخ. {رَبَّهُمْ:} مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {إِلاّ:} حرف حصر، والمصدر المؤول، من:{أَنْ تَأْتِيَهُمْ} في محل رفع فاعل {مَنَعَ} وهنا يجب تقدير مضاف قبل المصدر المؤول؛ أي: انتظار إتيان العذاب. وانظر الشرح، {سُنَّةُ:} فاعل تأتي، وهو مضاف، و {الْأَوَّلِينَ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. {أَوْ يَأْتِيَهُمُ:}

معطوف على ما قبله منصوب مثله، والهاء مفعول به. {الْعَذابُ:} فاعل. {قُبُلاً:} حال من العذاب، أو من الضمير المنصوب. هذا؛ ويشبه هذه الآية في معناها وإعرابها الآيتان رقم [59 و 94] من سورة (الإسراء)، وجملة:{وَما مَنَعَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاِتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً (56)}

الشرح: {وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ:} للمؤمنين الطائعين بالرحمة، والجنة.

{وَمُنْذِرِينَ:} للكافرين، والعاصين، والمجرمين بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم، في نار الجحيم. {وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ:} باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات، والسؤال عن قصة أصحاب الكهف، ونحوه تعنتا، ومنه قولهم للرسل:{ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا} و {وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً،} ونحو ذلك. {لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ:} ليزيلوا بجدالهم الحق عن مقره، ويبطلوه، وأصل الدحض: الزلق، يقال: دحضت رجله؛ أي: زلقت، ودحضت حجته دحوضا: بطلت؛ لذا في الكلام استعارة بالفعل. {وَاتَّخَذُوا آياتِي} أي: القرآن المنزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم. {وَما أُنْذِرُوا:} من العقاب، والتهديد، والوعيد. {هُزُواً:} استهزاء وسخرية.

هذا؛ وهزوا مصدر هزأ يهزأ هزأ من باب فتح، ويأتي أيضا من باب تعب، والمصدر يأتي بضم الزاي وسكونها، وتخفيف الهمزة، فتقلب واوا، وقد قرئ بهما، وهما سبعيتان. هذا؛ والاستهزاء بالناس حرام قطعا، وآية الحجر الناهية عن السخرية والاستهزاء بالناس معروفة،

ص: 498

وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الناهية عن ذلك مسطورة، ومشهورة. هذا؛ وفي قوله تعالى:{إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} قصر إضافي، وهو هنا قصر موصوف على صفة، وهو كثير في كتاب الله تعالى، ومطابقة أيضا بين {مُبَشِّرِينَ} و (منذرين). تأمل.

الإعراب: {وَما:} الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. {نُرْسِلُ:} مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«نحن» . {الْمُرْسَلِينَ:} مفعول به منصوب. {إِلاّ:} حرف حصر. {مُبَشِّرِينَ:} حال منصوب. {وَمُنْذِرِينَ:} معطوف عليه فهو حال مثله، وعلامة النصب في الثلاثة الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة:{وَما نُرْسِلُ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها، وعطف المثبتة على المنفية جائز. {وَيُجادِلُ:} الواو:

حرف استئناف. (يجادل): مضارع. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة:{كَفَرُوا} مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، والمفعول محذوف أي: المرسلين. {بِالْباطِلِ:} متعلقان بالفعل (يجادل) والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.

{لِيُدْحِضُوا:} مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون

إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل يجادل أيضا. {بِهِ:} متعلقان بما قبلهما. {الْحَقَّ:}

مفعول به. {وَاتَّخَذُوا:} الواو: حرف عطف. (اتخذوا): ماض، والواو فاعله. {آياتِي:}

مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع

إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:{وَيُجادِلُ..} . إلخ لا محل لها مثلها، واعتبارها حالا من واو الجماعة جيد أيضا، والرابط: الواو، والضمير، وقد قبلها مقدرة أيضا.

{وَما:} الواو: حرف عطف. ما: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب معطوفة على {آياتِي}. {أُنْذِرُوا:} ماض مبني للمجهول، مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول به. {هُزُواً:} مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: واتخذوا الذي، أو شيئا أنذروا به هزوا، هذا، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بمصدر في محل نصب معطوف على {آياتِي} فيكون التقدير: اتخذوا آياتي وإنذارهم هزوا. تأمل، وتدبر.

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (57)}

الشرح: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ..} . إلخ: أي: لا أحد أظلم لنفسه من إنسان وعظ بآيات الله، فأعرض عنها، وتركها، وتهاون بها، ولم يعمل بها. {وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ} أي: ما عمل من

ص: 499

المعاصي، فالنسيان هنا بمعنى: الترك. وانظر الآية رقم [24] هذا؛ ونسبت الأعمال كلها للأيدي وإن كانت من أعمال القلوب، والأرجل، والعيون والآذان تغليبا للأكثر على الأقل.

{إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً:} انظر شرح هذا الكلام في الآية رقم [45] و [46] من سورة (الإسراء) ففيهما الكفاية. {وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى} أي: إلى الإيمان، والمخاطب بذلك النبي صلى الله عليه وسلم. {فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً:} وهذا في حق أقوام علم الله منهم: أنهم لا يؤمنون. وانظر الآية رقم [17] والمحال عليها من سورة (الرعد) برقم [27] هذا؛ وفي أول الآية مراعاة لفظ (من)، وهو الإفراد، وفي آخرها مراعاة معنى (من)، وهو الجمع بالضمائر. تأمل، وفي الآية التفات من الغيبة إلى الحضور، انظر [22](النحل).

هذا؛ و {يَداهُ} مثنى: يد، وهما كناية عما يعمله الإنسان من أعمال، وليست كل الأعمال من عملهما كما هو معروف. هذا؛ واليد تستعمل في الأصل لليد الجارحة، وتطلق، ويراد بها القوة، والقدرة، كما في قوله تعالى:{يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} كما تطلق على النعمة، والمعروف، يقال: لفلان عندي يد؛ أي: نعمة، ومعروف وإحسان، وتطلق على الحيلة، والتدبير، فيقال:

لا يد لي في هذا الأمر؛ أي: لا حيلة لي فيه، ولا تدبير.

الإعراب: {وَمَنْ:} الواو: حرف استئناف. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {أَظْلَمُ:} خبره، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.

{مِمَّنْ:} متعلقان ب: {أَظْلَمُ،} و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب:(من). {ذُكِّرَ:} ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله يعود إلى (من)، وهو العائد، أو الرابط. {بِآياتِ:} متعلقان بما قبلهما، و (آيات) مضاف، و {رَبِّهِ} مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية:{ذُكِّرَ..} . إلخ صلة (من)، أو صفتها، وجملة:{فَأَعْرَضَ عَنْها} معطوفة عليها.

{وَنَسِيَ:} ماض. {ما:} اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. {قَدَّمَتْ:} ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. {يَداهُ:} فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة {ما،} أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:

نسي الذي، أو شيئا قدمته يداه، وهذه الجملة معطوفة على جملة:{ذُكِّرَ..} . إلخ على الوجهين المعتبرين فيها. {إِنّا:} حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وحذفت نونها للتخفيف، وبقيت ألفها. {جَعَلْنا:} فعل، وفاعل. {عَلى قُلُوبِهِمْ:} معلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. {أَكِنَّةً:} مفعول به، والمصدر المؤول من:{أَنْ يَفْقَهُوهُ} في محل جر بحرف جر محذوف، و «لا» مقدرة؛ إذ التقدير: لئلا يفقهوه، والجار والمجرور متعلقان بالفعل {جَعَلْنا،}

ص: 500

وهذا عند الكوفيين، وهو عند البصريين على حذف مضاف، التقدير: كراهية فهمهم له، فالمحذوف مفعول لأجله. {وَفِي آذانِهِمْ:} معطوفان على {قُلُوبِهِمْ} . {وَقْراً:} معطوف على {أَكِنَّةً} وإن قدرت: {جَعَلْنا} قبلهما، وضح لك ذلك، وجملة:{جَعَلْنا..} . إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية:{إِنّا..} . إلخ بمنزلة التعليل لإعراضهم عن آيات ربهم، ونسيانهم ما قدمته أيديهم.

{وَإِنْ:} الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. {تَدْعُهُمْ:} مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» ، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. {إِلَى الْهُدى:} متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. {فَلَنْ:} الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال. {يَهْتَدُوا:} مضارع منصوب ب: (لن) وعلامة نصبه حذف النون

إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف لدلالة ما قبله عليه. {إِذاً:} حرف جواب، وجزاء مهمل، لا عمل له. {أَبَداً:} ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وجملة:{فَلَنْ يَهْتَدُوا..} .

إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.

{وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (58)}

الشرح: {وَرَبُّكَ:} الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم. {الْغَفُورُ:} البليغ المغفرة. {ذُو الرَّحْمَةِ:}

صاحب الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء، وهي تعمّ كل مخلوق في الدنيا، وتختصّ بالمؤمنين في الآخرة. وانظر الآية رقم [155] من سورة (الأعراف) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. {لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا} أي: من الكفر، والمعاصي، والسيئات. {لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ} أي: في الدنيا، ولكنه سبحانه يمهل، ولا يهمل. وانظر الآية رقم [61] من سورة (النحل). {بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ} أي: أجل مقدر يؤخرون إليه، كقوله تعالى:{لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ} فإذا حل الأجل لم يتأخر العذاب عنهم، و {مَوْعِدٌ} يحتمل اسم المكان، والزمان، والمصدر الميمي، ومثله:(موئل). وانظر ما ذكرته في الآية [53]. {لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ:} من دون الله.

{مَوْئِلاً:} ملجأ، ولا منجى، بل، ولا مهربا، يقال: وأل: إذا نجا، ووأل إليه إذا لجأ إليه.

هذا؛ والكلام في أهل مكة، وهو يشمل أهل الظلم، والطغيان، والمعاصي، والسيئات في كل زمان ومكان، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

ص: 501

الإعراب: {وَرَبُّكَ:} الواو: حرف استئناف. {(رَبُّكَ):} مبتدأ مرفوع، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {الْغَفُورُ:} خبر أول. {ذُو:}

خبر ثان مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و {ذُو} مضاف، و {الرَّحْمَةِ} مضاف إليه. {لَوْ:} حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. {يُؤاخِذُهُمْ:}

مضارع، والفاعل يعود إلى (ربك)، والهاء مفعول به. {بِما:} متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما):

تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، إذ التقدير:

بالذي، أو بشيء كسبوه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بكسبهم. وجملة: {يُؤاخِذُهُمْ..} . إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. {لَعَجَّلَ:} اللام: واقعة في جواب {لَوْ} . (عجل): ماض، والفاعل يعود إلى ربك. {لَهُمُ:} متعلقان به. {الْعَذابَ:} مفعول به، والجملة الفعلية جواب (لو)، لا محل لها، ولو ومدخولها في محل رفع خبر ثالث للمبتدإ، أو هو كلام مستأنف بالإعراض عما قبله، والجملة الاسمية:{وَرَبُّكَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {بَلْ:} حرف إضراب.

{لَهُمُ:} متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {مَوْعِدٌ:} مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {لَنْ:} حرف ناصب.. إلخ. {يَجِدُوا:} مضارع منصوب ب: {لَنْ،} وعلامة نصبه حذف النون

إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق

{مِنْ دُونِهِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:{مَوْئِلاً} كان صفة له، فلما

إلخ. انظر مثله في الآية رقم [9]، والهاء في محل جر بالإضافة، {مَوْئِلاً:} مفعول به، وجملة:{لَنْ يَجِدُوا..} .

إلخ في محل رفع صفة {مَوْعِدٌ} . تأمّل.

{وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً (59)}

الشرح: {وَتِلْكَ الْقُرى} أي: تلك القرى التي قصصنا عليك يا محمد نبأهم، نحو قرى عاد، وثمود، ومدين، وقوم لوط، وقومك يمرون على هذه القرى في أسفارهم إلى اليمن وإلى الشام، أفلا يعتبرون؟! هذا؛ والمراد: أهل القرى بلا ريب بدليل رجوع الضمير عليهم كما ترى.

{أَهْلَكْناهُمْ} أي: بأنواع من العذاب كما رأيت في سورة (الأعراف) وسورة (هود) عليه السلام.

{لَمّا ظَلَمُوا} أي: كفروا، وظلموا أنفسهم بمخالفة الله تعالى. {وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً} أي:

وقتا معلوما، لا يستأخرون عنه ساعة، ولا يستقدمون. هذا؛ ويقرأ بضم الميم وفتح اللام على زنة المفعول، ويقرأ بفتح الميم مع كسر اللام وفتح اللام، فالقراءات ثلاث سبعيات، و (موعد) يحتمل الزمان، والمكان، والمصدر. وانظر ما ذكرته في {مَوْبِقاً} في الآية [53].

ص: 502

الإعراب: {وَتِلْكَ:} الواو: حرف استئناف. (تلك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {الْقُرى:} خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. {أَهْلَكْناهُمْ:} فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان، أو في محل نصب حال من أهل القرى، والعامل في الحال اسم الإشارة. هذا؛ ويجوز أن يكون القرى بدلا من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، وتبقى الجملة الفعلية خبرا لاسم الإشارة، ويجوز أن يكون:{وَتِلْكَ} منصوب المحل بفعل مقدر يفسره المذكور بعده، التقدير: أهلكنا أهل القرى أهلكناهم، والكلام مستأنف على جميع الاعتبارات لا محل له. {لَمّا:} ظرف زمان بمعنى: حين، مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله، وجملة:{ظَلَمُوا} مع المفعول المحذوف في محل جر بإضافة {لَمّا} إليها، وجملة:{وَجَعَلْنا..} . إلخ معطوفة على جملة: {أَهْلَكْناهُمْ} على جملة الوجوه المعتبرة فيها.

{لِمَهْلِكِهِمْ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب:{مَوْعِداً} بعدهما، أو بمحذوف حال منه على نحو ما رأيت في الآية السابقة قبلها؛ أي: في قوله: {مِنْ دُونِهِ،} تأمل. والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله.

{وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (60)}

الشرح: {وَإِذْ قالَ مُوسى:} هو ابن عمران بن قاهت بن لاوي، بن يعقوب، بن إسحاق، بن إبراهيم على نبينا، وحبيبنا، وعليهم جميعا ألف سلام، وألف صلاة. هذا؛ وموسى في الأصل:

«موشى» مركبا من اسمين: الماء، والشجر، فالماء يقال له في العبرانية:(مو) والشجر يقال له:

(شا) فعربته العرب. وقالوا: موسى بالسين، وسبب تسميته بذلك: أن امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء، والشجر، لمّا ألقته أمه فيه، كما هو مذكور في سورة (طه) و (القصص).

{لِفَتاهُ:} هو يوشع بن نون، بن افراثيم، بن يوسف بن يعقوب، وهو صاحب موسى، وولي عهده بعد وفاته، وهو الذي قاتل الجبابرة بعد موسى، وفتح مدينة أريحا. انظر ما ذكرته في الآية رقم [26] من سورة (المائدة) تجد ما يسرك، والفتى: الشاب. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [62] من سورة (يوسف) عليه الصلاة، والسّلام. {لا أَبْرَحُ:} لا أزال أسير. {حَتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ} أي: ملتقاهما ببعضهما، واختلف في البحرين، فقيل: هما: بحر فارس، والروم. وقيل: هما: بحر الأردن، وبحر القلزم. وقيل: مجمع البحرين عند طنجة، فيكون المراد بالأولين الأبيض، والأسود، وملتقاهما هو مضيق الدردنيل، والمراد: بما بعدهما الأبيض والأحمر، وملتقاهما قناة السويس، وبما بعدهما الأبيض والأطلنطي، وملتقاهما مضيق جبل

ص: 503

طارق، والله أعلم. {أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} أي: أسير زمانا، هذا؛ وقيل: الحقب ثمانون سنة.

وقيل: سبعون، والجمع: أحقاب، وقافه تضم، وقد تسكن. هذا؛ والحقبة بكسر الحاء: واحدة الحقب، وهي السنون. قال تعالى في سورة (النبأ):{لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً} .

وسبب هذه القصة ما خرجه الصحيحان عن أبيّ بن كعب: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

«إنّ موسى عليه السلام قام خطيبا في بني إسرائيل، فسئل: أيّ الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه؛ إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال موسى: يا رب كيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتا، فتجعله في مكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثمّ» . وذكر الحديث، واللفظ للبخاري. انتهى. قرطبي.

وقال ابن عباس-رضي الله عنهما: لما ظهر موسى وقومه على أرض مصر، أنزل قومه مصر، فلما استقرت بهم الدار، أمره الله أن ذكرهم بأيام الله، فخطب قومه، فذكرهم ما آتاهم الله من الخير، والنعمة؛ إذ نجاهم من آل فرعون، وأهلك عدوهم، واستخلفهم في الأرض، ثم قال: وكلم الله نبيكم تكليما، واصطفاه لرسالته، وألقى عليّ محبة منه، وآتاكم من كل ما سألتموه، فجعلكم أفضل أهل الأرض، ورزقكم العز بعد الذل، والغنى بعد الفقر، والتوراة بعد أن كنتم جهالا. فقال له رجل من بني إسرائيل: عرفنا الذي تقول، فهل على وجه الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟! قال: لا. فعتب الله عليه حين لم يرد العلم إليه، فبعث الله جبريل عليه السلام، أن يا موسى، وما يدريك أين علمي؟ بل إن لي عبدا بمجمع البحرين أعلم منك.

قال علماؤنا قوله في الحديث: «هو أعلم منك» أي: بأحكام وقائع مفصلة، وحكم نوازل معينة، لا مطلقا، بدليل قول الخضر لموسى: إنك على علم علمكه الله، لا أعلمه أنا، وأنا على علم علمنيه، لا تعلمه أنت. فيصدق على كل واحد منهما: أنه أعلم من الآخر بالنسبة إلى ما يعلمه كل واحد منهما، لا يعلمه الآخر، فلما سمع موسى-عليه السلام-هذا تشوقت نفسه الفاضلة، وهمته العالية لتحصيل ما لم يعلم، وللقاء من قيل فيه: إنه أعلم منك، فعزم، وسأل سؤال الذليل ب: كيف السبيل؟ فأمر بالارتحال على كل حال. وقيل له: احمل معك حوتا مالحا في مكتل، فحيث يحيا، وتفقده؛ فثمّ السبيل، فانطلق مع فتاه لما واتاه مجتهدا طلبا قائلا:

لا أبرح حتى

إلخ. انتهى قرطبي.

هذا؛ وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وقيل: إن موسى عليه السلام سأل ربه؛ أيّ:

عبادك أحبّ إليك؟ قال: الذي يذكرني، ولا ينساني. قال: فأي: عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق، ولا يتبع الهوى. قال: فأي: عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدل على هدى، أو ترده عن ردى، فقال: إن كان في عبادك أعلم مني فادللني عليه. قال: أعلم منك الخضر. قال: أين أطلبه؟ قال: على الساحل عند الصخرة.

ص: 504

قال: كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتا في مكتل، فحيث فقدته؛ فهو هناك، فقال لفتاه: إذا فقدت الحوت، فأخبرني، فذهبا يمشيان. انتهى. والآيات التالية تفصل وتبين ما جرى.

الإعراب: {وَإِذْ:} الواو: حرف استئناف. (إذ): ظرف مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المحذوف، وجملة:{قالَ مُوسى} في محل جر بإضافة (إذ) إليها. {لِفَتاهُ:} متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة. {لا:} نافية. {أَبْرَحُ:} مضارع ناقص، واسمه مستتر تقديره:«أنا» ، والخبر محذوف، تقديره: أسير. انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. {حَتّى:} حرف غاية وجر. {أَبْلُغَ:} مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد {حَتّى} والفاعل مستتر تقديره: «أنا» ، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب:{حَتّى،} والجار والمجرور متعلقان بالفعل «أسير» المقدر. {مَجْمَعَ:} مفعول به، وهو مضاف، و {الْبَحْرَيْنِ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء

إلخ، {أَوْ:} حرف عطف. {أَمْضِيَ:} معطوف على {أَبْلُغَ} منصوب مثله، والفاعل تقديره:«أنا» . {حُقُباً:}

ظرف زمان متعلق بما قبله.

{فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (61)}

الشرح: {فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما} أي: فلما وصل موسى، وفتاه مجمع البحرين. {نَسِيا حُوتَهُما:} كان النسيان من يوشع وحده، فنسب للاثنين على حد قوله تعالى:{يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ} وإنما يخرج من الملح وحده، وإنما نسب إليهما للصحبة. {فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ:} طريقه.

{فِي الْبَحْرِ سَرَباً} أي: مسلكا يسلكه. وقيل: المعنى: دخل فيه، واستتر، وأمسك الله عنه جري الماء، فصار عليه مثل الكوة.

قيل: كان عند الصخرة التي انتهى إليها موسى وفتاه عين ماء، تسمى: عين الحياة، لا تصيب شيئا إلا حيي، فلما أصاب الحوت المشوي روح الماء وبرده؛ اضطرب في المكتل، وهاج، ودخل البحر. وقيل: توضأ يوشع من عين الحياة، فانتضح الماء على الحوت، فعاش، ووثب.

ومثله مروي في البخاري عن ابن عباس، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {فَلَمّا:} الفاء: حرف استئناف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى: حين عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. {بَلَغا:} ماض مبني على الفتح، والألف فاعله. {مَجْمَعَ:}

ص: 505

مفعول به، وهو مضاف، و {بَيْنِهِما:} مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، وجملة:{بَلَغا..} . إلخ ابتدائية لا محل لها على القول بحرفية (لمّا)، وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على القول بظرفيتها. {نَسِيا:} ماض، والألف فاعله. {حُوتَهُما:} مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، وجملة:{نَسِيا..} . إلخ جواب لمّا، لا محل لها، ولمّا ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. {فَاتَّخَذَ:} ماض، وفاعله يعود إلى {حُوتَهُما}. {سَبِيلَهُ:} مفعول به أول، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جواب لما لا محل لها مثلها. {فِي الْبَحْرِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من سبيله، كما أجيز تعليقهما بمحذوف حال من {سَرَباً} كان: صفة له

إلخ. {سَرَباً:} مفعول به ثان.

{فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً (62)}

الشرح: {فَلَمّا جاوَزا} أي: فلما ترك موسى وفتاه المكان الذي سقط فيه الحوت في البحر، وهو مجمع البحرين. {قالَ} أي: موسى. {لِفَتاهُ} أي: يوشع بن نون. {آتِنا غَداءَنا:} أعطنا طعاما. {لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً} أي: تعبا وشدة، وذلك: أنه ألقي على موسى عليه السلام الجوع بعد ما جاوز المكان الموعود فيه أن يلتقي بذلك العالم؛ ليستفيد من علمه، وذلك؛ ليتذكر الحوت، ويرجع في طلبه. هذا؛ و {لَقِينا} بمعنى: وجدنا، أو صادفنا، ومصدره: اللّقي بضم اللام وكسر القاف، واللّقى بضم اللام مقصورا، واللقاء بكسرها ممدودا، ومقصورا.

الإعراب: {فَلَمّا جاوَزا:} انظر الآية السابقة والمفعول محذوف، التقدير: جاوزا المكان الموعود فيه الالتقاء بالرجل العالم. {قالَ:} ماض، والفاعل يعود إلى موسى، عليه السلام.

{لِفَتاهُ:} متعلقان بما قبلهما. {آتِنا:} فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» ، و (نا): مفعول به أول.

{غَداءَنا:} مفعول به ثان، و (نا): في محل جر بالإضافة. {لَقَدْ:} اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. {لَقِينا:} فعل وفاعل. {مِنْ سَفَرِنا:} متعلقان بما قبلهما، و (نا) في محل جرّ بالإضافة. {هذا:} اسم إشارة مبني على السكون في محل جر صفة سفرنا، والهاء حرف تنبيه لا محل له. {نَصَباً:} مفعول به، وجملة:{لَقَدْ..} . إلخ: جواب القسم المقدّر لا محلّ لها، ثم الكلام {آتِنا..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . جواب لما، لا محل لها، ولما ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.

ص: 506

{قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاِتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (63)}

الشرح: {قالَ:} يوشع عليه السلام. {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ} أي: أتذكر حالنا وقت التجأنا إلى الصخرة، ونمت عندها، وهي في المكان الموعود للقاء الرجل الذي ننشده، وإن الحوت قد حيي، وذهب في البحر شاقا طريقه فيه، وقد أبصرته، ولكني نسيته، ومراده بالاستفهام تعجب موسى عليه السلام ممّا اعتراه هناك من النسيان مع كون ما شاهده من حياة الحوت من العظائم التي لا تنسى، وقد جعل فقدانه علامة لوجدان المطلوب. وهذا أسلوب معتاد فيما بين الناس، يقول أحدهم لصاحبه: إذا نابه خطب: أرأيت ما نابني؟! يريد بذلك تهويله، وتعجيب صاحبه منه، وأنه ممّا لا يعهد وقوعه. انتهى جمل بتصرف.

{وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} أي: ما أنساني ذكره إلا الشيطان، فهو اعتذار عن نسيانه بشغل الشيطان له بوساوسه، والحال وإن كانت عجيبة لا ينسى مثلها، لكنّه لمّا عرف أمثالها، وشاهده من معجزات موسى عليه السلام، وهي كثيرة؛ قلّ اهتمامه بها، أو لعله نسي ذلك لاستغراقه في التفكر، وانجذاب قلبه إلى عالم القدس، بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة، وإنما نسب النسيان للشيطان هضما لنفسه، وتوبيخا لها. {وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ:} طريقه. {فِي الْبَحْرِ عَجَباً:} روي في بعض الأخبار: كان البحر للحوت سربا، ولموسى ولفتاه عجبا. وقيل: أي:

شيء أعجب من حوت يؤكل منه دهرا. ثم صار حيا بعد أن أكل بعضه؟! هذا؛ وانظر شرح النسيان في الآية رقم [24] وشرح (إبليس) وجنوده في الآية رقم [51] وشرح: {سَبِيلاً} في الآية رقم [42] من سورة (الإسراء) وشرح العجب في الآية رقم [9].

الإعراب: {قالَ:} ماض، وفاعله يعود إلى فتى موسى. {أَرَأَيْتَ:} الهمزة: حرف استفهام، وتنبيه. (رأيت): فعل، وفاعل، ومفعولاه محذوفان، التقدير: أرأيت أمرنا ما عاقبته؟ هذا؛ وقدر البيضاوي الكلام كما يلي: أرأيت ما دهاني؟ وتكون الجملة الاستفهامية قد سدت مسد المفعولين. {إِذْ:} ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل {أَرَأَيْتَ} على التقدير الأول، ومتعلق بالفعل: دهاني على التقدير الثاني.

{أَوَيْنا:} فعل، وفاعل، {إِلَى الصَّخْرَةِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {إِذْ} إليها. {فَإِنِّي:} الفاء: حرف عطف، وسبب. (إني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. {نَسِيتُ:} فعل، وفاعل. {الْحُوتَ:} مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، ومتسببة عنه. وقيل: تعليل للدهشة التي اعترتهما ممّا نابهما، والمعنى لا يؤيده. {وَما:} الواو: واو الاعتراض. (ما): نافية.

ص: 507

{أَنْسانِيهُ:} مضارع مرفوع. وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول، والهاء في محل نصب مفعول به ثان، وهو يقرأ بضمه وكسره. {إِلاَّ:}

حرف حصر. {الشَّيْطانُ:} فاعل، والمصدر المؤول من:{أَنْ أَذْكُرَهُ} في محل نصب بدلا من الضمير المنصوب بدل اشتمال، وجملة:{وَما أَنْسانِيهُ..} . إلخ معترضة بين الجملتين المتعاطفتين، واعتبارها حالا من تاء الفاعل، أو من الحوت لا بأس به، والرابط على الاعتبارين: الواو، والضمير، وإعراب:{وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً} مثل إعراب: {فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً} في الآية [62] والجملة الفعلية معطوفة على جملة: {نَسِيتُ الْحُوتَ} فهي في محل رفع مثلها، والكلام {أَرَأَيْتَ..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

هذا؛ وقال مكي: {عَجَباً} مصدر إن جعلته من قول موسى عليه الصلاة والسلام، وتقف على {الْبَحْرِ،} كأنه لما قال فتى موسى: {وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ} . قال موسى: أعجب عجبا.

وإن جعلت: {عَجَباً} من قول فتى موسى، كان مفعولا ثانيا ل:{وَاتَّخَذَ} وقيل: تقديره: واتخذ سبيله في البحر يفعل شيئا عجبا، فهو نعت لمفعول محذوف. وقيل: إنه من قول موسى عليه السلام كله، تقديره: واتخذ موسى سبيل الحوت في البحر يعجب {عَجَباً،} فالوقف على عجبا في هذا التأويل حسن. انتهى. وما يقارب هذا الكلام في البيضاوي أيضا.

تنبيه: في الآية الكريمة إبدال الظاهر من الضمير، ومثله الآية رقم [80] من سورة (مريم) وهذا الإبدال سائغ من ضمير الغيبة مطلقا، وكذلك سائغ إن كان ضمير حاضر، والبدل بدل بعض، أو اشتمال، فالأول: كقول العديل بن الفرخ: [الرجز]

أوعدني بالسّجن والأداهم

رجلي فرجلي شثنة المناسم

ف: رجلي بدل بعض من ياء المتكلم، ومثال الثاني: قول عدي بن زيد العبادي: [الوافر]

ذريني إنّ أمرك لن يطاعا

وما ألفيتني حلمي مضاعا

{قالَ ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً (64)}

الشرح: {قالَ} أي: موسى عليه السلام. {ذلِكَ} أي: أمر الحوت، وفقده. {ما كُنّا نَبْغِ} أي: هو الذي نطلبه؛ لأنه أمارة على وجود الرجل الذي ننشده. {فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً} أي: فرجعا في الطريق الذي جاءا فيه يقصان قصصا؛ أي: يتبعان آثارهما اتباعا. وانظر شرح {نَقُصُّ} في الآية رقم [13].

تنبيه: حذف نافع، وأبو عمرو، والكسائي ياء {نَبْغِ} وقفا، وأثبتوها وصلا، وابن كثير أثبتها في الحالين، والباقون من السبعة حذفوها في الحالتين اتباعا للرسم، وكان من حقها

ص: 508

الثبوت، وإنما حذفت تشبيها بالفواصل، أو لأن الحذف يأنس بالحذف، فإن (ما) موصولة حذف عائدها،. انتهى جمل. وانظر ما ذكرته في:{يَأْتِ} في الآية رقم [105] من سورة (هود) عليه السلام، ولا تنس: أن القراءة توقيفية.

الإعراب: {قالَ:} ماض، وفاعله مستتر تقديره:«هو» يعود إلى موسى عليه السلام.

{ذلِكَ:} اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب. {ما:} اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. {كُنّا:} ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمه. {نَبْغِ:} مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة، أو الثابتة حسبما رأيت، والفاعل مستتر تقديره:«نحن» ، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: ذلك الذي كنا نبغيه، والجملة الاسمية هذه في محل نصب مقول القول، وجملة:

{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {فَارْتَدّا:} الفاء: حرف عطف. (ارتدا): ماض، والألف فاعله. {عَلى آثارِهِما:} متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. {قَصَصاً:} مفعول مطلق عامله: (ارتد) على المعنى، أو هو محذوف، التقدير: يقصان آثارهما قصصا، وعليه فالجملة الفعلية في محل نصب حال من ألف الاثنين؛ أي: مقتصين، أو هو نفسه حال على تأويل المصدر بمقتصين، وجملة:{فَارْتَدّا..} . إلخ معطوفة على جملة: {قالَ..} . إلخ لا محل لها مثلها.

{فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً (65)}

الشرح: {فَوَجَدا} أي: عند رجوعهما إلى مجمع البحرين. {عَبْداً مِنْ عِبادِنا:} هو الخضر عليه السلام في قول الجمهور، وبمقتضى الأحاديث الثابتة، وخالف من لا يعتد بقوله، فقال: ليس صاحب موسى بالخضر، بل هو عالم آخر. وقال مجاهد: سمي الخضر؛ لأنه كان إذا صلى اخضرّ ما حوله. وروى الترمذي عن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّما سمّي الخضر؛ لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتزّ تحته خضراء» . الفروة هنا: وجه الأرض. قاله الخطابي، وغيره، والخضر نبي عند الجمهور. وقيل: هو عبد صالح غير نبي. والآية تشهد بنبوته؛ لأن بواطن أفعاله لا تكون إلا بوحي. وأيضا: فإن الإنسان لا يتعلم، ولا يتبع إلا من فوقه، وليس يجوز أن يكون فوق النبي من ليس بنبي. وقيل: كان ملكا وليس بشيء، واسمه: بليا بن ملكان، وكنيته أبو العباس. قيل: كان من أبناء الملوك الذين تزهدوا، وتركوا الدنيا.

روي: أن موسى، وفتاه حين رجعا إلى مجمع البحرين رأيا الخضر مسجى بثوب، فسلم عليه موسى، فقال الخضر: وأنى بأرضك السّلام؟ قال: أنا موسى أتيتك لتعلمني ممّا علمت رشدا. وروي: أن الخضر كان نائما على طنفسة خضراء على وجه الماء. وقيل: على جانب

ص: 509

البحر، وهو متشح بثوب أخضر. هذا؛ واختلف: هل الخضر حيّ اليوم، أو ميت؟ فأنكر البخاري أن يكون حيا. وفي صحيح مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قبل موته: «ما من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة وهي حيّة» . وسئل غير البخاري من الأئمة، فتلا قوله تعالى:{وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ} وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عنه، فقال:(لو كان الخضر حيا لوجب عليه أن يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويجاهد بين يديه، ويتعلم منه). هذا؛ وما نقل من سؤال الخضر للعز بن عبد السّلام في مجلس وعظه عن تفسير قوله تعالى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} الله أعلم بحقيقة ذلك. وقد أثبت القرطبي حياته، وحياة إلياس، وأنهما يجتمعان مرة كل موسم من مواسم الحج. ومعنى:{وَعَلَّمْناهُ..} . إلخ أي: علما ممّا يختصّ بنا، ولا يعلم إلا بتوفيقنا، وهو علم الغيوب. هذا؛ والإضافة في قوله تعالى:{عِبادِنا} إضافة تشريف كما في الآية رقم [1] من سورة (الإسراء). وانظر شرح (لدن) في الآية رقم [80] وانظر «نا» والكلام عليها في الآية رقم [21] من سورة (الحجر).

الإعراب: {فَوَجَدا:} ماض، وفاعله. {عَبْداً:} مفعول به. {مِنْ عِبادِنا:} متعلقان بمحذوف صفة {عَبْداً،} و (نا): في محل جر بالإضافة. {آتَيْناهُ:} فعل، وفاعل، ومفعول به أول. {رَحْمَةً:} مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب صفة {عَبْداً} أو بمحذوف حال منه بعد وصفه بما تقدم. {مِنْ عِنْدِنا:} متعلقان ب: {رَحْمَةً،} أو بمحذوف صفة لها.

{وَعَلَّمْناهُ:} فعل، وفاعل، ومفعول به أول. {مِنْ:} حرف جر. {لَدُنّا:} اسم مبني على السكون في محل جر ب: {مِنْ،} و (نا): في محل جر بالإضافة، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من {عِلْماً،} كان: صفة له

إلخ. {عِلْماً:}

مفعول به ثان، وجملة:{وَعَلَّمْناهُ..} . إلخ معطوفة على جملة: {آتَيْناهُ..} . إلخ وجملة:

{فَوَجَدا..} . إلخ معطوفة على جملة: {فَارْتَدّا..} . إلخ تأمل.

{قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً (66)}

الشرح: {قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ:} معناه: أتأذن لي في صحبتك. {عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا..} .

إلخ: أي: علما ترشدني به إلى ما ينفعني في ديني، ودنياي، فقد روي: أن الخضر قال لموسى:

كفى بالتوراة علما، وببني إسرائيل شغلا، فقال له موسى: إن الله أمرني بهذا.

قال البيضاوي: ولا ينافي نبوته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن شرطا في أبواب الدين، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممّن أرسل إليه فيما بعث به من أصول الدين، وفروعه، لا مطلقا، وقد راعى في ذلك غاية التواضع والأدب، فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعا له، وسأله أن يرشده، وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله به عليه. انتهى.

ص: 510

وقال القرطبي: في هذه الآية دليل على أنّ المتعلم تابع للعالم، وإن تفاوتت المراتب، ولا يظن: أن في تعلم موسى من الخضر ما يدل على أنّ الخضر كان أفضل منه، فقد يشذ عن الفاضل ما يعلمه المفضول، والفضل لمن فضّله الله، فالخضر إن كان وليا فموسى أفضل منه؛ لأنه نبي، والنبي أفضل من الولي، وإن كان نبيا فموسى فضله بالرسالة. والله أعلم. انتهى.

وانظر ما ذكرته في الآية رقم [123] من سورة (النحل)، ففيها مزيد فائدة.

الإعراب: {قالَ:} ماض. {لَهُ:} متعلقان به. {مُوسى:} فاعله مرفوع

إلخ. {هَلْ:}

حرف استفهام. {أَتَّبِعُكَ:} مضارع، والفاعل تقديره:«أنا» والكاف مفعول به. {عَلى:} حرف جر. {أَنْ:} حرف مصدري ونصب. {تُعَلِّمَنِ:} مضارع منصوب ب: {أَنْ،} والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به أول، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» ، و {أَنْ} والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب:{عَلى،} والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من الكاف؛ أي: أتبعك حال كونك معلما لي. {مِمّا:} متعلقان بالفعل قبلهما. و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل جر ب:(من). {عُلِّمْتَ:} ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني، وهو العائد، أو الرابط محذوف، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والتقدير: من الذي، أو من شيء علمته. {رُشْداً:} مفعول به ثان ل: {تُعَلِّمَنِ} وأجيز اعتباره مفعولا لأجله، وحالا على تأويله ب:«مرشدا» . وهو يقرأ بفتحتات، وبضم الراء وسكون الشين. هذا؛ والكلام:{هَلْ أَتَّبِعُكَ..} .

إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (67)}

الشرح: قال الخضر لموسى عليه السلام: إنك لا تقدر أن ترى مني عملا، وتسكت عليه؛ لأنك على علم علمك الله إياه لا أعلمه، وأنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت، وهو علم الكشف، وقد ترى مني أفعالا مخالفة لشرعك، ظاهرها: أنها مناكير، وبواطنها لم يحط علمك بها.

الإعراب: {قالَ:} ماض، وفاعله يعود إلى الخضر. {إِنَّكَ:} حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. {لَنْ:} حرف ناصب. {تَسْتَطِيعَ:} مضارع منصوب ب: {لَنْ،} والفاعل مستتر تقديره:

«أنت» ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {مَعِيَ:} ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو بالمصدر بعده، أو بمحذوف حال منه. فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة. {صَبْراً:} مفعول به.

ص: 511

{وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (68)}

الشرح: المعنى: وكيف تصبر يا موسى على أمور تراها مني، ولم تعلم أسرارها، وبواطنها، وهي مخالفة لشرعك في ظواهرها. هذا؛ وإن المتعلم على قسمين: متعلم ليس عنده شيء من العلوم، ولم يمارس الاستدلال، ولم يتعود التقرير، والاعتراض. ومتعلم حصل العلوم الكثيرة، ومارس الاستدلال، والاعتراض، ثم إنه يريد أن يخالط إنسانا أكمل منه، ليبلغ درجة الكمال، فالتعلم في حق هذا القسم الثاني: شاقّ شديد؛ لأنه إذا رأى شيئا، أو سمع كلاما، فربما يكون ذلك في الظاهر منكرا عنده إلا أنه في الحقيقة صواب حق، ويمكن أن يكون موسى-على حبيبنا، وشفيعنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-من القسم الثاني. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {وَكَيْفَ:} الواو: حرف استئناف. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال عامله ما بعده، وهو مفيد للتعجب. {تَصْبِرُ:} مضارع، وفاعله مستتر فيه تقديره:«أنت» . {عَلى ما:} متعلقان بما قبلهما، و {ما:} تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب:{عَلى} . {لَمْ:} حرف جازم. {تُحِطْ:} مضارع مجزوم ب: {لَمْ،} والفاعل مستتر تقديره: «أنت» . {بِهِ:} متعلقان به، والجملة الفعلية صلة {ما،} أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء. {خُبْراً:} مفعول مطلق؛ لأنه مرادف لمصدر {تُحِطْ} وملاق له في المعنى، وأجيز اعتباره تمييزا، والجملة:{وَكَيْفَ تَصْبِرُ.} . إلخ مستأنفة، وهي من مقول الخضر عليه السلام.

{قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (69)}

الشرح: {قالَ} أي: موسى. {سَتَجِدُنِي إِنْ..} . إلخ: أي: سأصبر إن شاء الله على ما أرى من أفعالك، وتصرفاتك، ولا أخالفك في أمر تريده، ولا أعترض عليك بشيء أراه منك. وتعليق الوعد بالمشيئة، إما للتيمن، أو لعلمه بصعوبة الأمر، فإن مشاهدة الفساد، والصبر على خلاف المعتاد أمر صعب وشاق. وفيه دليل على أنّ أفعال العباد واقعة بمشيئة الله تعالى. وقد اختلف في الاستثناء: هل يشمل عدم العصيان؟ فقيل: يشمله. وقيل: استثنى في الصبر، فصبر، وما استثنى في قوله:{وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً} فاعترض، وسأل. بعد هذا انظر (الصبر) في الآية رقم [42] من سورة (النحل) والمحال عليها أيضا في سورة (الرعد). وانظر شرح (القول) في الآية رقم [16] من سورة (الإسراء)، وشرح لفظ الجلالة في الآية رقم [1]. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {قالَ:} ماض، وفاعله يعود إلى {مُوسى}. {سَتَجِدُنِي:} السين: حرف استقبال.

(تجدني): مضارع، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» ، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول.

ص: 512

{إِنْ:} حرف شرط جازم. {شاءَ:} ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط.

{اللهُ:} فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن شاء الله تجدني، والجملة الشرطية معترضة بين مفعولي الفعل (تجد). {وَلا:} الواو: حرف عطف.

(لا): نافية. {أَعْصِي:} مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء

إلخ، والفاعل مستتر تقديره:«أنا» . {لَكَ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما؛ لأنه مصدر، أو بمحذوف حال منه، كان صفة له

إلخ على مثال ما رأيت في الآية رقم [9]. {أَمْراً:}

مفعول به، والجملة الفعلية:{وَلا أَعْصِي..} . إلخ معطوفة على {صابِراً} فإنّ التقدير: تجدني صابرا، وغير عاص. هذا؛ والكلام:{سَتَجِدُنِي..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:

{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{قالَ فَإِنِ اِتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (70)}

الشرح: المعنى: قال الخضر لموسى: فإن صحبتني، ومشيت معي، فلا تفاتحني بالسؤال عن شيء أنكرته مني، ولم تعلم وجه صحته؛ حتى أبين لك وجه صحته. وهذا منه تأديب، وإرشاد لما يقتضيه دوام الصحبة، فلو صبر، ودأب؛ لرأى العجب، لكنه أكثر الاعتراض، فتعين الفراق، والإعراض.

الإعراب: {قالَ:} ماض، وفاعله يعود إلى الخضر عليه السلام. {فَإِنِ:} الفاء: زائدة لتحسين اللفظ. (إن): حرف شرط جازم. {اِتَّبَعْتَنِي:} ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والنون للوقاية، والياء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها على نحو ما رأيت في الآية السابقة. {فَلا:} الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): ناهية جازمة.

{تَسْئَلْنِي:} مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وقرئ بفتح اللام وتشديد النون فيكون مبنيا على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم ب:(لا) الناهية، وتكون نون الوقاية قد حذفت، وياء المتكلم مفعول به، وقرئ:«(فلا تسألن)» بحذف ياء المتكلم، والفاعل مستتر تقديره:

«أنت» ، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. {عَنْ شَيْءٍ:} متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني؛ لأنه ينصب مفعولين، {حَتّى:} حرف غاية وجر. {أُحْدِثَ:} مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد {حَتّى} والفاعل مستتر تقديره: «أنا» . {لَكَ:} متعلقان بما قبلهما. منه: متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما؛ لأنه مصدر، أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. {ذِكْراً:} مفعول به، و «أن» المضمرة والفعل {أُحْدِثَ} في تأويل مصدر في

ص: 513

محل جر ب: {حَتّى،} والجار والمجرور متعلقان بالفعل {تَسْئَلْنِي،} والكلام: {فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي..} .

إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{فَانْطَلَقا حَتّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (71)}

الشرح: {فَانْطَلَقا} أي: يمشيان على ساحل البحر يطلبان سفينة يركبانها، فوجدا سفينة، فركباها، فقال أهل السفينة: هؤلاء لصوص، وأمروهما بالخروج، فقال صاحب السفينة: ما هم بلصوص، ولكن أرى وجوه الأنبياء. وفي صحيح البخاري، ومسلم عن أبي بن كعب-رضي الله عنه-عن النبي صلى الله عليه وسلم مرت بهم سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر، فحملوهم بغير نول، فلما ركبا في السفينة؛ لم يفجأ موسى إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت

إلخ. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وكانت الأولى من موسى نسيانا. قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر نقرة في البحر، فقال له الخضر: ما علمي، وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر» . انتهى. واطلاق لفظ النقص هنا تجوّز، قصد به التمثيل، والتفهيم؛ إذ لا نقص في علم الله، ولا نهاية لمعلوماته.

هذا؛ وعن أبي العالية: لم ير الخضر حين خرق السفينة غير موسى، ولو رآه القوم لمنعوه من ذلك. وقيل: خرج أهل السفينة إلى جزيرة، وتخلف فخرق السفينة. وقيل: غير ذلك، ومعنى {إِمْراً} عجبا. وقيل: منكرا. وقال أبو عبيدة: الإمر: الداهية العظيمة، وأنشد:[الرجز]

قد لقي الأقران منّي نكرا

داهية دهياء إدّا إمرا

وقال الأخفش: يقال: أمر أمره يأمر أمرا: إذا اشتد. هذا؛ والأهل: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ورهط، والأهل: العشيرة، وذو القربى، ويطلق على الزوجة، وعلى الأتباع بدليل قوله تعالى:{قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ..} . إلخ. والجمع:

أهلون، وأهال، وآهال، وأهلات، وأهلات، وبالأولين قرئ قوله تعالى:{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ} .

الإعراب: {فَانْطَلَقا:} الفاء: حرف استئناف. (انطلقا): ماض، والألف فاعله. {حَتّى:}

حرف ابتداء، وجملة: «يمشيان

» إلخ المقدرة في محل نصب حال. {إِذا:} ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. {رَكِبا:} فعل ماض، وفاعله. {فِي السَّفِينَةِ:} متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {إِذا} إليها على القول المشهور المرجوح. {خَرَقَها:} ماض،

ص: 514

والفاعل يعود إلى الخضر، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية جواب {إِذا} لا محل لها، و {إِذا} ومدخولها كلام مستأنف كالجملة الفعلية قبله، لا محل له مثلها. هذا؛ ويعتبر الأخفش في مثل هذه الآية {حَتّى} جارة ل:{إِذا،} وقد رده ابن هشام في المغني، وعلى قول الأخفش فهي متعلقة مع مجرورها بالفعل (انطلقا) وعلى الأول: فالوقف على انطلقا ثم يستأنف ما بعده.

{قالَ:} ماض، وفاعله يعود إلى موسى. الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (خرقتها): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {لِتُغْرِقَ:} مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، ويقرأ الفعل بتشديد الراء وتخفيفها، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» . {أَهْلَها:} مفعول به، ويقرأ:

(ليغرق أهلها) فيكون فاعلا، و (ها): في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {لَقَدْ:} اللام:

واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.

{جِئْتَ:} فعل، وفاعل. {شَيْئاً:} مفعول به، وأجيز اعتباره مفعولا مطلقا؛ أي: مجيئا إمرا، والأول: أقوى. {إِمْراً:} صفة شيئا، وجملة:{لَقَدْ جِئْتَ..} . إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول.

{قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (72)}

الإعراب: {قالَ:} ماض، والفاعل يعود إلى الخضر. {أَلَمْ:} الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف جازم. {أَقُلْ:} مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره:«أنا» ، والجملة الاسمية:{إِنَّكَ لَنْ..} . إلخ في محل نصب مقول القول. وانظر الإعراب بكامله في الآية رقم [67] وجملة: {أَلَمْ أَقُلْ..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (73)}

الشرح: {قالَ} أي: موسى عليه السلام. {لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ} أي: بسبب نسياني وصيتك. وقيل: معناه: بما تركت من عهدك، ووصيتك أول مرة، وفيه دليل على أنّ النسيان لا يقتضي المؤاخذة، وأنه لا يدخل تحت التكليف. {وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً} أي: لا تكلفني مشقة، ولا تضيق عليّ أمري، ولا تعسر عليّ متابعتك، ويسرها بالإغضاء عما ترى مني. وانظر (النسيان) في الآية رقم [24] و {عُسْراً} يقرأ بضمتين، وبضم وسكون. وانظر {رُحْماً} في الآية رقم [81] الآتية.

ص: 515

الإعراب: {قالَ:} ماض، وفاعله يعود إلى موسى عليه السلام. {لا:} ناهية. {تُؤاخِذْنِي:}

مضارع مجزوم ب: {لا،} والفاعل مستتر تقديره: «أنت» ، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. {بِما:} متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء نسيته، وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل بما بعدها بمصدر في محل جرّ بالباء، التقدير: بنسياني وصيتك. {وَلا:} الواو: حرف عطف. {(لا تُرْهِقْنِي):} مضارع مجزوم ب: (لا) والفاعل تقديره:

«أنت» ، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول. {مِنْ أَمْرِي:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو بالمصدر بعدهما، أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. {عُسْراً:}

مفعول به ثان، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة، وجملة:{وَلا تُرْهِقْنِي..} . إلخ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{فَانْطَلَقا حَتّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (74)}

الشرح: {فَانْطَلَقا} أي: يمشيان في الأرض بعد خروجهما من السفينة، ومعهما يوشع، وإنما لم يذكر في الآيات الثلاث؛ لأنه تابع لموسى فالمقصود ذكر موسى، والخضر، ويكون اكتفى بذكر المتبوع عن التابع. وقيل: الأظهر: أن موسى صرف فتاه لمّا لقي الخضر، وهو ضعيف. {حَتّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ:} روي: أن الخضر وجد غلمانا يلعبون، فأخذ غلاما كافرا، فأضجعه، ثم ذبحه بالسكين، كما روي: أنه أخذ رأسه بيده، فاقتلعه. وروي: أنه أخذ حجرا، فضرب به رأسه؛ حتى دفعه، فقتله. قال أبو العالية: لم يره إلا موسى، ولو رأوه؛ لحالوا بينه وبين الغلام.

قال القرطبي: ولا اختلاف بين هذه الأحوال الثلاثة، فإنه يحتمل أن يكون دفعه أولا بالحجر، ثم أضجعه، فذبحه، ثم اقتلع رأسه. والله أعلم بما كان من ذلك، وحسبك بما جاء في الصحيح، وهو يعني الروايتين الأولى، والثانية. هذا؛ وقد اختلف في الغلام: هل كان بالغا أم لا؟ فالجمهور على أنه لم يكن بالغا؛ ولذلك قال موسى: {أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً} أي: لم تذنب، ولم تدرك الحنث، وهو الذي يقتضيه لفظ الغلام، فإن الغلام في الرجال يقع على من لم يبلغ، وتقابله الجارية في النساء. وقد قتله الخضر لما علم من سره، وأنه طبع كافرا، كما في صحيح الحديث، وأنه لو أدرك؛ لأرهق أبويه كفرا، وقتل الصغير غير مستحيل إذا أذن الله في ذلك، فإن الله تعالى الفعال لما يريد، القادر على ما يشاء. انتهى. قرطبي بتصرف.

ص: 516

ومعنى {بِغَيْرِ نَفْسٍ} أي: قتلا لم يكن قصاصا بقتل نفس مثلها، ولقد اختلف أيهما أبلغ {إِمْراً} أم {نُكْراً} فقالت فرقة من الناس: هذا قتل بين، وهناك؛ أي: إغراق من في السفينة مترقب ف: {نُكْراً} أبلغ. وقالت فرقة: هذا قتل واحد، وذاك قتل جماعة ف:{إِمْراً} أبلغ.

وقال ابن عطية: {إِمْراً} أفظع وأهول من حيث هو متوقع عظيم، و {نُكْراً} بين في الفساد؛ لأن مكروهه قد وقع، وهذا بين فكانا لمعنيين مختلفين. بقي أن تعرف الفرق بين دخول الفاء بقوله:

{فَقَتَلَهُ} وعدم دخولها بقوله: {خَرَقَها} قال السمين: جعل خرقها جزاء للشرط، وجعل قتل الغلام من جملة الشرط معطوفا عليه، فإن قلت: لم خولف بينهما؟ قلت: لأن الخرق لم يعقب الركوب، وقد عقب القتل لقاء الغلام. وعن ابن عباس-رضي الله عنهما-أن نجدة الحروري كتب إليه، كيف جاز للخضر أن يقتل الغلام، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الولدان؟ فكتب إليه: إن علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى فلك أن تقتل. انتهى نسفي.

بعد هذا انظر (لقي) في الآية رقم [62] وشرح (غلام) في الآية رقم [53] من سورة (الحجر)، وشرح {شَيْءٍ} في الآية رقم [35] من سورة (النحل)، وشرح {النَّفْسَ} في الآية رقم [53] من سورة (يوسف) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وانظر شرح «غير» في الآية رقم [2] من سورة (الرعد).

الإعراب: {فَانْطَلَقا حَتّى إِذا لَقِيا غُلاماً:} انظر الآية رقم [72]. {فَقَتَلَهُ:} ماض، وفاعله يعود إلى الخضر، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:{لَقِيا غُلاماً} فهي في محل جر مثلها. {قالَ:} ماض، والفاعل يعود إلى {مُوسى}. {أَقَتَلْتَ:} الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (قتلت): فعل، وفاعل. {نَفْساً:} مفعول به. {زَكِيَّةً:} صفة {نَفْساً،} ويقرأ:

«(زاكية)» . {بِغَيْرِ:} متعلقان بالفعل (قتلت)، أو هما متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، التقدير: قتلا كائنا بغير نفس. وقيل: متعلقان بمحذوف على أنه حال من الفاعل، أو من المفعول؛ أي: قتلته ظالما، أو مظلوما، كذا قدره أبو البقاء، واستبعده السمين. انتهى جمل.

و (غير): مضاف، و {نَفْسٍ} مضاف إليه، وجملة:{أَقَتَلْتَ..} . إلخ في محل نصب مقول القول وجملة: {قالَ..} . إلخ جواب {إِذا،} لا محل لها {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً} انظر الآية رقم [71] ففيها الكفاية، والجملة القسمية في محل نصب مقول القول.

{قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (75)}

شرح هذه الآية وإعرابها مثل الآية رقم [72] وزيد فيها هنا {لَكَ} توكيدا للتوبيخ؛ لأنه اعترض مرتين، وفي البيضاوي: زاد فيه {لَكَ} مكافحة بالعتاب على رفض الوصية، ووسما بقلة الثبات، والصبر لمّا تكرر منه الاشمئزاز، والاستنكار، ولم يرعو بالتذكير أول مرة، حتى زاد في الاستنكار ثاني مرة. انتهى.

ص: 517

{قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً (76)}

الشرح: {قالَ} أي: موسى متعذرا. {إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي} أي: بعد هذه المرة، ففارقني، ولا تصحبني معك. هذا؛ وقرئ:«(فلا تصحبني)» و «(لا تصحبنّي)» . {قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً} أي: بلغت مبلغا تعذر به في ترك مصاحبتي. وقرئ: {لَدُنِّي} بقراءات كثيرة. وانظر رقم [80] من سورة (الإسراء).

فعن أبي بن كعب-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحمة الله علينا، وعلى موسى» -وكان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه- «لولا أنه عجل لرأى العجب، ولكنه أخذته من صاحبه ذمامة» . متفق عليه، ومعنى ذمامة: حياء وإشفاق، من الذم واللوم.

الإعراب: {قالَ:} ماض، وفاعله يعود إلى {مُوسى} تقديره:«هو» . {إِنْ:} حرف شرط جازم. {سَأَلْتُكَ:} ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. {عَنْ شَيْءٍ:} متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. {بَعْدَها:} ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف صفة {شَيْءٍ} و (ها): في محل جر بالإضافة.

{فَلا:} الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): ناهية جازمة. {تُصاحِبْنِي:} مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، أو هو مبني على الفتح في محل جزم على القراءة الثانية، والنون للوقاية، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» ، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {قَدْ:} حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. {بَلَغْتَ:} فعل، وفاعل. {مِنْ لَدُنِّي:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من {عُذْراً،} كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، و (لدن) مبني على السكون في محل جر ب:{مِنْ،} وانظر ما قيل فيه من قراءات، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. {عُذْراً:}

مفعول به، وجملة:{قَدْ بَلَغْتَ..} . إلخ في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط:

الضمير، وإن اعتبرتها تعليلا للنهي فالمعنى لا يأباه. تأمل.

{فَانْطَلَقا حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اِسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (77)}

الشرح: {فَانْطَلَقا حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ:} قال ابن عباس-رضي الله عنهما: هي أنطاكية.

وقيل: هي الأبلّة قاله قتادة، وابن سيرين، وهي أبخل قرية، وأبعدها من السماء. وقيل غير ذلك أقوال كثيرة، وهذا كله بحسب الخلاف في أي ناحية من الأرض كانت القصة، كما رأيت في الكلام على مجمع البحرين، والله أعلم بحقيقة ذلك.

ص: 518

{اِسْتَطْعَما أَهْلَها:} طلبا طعاما. {فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما:} قال أبي بن كعب-رضي الله عنه-عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أتيا أهل قرية لئاما، فطافا في المجالس، فاستطعما أهلها، فأبوا أن يضيّفوهما» . وعن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: «أطعمتهما امرأة من أهل بربر، بعد أن طلبا من الرجال، فلم يطعموهما، فدعا موسى لنسائهم، ولعن رجالهم» وعن قتادة-رضي الله عنه-قال: شر القرى التي لا تضيف الضيف. انتهى. وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» .

{فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} أي: يسقط، وهذا من مجاز الكلام؛ لأن الجدار لا إرادة له، وإنما معناه: قرب، ودنا من السقوط، كما تقول: داري تنظر إلى دار فلان إذا كانت تقابلها، فاستعير لها النظر، كما استعير للجدار الإرادة، وهو مستعمل في اللغة العربية نثرا، ونظما. قال الشاعر:[الوافر]

يريد الرّمح صدر أبي براء

ويعدل عن دماء بني عقيل

فجعل للرمح إرادة بشيء، وعدولا عن شيء آخر. وقال حسان-رضي الله عنه:[الخفيف]

إنّ دهرا يلفّ شملي بجمل

لزمان يهمّ بالإحسان

وقال الزمخشري في كشافه: وسمعت من يقول: عزم السّراج أن يطفأ، وطلب أن يطفأ. وإذا كان القول، والنطق، والشكاية، والصدق، والكذب، والسكوت، والتمرد، والإباء، والعزة، والطواعية، وغير ذلك مستعارة للجماد، ولما لا يعقل، فما بال الإرادة؟. انتهى. {فَأَقامَهُ} أي: سواه. وفي حديث أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم: «فقال الخضر بيده هكذا؛ فأقامه» . وقال ابن عباس: هدمه، وقعد يبنيه. وقال سعيد بن جبير-رضي الله عنه: مسحه بيده، وأقامه فقام.

قال القرطبي: وهذا هو القول الصحيح، وهو الأشبه بأفعال الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام، بل والأولياء. وفي بعض الأخبار: إنّ سمك ذلك الحائط كان ثلاثين ذراعا بذراع ذلك القرن، وطوله على وجه الأرض خمسمائة ذراع، وعرضه خمسون ذراعا، فأقامه الخضر عليه السلام؛ أي: سواه بيده فاستقام. انتهى.

{لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً:} والمعنى: أنك قد علمت أننا جياع، وأن أهل القرية لم يطعمونا، فلو أخذت أجرا على عملك؛ حتى نستدفع فيه الضرورة، ومسيس الحاجة إلى الطعام.

هذا؛ وقد قيل في تفسير هذه الآيات التي وقعت لموسى مع الخضر عليهما السلام: إنها حجة على موسى، وعجب له، وذلك: أنه لما أنكر خرق السفينة؛ نودي: يا موسى! أين كان تدبيرك هذا، وأنت في التابوت مطروحا في اليم؟! فلما أنكر أمر الغلام؛ قيل له: أين إنكارك هذا من وكزك القبطي، وقضائك عليه؟! فلما أنكر إقامة الجدار؛ نودي: أين هذا من رفعك حجر البئر لبنات شعيب دون أجر؟!

ص: 519

الإعراب: {فَانْطَلَقا حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها} انظر إعراب مثل هذا الكلام إفرادا وجملا في الآية رقم [71]{فَأَبَوْا:} ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. {أَنْ} حرف مصدري، ونصب.

{يُضَيِّفُوهُما:} مضارع منصوب ب: {أَنْ،} وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والميم، والألف حرفان دالان على التثنية، وأن والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة:{فَأَبَوْا..} . إلخ معطوفة على جواب {إِذا،} لا محل لها مثله. {فَوَجَدا:} ماض، والألف فاعله. {فِيها:} متعلقان به. {جِداراً:} مفعول به. {يُرِيدُ:} مضارع، وفاعله يعود إلى (الجدار) والمصدر المؤول من:{أَنْ يَنْقَضَّ} في محل نصب مفعول به، وجملة:{يُرِيدُ..} . إلخ في محل نصب صفة {جِداراً،} وجملة: (وجدا

) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. (أقامه): ماض ومفعوله، وفاعله يعود إلى الخضر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. {قالَ:} ماض، والفاعل يعود إلى {مُوسى}. {لَوْ:} حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. {شِئْتَ:} فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.

{لاتَّخَذْتَ:} اللام: واقعة في جواب (لو). (اتخذت): فعل، وفاعل والجملة جواب (لو)، لا محل لها. {عَلَيْهِ:} متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من أجرا، كان صفة له

إلخ. {أَجْراً:} مفعول به، ولو ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} .

إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقيل: إن جملة: {اِسْتَطْعَما..} . إلخ صفة {قَرْيَةٍ} فيكون ما بعدها معطوفا عليها، وتكون جملة:{قالَ..} . إلخ جواب {إِذا،} وهو كما ترى ضعيف معنى.

{قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (78)}

الشرح: {قالَ} أي: الخضر. {هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} أي: هذا؛ وقت فراق بيني وبينك.

وقيل: الإشارة إلى الاعتراض الثالث. {سَأُنَبِّئُكَ:} سأخبرك. {بِتَأْوِيلِ:} بتفسير، وشرح، وبيان الأمور التي لم تقدر أن تصبر عليها، ولم يحط علمك بها. وانظر شرح {نَبَأَهُمْ} في الآية رقم [13] وشرح (بين) في الآية رقم [45] من سورة (الإسراء). والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {قالَ:} ماض، والفاعل مستتر تقديره:«هو» . {هذا:} اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. {فِراقُ:} خبر المبتدأ، وهو مضاف، و {بَيْنِي:} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. {وَبَيْنِكَ:} معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية:{هذا..} . إلخ في محل نصب مقول القول،

ص: 520

وجملة: {قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {سَأُنَبِّئُكَ:} السين: حرف استقبال. (أنبئك):

مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«أنا» والكاف مفعول به. {بِتَأْوِيلِ:} متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و (تأويل): مضاف، و {ما:} اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة. {لَمْ:} حرف جازم. {تَسْتَطِعْ:} مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» . {عَلَيْهِ:} متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما؛ لأنه مصدر، أو بمحذوف حال منه على نحو ما رأيت فيما سبق. {صَبْراً:} مفعول به، وجملة:{لَمْ تَسْتَطِعْ..} . إلخ صلة {ما،} أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا ب: (على)، وجملة:{سَأُنَبِّئُكَ..} . إلخ في محل نصب مقول القول أيضا.

{أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (79)}

الشرح: قيل: إن موسى عليه السلام أخذ بثوب الخضر. وقال: أخبرني بمعنى: ما علمت قبل أن تفارقني، فقال الخضر عليه السلام:{أَمَّا السَّفِينَةُ} أي: التي قلعت لوحا من ألواحها بالقدوم. {فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} أي: يؤجرونها للناس في نقل بضائعهم، وكانوا عشرة إخوة منهم خمسة عجزة لا يستطيعون العمل، وخمسة أصحاء أقوياء، وهم الذين يعملون في البحر لهم، ولإخوتهم العجزة. ففي الكلام تغليب، وكانوا قد ورثوها عن أبيهم.

{فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها} أي: أجعلها ذات عيب. يقال: عبت الشيء، فعاب: إذا صار ذا عيب، فهو معيب، وعائب. {وَكانَ وَراءَهُمْ} أي: أمامهم. {مَلِكٌ} أي: جائر ظالم، اسمه الجلندى الأزدي، وكان كافرا. وقيل: كان اسمه هدد بن برد. وروي: أن الخضر اعتذر إلى القوم، وذكر لهم شأن الملك الغاصب، ولم يكونوا يعلمون بخبره. وقال: أردت أن أعيبها ليتركها؛ إذا هي مرت به، فإذا جاوزوا أرض الملك الظالم أصلحوها، وانتفعوا بها. {يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ} أي:

صالحة، وبه قرأ ابن عباس، وعثمان بن عفان-رضي الله عنهم أجمعين-فقد حذفت الصفة، ومثلها قوله تعالى:{تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها} التقدير: شيء سلطت عليه. وقوله تعالى حكاية عن قول قوم موسى له: {الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} أي: الواضح البين؛ وإلا لكان مفهومه كفرا. وقال المرقش الأكبر: [الوافر]

وربّ أسيلة الخدّين بكر

مهفهفة لها فرع وجيد

الفرع: الشعر، وأصل الكلام لها فرع فاحم وجيد طويل.

وقال العباس بن مرداس السلمي-رضي الله عنه: [المتقارب]

وقد كنت في الحرب ذا تدرأ

فلم أعط شيئا ولم أمنع

ص: 521

إذ التقدير: فلم أعط شيئا نافعا. {غَصْباً:} قهرا من أصحابها.

بعد هذا: فالسفينة معروفة، وتجمع على: سفين، وسفائن، ويجمع السفين على: سفن بضمتين، وجمع السفينة على سفين شاذ؛ لأن الجمع الذي يفرق بينه وبين واحده بالهاء بابه المخلوقات، مثل تمر، وتمرة، ونخل ونخلة، وأما في المصنوعات مثل سفينة وسفين فمسموع في ألفاظ قليلة. ومنهم من يقول: السفين لغة في الواحدة، وهي فعيلة بمعنى: فاعلة، كأنها تسفن الماء؛ أي: تقشره، وصاحبها: سفّان. انتهى. جمل نقلا من المصباح المنير.

هذا؛ واحتج الشافعي وغيره في الآية الكريمة على أنّ المسكين أحسن حالا من الفقير، فقد سماهم الله مساكين مع كونهم عندهم سفينة يعملون في البحر، وقد بينت هذا في الآية رقم [60] من سورة (التوبة). أما (وراء) فهو هنا بمعنى: أمام، وقدّام. وقيل: هو بمعنى: خلف، وكان رجوعهم في طريقهم عليه، والأول: أصح، ومنه قوله تعالى:{وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} وهو كثير في القرآن الكريم، وفي الشعر العربي، كما يأتي بمعنى: بعد، خذ قوله تعالى:{فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ} أي: من بعد إسحاق يعقوب. وقال النابغة الذبياني: [الطويل]

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة

وليس وراء الله للمرء مذهب

أي: وليس بعد الله جل جلاله، وكذلك قوله تعالى:{وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ} أي: من بعده. ومن مجيئه بمعنى: أمام، وقدّام قول لبيد-رضي الله عنه:[الطويل]

أليس ورائي إن تراخت منيّتي

لزوم العصا تحنى عليها الأصابع

وأيضا قول سوار بن المضرب السعدي، وكان قد هرب من الحجاج حين فرض البعث مع المهلب بن أبي صفرة لقتال الخوارج:[الطويل]

أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي

وقومي تميم والفلاة ورائيا؟

الإعراب: {أَمَّا:} أداة شرط، وتوكيد، وتفصيل، أما كونها أداة شرط؛ لأنها قائمة مقام أداة الشرط، وفعله بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل مهما يكن من شيء؛ فالأمر كذا، فأنيبت أما مناب: مهما، ويكن من شيء، فصار: أما السفينة. وأما كونها أداة توكيد؛ لأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنه واقع لا محالة؛ لكونها علقته على أمر متيقن، وأما كونها أداة تفصيل؛ لأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها.

{السَّفِينَةُ:} مبتدأ. {فَكانَتْ:} الفاء: واقعة في جواب {أَمَّا} . (كانت): ماض ناقص، واسمه يعود إلى {السَّفِينَةُ،} والتاء للتأنيث. {لِمَساكِينَ:} متعلقان بمحذوف خبر (كان)، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف، وجملة:{يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} في محل جر صفة (مساكين)، وجملة:

ص: 522

{(فَكانَتْ

)} إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. {فَأَرَدْتُ:} فعل، وفاعل. {أَنْ:} حرف مصدري، ونصب. {أَعِيبَها:} مضارع منصوب ب: {أَنْ،} والفاعل تقديره: «أنا» ، وها: مفعول به، و {أَنْ} والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة:{فَأَرَدْتُ..} . إلخ معطوفة على جملة: {(فَكانَتْ

)} إلخ فهي في محل رفع مثلها. {وَكانَ:} ماض ناقص. {وَراءَهُمْ:} ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر كان مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. {مَلِكٌ:} اسم (كان) مؤخر. {يَأْخُذُ:} مضارع، والفاعل يعود إلى {مَلِكٌ}. {كُلَّ:} مفعول به، و (كل): مضاف، و {السَّفِينَةُ:} مضاف إليه. {غَصْباً:} مفعول مطلق عامله محذوف؛ أي: يغصبها غصبا، والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال من فاعل يأخذ. وقيل: هو مفعول لأجله. وقيل: هو مصدر في موضع الحال؛ وقيل: مفعول مطلق عامله أخذ من معناه، وجملة:{يَأْخُذُ..} . إلخ في محل رفع صفة {مَلِكٌ،} وجملة: {وَكانَ..} . إلخ معطوفة على جملة: (كانت

) إلخ فهي في محل رفع مثلها. وقيل: هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والأول: أقوى. هذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ إذ هي من مقول الخضر عليه السلام.

{وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً (80)}

الشرح: {وَأَمَّا الْغُلامُ} أي: الذي قتلته. {فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ:} وهو كافر، فقد جاء في صحيح الحديث:«أنه طبع يوم طبع كافرا» وهذا يؤيد: أنه غير بالغ. {فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما..} .

إلخ: هذا من كلام الخضر وهو الذي يؤيده سياق الكلام، والمعنى خفنا أن يكلف أبويه الكفر لشدة محبتهما له، أو يحملهما عليه حملا، وذلك مجاراة له فيما يحب ويرغب؛ لأنه مجبول على الكفر حال ولادته، وحال معيشته، وحال موته، وكأن الله قد أباح للخضر الاجتهاد في قتل الأولاد على هذه الجهة. وقيل: هو من كلام الله تعالى وعنه عبر الخضر. قال الطبري: معناه فعلمنا، وهو قول ابن عباس-رضي الله عنهما، وهذا يكون كما كنى سبحانه عن العلم بالخوف في قوله جل ذكره:{إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ} . هذا؛ وجاء: «خشي» بمعنى:

علم في قول الشاعر: [الكامل]

ولقد خشيت بأنّ من تبع الهدى

سكن الجنان مع النّبيّ محمّد

قالوا: معناه: علمت. هذا؛ والخشية: خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، وهو المراد منه بخشية عباد الله المؤمنين المتكررة في القرآن العظيم. هذا؛ والماضي:

خشي، والمضارع: يخشى، والأمر: اخش، والمصدر: خشية، والرجل خشيان، والمرأة خشيا.

الإعراب: {وَأَمَّا:} الواو: حرف عطف. (أما): انظر الآية السابقة. {الْغُلامُ:} مبتدأ.

الفاء: واقعة في جواب (أما). (كان): ماض ناقص. {أَبَواهُ:} اسم (كان) مرفوع، وعلامة رفعه

ص: 523

الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة.

{مُؤْمِنَيْنِ:} خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: (كان

) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. (خشينا): فعل، وفاعل.

{فَكانَ} حرف مصدري ونصب. {يُرْهِقَهُما:} مضارع منصوب ب {فَكانَ،} والفاعل يعود إلى (الغلام)، والهاء مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. {طُغْياناً:} مفعول به ثان. {وَكُفْراً:} معطوف عليه، وأن والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة:{فَخَشِينا..} . إلخ معطوفة على جملة: {فَكانَ..} . إلخ فهي في محل رفع مثلها، والآية معطوفة بكاملها على سابقتها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها.

{فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (81)}

الشرح: {فَأَرَدْنا:} تكلم بنون العظمة، والمريد في الحقيقة هو الله تعالى. {أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما:} أن يرزقهما الله ولدا. {خَيْراً مِنْهُ زَكاةً} أي: دينا وصلاحا، وطهارة من الذنوب، والأخلاق الرديئة. {وَأَقْرَبَ رُحْماً} أي: رحمة، وعطفا على والديه بأن يبرهما، ويشفق عليهما.

قال الشاعر: [الطويل]

لعلّ التفاتا منك نحوي مقدّر

يمل بك من بعد القساوة للرّحم

قيل: أبدلهما الله جارية، فتزوجها نبي من الأنبياء، فولدت نبيا، فهدى الله على يديه أمة من الأمم. وقيل: ولدت اثني عشر نبيا. وقيل: غير ذلك، والمعتمد الأول. هذا؛ ويستفاد من هذه الآية تهوين المصائب بفقد الأولاد، وإن كانوا قطعا من الأكباد، ومن سلم للقضاء؛ أسفرت عاقبته عن اليد البيضاء، فليرض العبد بقضاء الله تعالى، فإن قضاءه للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب، فالغلام الذي قتله الخضر فرح به أبواه حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي حيا كان فيه هلاكهما.

هذا؛ وقرئ: {رُحْماً} بضمتين وضم الراء وسكون الحاء قراءتان سبعيتان. قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل: حلم، وأسد، وعسر، ويسر

إلخ.

الإعراب: {فَأَرَدْنا:} فعل، وفاعل. وانظر إعراب:(حفظنا) في الآية رقم [17] من سورة (الحجر). {أَنْ:} حرف مصدري ونصب. {يُبْدِلَهُما:} مضارع منصوب ب: {أَنْ} والهاء مفعول به أول. {رَبُّهُما:} فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله.

وفاعله مستتر فيه، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. {خَيْراً:} مفعول به ثان. {مِنْهُ:}

ص: 524

متعلقان ب: {خَيْراً} . {زَكاةً:} تمييز. {وَأَقْرَبَ:} معطوف على {خَيْراً} . {رُحْماً:} تمييز أيضا.

وقيل: مفعول لأجله، وحال، ومفعول مطلق، والمعتمد الأول. و {أَنْ} والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، والآية معطوفة بكاملها على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

{وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (82)}

الشرح: {وَأَمَّا الْجِدارُ} أي: الذي أقامه، وسوّاه. {فَكانَ لِغُلامَيْنِ:} اسمهما: أصرم، وصريم، واسم أبيهما: كاشح، واسم أمهما: دنيا. {يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ:} وهي القرية التي استطعما أهلها. وفيه دليل على أنّ القرية تسمى مدينة، وقد عبر عنها بالقرية فيما سبق تحقيرا لها لخسة أهلها، وعبر هنا عنها بالمدينة تعظيما لها من حيث اشتمالها على هذين الغلامين وعلى أبيهما. انتهى جمل. {وَكانَ تَحْتَهُ} أي: تحت الجدار. {كَنْزٌ لَهُما:} اختلف في هذا الكنز:

فقد روى أبو الدرداء-رضي الله عنه-عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «كان الكنز ذهبا، وفضة» .

أخرجه الترمذي. وقيل: كان صحفا فيها علم. وقال ابن عباس-رضي الله عنهما: كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه عجبا لمن أيقن بالموت كيف يفرح؟! عجبا لمن أيقن بالقدر كيف يحزن؟! عجبا لمن أيقن بالرزق كيف يتعب؟! عجبا لمن أيقن بالحساب كيف يغفل؟! عجبا لمن أيقن بزوال الدنيا، وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟! لا إله إلا الله محمد رسول الله. انتهى. خازن.

وفي القرطبي والبيضاوي: «عجبت» بدل «عجبا» ، و «يؤمن» بدل «أيقن» وزاد القرطبي في أوله:

بسم الله الرحمن الرحيم.

وقال الخازن: وفي الجانب الآخر مكتوب: أنا الله، لا إله إلا أنا وحدي، لا شريك لي، خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير، وأجريته على يديه، والويل كل الويل لمن خلقته للشرّ، وأجريته على يديه. انتهى.

{وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً:} ظاهر اللفظ: أنه أبو الغلامين المباشر، وكان من الأتقياء. قال ابن عباس-رضي الله عنهما: حفظا بصلاح أبيهما. وقيل: كان بينهما وبين الأب سبعة آباء. وقال محمد بن المنكدر: إن الله سبحانه وتعالى يحفظ بصلاح العبد ولده، وولد ولده، وعشيرته، وأهل دويرات حوله، فلا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم. وقال سعيد بن المسيب-رحمه الله تعالى-: إني لأصلي فأذكر ولدي، فأزيد في صلاتي. انتهى خازن.

ص: 525

{فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما} أي: يعقلا، ويدركا قوتهما العقلية، والبدنية، وهو البلوغ، أو ثماني عشرة سنة. {وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما} أي: من تحت الجدار، وذلك إذا بلغا، وعقلا، وقويا. {رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} أي: إن استخراج الكنز من تحت الجدار بيد اليتيمين رحمة رحمهما الله بها، ونعمة سابغة أسبغها عليهما.

{وَما فَعَلْتُهُ} أي: إقامة الجدار. أو الضمير يرجع إلى الأمور الثلاثة التي رأيتها، وهو الأقوى. {عَنْ أَمْرِي} أي: باختياري، وإرادتي، بل فعلته بأمر الله، وإلهامه إياي؛ لأن تنقيص أموال الناس، وإراقة دمائهم، وتغيير أحوالهم لا يكون إلا بالنص، وأمر الله تعالى، واستدل بعضهم بذلك على أنّ الخضر عليه السلام كان نبيا، لأن هذا يدل على الوحي، وذلك للأنبياء، والصحيح: أنه ولي.

{ذلِكَ تَأْوِيلُ:} شرح، وتفسير {ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً} أي: الأمور التي لم تقدر أن تصبر عليها، بل أنكرتها مني. هذا؛ وقد حذفت التاء من المضارع، وهي لغة في «تستطيع» كما حذفت من ماضيه في الآية رقم [97] الآتية، وقد حذفت التاء منهما للخفة؛ لأن التاء قريبة المخرج من الطاء، ومثل الآية قول طرفة بن العبد في معلّقته:[الطويل]

فإن كنت لا تسطيع دفع منيّتي

فدعني أبادرها بما ملكت يدي

تنبيه: لقد أضاف الخضر عليه السلام العيب إلى نفسه بقوله: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها} أدبا مع الله؛ لأنه إفساد في الظاهر، وأضاف إرادة البلوغ واستخراج الكنز إلى الله تعالى؛ لأنه إنعام محض، وهو في غير مقدور البشر، فقال:{فَأَرادَ رَبُّكَ..} . إلخ، وأما ذكر القتل؛ فذكره بلفظ الجمع تنزيها على أنه من العلماء العظماء في علم الباطن، وعلوم الحكمة، وأنه لم يقدم على مثل هذا القتل إلا بحكمة عالية، فقال:{فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما..} . إلخ وهو مثل قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام في سورة (الشعراء): {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ..} . إلخ الآية رقم [78] وما بعدها.

قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: ومن فوائد هذه القصة: ألا يعجب المرء بعلمه، ولا يبادر إلى إنكار ما لم يستحسنه، فلعل سرا لا يعرفه، وأن يداوم على التعلم، ويتذلل للمعلم، ويراعي الأدب في المقال، وأن ينبه المجرم على جرمه، ويعفو عنه، حتى يتحقق إضراره، ثم يهاجر عنه.

تنبيه: روي أن الخضر لما ذهب يفارق موسى. قال له موسى: أوصني. قال: كن بساما، ولا تكن ضحاكا، ودع اللجاجة، ولا تمش في غير حاجة، ولا تعب على الخطائين خطاياهم، وابك على خطيئتك يا بن عمران. انتهى. قرطبي، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ:} انظر الآية رقم [79] فهو مثلها. {يَتِيمَيْنِ:} صفة (غلامين) مجرور مثله، وعلامة الجر فيهما الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. {فِي الْمَدِينَةِ:} متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل: (غلامين) أو بمحذوف

ص: 526

حال منه بعد وصفه بما تقدم. {وَكانَ:} ماض ناقص. {تَحْتَهُ:} ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. {كَنْزٌ:} اسم (كان) مؤخر. {لَهُما:} متعلقان بمحذوف صفة {كَنْزٌ،} وجملة: {وَكانَ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.

{وَكانَ:} ماض ناقص. {أَبُوهُما:} اسم (كان) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية.

{صالِحاً:} خبر (كان)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. (أراد):

ماض. {رَبُّكَ:} فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {أَنْ يَبْلُغا:} مضارع منصوب ب: {فَكانَ،} وعلامة نصبه حذف النون

إلخ، والألف فاعله. {أَشُدَّهُما:} مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف

إلخ، و {أَنْ يَبْلُغا:} في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة:{فَأَرادَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {وَيَسْتَخْرِجا:} مضارع معطوف على {يَبْلُغا} منصوب مثله، والألف فاعله. {كَنزَهُما:}

مفعول به

إلخ. {رَحْمَةً:} مفعول لأجله عامله أراد. وقيل: حال. {مِنْ رَبِّكَ:} متعلقان برحمة، أو بمحذوف صفة له، والكاف

إلخ، الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. {فَعَلْتُهُ:}

فعل، وفاعل، ومفعول به. {عَنْ أَمْرِي:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال؛ أي: ما فعلته صادرا عن أمري، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم

إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال أيضا. {ذلِكَ:} اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {تَأْوِيلُ:} خبر المبتدأ، وهو مضاف {ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً} انظر الآية رقم [78] ففيها الكفاية، بعد هذا ينبغي أن تعلم أن الآية بكاملها معطوفة على ما قبلها، فهي من قول الخضر عليه الصلاة والسلام.

خاتمة: فعن أبي أمامة-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أحدثكم عن الخضر؟» . قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «بينما هو ذات يوم يمشي في سوق بني إسرائيل أبصره رجل مكاتب، فقال: تصدق عليّ بارك الله فيك! فقال الخضر: آمنت بالله، ما شاء من أمر يكون! ما عندي شيء أعطيكه! فقال المسكين: أسألك بوجه الله لما تصدّقت عليّ، فإني نظرت السماحة في وجهك، ورجوت البركة عندك! فقال الخضر: آمنت بالله، ما عندي شيء أعطيكه، إلا أن تأخذني، فتبيعني! فقال المسكين: وهل يستقيم هذا؟! قال: نعم، أقول: لقد سألتني بأمر عظيم، أما إنّي لا أخيّبك بوجه ربّي» .

قال: «فقدّمه إلى السوق، فباعه بأربعمائة درهم، فمكث عند المشتري زمانا لا يستعمله في شيء، فقال: إنما اشتريتني التماس خير عندي، فأوصني بعمل. قال: أكره أن أشقّ عليك، إنك شيخ كبير ضعيف. قال: ليس يشقّ عليّ! قال: قم، فانقل هذه الحجارة، وكان لا ينقلها دون

ص: 527

ستة نفر في اليوم، فخرج الرجل لبعض حاجته، ثمّ انصرف، وقد نقل الحجارة في ساعة. قال:

أحسنت، وأجملت وأطقت ما لم أرك تطيقه».

قال: «ثمّ عرض للرجل سفر، فقال: إني أحبك أمينا، فاخلفني في أهلي خلافة حسنة.

قال: وأوصني بعمل. قال: إني أكره أن أشقّ عليك. قال: ليس يشقّ عليّ. قال: فاضرب من اللّبن بيتي حتى أقدم عليك». قال: «فمرّ الرجل لسفره» . قال: «فرجع الرجل، وقد شيّد بناءه.

قال: أسألك بوجه الله ما سببك؟ وما أمرك؟ قال: سألتني بوجه الله، ووجه الله، أوقعني في هذه العبودية. فقال الخضر: سأخبرك من أنا، أنا الخضر الذي سمعت به، سألني مسكين صدقة، فلم يكن عندي شيء أعطيه، فسألني بوجه الله، فأمكنته من رقبتي، فباعني. وأخبرك: أنه من سئل بوجه الله، فردّ سائله، وهو يقدر وقف يوم القيامة جلدة، ولا لحم له يتقعقع. فقال له الرجل: آمنت بالله، شققت عليك يا نبيّ الله، ولم أعلم! قال: لا بأس! أحسنت، وأتقنت، فقال الرجل: بأبي أنت وأمي يا نبيّ الله! احكم في أهلي، ومالي بما شئت، أو اختر فأخلّي سبيلك.

قال: أحبّ أن تخلّي سبيلي، فأعبد ربي. فخلّي سبيله، فقال الخضر: الحمد لله الذي، أوثقني في العبودية، ثمّ نجّاني منها». انتهى. والله أعلم بصحة ذلك!.

{وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (83)}

الشرح: {وَيَسْئَلُونَكَ:} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والسائل له كفار قريش بإيعاز من يهود المدينة كما رأيت في الآية رقم [23] انظرها ففيها الكفاية. هذا؛ والسؤال هنا سؤال تعنت، وامتحان بخلافه في أول سورة (الأنفال) فإنه سؤال استفهام، واستفتاء، أما ذو القرنين؛ فقد قال القرطبي: قال ابن إسحاق: وكان من خبر ذي القرنين: أنه أوتي ما لم يؤت غيره، فمدت له الأسباب؛ حتى انتهى من البلاد إلى مشارق الأرض ومغاربها، لا يطأ أرضا إلا سلّط عليها؛ حتى انتهى من المشرق، والمغرب إلى ما ليس وراءه شيء من الخلق. انتهى.

هذا؛ ولقد اختلف في اسمه: قيل: اسمه: مرزبان بن مرزبة اليوناني من ولد يونان بن يافث بن نوح، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. قال ابن هشام: واسمه الإسكندر، وهو الذي بنى الإسكندرية بمصر، فنسبت إليه. وقيل: هو الإسكندر الملك اليوناني المقدوني. وقيل: اسمه هرمس، ويقال: اسمه هرديس. وقيل: إنّه عربي من حمير مع اختلاف في اسمه، وهو الذي افتخر به أحد شعراء حمير حيث يقول، وهو تبّع:[الكامل]

قد كان ذو القرنين جدّي مسلما

ملكا علا في الأرض غير مفنّد

بلغ المشارق والمغارب يبتغي

أسباب ملك من كريم مرشد

فرأى مآب الشمس عند غروبها

في عين ذي خلب وثأط حرمد

ص: 528

الخلب: بضمتين الحمأة، وهي الطين، والثأطة: الحمأة المختلطة بالماء، فتزيد رطوبة، وتفسد، والحرمد: الطين الأسود.

واختلف فيه: هل هو نبي، أو ولي، فلقد سئل علي بن أبي طالب-كرم الله وجهه-عنه، أكان نبيا؟ فقال: لم يكن نبيا، ولا ملكا، ولكن كان عبدا صالحا أحب الله، فأحبه، وناصح الله، فناصحه الله، واختلف في زمانه، فقيل: كان بعد موسى. وقيل: كان في الفترة بعد عيسى. وقيل:

كان في وقت إبراهيم وإسماعيل، وكان الخضر عليه السلام صاحب لوائه الأعظم، وكان السبب في حياة الخضر فيما حكي: أنه شرب من عين الحياة، وذلك: أن ذا القرنين دخل الظلمة لطلب عين الحياة، وكان الخضر على مقدمته، فوقع الخضر على العين، فاغتسل وشرب منها، وصلى شكرا لله تعالى، وأخطأ ذو القرنين الطريق فرجع. وذكرت لك فيما مضى: أنه قيل: إن الخضر، وإلياس حيّان يلتقيان كل سنة في الموسم؛ أي: موسم الحج. انظر الآية رقم [65].

قال السهيلي: والظاهر من علم الأخبار: أنهما اثنان: أحدهما كان على عهد إبراهيم عليه السلام، ويقال: إنه الذي قضى لإبراهيم عليه السلام حين تحاكموا إليه في بئر السبع بالشام.

والآخر كان قريبا من عهد عيسى عليه السلام. وقيل: إنه أفريدون الذي قتل بيوراسب بن أرونداسب الملك الطاغي، على عهد إبراهيم عليه السلام. انتهى والله أعلم بالحقيقة.

وفي الجمل: ذو القرنين الأكبر، وهو ولي الله تعالى من أولاد سام بن نوح، وكان ابن عجوز ليس لها غيره، وكان أسود اللون، وكان على شريعة إبراهيم الخليل عليه السلام، فإنه أسلم على يديه، ودعا له، وأوصاه بوصايا، وكان يطوف معه، وكان الخضر وزيره، فكان يسير معه على مقدمة جيشه، وهذا بخلاف ذي القرنين الأصغر فإنه من ولد العيص بن إسحاق، وكان كافرا عاش ألفا وستمائة سنة، وكان قبل المسيح بثلاثمائة سنة. انتهى. نقلا عن شيخه.

هذا؛ وقد روي: أن عدد من ملك الدنيا كلها أربعة: مؤمنان، وكافران، فالمؤمنان:

سليمان بن داود، وإسكندر ذو القرنين، والكافران: نمرود الذي ادعى الألوهية على عهد إبراهيم عليه السلام، وبختنصر الذي خرب بيت المقدس، وأهلك بني إسرائيل، كما رأيت في الآية رقم [5] من سورة (الإسراء)، وسيملكها من هذه الأمة خامس لقوله تعالى:{لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} وهو المهديّ في آخر الزمان، وحين نزول عيسى عليه السلام. كذا في القرطبي.

واختلف في السبب الذي لقب به ب: «ذي القرنين» فقيل: إنه كان ذا ضفيرتين من شعر، فسمي بهما، والضفائر قرون الرأس، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:[الكامل]

فلثمت فاها آخذا بقرونها

شرب النّزيف ببرد ماء الحشرج

وقيل: إنه سمي بذلك؛ لأنه بلغ المغرب، والمشرق، فكأنه حاز قرني الدنيا. وقيل: سمي بذلك؛ لأنه ملك فارس، والروم. وقيل: لأنه انقرض في أيامه قرنان من الناس. وقيل: كان

ص: 529

لتاجه قرنان. وقيل: كان له قرنان تحت عمامته. وقيل: يحتمل أنه لقب بذلك لشجاعته، كما يقال للشجاع: كبش، كأنه ينطح أقرانه. والله أعلم بالحقيقة. {قُلْ سَأَتْلُوا..}. إلخ: أي: سأقص عليكم خبرا من حاله، وشأنه.

الإعراب: {وَيَسْئَلُونَكَ:} الواو: حرف استئناف، أو هي حرف عطف قصة على قصة قبلها.

(يسألونك): مضارع مرفوع

إلخ، والواو فاعله، والكاف مفعوله. {عَنْ:} حرف جر.

{ذِي:} اسم بمعنى: صاحب مجرور ب: {عَنْ،} وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و {ذِي:} مضاف، و {الْقَرْنَيْنِ:} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {قُلْ:} أمر وفاعله مستتر تقديره: «أنت» . {سَأَتْلُوا:} السين: حرف استقبال. (أتلو): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره:«أنا» . {عَلَيْكُمْ:} متعلقان بما قبلهما. {مِنْهُ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من {ذِكْراً} كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على مثال ما تكرر معنا. {ذِكْراً:} مفعول به، وجملة:

{سَأَتْلُوا..} . إلخ: في محل نصب مقول القول، وجملة:{قُلْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (84) فَأَتْبَعَ سَبَباً (85)}

الشرح: {إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الْأَرْضِ:} قال علي كرم الله وجهه: سخر الله له السحاب، ومدت له الأسباب، وبسط له في النور، فكان الليل والنهار عليه سواء، وسهل عليه السير في الأرض، وذلل له طريقها. {وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً:} قال ابن عباس-رضي الله عنهما: من كل شيء علما يتسبب به إلى ما يريد. وقيل: من كل شيء يحتاج إليه الخلق. وقيل: من كل شيء يستعين به الملوك من فتح المدائن، وقهر الأعداء. وأصل السبب: الحبل، فاستعير لكل ما يتوصل به إلى شيء.

{فَأَتْبَعَ سَبَباً} أي: سلك طريقا يوصله إلى ما يريد، وقدره الله له. هذا؛ وقرئ:{(فَأَتْبَعَ سَبَباً)} بوصل الهمزة وتشديد التاء، وهما بمعنى: واحد. قال الأخفش: تبعته، وأتبعته بمعنى، مثل:

ردفته، وأردفته. انتهى. فيتعديان لمفعول واحد. وقيل:«أتبع» بالقطع متعد لاثنين حذف أحدهما، تقديره: فأتبع سببا سببا آخر. أو فأتبع أمره سببا، ومنه قوله تعالى:{وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً} ومن حذف أحد المفعولين قوله تعالى: {فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ} أي: أتبعوا جنودهم. واختار أبو عبيد (اتّبع) بالوصل، قال: لأنه من المسير. قال: تقول: تبعت القوم، واتبعتهم، فأما الإتباع بالقطع فمعناه: اللحاق، كقوله تعالى:{فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ} . وقال يونس، وأبو زيد:«أتبع» بالقطع عبارة عن المجدّ المسرع الحثيث الطلب، وبالوصل يتضمن الاقتفاء دون هذه الصفات. انتهى. جمل نقلا عن السمين.

ص: 530

الإعراب: {إِنّا:} (إنّ): حرف مشبه بالفعل. و (نا): في محل نصب اسمها. {مَكَّنّا:}

فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف، تقديره: أمره. {لَهُ فِي الْأَرْضِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة:{مَكَّنّا..} . إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة، أو ابتدائية لا محل لها. {وَآتَيْناهُ:} فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها. {مِنْ كُلِّ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من {سَبَباً} كان صفة له

إلخ، و {كُلِّ:} مضاف، و {شَيْءٍ:} مضاف إليه. {سَبَباً:} مفعول به ثان.

{فَأَتْبَعَ:} ماض، والفاعل يعود إلى {ذِي الْقَرْنَيْنِ}. {سَبَباً:} مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا.

{حَتّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (86)}

الشرح: {حَتّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ} أي: سار ذو القرنين بجيشه في جهة المغرب التي تغرب فيها الشمس. {وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} أي: ذات حمأة، وهي الطينة السوداء، من:

حمئت البئر إذا صارت فيها الحمأة حامية، فعن أبي ذر الغفاري-رضي الله عنه-قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على جمل، فرأى الشمس حين غابت، فقال:«يا أبا ذرّ! أتدري أين تغرب هذه؟» . قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنّها تغرب في عين حمئة» .

وكان ابن عباس-رضي الله عنهما-عند معاوية، فقرأ معاوية:«(حامية)» فقال ابن عباس:

{حَمِئَةٍ} فقال معاوية لعبد الله بن عمر: كيف تقرؤها؟ فقال: كما يقرأ أمير المؤمنين، ثم وجه إلى كعب الأحبار: كيف تجد الشمس تغرب؟ قال: في ماء وطين، كذلك نجده في التوراة، فوافق قول ابن عباس-رضي الله عنهما، ولا تنافي، فجاز أن تكون العين جامعة للوصفين جميعا. انتهى نسفي.

هذا؛ وقال القرطبي: ويجوز أن تكون (حامية) من الحمأة، فخففت الهمزة، وقلبت ياء، وقد يجمع بين القراءتين، فيقال: كان حارة، وذات حمأة. انتهى. هذا؛ وقال القفال: قال بعض العلماء: ليس المراد: أنه انتهى إلى الشمس مغربا، ومشرقا حتى وصل إلى جرمها، ومسّها؛ لأنه تدور مع السماء حول الأرض، من غير أن تلتصق بالأرض، وهي أعظم من أن تدخل في عين من عيون الأرض، بل هي أكبر من الأرض أضعافا مضاعفة، بل المراد: أنه انتهى إلى آخر العمارة من جهة المغرب، ومن جهة المشرق، فوجدها في رأي العين تغرب في عين حمئة، كما أنا نشاهدها في الأرض الملساء كأنها تدخل في الأرض، وكما أن راكب البحر يرى: أنّ الشمس كأنها تغيب في البحر. انتهى. وهو جيد. رحمه الله.

ص: 531

{وَوَجَدَ عِنْدَها:} عند تلك العين. {قَوْماً:} قيل: كان لباسهم جلود الوحش، وطعامهم ما لفظه البحر، وما نبت من الأرض، وكانوا كفارا، لذا خيره الله بين أن يعذبهم، أو يدعوهم إلى الإيمان وهم أهل مدينة: جابرس، ويقال لها بالسريانية: جرجيسا، يسكنها قوم من نسل ثمود الذين آمنوا بصالح عليه السلام؛ أي: وكفروا مع تطاول الزمن. هذا؛ وانظر شرح (قوم) في الآية رقم [13] من سورة (النحل). وانظر ما ذكرته في (مسجد) في الآية رقم [21].

هذا؛ وتجمع عين على: عيون، وأعين، وأعيان أيضا، والأخير غير مشهور، وقليل الاستعمال، وأعين جمع قلة، وغيره جمع كثرة، والمراد: بها هنا عين الماء كما يظهر، وتطلق على العين الباصرة، وعلى الجاسوس، كما في قولك: بث الأمير عيونه في المدينة؛ أي:

جواسيسه، كما تطلق على ذات الشخص، كما في قولك: جاء محمود عينه. وعين الشيء:

خياره، وتطلق على النقد من ذهب، وغيره، وإليك قول الشاعر:[البسيط]

واستخدموا العين منّي، وهي جارية

وقد سمحت بها أيّام وصلهمو

فالمراد بالعين: ذاته، والمراد: ب: «جارية» عينه التي تجري بالدمع، والمراد: بقوله:

«بها» : نقد الذهب، وهذا يسمى في فن البديع: استخداما، كما تطلق على الماء الجاري النابع من الأرض، وتطلق على المطر الهاطل من السحاب. قال عنترة:[الكامل]

جادت عليه كلّ عين ثرّة

فتركن كلّ حديقة كالدّرهم

هذا؛ وأعيان القوم: أشرافهم، وبنو الأعيان: الإخوة من الأبوين.

{قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ:} هذا القول له إن كان نبيا؛ فهو وحي، وإن كان وليا؛ فهو إلهام. {إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا..}. إلخ: خير الله ذا القرنين كما خير محمدا صلى الله عليه وسلم، فقال جل شأنه:{فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} وقال جل ذكره: {فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً} فقد خيره الله بين تعذيبهم وبين الإحسان إليهم بالإرشاد، وتعليم الشرائع، والعفو، والصفح عنهم؛ إن هم استجابوا لذلك. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

تنبيه: لإمّا خمسة معان:

أحدها: الشك، نحو: جاءني إما زيد، وإما عمرو. إذا لم تعلم الجائي منهما.

الثاني: الإبهام: كما في قوله تعالى: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} الآية رقم [106] من سورة (التوبة).

الثالث: التخيير، وهو ما في الآية التي نحن بصدد شرحها، وقوله تعالى:{قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ} ومثلها الآية رقم [65] من سورة (طه).

الرابع: الإباحة، نحو:(تعلّم إما فقها، وإما نحوا).

ص: 532

الخامس: التفصيل، نحو قوله تعالى:{إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً} . انتهى. مغني اللبيب باختصار.

أقول: والتفصيل هو المعنى الذي لا يفارقها مع كل من المعاني المذكورة.

الإعراب: {حَتّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها:} انظر الآية رقم [71] ففيها الكفاية: وأضيف:

أن في الآية انتصارا لمذهب الأخفش؛ إذ لا بد من تقدير فعل قبل {حَتّى} كما رأيت في الشرح؛ ليتم المعنى. {تَغْرُبُ:} مضارع، والفاعل يعود إلى {الشَّمْسِ،} والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان ل: (وجد). وقيل: هي في محل نصب حال من الضمير المنصوب.

{فِي عَيْنٍ:} متعلقان بالفعل قبلهما. {حَمِئَةٍ:} صفة {عَيْنٍ} . {وَوَجَدَ} ماض، والفاعل يعود إلى {ذِي الْقَرْنَيْنِ}. {عِنْدَها:} ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو بمحذوف حال من {قَوْماً} على مثال ما تقدم. {قَوْماً:} مفعول به، وجملة:{وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً} معطوفة على جملة:

{وَجَدَها..} . إلخ لا محل لها مثلها.

{قُلْنا:} فعل، وفاعل. (يا): أداة نداء تنوب مناب «أدعو» . (ذا): منادى منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و (ذا) مضاف، و {الْقَرْنَيْنِ:} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه مثنى

إلخ. {إِمّا:} أداة شرط، وتخيير. وقيل: تقسيم، والمصدر المؤول من:{أَنْ تُعَذِّبَ} في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: إما التعذيب واقع عليهم، أو هو خبر والمبتدأ محذوف، التقدير: إمّا هو تعذيبك لهم، أو المصدر المؤول في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير:«إما أن توقع التعذيب عليهم» ومن شواهد الرفع قول تأبط شرا: [الطويل]

هما خطّتا إمّا إسار ومنّة

وإمّا دم والقتل بالحرّ أجدر

و {وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ} فهو مثله في التأويل والتقدير، والجملة سواء أكانت اسمية أم فعلية، فهي معطوفة على ما قبلها. {فِيهِمْ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما، أو بمحذوف حال منه كان صفة له.. إلخ. {حُسْناً:} مفعول به، والكلام:{يا ذَا..} . إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة:{قُلْنا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها، ومثلها الآية رقم [65] من سورة (طه).

{قالَ أَمّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً (87)}

الشرح: {قالَ أَمّا مَنْ ظَلَمَ} أي: نفسه بالكفر بأن أصر عليه، ولم يقبل الإرشاد، والنصح.

{فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ} أي: بالقتل. {ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ} أي: الموت. {فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً} أي: شديدا. وهو عذاب الآخرة في النار. وفحوى هذا: أنه اختار الدعوة إلى الله، وسلوك الطريقة الحسنى معهم.

ص: 533

الإعراب: {قالَ:} ماض، وفاعله يعود إلى {ذِي الْقَرْنَيْنِ}. {أَمّا:} أداة شرط، وتوكيد، وتفصيل. وانظر الآية رقم [79] {مَنْ:} اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.

{ظَلَمَ:} ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى {مَنْ،} ومفعوله محذوف كما رأيت. {فَسَوْفَ:} الفاء: واقعة في جواب الشرط. (سوف): حرف استقبال، وتسويف. {نُعَذِّبُهُ:} مضارع، والفاعل مستتر، تقديره:«نحن» والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو {مَنْ} مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [29] هذا؛ وإن اعتبرت {مَنْ} موصولة فالجملة الفعلية بعدها صلتها، وجملة:{فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ} في محل رفع خبره، وزيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. {ثُمَّ:} حرف عطف. {يُرَدُّ:} مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى {مَنْ}. {إِلى رَبِّهِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. {فَيُعَذِّبُهُ:} الفاء: حرف عطف. (يعذبه): مضارع، والفاعل يعود إلى {رَبِّهِ،} والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا. {عَذاباً:} مفعول مطلق.

{نُكْراً:} صفة له، وهو يقرأ بضم الكاف وسكونها قراءتان سبعيتان. وانظر:{رُحْماً} في الآية رقم [81] والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً (88) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (89)}

الشرح: {وَأَمّا مَنْ آمَنَ} أي: بالله تعالى. {وَعَمِلَ صالِحاً} أي: عمل عملا صالحا، وهو ما يوجب الإيمان بالله تعالى، وهذا احتراس كما بينته فيما سبق. وانظر الآية رقم [107]. {فَلَهُ جَزاءً:} يقرأ بالنصب، والرفع بالتنوين، وعدمه. {الْحُسْنى} أي: المثوبة الحسنى، وتفسّر بالجنة. وقال البيضاوي: فله؛ أي: في الدارين؛ أي: فله في الدنيا الإعزاز والإكرام، وحفظ حقوقه المالية وغيرها، وله في الآخرة جنات عدن تجري من تحتها الأنهار. وانظر شرح {الْحُسْنى} في الآية رقم [110] من سورة (الإسراء).

{وَسَنَقُولُ لَهُ} أي: لمن آمن وعمل صالحا. {مِنْ أَمْرِنا يُسْراً} أي: لا نأمره بالشيء الصعب الشاق عليه، ولكن نأمره بالسهل المتيسر من دفع زكاة وخراج وغير ذلك من التكاليف. {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً} أي: سلك طريقا يوصله إلى المشرق، بعد أن دان له المغرب، ويذكر أنه جند جيشا عظيما من أهل المغرب وتوجه به إلى جهة المشرق، وهو ما تفيده الآية التالية. وانظر الآية رقم [86] وما فيها من بحث فإنه جيد، ويقرأ يسرا بضم السين وسكونها، انظر رحما في الآية رقم [82].

ص: 534

الإعراب: {وَأَمّا مَنْ آمَنَ:} انظر الآية السابقة ففيها البيان الشافي، وجملة:{وَعَمِلَ صالِحاً} معطوفة على جملة: {آمَنَ} على الوجهين المعتبرين فيها، و {صالِحاً} صفة لمفعول به محذوف، التقدير: وعمل عملا صالحا. وقيل: المحذوف مفعول مطلق. وهو ضعيف. {فَلَهُ:} الفاء:

واقعة في جواب الشرط. (له): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {جَزاءً:} فعلى قراءة الرفع فهو مبتدأ مؤخر، أو هو فاعل بالجار والمجرور، وعلى قراءته بغير تنوين فهو مضاف، و {الْحُسْنى:}

مضاف إليه، وعلى قراءته بالتنوين، فالحسنى بدل منه، أو هو خبر لمبتدإ محذوف وعلى قراءته بالنصب، والتنوين، فهو منصوب على الحال من الضمير المستقر في الجار والمجرور، أو هو مفعول مطلق عامله من لفظه، وهو محذوف، أو هو تمييز، وعلى قراءته بغير تنوين فهو مثل المنون في جميع، أوجه إعرابه، ويكون قد حذف التنوين لالتقاء الساكنين، وعليه ف:{الْحُسْنى} مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية:{فَلَهُ..} . إلخ في محل جزم جواب الشرط

إلخ، انظر الآية السابقة لتتمة الإعراب، والجملة الاسمية في هذه الآية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.

{وَسَنَقُولُ:} الواو: حرف عطف. (سنقول): مضارع، والسين حرف استقبال، وتنفيس، والفاعل مستتر تقديره:«نحن» . {فَلَهُ:} متعلقان بما قبلهما. {مِنْ أَمْرِنا:} متعلقان بمحذوف حال من {يُسْراً،} كان صفة له على نحو ما رأيت في الآية السابقة وغيرها. {يُسْراً:} مفعول به، وهو على تقدير: قولا ذا يسر، أو شيئا ذا يسر، فيكون المحذوف مفعولا مطلقا، أو نائب مفعول مطلق، والآية معطوفة على ما قبلها، فهي من مقول ذي القرنين. {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً:} هذه الجملة معطوفة على جملة: {بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ} فيكون ما بينهما معترضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

{حَتّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً (90)}

الشرح: المعنى: سار ذو القرنين بجيشه الخضم من مغرب الشمس حتى وصل، وبلغ أقصى المشرق، وهي الجهة التي تطلع منها الشمس. {وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ} أي: رأى ذو القرنين أقواما في أقصى المشرق، ليس بينهم وبين الشمس ستر من جبل، أو شجر، ولا يستقر عليهم بناء، فإذا طلعت عليهم الشمس دخلوا في أسراب لهم تحت الأرض، فإذا زالت عنهم الشمس خرجوا إلى معايشهم، حفاة، عراة، عماة عن الحق، يتسافدون مثل الكلاب، ويتهارجون تهارج الحمر.

قيل: إنهم قوم من نسل مؤمني قوم هود عليه السلام، واسم مدينتهم: جابلق، واسمها بالسريانية مرقيسيا، وهم مجاورون يأجوج، ومأجوج. هذا؛ و (ستر) اسم آلة؛ فلذا كسرت السين، وقرئ {مَطْلِعَ} بكسر اللام، وفتحها.

ص: 535

الإعراب: {حَتّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها} انظر الآية رقم [86] والمحال عليها برقم [71] ففيهما الكفاية. {تَطْلُعُ:} مضارع، والفاعل يعود إلى {الشَّمْسِ} تقديره:«هي» . {عَلى قَوْمٍ:}

متعلقان به، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان ل:(وجد). وقيل: هي في محل نصب حال من الضمير المنصوب. {لَمْ:} حرف نفي، وقلب، وجزم. {نَجْعَلْ:} مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره:«نحن» . {لَهُمْ:} متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الأول، أو مفعوله الثاني. {مِنْ دُونِها:} متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من {سِتْراً} كان صفة له

إلخ، و (ها): في محل جر بالإضافة. {سِتْراً:}

مفعول به، وجملة:{لَمْ نَجْعَلْ..} . إلخ في محل جر صفة قوم.

{كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً (91) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (92)}

الشرح: {كَذلِكَ} أي: أمر ذي القرنين كما وصفناه في رفعة المكانة، وبسطة الملك. أو أمره في أهل المشرق كأمره في أهل المغرب من التخيير، والاختيار. {وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ} أي:

من الجنود، والآلات، والعدد، والأسباب. {خُبْراً:} علما تعلق بظواهر أمره، وخفاياه، والمراد: أن كثرة ذلك بلغت مبلغا لا يحيط به إلا علم اللطيف الخبير.

{ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً} أي: سلك ذو القرنين طريقا ثالثا معترضا بين المشرق، والمغرب آخذا من الجنوب إلى الشمال. هذا؛ وانظر (نا) في الآية رقم [23] من سورة (الحجر) هذا؛ وأما {لَدَيْهِ} فهو ظرف بمعنى:«عند» ، وهي معربة مثلها، وقد تستعملان في الزمان، وإذا أضيف «لدى» إلى مضمر كما هنا قلبت ألفه ياء عند جميع العرب إلا بني الحارث بن كعب، وبني خناعة، فلا يقلبونها تسوية بين الظاهر، والمضمر، ثم اعلم: أن (عند) أمكن من (لدى) من وجهين:

أحدهما: أنها تكون ظرفا للأعيان، والمعاني، تقول: هذا القول عندي صواب، وعند فلان علم به، ويمتنع ذلك في لدى. ذكره ابن الشجري في أماليه، ومبرمان في حواشيه، والثاني: أنك تقول: عندي مال، وإن كان غائبا، ولا تقول: لديّ مال إلا إذا كان حاضرا. قاله جماعة.

الإعراب: {كَذلِكَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مبتدأ محذوف، التقدير: الأمر كذلك، ويجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف، عامله (وجد) أو {نَجْعَلْ} والأول: أقوى، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {وَقَدْ:} الواو:

حرف استئناف. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. {أَحَطْنا:} فعل، وفاعل.

{بِما:} متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. {لَدَيْهِ:} ظرف مكان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء لاتصاله بالهاء التي هي ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وهو متعلق بمحذوف

ص: 536

صلة (ما)، أو بمحذوف صفتها. {خُبْراً:} مفعول به. وقيل: مفعول مطلق؛ لأن في {أَحَطْنا} معنى: خبرنا وقيل: تمييز، وهو ضعيف، وجملة:{وَقَدْ أَحَطْنا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة:{أَتْبَعَ سَبَباً} معطوفة على ما قبلها، وإن اعتبرت الأولى حالا من فاعل الفعل:{نَجْعَلْ} المقدر فلست مفندا، ولا تصح الحالية على التقدير الأول.

{حَتّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (93)}

الشرح: المعنى سار ذو القرنين بجيشه العرموم حتى وصل بين السدين، وهما جبلان من قبل أرمينية وأذربيجان في منقطع أرض الترك، وقد قرئ بضم السين، وفتحها، انظر الآية التالية. وحكي: أن الواثق العباسي بعث بعض من يثق به من أتباعه إليه؛ ليعاينوه، فخرجوا من باب من الأبواب حتى وصلوا إليه، وشاهدوه، فوصفوه: أنه بناء من لبن حديد مشدود بالنحاس المذاب، وعليه باب مقفل. انتهى. خازن.

{وَجَدَ مِنْ دُونِهِما} أي: من وراء السدين. {قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا يفهمون كلام أحد، ولا يفهم الناس كلامهم؛ لأن لغتهم غريبة مجهولة، وقد قرئ الفعل {يَفْقَهُونَ} بفتح الياء على المعنى الأول، وبضم الياء على المعنى الثاني.

الإعراب: {حَتّى:} حرف غاية وجر. {إِذا:} ظرف لما يستقبل من الزمان

إلخ، {بَلَغَ:} ماض، والفاعل يعود إلى:{ذِي الْقَرْنَيْنِ} . {بَيْنَ:} مفعول به، وهو في الأصل ظرف مكان مثل مغرب ومطلع، فحصل التصرف فيهن بوقوعهن مفعولا، و {بَيْنَ:} مضاف، و {السَّدَّيْنِ:} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة:{بَلَغَ..} . إلخ في محل جر بإضافة {إِذا} إليها على القول المشهور المرجوح. {وَجَدَ:} ماض، والفاعل يعود إلى:{ذِي الْقَرْنَيْنِ} . {مِنْ دُونِهِما:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من {قَوْماً} كان صفة له

إلخ على مثال ما تقدم، أو هما في محل نصب مفعوله الثاني: تقدم على الأول، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. {قَوْماً:} مفعول به، وجملة:{وَجَدَ..} . إلخ جواب {إِذا} لا محل لها، و {إِذا} ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. هذا؛ ويعتبر الأخفش في مثل هذه الآية {حَتّى} جارة ل:{إِذا،} وعلى قوله ف: {حَتّى} ومجرورها متعلقان بفعل محذوف، انظر تقديره في الشرح. {لا:} نافية. {يَكادُونَ:} مضارع ناقص مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، وجملة:

{يَفْقَهُونَ قَوْلاً} في محل نصب خبره، وجملة:{لا يَكادُونَ..} . إلخ في محل نصب صفة {قَوْماً} . تأمل.

ص: 537

{قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94)}

الشرح: {قالُوا} أي: قالت أمة من الإنس صالحة مجاورة. وفي البيضاوي: قال مترجموهم. {يا ذَا الْقَرْنَيْنِ:} انظر الآية رقم [83] لشرحه. {إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ:} هما قبيلتان من ولد يافث بن نوح عليه السلام. وقيل: يأجوج من الترك، ومأجوج من الجيل والديلم. {مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ:} قيل: كانوا يأكلون الناس. وقيل: كانوا يخرجون في أيام الربيع، فلا يتركون شيئا أخضر إلا أكلوه، ولا يابسا إلا احتملوه، وكانوا يلقون منهم قتلا، وأذى شديدا، وهم خلق كثير، لا يحصي عددهم إلا الله.

قال عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه-سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن يأجوج، ومأجوج، فقال:

«يأجوج ومأجوج أمّتان، كلّ أمة أربعمائة ألف أمة، كلّ أمّة لا يعلم عددها إلا الله، لا يموت الرجل منهم حتى يولد له ألف ذكر من صلبه، كلّهم قد حمل السّلاح» . وقيل: هم على صنفين: طوال مفرطو الطول، وقصار مفرطو القصر. وقد ذكر القرطبي، والخازن الكثير من صفاتهم، وأحوالهم.

وبالجملة: هم نادرة عجيبة في ذرية آدم عليه السلام. هذا؛ وقرئ: «(ياجوج ومأجوج)» بدون همز.

{فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً:} وقرئ: «(خراجا)» ، وهما بمعنى: جعلا، وقسما من أموالنا نقدمه إليك، وهو في الآية [72] من سورة (المؤمنون) بمعنى: الأجر، والإثابة على عمل ما. {عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} أي: حاجزا منيعا، يحول بيننا وبينهم، فلا يصلون إلينا. ف:{عَلى} بمعنى:

لام التعليل هنا وقرئ بضم السين، وهما لغتان. وقيل: المضموم لما خلقه الله تعالى، والمفتوح لما عمله الناس.

قال القرطبي: ويلزم أهل هذه المقالة أن يقرءوا {سَدًّا} بالفتح، وقبله. {بَيْنَ السَّدَّيْنِ} بالضم. وقال أيضا: في هذه الآية دليل على اتخاذ السجون، وحبس أهل الفساد فيها، ومنعهم من التصرف لما يريدون، ولا يتركون وما هم عليه، بل يوجعون ضربا، ويحبسون، أو يكلفون ويطلقون، كما فعل عمر-رضي الله عنه.

فائدة: قال بعضهم: مسافة الأرض بتمامها خمسمائة عام، ثلاثمائة منها بحار، ومائة وتسعون مسكن يأجوج ومأجوج، وتبقى عشرة، سبعة للحبشة، وثلاثة لجملة الخلق غيرهم.

هذا؛ وأرض يأجوج ومأجوج منحصرة وراء الجبلين العظيمين، وليس لهم طريق إلى أرض العمارة إلا هذه الفتحة الموجودة بين الجبلين التي أقام فيها ذو القرنين السد، وعلى هذا فلا يزالون في العالم المجهول الذي لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى. وذكر: أن سعة الفتحة التي بين الجبلين مائة فرسخ، فيكون طول السد وامتداده على وجه الأرض مائة فرسخ، ومسيرة الفرسخ

ص: 538

ساعة ونصف، فتكون مسيرته مائة وخمسين ساعة مسيرة اثني عشر يوما، ونصفا، فتبلغ مسافته نحو العقبة من مصر. تأمل. انتهى. جمل. وانظر الآية رقم [94].

الإعراب: {قالُوا:} ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب:

«دخلوا» في الآية رقم [52] من سورة (الحجر). {يا ذَا الْقَرْنَيْنِ:} انظر الآية رقم [86]. {إِنَّ:}

حرف مشبه بالفعل. {يَأْجُوجَ:} اسم (إنّ). {وَمَأْجُوجَ:} معطوف عليه. {مُفْسِدُونَ:} خبر {إِنَّ} مرفوع وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. {فِي الْأَرْضِ:} متعلقان ب: {مُفْسِدُونَ} . {فَهَلْ:} الفاء: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام، وتأدب، وتلطف هنا. {نَجْعَلُ:} مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«نحن» . {لَكَ:} متعلقان بما قبلهما، أو هما مفعوله الثاني: تقدم على الأول.

{خَرْجاً:} مفعول به. {عَلى:} حرف جر. {إِنَّ:} حرف مصدري، ونصب. {تَجْعَلَ:} مضارع منصوب ب: {إِنَّ} والفاعل مستتر تقديره: «أنت» . {بَيْنَنا:} ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من {سَدًّا} كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة:«نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» و (نا): في محل جر بالإضافة. {وَبَيْنَهُمْ:} معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. {سَدًّا:} مفعول به. هذا؛ و {إِنَّ} والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: {عَلى،} والجار والمجرور متعلقان بالفعل {تَجْعَلَ} . وقيل: متعلقان بمحذوف صفة {خَرْجاً} . هذا؛ والجمل في الآية كلها في محل نصب مقول القول، وجملة:

{قالُوا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (95)}

الشرح: {قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ:} المعنى قال لهم ذو القرنين: ما بسطه الله تعالى لي من القدرة، والملك خير من خرجكم، وأموالكم، ولكن أعينوني بقوة الأبدان؛ أي: برجال، وعمل منكم بالأبدان، والآلة التي أبني بها السد، وهذا تأييد من الله تعالى لذي القرنين في هذه المحاورة، فإن القوم لو جمعوا له خرجا لم يعنه أحد، ولوكلوه إلى البنيان، ومعونته بأنفسهم أجمل به، وأسرع في انقضاء العمل، وربما أربى ما ذكر على الخرج. انتهى. قرطبي.

وقال أيضا: في هذه الآية دليل على أنّ الملك فرض عليه أن يقوم بحماية الخلق في حفظ بيضتهم وسدّ فرجتهم، وإصلاح ثغورهم من أموالهم التي تفيء عليهم، وحقوقهم التي تجمعها خزانتهم تحت يده، ونظره، حتى لو أكلتها الحقوق، وأنفذتهم المؤن؛ لكان عليهم جبر ذلك من أموالهم، وعليه حسن النظر لهم، وذلك بثلاثة شروط: الأول: أن لا يستأثر عليهم بشيء، الثاني: أن يبدأ بأهل الحاجة منهم. الثالث: أن يسوي في العطاء بينهم على قدر منازلهم. انتهى. باختصار.

ص: 539

هذا؛ والردم هو السد. وقيل: الردم أبلغ من السد؛ إذ السد كل ما يسد به، والردم وضع الشيء على الشيء من حجارة، أو تراب، أو نحوه حتى يقوم من ذلك حجاب منيع، ومنه ردم ثوبه إذا رقعه برقاع متكاثفة، بعضها فوق بعض، ومنه قول عنترة:[الكامل]

هل غادر الشعراء من متردّم

أم هل عرفت الدار بعد توهّم؟

أي: من قول يركب بعضه على بعض. هذا؛ وانظر شرح: (خير) في الآية رقم [44] وشرح {رَبُّكُمْ} في الآية رقم [8] من سورة (الإسراء).

الإعراب: {قالَ:} ماض، وفاعله يعود إلى ذي القرنين. {ما:} اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ. {مَكَّنِّي:} ماض مبني على الفتح، وسكنت نونه، وأدغمت في نون الوقاية، وقرئ:«(مكنني)» بالفك، وياء المتكلم مفعول به. {فِيهِ:} متعلقان بما قبلهما. {رَبِّي:} فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم

إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية صلة {ما،} أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور ب: (في). {خَيْرٌ:} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. {فَأَعِينُونِي:} الفاء: هي حرف عطف على رأي:

من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كنت لست بحاجة إلى مال؛ فأعينوني

إلخ، وفعل الأمر هذا مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر، والكلام في محل نصب مقول القول.

{بِقُوَّةٍ:} متعلقان بما قبلهما. {أَجْعَلْ:} مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، والفاعل مستتر تقديره:«أنا» . {بَيْنَكُمْ} متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من {رَدْماً،} كان صفة له على مثال ما رأيت في الآية السابقة، والكاف في محل جر بالإضافة. {وَبَيْنَهُمْ:} معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. {رَدْماً:} مفعول به، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ اُنْفُخُوا حَتّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (96)}

الشرح: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ:} أعطوني، وناولوني. هذا؛ ويقرأ الفعل بهمزة وصل فيكون معناه جيئوني بزبر الحديد، وتكون الباء الجارة محذوفة، و {زُبَرَ الْحَدِيدِ:} قطعه الكبيرة العظيمة.

فأتوه بها، وبالحطب، فجعل الحطب على الحديد، والحديد على الحطب. {حَتّى إِذا ساوى}

ص: 540

أي: رفع البناء لمستوى الجبلين. هذا؛ و {الصَّدَفَيْنِ} هما جانبا الجبل، سميا بذلك لتصادفهما، وتلاقيهما. هذا؛ ويقال لكل بناء مرتفع: صدف تشبيها له بجانب الجبل. وقيل: لا يقال للواحد صدف، وإنما يقال: صدفان للاثنين؛ لأن أحدهما يصادف الآخر. هذا؛ وقرئ {الصَّدَفَيْنِ} بقراءات كثيرة، لم يتغير فيهما المعنى، والإعراب. {قالَ انْفُخُوا} أي: قال للعمال: انفخوا النار في الأكوار على قطع الحديد. {حَتّى إِذا جَعَلَهُ ناراً} أي: أصبحت قطع الحديد كالنار، وهذا مشاهد في الحديد إذا أحمي عليه بحرارة مرتفعة، فإنه يصير كالجمر المتقد. {قالَ آتُونِي..}. إلخ أي: أعطوني قطرا أصب عليه، فجعلت النار تأكل الحطب، وجعل النحاس يسيل مكانه حتى لزم الحديد النحاس، والتأم، واشتد، ولصق البعض بالبعض. وهذا العمل أجراه على أدوار، وطاقات بعضها فوق بعض حتى صار السد جبلا صلدا. هذا؛ والقطر: النحاس عند أكثر المفسرين، وأصله من القطر؛ لأنه إذا أذيب قطر كما يقطر الماء. وقالت فرقة: القطر الحديد المذاب. وقالت أخرى: هو الرصاص المذاب، والمعتمد الأول، ومنه قوله تعالى في سورة (سبأ):{وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ} الآية رقم [12].

هذا؛ وفيما تقدم من العمل كرامة ظاهرة لذي القرنين؛ حيث منع الله حرارة النار عن العملة الذين ينفخون بالأكوار، ويفرغون القطر مع أنّه كالنار، ومع أنّ الحديد المصبوب عليه كالنار، أو أشد، فلم تصبهم حرارة النار مع قربهم منها، بل ولمخالطتهم لها، فكأن الله تعالى صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك العاملين حتى تمكنوا من العمل في ذلك.

قال قتادة: صار السد كالبرد المحبّر، طريقة سوداء، وطريقة حمراء. ويروى: أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! إني رأيت سدّ يأجوج ومأجوج قال: «كيف رأيته؟» . قال:

رأيته كالبرد المحبّر، طريقة صفراء، وطريقة حمراء وطريقة سوداء، فقال صلى الله عليه وسلم:«قد رأيته» .

وقيل: إن عرضه خمسون ذراعا، وارتفاعه مائة ذراع، وطوله فرسخ. وانظر ما ذكرته برقم [94].

الإعراب: {آتُونِي:} فعل أمر، مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، والياء مفعول به أول. {زُبَرَ:} مفعول به ثان، و {زُبَرَ:} مضاف، و {الْحَدِيدِ:} مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول ذي القرنين. {حَتّى إِذا ساوى} انظر الآية رقم [93] فالإعراب فيها كاف. {بَيْنَ:} ظرف مكان متعلق بالفعل {ساوى،} أو هو متعلق بمحذوف حال من المفعول المحذوف، وهو البناء، و {بَيْنَ:} مضاف، و {الصَّدَفَيْنِ:} مضاف إليه مجرور

إلخ. قال: ماض، والفاعل يعود إلى {ذِي الْقَرْنَيْنِ} وجملة:{اُنْفُخُوا} في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ جواب (إذا)، لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له، وعلى قول الأخفش فحتى ومجرورها يتعلقان بمحذوف، التقدير: استمر في العمل حتى إذا.. إلخ، {حَتّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي:} إعراب هذا الكلام مثل سابقه

ص: 541

بلا فارق. {أُفْرِغْ:} مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، والفاعل مستتر تقديره:«أنا» .

{عَلَيْهِ:} متعلقان بالفعل قبلهما. {قِطْراً:} تنازعه كل من الفعلين السابقين ف: {آتُونِي} يطلبه مفعولا ثانيا، و {أُفْرِغْ} يطلبه مفعولا له، والأول: أولى عند الكوفيين لسبقه، والثاني: أولى عند البصريين لقربه. قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]

إن عاملان اقتضيا في اسم عمل

قبل فللواحد منهما العمل

والثّاني أولى عند أهل البصره

واختار عكسا غيرهم ذا أسره

وأعمل المهمل في ضمير ما

تنازعاه والتزم ما التزما

{فَمَا اِسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اِسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً (97)}

الشرح: {فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ:} فلم يقدروا أن يعلوه بالصعود عليه لارتفاعه، وانملاسه، حذفت منه التاء على مثال ما رأيت في الآية رقم [82]، وقرئ بقلب السين صادا {وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً:} وذلك لثخنه، وصلابته. هذا؛ وقرأ الأعمش الفعلين بالتاء {اِسْتَطاعُوا} .

هذا؛ وقال القرطبي: وذكر يحيى بن سلام، عن سعد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة-رضي الله عنهم أجمعين-. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ يأجوج ومأجوج يخرقون السّدّ كلّ يوم حتّى إذا كادوا يرون شعاع الشمس. قال الذين عليهم: ارجعوا فستخرقونه غدا فيعيده الله كأشدّ ما كان، حتى إذا بلغت مدّتهم، وأراد الله أن يبعثهم على الناس، حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشّمس. قال الذين عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله، فيعودون إليه، وهو كهيئته حين تركوه، فيخرقونه ويخرجون على الناس» . أخرجه ابن ماجة في السنن. انتهى.

قرطبي.

وزاد القرطبي، والخازن أيضا:«فينشّفون الماء، ويتحصّن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء، فيرجع عليها الدّم، فيقولون: قهرنا من في الأرض، وعلونا أهل السماء، فيبعث الله تعالى عليهم نغفا في أقفائهم، فيقتلهم بها» .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده! إنّ دوابّ الأرض لتسمن وتشكر شكرا من لحومهم» . وقال الخازن: أخرجه الترمذي.

هذا؛ والنغف: دود يكون في أنوف الإبل، والغنم، فيقتلها، ويقال: شكرت الشاة، تشكر، شكرا: إذا امتلأ ضرعها لبنا. انتهى. وروي: أنهم يشربون ماء الأنهار، ويأكلون الشجر، وجميع النباتات، ومن ظفروا به من الناس، ولا يقدرون أن يأتوا مكة، والمدينة، وبيت المقدس. قال الجمل: وذلك عقب قتل الدجال، فينحاز عيسى عليه السلام بالمؤمنين إلى جبل الطور فرارا منهم، ولا يصلون إلى من تحصّن منهم بورد، أو ذكر.

ص: 542

الإعراب: {فَمَا:} الفاء: حرف استئناف، أو هي عاطفة على محذوف، التقدير: فجاء قوم يأجوج بعد أن أنهى ذو القرنين بناء السد، وتسويته، يحاولون أن يعلوه، أو يثقبوه فما اسطاعوا

إلخ. (ما): نافية. {اِسْطاعُوا:} ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول من:{أَنْ يَظْهَرُوهُ} في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وما بعدها معطوفة عليها. {لَهُ:} متعلقان بمحذوف حال من {نَقْباً،} كان صفة له

إلخ على نحو ما رأيت في الآية رقم [97].

{قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98)}

الشرح: {قالَ} أي: ذو القرنين. {هذا:} إشارة إلى الردم السد الذي أقامه. {رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي} أي: على عباده؛ حيث حال هذا السد بين المؤمنين وبين القوم المفسدين، وهم قوم يأجوج، وقوم مأجوج الذين صاروا، وراء هذا السد العظيم محصورين، ولا يستطيعون اقتحامه، ولا نقبه. {فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي:} المراد به يوم القيامة. {جَعَلَهُ دَكّاءَ} أي: مدكوكا مبسوطا مسوّى بالأرض، ومنه قوله تعالى:{كَلاّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا} فعند ذلك يخرج منه قوم يأجوج، وقوم مأجوج، وقد قال جل شأنه في سورة (الأنبياء):{حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ..} . إلخ رقم [96] والمراد: فتح سد يأجوج، ومأجوج. {وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} أي: كائنا لا محالة؛ أي:

فلا بد من قيام الساعة، وخروج يأجوج، ومأجوج من علامتها الكبرى، كما صرحت بذلك الأحاديث الشريفة، بعد هذا انظر شرح {رَبُّكُمْ} في الآية رقم [8] من سورة (الإسراء)، وشرح (الوعد») في الآية رقم [31] من سورة (الرعد). وإلى هنا انتهى كلام ذي القرنين.

الإعراب: {قالَ:} ماض، والفاعل يعود إلى {ذِي الْقَرْنَيْنِ}. {هذا:} اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. والهاء حرف تنبيه لا محل له. {رَحْمَةٌ:} خبر لمبتدإ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. {مِنْ رَبِّي:} متعلقان ب: {رَحْمَةٌ،} أو بمحذوف صفة لها، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {فَإِذا:} الفاء:

حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه، مبني على السكون في محل نصب. {جاءَ وَعْدُ:} ماض، وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها، و {وَعْدُ:} مضاف، و {رَبِّي:} مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، فهو مجرور وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {جَعَلَهُ:} ماض، والفاعل يعود إلى {رَبِّي،} والهاء مفعول به. {دَكّاءَ:} مفعول به ثان. وقيل: هو حال، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، وهو من مقول ذي القرنين

ص: 543

أيضا. {وَكانَ:} الواو: حرف استئناف. (كان): ماض ناقص. {وَعْدُ:} اسم كان، وهو مضاف، و {رَبِّي:} مضاف إليه

إلخ. {حَقًّا:} خبر (كان)، والجملة الفعلية مستأنفة، وهي من مقول ذي القرنين كسابقتها، أو هي في محل نصب حال من {رَبِّي،} والرابط الواو، وإعادة لفظ {رَبِّي} وكان حقه الإضمار، فأظهره للتعظيم، والتفخيم، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً (99)}

الشرح: {وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ..} . إلخ: هذا من قول العلي القدير، فيقول: تركنا قوم يأجوج ومأجوج منحصرين وراء السد يختلط بعضهم ببعض كموج بحر يلطم بعضه بعضا. وقيل: هذا عند قيام الساعة يدخل بعضهم في بعض لكثرتهم، ويختلط إنسهم بجنّهم حيارى مدهوشين، ويؤيده قوله تعالى:{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} لقيام الساعة. وفيه دليل واضح على أنّ خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب الساعة. {فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً} أي: جميع المخلوقات من إنس، وجنّ، يجمعون في صعيد واحد للحساب، والجزاء يوم القيامة.

هذا؛ وفي قوله تعالى: يموج بعضهم

إلخ استعارة، فقد استعار الموج لهم، وهو عبارة عن حيرة الخلق، وتردد بعضهم في بعض كالمولهين لما يحيط بهم من هم، وخوف، ورعب، فشبههم بموج البحر الذي يضطرب، ويلطم بعضه بعضا. وانظر شرح:{يَوْمَئِذٍ} في الآية رقم [87] من سورة (النحل).

أما {الصُّورِ} فهو قرن كهيئة البوق. قاله مجاهد، ويدل على صحته ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص-رضي الله عنه-قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما الصّور؟ قال:

«قرن ينفخ فيه» . أخرجه أبو داود والترمذي، وعن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف أنتم؟ وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر أن يؤمر أن ينفخ؟!» . وكأنّ ذلك ثقل على أصحابه، فقالوا: كيف نفعل يا رسول الله! وكيف نقول؟ فقال: «قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا» . وربما قال: «توكلنا على الله» . أخرجه الترمذي.

وينبغي أن تعلم أن الذي ينفخ في الصور، إنما هو إسرافيل عليه السلام، أحد الملائكة العشرة المقربين، وهو ينفخ نفختين بينهما أربعون عاما على الصحيح، الأولى لإماتة جميع المخلوقات، والثانية لإحيائهم، وبعثهم للحساب والجزاء، خذ قوله تعالى:{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ} بعد هذا اذكر: أن الزمخشري-رحمه الله تعالى-قال: إن كل ما فاؤه نون، وعينه فاء يدل على معنى الخروج، والذهاب، مثل: نفق، ونفد، ونفث، ونفش

إلخ.

ص: 544

الإعراب: {وَتَرَكْنا:} الواو: حرف استئناف. (تركنا): فعل، وفاعل. {بَعْضَهُمْ:} مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. {يَوْمَئِذٍ:} ظرف زمان متعلق بما قبله، وإذ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، وهذا التنوين عوض عن جملة محذوفة كما رأيت في شرحه. {يَمُوجُ:} مضارع، وفاعله يعود إلى {بَعْضَهُمْ} .

{فِي بَعْضٍ:} متعلقان به، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان، أو هي في محل نصب حال من بعضهم، وجملة:{وَتَرَكْنا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {وَنُفِخَ:} ماض مبني للمجهول. {فِي الصُّورِ:} في محل نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي في محل نصب حال من بعضهم، وتكون «قد» مقدرة قبلها، والرابط: الواو، والضمير في الجملة المعطوفة عليها. {فَجَمَعْناهُمْ:} فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. {جَمْعاً:} مفعول مطلق.

{وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً (100)}

الشرح: {وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ} أي: أبرزناها، وأظهرناها للكافرين؛ ليشاهدوها عيانا في ذلك اليوم الطويل زمانه، العظيم شأنه. هذا؛ والتعبير بالماضي عن المستقبل في هذه الآية وسابقتها لتحقق وقوع ما يحدث يوم القيامة، وهذا التعبير مستعمل في القرآن الكريم بكثرة كما في الآية الأولى من سورة (النحل) وغيرها، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {وَعَرَضْنا:} فعل، وفاعل. وانظر إعراب (حفظنا) في الآية رقم [17] من سورة (الحجر). {جَهَنَّمَ:} مفعول به. {يَوْمَئِذٍ:} ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. وانظر الآية السابقة، {لِلْكافِرِينَ:} متعلقان بالفعل قبلهما. {عَرْضاً:} مفعول مطلق، وجملة:{وَعَرَضْنا..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها.

{الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (101)}

الشرح: {الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ:} مغطاة بغطاء يمنعهم النظر في الحق. {عَنْ ذِكْرِي:} عن النظر بآياتي، فيستدلون بها على قدرتي، فيذكروني، أو عن الإيمان، والقرآن، والهدى، والبيان، {وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً:} لا يقدرون أن يسمعوا آياتي التي يتلوها عليهم محمد صلى الله عليه وسلم، هذا هل كانوا عميا حقيقة، وصما حقيقة؟ لا، إنما كانت لهم أعين، ولكن لم يبصروا بها طريق الحق والرشاد، وكانت لهم آذان، ولكن لم يسمعوا بها النصح، والإرشاد، فكانوا كالأنعام بل هم أضل، وكل من تعامى عن الحق، وتصامم عن قبوله في هذه الأيام، فهو على شاكلتهم. وانظر الآية رقم [19] من سورة (الرعد). وانظر شرح «العين» في الآية رقم [86]. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

ص: 545

الإعراب: {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة ل: {لِلْكافِرِينَ،} أو هو بدل منه، أو هو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين، أو هو في محل نصب على الذم بفعل محذوف، تقديره: أذم. {كانَتْ:} ماض ناقص، والتاء للتأنيث. {أَعْيُنُهُمْ:} اسم {كانَتْ،} والهاء في محل جر بالإضافة. {فِي غِطاءٍ:} متعلقان بمحذوف خبر {كانَتْ} . {عَنْ ذِكْرِي:} متعلقان بمحذوف صفة {غِطاءٍ،} وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم

إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وجملة:{كانَتْ..} . إلخ صلة الموصول، لا محل لها. {وَكانُوا:} ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. {لا:} نافية. {يَسْتَطِيعُونَ:} مضارع مرفوع.. إلخ، والواو فاعله. {سَمْعاً:} مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة:{وَكانُوا..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.

{أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً (102)}

الشرح: {أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا..} . إلخ: أي: أفظن الكافرون الذين يتخذون عبادي من ملائكة، ونحو عيسى، وعزير-عليهما السلام-أربابا، وآلهة من دوني أني لا أغضب عليهم، ولا أعاقبهم على ذلك؟! أو المعنى: أفظنوا أن ينفعهم ذلك؟! لا بل إنّ من عبدوه من دوني يتبرأ منهم يوم القيامة، ويصير خصمهم. {إِنّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً} أي: هيأنا، وأعددنا جهنم ضيافة، وإكراما للكافرين الذين عبدوا غير الله تعالى. قال تعالى في سورة (الواقعة) بعد أن ذكر ما أعد لهم في جهنم من العذاب الأليم:{هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ} هذا؛ و (النزل) ما يقام للضيف من إكرام وحفاوة، وفيه تهكم بالكافرين، ومثله قول أبي السعد الضبي:[الطويل]

وكنا إذا الجبّار بالجيش ضافنا

جعلنا القنا والمرهفات له نزلا

وشتان ما بين نزل الكفار، ونزل الأبرار المذكور في الآية رقم [198] من سورة (آل عمران)، ونزل المؤمنين الذين يعملون الصالحات المذكور في الآية رقم [107] الآتية ألا فليعتبر المعتبرون، فاعتبروا يا أولي الأبصار!.

الإعراب: {أَفَحَسِبَ:} الهمزة: حرف استفهام، وإنكار، وتوبيخ. وانظر {أَفَمَنْ} {أَفَلا} في الآية رقم [17] من سورة (النحل) تجد ما يسرك. الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف.

(حسب): ماض. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة:

{كَفَرُوا} مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. {أَنْ:} حرف مصدري ونصب.

{يَتَّخِذُوا:} مضارع منصوب ب: {أَنْ،} وعلامة نصبه حذف النون

إلخ، والواو فاعله،

ص: 546

والألف للتفريق. {عِبادِي:} مفعول به أول منصوب. {مِنْ دُونِي:} متعلقان ب: {أَوْلِياءَ؛} لأنه جمع ولي، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه على نحو ما رأيت في الآية رقم [93] وعلامة النصب في الأول، وعلامة الجر في الثاني: فتحة، أو كسرة مقدرتان على ما قبل ياء المتكلم على مثال ما رأيت في الآية رقم [98] والياء في محل جر بالإضافة. {أَوْلِياءَ:} مفعول به ثان، والمصدر المؤول من:{أَنْ يَتَّخِذُوا} إلخ في محل نصب مفعول به أول للفعل: (حسب)، والثاني: محذوف، تقديره: أظنوا أن الاتخاذ المذكور نافعهم؟! أو لا أعذبهم عليه، ونحو ذلك. هذا؛ واعتبر السمين، وأبو البقاء المصدر سادا مسد المفعولين، ولا تقدير. هذا؛ ويقرأ:

{أَفَحَسِبَ الَّذِينَ..} . إلخ على أنه مبتدأ، فيكون المصدر المؤول من {أَنْ يَتَّخِذُوا} في محل رفع خبر، ويكون المعنى: أفكافيهم في النجاة اتخاذهم

إلخ، والكلام معطوف على مقدر، أو هو مستأنف، لا محل له على الاعتبارين. {إِنّا:} حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها.

{أَعْتَدْنا:} فعل، وفاعل. {جَهَنَّمَ:} مفعول به للكافرين متعلقان بمحذوف حال من {نُزُلاً} كان صفة له.. إلخ {نُزُلاً:} مفعول به ثان، ولم أر هذا الفعل قد نصب مفعولين في غير هذه الآية.

وقيل: إن نزلا حال، والمعنى لا يؤيده، وجملة:{أَعْتَدْنا..} . إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية:{إِنّا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً (103)}

الشرح: يقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم قل لهؤلاء الكفرة الفجرة الذين أتعبوا أنفسهم في عمل يرجون به ثوابا، فنالوا هلاكا وخسارا. قال ابن عباس-رضي الله عنهما-هم اليهود، والنصارى.

وقيل: هم الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع، وهم الرهبان. وقال علي بن أبي طالب-رضي الله عنه: هم الخوارج، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وانظر شرح «نبأهم» في الآية رقم [13].

الإعراب: {قُلْ:} أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» . {هَلْ:} حرف استفهام. {نُنَبِّئُكُمْ:}

مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«نحن» ، والكاف مفعول به، {بِالْأَخْسَرِينَ:} متعلقان بالفعل قبلهما، {أَعْمالاً:} تمييز، وإنما جمع، والقياس: الإفراد؛ لتنوع الأهواء، أو؛ لأنه من أسماء الفاعلين، وجملة:{هَلْ نُنَبِّئُكُمْ..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قُلْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104)}

الشرح: {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا} أي: الذين ضاع عملهم الذي يعملونه في هذه الدنيا، وذهب أدراج الرياح، فلا يجدون له نفعا في الآخرة، وهم يحسبون: أنهم

إلخ:

ص: 547

وهم يظنون: أن عملهم حسن وجيد مقبول عند الله تعالى. هذا؛ وانظر شرح: {ضَلَّ} في الآية رقم [87] من سورة (النحل)، وشرح {الْحَياةِ الدُّنْيا} في الآية رقم [107] منها. وانظر (حسب) في الآية رقم [9].

وانظر أعمال الكافرين في الآية رقم [54] من سورة (التوبة) والآية [15] من سورة (هود) عليه السلام، وما ذكرته في الآية رقم [39] من سورة (النور)، وقد جمع ما ذكرته في السورتين المذكورتين. والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.

الإعراب: {الَّذِينَ:} هو مثل الآية رقم [101]. {ضَلَّ:} ماض. {سَعْيُهُمْ:} فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. {فِي الْحَياةِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال، التقدير: حالة كونهم في الحياة. {الدُّنْيا:} صفة الحياة مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة:{ضَلَّ..} . إلخ صلة الموصول، لا محل لها. {وَهُمْ:} الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.

{يَحْسَبُونَ:} مضارع مرفوع

إلخ، والواو فاعله، {أَنَّهُمْ:} حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.

{يُحْسِنُونَ:} مضارع، وفاعله. {صُنْعاً:} مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي {يَحْسَبُونَ،} وجملة:

{يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ..} . إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية (هم..) إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير، وقد جاءت الحال من المضاف إليه، انظر الآية رقم [123] من سورة (النحل) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.

{أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (105)}

الشرح: {أُولئِكَ الَّذِينَ..} . إلخ: الإشارة إلى الذين ضل سعيهم

إلخ، {كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ} أي: جحدوا دلائل توحيده، وقدرته، وكفروا بالبعث، والثواب، والعقاب، وذلك؛ لأنهم كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالقرآن، فصاروا كافرين بهذه الأشياء. {فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ:} بطلت أعمالهم الصالحة كصدقة، وصلة رحم، ونحو ذلك، فلا يجدون لها أجرا، وثوابا في الآخرة، بسبب كفرهم المذكور. {فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً} أي: لا ننصب ميزانا لأعمالهم؛ لأنها لا قيمة لها، ولا اعتبار. قال تعالى:{وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً} والميزان ينصب لحسنات المؤمنين وسيئاتهم.

قال أبو سعيد الخدري-رضي الله عنه: يأتي أناس بأعمال يوم القيامة، هي عندهم من العظم كجبال تهامة، فإذا وزنوها؛ لم تزن شيئا، فذلك قوله تعالى:{فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً}

ص: 548

وقيل: المعنى: نزدري بهم، ونحتقرهم، فليس لهم عندنا حظّ، ولا قدر، ولا وزن، فعن أبي هريرة-رضي الله عنه-عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «إنّه ليأتي الرّجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرءوا إن شئتم: {فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً» متفق عليه.

قال القرطبي-رحمه الله تعالى-وفي هذا الحديث من الفقه ذم السمن لمن تكلفه، لما في ذلك من تكلف المطاعم، والاشتغال بها عن المكارم، بل يدل على تحريم الأكل الزائد على قدر الحاجة المبتغى به الترفه، والسمن، وقد قال صلى الله عليه وسلم:«إنّ أبغض الرّجال إلى الله تعالى الحبر السّمين» . ومن حديث عمران بن حصين-رضي الله عنه-عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم-قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين، أو ثلاثة؟ -ثمّ إنّ من بعدكم قوما يشهدون، ولا يستشهدون، ويخونون، ولا يؤتمنون، وينذرون، ولا يوفون، ويظهر فيهم السّمن» .

أخرجه البخاري ومسلم.

وهذا ذم، وسبب ذلك: أن السمن المكتسب إنما هو من كثرة الأكل، والشره، والدّعة، والراحة، والأمن، والاسترسال مع النفس على شهواتها، فهو عبد نفسه لا عبد ربه، ومن كان هذا حاله وقع لا محالة في الحرام، وكل لحم تولد عن سحت فالنار أولى به، وقد ذم الله الكفار بكثرة الأكل، فقال:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ} فإذا كان المؤمن يتشبه بهم، ويتنعم بتنعمهم في كل أحواله، وأزمانه، فأين حقيقة الإيمان، والقيام بوظائف الإسلام؟! ومن كثر أكله، وشربه كثر نهمه، وحرصه، وزاد بالليل كسله، ونومه، فكان نهاره هائما، وليله نائما. انتهى. هذا؛ وقد ذكرت في الآية رقم [31] من سورة (الأعراف) أضرار كثرة الأكل، والشراب. وانظر وزن الأعمال، والميزان في الآية رقم [8] منها أيضا. هذا؛ وإعلال {نُقِيمُ} مثل إعلال:{مُقِيمَ} في الآية رقم [40] من سورة (إبراهيم) عليه السلام. هذا؛ وقد قرئ: «(يقيم)» على أنّ الفاعل هو الله، وقرئ:«(يقوم)» على أنّ الفاعل (وزن)، وبه قرأ مجاهد. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.

فائدة، وهدية لك: ضحك الصحابة لما رأوا ساق عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه دقيقة نحيفة، وهو يصعد نخلة، فقال حبيب الحق، وسيد الخلق صلى الله عليه وسلم:«تضحكون من ساق توزن بعمل أهل الأرض؟» . وفي رواية: «تعجبون من ساق ابن مسعود؟! إنها في الميزان أثقل من جبل أحد!» . فدل هذا على أنّ الأشخاص توزن يوم القيامة، كما يحتمل التمثيل والتشبيه، والله أعلم بحقيقة ذلك.

الإعراب: {أُولئِكَ:} اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي في محل رفع خبر المبتدأ:{الَّذِينَ} على وجه فيه بعيد، وجملة:

ص: 549

{كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ} صلة الموصول، لا محل لها. {وَلِقائِهِ:} معطوف على (آيات) والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. {فَحَبِطَتْ:} ماض، والتاء للتأنيث. {أَعْمالُهُمْ:} فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها. {فَلا:} الفاء: حرف عطف. (لا): نافية. {نُقِيمُ:} مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«نحن» . {أَعْمالُهُمْ:} متعلقان به. {يَوْمَ:} ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من {وَزْناً،} كان صفة له على نحو ما رأيت في الآية رقم [94]{وَزْناً:}

مفعول به هذا؛ وقد قال أبو البقاء: تمييز، أو حال، ولا وجه له؛ لأن الفعل توصل إليه بهمزة التعدية؛ لأن ماضيه: أقام. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.

{ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاِتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً (106)}

الشرح: {ذلِكَ..} . إلخ: الإشارة إلى ترك وزنهم، أو وزن أعمالهم، واحتقارهم، واستحقوا جهنم بسبب كفرهم، وعتوهم، وعنادهم، واتخاذهم آياتي التي أنزلتها على رسلي سخرية، واستهزاء، واستخفافا. هذا؛ وانظر شرح {جَهَنَّمُ،} ودركات النار في الآية رقم [44] من سورة (الحجر)، وشرح:{آياتِي} في الآية رقم [1] منها، وشرح:{هُزُواً} في الآية رقم [56] وشرح (الكفر) في الآية رقم [27] من سورة (النحل).

الإعراب: في إعراب هذه الآية أربعة، أوجه ذكرها السمين، وأبو البقاء: أحدها: أن يكون {ذلِكَ} خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الأمر ذلك، و {جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ} جملة برأسها. الثاني: أن يكون {ذلِكَ} مبتدأ أول، وجزاؤهم مبتدأ ثان، وجهنم خبره، وهو وخبره خبر الأول، والعائد محذوف؛ أي: جزاؤهم به. الثالث: أنّ {ذلِكَ} مبتدأ؛ {جَزاؤُهُمْ:} بدل، أو عطف بيان، و {جَهَنَّمُ} خبره. الرابع أن يكون ذلك مبتدأ أيضا، وجزاؤهم خبره، وجهنم بدل، أو بيان، أو خبر مبتدأ محذوف. انتهى. جمل. والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله وفاعله مستتر يعود إلى العذاب المذكور. {بِما:} الباء: حرف جر. (ما): مصدرية، تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالمصدر جزاؤهم، ومنعه السمين للفصل ب:{جَهَنَّمُ} ورد بأن الخبر من معمولات المبتدأ، فليس أجنبيا عنه. انتهى.

جمل. قال أبو البقاء: متعلقان بخبر {ذلِكَ} وهذا يكون على أحد الوجوه المعتبرة فيه.

{وَاتَّخَذُوا:} ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، انظر الشرح لتأويل الكلام بمصادر. وقيل: الجملة مستأنفة، لا محل لها، والأول: أصح معنى وأقوى سبكا. {آياتِي:} مفعول به أول. {وَرُسُلِي:} معطوف عليه، وعلامة النصب فيهما فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. {هُزُواً:} مفعول به ثان.

ص: 550

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (107)}

الشرح: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ} أي: الأعمال الصالحات على اختلاف أنواعها، وتفاوت مراتبها. {كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ:} انظر شرح (الجنات) في الآية رقم [23] من سورة (الرعد).

وانظر الآية رقم [26] من سورة (يونس) على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام، ففيها ذكر الجنان السبع. هذا؛ وجنة الفردوس قال قتادة: الفردوس: ربوة في الجنة، وأوسطها، وأعلاها، وأفضلها وأرفعها؛ أي: فأوسطها بالنسبة للمكان، وأعلاها باعتبار الدرجات والقصورة، وأفضلها بالنسبة للنعيم الموجود فيها، وأرفعها بالنسبة لمقامها، ومكانتها. قال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس، فيها الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«إذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنّة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تتفجّر أنهار الجنة» . انتهى. من حديث طويل أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه.

هذا؛ وقيل: الفردوس هو البستان الذي فيه الأعناب. وقيل: هي الجنة الملتفة بالأشجار التي تنبت ضروبا من النبات على اختلاف أنواعها، وهو أجود. واختلف فيه، فقيل: هو عربي.

وقيل: هو رومي. وقيل: هو فارسي. وقيل: سرياني، وأقول: إنه صار عربيا لاستعمال القرآن له، كما رأيت في ألفاظ كثيرة، انظر الآية رقم [2] و [23] من سورة (يوسف) على حبيبنا، ونبينا وعليه، وآبائه، وأجداده ألف صلاة، وألف سلام تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ ولم يذكر لفظ {الْفِرْدَوْسِ} في غير هذه الآية، والآية رقم [11] من سورة (المؤمنون). وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه:[الطويل]

وإنّ ثواب الله كلّ موحّد

جنان من الفردوس فيها يخلّد

هذا؛ وفردوس اسم روضة في بلاد اليمامة. قال الشاعر، وهو مضرس بن ربعي الأسدي:[الطويل]

وقلن على الفردوس أوّل مشرب

أجل جير إن كانت أبيحت دعاثره

وقال أمية بن أبي الصلت، وقد جمع الفردوس:[البسيط]

كانت منازلهم إذ ذاك آهلة

فيها الفراديس والفومان والبصل

هذا؛ وعطف العمل الصالح على الإيمان في الآية وغيرها يوحي بأن العمل قرين الإيمان، وقد لا يجدي الإيمان بلا عمل، وهو ما أفاده قول الرسول صلى الله عليه وسلم:«الإيمان والعمل قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه» . كما أن الإيمان مشروط لقبول العمل، كما رأيت في الآية

ص: 551

رقم [103] ويسمى مثل هذا في علم البديع احتراسا. وانظر الآية رقم [97] من سورة (النحل).

هذا؛ وانظر شرح (نزلا) في الآية رقم [102].

الإعراب: {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة:{آمَنُوا} مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وما بعدها معطوفة عليها. {الصّالِحاتِ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم وهو صفة لمحذوف، التقدير: الأعمال الصالحات. {كانَتْ:} ماض ناقص، والتاء للتأنيث. {لَهُمْ:} متعلقان بكانت، أو بمحذوف حال من {نُزُلاً} كان صفة له على مثال ما رأيت في الآية رقم [94] {جَنّاتُ:} اسم (كان)، و {جَنّاتُ:} مضاف، و {الْفِرْدَوْسِ:} مضاف إليه. {نُزُلاً:} خبر (كان). هذا؛ وأجيز اعتبار {لَهُمْ} متعلقين بمحذوف خبر (كان) تقدم على اسمها، واعتبار {نُزُلاً} حالا من {جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ} والأول: أقوى، وجملة:{كانَتْ..} . إلخ في محل رفع خبر {إِنَّ،} والجملة الاسمية: {إِنَّ الَّذِينَ..} . إلخ مستأنفة، أو ابتدائية لا محل لها على الاعتبارين.

{خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً (108)}

الشرح: {خالِدِينَ فِيها} أي: الذين آمنوا، وعملوا الصالحات مخلدون في جنات الفردوس، مقيمون لا يموتون، ولا يهرمون، ولا يخرجون منها. {لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً:} لا يطلبون تحولا منها إلى غيرها، كما ينتقل الرجل من دار إلى أخرى إذا لم توافقه. هذا؛ و (الحول): مصدر سماعي ل: «تحول» . وفي السمين: والحول: قيل: مصدر بمعنى: التحول، يقال: حال عن مكانه حولا، فهو مصدر كالعوج، والصّغر. انتهى. جمل. هذا؛ ومعنى {كانَتْ لَهُمْ} أي: في علم الله تعالى الأزلي، فإنه علم علما أزليا أنهم يعملون الصالحات مقرونة بالإيمان الصحيح، فقدرها لهم.

الإعراب: {خالِدِينَ:} حال مقدرة من الضمير المجرور باللام منصوب، وعلامة نصبه الياء

إلخ، وفاعله مستتر فيه. {فِيها:} متعلقان به. {لا:} نافية. {يَبْغُونَ:} مضارع مرفوع.. إلخ، الواو فاعله، {عَنْها:} متعلقان بما بعدهما. {حِوَلاً:} مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر ب:{خالِدِينَ،} فهي حال متداخلة، أو هي حال أخرى تفيد توكيد الخلود. هذا؛ والحال بالنسبة للزمان على ثلاثة أقسام:

حال مقارنة، وهي الغالبة نحو قوله تعالى:{وَهذا بَعْلِي شَيْخاً} . وحال مقدرة، وهي المستقبلة، نحو قوله تعالى:{فَادْخُلُوها خالِدِينَ} . وحال محكية، وهي الماضية، نحو: جاء زيد أمس راكبا.

ص: 552

{قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (109)}

الشرح: {قُلْ:} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس-رضي الله عنهما: قالت اليهود:

يا محمد! تزعم أننا قد، أوتينا الحكمة، وفي كتابك:{وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} ثم تقول: {وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً} . فأنزل الله تعالى هذه الآية. هذا؛ و (المداد): الحبر الذي يستعمل للكتابة، و {(لِكَلِماتِ رَبِّي):} المراد بها: علمه وحكمه. وقيل:

مواعظه. وقيل: معلوماته. وقيل: عنى بها الكلام القديم الذي لا غاية له، ولا منتهى، وهو وإن كان واحدا، فيجوز أن يعبر عنه بلفظ الجمع لما فيه من فرائد الكلمات، ولأنه ينوب منابها، فجاءت العبارة عنها بصيغة الجمع تفخيما. قال تعالى:{نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ} و {إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} وغير ذلك كثير. {وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً:} عددا، وزيادة، وعليه فالمدد غير المداد، وهو الصحيح.

المعنى: لو كان الخلائق يكتبون، وماء البحر حبرا يستعملونه في الكتابة لإحصاء كلمات الله؛ لفني البحر، ولم تفن كلمات الله، ولو جئنا بمثل ماء البحر في كثرته مددا وزيادة؛ لنفد كذلك، ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة (لقمان):{وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ} . انظر شرحها هناك. والآيتان نزلتا بسبب واحد.

الإعراب: {قُلْ:} أمر وفاعله مستتر تقديره: «أنت» . {لَوْ:} حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. {كانَ:} ماض ناقص. {الْبَحْرُ:} اسم {كانَ} . {مِداداً:} خبرها، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. {لِكَلِماتِ:} متعلقان بمحذوف صفة {مِداداً،} و (كلمات): مضاف، و {رَبِّي:} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم

إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {لَنَفِدَ:} اللام: واقعة في جواب (لو). (نفد): ماض. {الْبَحْرُ:}

فاعله، والجملة الفعلية جواب {لَوْ،} لا محل لها. {قَبْلَ:} ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والمصدر المؤول من:{أَنْ تَنْفَدَ} في محل جر بإضافة {قَبْلَ} إليه، التقدير: قبل نفاد الكلمات.. إلخ، {لِكَلِماتِ:} فاعل، وهو مضاف، و {رَبِّي} مضاف إليه

إلخ، و {لَوْ} ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة:{قُلْ لَوْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها، و {وَلَوْ جِئْنا..} . إلخ معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مثله، وجواب {لَوْ} محذوف، التقدير لنفد البحر ومثله معه. {مَدَداً:} تمييز.

ص: 553

{قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)}

الشرح: {قُلْ إِنَّما أَنَا..} . إلخ: قال: ابن عباس-رضي الله عنهما-علّم الله تعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم التواضع لئلا يزهى على خلقه، فأمره أن يقر، فيقول: أنا آدمي مثلكم، إلا أني خصصت بالوحي، وأكرمني الله به، ولا أعلم إلا ما يعلمني الله تعالى. {أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ:}

لا شريك له في ملكه، ولا مناوئ له في سلطانه. {فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ} أي: يرجو رؤيته، وثوابه، ويخشى عقابه. {فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً} أي: من حصل له رجاء لقاء الله تعالى، وأيقن: أنه راجع إليه فليستعمل نفسه في العمل الصالح.

{وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} أي: لا يرائي بعمله أحدا من الناس، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما-قال: قال رجل: يا رسول الله إني أقف الموقف أريد وجه الله، وأريد أن يرى موطني، فلم يردّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت:{فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ..} . إلخ. رواه الحاكم، والبيهقي. قال الماوردي: قال جميع أهل التأويل: إن المراد بالآية النهي عن الرياء، كيف لا؟ وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تصرح بأن الرياء شرك.

فعن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ الله تبارك وتعالى يقول: أنا أغنى الشركاء عن الشّرك، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري؛ تركته؛ وشركه» . أخرجه مسلم. ولغير مسلم: فأنا منه بريء هو والذي عمله. وعن سعيد بن أبي فضالة-رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا جمع الله الناس ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان يشرك في عمل عمله لله أحدا، فليطلب ثوابه منه، فإنّ الله أغنى الشّركاء عن الشّرك» . أخرجه الترمذي، وابن ماجة.

وعن شداد بن أوس-رضي الله عنه: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من صام يرائي فقد أشرك، ومن صلّى يرائي فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي فقد أشرك» . رواه البيهقي. هذا؛ وهناك أحاديث كثيرة في كتاب «الترغيب والترهيب» في هذا الباب، انظرها فيه إن شئت.

بعد هذا؛ وردت أحاديث ترغب في حفظ سورة (الكهف)، وقراءتها، في جميع الأوقات، وفي يوم الجمعة وليلتها يسن قراءتها بوجه خاص، وروي: أن رجلا قال لابن عباس-رضي الله عنهما: إني أضمر أن أقوم ساعة من الليل، فيغلبني النوم، فقال: إذا أردت أن تقوم أي ساعة شئت من الليل؛ فاقرأ إذا أخذت مضجعك: {قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي..} . إلخ: إلى آخر السورة. فإن الله تعالى يوقظك متى شئت من الليل. انتهى. قرطبي. قلت: وهو مجرب، والحمد لله! وانظر ما ذكرته في أول السورة.

ص: 554

الإعراب: {قُلْ:} أمر وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت» . {إِنَّما:} كافة ومكفوفة. {أَنَا:}

ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {بَشَرٌ:} خبر المبتدأ. {مِثْلُكُمْ:} صفة بشر، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. {يُوحى:}

مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. {إِلَيَّ:} متعلقان به. {إِنَّما:} كافة ومكفوفة. {إِلهُكُمْ:} مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. {إِلهٌ:} خبر، {واحِدٌ:} صفة. هذا؛ والكلام: {أَنَّما إِلهُكُمْ..} . إلخ في تأويل مصدر في محل رفع نائب فاعل، {يُوحى} . هذا؛ وكف (أنّ) بما عن العمل لا يخرجها عن المصدرية، وجملة:

{يُوحى..} . إلخ في محل رفع صفة ثانية ل: {بَشَرٌ،} أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، وجملة:{قُلْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {فَمَنْ:} الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم. {كانَ:} ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر، وجملة:

{يَرْجُوا..} . إلخ في محل نصب خبر {كانَ} . {فَلْيَعْمَلْ:} الفاء: واقعة في الشرط. واللام: لام الأمر، و (يعمل): مضارع مجزوم بلام الأمر، والفاعل يعود إلى من. {عَمَلاً:} مفعول به.

{صالِحاً:} صفته. وانظر باقي الإعراب في الآية رقم [88] فهو مثله بلا فارق، والجملة الاسمية:{فَمَنْ..} . إلخ مستأنفة، وهي في محل نصب مقول القول. {وَلا يُشْرِكْ:} مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل يعود إلى (من). {بِعِبادَةِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من {أَحَداً} على مثال ما رأيت في الآية رقم [94] {أَحَداً:} مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:{فَلْيَعْمَلْ..} . إلخ على الوجهين المعتبرين فيها.

خاتمة: لقد ذكر الرحالة المصري محمد ثابت في كتابه: (جولة في ربوع آسيا) عن السد المذكور في هذه السورة ما يلي:

السور الأعظم (سدّ يأجوج ومأجوج) لقد تحقق حلم كنت أتمناه طوال السنين، وهو أن تتاح لي الفرصة لزيارة سور الصين، أحد عجائب الدنيا، وكاد يغلب اليأس الرجاء منه، لما أن رفضت جميع شركات السياحة هناك القيام بأية رحلة إليه؛ لأن طريقه أضحى غير مأمون، وكانوا ينصحونني ألاّ أذهب خشية اللصوص، الذين اختطفوا سيارة بمن فيها من الأمريكان، ولم يمض على الحادث أسبوعان.

لبثت حائرا. ثم اعتزمت الذهاب مهما كلفني ذلك، وقد وقفت إلى زميل ألماني في النّزل، هو مدرس بمدرسة خربين، حدثته عن السور، فرغب في زيارته، ركبنا قطار الضواحي الصغير زهاء ثلاث ساعات، وبعد أن اجتزنا محطة نانكاو الهامة، أخذ القطار يعلو في جبال معقدة، تكسوها الخضرة، واخترق بعض الأنفاق، حتى باغتنا السور، وكأنه إفريز، يطوق الجبال، ويتبعها علوا وانخفاضا إلى الآفاق.

ص: 555

حللنا محطة السور الأعظم، وهناك أقلّتنا الحمير، وسارت بنا في واد كأنه وادي الملوك، صخوره نارية، وحره قائظ، أدى بنا إلى السور، فاعتليناه، فبدت روعته في تغضنه، وامتداده، إلى الآفاق، وهو يتلوّى كالأفعى، وقد لبثت أسير فوقه ساعتين، والذكريات التاريخية المجيدة تمر بالخاطر، فتكبر القوم تارة، وتحط من قدرهم أخرى؛ إذ كان يتجلّى جبروت الإنسان، وبطشه بأخيه الإنسان، وتسخيره فيما لا ينفع.

وقد قرر الخبيرون: أن السور أضخم عمل أنجزته يد الإنسان، يفوق الهرم، وحدائق بابل المعلقة، وهو يطوق الصين من الشمال مبتدئا من البحر (عند شاي هاي كواي على خليج لياوتونج) إلى ممر كيايو في التيبت، وطوله في استقامة 1255 ميلا، وبتعرجاته، وشعابه 1500 وعلوه يتراوح بين 15 - 30 قدما، وعرضه في أعلاه 15 وفي أسفله 25 به 25 ألف برج حربي، و 15 ألف برج للحراسة، وكأن الصين قد اختصت في بناء الأسوار حتى قال بعضهم: إننا لو جمعنا أسوارهم كلها لطوقنا الكرة الأرضية.

أمر بإقامته الإمبراطور (شي هوانج تي) الذي اعتلى الملك سنة 221 قبل الميلاد، ومحا نظام الإقطاع، وقسم البلاد إلى مديريات، وكان كلفا بالمباني الضخمة، من بينها قصره الذي وسعت ردهته عشرة آلاف نفس، رأى هذا العاهل مناما أنذره أن الخطر مقبل من الشمال، وقد أيد التاريخ ذلك، فإن كل ما قاسته الصين من المغيرين جاء من تلك الناحية، فأرغم من الناس ثلث الرجال القادرين في الصين كلها، وكثيرا ما عاقب العلماء، وألزمهم بالعمل في السور؛ لأنهم ناوءوه. وقيل: إنه أحرق كتب العلم، وفلسفة كنفوشيوس لما أن رأى الناس يجلونها، ويكبرون العلماء أكثر من إكبارهم للبراطرة.

ويطلق القوم على السور أحيانا اسم (أطول مقابر الدنيا) لكثرة من ماتوا في بنائه، ولم يتم بناء السور إلا في عهد ليوبانج من أسرة هان، وفي عهد أسر منج دعم السور، وزيد في طوابيه، ولعظيم هذا العمل أحاطه الناس في جميع العصور بخرافات، لا تزال عالقة بالأذهان، منها: أن الإمبراطور كان ساحرا ماهرا، وكان يمتطي جوادا سماويا اختط طريقه، وكان له سوط سحري، استطاع به أن يزيل الجبال، وينظم صرف مياه الهوانج هو، وكان يستخدم مردة الجن في جلب الأحجار، ويخال البعض أن كنوز البراطرة دفنت بين طياته، والكثير يعتقد: أن السور أقيم سدا في وجه الجن، لا الآدميين ويؤيدون ذلك بكثرة المعبودات البشعة، التي توضع على منافذ السور كلها، وممّا أثار دهشتي: أن السور يختط، أوعر المسالك؛ إذ يسلك الجبال، والربى العاتية، وهذا يتطلب مجهود الجبابرة.

وقال البعض: إن الأبراج كانت تقام أولا، ثم يوصل ما بينهما، وعند ممر نانكاو، الذي وقفنا قبالته، كان يعلو السور فوق مستوى البحر بنحو أربعة آلاف قدم وفي البقاع التي كانت

ص: 556

تتهددها الرمال، أقاموا سلسلة من أسوار خارج بعضها، وفي امتداده هذا غالب ثلاث صعوبات: الجبال الشاهقة، والصحارى الرملية المجدبة، وطبقات الأرض الهشة (اللويس).

والعجيب: أني لما زرت مقبرة هذا الإمبراطور في مدافن أسرة منج رأيت الناس يقذفونها بالحجارة، فخلتهم يذكرونه بانتصاره على الصخور، التي أقام بها سوره العظيم، على أني علمت أنهم يأتون ذلك حطا من شأنه، واحتقارا له؛ لأنه امتهن تقاليد أجداده، وأهان العلم، وأهله حتى إنهم لم يلقبوه بباني السد، بل بمبيد الكتب العلمية، ويذهل المرء كيف استطاع الإمبراطور أن يزود السور بالجنود لحراسته، على طول امتداده، ومن العجيب: أنه لم يغن عنهم في الدفاع فتيلا؛ إذ اخترقه جنكيز خان سنة 1912، وكذلك لم يرد غارات المانشو بعد ذلك، ولا يعزو القوم ذلك إلى ضعف في السور نفسه، بل إلى خمود الروح العسكرية بين أفراد شعوب الصين الزراعية، على أني لما ألقيت على السور نظرة الوداع مرّ بخاطري مظهر الهرم الأكبر، فبدا السور بجانبه ضئيلا، لم يشعرني بالرهبة، والذهول التي يوحيها هرمنا. انتهى بحروفه.

ممّا تقدم يلاحظ أنّ الرحالة أهمل ذكر السد في القرآن الكريم، وأنّ جعله دكّاء إنما هو من علامات الساعة الكبرى، بل هو من مقدماتها، وأنه استبدل اسم ذي القرنين الرجل الصالح، المختلف في نبوته المؤيد من ربه، الموفق في أعماله باسم الإمبراطور (شي هوانج تي) واستبدل زهده، وورعه، وتقواه بكلفه في المباني الضخمة، من بينها قصره الذي وسعت ردهته عشرة آلاف نفس، واستبدل التماس الناس المجاورين لقوم يأجوج ومأجوج منه إقامة السد بقهر الناس وظلمهم، واستعمالهم بالسد ظلما، وعدوانا، حتى أطلق على السد اسم (أطول مقابر الدنيا) لكثرة من ماتوا في بنائه.

واستبدل حبه للعلم، وتعظيمه للعلماء بحرق كتب العلم، وفلسفة كنفوشيوس، ومعاقبته للعلماء، وإهانة العلم وأهله، حتى إن الناس لم يلقبوه بباني السد، بل بمبيد الكتب العلمية، واستبدل إتمامه للسد، وقوله:{هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي} بأن بناءه لم يتم إلا في عهد ليوبانج من أسرة هان، وفي عهد أسرة منج دعم السور، وزيد في طوابيه (سبحانك ربي هذا بهتان عظيم) ولولا كلمته في أول مقاله (سد يأجوج ومأجوج) ما أخذت عليه هذه الملاحظات واعتبرت مقاله عن سد غير سد ذي القرنين، واعتبرت سد ذي القرنين لا يزال في العالم المجهول، وفي علم الله الواحد الأحد، استجابة لقوله تعالى:{حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} رقم [96] من سورة (الأنبياء)، وقوله تعالى حكاية عن قول ذي القرنين في هذه السورة:{قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} .

ولعل الرحالة لم يؤمن بما في القرآن، ولم يعتقد بيوم القيامة، وما يسبقه من علامات، بل ومن مقدمات، ولا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو حسبي ونعم الوكيل، عليه

ص: 557

توكلت، وإليه أنيب، والسّلام على من اتبع الهدى، وجانب العصيان والرّدى، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا، والحمد لله رب العالمين.

انتهت سورة (الكهف) شرحا وإعرابا

بحمد الله، وتوفيقه.

**

ص: 558