المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة مريم وهي مكية بالإجماع. وقيل: إلا آية السجدة والتي بعدها، - تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة - جـ ٥

[محمد علي طه الدرة]

الفصل: ‌ ‌سورة مريم وهي مكية بالإجماع. وقيل: إلا آية السجدة والتي بعدها،

‌سورة مريم

وهي مكية بالإجماع. وقيل: إلا آية السجدة والتي بعدها، فهما مدنيتان، وهي ثمان وتسعون آية، وثمانون وسبعمائة كلمة، وثلاثة آلاف، وسبعمائة حرف. انتهى خازن. هذا؛ وانظر شرح البسملة، والاستعاذة، وإعرابهما في أول سورة (يوسف) على نبينا، وعليه، وعلى نسبه الشريف الكريم، ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام.

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم

{كهيعص (1)}

انظر الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور في أول سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام. وأذكر هنا: أن ابن عباس-رضي الله عنهما-قال في هذا اللفظ: إن الكاف من: كاف، والهاء من: هاد، والياء من: حكيم، والعين من: عليم، والصاد من: صادق. وقيل: كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فوق أيديهم، عالم بهم، صادق في وعده. وقال ابن عباس أيضا: هو اسم من أسماء الله. وقيل: هو اسم للقرآن. وقيل: اسم للسورة. وقيل: هو قسم أقسم الله تعالى به. هذا؛ وفيه قراءات كثيرة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

{ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا (2)}

الشرح: المعنى: هذا الذي نتلوه عليك يا محمد ذكر رحمة ربك

إلخ؛ أي: ما رحم الله به زكريا عبده. وانظر شرح: {عَبْدَهُ} في الآية رقم [1] من سورة (الإسراء).

الإعراب: {ذِكْرُ:} قال السمين: فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: فيما يتلى عليكم ذكر. الثاني: أنه خبر محذوف المبتدأ، تقديره: المتلو ذكر، أو هذا ذكر، الثالث: أنه خبر الحروف المقطعة، وهو قول يحيى بن زياد، وهو الملقب بالفراء. قال أبو البقاء: وفيه بعد؛ لأن الخبر هو المبتدأ في المعنى، وليس في الحروف المقطعة ذكر الرحمة، ولا في ذكر الرحمة معناها، و {ذِكْرُ:} مضاف، و {رَحْمَتِ:} مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف؛ أي: ذكر الله رحمة عبده زكريا، و {رَحْمَتِ:} مضاف، و {رَبِّكَ:} مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله عبده، والهاء في محل جر بالإضافة.

ص: 559

{زَكَرِيّا:} بدل من {عَبْدَهُ،} أو عطف بيان عليه، منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر.

{إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (3)}

الشرح: {إِذْ نادى} أي: دعا زكريا ربه دعاء خفيا؛ أي: في السر، وإنما أخفى دعاءه؛ لأن الإخفاء والجهر عند الله سيان، والإخفاء أشد إخباتا، وأكثر إخلاصا. قال تعالى:{اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} انظر الآية رقم [55] من سورة (الأعراف) أو أخفى دعاءه لئلا يلام على طلب الولد مع كبر السن، أو لئلا يطلع عليه مواليه، الذين خافهم، أو لأن ضعف الهرم أخفى صوته. واختلف في سنه حينئذ، فقيل: خمس وسبعون. وقيل: ثمانون. وقيل: تسع وتسعون. وقيل: غير ذلك. وقال الجلال: كان له مائة وعشرون سنة، ولامرأته ثمان وتسعون.

الإعراب: {إِذْ:} ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: {رَحْمَتِ} وأجيز تعليقه ب: {ذِكْرُ} . وقيل: هو بدل اشتمال من {زَكَرِيّا} . {نادى:}

ماض، والفاعل يعود إلى {زَكَرِيّا}. {رَبَّهُ:} مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {نِداءً:} مفعول مطلق. {خَفِيًّا} صفة له، وجملة:{نادى..} . إلخ في محل جر بإضافة {إِذْ} إليها.

{قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاِشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4)}

الشرح: {قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي:} ضعف عظمي، ورق، وإنما ذكر العظم وحده؛ لأنه عمود البدن، وبه قوامه، وهو أصل بنائه، فإذا وهن؛ تداعى، وتساقط سائر قوته، ولأنه أشد ما فيه، وأصلبه، فإذا وهن كان ما وراءه، أوهن، ووحّده؛ لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية، والمراد: أن هذا الجنس الذي هو العمود، والقوام، وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن، والضعف، ووهن، يهن من باب: وعد، فهو واهن في الأمر، والعمل، والبدن، ووهنته: أضعفته، يتعدى، ولا يتعدى في لغة فهو موهون البدن، والعظم، والأجود: أنه يتعدى بالهمزة، فيقال: أوهنته.

{وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً:} هذا من أحسن الاستعارة وأجملها في كلام العرب، فقد شبه الشيب في بياضه، وإنارته بشواظ من نار، وانتشاره، وفشوه في الشعر باشتعالها، ثم أخرج مخرج الاستعارة، وأسند الاشتعال إلى الرأس الذي هو مكان الشيب مبالغة، ولا ترى كلاما

ص: 560

أفصح من هذا، ألا ترى: أن أصل الكلام: يا رب قد شخت؛ إذ الشيخوخة تشتمل على ضعف البدن، وشيب الرأس المتعرض لهما.

هذا؛ والشيب، والشيبة: بياض الشعر، والمشيب عبارة عن الحيوان في زمان تكون قوته فيه غير غريزية، أما الشباب فهو الزمن الذي تكون فيه حرارة الحيوان الغريزية مشبوبة؛ أي: قوية مشتعلة. هذا قول الأصمعي. وقال الجوهري: الشيب، والمشيب بمعنى: واحد.

{وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} أي: عودتني الإجابة فيما مضى، وأرجو أن لا تخيبني هذه المرة، يقال: سعد فلان بحاجته: إذا ظفر لها، وشقي إذا خاب ولم ينلها، ومن حق الكريم أن لا يخيب رجاء من قصده، وأنت يا الله أكرم الأكرمين. هذا؛ وقد كرر لفظ (رب) لمزيد التأكيد، والإلحاح في الطلب، والله يحب الملحّين في الدعاء على عكس ابن آدم الذي يغضب، إن سئل مرة بعد مرة، ورحم الله من يقول:[الكامل]

لا تسألنّ بنيّ آدم حاجة

وسل الذي أبوابه لا تحجب

الله يغضب إن تركت سؤاله

وبنيّ آدم حين تسأل يغضب

تنبيه: قال مكي بن أبي طالب القيسي: ونداء الرب قد كثر حذف (يا) النداء منه في القرآن الكريم، وعلة ذلك: أن في حذفها من نداء الرب فيه معنى التعظيم له، والتنزيه، وذلك: أن النداء فيه ضرب من معنى الأمر؛ لأنك إذا قلت: يا زيد؛ فمعناه: تعال يا زيد! أدعوك يا زيد! فحذفت (يا) من نداء الرب ليزول معنى الأمر، وينقص؛ لأن (يا) تؤكده، وتظهر معناه، فكان في حذف (يا) التعظيم، والإجلال، والتنزيه للرب تعالى، فكثر حذفها في القرآن، والكلام في نداء الرب لذلك المعنى. هذا؛ وانظر الآية رقم [8] من سورة (الإسراء) لشرحه، واشتقاقه.

الإعراب: {قالَ:} ماض، وفاعله يعود إلى {زَكَرِيّا} عليه السلام. {رَبِّ:} منادى حذف منه أداة النداء، منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم المحذوفة في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنه لا لبس فيه، وفيه لغات، فمنهم من يثبت الياء ساكنة، فيقول: يا ربّي، ومنهم من يثبتها ويحركها بالفتحة، فيقول: يا ربّي، ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول: يا ربّا، ومنهم من يقول: يا ربّ بضم الباء، ففيه خمس لغات، ويزاد سادسة، وهي حذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الباء، دليلا عليها، فيقول: يا ربّ. {إِنِّي:} حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. {وَهَنَ:} ماض. {الْعَظْمُ:}

فاعله. {مِنِّي:} متعلقان بمحذوف حال من العظم، وجملة:{وَهَنَ..} . إلخ في محل رفع خبر (إنّ). {وَاشْتَعَلَ:} ماض. {الرَّأْسُ:} فاعله. {شَيْباً:} تمييز نسبة. وقيل: هو مفعول مطلق

ص: 561

من معنى (اشتعل)؛ لأن معناه: شاب. وقيل: هو مصدر في موضع الحال، والمعتمد الأول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. {وَلَمْ:} حرف نفي، وقلب، وجزم. {أَكُنْ:} مضارع ناقص مجزوم ب: (لم)، واسمه مستتر تقديره:«أنا» . {بِدُعائِكَ:}

متعلقان ب: {شَقِيًّا} بعدهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. {شَقِيًّا:} خبر {أَكُنْ،} والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، واعتبارها حالا من ياء المتكلم يؤيده المعنى، والرابط: الواو، والضمير.

هذا؛ والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها، وبعضهم يعتبرها تفسيرا للنداء، ولا بأس به.

{وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5)}

الشرح: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي} أي: من بعدي، وأراد بالموالي: بني عمه، وأقاربه الذين يلونه في النسب، والعرب تسمي بني العم: موالي. قال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب: [البسيط]

مهلا بني عمّنا، مهلا موالينا

لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا

قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: خاف أن يرثوا ماله، وأن ترثه الكلالة، فأشفق أن يرثه غير الولد. وقالت طائفة: كان بنو عمه أشرار بني إسرائيل، فخاف أن لا يحسنوا خلافته على أمته، ويبدلوا عليهم دينهم، وقرئ:«(خفّت الموالي من ورائي)» بمعنى: قلّوا، وعجزوا عن إقامة الدين. وهي قراءة شاذة بعيدة جدا، حتى قيل: إنها لا تجوز. {وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً} أي:

لا تلد لكبر سنها، والعاقر أيضا: التي لا تلد من غير كبر. وهو مشتق من العقر، وهو القطع لقطعه النسل، وكذلك العاقر من الرجال الذي لا يلد، ومنه قول عامر بن الطفيل:[الطويل]

لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا

جبانا، فما عذري لدى كلّ محضر

وهي من النوق التي لا تلد أيضا. قال لبيد-رضي الله عنه: [الكامل]

أدعو بهنّ لعاقر أو مطفل

بذلت لجيران الجميع لحامها

أراد بالعاقر: الناقة التي لا تلد، وبمطفل: الناقة التي لها ولد. ولم تلحق الهاء عاقر؛ لأنها إنما تلحق للفرق بين المذكر، والمؤنث، فما لا يكون للمذكر لا حاجة فيه إلى علامة التأنيث، مثل حائض، وحامل، وطالق، ومرضع، فإن أتي بها، فإنما هو على الأصل. هذا قول أهل الكوفة. وقال أهل البصرة: هذا غير مستمر لأن العرب تقول: رجل أيم، وامرأة أيم، ورجل

ص: 562

عانس وامرأة عانس مع الاشتراك. وقالوا: امرأة مصبية، وكلبة مجرية مع الاختصاص. قالوا:

والصواب أن يقال: إن قولهم: حامل، وطالق، وحائض، ونحوها، أوصاف مذكرة، وصف بها الإناث، كما أن الربعة، والراوية، والخجأة، أوصاف مؤنثة وصف بها الذكور. انتهى. مختار الصحاح. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [2] من سورة (الحج).

{فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا:} فيه سؤال، ودعاء؛ أي: امنحني ولدا صالحا مرضيا من فضلك، وكرمك، وجودك هذا؛ و {الْمَوالِيَ} جمع: مولى. وانظر شرحه في الآية رقم [76] من سورة (النحل). وانظر شرح (وراء) في الآية رقم [79] من سورة (الكهف). وانظر شرح:

{وَلِيًّا} في الآية رقم [63] من سورة (النحل)، وشرح {لَدُنْكَ} في الآية رقم [80] من سورة (الإسراء)، أما {خِفْتُ} فأصله: خوفت، فاستثقلت الكسرة على الواو لثقلها، ثم قلبت فتحة الخاء كسرة لتدل على حركة المحذوف، ولو كانت الحركة دليلا على المحذوف لكانت ضمة.

الإعراب: {وَإِنِّي:} الواو: حرف عطف. (إني): حرف مشبه بالفعل، والياء اسمها، وجملة:

{خِفْتُ الْمَوالِيَ} في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية معطوفة على سابقتها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. {مِنْ وَرائِي:} متعلقان بما تضمنه (الموالي) من معنى الفعل، فإن المعنى: الذين يلون الأمر من بعدي، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الموالي، أو هما متعلقان بمحذوف، التقدير: خفت فعل الموالي، أو جورهم من ورائي، وهو أصح معنى. تأمل.

{وَكانَتِ:} الواو: واو الحال. {وَكانَتِ:} ماض ناقص، والتاء للتأنيث. {اِمْرَأَتِي:} اسم كان مرفوع.. إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، {عاقِراً:} خبر (كان)، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير. {فَهَبْ:} الفاء: حرف عطف على رأي: من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط جازم مقدر. (هب): فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» . {الْمَوالِيَ:}

متعلقان بما قبلهما. {مِنْ لَدُنْكَ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من {وَلِيًّا} كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة:«نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» ولدن مبني على السكون في محل جر ب: {مِنْ} والكاف في محل جر بالإضافة، {وَلِيًّا:}

مفعول به، وجملة:{فَهَبْ..} . إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك متوقعا؛ فهب

إلخ، والكلام كله في محل نصب مقول القول.

{يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)}

الشرح: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ..} . إلخ: لقد اختلف في هذا الميراث، فالمعتمد: أنه ميراث العلم، والحكمة؛ لأن الأنبياء لا تورث، وأن زكريا-عليه الصلاة والسلام-أراد وراثة العلم، والنبوة

ص: 563

لا وراثة المال، لما ثبت عن حبيبنا وشفيعنا صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «إنّا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة» . هذا؛ ومن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وإنّ العلماء ورثة الأنبياء، وإنّ الأنبياء لم يورّثوا دينارا، ولا درهما إنّما ورّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظّ وافر» . رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث أبي الدرداء-رضي الله عنه، وهو طويل.

وكذلك قوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ} فإن سليمان لم يرث من داود مالا خلفه بعده، وإنما ورث منه العلم، والحكمة. هكذا قال أهل العلم بتأويل القرآن، وكل قول يخالف قول النبي صلى الله عليه وسلم فهو مدفوع مهجور، بل ويضرب به عرض الحائط.

والحكمة في أن الأنبياء لا يورثون؛ لأنه قد يقع في قلب الإنسان شهوة موت مورثه ليأخذ ماله. فنزه الله أنبياءه، وأهاليهم عن ذلك، ولئلا يظنّ بهم مبطل: أنهم يجمعون المال لورثتهم، ولأنهم كالآباء لأمتهم فيكون ما لهم لجميع الأمة، وهو معنى الصدقة العامة. هذا؛ وقد اختلف في المراد من يعقوب، فقيل: هو يعقوب بن إسحاق إسرائيل، وكان زكريا متزوجا بإيشاع أخت مريم بنت عمران. وقيل: إيشاع بنت فاقوذا بن قبيل، وهي أخت حنة بنت فاقوذا، وحنة أم مريم، وأبوها من ولد سليمان بن داود، وهو من ولد يهوذا بن يعقوب، وزكريا من ولد هارون أخي موسى، وهما من ولد لاوي بن يعقوب، والنبوة كانت في أولاده. وقيل: المعني بيعقوب هاهنا يعقوب بن ماثان أخو عمران، بن ماثان أبي مريم، فهما أخوان من نسل سليمان بن داود على نبينا، وحبيبنا، وعليهم جميعا ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام. {وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} أي: مرضيا في أخلاقه وأفعاله.

الإعراب: {يَرِثُنِي:} مضارع. والفاعل يعود إلى {وَلِيًّا} والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة {وَلِيًّا} أو هي مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقد قرئ الفعل بالجزم في جواب الطلب. {وَيَرِثُ:} مضارع، والفاعل يعود إلى {وَلِيًّا} ومفعوله محذوف، تقديره: العلم، ونحوه. {مِنْ آلِ:} متعلقان بما قبلهما، و {آلِ:} مضاف، و {يَعْقُوبَ:} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. {وَاجْعَلْهُ:} فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» ، والهاء مفعول به أول.

{رَبِّ:} انظر الآية رقم [3]{مَرْضِيًّا:} مفعول به ثان، والجملة الندائية معترضة بين المفعولين، وجملة:{وَاجْعَلْهُ..} . إلخ معطوفة على جملة: {فَهَبْ لِي..} . إلخ لا محل لها مثلها.

تنبيه: ذكرت لك أنه يجوز في جملة: {يَرِثُنِي..} . إلخ وجهان: اعتبارها صفة، واعتبارها مستأنفة، وقد استشكل بعضهم الوجه الأول بناء على أنّ يحيى قتل قبل والده. كما ستعرفه في الآية رقم [14] بأن دعاء النبي قد يتخلف، وذلك؛ لأنه بموته قبله لم يرثه، ومعلوم ما يورث من الأنبياء، ورأى هذا المستشكل أن اعتبار الجملة مستأنفة أقوى، وأجيب بأن دعاء الأنبياء قد

ص: 564

يتخلف، وقد وقع لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه سأل ربه ثلاثة أمور. فاستجاب له في اثنين، وتأخرت الإجابة في الثالث. وجواب آخر، وهو أنه عليه الصلاة والسلام قد صار في حياة والده مرجعا مهمّا لكل من يستفتي في الشريعة الموسوية، القائمة على التوراة.

كما استشكل على اعتبار الجملة مستأنفة بأن مفاد الجملة حينئذ إخبار، وإخبار الأنبياء لا يتخلف قطعا؛ لأنه قائم مقام:(صدق عبدي في كل ما يبلّغ عنّي) وأجيب بأن هذا الإخبار باعتبار غلبة الظن؛ لأن نبي الله زكريا، لما كان مسنا غلب على ظنه أنه متى وهب له ولد يرثه.

وقد ذكرت لك فيما مضى بأن المراد إرث النبوة، والعلم، وقد حصل ذلك في حياته، كما أشرت إليه. انتهى. هذا؛ والأمور الثلاثة التي سألها الرسول صلى الله عليه وسلم ربه وردت في حديث الجمل الذي أخرجه ابن ماجة من حديث تميم الداري-رضي الله عنه، وهي:«سكّن الله رعب أمتك يوم القيامة كما سكّنت رعبي، فقلت: آمين، ثمّ قال: حقن الله دماء أمّتك من أعدائها، كما حقنت دمي، فقلت: آمين، ثم قال: لا جعل الله بأسها بينها فبكيت، فإنّ هذه الخصال سألت ربّي فأعطانيها، ومنعني هذه، وأخبرني جبريل عن الله تعالى: أن فناء أمتي بالسيف» . انتهى. من حديث طويل موجود في كتاب الترغيب والترهيب.

{يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اِسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7)}

الشرح: {يا زَكَرِيّا:} المعنى فاستجاب الله له دعاءه، فقال: يا زكريا. {إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ} أي: بولد ذكر. وانظر شرحه في الآية رقم [53] من سورة (الحجر). {اِسْمُهُ يَحْيى:} سماه الله بذلك؛ لأنه أحياه بالإيمان، والعلم، وإنما تولى تسميته تشريفا. وقيل: سماه يحيى؛ لأنه حيي بين أب شيخ، وأم عجوز. أو سمي بذلك؛ لأن رحم أمه قد حيي به بعد موته بالعقم. {لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} أي: لم يسم أحد بيحيى قبله، ومنّ عليه تعالى بأن لم يكل تسميته إلى الأبوين. وقال مجاهد، وغيره:{سَمِيًّا} معناه: مثلا، ونظيرا، وهذا فيه بعد؛ لأنه لا يفضل على إبراهيم، وموسى، اللهم إلا أن يفضل في خاص كالسؤدد، والحصر، كما قال في (آل عمران):{وَسَيِّداً وَحَصُوراً} هذا؛ ويقرأ (زكريا) بالقصر والمد «(زكرياء)» ، ومعناه في العبرية: دائم الذكر، والتسبيح.

الإعراب: {يا زَكَرِيّا:} (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (زكريا): منادى مفرد علم مبني على ضم ظاهر على قراءة المد، ومقدر على الألف على قراءة القصر. {إِنّا:} حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وحذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. {نُبَشِّرُكَ:}

مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«نحن» ، والكاف مفعول به. {بِغُلامٍ:} متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). {اِسْمُهُ:} مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة.

ص: 565

{يَحْيى:} خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل جر صفة (غلام). {لَمْ:} حرف نفي، وقلب، وجزم. {نَجْعَلْ:} مضارع مجزوم ب: {لَمْ،} والفاعل مستتر تقديره: «نحن» . {لَهُ:} متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به.

{مِنْ قَبْلُ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما، و {قَبْلُ:} مبني على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. {سَمِيًّا:} مفعول به، وجملة:{لَمْ نَجْعَلْ..} . إلخ في محل جر صفة ثانية لغلام، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. هذا؛ والآية الكريمة كلها في محل نصب مقول القول لقول محذوف، انظر تقديره في الشرح. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

{قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8)}

الشرح: {قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ:} هذا استفهام عن كيفية حدوث الغلام، واستبعاد من حيث العادة، أو استعظام لشأن خلقه، أو هو تعجب من قدرة الله، لا استبعاد، وإنكار، فلا يرد كيف قال زكريا ذلك، ولم يكن شاكا في قدرة الله تعالى عليه؟. انتهى. جمل في (آل عمران). {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} أي: النهاية في الكبر، ونحول الجسم، ودقة العظم، وذهاب القوى، وعتا الشيء: يبس، وقسا. وقال الشاعر:[الخفيف]

إنّما يعذر الوليد ولا يع

ذر من كان في الزّمان عتيّا

هذا؛ و {عِتِيًّا} أصله: عتوو، كقعود، فاستثقلوا توالي الضمتين والواوين، فكسرت التاء تخفيفا، وقلبت الواو الأولى ياء لمناسبة الكسرة، والثانية ياء أيضا لتدغما في بعضهما، فحصل فيه ثلاثة أعمال، وهذا كله على غير قراءة حفص، وفي قراءته بكسر العين أيضا إتباعا لكسرة التاء، كقولهم في: عصي، وقسي: عصي وقسي، فتكون الأعمال أربعة. هذا؛ والعتو: العناد، والطغيان. والعاتي: المجاوز للحد في الاستكبار، والعاتي: الجبار أيضا. وقيل: العاتي: هو المبالغ في ركوب المعاصي، المتمرد الذي لا يقع منه الوعظ، والتنبيه موقعا. انتهى. مختار، وخذ قوله تعالى:{لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً} وأما {سَمِيًّا} فأصله: (سميو، فاجتمعت الواو، والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت فيها الياء، وهو فعيل بمعنى: مفعول. انتهى جمل. هذا؛ وانظر (عتيا) ومعناه في الآية [69]).

الإعراب: {قالَ:} ماض، والفاعل يعود إلى (زكريا). {رَبِّ:} انظر الآية رقم [3].

{أَنّى:} اسم استفهام بمعنى: كيف، أو بمعنى: من أين، فعلى الأول: مبني على السكون في محل نصب حال من (غلام)، والعامل في الحال {يَكُونُ} وساغ مجيء الحال من النكرة

ص: 566

لتقدمها عليها، وقد رأيته كثيرا، وعلى المعنى الثاني، فهو مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر {يَكُونُ} على نقصانه، ومتعلق به على تمامه.

{لِي:} متعلقان بمحذوف خبر {يَكُونُ} تقدم على اسمه، وذلك على الوجه الأول: في {أَنّى} أو هما متعلقان بمحذوف حال من غلام، وذلك على الوجه الثاني: في {أَنّى} وأيضا على اعتبار {يَكُونُ} تاما. {غُلامٌ:} اسم {يَكُونُ} أو هو فاعل به، وجملة:{أَنّى يَكُونُ..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{وَكانَتِ:} الواو: واو الحال. (كانت): ماض ناقص، والتاء للتأنيث. {اِمْرَأَتِي:} اسم (كان) مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. {عاقِراً:} خبر (كان)، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير؛ و «قد» قبلها مقدرة. {وَقَدْ:}

الواو: حرف عطف. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. {بَلَغْتُ:} فعل، وفاعل.

{مِنَ الْكِبَرِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من {عِتِيًّا} على نحو ما رأيت في الآية رقم [4] {عِتِيًّا:} مفعول به. وقيل: هو مصدر مؤكد لمعنى الفعل؛ لأن بلوغ الكبر في معناه. وقيل: هو مصدر في موضع الحال من فاعل {بَلَغْتُ؛} أي: عاتيا، أو ذا عتو. وقيل:

هو تمييز، وعلى هذه الأوجه الثلاثة ف {مِنَ} مزيدة. ذكره أبو البقاء، والأول: هو الأوجه. انتهى جمل نقلا عن السمين. وقد تصرفت فيه، وجملة:{وَقَدْ بَلَغْتُ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. هذا؛ والكلام:{رَبِّ..} . إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (9)}

الشرح: {قالَ} أي: الله بدليل الكلام السابق، أو جبريل عليه السلام هو القائل بدليل قوله تعالى بسورة (آل عمران):{فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ..} . إلخ الآية رقم [39]{قالَ رَبُّكَ هُوَ} أي: خلق الولد من أبوين هرمين {عَلَيَّ هَيِّنٌ} أي: لا أحتاج فيما أريد أن أفعله إلى الأسباب بأن أرد عليك قوة الجماع، وأفتق رحم امرأتك؛ حتى يصلح للعلوق، والحمل، وقد قال تعالى في سورة (الأنبياء):

{وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ} . {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ} أي: من قبل خلق يحيى. {وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} أي:

كنت في العدم وغير موجود في هذه الدنيا. هذا؛ وقد قرئ: «(وقد خلقناك)» بنون العظمة.

بعد هذا فأصل {هَيِّنٌ} هيون، فقل في إعلاله: اجتمعت الواو، والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. وقل مثله في إعلال: سيد، وميت، ونحو ذلك، و {خَلَقْتُكَ} أصله:«تكون» فلما دخل الجازم صار: «لم تكون» فحذفت الواو لالتقاء

ص: 567

الساكنين فصار: «لم تكن» ثم حذفت النون للتخفيف، ولكثرة الاستعمال، وهذا الحذف جائز، وغير لازم، وله شروط: أن يكون مضارعا ناقصا من: كان، وأن يكون مجزوما بالسكون، وأن لا يكون بعده ساكن، ولا يتصل به ضمير متحرك، كما في الآية الكريمة، وغيرها كثير، وهو وارد في الكلام العربي شعرا، ونثرا، ولا تحذف النون عند فقد أحد الشروط إلا في ضرورة الشعر، كما في قول الشاعر:[الطويل]

إذا لم تك الحاجات من همّة الفتى

فليس بمغن عنك عقد الرّتائم

وقول الخنجر بن صخر الأسدي: [الطويل]

فإن لم تك المرآة أبدت وسامة

فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم

هذا؛ وقد قرئ شاذّا قوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ..} . إلخ ولم تحذف النون في قول أبي الأسود الدؤلي لجريانه على القاعدة: [الطويل]

دع الخمر تشربها الغواة فإنّني

رأيت أخاها مجزئا بمكانها

فإلاّ يكنها أو تكنه فإنه

أخوها غذته أمّه بلبانها

الإعراب: {قالَ:} ماض، وفاعله مستتر تقديره:«هو» ، انظر الشرح. {كَذلِكَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الأمر كذلك. وقيل: متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده. وقيل: الكاف مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أفعل مثل ما طلبت. فتكون الكاف مضافا، واسم الإشارة في محل جر بالإضافة.

والمعتمد الأول، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {قالَ رَبُّكَ:} ماض، وفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.

{هُوَ:} مبتدأ. {عَلَيَّ:} متعلقان بما بعدهما. {هَيِّنٌ:} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، وفيها معنى التأكيد لما قبلها، أو هي تعليل للقول الأول. وانظر الآية رقم [20] يتضح لك ذلك. {وَقَدْ:} الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. {خَلَقْتُكَ:} فعل، وفاعل، ومفعول به. {مِنْ قَبْلُ:} متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير.

{وَلَمْ:} الواو: حرف عطف. (لم): حرف جازم. {خَلَقْتُكَ:} مضارع ناقص مجزوم ب: (لم).

وانظر شرحه، واسمه مستتر تقديره:«أنت» . {شَيْئاً:} خبره، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، والرابط: الواو، والضمير المذكور بسابقتها، أو هي حال ثانية، فتكون حالا متداخلة.

ص: 568

{قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (10)}

الشرح: {قالَ} أي: زكريا. {اِجْعَلْ لِي آيَةً:} علامة أعرف بها الحمل، لأستقبله بالفرح، والسرور، والشكر للرب الغفور. وانظر الآية رقم [1] من سورة (الحجر) لشرح آيات.

{قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ..} . إلخ: أي: قال الله تعالى: العلامة على حمل امرأتك عدم قدرتك على الكلام مع كونك سليما من عاهة الخرس، والبكم مدة ثلاث ليال، وإنما ذكر الليالي هنا والأيام في الآية رقم [41] من سورة (آل عمران) للدلالة على أنه استمر عليه المنع من كلام الناس، والتجرد للذكر، والشكر ثلاثة أيام مع لياليهن. هذا؛ وقد قال تعالى في آل عمران {إِلاّ رَمْزاً} أي: إشارة بيد، أو عين، أو حاجب، أو رأس.

فائدة: وإنما عبر هنا بالليالي، وفي آل عمران بالأيام؛ لأن هذه السورة مكية، والمكي سابق على المدني، والليل سابق على النهار، فأعطى السابق للسابق، وسورة (آل عمران) مدنية، والمدني متأخر عن المكي، والنهار متأخر عن الليل، فأعطي المؤخر للمؤخر. انتهى. جمل عن شيخه.

الإعراب: {قالَ:} ماض، وفاعله مستتر تقديره:«هو» يعود إلى زكريا. {رَبِّ:} انظر إعرابه في الآية رقم [3]{اِجْعَلْ:} فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» . {لِي:} متعلقان بما قبلهما. {آيَةً:} مفعول به، والجملة الفعلية، والندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {قالَ:} ماض، والفاعل يعود إلى (الله).

{آيَتُكَ:} مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، (أن): حرف مصدري، ونصب. (لا):

نافية. {تُكَلِّمَ:} مضارع منصوب ب: (أن)، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» . {النّاسَ:}

مفعول به. {ثَلاثَ:} ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و {ثَلاثَ:} مضاف، و {لَيالٍ:} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. {سَوِيًّا:} حال من فاعل {تُكَلِّمَ} المستتر، وعن ابن عباس-رضي الله عنهما: أنه من صفة الليالي، بمعنى: أنها كاملات، فيكون نصبه على النعت للظرف. انتهى سمين. هذا؛ و (أن) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل رفع خبر المبتدأ، التقدير: آيتك عدم الكلام

إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11)}

الشرح: {فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ} أي: من الموضع الذي كان يصلي فيه، وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه؛ حتى يفتح لهم، فيدخلون، ويصلون؛ إذ خرج إليهم

ص: 569

زكريا عليه السلام متغيرا لونه، فأنكروا ذلك عليه، وقالوا: مالك. {فَأَوْحى إِلَيْهِمْ} أي: أشار إليهم، وهو معنى {رَمْزاً} المذكور في (آل عمران). {أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} أي: صلوا لله، ونزهوه، وقدسوه طرفي النهار؛ أي: في الصباح، والمساء. هذا؛ و {الْمِحْرابِ} مأخوذ من المحاربة، كأن ملازم يحارب الشيطان، والشهوات، ولذلك يقال لكل محل من محال العبادة:

محراب. وانظر (الغداة) و (العشي) في الآية رقم [28] من سورة (الكهف)، والمحال عليها من سورة (الرعد). وانظر شرح (قوم) في الآية رقم [13] من سورة (النحل). وينبغي أن تعلم: أن المدة التي مضت بين البشارة بيحيى عليه السلام وبين حمل أمه به هي ثلاث عشرة سنة. وقال الجمل: وبين وجوده في الخارج بالفعل؛ أي: ولادته. والله أعلم، وأجل، وأكرم.

الإعراب: {فَخَرَجَ:} الفاء: حرف استئناف. (خرج): ماض، وفاعله يعود إلى زكريا. {عَلى قَوْمِهِ:} متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له، والهاء في محل جر بالإضافة. {مِنَ الْمِحْرابِ:} متعلقان به أيضا، وجملة:{فَخَرَجَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. (أوحى): ماض، والفاعل يعود إلى زكريا أيضا. {إِلَيْهِمْ:} متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {أَنْ:} حرف تفسير. {سَبِّحُوا:}

أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية مفسرة لا محل لها. {بُكْرَةً:} ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. {وَعَشِيًّا:} ظرف زمان معطوف على ما قبله. هذا؛ وأجيز اعتبار {أَنْ} مصدرية تؤوّل مع الفعل بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بتسبيحه. والأول: أقوى؛ لأن {أَنْ} مسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه.

{يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12)}

الشرح: {يا يَحْيى..} . إلخ: في الكلام حذف يدل عليه المقام؛ إذ التقدير: فولد له ولد، وقال الله له: يا يحيى.. إلخ: والمراد: ب: {الْكِتابَ} التوراة بلا خلاف، ومعنى {بِقُوَّةٍ} بجد، واجتهاد. وهذا يتطلب حفظه والعمل به، والالتزام لأوامره، والكف عن نواهيه. {وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} أي: الأحكام والمعرفة بها. روى معمر أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للّعب خلقت. هذا؛ وقيل: كان ابن سنتين، أو ثلاث سنين حين أعطاه الله النبوة، وهذا من خوارق العادات للأنبياء. وقال ابن عباس-رضي الله عنهما: من قرأ القرآن قبل أن يحتلم، فهو ممن، أوتي الحكم صبيا. وروي في تفسير هذه الآية من طريق عبد الله بن عمر رضي الله عنهما-عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«كلّ بني آدم يأتي يوم القيامة، وله ذنب إلاّ ما كان من يحيى بن زكريّا» . وانظر شرح: {وَسَيِّداً وَحَصُوراً} في الآية رقم [39] من سورة (آل عمران).

ص: 570

الإعراب (يا): حرف نداء ينوب مناب: «أدعو» . (يحيى): منادى مفرد علم مبني على ضم مقدر على الألف للتعذر في محل نصب ب: (يا). {خُذِ:} أمر، وفاعله مستتر فيه.

{الْكِتابَ:} مفعول به. {بِقُوَّةٍ:} متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر. {وَآتَيْناهُ:}

فعل، وفاعل، ومفعول به أول. {الْحُكْمَ:} مفعول به ثان. {صَبِيًّا:} حال من الضمير المنصوب، وجملة:{وَآتَيْناهُ..} . إلخ مستأنفة، وعند التأمل يتبين لك: أن الآية كلها في محل نصب مقول القول، انظر الشرح.

{وَحَناناً مِنْ لَدُنّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (13)}

الشرح: {وَحَناناً مِنْ لَدُنّا} أي: ورحمة منا عليه، أو رحمة، وتعطفا في قلبه على أبويه وغيرهما من الناس. هذا؛ والحنان: الشفقة، والرحمة، والمحبة، وهو فعل من أفعال النفس، وأصله من حنين الناقة على ولدها، وهو محال في حقه جل ذكره بهذا المعنى. وقال أبو عبيدة:

والعرب تقول: حنانك يا ربّ، وحنانيك يا ربّ بمعنى: واحد، تريد: رحمتك. وقال امرؤ القيس: [الوافر]

ويمنحها بنو شمجى بن جرم

معيزهم حنانك ذا الحنان

معناه: رحمتك يا رحمان! وقال طرفة بن العبد من قصيدة خاطب بها عمرو بن هند الملك حين أمر بقتله: [الطويل]

أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا

حنانيك بعض الشّرّ أهون من بعض

معناه: تحنن علينا. وقال الحطيئة يخاطب عمر-رضي الله عنه: [المتقارب]

تحنّن عليّ هداك المليك

فإنّ لكلّ مقام مقالا

وحنة الرجل، وحنانه: امرأته لتوادهما. قال منذر بن درهم الكلبي: [الطويل]

فقالت حنان: ما أتى بك هاهنا؟

أذو نسب أم أنت بالحيّ عارف؟

{مِنْ لَدُنّا:} من عندنا. وانظر شرح (لدن) في الآية رقم [80] من سورة (الإسراء). وانظر (نا) في الآية رقم [23] من سورة (الحجر). {وَزَكاةً:} الزكاة: التطهير، والبركة، والتنمية في وجوه الخير والبر. {وَكانَ تَقِيًّا:} مطيعا لله تعالى، ولهذا لم يعمل خطيئة، ولم يهم بها كما قد رأيت.

الإعراب: {وَحَناناً:} معطوف على الحكم. {مِنْ لَدُنّا:} متعلقان ب: (حنانا)، أو بمحذوف صفة له، و (لدن) مبني على السكون في محل جر ب:{مِنْ،} و (نا): في محل جر بالإضافة.

{وَزَكاةً:} معطوف على ما قبله، ومتعلقه محذوف اكتفاء بما قبله، وجملة:{وَكانَ تَقِيًّا} معطوفة على جملة: {وَآتَيْناهُ..} . إلخ لا محل لها مثلها.

ص: 571

{وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبّاراً عَصِيًّا (14)}

الشرح: {وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ:} محسنا إليهما، لطيفا بهما؛ لأنه لا عبادة بعد تعظيم الله تعالى أعظم من بر الوالدين. وفي قوله:(والديه) تغليب الأب على الأم. {وَلَمْ يَكُنْ جَبّاراً} متكبرا، طاغيا، متغطرسا. {عَصِيًّا:} هو أبلغ من العاصي، والمراد: وصف يحيى عليه السلام بالتواضع، ولين الجانب، وخفض الجناح لأبويه، وللناس أجمعين، وأصله: عصييا بوزن فعيل، فأدغمت الياء في الياء، وأتي بصيغة المبالغة لمراعاة الفواصل، وليس المقصود المبالغة، بل المقصود نفي أصل العصيان.

الإعراب: {وَبَرًّا:} معطوف على خبر (كان). {بِوالِدَيْهِ:} متعلقان بما قبلهما؛ لأنه اسم فاعل، وعلامة الجر الياء؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. {وَلَمْ:} الواو: حرف عطف. (لم): حرف جازم. {يَكُنْ:} مضارع ناقص، واسمه يعود إلى يحيى. {جَبّاراً:} خبر {يَكُنْ} . {عَصِيًّا:} خبر ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (كان

) إلخ لا محل لها مثلها.

{وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)}

الشرح: المعنى: وأمان ليحيى عليه السلام من الله يوم ولد من أن يناله الشيطان، كما ينال سائر بني آدم، وأمان له يوم يموت من عذاب القبر، وأمان له يوم يبعث حيا من عذاب يوم القيامة، فأكرمه الله تعالى بالأمان في هذه المواطن كلها، وهي، أوحش ما يكون الخلق فيها، وأشد خوفا من غيرها. هذا؛ وقد قال الله هنا منكّرا. وقال في قصة عيسى عليه السلام معرّفا؛ لأن ما هنا من الله تعالى، والقليل منه جل ذكره كثير، وما هنالك من عيسى نفسه، وال فيه للاستغراق، أو للعهد، كما في قوله تعالى:{كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (15) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} أي: ذلك السّلام الموجه إلى يحيى موجه إليّ. انتهى. جمل.

الإعراب: {وَسَلامٌ:} الواو: حرف استئناف. (سلام): مبتدأ. {عَلَيْهِ:} متعلقان ب: (سلام) أو بمحذوف صفة له. {يَوْمَ:} ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. هذا؛ واعتبر أبو البقاء {عَلَيْهِ} متعلقين بمحذوف خبر المبتدأ، و {يَوْمَ:} متعلقان بالخبر أيضا، ولكن إذا عرفت أن الخبر ما تتم به الفائدة ظهر لك: أن الأول: أحق بالاعتبار، و (يوم) مبني لإضافته لمبني. {وُلِدَ:} ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (يحيى) والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {يَوْمَ} إليها.

{وَيَوْمَ} معطوف على ما قبله، وجملة:{يَمُوتُ} في محل جر بإضافة (يوم) إليها أيضا {وَيَوْمَ يُبْعَثُ} مثلها. {حَيًّا:} حال من نائب الفاعل المستتر، والجملة الاسمية هي من مقول الله تعالى.

ص: 572

خاتمة: لقد عرفت: أن زكريا-عليه السلام-قد شاخ، وكبر. وأن امرأته قد بلغت سن الشيخوخة، وتجاوزت سن اليأس من الحمل بالولد، وينبغي أن تعلم: أن الذي حفزه وشجعه على طلب الولد من الله هو ما رآه من إكرام الله لمريم التي كفلها، وأشرف عليها؛ حيث رآها تأكل فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، فعلم: أن القادر على ذلك قادر على الإتيان بالولد على الكبر، انظر ما ذكرته في الآية رقم [37] من سورة (آل عمران) وما بعدها.

فولد يحيى عليه السلام، وتولاه ربه، ورعاه برعايته، وحفظه من المعاصي والسيئات، وكمله، وجمله بأحسن الصفات، وكريم الأخلاق، وقد ساد الناس في عبادة الله، وطاعته، وقد برع في الشريعة الموسوية، وصار مرجعا مهمّا لكل من يستفتي في أحكامها، وكان أحد حكام فلسطين في عهده يقال له: هيرودس، وكانت له بنت أخ، يقال لها: هيروديا بارعة الجمال، أراد عمها أن يتزوجها، وكانت البنت وأمها تريدان ذلك، غير أن يحيى عليه السلام لم يرض عن هذا الزواج؛ لأنه محرّم، فانتهزت أم الفتاة إخراج بنتها إلى عمها في زينتها، فرقصت أمامه، فسرّ منها وطلب إليها أن تقول ما تتمناه ليعمله لها، وكانت أمها قد لقنتها أن تطلب منه رأس يحيى بن زكريا في هذا الطبق إذا سألها عمها أن تقول ما تتمناه، فقال: ويحك سليني غير هذا! قالت:

لا أسألك غيره، فلما أبت عليه بعث إليه، فأتي برأسه في الطبق، والرأس يتكلم حتى وضع بين يديه، وهو يقول: لا تحل لك، فلما أصبح إذا دمه يغلي، ويفور، فأمر بتراب فألقي عليه، فارتفع الدم فوقه، فلم يزل يغلي ويفور؛ حتى أتى بختنصر كما ستعرفه.

فلما سمع زكريا عليه السلام أن ابنه يحيى قد قتل انطلق هاربا في الأرض حتى دخل بستانا عند بيت المقدس فيه الأشجار، فنادته شجرة يا نبي الله إلى هنا! فلما أتاها انفتقت له الشجرة، ودخل في وسطها، وانضمت عليه، فأخذ إبليس أخزاه الله بطرف ردائه، فأخرجه من شقها، وأخذ الملك وأعوانه يبحثون عن زكريا عليه السلام حتى أتوا البستان، فدلهم إبليس على الشجرة التي دخلها زكريا، وأراهم طرف ردائه، فأخذوا المناشير ونشروا الشجرة نصفين، فسلط الله عليهم أخبث أهل الأرض علجا مجوسيّا، فانتقم الله به من بني إسرائيل بدم يحيى وزكريا على نبينا، وحبيبنا، وعليهما ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام، فقتل عظماءهم، وسبى منهم مائة وسبعين ألفا. انتهى. من قصص الأنبياء للنجار، وللثعلبي بتصرف كبير. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [5] من سورة (الإسراء)، وهكذا كان خبث بني إسرائيل، وخروجهم عن طاعة الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وقد نوّه القرآن الكريم بذلك في كثير من آياته، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.

تنبيه: وينبغي أن تعلم أن قتل هذين النبيين كان في حياة عيسى، وأنهم كانوا جميعا في زمن واحد، ولم يذكر أحد عمر يحيى عليه السلام، غير أن عبد الوهاب النجار قال: ولما بلغ المسيح: أنّ يحيى قد قتل جهر بدعوته وقام في الناس واعظا. انتهى. وإذا علمت أن يحيى،

ص: 573

وعيسى متقاربان في زمن ولادتهما، وأن عيسى قد رفع، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة تبين لك أن يحيى لم يعش ثلاثين عاما. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على حبيبنا، وشفيعنا محمد وعلى يحيى، وزكريا، وعيسى وجميع الأنبياء، والمرسلين، وسلم.

{وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ اِنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (16)}

الشرح: {وَاذْكُرْ:} الخطاب لسيد الرسل صلى الله عليه وسلم، {فِي الْكِتابِ:} في القرآن. {مَرْيَمَ:}

المراد قصة مريم، وما تضمنت من آيات، وعبر. {إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها} أي: تنحت، وتباعدت عن قومها. هذا؛ والنبذ: الطرح، والرمي. قال تعالى:{فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ} والانتباذ:

الاعتزال، والانفراد، وهو المراد هنا. واختلف لم انتبذت؟ قال الخازن: كان ذلك في يوم شات شديد البرد، فجلست في مشرق بيت المقدس تفلي رأسها. وقيل: تغتسل. وقيل:

لتعبد الله، وهذا أحق بالاعتبار، وأولى. {مَكاناً شَرْقِيًّا} أي: مكانا في الجهة الشرقية، ولهذا اتخذت النصارى المشرق قبلة.

قال ابن عباس-رضي الله عنهما: إني لأعلم النّاس لم اتخذ النصارى المشرق قبلة لقوله عز وجل: {إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا} فاتخذوا ميلاد عيسى عليه السلام قبلة. وقالوا: لو كان شيء من الأرض خيرا من المشرق لوضعت مريم عيسى عليه السلام فيه. واختلف في نبوة مريم، فقيل: كانت نبية بهذا الإرسال، والمحاورة للملك، والمعتمد: أنها لم تكن نبية، وإنما هي ولية. انظر ما ذكرته في هذا الصدد في الآية رقم [42] من سورة (آل عمران). وانظر نذر أمها لها، وكفالة زكريا لها في الآية رقم [35] وما بعدها من سورة (آل عمران) تجد ما يسرك.

ومريم بالعبرية بمعنى: الخادم ثم سمي به كثير من النساء، ومريم في لسان العرب: هي التي تكره مخالطة الرجال، ولم تذكر امرأة باسمها صريحا في القرآن الكريم إلا مريم، وقد ذكرت فيه في ثلاثين موضعا. هذا؛ وفي القاموس المحيط: المريم هي التي تحب مخالطة الرجال، ولا تفجر، وهذا يناقض ما قبله. قال الشاعر:[الطويل]

وزائرة ليلا كما لاح بارق

تضوّع منها للكساء عبير

فقلت لها: أهلا وسهلا أمريم؟

فقالت: نعم من أنت؟ قلت لها: زير

الإعراب: {وَاذْكُرْ:} الواو: حرف استئناف، أو حرف عطف عطف قصة مريم على قصة زكريا ويحيى عليهما السلام. (اذكر): أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» . {فِي الْكِتابِ:}

متعلقان به. {مَرْيَمَ:} مفعول به، وانظر الشرح. {إِذِ:} ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب بدلا من {مَرْيَمَ} لأن الأحيان مشتملة على ما فيها؛ لأن المقصود بذكر مريم ذكر وقتها لوقوع هذه القصة العجيبة فيه. قاله الزمخشري. وقيل: هو منصوب بالمحذوف المضاف

ص: 574

ل: {مَرْيَمَ} . وقيل: هو منصوب باذكر، وذكر أبو البقاء، أوجها أربعة: أحدها: أنها ظرف العامل فيها محذوف، تقديره: اذكر خبر مريم إذ. والثاني: أن تكون حالا من المضاف المحذوف. الثالث: أن تكون منصوبة بفعل محذوف؛ أي: وبين إذ. والرابع: أن تكون بدلا من مريم بدل اشتمال. والمعتمد الأول. {اِنْتَبَذَتْ:} ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر يعود إلى {مَرْيَمَ} والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {إِذِ} إليها. {مِنْ أَهْلِها:} متعلقان بما قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، و (ها) في محل جر بالإضافة. {مَكاناً:} ظرف مكان متعلق بما قبله، ويجوز أن يكون مفعولا به على أنّ معنى {اِنْتَبَذَتْ} أتت مكانا. أفاده السمين.

{شَرْقِيًّا:} صفة مكانا، وجملة:{وَاذْكُرْ..} . إلخ لا محل لها على الوجهين المعتبرين بالواو.

{فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (17)}

الشرح: {فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً} أي: وضعت، وضربت بينها وبين قومها سترا يمنعهم من رؤيتها. وقيل: جلست وراء جدار. وقيل: قعدت في مشرفة للاغتسال من الحيض محتجبة بشيء يسترها، وكانت إذا حاضت تتحول من المسجد إلى بيت خالتها امرأة زكريا، وتعود إليه إذا طهرت، فبينما هي في مغتسلها أتاها جبريل عليه السلام متمثلا بصورة شاب أمرد، سوي الخلق لتأنس بكلامه، ولعله ليهيج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها. هذا؛ وقد عبر سبحانه عن جبريل بالروح، وأضافه إلى نون العظمة تشريفا له، وتكريما، وتمثله لها بصورة شاب حسن الصورة شبيه بتمثله للنبي صلى الله عليه وسلم بصورة دحية الكلبي.

الإعراب: (اتخذت): ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى مريم. {مِنْ دُونِهِمْ:}

متعلقان به، أو هما متعلقان بمحذوف حال من {حِجاباً} على مثال ما رأيت في الآية رقم [4]، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:{اِنْتَبَذَتْ..} . إلخ فهي في محل جر مثلها. {فَأَرْسَلْنا:}

فعل، وفاعل، {إِلَيْها:} متعلقان بما قبلهما. {رُوحَنا:} مفعول به، و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا. {فَتَمَثَّلَ:} ماض، والفاعل يعود إلى روحنا. {لَها:} متعلقان به. {بَشَراً:} حال موطئة للصفة بعدها، وهو:{سَوِيًّا،} والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا.

{قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18)}

الشرح: {قالَتْ..} . إلخ: وقولها هذا كان حين رأت جبريل عليه السلام يقصد نحوها بادرته من بعيد، والمعنى: إني أستجير بالرحمن منك أن تبتعد عني إن كنت ممّن يتقي الله ويخافه. فدل تعوذها من تلك الصورة الحسنة على شدة عفتها، وكمال ورعها، وتعوذها منه إن كان تقيا على

ص: 575

حد قول القائل: إن كنت مؤمنا؛ فلا تظلمني. قيل: نكص جبريل فزعا من ذكر الرحمن تبارك وتعالى. هذا؛ وقيل: «تقي» اسم رجل فاجر معروف في ذلك الوقت، وليس بشيء، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {قالَتْ:} ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى مريم. {إِنِّي:} حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. {أَعُوذُ:} مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«أنا» ، {بِالرَّحْمنِ مِنْكَ:}

متعلقان ب: {أَعُوذُ} والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. {إِنْ:} حرف شرط جازم. {كُنْتَ:} ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمها. {تَقِيًّا:} خبرها، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:

لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فاتركني، وابتعد عني، والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَتْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (19)}

الشرح: قال جبريل عليه السلام: {إِنَّما أَنَا..} . إلخ: أسند الهبة إلى نفسه، وإن كانت من الله تعالى؛ لأنه أرسل به. {غُلاماً زَكِيًّا:} قال ابن عباس-رضي الله عنهما: أي: ولدا صالحا طاهرا من الذنوب.

الإعراب: {قالَ:} ماض، وفاعله مستتر تقديره:«هو» . {إِنَّما:} كافة ومكفوفة، {أَنَا:}

ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {رَسُولُ:} خبره، و {رَسُولُ:} مضاف، و {رَبِّكِ:} مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. {لِأَهَبَ:} مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره:«أنا» ، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان ب:{رَسُولُ؛} لأنه بمعنى: مرسول.

{لَكِ:} متعلقان بما قبلهما. {غُلاماً:} مفعول به. {زَكِيًّا:} صفة له، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{قالَتْ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20)}

الشرح: {قالَتْ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ} فهي تسأل: بأي كيفية يكون الغلام؟ من قبل زوج في المستقبل، أم يخلقه الله ابتداء؟ {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} أي: لم يقربني زوج. {وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} أي:

زانية. تريد: أن الولد إنما يكون من نكاح، أو سفاح، ولم يكن هاهنا واحد منهما. هذا؛ ولم تلحق {بَغِيًّا} التاء؛ لأنه للمبالغة، أو للنسبة. وانظر {عاقِراً} في الآية رقم [5] وانظر {خَلَقْتُكَ} في الآية رقم [9] ف:{أَكُ} مثله. والله أعلم بمراده.

ص: 576

الإعراب: {قالَتْ:} ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى مريم عليها السلام. {أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ} انظر الآية رقم [7] ففيها الكفاية. {وَلَمْ:} الواو: واو الحال. (لم): حرف جازم. {يَمْسَسْنِي:} مضارع مجزوم ب: (لم)، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به.

{بَشَرٌ:} فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير. {وَلَمْ:} الواو: حرف عطف. (لم): حرف جازم. {أَكُ:} مضارع ناقص مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة، واسمه مستتر تقديره:«أنا» . {بَغِيًّا:} خبره، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، والكلام:{أَنّى..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَتْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ وَرَحْمَةً مِنّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (21)}

الشرح: {قالَ كَذلِكِ} أي: الأمر حاصل، وواقع مثل ذلك. {قالَ رَبُّكِ هُوَ} أي: خلق الولد من غير أب. {هَيِّنٌ:} غير صعب. {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ} أي: علامة على كمال قدرتنا على أنواع الخلق، فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر وأنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى. انتهى. جمل. {وَرَحْمَةً مِنّا} أي: لمن تبعه على دينه الصحيح إلى بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن كان خلقه نقمة وضلالا لأكثر الخلق، كما هو معروف ومشاهد، ولا تمتلئ جهنم بجميع دركاتها إلا ممن كذبه، أو أخطأ طريق الهدى والإيمان بسبب خلقه بدون أب. {وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا} حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. هذا؛ وقدم الجار والمجرور:{عَلَيَّ} على {هَيِّنٌ} هنا وأخّره عن {أَهْوَنُ} في الآية رقم [27] من سورة (الروم) لقصد الاختصاص هنا بخلافه هناك، فلا معنى للاختصاص، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

هذا؛ وأصل {مَقْضِيًّا} مقضويا بزنة مفعول، اجتمعت الواو، والياء، وسبقت، إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء على القاعدة، وأدغمت في الياء وكسرت الضاد لتصح الياء، وأصل بغيا بغويا فعل به مثل ما فعل ب:{مَقْضِيًّا} وكسرت الغين أيضا لمناسبة الياء، فلما كان بزنة فعول لم تلحقه التاء. هذا؛ وقد قال مكي: فلما أتى (بغي) بغيرها علم أنه فعول، وليس بفعيل، وهو قول المبرد. وقال ابن جني: هي فعيل، ولو كانت فعولا لقيل: بغوّ، كما قيل: فلان نهوّ عن المنكر. وقال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]

ولا تلي فارقة فعولا

أصلا، ولا المفعال والمفعيلا

ص: 577

انتهى. جمل، ولكن ما ذكرته هناك من سبب أقوى؛ لأنه بمعنى: فاعل، لا بمعنى:

مفعول، كما ذكر هنا.

الإعراب: {قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} انظر الآية رقم [9] فالإعراب واحد لا يتغير.

{وَلِنَجْعَلَهُ:} مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره:

«نحن» والهاء مفعول به أول. {آيَةً:} مفعول به ثان، {لِلنّاسِ:} متعلقان بمحذوف صفة {آيَةً} و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: ونخلقه، أو نفعل ذلك لنجعله. وقال الجلال: معطوف على ما قبله؛ لأنه بمعنى: العلة. ولا وجه له. وقيل: معطوف على محذوف، التقدير: لنبين، ولنجعله.

{وَرَحْمَةً:} معطوف على آية. {مِنّا:} متعلقان ب: (رحمة)، أو بمحذوف صفة لها، وجملة:

{وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا} مستأنفة، لا محل لها، واسم كان محذوف، التقدير: وكان خلقه من غير أب أمرا، {مَقْضِيًّا:} صفة أمرا.

{فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (22)}

الشرح: {فَحَمَلَتْهُ} أي: حملت بعيسى عليه السلام. قيل إن جبريل عليه السلام رفع درعها؛ أي: ثوبها. فنفخ في جيبه، فحملت حين لبسته. وقيل: نفخ في كمها. وقيل: في ذيلها. وقيل: في فيها. وقيل: نفخ من بعيد، فوصل النفخ إليها. قال الطبري: وزعمت النصارى: أن مريم حملت بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة، وأن عيسى عليه السلام عاش إلى أن رفع اثنتين وثلاثين سنة، وأياما، وأمّه مريم-عليها السلام-بقيت بعد رفعه ست سنين، فكان جميع عمرها نيفا وخمسين سنة.

واختلف في مدة الحمل: فقال ابن عباس-رضي الله عنهما-كان الحمل والولادة في ساعة واحدة. وقال القرطبي: وهذا هو الظاهر؛ لأن الله ذكر الانتباذ عقب الحمل. وقيل: كانت مدته تسعة أشهر كحمل سائر الحوامل من النساء. وقيل: كانت مدة حمله ثمانية أشهر، وذلك آية أخرى له؛ لأنه لا يعيش ولد لثمانية أشهر.

وقال وهب: إن مريم لما حملت بعيسى، كان معها ابن عم لها، يقال له: يوسف النجار وكانا يخدمان المسجد، ولا يعلم من أهل زمانهما أحد أشد عبادة، واجتهادا منهما، وأول من علم بحمل مريم يوسف، فبقي متحيرا في أمرها، كلما أراد أن يتهمها ذكر عبادتها، وصلاحها، وأنها لم تغب عنه، وإذا أراد أن يبرئها رأى ما ظهر منها من الحمل، فأول ما تكلم به أن قال:

إنه وقع في نفسي من أمرك شيء، وقد حرصت على كتمانه، فغلبني ذلك، فرأيت أن أتكلم به أشفى لصدري. قالت: قل قولا جميلا.

ص: 578

قال: أخبريني يا مريم، هل ينبت زرع بغير بذر؟ وهل ينبت شجر بغير غيث؟ وهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر؟ ألم تر أن الله أنبت الشجرة بالقدرة من غير غيث؟ أو تقول أن الله تعالى لا يقدر أن ينبت الشجرة حتى استعان بالماء، ولولا ذلك لم يقدر على إنباتها. قال يوسف: أنا لا أقول هذا، ولكني أقول: إن الله تعالى قادر على كل شيء، يقول له: كن فيكون. قالت له مريم: ألم تعلم أن الله خلق آدم، وامرأته من غير ذكر، ولا أنثى، فعند ذلك زال ما عنده من التهمة، وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل، فلما دنت، ولادتها، أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك. انتهى خازن. وهذا يفيد أن مدة الحمل متطاولة، والمشهور: أن مريم عليها السلام، كانت مخطوبة لابن عمها يوسف المذكور، والله أعلم بحقيقة الحال. هذا؛ وانظر لشرح (انتبذت) في الآية رقم [16]. {قَصِيًّا:} بعيدا. من أهلها، وراء الجبل، إلى أقصى الوادي، وهو وادي بيت لحم، وإنما بعدت، وتنحت فرارا من تعيير قومها إياها بالولادة من غير زوج.

الإعراب: {فَحَمَلَتْهُ:} الفاء: حرف استئناف. (حملته): ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى مريم، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وهي في الحقيقة معطوفة على جملة محذوفة، انظر الشرح. وانظر إعراب مثل:{فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا} في الآية رقم [16] والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجار والمجرور:

{بِهِ} متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: انتبذت؛ وهو معها في بطنها.

{فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (23)}

الشرح: {فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ..} . إلخ: أي: ألجأها شدة الطلق إلى ساق النخلة لتعتمد عليه، ولتستر به، وكان جذعا يابسا لا رأس له، ولا ورق فيه، وكان الوقت شتاء، فلما اعتمدت عليه؛ اخضر، وأطلع الجريد، والخوص، والثمر الطيب في وقت واحد، سبحانه وتعالى من إله قادر مقتدر، وال التعريف، إما للجنس، وإما للعهد؛ إذ لم يكن ثمة غيرها، وكانت كالمتعالم عند الناس. هذا؛ والفعل:(أجاء) منقول من جاء، إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء، والاضطرار، ونظيره: آتى حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء، وهو منقول من: أتى بمعنى: جاء. هذا؛ ويقرأ: «(فاجأها)» من المفاجأة، ويقرأ {الْمَخاضُ} بفتح الميم وكسرها.

{قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا} أي: اليوم، أو الحمل، أو الولادة، تمنت الموت استحياء من الناس، وخوفا من الفضيحة، وتعيير أهلها بها، وذلك يكون فيه هتك لكرامتهم، وحط لشرفهم.

هذا؛ و {مِتُّ} يقرأ بكسر الميم، وضمها. {وَكُنْتُ نَسْياً} أي: ما من شأنه أن ينسى،

ص: 579

والنسي في كلام العرب الشيء الحقير الذي شأنه أن ينسى، ولا يتألم لفقده كالوتد، والحبل للمسافر، ونحوه. وقال الفراء: النّسيّ: ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها. وهو يعني: خرق حيضها، ويقرأ {نَسْياً} بقراءات كثيرة، {مَنْسِيًّا:} هو بمعنى: الأول، وهو في إعلاله مثل:

{مَقْضِيًّا} في الآية رقم [21].

الإعراب: {فَأَجاءَهَا:} الفاء: حرف استئناف. (أجاءها): ماض، و (ها): مفعول به.

{الْمَخاضُ:} فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {إِلى جِذْعِ:} متعلقان بمحذوف حال من {الْمَخاضُ} أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، ويؤيده المعنى. تأمل، و {جِذْعِ:} مضاف، و {النَّخْلَةِ} مضاف إليه. {قالَتْ:} ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى مريم. (يا): حرف تنبيه. وقيل: أداة نداء، والمنادى محذوف، التقدير: يا قوم، ونحوه. وهو ضعيف. (ليتني):

حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم اسمها. {مِتُّ:} فعل، وفاعل وفي الحقيقة:

فعل ونائب فاعله؛ لأن الإنسان لا يموت بنفسه. {قَبْلَ:} ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و {قَبْلَ:} مضاف، و {هذا:} اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والهاء حرف تنبيه لا محل له، وجملة:{مِتُّ..} . إلخ في محل رفع خبر (ليت)، وجملة:{يا لَيْتَنِي..} .

إلخ في محل نصب مقول القول. وجملة: {قالَتْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها، واعتبارها حالا جيد، وتكون «قد» قبلها مقدرة. {وَكُنْتُ:} ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمها.

{نَسْياً:} خبرها. {مَنْسِيًّا:} توكيد لما قبله، أو هو صفة، وجملة:{وَكُنْتُ..} . إلخ معطوفة على جملة: {مِتُّ..} . إلخ فهي في محل رفع مثلها.

{فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24)}

الشرح: {فَناداها مِنْ تَحْتِها:} يقرأ بفتح الميم وكسرها. قال ابن عباس-رضي الله عنهما:

المراد ب: (من) جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها. وقاله علقمة، والضحاك، وقتادة، ففي هذا لها آية، وأمارة: أن هذا من الأمور الخارقة للعادة التي لله فيها مراد عظيم. انتهى.

قرطبي. قيل: كانت على أكمة، وجبريل وراء الأكمة. وقيل: إن الذي ناداها هو عيسى عليه السلام. {أَلاّ تَحْزَنِي} أي: من أجل، ولادتك. {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا:} المراد به: عيسى، والسري من الرجال: العظيم الخصال، الكريم الفعال، وكان عيسى عليه السلام من أعظم الرجال، كيف لا؟ وهو من الرسل أولي العزم الكرام. وقيل: المراد به: نهرا سريا؛ أي:

جاريا، وكان قد جف ماؤه، فأجراه الله لمريم عليها السلام تكريما لها. وقيل: ضرب عيسى -وقيل: جبريل-برجله في الأرض، فظهرت عين ماء عذبة، وجرت. هذا؛ والسري: النهر جاء في قول لبيد بن ربيعة الصحابي-رضي الله عنه-من معلقته: [الكامل]

فتوسّطا عرض السّريّ وصدّعا

مسجورة متجاورا قلاّمها

ص: 580

الإعراب: {فَناداها:} الفاء: حرف استئناف. (ناداها): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وها: في محل نصب مفعول به. {مِنْ:} اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. {تَحْتِها:} ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، وعلى اعتبار {مِنْ} حرف جر، فالجار والمجرور متعلقان بما قبلهما، وعليه فالفاعل مستتر تقديره:«هو» يعود إلى جبريل، أو إلى عيسى عليهما السلام. و (ها) في محل جر بالإضافة. {أَلاّ:} (أن): مفسرة.

(لا): ناهية. {تَحْزَنِي:} مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وياء المخاطبة فاعله، والجملة الفعلية مفسرة للنداء لا محل لها. هذا؛ وأجيز اعتبار (أن) ناصبة، و (لا) نافية فيكون الفعل منصوبا، لا مجزوما. {قَدْ:} حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. {جَعَلَ رَبُّكِ:} ماض، وفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية تعليل للنهي، لا محل لها. {تَحْتَكِ:}

ظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. {سَرِيًّا:} مفعول به، وجملة:

{فَناداها..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها، وهو أقوى من العطف على ما قبلها.

{وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (25)}

الشرح: {وَهُزِّي..} . إلخ: هزي، وحركي نحوك جذع النخلة التي أحياها الله لك، فأورقت، وأثمرت وأنت تنظرين إليها في ساعة واحدة. {تُساقِطْ عَلَيْكِ} أي: يسقط عليك من ثمرها الطيب.

وفي الفعل {تُساقِطْ} تسع قراءات. {رُطَباً جَنِيًّا:} الجني ما طاب، وصلح للاجتناء، وهو فعيل بمعنى: فاعل، وهو بمعنى: طريا. قال الربيع بن خيثم: ما للنفساء عندي خير من الرطب، ولا للمريض خير من العسل. وقيل: إذا عسر، ولادها لم يكن لها خير من الرطب.

الإعراب: {وَهُزِّي:} الواو: حرف عطف. (هزي): أمر مبني على حذف النون، وياء المخاطبة فاعله. {إِلَيْكِ:} متعلقان بالفعل قبلهما. هذا؛ وقال ابن هشام في مغنيه في تعليق الجار والمجرور في هذه الآية. وفي قوله تعالى: {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} الآية رقم [260] من سورة (البقرة)، وفي قوله تعالى:{وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ..} . إلخ الآية رقم [32] من سورة (القصص)، وقوله تعالى:{أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} رقم [37] من سورة (الأحزاب)، وهذا كله يتخرج على التعلق بمحذوف، كما قيل في اللام في:«سقيا لك» وإما على حذف مضاف، التقدير: هزي إلى نفسك

إلخ. وانظر ما ذكرته في الشاهد رقم [257] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» إعراب شواهد مغني اللبيب. {بِجِذْعِ:} الباء: حرف جر صلة. (جذع): مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. وقيل: المفعول محذوف، والجار والمجرور حال من ذلك المحذوف، تقديره: وهزي إليك رطبا كائنا بجذع

ص: 581

النخلة، و «جذع» مضاف، و {النَّخْلَةِ} مضاف إليه. {تُساقِطْ:} مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، والفاعل يعود إلى {النَّخْلَةِ}. {عَلَيْكِ:} متعلقان بالفعل قبلهما. {رُطَباً:} مفعول به، أو تمييز على حسب القراءات، {جَنِيًّا:} صفة، وجملة:{تُساقِطْ..} . إلخ لا محل لها، وجملة:

{وَهُزِّي..} . إلخ معطوفة على جملة: {أَلاّ تَحْزَنِي..} . إلخ لا محل لها، وذلك على النهي.

{فَكُلِي وَاِشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26)}

الشرح: {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً} أي: فكلي من الجنيّ، واشربي من السّريّ، وقري عينا برؤية الولد النبي. هذا؛ وقد قرئ:(قري) بفتح القاف وكسرها، فالأولى قراءة الجمهور، والثانية لغة نجد، واشتقاقه من القرار، فإن العين إذا رأت ما يسر النفس سكنت إليه من النظر إلى غيره، أو من القر فإن دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة. وضعّف ناس هذا. وقالوا:

الدمع كله حار، فمعنى أقر الله عينه؛ أي: سكن الله عينه بالنظر إلى من يحبه حتى تقر، وتسكن، وإذا أريد بهذه الجملة الدعاء، فيكون المعنى أقر الله عينه؛ أي: أسكنها بالموت، فيكون الفعل من الأضداد، وفلان قرة عيني؛ أي: نفسي تسكن بقربه. قالت ميسون بنت بحدل: [الوافر]

ولبس عباءة وتقرّ عيني

أحبّ إليّ من لبس الشّفوف

وانظر ما ذكرته في الآية رقم [74] من سورة (الفرقان) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.

{فَإِمّا تَرَيِنَّ:} فإما تبصرن، فالأصل فيه:(ترأيين) فحذفت الهمزة، كما حذفت من (ترى) في الآية رقم [17] من سورة (الكهف)، ونقلت فتحتها إلى الراء، فصار:(تريين) ثم قلبت الياء الأولى ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الألف المنقلبة، عن الياء وياء المؤنثة المخاطبة، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار (ترين) ثم حذفت النون علامة للجزم، فبقي (ترى) ثم دخلت نون التوكيد الثقيلة، فكسرت ياء المخاطبة لالتقاء الساكنين؛ لأن نون التوكيد، بمنزلة نونين، الأولى ساكنة، فصار (ترينّ) فالأعمال فيه ستة، أو سبعة كما رأيت.

{فَقُولِي إِنِّي..} . إلخ: قبل هذه الجملة جملة محذوفة، وتقدير الكلام: إن رأيت أحدا من الناس، فسألك عن ولدك؛ فقولي

إلخ، والمخاطب لها بذلك جبريل، أو عيسى-عليهما السلام-حسبما رأيت فيما تقدم. {صَوْماً:} صمتا. قيل: كان في بني إسرائيل من أراد أن يجتهد صام عن الكلام، كما يصوم عن الطعام، فلا يتكلم حتى يمسي. هذا؛ وقد قرئ:

«(صمتا)» وإنما منعت من الكلام لأمرين: أحدهما: أن يكون عيسى عليه السلام هو المتكلم عنها ليكون أقوى لحجتها في إزالة التهمة عنها، وفيه دلالة على أنّ تفويض الكلام إلى الأفضل أولى.

ص: 582

الثاني: كراهة مجادلة السفهاء، وفيه أن السكوت عن السفيه، واجب، ومن أذلّ الناس سفيه لم يجد مسافها. {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} أي: إنسانا من البشر، يقال: إنها كانت تكلم الملائكة، ولا تكلم الإنس.

هذا؛ وقد رد ابن هشام في مغنيه بهذه الآية على الزمخشري القائل: إن «لن» تفيد التأبيد.

فقال-رحمه الله تعالى-: ولو كانت للتأبيد لم يقيد منفيها باليوم في قوله تعالى: {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} ولكان ذكر الأبد في قوله تعالى: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً} تكرارا، والأصل عدمه. انتهى.

هذا؛ وقرئ شاذّا: «(ترين)» بياء ساكنة، بعدها نون الرفع، ذكره ابن جنّي. انظر الشاهد رقم [460] من كتابنا:«فتح القريب المجيب» ، فالبحث فيه جيد.

الإعراب: {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي:} أمر مبني على حذف النون لاتصاله بياء المؤنثة المخاطبة.

التي هي فاعله، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الأفعال، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على السكون المقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسرة التي جيء بها لمناسبة ياء المخاطبة، وقل: مثله في نحو قولك: كلا، واشربا. والمانع من ظهور السكون الفتح الذي جيء به لمناسبة ألف الاثنين. وأيضا قولك: كلوا، واشربوا. والمانع من ظهور السكون الضم الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة التي هي فاعله. {عَيْناً:} تمييز محول عن الفاعل، والجمل الفعلية معطوفة على جملة:{(هُزِّي)} لا محل لهن مثلها. {فَإِمّا:} الفاء: حرف تفريع. (إما): حرف شرط جازم مدغم في (ما) الزائدة لتؤكد معنى الشرط؛ لأن معنى «إن» في الأصل الشك، فزال هذا المعنى بسبب (ما) ولذا أكد الفعل بنون التوكيد. {تَرَيِنَّ:} مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وياء المؤنثة المخاطبة فاعله، ونون التوكيد حرف لا محل له. {مِنَ الْبَشَرِ:} متعلقان بمحذوف حال من {أَحَداً} كان صفة له على نحو ما رأيت في الآية رقم [4] أحدا مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. وانظر الجملة المحذوفة في الشرح.

{فَقُولِي:} الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قولي): أمر وفاعله مثل ما تقدم. {إِنِّي:} حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. {نَذَرْتُ:} ماض مبني على السكون لاتصاله بتاء الفاعل التي هي فاعله. هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذا اللفظ، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض كراهة توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة، وقل مثله في إعراب كل ماض اتصل به ضمير رفع متحرك، مثل نذرنا، نذرن، ويقال اختصارا: فعل، وفاعل. {لِلرَّحْمنِ:} متعلقان بما قبلهما. {صَوْماً:}

مفعول به، وجملة:{نَذَرْتُ..} . إلخ في محل رفع خبر (إني) والجملة الاسمية: {إِنِّي..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{فَقُولِي..} . إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور،

ص: 583

والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و «إن» الشرطية، ومدخولها كلام مفرع عما قبله، فهو من جملة النداء لها. تأمل. {فَلَنْ:} الفاء: حرف عطف. (لن): حرف نفي ونصب واستقبال. {أُكَلِّمَ:} مضارع منصوب ب: (لن)، والفاعل مستتر تقديره:«أنا» . {الْيَوْمَ:} ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. {إِنْسِيًّا:} مفعول به، وجملة:{فَلَنْ أُكَلِّمَ..} . إلخ معطوفة على الجملة الشرطية، فمحلها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (27)}

الشرح: {فَأَتَتْ بِهِ} أي: بعيسى عليه السلام، روي: أن مريم لما اطمأنت بما رأت من الآيات، وعلمت: أن الله تعالى سيبين عذرها؛ أتت به تحمله من المكان القصي الذي كانت قد انتبذت فيه. قال ابن عباس: خرجت من عندهم حين أشرقت الشمس، فجاءتهم عند الظهر، ومعها صبي تحمله، فكان الحمل والولادة في ثلاث ساعات من النهار. وقال الكلبي: ولدت حيث لم يشعر بها قومها، ومكثت أربعين يوما للنفاس، ثم أتت به قومها تحمله، فلما رأوها ومعها الصبي؛ حزنوا، وكانوا قوما صالحين. انظر ما ذكرته في الآية رقم [21] من الاختلاف في مدة الحمل، ويروى: أن عيسى كلمها في الطريق، فقال: يا أماه لا تحزني، وأبشري فإني عبد الله، ومسيحه.

{قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا:} عظيما، منكرا. هذا؛ و (الفري): العظيم من الأمر، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في وصف عمر-رضي الله عنه-من حديث الرؤيا التي رآها في منامه:«فلم أر عبقريّا يفري فريه» . هذا؛ و (الفري): قطع الجلد للخرز، والإصلاح، والإفراء: إفساده.

هذا؛ وقال السدي، ووهب بن منبه: لما أتت به قومها تحمله تسامع بذلك بنو إسرائيل، فاجتمع رجالهم ونساؤهم، فمدت امرأة يدها إليها لتضربها، فأجف الله شطرها. وقال رجل: ما أراها إلا زنت، فأخرسه الله تعالى، فتحامى الناس من أن يضربوها، أو يقولوا لها كلمة تؤذيها، وجعلوا يخفضون إليها القول ويلينون، فقالوا:{يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا} . انتهى. قرطبي، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {فَأَتَتْ:} الفاء: حرف استئناف. (أتت): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره:«هي» يعود إلى مريم. {بِهِ:} متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر. {قَوْمَها:}

مفعول به، و (ها): في محل جر بالإضافة، {تَحْمِلُهُ:} مضارع، والفاعل يعود إلى مريم، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل (أتت)، فهي حال متكررة، أو من الضمير المجرور بالباء، فهي حال متداخلة، وجملة: (أتت

) إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{قالُوا:} ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق، هذا هو

ص: 584

الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة، ويقال اختصارا: فعل، وفاعل. {يا مَرْيَمُ:} (يا): حرف نداء ينوب مناب «أدعو» . (مريم):

منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب: «يا» . {لَقَدْ:} اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله، وهذا الجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: نقسم. (قد):

حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. جئت: فعل، وفاعل. {شَيْئاً:} مفعول به على معنى فعلت شيئا. وقيل هو مصدر مفعول مطلق على معنى جئت مجيئا. {فَرِيًّا:} صفة له والجملة الفعلية: {لَقَدْ..} . إلخ جواب القسم المقدر لا محل لها. والكلام: {يا مَرْيَمُ لَقَدْ..} . إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالُوا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ اِمْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28)}

الشرح: {يا أُخْتَ هارُونَ:} لقد اختلف الناس في معنى هذه الأخوة، ومن هارون؟ فقيل:

كان رجلا صالحا في بني إسرائيل، شبهت به في عفتها، وصلاحها، وليس المراد منه الأخوة في النسب. قيل: إنه تبع جنازته يوم مات أربعون ألفا، كلهم يسمون هارون سوى سائر الناس.

وقيل: كان هارون أخاها لأبيها. وقيل: إنما عنوا هارون أخا موسى؛ لأنها كانت من نسله، وبينهما ألف سنة، كما يقال: للتميمي: يا أخا تميم نسبة للقبيلة. وقيل: بل كان في زمنها رجل فاجر اسمه هارون، فنسبوها إليه على جهة التعيير، والتوبيخ، والله أعلم بحقيقة الأمر.

{ما كانَ أَبُوكِ} أي: عمران. {اِمْرَأَ سَوْءٍ} أي: يفعل السوء. هذا؛ وأصل امرأ: المرء، ولما كثر استعمالهم لها، حتى أصبحت تستخدم للدّلالة على الإنسان، وعلى الحيوان مجازا، وكان الهمز في آخرها ثقيلا بعد السكون خففوها كثيرا بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على الراء، فقالوا:

المر، وبذلك أشبهت الراء منها النون من (ابن) في تلقى حركات الإعراب، ولإعلالهم هذه الكلمة كثيرا بحذف الهمزة شبهوها بما حذف آخره، نحو (اسم، ابن، است) فجبروها بهمزة وصل في حالة التنكير، ثم ردوا إليها الهمزة، فقالوا: امرؤ، وبذلك أصبحت تعرب من مكانين، فتظهر حركات الإعراب فيها على الراء والهمزة، فتقول: هذا امرؤ، ورأيت امرءا، ومررت بامرئ. قال تعالى:{إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ،} {ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ،} {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} .

هذا؛ و (السّوء): الشر والفساد، والجمع: أسواء، وهم بضم السين من ساءه، وهو بفتحها كما هنا المصدر، وتقول: رجل سوء بالإضافة، ورجل السّوء، ولا تقول: الرجل السّوء. قال تعالى: {إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ} وتأنيث السّوء: السّوأى، كما في قوله تعالى:{ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى} . {وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا:} زانية. وانظر الآية رقم [20] لإعلاله، فمدحوا

ص: 585

أباها ونفوا عن أمها البغاء، وعرضوا لمريم بذلك، ولذلك قال تعالى:{وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً} وكفرهم معروف، والبهتان العظيم هو التعريض لها؛ أي: أنت بخلاف أبيك، وأمك حيث أتيت بهذا الولد.

الإعراب: {يا أُخْتَ:} (يا): أداة نداء تنوب مناب «أدعو» . (أخت): منادى منصوب، وهو مضاف، و {هارُونَ:} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. {ما:} نافية. {كانَ:} ماض ناقص. {أَبُوكِ:} اسم {كانَ} مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والكاف في محل جر بالإضافة.

{اِمْرَأَ:} خبر كان، وهو مضاف، و {سَوْءٍ:} مضاف إليه، وإعراب الجملة التالية مثل إعراب هذه الجملة. هذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول قومها.

{فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)}

الشرح: {فَأَشارَتْ إِلَيْهِ} أي: أشارت مريم إلى عيسى أن كلموه، وذلك أنها التزمت الصمت لما أمرت بترك الكلام، ولذا كان معنى:{فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ.} . إلخ أي: أشيري إشارة.

يروى: أنهم لما أشارت إلى الطفل؛ قالوا: استخفافها بنا أشد علينا من زناها، لذا قالوا لها:

{كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ..} . إلخ هذا؛ والمهد: السرير. وقيل: {الْمَهْدِ:} الحجر، فالمراد: حجرها.

هذا؛ و {الْمَهْدِ:} الموضع والفراش يهيأ، ويوطأ للصبي. قال الصلاح الصفدي: رأيت بخط ابن خلكان: أن مسلما ناظر نصرانيا، فقال له النصراني في خلال كلامه، متخفيا في خطابه بقبيح آثامه: يا مسلم! كيف كان وجه عائشة زوجة نبيكم في تخلفها عن الركب عند نبيكم، معتذرة بضياع عقدها؟ فقال له المسلم: يا نصراني كان وجهها كوجه بنت عمران لما أتت بعيسى تحمله من غير زوج، فمهما اعتقدت في دينك من براءة مريم اعتقدنا مثله في ديننا من براءة عائشة زوج نبينا! فانقطع النصراني، ولم يحر جوابا.

الإعراب: {فَأَشارَتْ:} الفاء: حرف استئناف. (أشارت): ماض، والفاعل يعود إلى (مريم) والتاء للتأنيث حرف لا محل له. {إِلَيْهِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها. {قالُوا:} فعل، وفاعل، والألف للتفريق. {كَيْفَ:}

اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال عامله ما بعده. {نُكَلِّمُ:} مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«نحن» . {مَنْ:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، {كانَ:} قال السمين في {كانَ} أقوال: أحدها: أنها زائدة، وهو قول أبي عبيدة؛ أي: كيف نكلم من في {الْمَهْدِ} و {صَبِيًّا} على هذا نصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور، الواقع صلة، والثاني: أنها تامة، بمعنى: حدث، ووجد، والتقدير: كيف نكلم من

ص: 586

وجد صبيا؟! و {صَبِيًّا} حال من الضمير في {كانَ} . الثالث: أنها بمعنى: صار؛ أي: كيف نكلم من صار في المهد صبيا، و {صَبِيًّا} على هذا خبرها. الرابع: أنها الناقصة على بابها من دلالتها على اقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي من غير تعرض للانقطاع، كقوله تعالى:

{وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً} ولذلك يعبر عنها بأنها ترادف (لم يزل). انتهى. جمل.

وقال ابن الأنباري: لا يجوز أن يقال: زائدة، وقد نصبت {صَبِيًّا،} ولا أن يقال: بمعنى:

«حدث» ؛ لأنه لو كانت بمعنى: الحدوث، والوقوع؛ لاستغنى فيه عن الخبر، تقول: كان الحر، وتكتفي به، والصحيح أن {مَنْ} في معنى الجزاء، و {كانَ} بمعنى: يكن، التقدير: من يكن في المهد صبيا، فكيف نكلمه. انتهى. قرطبي. وأطال الكلام في الاستدلال لما قاله. هذا؛ وذكر أبو البقاء هذا القول، وضعفه بقوله: وقيل: {مَنْ} شرطية، وجوابها {كَيْفَ}. انتهى. أقول:

وضعفه ظاهر، والمعنى يأباه، والمعتمد: أنها على بابها من النقصان.

{قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30)}

الشرح: {قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ:} قيل كان عيسى-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-يرضع، فلما سمع كلام اليهود لأمه ترك الرضاعة، وأقبل عليهم بوجهه. وقال: إني عبد الله. وقال وهب: أتاها زكريا عليه السلام عند مناظرتها اليهود، فقال لعيسى: انطق بحجتك؛ إن كنت أمرت بها، فقال: عند ذلك عيسى، وهو ابن أربعين يوما. وقيل: بل يوم ولد: إني عبد الله، أقر على نفسه بالعبودية لله تعالى أول ما تكلم لئلا يتخذ إلها. انتهى. هذا؛ وإنما نطق بذلك، وإن كانت الحاجة أشد ليزيل التهمة عن أمه، ليزيل التهمة عن الله باتخاذ الولد، وإزالة التهمة عن الله إزالة للتهمة عن أمه بطريق الأولى؛ لأن ابن الزنى لا ينطق وهو صبي.

{آتانِيَ الْكِتابَ} أي: الإنجيل. {وَجَعَلَنِي نَبِيًّا:} قيل: معناه سيجعلني نبيا، ويؤتيني الكتاب، وهذا إخبار عما كتب في اللوح المحفوظ في قديم الأزل، كما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم:«متى كنت نبيّا؟ قال: كنت نبيّا، وآدم بين الروح والجسد» . وقال الأكثرون: إنه، أوتي الإنجيل، وهو صغير، وكان يعقل عقل الرجال الكمل، وذكرت لك في الآية رقم [11] أن يحيى عليه السلام أعطي النبوة، وهو صبي كذلك.

الإعراب: {قالَ:} ماض، وفاعله يعود إلى عيسى. {إِنِّي:} حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. {عَبْدُ:} خبرها، و {عَبْدُ} مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. {آتانِيَ:} ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى {اللهِ،} والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول. {الْكِتابَ:} مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب حال من {اللهِ،} والرابط رجوع الفاعل فقط، و «قد» قبلها مقدرة، وجملة:{وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} معطوفة، وهي مثلها في إعرابها ومحلها، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

ص: 587

{وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (31)}

الشرح: {وَجَعَلَنِي مُبارَكاً:} نفاعا للناس، أعلمهم الخير، وأرشدهم إلى جميل الأفعال، وكريم الأخلاق. {أَيْنَ ما كُنْتُ:} في أي مكان، وجدت وحللت فيه. {وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ} أي: أمرني بأدائهما إذا أدركني التكليف، وأمكنني أداؤهما. وقيل: إن الله صيره بالغا عاقلا مكلفا حين انفصل من أمه. {ما دُمْتُ حَيًّا:} فهذا يفيد: أنه مكلف في جميع أدوار حياته حين كان في الأرض، وحين رفع إلى السماء، وحين ينزل إلى الأرض في آخر الزمان، هذا، أو يراد بالزكاة المذكورة تطهير النفس من الرذائل، والأفعال الذميمة. هذا؛ والتعبير بلفظ الماضي، إما باعتبار ما سبق في قضائه تعالى، أو بجعل المحقّق وقوعه كالواقع.

هذا؛ و (الصلاة) في اللغة: الدعاء، والرحمة، والعبادة، وهي في الشرع: أقوال وأفعال مخصوصة مبتدأة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، ولها شروط وأركان، ومبطلات ومكروهات مذكورة في الفقه الإسلامي، وقد جمعت الأنواع الثلاثة في قوله تعالى:{إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} هذا؛ ويكثر في القرآن لفظ {أَقِمِ الصَّلاةَ} و {وَأَقامَ الصَّلاةَ} و {يُقِيمُونَ الصَّلاةَ} والمعنى: أدّ الصلاة كاملة في أوقاتها، وحافظ على طهارتها، وركوعها، وسجودها، وخشوعها، ومن لم يؤدها على الوجه الأكمل، يقال عنه صلى، ولا يقال: أقام الصلاة. أما (الزكاة) فهي في اللغة: التطهير، والنماء، وفي الشرع اسم لمال مخصوص يدفع لأشخاص معلومين مذكورين في الآية رقم [60] من سورة (التوبة) وانظر {أَضاعُوا الصَّلاةَ} في الآية [58] الآتية.

هذا؛ وخص الصلاة والزكاة بالذكر؛ لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية، وشرعت لذكر الله، والزكاة أفضل العبادات المالية، ومجموعهما التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله. هذا؛ وأضيف: أن الزكاة قرينة الصلاة، فقد روي: أن أعرابيا جاء إلى ابن عباس-رضي الله عنهما، فقال له: يا ابن عباس، أنت حبر الأمة، وترجمان القرآن علمك الله أسرار الكتاب، وفقهك في الدين، فقل لي بربك: لماذا قرن الله الصلاة إلى الزكاة في القرآن في أكثر من ثلاثين آية؟ فقال ابن عباس ذلك لتعلم: أن الصلاة، والزكاة توأمان، لا يقبل الله إحداهما بدون الأخرى، تلك حق الله، وهذه حق الناس. ورضي الله عن الصديق الذي سوى بين المرتدين ومانعي الزكاة في القتال، والمحاربة، كما هو مشهور، وخذ قول أحمد شوقي رحمه الله تعالى:[الوافر]

ولم أر مثل جمع المال داء

ولا مثل البخيل به مصابا

عجبت لمعشر صلّوا، وصاموا

ظواهر خشية وتقى كذابا

ص: 588

وتلفيهم حيال المال صمّا

إذا داعي الزكاة بهم أهابا

لقد كتموا نصيب الله منه

كأنّ الله لم يحص النّصابا

ومن يعدل بحبّ الله شيئا

كحبّ المال ضلّ هوى وخابا

وخذ قول أبي العتاهية الصوفي: [الكامل]

أقم الصلاة لوقتها بشروطها

فمن الضّلال تفاوت الميقات

وإذا اتّسعت برزق ربّك فاجعلن

منه الأجلّ لأوجه الصّدقات

في الأقربين وفي الأباعد تارة

إنّ الزكاة قرينة الصّلوات

الإعراب: {وَجَعَلَنِي مُبارَكاً:} هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، وهي مثلها في محلها، وإعرابها. {أَيْنَ ما:} اسم شرط جازم مبني على السكون. وقيل: مبني على الفتح، و «ما»:

زائدة في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر كان. {كُنْتُ:} ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: أينما كنت جعلني مباركا، والجملة الشرطية في محل نصب حال من الضمير المستتر في مباركا، أو هي في محل نصب مفعول به من تعدد الثاني؛ لأن الخبر في الأصل يتعدد، وكذلك يتعدد حين صار مفعولا ثانيا. تأمل. هذا؛ وجملة:{وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ} معطوفة على جملة: {آتانِيَ الْكِتابَ} فهي مثلها في إعرابها وفي محلها. {وَالزَّكاةِ:} معطوف على الصلاة. {ما:} مصدرية ظرفية. {دُمْتُ:} ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه.

{حَيًّا:} خبره، و {ما} والفعل في تأويل مصدر في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بالفعل، (أوصاني)، وتقدير الكلام: مدة دوامي حيا، فإذا المصدر المؤول مضاف إليه الزمان المقدر. تأمل.

{وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّاراً شَقِيًّا (32)}

الشرح: {وَبَرًّا بِوالِدَتِي} أي: مطيعا لها: محسنا إليها. قال ابن عباس-رضي الله عنهما:

لما قال: {وَبَرًّا بِوالِدَتِي} ولم يقل: «بوالديّ» علم أنه من جهة الله تعالى. {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّاراً:}

متكبرا طاغيا متغطرسا. {شَقِيًّا:} خائبا من الخير، مطرودا من رحمة الله؛ إذ الشقي الحقيقي هو الذي طرد من رحمة الله تعالى. قيل: بلغ من تواضعه، ولينه، وزهده: أنه كان يأكل ورق الشجر، ويجلس على التراب، ولم يتخذ له مسكنا. قال النبي صلى الله عليه وسلم في حق أبي ذر الغفاري رضي الله عنه:«إنّه يسير على زهد ابن مريم» .

ص: 589

الإعراب: {وَبَرًّا:} معطوف على {مُبارَكاً،} ورجح نصبه بفعل محذوف لطول الفصل. هذا؛ وقرئ شاذا بالجر عطفا على الصلاة، وفاعله مستتر فيه؛ لأنه اسم فاعل، {بِوالِدَتِي:} متعلقان به، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم.. إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر تقديره:«هي» . {وَلَمْ:} الواو: واو الحال. (لم): حرف جازم. {يَجْعَلْنِي:} مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل يعود إلى (الله)، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول. {جَبّاراً:} مفعول به ثان، {شَقِيًّا:} من تعدد المفعول الثاني، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير، وهو أولى من العطف على الجمل السابقة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

{وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)}

الشرح: شرح هذه الآية وإعرابها مثل الآية رقم [15] بلا فارق، انظرها هناك، ففيها الكفاية. هذا؛ وقال الجمل-رحمه الله تعالى-: وصف نفسه بصفات ثمانية: أولها: العبودية، فاعترف بها لئلا يتخذوه إلها، وآخرها تأمين الله له في أخوف المقامات، وكل هذه الصفات تقتضي تبرئة أمه. انتهى. وأقول: تقتضي أيضا تبرئته من الألوهية التي ألصقها به النصارى.

تنبيه: روي: أن عيسى عليه السلام إنما تكلم في طفولته بما رأيت، ثم عاد إلى حالة الأطفال: حتى مشى على عادة البشر إلى أن بلغ مبلغ الصبيان، فكان نطقه في المهد إظهار براءة أمه، لا أنه كان ممّن يعقل في تلك الحالة، وهو كما ينطق الله الجوارح يوم القيامة، ولم ينقل أنه دام نطقة في تلك الحالة، وهو ما ذكرته في الآية رقم [46] من سورة (آل عمران)، ولا أنه كان يصلي، وهو ابن يوم، أو شهر ولو كان يدوم منه ما ذكر في صغره من وقت الولادة لكان مثله ممّا لا ينكتم، وكلامه في المهد أنقذ أمه من حد الزنى المقرر في التوراة، وقد أجمعت فرق بني إسرائيل أنها لم تحد. انتهى. قرطبي بتصرف كبير.

فائدة: قال قتادة: ذكر لنا أن امرأة رأت عيسى عليه السلام يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص في سائر آياته، فقالت: طوبى للبطن الذي حملك، والثدي الذي أرضعك، فقال لها:

طوبى لما تلا كتاب الله تعالى، واتبع ما فيه، وعمل به. انتهى قرطبي.

{ذلِكَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34)}

الشرح: {ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} أي: ذلك الذي قال: إني كذا، وكذا، هو عيسى ابن مريم، لا كما قالت النصارى: إنه إله، أو ابن الله، ولا كما يقول اليهود: إنه ابن الزنى، وإنه ابن يوسف النجار، وهو تكذيب للجميع فيما يصفونه به على الوجه الأبلغ، والطريق الأوضح.

ص: 590

{قَوْلَ الْحَقِّ:} وسمي: قول الحق كما سمي كلمة الله، و {الْحَقِّ} هو الله عز وجل. وقيل:

التقدير: هذا الكلام قول الحق، وليس بباطل. هذا؛ وقرئ بنصب اللام وضمها. {يَمْتَرُونَ:}

يشكون، بل ويختلفون. هذا؛ وقرئ:«(قال الحقّ)» و {(قَوْلَ الْحَقِّ)} والقول والقال والقول بمعنى:

واحد. وانظر الآية رقم [16] من سورة (الإسراء). هذا؛ وعيسى بالعبرية هو يسوع. وقال أبو البقاء: مأخوذ من العيس، وهو: بياض يخالطه شقرة.

الإعراب: {ذلِكَ:} اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكل عاقل. {عِيسَى:} خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. {اِبْنُ:} صفة عيسى، أو بدل منه، أو عطف بيان عليه، أو خبر ثان للمبتدإ. هذا؛ وأجيز اعتبار {عِيسَى} بدلا من {ذلِكَ} أو عطف بيان عليه، و (ابن) يبقى على ما تقدم ذكره، وعليه فالخبر قول بالرفع على قراءته بذلك، وعلى اعتبار {عِيسَى} خبر المبتدأ ف:

{قَوْلَ} خبر ثان للمبتدإ، أو خبر مبتدأ محذوف، التقدير: قول ابن مريم قول الحق، وعلى هذا فالوقف على {مَرْيَمَ}. هذا؛ وعلى قراءة (قول) بالنصب فهو مفعول مطلق مؤكد لمعنى الجملة الاسمية. وقيل: مفعول به لفعل محذوف، والأول: أقوى، وابن مضاف، ومريم مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث المعنوي، و {قَوْلَ:} مضاف، و {الْحَقِّ:} مضاف إليه مجرور. {الَّذِي:} اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدلا من {عِيسَى} أو صفة، أو هو خبر لمبتدإ محذوف؛ أي: هو الذي

إلخ وقيل: هو صفة للقول، أو صفة للحق، والمعتمد الأوجه الأولى. {فِيهِ:} متعلقان بما بعدهما. {يَمْتَرُونَ:} مضارع مرفوع.. إلخ والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية:{ذلِكَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35)}

الشرح: {ما كانَ لِلّهِ..} . إلخ: ما صح، ولا يليق، ولا ينبغي لله أن يتخذ ولدا؛ لأن الولد يرغب فيه بالمعاونة، والمناصرة، والله غير محتاج لذلك، بل هو منزه عن الشريك والصاحبة والولد، ولذا نزه نفسه بقوله:{سُبْحانَهُ} . {إِذا قَضى أَمْراً:} أراد أمرا من الأمور. {فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} أي:

أحدث، فيحدث، وليس المراد حقيقة أمر، بل هو تمثيل لما تعلقت به إرادته بلا مهلة بطاعة المأمور والمطيع بلا توقف. بعد هذا انظر ما ذكرته في الآية رقم [40] من سورة (النحل). وانظر شرح سبحانه في الآية رقم [1] منها. وانظر شرح:{قَضى} في الآية رقم [4] من سورة (الإسراء).

الإعراب: {ما:} نافية. {كانَ:} ماض ناقص. {لِلّهِ:} متعلقان بمحذوف خبر (كان) تقدم على اسمها، والمصدر المؤول من:{أَنْ يَتَّخِذَ} في محل رفع اسم (كان) مؤخرا، التقدير: ما

ص: 591

كان اتخاذ الولد واقعا، وحاصلا لله. {مِنْ:} حرف جر صلة. {وَلَدٍ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية:{ما كانَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {سُبْحانَهُ:} مفعول مطلق لفعل محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الحاصلة منه، ومن فعله المحذوف مستأنفة، لا محل لها. {إِذا:} ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. {قَضى:} ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وفاعله مستتر تقديره:«هو» يعود إلى (الله). {أَمْراً:} مفعول به، والجملة الفعلية في محل خبر بإضافة {إِذا} إليها على القول المرجوح، وهو المشهور.

{فَإِنَّما:} الفاء: واقعة في جواب {إِذا} . (إنما): كافة ومكفوفة. {يَقُولُ:} مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). {لِلّهِ:} متعلقان بالفعل قبلهما. {كُنْ:} أمر تام بمعنى: أحدث، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» ، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:{فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ..} . إلخ جواب {إِذا،} لا محل لها، و {إِذا} ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. {فَيَكُونُ:} مضارع تام أيضا، وفاعله يعود إلى {أَمْراً} والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير:

فهو يكون، والجملة الاسمية هذه مستأنفة، لا محل لها، وهذا القول يعزى لسيبويه رحمه الله تعالى. وقيل: إن (يكون) معطوف على {يَقُولُ} وهو يعزى للزجاج، والطبري. وقيل: هو معطوف على {كُنْ} من حيث المعنى، وهو قول الفارسي. انتهى جمل في سورة (البقرة). هذا؛ ويقرأ يكون بالنصب على أنّ الفعل منصوب ب:«أن» مضمرة بعد الفاء السببية، وضعفه أبو البقاء، وأقول: لا يمكن سبك مصدر من «أن» المضمرة والفعل، وعطفه على مصدر متصيد من الفعل السابق؛ إذ لا يقال: يقول له: ليكن حدوث فحدوث. تأمل، وتدبر.

{وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (36)}

الشرح: {وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ:} قال الخازن: هذا إخبار عن عيسى عليه السلام أنه قال ذلك. يعني ولأن الله ربي وربكم لا رب للمخلوقات سواه. {هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ} أي: هذا الذي أخبرتكم به {وَإِنَّ اللهَ رَبِّي..} . إلخ هو الصراط المستقيم الذي يؤدي إلى الجنة. هذا؛ وقد قرئ بفتح همزة (أن) وكسرها، وينبغي أن تعلم: أن الآية قد ذكرت بحروفها في سورة (آل عمران) برقم [51].

هذا؛ و (الصراط): الطريق، وهو مستعار هنا للدين القويم كما في سورة (الفاتحة)، وسمي الدين طريقا؛ لأنه يؤدي إلى الجنة فهو طريق إليها، وهو يقرأ بالصاد والسين والزاي، ويذكر، ويؤنث، والأول: أكثر، و (المستقيم): هو الذي لا اعوجاج فيه، والأصل فيه:(مستقوم)؛ لأنه

ص: 592

من استقام، وهو أجوف واوي، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب سكونها، فصار (مستقوم) ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة فصار:(مستقيم).

الإعراب: {وَإِنَّ:} الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف، ويقرأ بدون واو. (أنّ): حرف مشبه بالفعل. {اللهَ:} اسمها. {رَبِّي:} خبرها مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع

إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. {وَرَبُّكُمْ:} معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وعلى قراءة كسر الهمزة فالجملة اسمية، وهي مستأنفة، لا محل لها. وقيل: هي في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: قل إن الله

إلخ، بدليل قوله في سورة (المائدة):{ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} وعلى فتح الهمزة تؤوّل مع اسمها وخبرها بمصدر، وفي محله، أوجه:

أحدها أنه على حذف حرف الجر متعلقا بما بعده، التقدير: ولأن الله ربي وربكم فاعبدوه، كقوله تعالى:{وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً} وإليه ذهب الزمخشري تابعا للخليل، وسيبويه.

الثاني: أنه معطوف على (الصلاة) والتقدير: أوصاني بالصلاة وبأن الله

إلخ، وإليه ذهب الفراء. الثالث: أن يكون في محل نسقا على {الْكِتابَ} في قوله: {آتانِيَ الْكِتابَ} على أن يكون الخطاب بذلك لمعاصري عيسى عليه السلام، والقائل لهم ذلك هو عيسى. هذا؛ وأجاز الكسائي أن يكون في موضع رفع بمعنى: والأمر أن الله ربي، وفيه قول خامس، وهو أنه معطوف على {أَمْراً} ويكون المعنى: إذا قضى أمرا، وأن الله ربي

إلخ، وهذا ضعيف كما قيل على كسرة الهمزة: إن الجملة الاسمية معطوفة على قوله: {إِنِّي عَبْدُ اللهِ} فهو داخل في حيز القول، ويكون ما بينهما اعتراضا، وهو من البعد بمكان. {فَاعْبُدُوهُ:} الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [4](اعبدوه): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء. {هذا:} اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. {صِراطٌ:} خبر المبتدأ، {مُسْتَقِيمٌ:} صفة له، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له.

{فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37)}

الشرح: {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ} أي: اختلفت الفرق من أهل الكتاب في أمر عيسى عليه السلام فاليهود قالوا: هو ساحر وابن زنى، والنصارى ثلاث فرق: قالت النسطورية منهم:

هو ابن الله. وقالت الملكانية: ثالث ثلاثة. وقالت اليعقوبية: هو الله، فأفرطت النصارى، وغلت، وفرطت اليهود، وقصرت، أما المسلمون فقد قالوا الحق: إنما هو عبد الله، وكلمته.

ص: 593

{فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} أي: من اليهود، والنصارى. {مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي: من شهود يوم عظيم هوله، وحسابه، وجزاؤه، وهو يوم القيامة، أو من وقت الشهود، أو من مكانه، ف:{مَشْهَدِ} يحتمل المصدر والزمان والمكان، وكل له معنى خاص فيه، وأقواها: شهادة ذلك اليوم عليهم، وهو أن يشهد عليهم الملائكة، والرسل، وألسنتهم، وأيديهم، وأرجلهم بالكفر، والفسوق، والعصيان. انظر سورة (التوبة)[30].

هذا؛ و {الْأَحْزابُ} جمع: حزب، وهو الطائفة من الناس اجتمعوا على أمر من الأمور، وكل قوم تشاكلت قلوبهم، وأعمالهم حزب، وإن لم يلق بعضهم بعضا، وحزب الشيطان: هم المتبعون وساوسه وزخارفه، ودعوته إلى الشر، والفساد، وحزب الله: هم المتبعون، أوامره، المنتهون عن مناهيه، قال تعالى:{كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} الآية رقم [53] من سورة (المؤمنون) ورقم [32] من سورة (الروم).

الإعراب: {فَاخْتَلَفَ:} الفاء: حرف استئناف. (اختلف): ماض. {الْأَحْزابُ:} فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {مِنْ:} حرف جر صلة. {بَيْنِهِمْ:} ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من {الْأَحْزابُ} منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والهاء في محل جر بالإضافة. {فَوَيْلٌ:} الفاء: حرف استئناف. (ويل): مبتدأ سوغ الابتداء به، -وهو نكرة-الدعاء؛ لأنه من المسوغات، سواء أكان له، أو عليه.. إلخ. {لِلَّذِينَ:} متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وجملة:{كَفَرُوا} مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. {مِنْ مَشْهَدِ:} متعلقان بمحذوف صفة (ويل) بعد الخبر، وهو جائز، ولا يجوز أن يتعلقا ب:(ويل) لأجل الفصل. انتهى عكبري. وقال أبو السعود: متعلقان به على معنى: يولولون، ويضجون منه. والأول: أولى، و {مَشْهَدِ:} مضاف، و {يَوْمٍ:} مضاف إليه. {عَظِيمٍ:} صفة يوم، والجملة الاسمية:{فَوَيْلٌ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (38)}

الشرح: {أَسْمِعْ..} . إلخ: هذا تعجب عجب الله نبيه صلى الله عليه وسلم من اختلافهم في شأن عيسى عليه السلام، ووصفه بصفات الربوبية. قال الكلبي: لا أحد أسمع منهم يوم القيامة، ولا أبصر، حين يقول الله تبارك وتعالى لعيسى:{أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ} . {لكِنِ الظّالِمُونَ الْيَوْمَ} أي: في الدنيا. {فِي ضَلالٍ مُبِينٍ:} وأي ضلال أبين من أن يعتقد المرء في شخص مثله حملته الأرحام، وأكل وشرب، وأحدث، ومرض، واحتاج: أنه إله؟! ومن هذا؛ وصفه، فهو أصم، وأعمى، ولكنه سيبصر، ويسمع في الآخرة إذا رأى العذاب، ولكنه لا ينفعه ذلك. انتهى. قرطبي. هذا؛ وأظهر:{الظّالِمُونَ} في موضع الإضمار زيادة في التشنيع عليهم.

ص: 594

وانظر: (ضل) في الآية رقم [87] من سورة (النحل) وشرح «الظلم» في الآية رقم [90] منها.

وانظر إعلال {مُبِينٍ} في الآية رقم [1] من سورة (الحجر).

الإعراب: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} انظر الآية رقم [26] من سورة (الكهف)، ففيها الكفاية، وأضيف هنا أن الفعل {أَسْمِعْ} مبني على السكون، أو قل: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض، الذي جيء به لبناء الفعل على صيغة الأمر، والباء زائدة، والهاء فاعل مجرور لفظا، مرفوع محلا. {يَوْمَ:} ظرف زمان متعلق بأحد الفعلين الجامدين على التنازع. {يَأْتُونَنا:} مضارع مرفوع

إلخ والواو فاعله، و (نا): مفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {يَوْمَ} إليها، والكلام:{أَسْمِعْ..} . إلخ مستأنف، لا محل له. {لكِنِ:} حرف استدراك عطف مهمل لا عمل له. {الظّالِمُونَ:} مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو

إلخ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. {الْيَوْمَ:} ظرف زمان متعلق ب: {مُبِينٍ} بعده. {فِي ضَلالٍ:} متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. {مُبِينٍ:} صفة {ضَلالٍ} والجملة الاسمية: {لكِنِ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.

{وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (39)}

الشرح: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ:} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: خوف يا محمد الكفار من أهل مكة وغيرهم يوم الحسرة، سمي بذلك لأن المسيء يتحسر: هلاّ أحسن العمل! والمحسن:

هلاّ ازداد في الإحسان! يدل عليه ما رواه أبو هريرة-رضي الله عنه-عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أحد يموت إلاّ ندم» . قالوا: ما ندمه يا رسول الله؟ قال: «إن كان محسنا؛ ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئا، ندم أن لا يكون نزع» . أخرجه الترمذي. هذا؛ وقال أكثر المفسرين:

يعني بيوم الحسرة حين يذبح الموت.

فعن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي مناد: يا أهل الجنة! فيشرئبّون، وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم؛ هذا الموت، وكلّهم قد رآه، فيذبح بين الجنة والنار، ثمّ يقول: يا أهل الجنة خلود بلا موت! ويا أهل النار خلود بلا موت!» . ثم قرأ: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ..} . إلخ الآية. متفق عليه، وزاد الترمذي في الحديث نفسه:«فلو أنّ أحدا مات فرحا لمات أهل الجنة، ولو أنّ أحدا مات حزنا لمات أهل النار» . انتهى خازن. وقريب منه في القرطبي. وقال: هذه الأحاديث والآية الكريمة ترد على من قال: إن صفة الغضب تنقطع، وإن إبليس ومن تبعه من الكفرة يدخلون الجنة. انتهى. بتصرف. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [22] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.

ص: 595

{إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ} أي: فرغ الحساب، وأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وذبح الموت كما رأيت. {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} أي: الكافرون غافلون عما يراد بهم، ولا تنس: أن كثيرا من المسلمين أغفل، وأضل، وأجرم من الكافرين. {وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} أي: لا يصدقون بالبعث، والحساب، والجزاء، والجنة، والنار، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {وَأَنْذِرْهُمْ:} الواو: حرف استئناف. (أنذرهم): أمر وفاعله مستتر تقديره:

«أنت» ، والهاء مفعول به أول. {يَوْمَ:} مفعول به ثان. وقيل: هو ظرف متعلق بالفعل قبله، و {يَوْمَ:} مضاف، و {الْحَسْرَةِ:} مضاف إليه، {إِذْ:} ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالحسرة، وهو بدل من {يَوْمَ} على اعتباره مفعولا كما رأيت.

{قُضِيَ:} ماض مبني للمجهول. {الْأَمْرُ:} نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {إِذْ} إليها. {وَهُمْ:} الواو: واو الحال. هم: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {فِي غَفْلَةٍ:} متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المستتر في متعلق {فِي ضَلالٍ} أو في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والجملة الاسمية بعدها معطوفة عليها على الاعتبارين فيها، وفي السمين قوله:{وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ..} . إلخ جملتان حاليتان، وفيهما قولان: أحدهما: أنهما حالان من الضمير المستتر في قوله: {فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} أي: استقروا في ضلال مبين على هاتين الحالتين السيئتين، والثاني:

أنهما حالان من مفعول أنذرهم؛ أي: (أنذرهم) على هذه الحالة وما بعدها، وعلى الأول:

يكون قوله: {وَأَنْذِرْهُمْ} اعتراضا. انتهى جمل.

{إِنّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (40)}

الشرح: {إِنّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها} أي: أن نميت أهلها، وسكانها، فلا يبقى لأحد عليها وعليهم ملك غيرنا. وانظر الآية رقم [23] من سورة (الحجر){وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ} فنجازي كلا بعمله، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وفي قوله:{نَرِثُ الْأَرْضَ} استعارة. تأمل. وإعلال: {نَرِثُ} مثل إعلال {تَزِرُ} في الآية رقم [15] من سورة (الإسراء).

الإعراب: {إِنّا:} حرف مشبه بالفعل، و (نا): في محل نصب اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. {نَحْنُ:} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هو تأكيد ل: (نا) على المحل، وثانيها هو ضمير فصل لا محل له، وثالثها: هو مبتدأ. {نَرِثُ:} مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«نحن» .

{الْأَرْضَ:} مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) على الوجهين الأولين في الضمير، وفي محل رفع خبره على الوجه الثالث فيه، وعليه فالجملة الاسمية في محل رفع خبر إن، والجملة الاسمية:{إِنّا..} . إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. و (من): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على الأرض. {عَلَيْها:} متعلقان بمحذوف صلة الموصول. و (إلينا): متعلقان

ص: 596

بما بعدهما. {يُرْجَعُونَ:} مضارع مبني للمجهول مرفوع.. إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:{نَرِثُ..} . إلخ فهي في محل رفع مثلها. وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له قطعا؛ لأن الجملة المضارعية، الواقعة حالا لا تقترن بالواو.

{وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (41)}

الشرح: {وَاذْكُرْ:} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، {فِي الْكِتابِ} أي: في القرآن الكريم. {إِبْراهِيمَ:}

انظر نسبه، وأولاده، وقصته مع سارة، وهاجر في الآية رقم [35] من السورة المسماة باسمه.

وانظر عمره وما جرى له مع الملكين اللذين بشراه بإسحاق في الآية رقم [71] وما بعدها من سورة (هود) عليه السلام.

{صِدِّيقاً} أي: كثير الصدق، وهو مبالغة في كونه صديقا. وقيل: الصدّيق: كثير التصديق.

وقيل: من صدّق الله في وحدانيته، وصدّق أنبياءه ورسله فيما جاءوا به، وصدّق بالبعث بعد الموت، وقام بالأوامر، فعمل بها، وانتهى عن المناهي وابتعد عنها؛ فهو صدّيق، ولما قربت رتبة الصديق من رتبة النبي؛ انتقل من ذكر كونه صديقا إلى ذكر كونه نبيا، و (النبي) يقرأ بالهمز، وبدونه مأخوذ من النبأ، وهو الخبر. وقيل: بل هو مأخوذ من النّبوة، وهي الارتفاع؛ لأن رتبة النبي ارتفعت عن رتب سائر الخلق. هذا؛ والنبيّ: ذكر، حر من بني آدم، سليم عن منفر طبعا، أوحي إليه بشرع يعمل به، وإن لم يؤمر بتبليغه، وإن أمر بالتبليغ فهو رسول. هذا؛ ومعنى الآية:

اقرأ يا محمد على قومك، وعلى اليهود، والنصارى أيضا في القرآن أمر إبراهيم، وقصته مع أبيه، فقد عرفوا أنهم من ذريته؛ وأنه كان حنيفا مسلما، وما كان يتخذ من دون الله إلها؛ فهؤلاء لم يتخذون آلهة من دونه؟! وقد قال تعالى:{وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} أي:

استمهنها، وأذلها، واستخف بها.

الإعراب: {وَاذْكُرْ:} الواو: حرف عطف يعطف قصة إبراهيم مع أبيه على قصة مريم مع ابنها. (اذكر): أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» . {فِي الْكِتابِ:} متعلقان بالفعل قبلهما.

{إِبْراهِيمَ:} مفعول به. {إِنَّهُ:} حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. {كانَ:} ماض ناقص، واسمه يعود إلى {إِبْراهِيمَ}. {صِدِّيقاً:} خبر كان. {نَبِيًّا:} خبر ثان. وقيل: صفة، وليس بشيء، وجملة:{كانَ..} . إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية:{إِنَّهُ..} . إلخ تعليل للأمر، لا محل لها.

{إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (42)}

الشرح: {إِذْ قالَ لِأَبِيهِ:} انظر الكلام على أبيه آزر في الآية رقم [74] من سورة (الأنعام) تجد ما يسرك. {يا أَبَتِ:} انظر الكلام على هذا اللفظ في الآية رقم [4] من سورة (يوسف) عليه

ص: 597

السّلام، فإنّه طويل، وجيد. {لِمَ:} كلمة مؤلفة من حرف، واسم، فالحرف: اللام الجارة، والاسم:(ما) الاستفهامية، وقد حذفت ألفها، كما تحذف مع كل جار، نحو قوله تعالى:{فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها،} {فَبِمَ تُبَشِّرُونَ،} {عَمَّ يَتَساءَلُونَ} للفرق بين الموصولة، والاستفهامية. ويقال:

للفرق بين الخبر، والاستخبار. هذا؛ وقد وصف إبراهيم-عليه الصلاة والسلام-الأصنام التي كان أبوه يعبدها بثلاثة أشياء، كل واحد منها قادح في الإلهية، وصفها بعدم السمع، وبعدم البصر، وبعدم الإغناء؛ أي: النفع في شيء من الأشياء، والعبادة هي غاية التعظيم للمعبود، فلا يستحقها إلا من له ولاية الإنعام وله، أوصاف الكمال، وهو الله تعالى، لذا فلا يستحق العبادة إلا هو.

الإعراب: {إِذْ:} ظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون في محل نصب بدلا من إبراهيم، وما بينهما اعتراض. وقال الزمخشري: متعلق ب: {كانَ} وهذا على رأي: من يجيز التعليق بالأفعال الناقصة. وقيل: متعلق ب: {صِدِّيقاً نَبِيًّا} . {قالَ:} ماض، والفاعل يعود إلى {إِبْراهِيمَ}. {لِأَبِيهِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. (يا): أداة نداء تنوب مناب «أدعو» . (أبت):

منادى منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة، والمعوض عنها التاء كما رأيت في الشرح (لم) اللام: حرف جر، و {ما:} اسم استفهام مبني على السكون في محل جر باللام، وحذفت الألف الساكنة بسبب الجر، كما رأيت في الشرح، والجار والمجرور متعلقان بالفعل بعدهما. {تَعْبُدُ:} مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» . {ما:} اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. {لا:} نافية.

{يَسْمَعُ:} مضارع، والفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط، والمفعول محذوف، تقديره:

صوتا، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، وجملة:{وَلا يُبْصِرُ} مع المفعول المحذوف معطوفة عليها، وكذلك جملة:{وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً} معطوفة عليها أيضا، ويجوز أن يكون {شَيْئاً} مفعولا به، وأن يكون نائب مفعول مطلق. هذا؛ والكلام:{يا أَبَتِ..} . إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ في محل جر بإضافة {إِذْ} إليها. تأمل، وتدبر.

{يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (43)}

الشرح: {يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ} أي: من اليقين، والمعرفة بالله، وما يكون بعد الموت، وأنّ من عبد غير الله عذب. {فَاتَّبِعْنِي:} إلى ما أدعوك إليه. {أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا:} أرشدك، وأدلك إلى دين مستقيم فيه النجاة، هذا فلم يسم أباه بالجهل المفرط، ولا نفسه بالعلم الفائق، بل جعل نفسه كرفيق له في مسير يكون أعرف بالطريق منه، ثم ثبطه عما كان عليه

ص: 598

بأنه مع خلوه من النفع مستلزم للضر؛ لأنه في الحقيقة عبادة للشيطان من حيث إنه الآمر به، وهو ما يلي في الآية التالية.

الإعراب: {يا أَبَتِ:} انظر الآية السابقة. {إِنِّي:} حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها.

{قَدْ:} حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. {جاءَنِي:} ماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. {مِنَ الْعِلْمِ:} متعلقان بما قبلهما. {ما:} اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع فاعل (جاء). {الْعِلْمِ:} حرف نفي، وقلب، وجزم. {يَأْتِكَ:} مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى ما، وهو العائد، أو الرابط، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة {ما} أو صفتها، وجملة:{قَدْ جاءَنِي..} . إلخ في محل رفع خبر (إنّ). {فَاتَّبِعْنِي:} الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [4](اتبعني): التماس من أبيه، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» ، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكرت حاصلا وصحيحا؛ فاتبعني. {أَهْدِكَ:} مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، وعلامة جزمه حرف العلة

إلخ، والفاعل مستتر وجوبا تقديره:«أنا» ، والكاف مفعوله الأول. {صِراطاً:} مفعوله الثاني.

{سَوِيًّا:} صفة له. هذا؛ والآية كلها في محل نصب مقول القول.

{يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (44)}

الشرح: {يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ} أي: لا تطعه فيما يأمرك به من الكفر، ومن أطاع شيئا في معصية؛ فقد عبده وانظر الآية رقم [31] من سورة (التوبة) تجد ما يسرك. {إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا:} ومعلوم أن المطاوع للعاصي عاص، وكل عاص حقيق بأن يسترد منه النعم، وينتقم منه، ولا تنس: أن الرضا بالمعصية معصية، والسكوت عليها ممّن يستطيع تغييرها معصية أيضا.

الإعراب: {يا أَبَتِ:} انظر الآية السابقة. {لا تَعْبُدِ:} مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» . {الشَّيْطانَ:} مفعول به.

{الشَّيْطانَ:} حرف مشبه بالفعل. {الشَّيْطانَ:} اسمها. {كانَ:} ماض ناقص، واسمها يعود إلى {الشَّيْطانَ} تقديره:«هو» . {لِلرَّحْمنِ:} متعلقان بما بعدهما. {عَصِيًّا:} خبر {كانَ} وجملة:

{كانَ..} . إلخ في محل رفع خبر {الشَّيْطانَ} والجملة الاسمية تعليل للنهي. هذا؛ وينبغي أن تعلم:

أنه يجوز في {كانَ} هنا ما جاز فيها في الآية رقم [28] من أوجه، ما عدا الزيادة وينبغي أن تعلم أيضا: أن الآية بكاملها في محل نصب مقول القول أيضا؛ إذ هي من قول إبراهيم عليه السلام كالسابقة، واللاحقة.

ص: 599

{يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (45)}

الشرح: {يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ} أي: أعلم، كما في قوله تعالى:{إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ} من الآية رقم [229] من سورة (البقرة). وقيل: هو على ظاهره؛ لأنه يمكن أن يؤمن، فيكون من أهل الجنة، أو يصر على الكفر، فيكون من أهل النار، فحمل الخوف على ظاهره أولى. {أَنْ يَمَسَّكَ:} يصيبك، ويقع عليك. {عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ} أي: إن مت على ما أنت عليه من الكفر، {فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا} أي: قرينا من النار.

قال الخازن رحمه الله تعالى: واعلم: أن إبراهيم-على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام-قد رتب الكلام في غاية الحسن، مقرونا بالتلطف والرفق، فإن قوله في مقدمة كلامه:

{يا أَبَتِ} دليل على شدة الحب، والرغبة في صرفه عن العقاب، وإرشاده إلى الصواب؛ لأنه نبه أولا على ما يدل على المنع من عبادة الأصنام، ثم أمره باتباعه في الإيمان، ثم نبه على أنّ طاعة الشيطان غير جائزة في العقول، ثم ختم الكلام بالوعيد الزاجر عن الإقدام على ما لا ينبغي، بقوله:{إِنِّي أَخافُ..} . إلخ ثم قال: وإنما فعل إبراهيم هذا مع أبيه لأمور: أحدها:

لشدة تعلق قلبه بصلاح أبيه، وأداء حق الأبوة، والرفق به، وثانيها: أن النبي الهادي إلى الحق لا بد أن يكون رفيقا لطيفا حتى يقبل منه كلامه، وثالثها: النصح لكل أحد. فالأب أولى. انتهى.

كيف لا؟ وقد روى أبو هريرة-رضي الله عنه-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام: يا خليلي حسّن خلقك، ولو مع الكفّار تدخل مدخل الأبرار، وإنّ كلمتي سبقت لمن حسّن خلقه أن أظلّه تحت عرشي، وأن أسقيه من حظيره قدسي وأن أدنيه من جواري» . رواه الطبراني.

الإعراب: {يا أَبَتِ:} انظر الآية رقم [41]. {إِنِّي:} حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. {أَخافُ:} مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«أنا» ، والمصدر المؤول من:{أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ} في محل نصب مفعول به. {مِنَ الرَّحْمنِ:} متعلقان ب: {عَذابٌ} أو بمحذوف صفة له، وجملة:{أَخافُ..} . إلخ في محل رفع خبر (إنّ). {فَتَكُونَ:} مضارع ناقص معطوف بالفاء على {يَمَسَّكَ} فهو منصوب مثله، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنت» . {لِلشَّيْطانِ:}

متعلقان ب: {وَلِيًّا} بعدهما، أو بمحذوف حال منه على مثال ما رأيت في الآية رقم [4].

{وَلِيًّا:} خبر (تكون). تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، والآية بكاملها من مقول إبراهيم على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام.

{قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاُهْجُرْنِي مَلِيًّا (46)}

الشرح: {قالَ} أي: أبوه. {أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ} أي: تاركها، وتارك عبادتها.

هذا؛ وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-قابل استعطافه، ولطفه في الإرشاد بالفظاظة، وغلظة

ص: 600

العناد، فناداه باسمه، ولم يقابل {يا أَبَتِ} ب:«يا بني» وأخره، وقدم الخبر على المبتدأ، وصدّره بالهمزة لإنكار نفس الرغبة، على ضرب من التعجب، كأنها ممّا لا يرغب عنها عاقل، ثم هدده، فقال:{لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ} أي: عن مقالك فيها، أو عن الرغبة عنها، أو عن شتمك إياها.

{لَأَرْجُمَنَّكَ:} قال ابن عباس-رضي الله عنهما: معناه: لأضربنك، أو لأقتلنك بالحجارة، أو لأشتمنك، أو لأبعدنك عني بالقول القبيح، والأول: هو الصحيح. وانظر الآية رقم [116] من سورة (الشعراء). {وَاهْجُرْنِي:} اجتنبني. وقال ابن عباس-رضي الله عنهما: اعتزلني سالما، لا يصيبنك مني معرة. {مَلِيًّا:} دهرا طويلا، ومنه قول المهلهل:[الكامل]

فتصدّعت صمّ الجبال لموته

وبكت عليه المرملات مليّا

هذا؛ و (راغب) اسم فاعل من رغب، وهذا الفعل وما اشتق منه يتغير معناه بتغير الجار الذي يتعلق به، تقول: رغبت عن الشيء: إذا كرهته، ولم تحبه، ورغبت فيه: إذا أردته، وأحببته، ولذا كان قول القائل:[الطويل]

ويرغب أن يبني المعالي خالد

ويرغب أن يرضى صنيع الألائم

محتملا للمدح والذم بسبب تقدير الجار، كما يجوز تقدير «عن» ، أو «في» في قوله تعالى:

{وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} ومثل «رغب» وما اشتق منه: «ادّعى» يقال: ادّعى فلان في بني هاشم:

إذا انتسب إليهم، وادّعى عنهم: إذا عدل بنسبه عنهم، ومثله أيضا: عدل، ومال، وانحرف، وغير ذلك كثير، وهذا ممّا يدل على اتساع اللغة العربية.

الإعراب: {قالَ:} ماض، وفاعله يعود إلى أبي إبراهيم. {أَراغِبٌ:} الهمزة: حرف استفهام إنكاري، (راغب): مبتدأ، سوغ الابتداء به تقدم الاستفهام عليه. {أَنْتَ:} ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع فاعل ب: (راغب) وقد سد مسد خبره، وهذا أولى من اعتباره مبتدأ، و (راغب) خبر مقدم كما ذهب إليه الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي؛ لأنه لا تقديم فيه، ولا تأخير؛ إذ رتبة الفاعل التأخير عن رافعه، ولأنه لا فصل فيه بين العامل الذي هو {أَراغِبٌ} وبين معموله، وهو:{عَنْ آلِهَتِي} بأجنبي، وهو:{أَنْتَ} إذا كان مبتدأ؛ لأن الخبر ليس عاملا في المبتدأ. انتهى. جمل. ومثل الآية الكريمة قول وداك بن ثميل المازني، وهو الشاهد رقم [596] من كتابنا:«فتح القريب المجيب» : [البسيط]

أجاعل أنت بيقورا مسلّعة

ذريعة لك بين الله والمطر؟

{عَنْ آلِهَتِي:} متعلقان ب: (راغب) وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. (يا): أداة نداء تنوب مناب «أدعو» . (إبراهيم): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب: (يا). {لَئِنْ:}

اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. {لَمْ:} حرف جازم. {تَنْتَهِ:} مضارع

ص: 601

مجزوم ب: (لم)، وهو في محل جزم فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» ، ومتعلقه محذوف انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. {لَأَرْجُمَنَّكَ:}

اللام: واقعة في جواب القسم. (أرجمنك): مضارع مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره:«أنا» ، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة:«إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما» قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]

واحذف لدى اجتماع شرط وقسم

جواب ما أخّرت فهو ملتزم

{وَاهْجُرْنِي:} أمر، وفاعله: أنت، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. {مَلِيًّا:} ظرف زمان متعلق بما قبله، أو هو حال على تفسير ابن عباس من الفاعل المستتر، والجملة الفعلية معطوفة على جملة جواب القسم لا محل لها، وعطفها الزمخشري على جملة محذوفة، التقدير: فاحذرني، واهجرني، وهذا يعني: أن الفاء هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. هذا؛ والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها من الإعراب.

{قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (47)}

الشرح: {قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ} هذا سلام توديع، ومتاركة، ومفارقة، ومقابلة للسيئة بالحسنة؛ أي: لا أصيبك بمكروه، لا أقول لك بعد ذلك ما يؤذيك. وقال النقاش: حليم خاطب سفيها، كما قال تعالى:{وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً} وعلى هذا لا يبدأ الكافر بالسلام، وجوز بعضهم تحية الكافر، وأن يبدأ بها، فقال النخعي: إذا كانت لك حاجة عند يهودي، أو نصراني فأبدأه بالسلام، فظهر بذلك أن قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو هريرة-رضي الله عنه:«لا تبدءوا اليهود والنّصارى بالسّلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق؛ فاضطروهم إلى أضيقه» . رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي؛ إذا كان لغير سبب يدعوكم إلى أن تبدءوهم بالسلام، من قضاء ذمام، أو حاجة تعرض لكم قبلهم، أو حق صحبة، أو جوار، أو سفر

إلخ.

قال الطبري: وقد روي عن السلف: أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب، وفعل ذلك ابن مسعود بدهقان صحبه في طريقه. قال علقمة، فقلت له: يا أبا عبد الرحمن أليس يكره أن يبدءوا بالسلام. قال: نعم، ولكن حق الصحبة. وسئل الأوزاعي عن مسلم مرّ بكافر، فسلم عليه، فقال:

إن سلمت فقد سلم الصّالحون قبلك، وإن تركت فقد ترك الصالحون قبلك. انتهى قرطبي بتصرف.

هذا؛ وإذا ورد على إنسان كتاب بالتحية، أو نحوها، ينبغي أن يرد الجواب؛ لأن الكتاب من الغائب كالسلام من الحاضر، وروي عن ابن عباس-رضي الله عنهما-أنه كان يرى رد الكتاب واجبا، كما يرى رد السّلام، والله أعلم.

ص: 602

أقول: لم يتعرض للكلام في الرد عليهم أحد، وأذكر ما رواه أنس-رضي الله عنه-قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سلّم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم» . رواه الستة إلا النسائي، وهذا يعني أن لا يرد عليهم السلام كاملا، ولكن في هذا العصر كثر الاختلاط بهم، وتغيرت الأوضاع كما هو معروف ومعلوم، فإذا كان قد أجاز بعض العلماء بدأهم بالسلام كما رأيت، فرد السّلام عليهم كاملا، جائز بالأحرى، ولا سيما في هذا العصر الذي ضعفت فيه الروحانية الإسلامية عند كثير من المسلمين، وكذلك ما أصاب المسلمين من ضعف وهوان في هذه الأيام، وإن أراد المسلم التبرئة من التبعة؛ فلينو بالسلام عليهم والرد عليهم الملائكة الذين يكتبون أعمالهم وتصرفهم في جميع أحوالهم، وكذلك ينوي المسلمين من الجن الذين يكونون قريبا منهم. أقول هذا؛ والله ولي التوفيق، وأضيف: أنه لا يرد عليهم بالرحمة وبالبركة، بل يكتفي بقوله: وعليكم السّلام.

{سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي:} ما أحراك أن تنظر الكلام على هذا الاستغفار في الآية رقم [114] من سورة (التوبة) ففيها الكفاية. {إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا:} الحفي: المبالغ في البر، والرفق، والألطاف. وقال الفراء: أي: عالما لطيفا إذا دعوته يجيبني. هذا؛ و (الحفيّ) أيضا: المستقصي في السؤال، ومنه قوله تعالى:{كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها} .

الإعراب: {قالَ:} ماض، وفاعله يعود إلى إبراهيم عليه السلام. {سَلامٌ:} مبتدأ، سوغ الابتداء به-وهو نكرة-لأن فيها معنى الدعاء، وفيها أيضا معنى التبري، والمتاركة، فلما أفادت فوائد جاز الابتداء بها. انتهى. مكي. {عَلَيْكَ:} متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. {سَأَسْتَغْفِرُ:}

السين: حرف استقبال، وتسويف. (أستغفر): مضارع وفاعله تقديره: «أنا» ، والسين والتاء للطلب؛ أي: سأطلب لك المغفرة من ربي. {لَكَ:} متعلقان بما قبلهما. {رَبِّي:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم.. إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {إِنَّهُ:} حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، {كانَ:} ماض ناقص، واسمه يعود إلى {رَبِّي}. {رَبِّي:} متعلقان بما بعدهما.

{حَفِيًّا:} خبر {كانَ} وجملة: {كانَ..} . إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجمل {سَلامٌ..} .

إلخ كلها في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48)}

الشرح: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ} أي: أفارقكم، وأفارق ما تعبدون من الأصنام، وذلك: أنه فارقهم، وهاجر إلى الأرض المقدسة. وانظر الاعتزال في الآية رقم [16] من سورة

ص: 603

(الكهف)، ولا تنس: ما فعل قبل الاعتزال من تكسير الأصنام، وما فعله قومه من محاولتهم تحريقه بالنار، وقد تكفلت سورة (الأنبياء) ببيان ذلك، أوضح البيان. {وَأَدْعُوا رَبِّي:} أعبده وأوحّده. {عَسى أَلاّ أَكُونَ..} . إلخ: أي: أرجو وآمل أن لا أشقى بدعاء ربي وعبادته، كما تشقون أنتم بعبادة الأصنام، ففيه التواضع لله تعالى، مع التعريض بشقاوتهم، وحرمانهم من رحمة ربهم.

هذا؛ وقد قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-وفي تصدير الكلام ب: {عَسى} التواضع، وهضم النفس، والتنبيه على أنّ الإجابة والإثابة تفضل غير واجب، وأنّ ملاك الأمر خاتمته، وهو غيب.

بعد هذا انظر (دعا) في الآية رقم [110] من سورة (الإسراء) وشرح {رَبُّكُمْ} في الآية رقم [8] منها. وانظر شرح لفظ الجلالة في الآية رقم [1] من سورة (الكهف)، وشرح (دون) في الآية رقم [14] منها. والله ولي التوفيق.

الإعراب: {وَأَعْتَزِلُكُمْ:} الواو: حرف عطف. (أعتزلكم): مضارع، والفاعل مستتر تقديره:

«أنا» ، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة. {وَما:}

الواو: حرف عطف. (ما): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب معطوفة على الكاف. وقيل: في محل نصب مفعول معه، وهو ضعيف. والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيئا تدعونه. {مِنْ دُونِ:} متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف المنصوب، و {دُونِ:} مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه. {وَأَدْعُوا} مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، والفاعل مستتر تقديره:«أنا» . {رَبِّي:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة

إلخ، والياء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. {عَسى:} ماض جامد دال على إنشاء الترجي مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر.

{أَلاّ:} (أن): حرف مصدري ونصب. (لا): نافية. {أَكُونَ:} مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره:«أنا» . {بِدُعاءِ:} متعلقان ب: {شَقِيًّا} بعدهما، و (دعاء) مضاف، و {رَبِّي:}

مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم.. إلخ والإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: بدعائي ربي

{شَقِيًّا:} خبر {أَكُونَ،} والمصدر المؤول من: {أَلاّ..} . إلخ في محل رفع فاعل ب: {عَسى،} وجملة: {عَسى..} . إلخ في محل نصب حال من فاعل (أدعو) والرابط: الضمير فقط، والتقدير: أدعو ربي راجيا عدم شقوتي بدعائه. وياء المتكلم في محل جر بالإضافة

إلخ.

{فَلَمَّا اِعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا (49)}

الشرح: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ:} فارقهم، وهاجر إلى الأرض المقدسة.

{وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ:} قيل: إنه لما قصد الشام؛ أتى حران، فتزوج سارة عليها السلام،

ص: 604

فولدت منه إسحاق، وولد منه يعقوب، ولعل تخصيصهما بالذكر؛ لأنهما شجرتا الأنبياء، أو لأن إسحاق أتاه على الكبر، أو؛ لأنه أراد أن يذكر إسماعيل بفضله على الانفراد. هذا؛ وقد ذكرت لك في الآية رقم [71] من سورة (هود) عليه السلام: أنه قد عاش إبراهيم، وسارة حتى رأيا يعقوب، فقرت عيناهما بالحفيد، كما قرتا بالوليد. {وَكُلاًّ} أي: من إسحاق، ويعقوب.

{جَعَلْنا نَبِيًّا:} والمعنى: حين اعتزل إبراهيم أهل الكفر، والفسوق، والعصيان رزقه الله أولادا أنبياء مؤمنين. وفي الآية دليل واضح على أنّ الولد الصالح هبة، ومنحة من الله للوالدين، فلم يقل سبحانه وتعالى: أعطينا، ورزقنا

إلخ، وإنما قال {وَهَبْنا} قال الشاعر الحكيم:[الكامل]

نعم الإله على العباد كثيرة

وأجلهنّ نجابة الأولاد

الإعراب: {فَلَمَّا:} الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [62] من سورة (الكهف).

{اِعْتَزَلَهُمْ:} ماض، والفاعل يعود إلى إبراهيم والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بالإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. {وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ} انظر إعرابه في الآية السابقة. {وَهَبْنا:} فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. {اللهِ:} متعلقان بما قبلهما.

{إِسْحاقَ:} مفعول به. {وَيَعْقُوبَ:} معطوف عليه. {وَكُلاًّ:} الواو: حرف عطف. {(كُلاًّ):}

مفعول به أول تقدم على عامله. {جَعَلْنا:} فعل، وفاعل. {نَبِيًّا:} مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لمّا) لا محل لها مثله، واعتبارها حالا من {إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ} جيد، ويكون الرابط: الواو، والضمير الواجب ذكره بعد (كلاّ)، أو هي حال من (نا) والرابط: الواو، والضمير أيضا، ويجب تقدير «قد» قبلها على الاعتبارين. تأمل، وتدبر.

{وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50)}

الشرح: {وَوَهَبْنا لَهُمْ} أي: لإبراهيم، ولذريته على نبينا وعليهم جميعا ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام. {مِنْ رَحْمَتِنا:} من فضلنا، وإنعامنا عليهم، ووهبنا لهم النبوة، والأموال الوفيرة، والأولاد الكثيرة. {وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا} أي: ذكرا حسنا رفيعا في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة؛ حتى ادعاهم أهل الأديان كلهم، فهم يتولونهم، ويقدسونهم ويعظمونهم استجابة لدعوة إبراهيم حيث قال:{وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} والمراد: باللسان: الثناء الذي يكون عليهم به، ولسان العرب لغتهم، وإضافته إلى الصدق، ووصفه بالعلو للدلالة على أنهم أحقاء بما يثنون عليهم، وأن محامدهم لا تخفى على تباعد الأعصار، وتحول الدول، وتبدل الملل، ونحن المسلمين نقدسهم، ونجلهم، ونصلي عليهم في كل صلاة نصليها لله الواحد القهار؛ حيث نقول: اللهمّ صلّ على سيدنا محمد وعلى آل سيّدنا محمد كما صلّيت على سيدنا

ص: 605

إبراهيم، وعلى آل سيّدنا إبراهيم

إلخ. هذا؛ والذكر الحسن الجميل للإنسان بعد موته عمر ثان له، ورحم الله أمير الشعراء إذ يقول:[الكامل]

دقّات قلب المرء قائلة له:

إنّ الحياة دقائق وثوان

فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها

فالذّكر للإنسان عمر ثان

هذا؛ وانظر شرح (اللسان) في الآية رقم [4] من سورة (إبراهيم) تجد ما يسرك أما (نا) فقد قال ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه: (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) وقوله تعالى:

«جعلنا، وهبنا، نحن، إنا» لفظ يقع في جميع اللغات على من كان له شركاء وأمثال، وعلى الواحد المطاع العظيم، الذي له أعوان يطيعونه، وإن لم يكونوا له شركاء، ولا نظراء، والله تعالى خلق كل ما سواه، فيمتنع أن يكون له شريك، أو مثل، والملائكة، وسائر العالمين جنوده، فإذا كان الواحد من الملوك يقول: فعلنا، وإنا، ونحن

إلخ، ولا يريدون أنهم ثلاثة ملوك، فمالك الملك رب العالمين، ورب كل شيء ومليكه هو أحق أن يقول: فعلنا، وإنا، ونحن

إلخ، مع أنه ليس له شريك، ولا مثل، بل له جنود السموات والأرض. انتهى.

أقول: و (نا) هذه تسمى نون العظمة، وليست دالة على الجماعة، كما يزعم الملحدون والكافرون، فالله لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكثيرا ما يتكلم بها العبد، فيقول: أخذنا، وأعطينا

إلخ، وليس معه أحد، والغاية من هذا الكلام الرد على النصارى الذين يدخلون الشبهة على السذج من المسلمين بأن الإله ثلاثة أقانيم: الأب، والابن، وروح القدس، ويدعمون شبهتهم هذه بالألفاظ الموجودة في القرآن والتي ظاهرها يفيد الجمع. تأمل.

الإعراب: {وَوَهَبْنا:} فعل، وفاعل، والمفعول محذوف، انظر تقديره في الشرح. {لَهُمْ:}

متعلقان بالفعل قبلهما. {مِنْ رَحْمَتِنا:} متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، وهو أولى من قول الجمل: المال والولد تفسير للرحمة ومن للتبعيض، وقوله: يعني أن الجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. و (نا): في محل جر بالإضافة، وجملة:{وَوَهَبْنا..} . إلخ معطوفة على جملة: {وَوَهَبْنا..} . إلخ في الآية السابقة لا محل لها مثلها، وجملة:{وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ} معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. {عَلِيًّا:} صفة {لِسانَ} . واعتباره مفعولا ثانيا، أو حالا من {لِسانَ صِدْقٍ} لا بأس به.

{وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (51)}

الشرح: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى} أي: اذكر في القرآن الكريم قصة موسى عليه الصلاة والسلام من حين نشأته، وولادته إلى وفاته، وهي مذكورة ومفصلة في القرآن، وعلى الأخص في سورة (الأعراف)، وسورة (طه)، وسورة (القصص). {إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً} بفتح اللام؛ أي:

ص: 606

مختارا، اختاره الله، واصطفاه لرسالته. ويقرأ بكسر اللام، على معنى: موحدا أخلص عبادته عن الشرك، والرياء، أو أسلم وجهه لله، وأخلص نفسه عما سواه. {وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا:} أرسله الله إلى أهل زمانه، فأخبرهم عن الله. وانظر شرحهما في الآية رقم [40].

الإعراب: {وَاذْكُرْ:} الواو: حرف عطف. (اذكر): أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» .

{فِي الْكِتابِ:} متعلقان بالفعل قبلهما. {مُوسى:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على مثلها في الآية رقم [41] وإعراب آخر الآية مثل إعراب:{إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا} في الآية المذكورة.

{وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (52)}

الشرح: {وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ} أي: من ناحية يمين موسى، وكانت الشجرة التي صدر منها الصوت في جانب الجبل عن يمين موسى حين أقبل راجعا من مدين إلى مصر، وإن الجبال لا يمين لها، ولا شمال كما هو معروف، وجبل الطور معروف بين مصر ومدين. {وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا} أي: مناجيا، وهذا التقريب تقريب تشريف، وتكريم، شبهه الله تعالى بمن قربه الملك لمناجاته. وقال ابن عباس-رضي الله عنهما: قربه وأدناه حتى سمع صرير الأقلام، وأصل {نَجِيًّا} نجيوا؛ لأنه من نجا ينجو، فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت الياء في الياء. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {وَنادَيْناهُ:} الواو: حرف استئناف. (ناديناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها. {مِنْ جانِبِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، و {جانِبِ:} مضاف، و {الطُّورِ:} مضاف إليه. {الْأَيْمَنِ:} صفة {جانِبِ؛} لأنه تبعه في الإعراب في قوله تعالى: {وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ} وقيل: إنه صفة للطور.

{وَقَرَّبْناهُ:} فعل، وفاعل، ومفعول به. وانظر إعراب (نذرت) في الآية رقم [25]. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. {نَجِيًّا:} حال من الضمير المنصوب. تأمل، وتدبر.

{وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (53)}

الشرح: {وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا..} . إلخ: أي: أنعمنا على موسى، وتكرمنا عليه؛ حيث منحنا أخاه هارون النبوة والرسالة، إجابة لدعوته، وذلك في قوله:{وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (29) هارُونَ أَخِي..} . إلخ وكان هارون أسن من موسى، ولم يذهب معه إلى مدين، ولم يكن معه حين ناداه الله من الشجرة في الوادي المقدس طوى. فمعنى هبته له: جعله عضدا، وناصرا، ومعينا على أعباء الرسالة.

ص: 607

الإعراب: {وَوَهَبْنا:} فعل، وفاعل. {لَهُ:} متعلقان بالفعل قبلهما. {مِنْ رَحْمَتِنا:} عبارة السمين: في {مِنْ} هذه وجهان: أحدهما: أنها تعليلية؛ أي: من أجل رحمتنا. والثاني: أنها تبعيضية، وهو يعني على الاعتبارين: أن الجار والمجرور متعلقان بالفعل (وهبنا). وأقول:

لا معنى للتعليل، ولا للتبعيض هنا، وإنما معنى {مِنْ} الابتداء، وعليه فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من {هارُونَ} التقدير: حالة كونه من رحمتنا، على مثال ما رأيت في الآية رقم [50] {أَخاهُ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. {هارُونَ:} بدل من {أَخاهُ،} أو عطف بيان عليه، وأجيز اعتباره مفعولا به لفعل محذوف، تقديره: أعني. {نَبِيًّا:} حال من: {هارُونَ،} وجملة:

{وَوَهَبْنا..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.

{وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (54)}

الشرح: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ} أي: اقرأ في القرآن على قومك قصة إسماعيل عليه الصلاة، والسّلام وما اتصف به من صفات جليلة، فإنه أبوهم الأول، وإنهم يفخرون بالانتساب إليه. {إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ:} خصه الله تعالى بذكر صدق الوعد، وإن كان موجودا في غيره من الأنبياء من غير شك، تشريفا له، وإكراما، كالتلقيب بنحو: الحليم، والأواه والصدّيق، ولأنه المشهور المتواتر من خصاله الجليلة.

واختلف في ذلك، فقيل: إنه وعد من نفسه بالصبر على الذبح، فصبر حتى فدي، كما ستجده في سورة (الصافات) إن شاء الله تعالى. وقيل: وعد رجلا أن يلقاه في موضع، فنسي ذلك الرجل الوعد، فانتظره إسماعيل في ذلك الموضع اثنين وعشرين يوما، وقد فعل نبينا صلى الله عليه وسلم مثل ذلك قبل أن يبعث فعن عبد الله بن أبي الحمساء-رضي الله عنه-قال: بايعت النّبيّ صلى الله عليه وسلم ببيع قبل أن يبعث، وبقيت له بقيّة، فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاثة أيام، فجئت فإذا هو مكانه، فقال:«يا فتى لقد شققت عليّ، أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك» . خرجه الترمذي وغيره. {وَكانَ رَسُولاً:} إلى قبيلة جرهم الذين نزلوا عليه وعلى أمه هاجر في مكة، وزوجوه منهم كما رأيت في الآية رقم [35] من سورة (إبراهيم) وشريعته هي شريعة أبيه إبراهيم.

هذا؛ والوفاء بالوعد حلية الأنبياء، وشعار ذوي التقى والفضل من الأصفياء، ورمز الثقة من ذوي الرأي والحكمة من العقلاء، وقد أكد الرسول المعظم صلى الله عليه وسلم أمر العهد، وشدد في طلب الوفاء بالوعد، وبين: أن من أخلف الوعد، ونكث العهد، فقد خان الله ورسوله، وباع آخرته بدنياه، وخرج من دينه، ودخل في النفاق، فعن أنس بن مالك-رضي الله عنه-قال: ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» . رواه أحمد

ص: 608

والطبراني. وعن أبي هريرة-رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «آية المنافق ثلاث؛ إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» . رواه البخاري، ومسلم، وزاد مسلم في رواية له:«وإن صلّى وصام، وزعم أنّه مسلم» . وزاد أبو يعلى من رواية أنس: «وإن صام وصلّى، وحجّ واعتمر، وقال: إني مسلم» . وقال الشاعر: [الطويل]

فإن تجمع الآفات فالبخل شرّها

وشرّ من البخل المواعيد والمطل

ولا خير في وعد إذا كان كاذبا

ولا خير في قول إذا لم يكن فعل

ومن أحسن ما قيل في تشبيه من يخلف الوعد بمسيلمة الكذاب قول بعضهم: [الكامل]

ووعدتني وعدا حسبتك صادقا

فبقيت من طمعي أجيء وأذهب

فإذا جلست أنا وأنت بمجلس

قالوا مسيلمة، وهذا أشعب

وانظر الآية [31] من سورة (الرعد)، إن أردت الزيادة.

الإعراب: {وَاذْكُرْ:} أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» . {فِي الْكِتابِ:} متعلقان بالفعل قبلهما. {إِسْماعِيلَ:} مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على مثلها في الآية رقم [51] لا محل لها مثلها، وإعراب باقي الآية انظر مثله في الآية المذكورة. هذا؛ و {صادِقَ:} مضاف، و {الْوَعْدِ:} مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعله؛ إذ التقدير: صادق وعده، وإنما اعتبرت صادق صفة مشبهة؛ لأنها صفة ثابتة، وليست متجددة، مثل طاهر القلب، ونحوه.

تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

{وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55)}

الشرح: {وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ:} قال البيضاوي رحمه الله تعالى: بدأ بالأهم، وهو أن يقبل الرجل على نفسه، ومن هو أقرب الناس إليه بالتكميل. قال الله تعالى:{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} وقال جل ذكره: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها} وقال جل شأنه: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً} وقيل: {أَهْلَهُ} أمّته، فإن الأنبياء، آباء أممهم، أقول: وهو الأولى. {وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} أي: قائما لله بطاعته. وقيل: رضيه لنبوته، ورسالته، وهذا نهاية في المدح؛ لأن المرضي هو الفائز في كل طاعة بأعلى الدرجات. وإعلال:{مَرْضِيًّا} مثل إعلال {مَقْضِيًّا:} في الآية رقم [21] هذا؛ والعندية عندية تشريف، وتكريم، لا عندية مكان.

الإعراب: {وَكانَ:} ماض ناقص، واسمه يعود إلى إسماعيل عليه السلام، {يَأْمُرُ:} مضارع، والفاعل يعود إليه أيضا. {أَهْلَهُ:} مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. {بِالصَّلاةِ:} متعلقان

ص: 609

بالفعل قبلهما. {وَالزَّكاةِ:} معطوف على ما قبله، وجملة:{يَأْمُرُ..} . إلخ في محل نصب خبر (كان) وجملة: {وَكانَ..} . إلخ معطوفة على مثلها في الآية السابقة، فهي في محل رفع مثلها.

{وَكانَ:} ماض ناقص، واسمه يعود إلى إسماعيل أيضا. {عِنْدَ:} ظرف مكان متعلق بمرضيا، و {عِنْدَ:} مضاف، و {رَبِّهِ:} مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {مَرْضِيًّا:} خبر كان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.

{وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (56) وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (57)}

الشرح: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ:} انظر الآية رقم [54]{إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا:} انظر الآية رقم [41]{وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا} أي: بشرف الرسالة، والزلفى عند الله. وقيل: الجنة. وقيل: إلى السماء السادسة. وقيل: إلى الرابعة، وإدريس عليه السلام أول من خط بالقلم، وأول من خاط الثياب، ولبس المخيط، وأول من نظر في علم النجوم، والحساب، وسيرها، وسمي إدريس لكثرة درسه لكتاب الله تعالى، وأنزل الله عليه ثلاثين صحيفة، وكان أول من أعطي الرسالة من ولد آدم بعد شيث، وقد جاء في الصحيحين في حديث الإسراء والمعراج: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به في السماء الرابعة.

هذا؛ وقال عبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-: وروى ابن جرير الطبري عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف. قال: سأل ابن عباس-رضي الله عنهما-كعبا، وأنا حاضر، فقال له: ما قول الله تعالى في إدريس: {وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا} .

فقال كعب: أما إدريس، فإن الله، أوحى إليه: إني أرفع لك كل يوم مثل جميع عمل بني آدم، فأحب أن يزداد عملك، فأتاه خليل له من الملائكة فقال له: إن الله، أوحى إليّ كذا، وكذا، فكلّم ملك الموت حتى أزداد عملا، فحمله بين جناحيه، ثم صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت منحدرا، فكلّم ملك الموت في الذي كلّمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ فقال: هو على ظهري، فقال ملك الموت: فالعجب، بعثت. وقيل لي:

اقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة، وهو في الأرض؟ فقبض روحه هناك، فذلك قوله عز وجل:{وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا} ورواه ابن حاتم عند تفسيرها. وعنده فقال لذلك الملك: سل لي ملك الموت كم بقي من عمري؟ فسأله وهو معه، كم بقي من عمره؟ فقال: لا أدري حتى أنظر، فنظر فقال: إنك لتسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين، فنظر الملك تحت جناحه إلى إدريس، فإذا هو قد قبض، وهو لا يشعر.

قال الحافظ ابن كثير: وهذا من الإسرائيليات، وفي بعضه نكارة. أقول: الأسلم تفويض علم ذلك، إلى الله تعالى. انتهى.

ص: 610

هذا؛ وقد ذكر القرطبي، والخازن روايات، وحكايات طويلة تنص في نهايتها: أن إدريس عليه السلام حيّ في الجنة. وقال الخازن. وقالوا: أربعة من الأنبياء أحياء: اثنان في الأرض، وهما الخضر وإلياس، واثنان في السماء: وهما: إدريس، وعيسى عليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام.

هذا؛ وقال عبد الوهاب النجار: اختلف الحكماء في مولده ونشأته، وعمن أخذ العلم، فقالت فرقة: ولد بمصر، وسموه هرمس الهرامسة. وقال هؤلاء: إن معلمه اسمه الغوثاذيمون، ومعناه: الجد السعيد. وقالوا: خرج هرمس من مصر وجاب الأرض كلها، ثم عاد إليها ورفعه الله إليه بها، وذلك بعد اثنتين وثمانين سنة من عمره. وقالت فرقة أخرى: ولد إدريس ببابل، وبها نشأ، وأنه أخذ في أول عمره بعلم شيث بن آدم، وهو جد جد أبيه؛ لأنه إدريس بن يارد، بن مهلائيل، بن قينان، بن أنوش بن شيث، ولما كبر إدريس؛ آتاه الله النبوة، فنهى المفسدين من بني آدم عن مخالفتهم شريعة آدم، وشيث، فأطاعه أقلهم، وخالفه جلهم، فنوى الرحلة عنهم، وأمر من أطاعه منهم بذلك، ثم خرج بهم إلى مصر، وأقام إدريس عليه السلام ومن معه بمصر، وأخذ يدعو الخلائق إلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وطاعة الله عز وجل، وقيل: إن اسمه الحقيقي أخنوخ.

ودعا إلى دين الله، والقول بالتوحيد، وعبادة الخالق، وتخليص النفوس من العذاب في الآخرة بالعمل الصالح في الدنيا، وحض على الزهد في الدنيا، والعمل بالعدل، وأمرهم بصلوات ذكرها لهم على صفات بينها، وأمرهم بصيام أيام معروفة من كل شهر، وأمرهم بزكاة الأموال معونة للضعفاء بها، وغلظ عليهم في الطهارة من الجنابة، والخنزير والكلب، وحرم المسكر بجميع أنواعه. انتهى. باختصار.

وأضيف ما ذكر الجمل نقلا من التحبير للسيوطي: أن إدريس عليه السلام هو جد نوح، ولد في حياة آدم قبل موته بمائة سنة، وبعث بعد موته بمائتي سنة، وعاش بعد نبوته مائة وخمسين سنة، فتكون جملة عمره أربعمائة سنة، وكان بينه وبين نوح ألف سنة. انتهى. أقول: هذا يخالف ما ذكر، وأقول: إن بعث رسول ومنحه الرسالة بعد ثلاثمائة سنة من عمره لم يقل به أحد، ولم ينقل: أن نبيّا تنبأ بعد مجاوزة الأربعين من عمره.

تنبيه: إعراب الآية الأولى واضح إن شاء الله تعالى، وقد مر معنا كثير مثلها. {وَرَفَعْناهُ:}

فعل، وفاعل، ومفعول به. {مَكاناً:} ظرف مكان متعلق بما قبله. {عَلِيًّا:} صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:{كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا} فهي في محل رفع مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من {إِدْرِيسَ} فلست مفندا، والرابط: الواو، والضمير و «قد» قبلها مقدرة.

ص: 611

{أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاِجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (58)}

الشرح: {أُولئِكَ الَّذِينَ..} . إلخ: الإشارة إلى المذكورين في السورة من زكريا إلى إدريس، عليهم الصلاة والسّلام. والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم. {مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ:} المراد به: إدريس وحده؛ لأنه أقرب الرسل إلى آدم؛ لأنه جد أبي نوح كما رأيت. {وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ:} المراد به إبراهيم وحده؛ لأنه من ولد سام بن نوح. {وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ:} المراد: إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب.

{وَإِسْرائِيلَ} أي: ومن ذرية إسرائيل، وهو يعقوب، والمراد: موسى، وهارون، وسليمان، وداود، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وغيرهم من أنبياء بني إسرائيل، صلوات وسلامه عليهم أجمعين. فرتب الله تعالى أحوال الأنبياء الذين ذكرهم على هذا الترتيب منبها بذلك على أنهم كما شرّفوا بالنبوة شرّفوا بالنسب.

{وَمِمَّنْ هَدَيْنا} أي: إلى الإسلام. {وَاجْتَبَيْنا} أي: اخترنا على الأنام. {إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا:} سقطوا على الأرض. {سُجَّداً:} ساجدين، فهو جمع: ساجد. {وَبُكِيًّا:} باكين جمع: باك. أخبر الله تعالى: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام، كانوا إذا سمعوا آيات الله المنزلة عليهم؛ سجدوا، وبكوا خضوعا، وخشوعا، وخوفا، وحذرا، وكذلك المسلمون ينبغي لهم أن يسجدوا، ويبكوا، ويخشعوا عند سماع آيات القرآن.

هذا؛ وهذه الآية من عزائم سجود القرآن فيسن للقارئ والمستمع أن يسجد عند تلاوتها، فيقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثا، ويقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجرا، وضع عني بها وزرا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود. وقيل: يستحب لمن قرأ آية سجدة فسجد أن يدعو بما يناسب تلك الآية، فإن قرأ آية (الإسراء)؛ قال: اللهم اجعلني من الباكين إليك، الخاشعين إليك. وإن قرأ آية (مريم)؛ قال: اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم، الساجدين لك، الباكين عند تلاوة آياتك، وإن قرأ آية {الم (1) تَنْزِيلُ} قال: اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك، المسبحين بحمدك، وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [50] من سورة (النحل).

تنبيه: لقد تبين لك من شرح الآية وتفسيرها الترتيب الزمني بالنسبة للرسل، ولكن هذا الترتيب لم يحصل بين الرسل عند تفصيل حال كل واحد منهم في هذه السورة، فيحيى، وزكريا، وعيسى وأمه هم من أحفاد أحفاد أحفاد إبراهيم عليه السلام، وإسماعيل يعد من أجداد موسى وهارون، وقد ذكر بعدهما، وإدريس هو من أجداد إبراهيم الأول، وقد ذكر آخرا كل ذلك يدل دلالة واضحة على أن الله لم يذكرهم على حسب ترتيبهم الزمني، كما أن ترتيبهم المذكور

ص: 612

لم يكن على حسب ترتيبهم في الفضل، والشرف، وإنما ترتيبهم في الذكر على حسب الحالة المشابهة بين السابق واللاحق، والغاية من ذلك: التبصر، والاعتبار، وهذه الظاهرة تبرز في سورة (الشعراء) أكثر ما تبرز، ويمكن القول: إن ذكر الرسل في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) عليه السلام، إنما هو على حسب ترتيبهم الزمني.

هذا؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرءوا، وابكوا، وإن لم تبكوا فتباكوا» . وبكيّ أصله:

بكويّ، فإعلاله مثل إعلال {بَغِيًّا} و {مَقْضِيًّا} في الآية رقم [20] و [21].

بعد هذا انظر شرح {إِسْرائِيلَ} في الآية رقم [2] من سورة (الإسراء)، وشرح (آدم) في الآية رقم [61] منها وشرح (البكاء) في الآية رقم [109] منها أيضا.

الإعراب: {أُولئِكَ:} اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. وقيل: صفة، أو هو في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة:{أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ} صلة الموصول، لا محل لها. {مِنَ النَّبِيِّينَ:} متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور ب: (على) و {مِنَ} بيان لما أبهم في الموصول، وعلامة الجر الياء

إلخ. {مِنْ ذُرِّيَّةِ:} بدل ممّا قبلهما بدل بعض من كل، و {ذُرِّيَّةِ:} مضاف، و {آدَمَ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. {وَمِمَّنْ:} معطوفان على ما قبلهما، وهناك مضاف محذوف؛ إذ التقدير: ومن ذرية من، و (من) اسم موصول مبني على السكون في محل جر ب:(من). {حَمَلْنا:} فعل، وفاعل. {مَعَ:} ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و {مَعَ} مضاف، و {نُوحٍ:} مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف.

{وَمِنْ ذُرِّيَّةِ:} معطوفان على ما قبلهما، و {ذُرِّيَّةِ:} مضاف، و {إِبْراهِيمَ:} مضاف إليه مجرور، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة.

{وَإِسْرائِيلَ:} معطوف على ما قبله مجرور مثله. {وَمِمَّنْ:} معطوفان على ما قبلهما.

{هَدَيْنا:} فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: ومن الذين هديناهم: وجملة: {وَاجْتَبَيْنا:} مع المفعول المحذوف معطوفة عليها، لا محل مثلها. وانظر إعراب:{نَذَرْتُ} في الآية رقم [26]{إِذا:} ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. {تُتْلى:} مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. {عَلَيْهِمْ:} متعلقان بالفعل قبلهما. {آياتُ:} نائب فاعل {تُتْلى} وهو مضاف، و {الرَّحْمنِ:} مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {إِذا} إليها على القول المشهور المرجوح. {خَرُّوا:} فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر الآية رقم [27] لإعراب {قالُوا}. {سُجَّداً:} حال من واو الجماعة.

ص: 613

{وَبُكِيًّا:} معطوف عليه وقيل: هو مصدر، وليس جمع باك، التقدير: خروا سجدا، وبكوا بكيا، وقرئ «(بكيا)» بكسر الباء مثل {عِتِيًّا} في الآية رقم [8]، وجملة:{خَرُّوا..} . إلخ جواب {إِذا} لا محل لها، و {إِذا} ومدخولها في محل رفع خبر {أُولئِكَ} على اعتبار الموصول بدلا

إلخ، ومستأنف على اعتبار الموصول خبر المبتدأ. تأمل، وتدبر.

{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاِتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59)}

الشرح: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ:} فجاء من بعد هؤلاء القوم الكرام، والنبيين العظام أولاد سوء. هذا؛ و {فَخَلَفَ} بسكون اللام يستعمل في الشر، والذم كما هنا، ويستعمل بفتح اللام في الخير والمدح، فيقال: خلف صدق وخلف سوء، واختلف في المراد هنا، فقيل: هم اليهود، والنصارى الذين حرفوا، وزيفوا شرائع الأنبياء، بل وقتلوا كثيرا منهم، وأهملوا عبادة الله من صلاة وغيرها. وقيل: هم في هذه الأمة، ولا ريب بأن كل من لم يسر على طريقة آبائه الصالحين، فهو خلف سوء.

هذا؛ والخلف: القرن، أو الجيل الذي يأتي بعد ما قبله. قال تعالى في الآية رقم [169] من سورة (الأعراف):{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ..} . إلخ وقال البيضاوي: {فَخَلَفَ} مصدر نعت به، ولذلك يقع على الواحد، وعلى الجمع. هذا؛ وخذ قول لبيد-رضي الله عنه:[الكامل]

ذهب الذين يعاش في أكنافهم

وبقيت في خلف كجلد الأجرب

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله» . وقد يتعاوضان فيستعمل مفتوح اللام في الشر، ويستعمل ساكن اللام في الخير. قال حسان بن ثابت-رضي الله عنه-مستعملا ساكن اللام في الخير يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم:[الطويل]

لنا القدم الأولى إليك وخلفنا

لأوّلنا في طاعة الله تابع

وقال آخر مستعملا مفتوح اللام في الشر: [الرجز]

إنّا وجدنا خلفا بئس الخلف

أغلق عنّا بابه ثمّ حلف

لا يدخل البوّاب إلاّ من عرف

عبدا إذا ما ناء بالحمل وقف

هذا؛ وقال اللحياني: الخلف-بفتحتين-: الولد الصالح. والخلف-بفتح فسكون-: الولد الرديء.

{أَضاعُوا الصَّلاةَ:} جحدوها، أو أهملوها، أو أخروها عن وقتها، أو صلّوها غير صحيحة بإهمال شيء من شروطها، وأركانها، وواجباتها، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم للرجل المسيء صلاته:

«ارجع فصل، فإنك لم تصل، ثلاث مرات» . أخرجه مسلم عن أبي هريرة-رضي الله عنه. قال

ص: 614

حذيفة-رضي الله عنه-لرجل يصلي، ولم يتم صلاته: منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال: منذ أربعين عاما. قال: ما صليت، ولو متّ وأنت تصلي هذه الصلاة؛ لمت على غير فطرة محمد صلى الله عليه وسلم. ثم قال:

إن الرجل ليخفف الصلاة، ويتم، ويحسن. وقال صلى الله عليه وسلم:«تلك الصلاة صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشّيطان؛ قام فنقرها أربعا، لا يذكر الله فيها إلاّ قليلا» . وباختصار:

فقد وردت أحاديث كثيرة تشدد النكير على الذي لا يحسن صلاته، أكتفي بما يلي:

فعن أنس بن مالك-رضي الله عنه. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلّى الصّلوات لوقتها، وأسبغ لها وضوءها، وأتمّ لها قيامها وخشوعها، وركوعها، وسجودها؛ خرجت، وهي بيضاء مسفرة، تقول: حفظك الله كما حفظتني! ومن صلاّها لغير وقتها، ولم يسبغ لها وضوءها، ولم يتمّ لها خشوعها، ولا ركوعها، ولا سجودها؛ خرجت، وهي سوداء مظلمة، تقول:

ضيّعك الله كما ضيّعتني، حتى إذا كانت حيث شاء الله لفّت كما يلفّ الثوب الخلق، ثمّ ضرب بها وجهه». رواه الطبراني في الأوسط. وانظر معنى الصلاة لغة وشرعا في الآية رقم [30].

{وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ:} كشرب الخمور والزنى وسلب الأموال، والتلذذ بالفواحش، والمنكرات والانهماك في المعاصي، والسيئات، وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: من بناء المشيّد، وركوب المنظور، ولبس المشهور. {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا:} قال ابن عباس-رضي الله عنهما الغي: واد في جهنم، وإن، أودية جهنم لتستعيذ من حره، أعده الله تعالى للزاني المصر عليه، ولشارب الخمر المدمن له، ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه، ولأهل العقوق، ولشاهد الزور.

وقال كعب: (غي): واد في جهنم أبعدها قعرا، وأشدها حرا، فيه بئر يسمى البهيم، كلما خبت جهنم فتح الله تعالى تلك البئر، فتسعر بها جهنم. هذا؛ و (الغي): الشر، والضلال، والخيبة.

هذا؛ وكل شر عند العرب غي، وكل خير رشاد. قال المرقش الأصغر:[الطويل]

فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره

ومن يغو لا يعدم على الغيّ لائما

هذا؛ وأصل {غَيًّا:} غويا، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء.

الإعراب: {فَخَلَفَ:} ماض. {مِنْ بَعْدِهِمْ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:(خلف)، كان صفة له

إلخ على نحو ما رأيت في الآية رقم [4] والهاء في محل جر بالإضافة. {فَخَلَفَ:} فاعل، والجملة الفعلية: {(فَخَلَفَ

)} إلخ مستأنفة، لا محل لها. {أَضاعُوا الصَّلاةَ:} ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة {فَخَلَفَ} وجملة:{وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ} معطوفة عليها، فهي في محل رفع صفة مثلها. {فَسَوْفَ:} الفاء: حرف استئناف. وقيل:

هي الفصيحة، التقدير: إن شئت أن تعلم عاقبتهم؛ فسوف. (سوف): حرف تسويف واستقبال.

{يَلْقَوْنَ:} مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون

إلخ، والواو فاعله. {غَيًّا:} مفعول به، وجملة:{فَسَوْفَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل جزم جواب الشرط المقدر ب:«إن» .

ص: 615

{إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (60)}

الشرح: {إِلاّ مَنْ تابَ} أي: من تضييع الصلوات، واتباع الشهوات. {وَآمَنَ} أي: بالله، ورسله، وملائكته، وكتبه

إلخ، وذلك بعد الجحود والإنكار، والكفر والضلال. {وَعَمِلَ صالِحاً} أي: الأعمال الصالحات على اختلاف أنواعها، وتفاوت مراتبها. {فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ} أي: تكريما لهم، وجزاء على إيمانهم، وأعمالهم الصالحة. {وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً} أي: بزيادة شيء من سيئاتهم، أو نقص شيء من حسناتهم. هذا؛ ولا تنس: أن التوبة وحدها بدون إيمان، وعمل صالح لا تجدي شيئا، وأن التوبة، والإيمان بدون عمل صالح لا يغنيان فتيلا. فإذا فالثلاثة مرتبطة ببعضها، وكل واحد من الثلاثة مقرون بالآخرين، ومشروط قبوله، ونفعه بوجودهما، وهذا ما يسمى في علم البلاغة: الاحتراس، وقد نبهتك عليه كثيرا، ومثله في الآية رقم [82] من سورة (طه) صلى الله عليه وسلم. وفي الآيتين دليل على أنّ الإيمان الصحيح، المقرون بالتوبة النصوح، والعمل الصالح يجبّ ما قبله. وانظر تبديل سيئات التائبين بحسنات في الآية رقم [70] من سورة (الفرقان).

الإعراب: {إِلاّ:} أداة استثناء. {مَنْ:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء المنقطع إن كان المراد في الآية السابقة الكفار، والمتصل، إن كان المراد المؤمنين من هذه الأمة. {تابَ:} ماض، وفاعله يعود إلى {مَنْ} وهو العائد، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، وجملة:{وَآمَنَ} مع المتعلق المحذوف معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. وأيضا:{وَعَمِلَ صالِحاً} معطوفة عليها، لا محل لها، وهذا الإعراب يجعل الجملة الاسمية الآتية، غير مرتبطة بما قبلها إعرابا مع أنها مرتبطة به معنى، لذا فالوجه اعتبار:

{مَنْ} مبتدأ، والفاء زائدة في خبره لتحسين اللفظ؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم.

{فَأُولئِكَ:} مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. {يَدْخُلُونَ:} مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت إلخ، والواو فاعله. {الْجَنَّةَ:} مفعول به. وانظر إعراب: {اُسْكُنُوا الْأَرْضَ:} في الآية رقم [104] سورة (الإسراء) والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:

{فَأُولئِكَ..} . إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الأول، ومضمون الجملة الاسمية:{إِلاّ مَنْ..} . إلخ مستثنى من مضمون الكلام السابق، والاستثناء متصل، أو منقطع حسبما رأيت، ومثل هذه الآية في الإعراب الآية رقم [160] من سورة (البقرة)، ولا تنس: أنه روعي لفظ {مَنْ} في إرجاع الفاعل إليها، وروعي معناها في لفظ الإشارة، ورجوع الفاعل بعد الإشارة إليها. {وَلا:}

الواو: حرف عطف. (لا): نافية. {يُظْلَمُونَ:} مضارع مبني للمجهول مرفوع

إلخ، والواو نائب فاعله. {شَيْئاً:} مفعول به ثان، أو هو نائب مفعول مطلق، وجملة:{وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً} معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. وقيل: معترضة بين البدل، والمبدل منه.

ص: 616

{جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61)}

الشرح: {جَنّاتِ:} جمع: جنة، وهي في الأصل: البستان الكثير الأشجار، وسميت الجنة بذلك؛ لأنها تجن؛ أي: تستر من يدخل فيها لكثرة أشجارها، وكثافتها. وانظر أسماء الجنات في الآية رقم [25] من سورة (يونس) عليه السلام، ومعنى {عَدْنٍ:} إقامة وخلود يقال: عدن بالمكان:

إذا أقام به، ومنه: المعدن أي: الموجود في باطن الأرض. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عدن دار الله، التي لم ترها عين قطّ، ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها إلاّ ثلاثة: النّبيّون والصّدّيقون والشهداء، يقول الله: طوبى لمن دخلك» . رواه الطبراني عن أبي الدرداء-رضي الله عنه.

{الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ:} المؤمنين المطيعين. والإضافة للتشريف، والتكريم. {بِالْغَيْبِ:}

وعدها إياهم، وهي غائبة عنهم غير حاضرة، فصدّقوا بها، وعملوا الصالحات في الدنيا، وجدّوا، واجتهدوا في العمل للحصول عليها.

وانظر شرح (الغيب) في الآية رقم [26] من سورة (الكهف). {إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا} أي:

لا خلف فيه، ومن أوفى بعهده من الله. وانظر الوعد في الآية رقم [31] من سورة (الرعد).

هذا؛ وانظر ما ذكرته في كان في الآية رقم [3] من سورة (الإسراء)، و {مَأْتِيًّا:} اسم مفعول أصله مأتويا، انظر إعلال مثله في الآية رقم [20] وقيل: هو مفعول بمعنى: فاعل، وهو الأصح.

الإعراب: {جَنّاتِ:} بدل من {الْجَنَّةَ} بدل الاشتمال، أو مفعول به لفعل محذوف، تقديره أعني، فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، ويقرأ برفعه على اعتباره خبر مبتدأ محذوف، و {جَنّاتِ:} مضاف، و {عَدْنٍ:} مضاف إليه. {الَّتِي:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب، أو في محل رفع صفة {جَنّاتِ} وساغ ذلك لأن {عَدْنٍ} علم، فتعرف به المضاف، {وَعَدَ:} ماض، ومفعوله الأول، وهو العائد محذوف. {الرَّحْمنُ:} فاعله.

{عِبادَهُ:} مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة. {بِالْغَيْبِ:} متعلقان بمحذوف حال من {عِبادَهُ} وأجيز تعليقهما بالفعل {وَعَدَ} وجملة: {وَعَدَ..} . إلخ صلة الموصول، لا محل لها.

{إِنَّهُ:} حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وهذا الضمير يحتمل عوده على {الرَّحْمنُ} والثاني: أنه ضمير الأمر والشأن؛ لأنه مقام تعظيم وتفخيم، وعلى الأول: يجوز أن يكون في {كانَ} ضمير هو اسمها يعود على {الرَّحْمنُ} ووعده بدل من ذلك الضمير بدل اشتمال، ويجوز أن لا يكون فيها ضمير، بل اسمها {وَعْدُهُ} والهاء في محل جر بالإضافة، و {مَأْتِيًّا} خبرها على الاعتبارين، وجملة:{كانَ..} . إلخ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: {إِنَّهُ كانَ..} . إلخ تعليل، أو مستأنفة، لا محل لها، وهي مقوية لوعد الله تعالى، ومؤكدة له، والجملة الاسمية:

«هي جنات عدن» المقدرة على قراءة الرفع مستأنفة، لا محل لها.

ص: 617

{لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62)}

الشرح: {لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً} أي: في الجنة، واللغو: هو الباطل من الكلام، والذي لا ينتفع به، ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم الذي رواه عنه أبو هريرة-رضي الله عنه:«إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة، والإمام يخطب: أنصت فقد لغوت» . وقال ابن عباس-رضي الله عنهما: اللغو: كل ما لم يكن فيه ذكر الله تعالى. {إِلاّ سَلاماً} أي: ولكن يسمعون قولا يسلمون فيه من العيب، والنقيصة. أو إلا تسليم الملائكة عليهم، أو إلا تسليم بعضهم على بعض (على الاستثناء المنقطع) وما أحراك أن تنظر قوله تعالى:{تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ} في الآية رقم [10] من سورة (يونس) عليه السلام. وأيضا في الآية رقم [23] من سورة (إبراهيم) عليه السلام. وانظر الآية رقم [24] من سورة (الرعد). هذا؛ وقيل: إن {سَلاماً} مستثنى من صفة ذم منفية، فهو تأكيد المدح بما يشبه الذم على حد قوله تعالى:{وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} وقال النابغة الذبياني: [الطويل]

ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم

بهنّ فلول من قراع الكتائب

{وَلَهُمْ} أي: للذين تابوا، وآمنوا، وعملوا الصالحات. {رِزْقُهُمْ} أي: ما يشتهون من المطاعم، والمشارب. {بُكْرَةً وَعَشِيًّا:} قال أهل التفسير: ليس في الجنة ليل، ولا نهار حتى يعرف به البكرة، والعشي، بل هم في نور أبدا، ولكنهم يؤتون بأرزاقهم على مقدار طرفي النهار. كعادتهم في الدنيا. وقيل: إنّهم يعرفون وقت النهار برفع الحجب، وفتح الأبواب، ووقت الليل بإرخاء الحجب، وإغلاق الأبواب. ذكره أبو الفرج ابن الجوزي، والمهدوي، وغيرهما. هذا؛ والمراد: بذكر البكرة والعشي: دوام الرزق، ودروره، لا أنهم ممنوعون من الرزق في غير هذين الوقتين المقدرين في الجنة.

وخرج الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث أبان عن الحسن، وأبي قلابة قالا:

قال رجل: يا رسول الله! هل في الجنة من ليل؟ قال: وما هيّجك على هذا؟ قال: سمعت الله تعالى يذكر في الكتاب: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا} فقلت: الليل بين البكرة، والعشي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ليس هناك ليل، إنّما هو ضوء ونور، يردّ الغدوّ على الرّواح، والرواح على الغدوّ، وتأتيهم طرف الهدايا من الله تعالى لمواقيت الصّلاة، التي كانوا يصلون فيها في الدّنيا، وتسلّم عليهم الملائكة» . وهذا في غاية البيان لمعنى الآية. انتهى. قرطبي بتصرف. هذا؛ وانظر شرح «الغداة والعشي» في الآية رقم [28] من سورة (الكهف).

الإعراب: {لا:} نافية. {يَسْمَعُونَ:} مضارع مرفوع

إلخ، والواو فاعله. {فِيها:}

متعلقان بما قبلهما. {لَغْواً:} مفعول به. {إِلاّ:} أداة استثناء. {سَلاماً:} مستثنى ب: {إِلاّ} .

ص: 618

وانظر الشرح وقيل: بدل من {لَغْواً} وهو ضعيف، وجملة:{لا يَسْمَعُونَ..} . إلخ مستأنفة، أو هي في محل نصب حال من {عِبادَهُ} والمعنى يؤيده وقيل: حال من {جَنّاتِ عَدْنٍ} والمعنى لا يؤيده.

{وَلَهُمْ:} الواو: واو الحال. (لهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {رِزْقُهُمْ:} مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. {فِيها:} متعلقان بالمصدر، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه {بُكْرَةً:} ظرف زمان متعلق بالمصدر أيضا.

{وَعَشِيًّا:} معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية:{وَلَهُمْ..} . إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي حال متداخلة وهو أقوى من اعتبارها مستأنفة.

{تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (63)}

الشرح: {تِلْكَ الْجَنَّةُ} أي: الموصوفة بما ذكر. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكل مؤمن عاقل.

{الَّتِي نُورِثُ مِنْ..} . إلخ: ندخرها لهم، ونكرمهم بها جزاء لهم، ومكافأة على تقواهم، كما نورث الوارث مال مورثه، والميراث أقوى لفظ يستعمل في التمليك، والاستحقاق، من حيث إنه لا يعقب بفسخ، ولا استرجاع بإقالة، ونحوها، ولا يبطل بردّ، ولا إسقاط، فهو من باب التشبيه التمثيلي البليغ. وقيل: يرى المتقون من الجنة المساكن، والمنازل التي كانت لأهل النار لو آمنوا، وعملوا الصالحات، وذلك زيادة في كرامة المتقين. هذا؛ والإضافة إضافة تشريف.

وانظر (نا) في الآية رقم [49] وانظر (التقوى) في الآية رقم [2] من سورة (النحل).

الإعراب: {تِلْكَ:} اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {الْجَنَّةُ:} خبره. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {الَّتِي:} اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة {الْجَنَّةُ} . {نُورِثُ:} مضارع، والفاعل مستتر تقديره:

«نحن» ومفعوله الأول: محذوف، وهو عائد الموصول. {مِنْ عِبادِنا:} متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما ب:{تَقِيًّا} و (نا): في محل جر بالإضافة. {مِنْ:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان. {كانَ:} ماض ناقص، واسمه يعود إلى {مِنْ} وهو العائد. {تَقِيًّا:}

خبر {كانَ} والجملة الفعلية صلة (من) لا محل لها، وجملة:{نُورِثُ..} . إلخ صلة {الَّتِي} .

{وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64)}

الشرح: {وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ..} . إلخ: هذه الآية حكاية قول جبريل عليه الصلاة والسلام حين استبطأه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن قصة أصحاب الكهف، وذي القرنين، والروح، ولم يدر ما يجيب، ورجا أن يوحى إليه فيه، فأبطأ عليه خمسة عشر يوما. وقيل: أربعين؛ حتى قال

ص: 619

المشركون: ودّعه ربه، وقلاه، ثم نزل ببيان ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: أبطأت علي يا أخي حتى ساء ظني، واشتقت إليك! فقال جبريل عليه الصلاة والسلام:«إني كنت أشوق إليك، ولكني عبد مأمور؛ إذا بعثت؛ نزلت، وإذا حبست؛ احتبست» . وما أحراك أن تنظر الآية رقم [23] من سورة (الكهف).

{لَهُ} أي: لربك. {ما بَيْنَ أَيْدِينا} أي: علم ما بين أيدينا. {وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ:}

قال ابن عباس، وابن جريج: ما مضى أمامنا من أمر الدنيا، وما يكون بعدنا من أمرها وأمر الآخرة، وما بين ذلك من البرزخ. وقال قتادة، ومقاتل:{لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا} من أمر الآخرة، {وَما خَلْفَنا} أي: ما مضى من الدنيا، وما بين ذلك؛ أي: ما بين النفختين، وبينهما أربعون سنة.

وقال البيضاوي: أي: وهو ما نحن فيه من الأماكن، والأحايين، لا ننتقل من مكان إلى مكان، أو لا ننزل في زمان دون زمان إلا بأمر الله، ومشيئته. وانظر الآية [110] من سورة (طه).

{وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا:} تاركا لك؛ أي: ما كان عدم النزول إلا لعدم الأمر به، ولم يكن ذلك عن ترك الله لك، وتوديعه إياك، كما زعمت الكفرة وإنما كان لحكمة رآها فيه.

هذا؛ وقيل: إن الآية حكاية قول المتقين حين يدخلون الجنة، والمعنى: وما ننزل الجنة إلا بأمر الله، ولطفه، وهو مالك الأمور كلها السالفة، والمترقبة، والحاضرة، فما وجدناه وما نجده من لطفه، وفضله. {وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا:} تقرير من الله لقولهم؛ أي: وما كان ربك ناسيا لأعمال العاملين، وما وعدهم من الثواب عليها. انتهى. بيضاوي، وعلى هذا القول فالآية متصلة بما قبلها، ومرتبطة بها، وعلى ما تقدم تكون غير متصلة بما قبلها، وشأنها مع اللاحقة لها كشأنها مع السابقة من الارتباط بها، وعدمه. تأمّل، وتدبر.

بعد هذا انظر شرح {رَبُّكُمْ} في الآية رقم [8] من سورة (الإسراء)، وشرح:{بَيْنَ} في الآية رقم [45] منها أيضا وانظر شرح (النسيان) في الآية رقم [24] من سورة (الكهف)، هذا بالإضافة لما ذكرته في تفسير {أَيْدِينا} أقول: ف: (اليد) تستعمل في الأصل لليد الجارحة، وتطلق، ويراد بها القدرة، والقوة، كما في قوله تعالى:{يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} كما تطلق على النعمة والمعروف، يقال: لفلان يد عندي؛ أي: نعمة، ومعروف، وإحسان، وتطلق على الحيلة، والتدبير، فيقال: لا يدلي في هذا الأمر؛ أي: لا حيلة لي فيه، ولا تدبير.

الإعراب: {وَما:} الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. {نَتَنَزَّلُ:} مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«نحن» : {إِلاّ:} حرف حصر. {بِأَمْرِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، و (أمر): مضاف، و {رَبِّكَ} مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية:{وَما نَتَنَزَّلُ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {لَهُ:} متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {ما:} اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. {بَيْنَ:} ظرف مكان

ص: 620

متعلق بمحذوف صلة الموصول، و {بَيْنَ} مضاف، و {أَيْدِينا:} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، و (نا): في محل جر بالإضافة. {وَما خَلْفَنا:} معطوف على ما قبله، فهو مثله في الإعراب. وأيضا:{وَما بَيْنَ} معطوف عليه أيضا، و {بَيْنَ:} مضاف، و {ذلِكَ} اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجملة الاسمية:{لَهُ ما بَيْنَ..} . إلخ في محل نصب حال من {رَبِّكَ} والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة، لا محل لها. {وَما:} الواو: حرف استئناف. {ما:}

نافية. {كانَ:} ماض ناقص. {رَبِّكَ:} اسم كان

إلخ. {نَسِيًّا:} خبر {كانَ} والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.

{رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاِصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65)}

الشرح: {رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما} أي: ربهما، وخالقهما، وخالق ما بينهما، ومالكهما، ومالك ما بينهما، فكما إليه تدبير الأزمان؛ كذلك إليه تدبير الأعيان، ومن كان كذلك فيمتنع عليه النسيان قطعا، وفي ذلك دليل واضح على أنّ أفعال العبد مفعولة لله تعالى، كما يقوله أهل السنّة والجماعة، وهو القول الحق الذي لا ريب فيه، خلافا للمعتزلة الذين يقولون:

إن العبد يخلق أفعاله الاختيارية.

{فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ:} هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم مرتب عليه: أنه لمّا عرفت ربك كما ذكر، وعرفت: أنه لن ينساك؛ فأقبل على عبادته، واصطبر عليها، ولا تتشوش بإبطاء الوحي، ولا تكترث بهزء الكافرين. {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ} أي: لله. {سَمِيًّا} أي: مثلا، ونظيرا يستحق أن يسمى إلها، أو أحدا يسمى الله، أو الرحمن، فإن المشركين وإن سموا الصنم إلها، فلم يسموه الله، أو الرحمن، وذلك لظهور أحديّته، وتعالي ذاته عن المماثلة، بحيث لم يقبل اللبس والمكابرة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وانظر الآية رقم [1] من سورة (الكهف).

الإعراب: {رَبُّ:} بدل من {رَبِّكَ} أو هو خبر لمبتدإ محذوف، تقديره: هو رب، وذلك على القطع، والجملة الاسمية على هذا الاعتبار مستأنفة، لا محل لها، و (رب): مضاف، و {السَّماواتِ:} مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {وَالْأَرْضِ:}

معطوف على ما قبله. {وَما:} اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على لفظ {السَّماواتِ} . {بَيْنَهُما:} ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. {فَاعْبُدْهُ:} الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [5](اعبده): أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» ، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا فاعبده، والشرط المقدر ومدخوله

ص: 621

كلام مستأنف، لا محل له. {وَاصْطَبِرْ:} أمر، وفاعله: أنت، وأصل الفعل:«اصتبر» فثقل الجمع بين الصاد والتاء لاختلافهما، فأبدل من التاء طاء، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. هذا؛ وهناك من يجيز اعتبار:{رَبُّ} مبتدأ، وجملة:{فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ} في محل رفع خبره، وهذا على رأي: الأخفش الذي يجيز زيادة الفاء في الخبر، ولنا كلام طويل على مثل ذلك في الآية رقم [41] من سورة (المائدة)، والآية رقم [15] من سورة (النساء)، وسأعيده في الآية رقم [2] من سورة (النور) إن شاء الله تعالى. {لِعِبادَتِهِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، {هَلْ:} حرف استفهام، {تَعْلَمُ:} مضارع، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» . {لَهُ:}

متعلقان بما بعدهما. {سَمِيًّا:} مفعول به. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.

{وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66)}

الشرح: {وَيَقُولُ الْإِنْسانُ:} المراد به: جنس الإنسان بأسره، فإن المقول مقول فيما بينهم، وإن لم يقله كلهم، كقولك: بنو فلان قتلوا فلانا، والقاتل واحد منهم، والمراد: الكفار الذين ينكرون الحشر، والنشر، والحساب، والجزاء، أو المراد به أبيّ بن خلف الجمحي، وكان منكرا للبعث، وجد عظما باليا فتته بيده، وجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقال له: يا محمد أبعث أنا بعد أن أصير عظما باليا، كما صرحت به آية سورة (يس). {أَإِذا ما مِتُّ} أي: وصرت عظما باليا.

{لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا:} قاله استهزاء، واستنكارا، فكأنه قال: أحقا أنّا سنخرج من القبور حين يتمكن فينا الموت، والهلاك؟! هذا؛ وقرئ بدون همزة الاستفهام كما قرئ:«(أخرج)» بالبناء للمعلوم. وانظر شرح: {الْإِنْسانُ} في الآية رقم [11] من سورة (الإسراء).

الإعراب: {وَيَقُولُ:} الواو: حرف استئناف. {(يَقُولُ الْإِنْسانُ):} مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {أَإِذا:} الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (إذا): ظرف زمان متعلق بفعل محذوف يدل عليه {أُخْرَجُ} الآتي، ولا يتعلق به؛ لأن ما بعد لام التوكيد لا يعمل فيما قبلها. وقال الجلال: اللام زائدة، وعليه يصح التعليق بالفعل بعدها، هذا؛ واعتبرها ابن هشام واقعة في جواب قسم محذوف، وعلق (إذا) بالفعل {أُخْرَجُ}. وقال: وإنما جاز تقديم الظرف على لام القسم، لتوسعهم في الظرف، وأورد قول الأعشى، وهو الشاهد رقم [269] من كتابنا:«فتح القريب المجيب» : [الطويل]

رضيعي لبان ثدي أمّ تحالفا

بأسحم داج عوض لا نتفرّق

أي: لا نتفرق أبدا، و «لا» النافية لها الصدر في جواب القسم. انتهى. مغني. ثم قال:

وقيل: العامل محذوف؛ أي: أإذا ما مت أبعث لسوف أخرج. {ما:} صلة. {مِتُّ:} فعل، وفاعل، وهو في المعنى والحقيقة فعل ونائب فاعله؛ لأن الإنسان لا يموت بنفسه، والجملة

ص: 622

الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. {لَسَوْفَ:} اللام: هي لام الابتداء مفيدة للتوكيد.

(سوف): حرف استقبال صرفته اللام للحال. {أُخْرَجُ:} مضارع مبني للمجهول، أو للمعلوم حسب ما رأيت، والفاعل، أو ونائبه مستتر تقديره:«أنا» . {حَيًّا:} حال من الفاعل، أو من نائبه، والكلام كله في محل نصب مقول القول.

{أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (67)}

الشرح: {أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ} أي: الذي ينكر الحشر، والنشر، بمعنى: أولا يتنبه، ويعلم علم اليقين؟! ويقرأ:«(يذّكّر)» بتشديد الذال، والكاف بمعنى: يتفكر، ويتدبر. {أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ} أي: من قبل الحالة التي هو فيها. {وَلَمْ يَكُ شَيْئاً:} بل كان شيئا معدوما. والمعنى للآية:

أيقول ذلك الإنسان الكافر المنكر للإعادة بعد الموت، ولا يتذكر حال النشأة الأولى؛ حتى لا ينكر النشأة الأخرى؟ فإن تلك أدل على قدرة الخالق حيث أخرج الجواهر، والأعراض من العدم إلى الوجود، وأما الثانية فليس فيها إلا تأليف الأجزاء الموجودة وردها إلى ما كانت عليه مجموعة بعد التفريق. انتهى. نسفي بتصرف.

الإعراب: {أَوَلا:} الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. الواو: حرف عطف. (لا):

نافية. {يَذْكُرُ} معطوف على (يقول). وقيل: معطوف على محذوف بعد الهمزة، التقدير:

أيقول، ولا يذكر. {الْإِنْسانُ:} فاعله. {أَنّا:} حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. {خَلَقْناهُ:} ماض، وفاعله، ومفعوله، {مِنْ قَبْلُ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. {وَلَمْ:} الواو: واو الحال. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. {يَكُ:} مضارع ناقص مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة للتخفيف، واسمه يعود إلى الإنسان. {شَيْئاً:} خبر {يَكُ،} والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.

{فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68)}

الشرح: {فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ} أي: يحشر الله الكافرين مقرنين مع شياطينهم الذين أضلوهم، كل كافر يحشر مع شيطانه مقرونين في سلسلة واحدة، كقوله تعالى:{اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ} هذا؛ وإن كان الحشر للناس أجمعين مؤمنهم، وكافرهم، فإن المراد من الآية قرن الكافرين مع شياطينهم كما رأيت. هذا؛ وقال الجمل: فائدة القسم أمران: أحدهما أن العادة جارية بتأكيد الخبر في اليمين. والثاني: أن في إقسام الله تعالى باسمه مضافا إلى

ص: 623

رسول الله صلى الله عليه وسلم رفعا منه لشأنه، كما رفع من شأن السماء، والأرض في قوله:{فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ} . انتهى. نقلا من كرخي. هذا؛ والمراد: من إضافته إلى الرسول إضافته إلى الكاف المخاطب بها صلى الله عليه وسلم.

{ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا} أي: باركين على ركبهم لما يدهمهم من هول المطلع لشدة ما هم فيه، لا يقدرون على القيام. وقيل: جاثين على الركب لضيق المكان. وقيل: إن البارك على ركبتيه صورته كصورة الذليل، قال تعالى:{وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً} فقد وصفوا بالجثوّ على العادة المعهودة في مواقف المقالات، أو؛ لأنه من توابع التوافق للحساب قبل التواصل إلى الثواب، والعقاب.

وإنما لم يفرق بينهم في المحشر، وأحضروا جميعا حول جهنم، وأورد السعداء النار، كما، أوردها الكفار، ليشاهد السعداء الأهوال التي نجاهم الله، وخلصهم منها، فيزدادوا سرورا إلى سرورهم، ويشمتوا بأعداء الله وأعدائهم، وتزداد حسرة الكافرين، ويشتد غيظهم من سعادة المؤمنين، وشماتتهم بهم. هذا؛ ويقرأ {جِثِيًّا} بكسر الجيم وفتحها، وعلى ما تقدم من الشرح فهو جمع: جاث، وأصله: جثوو، أو جثوي، فالأول: بواوين قلبت الواو الثانية ياء، ثم الأولى كذلك، وأدغمت الياء في الياء، والثاني: قلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، وعلى الوجهين كسرت الثاء لتصح الياء. وقال ابن عباس-رضي الله عنهما:{جِثِيًّا} أي: جماعات. وقال مقاتل: جمعا جمعا، وهو على هذا التأويل جمع: جثوة بتثليث الجيم ثلاث لغات، وهي في الأصل الحجارة المجموعة، والتراب المجموع، فأهل الخمر على حدة، وأهل الزنى على حدة، وهكذا. قال طرفة بن العبد البكري في معلقته:[الطويل]

ترى جثوتين من تراب عليهما

صفائح صمّ من صفيح منضّد

الإعراب: {فَوَ رَبِّكَ:} الفاء: حرف استئناف. (وربك): متعلقان بفعل محذوف، تقديره أقسم، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.

{لَنَحْشُرَنَّهُمْ:} مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره:

«نحن» ، والهاء مفعول به، والميم علامة جمع الذكور، واللام واقعة في جواب القسم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له.

{وَالشَّياطِينَ:} معطوف على الضمير المنصوب، أو هو مفعول معه، والواو بمعنى: مع، ورجح هذا على الأول. {ثُمَّ:} حرف عطف. {لَنُحْضِرَنَّهُمْ:} هو مثل سابقه في إعرابه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {حَوْلَ:} ظرف مكان متعلق بما قبله، و {حَوْلَ:} مضاف، و {جَهَنَّمَ:} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. {جِثِيًّا:} حال من الضمير المنصوب. وقيل: هو مفعول مطلق، وليس بشيء.

ص: 624

{ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (69)}

الشرح: {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ:} لنخرجن {مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ} أي: من كل أمة، وأهل دين من الكفار.

{أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا:} قال ابن عباس-رضي الله عنهما: يعني: جرأة. وقيل: فجورا، وتمردا. وقيل: قائدهم ورئيسهم في الشرك، والمعنى: أنه يقدّم في إدخال النار الأعتى، فالأعتى، ممن هو أكبر جرما، وأشد كفرا. وفي بعض الأخبار: أنهم يحضرون حول جهنم مسلسلين ومغلولين، ثم يقدم إلى جهنم الأكفر فالأكفر، فمن كان منهم أشد تمردا في كفره خص بعذاب أعظم، وأشد؛ لأن عذاب الضال المضل يجب أن يكون فوق عذاب الضال التابع لغيره في الضلال.

وفائدة هذا التمييز التخصيص بشدة العذاب لا التخصيص بأصل العذاب، فلذلك قال في جميعهم ما يلي. انتهى. خازن. وانظر شرح:{عِتِيًّا} وإعلاله في الآية رقم [8]، وانظر شرح:{ثُمَّ} في الآية رقم [53] من سورة (النحل). وانظر شرح {شِيَعِ} في الآية رقم [10] من سورة (الحجر)، فإنه جيد.

الإعراب: {ثُمَّ:} حرف عطف. {لَنَنْزِعَنَّ:} إعراب هذا الفعل مثل إعراب:

{لَنَحْشُرَنَّهُمْ} في الآية السابقة، والجملة الفعلية هذه معطوفة على تلك لا محل لها مثلها. {مِنْ كُلِّ:} متعلقان بالفعل قبلهما، و {كُلِّ:} مضاف، و {شِيعَةٍ} مضاف إليه. {أَيُّهُمْ:} اسم موصول مبني على الضم في محل نصب مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. {أَشَدُّ:} خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو أشد، والجملة الاسمية هذه صلة الموصول، وهذا عند سيبويه؛ لأنه حقه أن يبني كسائر الموصولات لكنه أعرب حملا على كل و «بعض» للزوم الإضافة، فإذا حذف صدر صلته زاد نقصه، فعاد إلى حقه منصوب المحل بالفعل قبله؛ ولذلك قرئ بنصبه، وهو مرفوع عند غير سيبويه على الابتداء على أنه اسم استفهام، وخبره:{أَشَدُّ} والجملة الاسمية محكية، وتقدير الكلام: لننزعن من كل شيعة الذين يقال فيهم: أيهم أشد. وقيل: إن الفعل معلق عنها لتضمنه معنى التمييز اللازم للعلم. وقيل: الجملة الاسمية هذه مستأنفة، والفعل واقع على {كُلِّ شِيعَةٍ} على زيادة {مِنْ} في الإيجاب، أو على معنى: لننزعن بعض شيعة. انتهى. بيضاوي بتصرف. هذا؛ وقد قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]

أيّ كما وأعربت ما لم تضف

وصدر وصلها ضمير انحذف

قال ابن عقيل رحمه الله تعالى في شرحه: يعني أن أيّا مثل «ما» ، في أنها تكون بلفظ واحد للمذكر، والمؤنث مفردا كان، أو مثنى، أو مجموعا، نحو يعجبني أيهم هو قائم، ثم إن أيا لها أربعة أحوال: أحدها: أن تضاف ويذكر صدر صلتها، نحو يعجبني أيهم هو قائم، الثاني:

ألا تضاف، ولا يذكر صدر صلتها، نحو يعجبني أي: قائم، الثالث: أن لا تضاف، ويذكر صدر الصلة، نحو يعجبني أي: هو قائم، وفي هذه الأحوال الثلاثة تكون معربة بالحركات الثلاث.

ص: 625

الرابع: أن تضاف ويحذف صدر الصلة، نحو يعجبني أيهم قائم وفي هذه الحالة تبني على الضم أي: في جميع حالات الإعراب، ثم قال:(وبعضهم أعرب مطلقا) يعني أن بعض العرب أعرب أيا في جميع حالاتها؛ أي: وإن أضيفت، وحذف صدر صلتها. ثم قال ابن عقيل: وقرئ قوله تعالى: {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ} بالنصب. {عَلَى الرَّحْمنِ:} متعلقان ب: (أشدّ).

{عِتِيًّا:} تمييز. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

{ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (70)}

الشرح: يقول الله جل ذكره: نحن أعلم، وأعرف بالذين هم أحق بجهنم، ودخولها، والاحتراق بها. وانظر ما ذكرته في الآية السابقة من شرح. هذا؛ و {صِلِيًّا} يقرأ بضم الصاد، وكسرها قراءتان سبعيتان. هذا؛ وقال الجوهري: يقال: صليت الرجل نارا: إذا أدخلته النار، وجعلته يصلاها، فإن ألقيته فيها إلقاء كأنك تريد الإحراق، قلت: أصليته بالألف، وصلّيته تصلية. ويقال أيضا: صلي بالأمر: إذا قاسى حره، وشدته، واصطليت بالنار، وتصلّيت بها إذا استدفأت بها، وفلان لا يصطلى بناره: إذا كان شجاعا لا يطاق. هذا؛ وأصل {صِلِيًّا:}

صلويا، فإعلاله مثل إعلال {مَأْتِيًّا} {مَقْضِيًّا} في الآية رقم [61][20].

الإعراب: {ثُمَّ} حرف عطف. {لَنَحْنُ:} اللام: واقعة في جواب القسم. (نحن): ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. {أَعْلَمُ:} خبره، والجملة الاسمية معطوفة على جواب القسم في الآية رقم [68] لا محل لها مثله. {بِالَّذِينَ:} متعلقان ب: {أَعْلَمُ} . {هُمْ:}

ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {أَوْلى:} خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وفاعله وفاعل أعلم مستتر وجوبا تقديره:«هو» ، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. {بِها:} متعلقان ب: {أَوْلى} . {صِلِيًّا:} تمييز له. وقيل: حال، وليس بشيء.

{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (71)}

الشرح: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها:} هذا قسم، والواو يتضمنه، ويفسره حديث أبي هريرة رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، فتمسّه النّار إلاّ تحلّة القسم» . رواه الستة إلا أبا داود. هذا؛ واختلف الناس في الورود، فقيل:

الورود: الدخول. فعن جابر-رضي الله عنهما-قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الورود:

الدخول، لا يبقى برّ، ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم». وتلا الآية التالية: وهو قول ابن عباس، وغيره.

ص: 626

هذا؛ وقالت فرقة أخرى: المراد بهذا الورود: المرور على الصراط، واحتجوا بقوله تعالى:

{إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ} وفي حديث أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه-الطويل في الحشر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثمّ يضرب الجسر على ظهر جهنّم، وتحلّ الشفاعة، ويقولون: اللهمّ سلّم سلّم» . قيل: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال:«دحض مزلّة، فيه خطاطيف، وكلاليب وحسكة تكون بنجد فيها شويكة، يقال لها: السّعدان، فيمرّ المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالرّيح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والرّكاب، فناج مسلّم، ومخدوش مرسل، ومكدوش في نار جهنّم» . انظر الحديث بتمام في صحيح مسلم [182].

وقالت فرقة: بل هو ورود إشراف، واطّلاع، وقرب، وذلك: أنهم يحضرون موضع الحساب، وهو بقرب جهنم فيرونها، وينظرون إليها في حالة الحساب، ثم ينجي الله الذين اتقوا ممّا نظروا إليه، ويصار بهم إلى الجنة. قال تعالى:{وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ..} . إلخ أي: أشرف عليه لا أنه دخله. وانظر الآية [86] لشرح الورد وقال مجاهد: ورود المؤمنين النار هو الحمّى التي تصيب المؤمن في دار الدنيا، وهي حظه من النار، فلا يردها يوم القيامة. روى أبو هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد مريضا من وعك به، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:«أبشر فإنّ الله تبارك وتعالى يقول: هي ناري أسلّطها على عبدي المؤمن لتكون حظّه من النار» . وفي حديث آخر: «الحمّى حظّ المؤمن من النار» . وقيل: غير ذلك. انتهى. باختصار من القرطبي: وإنني أعتمد المرور على الصراط من كل هذه الأقوال، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. {كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا} أي: كان ورود جهنم قضاء لازما، قضاه الله عليكم، وأوجبه، وقد أكد هذا الوجوب بالقسم، وهو يفيد عدم الخلف في وعده، ولا يلزم منه الإلجاء إلى الإنجاز. وانظر الآية رقم [16] من سورة (الفرقان). وانظر إعلال {مَقْضِيًّا} في الآية رقم [21].

هذا؛ و (وارد) اسم فاعل من: ورد الماء يرده، وجمعه: واردون، وورّاد. قال الشاعر:[البسيط]

ردوا فو الله لا ذدناكمو أبدا

ما دام في مائنا ورد لورّاد

هذا؛ والمورد: المنهل من الماء، والمورود: الماء الذي يورد، والموضع الذي يورد عليه أيضا، وقد اعتبرت النار في هذه الآية موردا على سبيل الاستعارة التصريحية. وقيل: استعارة مكنية تهكمية للضد، وهو الماء، ولا تنس: أن الضمير عائد على النار، وهو قائم مقام التصريح بها.

الإعراب: {وَإِنْ:} الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: فو ربك، ونحوه. والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (إن): حرف نفي بمعنى:

«ما» . {مِنْكُمْ:} متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف يقع مبتدأ، التقدير: وما أحد كائن منكم. هذا؛ وفي الكلام التفات من الغيبة في الآية السابقة إلى الخطاب في هذه الآية. ومثل الآية في حذف الموصوف وإبقاء الصفة قول الشاعر: [الرجز]

ص: 627

لو قلت ما في قومها لم تيثم

يفضلها في حسب وميسم

فأصل الكلام: لو قلت ما في قومها أحد يفضلها، ومثل الآية قوله تعالى في سورة (النساء){مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ..} . إلخ، وأيضا قوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [164]:{وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ} .

{إِلاّ:} حرف حصر. {وارِدُها:} خبر المبتدأ المقدر، و (ها): في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية جواب القسم الذي رأيت تقديره، والقسم، وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. {كانَ:} ماض ناقص، واسمه يعود إلى الورود المفهوم من واردها. {عَلى رَبِّكَ:} متعلقان ب: {كانَ} أو ب: {مَقْضِيًّا} بعدهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {حَتْماً مَقْضِيًّا:} خبر ل {كانَ،} وجملة: {كانَ..} . إلخ مستأنفة لا محل لها. هذا؛ وابن هشام يعتبر الواو عاطفة، والجملة الاسمية:{وَإِنْ مِنْكُمْ..} . إلخ معطوفة على جملة: {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ..} . إلخ فإنها وما قبلها أجوبة لقوله تعالى: {فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ..} . إلخ، والأحاديث التي ذكرتها تؤيد ما ذكرته من إعراب، والله الموفق، وإليه المرجع، والمآب يوم الحساب.

{ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (72)}

الشرح: {ثُمَّ نُنَجِّي..} . إلخ: لقد رأيت في الآية السابقة على أنه قد استدل بهذه الآية على أنّ الورود: الدخول. هذا؛ ويقرأ: {ثُمَّ} بفتح الثاء على أنها ظرف مكان بمعنى: هناك، وبضمها على أنه حرف عطف. وانظر شرح ذلك في الآية رقم [53] من سورة (النحل). وانظر شرح (نذر) في الآية رقم [3] من سورة (الحجر). وانظر التعبير عن الكافرين بالظالمين، ونحوه في الآية رقم [13] من سورة (إبراهيم) عليه السلام، وشرح (التقوى) في الآية رقم [2] من سورة (النحل)، وشرح (جثيا) في الآية رقم [68].

تنبيه: قالت المعتزلة: في الآية دليل على صحة مذهبهم في أن صاحب الكبيرة، والفاسق يخلد في النار؛ بدليل: أن الله بين: أن الكل يردونها، ثم بين صفة من ينجو منها، وهم المتقون، والفاسق لا يكون متقيا فيبقى في النار أبدا. وأجيب عنه بأن المتقي هو الذي يتقي الشرك يقول: لا إله إلا الله، وقد وردت أحاديث شريفة تدل على إخراج المؤمن الموحد من النار، فعن أنس بن مالك-رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير. ويخرج من النار من قال: لا إله إلاّ الله، وفي قلبه وزن برّة من خير. ويخرج من النار من قال: لا إله إلاّ الله، وفي قلبه وزن ذرّة من خير» . وفي رواية «من إيمان» . أخرجه البخاري.

ص: 628

وعن جابر بن عبد الله-رضي الله عنهما-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يعذّب ناس من أهل التوحيد في النّار حتى يكونوا حمما، ثم تدركهم الرحمة، قال: فيخرجون، فيطرحون على أبواب الجنّة، قال: فيرشّ عليهم أهل الجنة من الماء، فينبتون كما تنبت الحبّة في حمالة السيل» . أخرجه الترمذي. فدلت الآية الأولى على أنّ الكل دخلوا النار، ودلت الآية الثانية، والأحاديث: أن الله تعالى أخرج منها المتقين، وجميع الموحدين، وترك فيها الظالمين، وهم المشركون. انتهى.

خازن بتصرف كبير. والمأخوذ من تلك الأحاديث الشريفة: أن مرتكب الذنوب والمعاصي يعاقب بقدر ذنبه، ثم ينجو. وقالت المرجئة: لا يدخل النار موحد مهما فعل من سيئات، وهذا قول يضرب به عرض الحائط، وحديث جابر المذكور أصدق دليل لأهل السنّة والجماعة.

الإعراب: {ثُمَّ:} حرف عطف على ضم الثاء، وظرف مكان مبني على الفتح على فتحها متعلق بالفعل بعده. {نُنَجِّي:} مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره:«نحن» . {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. {اِتَّقَوْا:}

ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة:

{نُنَجِّي..} . إلخ معطوفة على جملة {كانَ} أو هي مستأنفة على الوجه الثاني في {ثُمَّ،} لا محل لها على الاعتبارين. {وَنَذَرُ:} مضارع والفاعل تقديره: «نحن» . {الظّالِمِينَ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء. {فِيها:} متعلقان بالفعل نذر، أو هما متعلقان ب:{جِثِيًّا} . {جِثِيًّا:} حال من {الظّالِمِينَ،} أو هو مفعول به ثان ل: (نذر)، وجملة:{وَنَذَرُ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.

{وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (73)}

الشرح: {وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ} أي: على كفار قريش. {آياتُنا بَيِّناتٍ:} مرتلات الألفاظ، ملخصات المعاني، مبينات المقاصد. {قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي: مشركو قريش. وأظهر في مقام الإضمار زيادة في التشنيع عليهم. {لِلَّذِينَ آمَنُوا} أي: فقراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت فيهم قشافة، وفي عيشهم خشونة، وفي ثيابهم رثاثة، وكان المشركون في رغد من العيش، وسعة في الرزق. {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ} أي: المؤمنين، والكافرين. {خَيْرٌ مَقاماً} أي: أفضل، وأعلى منزلا، ومسكنا. وقيل: المقام: الموضع الذي يقام فيه بالأمور الجليلة، أي أيّ الفريقين أكثر جاها، وأنصارا؟ {وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} أي: مجلسا، والندي: مجلس القوم، ومتحدثهم، وكذلك الندوة، والنادي. ومنه: دار الندوة التي كان كفار قريش يتشاورون فيها في أمورهم.

ص: 629

تنبيه: إنما قال كفار قريش للمؤمنين هذه المقالة بعد أن عجزوا عن معارضة القرآن، وبعد أن تحداهم مرارا، فأخذوا يتعززون بالدنيا، وحطامها الفاني، ومتاعها الزائل، وغرضهم بذلك إدخال الشبهة على المستضعفين، وإيهامهم: أن من كثر ماله، وعلا جاهه هو المحق في دينه وعبادته، وكأنهم لم يروا في الكفار فقيرا، ولا في المؤمنين غنيا، ولم يعلموا: أن الله تعالى حفظ أولياءه من الاغترار بالدنيا، والركون إليها.

الإعراب: {وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا:} انظر الآية رقم [58] ففيها الكفاية. {بَيِّناتٍ:} حال من {آياتُنا} مؤكدة منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم.

{قالَ:} ماض. {الَّذِينَ:} فاعله، وجملة:{كَفَرُوا} مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. {لِلَّذِينَ:} متعلقان بالفعل {قالَ} والموصول مبني على الفتح في الأول في محل رفع، وفي الثاني في محل جر باللام، وجملة {آمَنُوا} مع المتعلق المحذوف صلة الموصول.

{أَيُّ:} اسم استفهام مبتدأ، و {أَيُّ:} مضاف، و {الْفَرِيقَيْنِ:} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنّى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. {خَيْرٌ:} خبر المبتدأ. {مَقاماً:} تمييز. {وَأَحْسَنُ:} معطوف على خير. {نَدِيًّا:} تمييز، والجملة الاسمية:

{أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ: جواب (إذا)، لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.

{وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً (74)}

الشرح: {وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ} أي: أهلكنا كثيرا قبل كفار قريش من الأمم والقرون السابقة؛ لأن (كم) كناية عن عدد مبهم، وهي بمعنى: كثير، {هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً} أي: أحسن متاعا، والأثاث متاع البيت. {وَرِءْياً:} منظرا حسنا، وفيه خمس قراءات. هذا؛ و (القرن) مفرد لفظا متعدد معنى، ولذا عاد الضمير عليه جمعا. وانظر الآية رقم [17] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك. هذا؛ ولا تنس: أن في الآية نقضا وردّا لما قاله كفار قريش في الآية السابقة من المفاخرة بزينة الحياة الدنيا، ومتاعها الزائل الفاني، وهذا الرد مقرون بالتهديد، والوعيد، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {وَكَمْ:} الواو: حرف استئناف. (كم): خبرية بمعنى: كثير مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. {أَهْلَكْنا:} فعل، وفاعل. {قَبْلَهُمْ:} ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. {مِنْ:} حرف جر صلة. {قَرْنٍ:} تمييز (كم) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.

{قَبْلَهُمْ:} ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {أَحْسَنُ:} خبره، والجملة

ص: 630

الاسمية صفة قرن باعتبار لفظه، أو محله، وقال الزمخشري وأبو البقاء: صفة (كم)، ورده ابن هشام في المغني، وجمع الضمير حملا على معنى {قَرْنٍ،} ، {أَثاثاً:} تمييز. {وَرِءْياً:} معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية:{وَكَمْ أَهْلَكْنا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً (75)}

الشرح: {قُلْ:} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. {مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ} أي: في الكفر، والطغيان.

{فَلْيَمْدُدْ..} . إلخ: هذا أمر، ومعناه الخبر؛ أي: من كان في الضلالة مد له الرحمن في هذه الدنيا، وفتح عليه من أبواب الرزق، والنعيم ما يريد، حتى يطول اغتراره بالدنيا، فيكون ذلك أشد لعقابه. نظيره قوله تعالى:{إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً} وقوله جل ذكره: {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي: فليعش ما شاء، وليوسع لنفسه في العمر، فمصيره إلى الموت، والعقاب، فإن هذا الإمداد استدراج، وليس بإكرام، وهذا في غاية التهديد، والوعيد. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [182 و 183] من سورة (الأعراف) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.

وأفيدك: أنه قد ذكر لفظ الرحمن في هذه السورة في ستة عشر موضعا. هذا؛ ومثل الآية الكريمة في وقوع الجملة الطلبية بمعنى: الخبر قول رجل من بني نهشل، وهو الشاهد رقم [1000] من كتابنا:«فتح القريب المجيب» : [الوافر]

وكوني بالمكارم ذكّريني

ودلّي دلّ ماجدة صناع

إذ المعنى: وكوني بالمكارم تذكرينني.

{حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ} أي: يمد الله لهم في هذه الدنيا، ويعطيهم ما يتمنون، ويستمرون في طغيانهم حتى يروا ما يحل بهم إما العذاب في الدنيا، وذلك بالقتل، والأسر، والخزي، وقد أنجز الله وعيده لهم يوم بدر بما حصل فيهم، كما هو معروف، وإما قيام الساعة، وما ينالهم فيها من الخزي والنكال. {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً} أي: إذا نزل بهم أحد الأمرين فعند ذلك يعلمون من هو شر مكانا، وأضعف جندا، أهم أم المؤمنون؟ حيث يعاينون الأمر على عكس ما قدروه، وعاد ما متعوا به خذلانا، ووبالا عليهم. وهذا الكلام في مقابلة قولهم:{أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} في الآية رقم [73] في يوم القيامة مكانهم جهنم، ومكان المؤمنين الجنة، وجندهم الشياطين، وجند المؤمنين الملائكة.

بعد هذا انظر شرح: {السّاعَةَ} في الآية رقم [85] من سورة (الحجر)، وإعلال {رَأَوْا} مثل إعلال:«ألقوا» في الآية رقم [87] من سورة (النحل)، والفعل (يعلمون) من المعرفة لا العلم،

ص: 631

انظر الآية رقم [74] منها. وانظر شرح {عَذاباً} في الآية رقم [10] من سورة (الإسراء) وشرح:

{شَرٌّ} في الآية رقم [44] من سورة (الكهف).

الإعراب: {قُلْ:} أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» . {مَنْ:} اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {كانَ:} فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه يعود إلى {مَنْ،} تقديره: «هو» . {فِي الضَّلالَةِ:} متعلقان بمحذوف خبر {كانَ} .

الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ليمدد): مضارع مجزوم بلام الأمر، وقد فك المضعف، ويجوز إبقاؤه من غير فك، ولكن الفك أفصح، وقد جاء به القرآن في غير هذه الآية أيضا.

{الضَّلالَةِ:} متعلقان بالفعل قبلهما. {الرَّحْمنُ:} فاعله. {مَدًّا:} مفعول مطلق. هذا؛ وقد اختلف في خبر المبتدأ الذي هو {مَنْ،} فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ ويجوز اعتبار {مَنْ} اسما موصولا، وجملة:{كانَ فِي الضَّلالَةِ} صلته، وجملة:{فَلْيَمْدُدْ..} . إلخ في محل رفع خبره، وزيدت الفاء في خبره لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:{قُلْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{حَتّى:} حرف ابتداء. {إِذا:} انظر الآية رقم [58]. {رَأَوْا:} ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، وقد جمع الضمير مراعاة لمعنى {مَنْ،} بعد مراعاة لفظها في الآية السابقة، {ما:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، {يُوعَدُونَ:} مضارع مبني للمجهول مرفوع

إلخ، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني: محذوف، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. {إِمَّا:} حرف شرط، وتفصيل. {الْعَذابَ:} بدل من الموصول. {إِمَّا:} الواو: حرف عطف. {(إِمَّا السّاعَةَ):} معطوفان على ما قبلهما.

{فَسَيَعْلَمُونَ:} الفاء: واقعة في جواب {إِذا} . السين: حرف استقبال وتسويف وتهديد، ووعيد كما رأيت. (يعلمون): مضارع مرفوع

إلخ، والواو فاعله، {مَنْ:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الاسمية:{هُوَ شَرٌّ} صلة الموصول.

هذا؛ وأجيز اعتبار (من) اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، والضمير مبتدأ ثان و {شَرٌّ} خبره، والجملة الاسمية:{هُوَ شَرٌّ} في محل رفع خبر {مَنْ} وعليه فالفعل: {فَسَيَعْلَمُونَ} معلق عن العمل بسبب الاستفهام، والجملة الاسمية:{مَنْ هُوَ..} . إلخ في محل نصب مفعول به، وهناك قول لأبي البقاء، وهو أن {مَنْ} مبتدأ وشر خبره، والضمير فصل لا محل له من الإعراب، ومحل الجملة الاسمية يبقى كما رأيته. {مَكاناً:} تمييز ل: {شَرٌّ} . {وَأَضْعَفُ:} معطوف على {شَرٌّ} . {جُنْداً:}

تمييز له، وجملة:{فَسَيَعْلَمُونَ..} . إلخ جواب {إِذا} لا محل لها من الإعراب، و {إِذا} ومدخولها

ص: 632

في محل نصب مقول القول. وقيل: مستأنف. والأول: أقوى معنى، وقد رأيت في الآية رقم [71] من سورة (الكهف) أن الأخفش يعتبر حتى في مثل ذلك جارة ل:{إِذا،} انظر الكلام هناك.

{وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اِهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76)}

الشرح: {وَيَزِيدُ اللهُ..} . إلخ: أي: ويثبت الله المؤمنين على الهدى، ويزيدهم في النصرة، وينزل من الآيات ما يكون سبب زيادة اليقين مجازاة لهم، هذا قول القرطبي، وغيره. وأرى أن المعنى من سلك طريق الهدى، والطاعة يزيده الله من فضله، وكرمه، وذلك بتقويته، وتنشيطه للطاعة، وشرح صدره للعبادة، وبالمقابل: من سلك طريق الشر، والضلال، والفسوق، والعصيان يزيده الله في ذلك، وذلك يكون به تخليه عنه، وطرده من رحمته، وتسليمه لشيطانه يتلاعب به تلاعب الصبيان بالكرة. اللهم تولني بعنايتك، ورعايتك، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، واحفظني في عقبي، وذريتي، إنك خير مسئول، وأكرم منعم، ومتفضل يا أرحم الراحمين! انظر الآية رقم [83] الآتية.

{وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ..} . إلخ: انظر شرح هذا الكلام في الآية رقم [46] من سورة (الكهف) ففيها بحث واف كاف ضاف، والمراد: هنا: العاقبة، والمرجع. وقيل: الفائدة، والنفع، وإنما كانت الباقيات الصالحات أعظم نفعا، وأجل فائدة؛ لأن ما متع به الكافرون من النعم الوفيرة، والجاه الرفيع في هذه الدنيا، إنما هو فان وزائل، ومآله الحسرة، والعذاب المقيم بخلاف ثواب الباقيات الصالحات، فإن ثوابها مدخر عند الله، ولا يطرأ عليه زوال، ولا نفاد في الآخرة، وأفعل التفضيل:{خَيْرٌ} إما لمجرد الزيادة، أو على طريقة قولهم: الصيف أحر من الشتاء؛ أي: أبلغ من حره منه في برده، أو أن اسم التفضيل ذكر على سبيل المشاكلة لكلامهم السابق في الآية رقم [73]. هذا؛ وانظر إعلال {هُدىً} في الآية رقم [13] من سورة (الكهف).

الإعراب: {وَيَزِيدُ:} الواو: حرف عطف. (يزيد): مضارع. {اللهُ:} فاعله. {الَّذِينَ:}

مفعوله الأول. وانظر الآية رقم [41] من سورة (الإسراء). {اِهْتَدَوْا:} مثل: {رَأَوْا} في الآية السابقة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. {هُدىً:} مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين والثابتة دليل عليها، وليست عينها، والجملة الفعلية:{وَيَزِيدُ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على الجملة الشرطية المحكية بالقول، التقدير: قل: من كان في الضلالة

إلخ، وقل: يزيد الله

إلخ. انتهى. من السمين، والبيضاوي. هذا؛ وانظر باقي الإعراب في الآية رقم [46] من سورة (الكهف)، ففيها الكفاية.

ص: 633

{أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً (77)}

الشرح: عن خباب بن الأرت-رضي الله عنه-قال: كنت رجلا قينا في الجاهلية، وكان لي على العاص بن وائل السهمي دين، فأتيته أتقاضاه-وفي رواية: فعملت للعاص بن وائل السهمي سيفا، فجئته أتقاضاه-فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا أكفر حتى يميتك الله، ثم تبعث. قال: وإني لميت، ثم مبعوث؟! قلت: بلى! قال: دعني حتى أموت، وأبعث، فسأوتى مالا وولدا، فأقضيك، فنزل:{أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا} . متفق عليه.

هذا؛ والقين: الحداد، أو الصائغ.

هذا؛ و {أَفَرَأَيْتَ} بمعنى: أخبرني، والاستفهام تعجيب؛ أي: تعجب يا محمد من قصة هذا الكافر ومن مقالته المذكورة. ولما كانت الرؤية أقوى سند الأخبار، استعمل (أرأيت) بمعنى:

الإخبار. هذا؛ وقرئ: {وَوَلَداً} بفتحتين، وبضم فسكون، واختلف فيهما، فقيل: هما لغتان بمعنى: واحد. وقيل: إنّ قيسا تجعل الولد بالضم جمعا، والولد بالفتح واحدا. وإنما قال ذلك الكافر هذا الكلام سخرية، واستهزاء، وقد مات على كفره لعدم تقدير السعادة له في الأزل.

وانظر شرح (المال) في الآية رقم [6] من سورة (الإسراء).

الإعراب: {أَفَرَأَيْتَ:} الهمزة: حرف استفهام، وتعجب. الفاء: حرف عطف، والمعنى:

أخبر بقصة هذا الكافر عقب قصة أولئك. (رأيت): فعل، وفاعل. {الَّذِي:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة:{كَفَرَ بِآياتِنا:} صلة الموصول، لا محل لها. {وَقالَ:} الواو: حرف عطف. (قال): ماض، والفاعل يعود إلى الذي. {لَأُوتَيَنَّ:}

مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل، والفعل مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر تقديره:«أنا» ، وهو المفعول الأول. {مالاً:} مفعول به ثان.

{وَوَلَداً:} معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لقسم مقدر، واللام واقعة في جواب ذلك القسم، والقسم المقدر وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة:

{وَقالَ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها. تأمل. هذا؛ وانظر إعراب الآية رقم [75] من سورة (الشعراء) فهي مثلها.

{أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (78)}

الشرح: {أَطَّلَعَ الْغَيْبَ..} . إلخ ألفه ألف الاستفهام لمجيء {أَمِ} بعدها، ومعناه التوبيخ، وأصله (أأطلع) فحذفت الألف الثانية؛ لأنها ألف وصل، فإن قيل: فهلا أتوا بمدة بعد الألف، فقالوا: آطلع كقوله تعالى: {آللهُ خَيْرٌ} وقوله تعالى: {آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ..} . إلخ قيل له: كان

ص: 634

الأصل في هذا (أالله)(أالذّكرين) فأبدلوا من الألف الثانية مدة، ليفرقوا بين الاستفهام، والخبر، وذلك: أنهم لو قالوا: الله خير بلا مد؛ لالتبس الاستفهام بالخبر، ولم يحتاجوا إلى هذه المدة في قوله تعالى:{أَطَّلَعَ} لأن ألف الاستفهام مفتوحة وألف الخبر مكسورة، وذلك أنك تقول في الاستفهام:(أطّلع؟ أفترى؟ أصطفى؟ أستغفرت؟) بفتح الألف، وتقول في الخبر:(اطّلع، افترى، اصطفى، استغفرت لهم) بالكسر، فجعلوا الفرق بالفتح، والكسر، ولم يحتاجوا إلى فرق آخر. انتهى. قرطبي. هذا؛ وأصل:«اطلع» اطتلع على وزن افتعل مثل: اجتمع، فقلبت التاء طاء، وأدغمت في مثلها.

{أَطَّلَعَ الْغَيْبَ:} المعنى: أقد بلغ من عظمة شأنه إلى أن ارتقى إلى عالم الغيب الذي توحّد به الواحد القهار؛ حتى ادعى أن يؤتى في الآخرة مالا، وولدا، وتألّى عليه؟! {أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً:} أو اتخذ من علام الغيوب عهدا بذلك؟! فإنه لا يتوصل إلى العلم به إلا بأحد هذين الطريقين. وقيل: العهد: كلمة الشهادة، والعمل الصالح، فإن وعد الله بالثواب عليهما كالعهد عليه. انتهى. بيضاوي.

الإعراب: {أَطَّلَعَ:} الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (اطلع): ماض، وفاعله يعود إلى {الَّذِي كَفَرَ}. {الْغَيْبَ:} مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان للفعل:(أرأيت). {أَمِ:} حرف عطف. {اِتَّخَذَ:} ماض، وفاعله يعود إلى {الَّذِي} أيضا.

{عِنْدَ:} ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من {عَهْداً} كان صفة لهن انظر الآية رقم [4] وقيل مفعول به ثان ل:{اِتَّخَذَ} وعهدا مفعول به أول، ولا وجه له قطعا، و {عِنْدَ:} مضاف، و {الرَّحْمنِ:} مضاف إليه. {عَهْداً:} مفعول به، وجملة:{اِتَّخَذَ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. تأمل.

{كَلاّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (79)}

الشرح: {كَلاّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ} أي: سنظهر له: أنا كتبنا وسجلنا قوله على حد قول زائدة بن صعصعة يعرّض فيه بزوجه، وكانت أمها سرّيّة:[الطويل]

إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة

ولم تجدي من أن تقرّي به بدّا

أي: وتبين، وظهر: أني لم تلدني لئيمة، أو معنى الآية: سننتقم منه انتقام من كتب جريمة العدو، وحفظها عليه؛ لأن نفس الملائكة الكتبة لا يتأخرون عن كتابة قوله. قال تعالى:{ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} {وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا} أي: ونزيد له من العذاب، ونضاعفه له لكفره، وافترائه، واستهزائه على الله، ولذلك أكد بالمصدر دلالة على فرط غضبه عليه.

وقيل: نطيل مدة عذابه. وهذا ليس بصحيح؛ لأنه يفيد انتهاء مدة عذاب الكافر.

ص: 635

أما القول في {كَلاّ،} فإني أنقله لك بحروفه من مغني اللبيب لابن هشام-طيب الله ثراه- لتكون على بصيرة من أمرك. قال رحمه الله تعالى: وهي عند سيبويه، والخليل، والمبرد، والزجاج، وأكثر البصريين حرف معناه الردع، والزجر، لا معنى لها عندهم إلا ذلك، حتى إنهم يجيزون أبدا الوقف عليها، والابتداء بما بعدها، وحتى قال جماعة منهم: متى سمعت (كلاّ) في سورة؛ فاحكم بأنها مكية؛ لأن فيها معنى التهديد، والوعيد، وأكثر ما نزل ذلك بمكة؛ لأن أكثر العتو كان بها، وفيه نظر؛ لأن لزوم المكية إنما يكون عن اختصاص العتوّ بها، لا عن غلبته، ثم لا تمتنع الإشارة إلى عتو سابق، ثم لا يظهر معنى الزجر في {كَلاّ} المسبوقة بنحو قوله تعالى:{فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ} وقوله جل شأنه: {يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ} وقوله جل ذكره: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ} .

وقولهم: المعنى: انته عن ترك الإيمان بالتصوير في أي: صورة ما شاء الله، وبالبعث، وعن العجلة بالقرآن تعسف؛ إذ لم يتقدم في الأوليين حكاية نفي ذلك عن أحد، ولطول الفصل في الثالثة بين كلاّ وذكر العجلة. وأيضا: فإن أول ما نزل خمس آيات من أول سورة العلق، ثم نزل قوله تعالى:{كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى} فجاءت في افتتاح الكلام، والوارد منها في التنزيل ثلاثة وثلاثون موضعا كلها في النصف الأخير (وذلك في خمس عشرة سورة منه، وكلها مكية).

ورأى الكسائي، وأبو حاتم، ومن وافقهما: أن معنى الردع، والزجر ليس مستمرّا فيها، فزادوا فيها معنى ثانيا، يصح أن يوقف دونها، ويبتدأ بها، ثم اختلفوا في تعيين ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها للكسائي ومتابعيه: قالوا: تكون بمعنى: حقّا، والثاني: لأبي حاتم، ومتابعيه:

قالوا: تكون بمعنى: «ألا» الاستفتاحية، والثالث: للنضر بن شميل، والفراء، ومن وافقهما:

قالوا: تكون حرف جواب بمنزلة: «إي» ونعم، وحملوا عليه قوله تعالى:{كَلاّ وَالْقَمَرِ} فقالوا:

معناه: إي والقمر.

قول أبي حاتم عندي أولى من قولهما؛ لأنه أكثر اطرادا، فإن قول النضر لا يتأتى في آيتي (المؤمنون) و (الشعراء) على ما سيأتي، وقول الكسائي لا يتأتى في نحو قوله تعالى:{كَلاّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ} وقوله: {كَلاّ إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ} وقوله جل شأنه: {كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} لأن همزة «أنّ» تكسر بعد ألا الاستفتاحية، ولا تكسر بعد حقا، ولا بعد ما كان بمعناها، ولأن تفسير حرف بحرف أولى من تفسير حرف باسم، وأما قول مكيّ: إن «كلاّ» على رأي: الكسائي اسم إذا كانت بمعنى: «حقا» فبعيد؛ لأن اشتراك اللفظ بين الاسمية، والحرفية قليل، ومخالف للأصل، ومحوج لتكلف دعوى علة لبنائها، وإلاّ فلم نوّنت؟!

وإذا صلح الموضع للردع، ولغيره جاز الوقف عليها، والابتداء بها على اختلاف التقديرين، والأرجح حملها على الردع؛ لأنه الغالب فيها، وذلك نحو قوله تعالى في سورة (مريم):{أَطَّلَعَ}

ص: 636

{الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (78) كَلاّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ} وقوله جل شأنه في سورة (مريم):

{وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ} .

وقد تتعين للردع، أو الاستفتاح، نحو قوله جل شأنه في سورة (المؤمنون):{حَتّى} {قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ} لأنها لو كانت بمعنى: حقا؛ لما كسرت همزة (إنّ)، ولو كانت بمعنى: نعم؛ لكانت للوعد بالرجوع؛ لأنها بعد الطلب، كما يقال: أكرم فلانا، فتقول: نعم، ونحو قوله جل ذكره في سورة (الشعراء):{قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ (61) قالَ كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ} وذلك لكسر (إنّ)، ولأن «نعم» بعد الخبر للتصديق.

وقد يمتنع كونها للزجر، نحو قوله تعالى في سورة (المدثر):{وَما هِيَ إِلاّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (31) كَلاّ وَالْقَمَرِ} إذ ليس قبلها ما يصح رده، وقول الطبري، وجماعة: إنه لما نزل في عدد خزنة جهنم قوله تعالى: {عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ} قال بعضهم: اكفوني اثنين، وأنا أكفيكم سبعة عشر، فنزل:

{كَلاّ} زجرا له تعسّف؛ لأن الآية لم تتضمن ذلك. انتهى. مغني اللبيب.

أقول: ويتلخص من هذا: أن الأكثر في «كلاّ» أن تكون حرف ردع، وزجر، وذلك إذا سبقها كلام يستدعي ذلك، ولا ردع في سورة (الانفطار)، ولا في سورة (العلق)، ولا في سورة (المطففين)، وما جرى مجراهنّ، وإنما هي للتنبيه، والاستفتاح كما هو واضح، وتكون حرف جواب بمعنى:«إي» كما في قوله تعالى: {كَلاّ وَالْقَمَرِ،} ولا تكون بمعنى: «حقا» كما بينه ابن هشام لعدم فتح همزة (إنّ) بعدها، ونقل الجمل عن السمين للنحويين فيها ستة مذاهب.

والمعتمد ما لخصته لك، والوارد منها في القرآن الكريم ثلاثة وثلاثون موضعا، كلها في النصف الأخير. قال الديربي في تفسيره المنظوم:[الطويل]

وما نزلت كلاّ بيثرب فاعلمن

ولم تأت في القرآن في نصفه الأعلى

الإعراب: {كَلاّ:} حرف ردع وزجر. {سَنَكْتُبُ:} السين: حرف استقبال، ومعناها هنا التوكيد. (نكتب): مضارع والفاعل مستتر تقديره: «نحن» . {ما:} تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: سنكتب الذي، أو شيئا يقوله ذلك الكافر، وعلى اعتبار {ما} مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: سنكتب قوله. {وَنَمُدُّ:} مضارع، والفاعل: نحن. {لَهُ:} متعلقان بالفعل قبلهما. {مِنَ الْعَذابِ:} متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من {مَدًّا} كان صفة له

إلخ، انظر الآية رقم [4]. {مَدًّا:} مفعول مطلق، والجملة الفعلية:

{وَنَمُدُّ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع.

ص: 637

{وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً (80)}

الشرح: {وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ} أي: نرث ما يدعيه لنفسه من المال، والولد، وذلك بموته، وخروجه من الدنيا خاليا من ذلك. وفي القرطبي: وقيل: نحرمه ما تمناه في الآخرة من مال وولد، ونجعله لغيره من المسلمين. {وَيَأْتِينا فَرْداً} أي: لا مال له، ولا ولد، ولا عشيرة، والمراد: بالفردية: الانقطاع عنهما بالكلية، ولا شك: أن مثل هذه الفردية لا تحصل إلا للكافر، وإلا فالمؤمن والكافر سواء عند البعث في كونهما منفردين عن المال، والولد لقوله تعالى:

{وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} الآية رقم [94] من سورة (الأنعام). وانظر الآية رقم [49] من سورة (الكهف). ثم يتفاوتون بعد ذلك. فالمؤمن يلاقي أحبابه، وأولاده، وما اشتهاه في الجنة، والكافر يحال بينه وبين ما يشتهيه، وينفرد عنه أبدا، وكيف يشتهي ذلك، وهو مشغول بنفسه بسبب العقاب الشديد، والعذاب الأليم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {وَنَرِثُهُ:} مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«نحن» ، والهاء مفعول به {ما يَقُولُ} إعرابه مثل إعراب ما قبله في الآية السابقة، وعلى الاعتبارات الثلاثة فهو بدل اشتمال من الضمير المنصوب، ويجوز أن يكون مفعولا به مثل سابقه، والضمير منصوب بنزع الخافض، التقدير: ونرث منه ما يقول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.

{وَيَأْتِينا:} مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى الكافر المعاند، و (نا): مفعول به. {فَرْداً:} حال من الفاعل المستتر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.

{وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81)}

الشرح: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً} أي: وعبد المشركون عامة، أوثانا، وأصناما.

{لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا:} قوة، ومنعة يمنعونهم من العذاب، ويكونون لهم شفعاء عند الله، وقد صرحوا بذلك {ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى} هذا؛ وإنما جمعت المعبودات الباطلة بواو الجماعة التي هي للعقلاء مع أنها من الجمادات التي لا تعقل؛ لأن الكفار يعاملونها معاملة من يعقل من سؤالهم لها حوائجهم، وتذللهم لها، والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل إذا عاملوه معاملته وأنزلوه منزلته، وإن كان خارجا عن الأصل وهو كثير ومستعمل في القرآن الكريم والكلام العربي. وانظر شرح {دُونِ} في الآية رقم [14] من سورة (الكهف) وشرح لفظ الجلالة في الآية رقم [1] منها أيضا.

الإعراب: {وَاتَّخَذُوا:} الواو: حرف عطف. (اتخذوا): ماض والواو فاعله والألف للتفريق.

وانظر إعراب (قالوا) في الآية رقم [21]{مِنْ دُونِ:} متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان

ص: 638

بمحذوف حال من {آلِهَةً..} . إلخ، و {دُونِ} مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه. {آلِهَةً:}

مفعول به ثان والمفعول الأول: محذوف، التقدير: اتخذوا الأوثان

إلخ. {لِيَكُونُوا:}

مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون

إلخ، والواو اسمه، والألف للتفريق. {لَهُمْ:} متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما.

{عِزًّا:} خبره: و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (اتخذوا) وجملة:{وَاتَّخَذُوا..} . إلخ متضمنة حكاية حال الكافرين، وهي معطوفة على حكاية مقالة الكافر المعاند الذي رأيت في الآيات السابقة.

{كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82)}

الشرح: {كَلاّ} أي: ليس الأمر كما ظنوا، وتوهموا، {سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ} أي: ينكرون أنهم عبدوا الأصنام، أو تجحد الآلهة عبادة المشركين لها، كما حكى عنهم سبحانه ما يقولون في الآخرة:{تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ} الآية رقم [63] من سورة (القصص). {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} أي: ينقلبون ضدهم، ويكونون لهم أعداء، والضد يكون واحدا ويكون جمعا كالعدو والصديق. وقيل: وقع هنا موقع المصدر؛ أي: ويكونون عليهم عونا، فلهذا لم يجمع، وهذا في مقابلة قوله:{لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} والعز مصدر، فكذلك ما وقع في مقابلته، هذا؛ ويقرأ {كَلاّ} بالتنوين وفتح الكاف وضمها، فعلى الأول: هو مصدر: كلّ؛ أي: أعيا، والمعنى كلّوا في دعواهم وانقطعوا. وقيل: هو بمعنى: الثقل؛ أي: حملوا كلاّ؛ أي: ثقلا، وعلى الثاني:

هو تنوين كل، واستبعده أبو البقاء، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {كَلاّ:} حرف ردع وزجر لا محل له، وعلى تنوينه وفتح الكاف هو مفعول مطلق عامله محذوف، أو مفعول به لفعل محذوف. انظر الشرح، وعلى ضم الكاف مع التنوين هو حال، المعنى: سيكفرون كلاّ؛ أي: جميعا. السين: حرف استقبال، وتنفيس. (يكفرون):

مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. {بِعِبادَتِهِمْ:} متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والمفعول محذوف، التقدير: سيكفر المشركون بعبادتهم الأصنام، أو من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: سيكفر الأصنام، ونحوها بعبادة المشركين إياهم. {وَيَكُونُونَ:} مضارع ناقص مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه. {عَلَيْهِمْ:} متعلقان بالفعل قبلهما على تجويز ذلك، أو هما متعلقان بما بعدهما. {ضِدًّا:} خبر (يكونون)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.

ص: 639

{أَلَمْ تَرَ أَنّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83)}

الشرح: {أَلَمْ تَرَ:} تعجب، وخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم من أقاويل الكفرة، وتماديهم في الغي، وتصميمهم على الكفر بعد وضوح الحق على ما نطقت به الآيات المتقدمة. {أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ:} سلطنا، أو قيضنا لهم الشياطين، أو المعنى خلّينا الشياطين، والكافرين، ولم نعصمهم منهم. {تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} أي: تغريهم إغراء بالشر، والمعاصي، وذلك بالتسويل، والزخرفة، وتحبيب الشهوات، والمعاصي، والمنكرات. هذا؛ والأز: التهييج، والإغراء. هذا؛ وفي الآية دليل على أنّ ما يفعله العبد إنما هو بتقدير العزيز العليم، وتيسيره له، فهنيئا لمن خلقه الله للإيمان، والخير ويسّره له! وويل ثم ويل لمن تخلى الله عنه، ووكله لشيطانه يتلاعب به! ولكن لا بد للعبد من إرادة للخير، أو إرادة للشر. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [76]. هذا؛ وانظر (نا) في الآية رقم [49] وشرح الشيطان في البسملة أول سورة (يوسف) عليه السلام، وشرح {الْكافِرِينَ} في الآية رقم [107] من سورة (النحل).

الإعراب: {أَلَمْ:} الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.

{تَرَ:} مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» . {أَنّا:} حرف مشبه بالفعل، و (نا):

اسمها، وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. {أَرْسَلْنَا:} فعل، وفاعل. {الشَّياطِينَ:}

مفعول به. {عَلَى الْكافِرِينَ:} متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة:{أَرْسَلْنَا..} . إلخ في محل رفع خبر (أن)، و (أن) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل {تَرَ،} والجملة الفعلية هذه مستأنفة، لا محل لها. {تَؤُزُّهُمْ:} مضارع، والفاعل يعود إلى {الشَّياطِينَ} والهاء مفعول به. {أَزًّا:} مفعول مطلق، والجملة الفعلية في محل نصب حال من {الشَّياطِينَ} والرابط: الضمير فقط. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

{فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84)}

الشرح: {فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ} أي: لا تطلب لهم العذاب، وتستعجله. {إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا} أي: نعد لهم آجالهم بالسنين، والشهور، والليالي، والأيام، والساعات، بل والخطوات، واللحظات، والأنفاس، وروي: أن المأمون العباسي قرأ هذه السورة، وعنده جماعة من الفقهاء، فمر بهذه الآية، فأشار إلى ابن السماك أن يعظه، فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد، ولم يكن لها مدد، فما أسرع ما تنفد. وقيل في هذا المعنى:[الطويل]

حياتك أنفاس تعدّ فكلّما

مضى نفس منك انتقصت به جزءا

ص: 640

يميتك ما يحييك في كلّ ليلة

ويحدوك حاد ما يريد به الهزءا

الإعراب: {فَلا:} الفاء: هي الفصيحة وانظر الآية رقم [5](لا): ناهية. {تَعْجَلْ:} مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل تقديره:«أنت» . {عَلَيْهِمْ:} متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا؛ فلا تعجل عليهم، والكلام معطوف على ما قبله في الآية السابقة لا محل له مثله. {إِنَّما:} كافة ومكفوفة.

{نَعُدُّ:} مضارع، والفاعل تقديره:«نحن» . {لَهُمْ:} متعلقان بالفعل قبلهما. {عَدًّا:} مفعول مطلق، والجملة الفعلية:{إِنَّما نَعُدُّ..} . إلخ تعليل للنهي، لا محل لها. وقيل: حالية.

{يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً (86)}

الشرح: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ..} . إلخ: المعنى يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: اذكر يوم القيامة الذي يجتمع فيه المتقون، ويسيرون إلى جنة الرحمن جماعات جماعات، وذلك بعد الحساب، وتسليم البطاقات إلى الجنة. ولاختيار هذا الاسم الكريم وتكراره في هذه السورة شأن، ولعله؛ لأن مساق الكلام فيها لتعداد نعمه الجسام، وشرح حال المؤمنين والمتقين، وشرح حال الكافرين المعاندين.

هذا؛ و (الوفد) اسم للوافدين، كما يقال: قوم صوم، وفطر، وزور، فهو جمع: وافد، مثل:

ركب وراكب، وصحب وصاحب، وجمع الوفد: وفاد، ووفود، والاسم: الوفادة وأوفدته أرسلته، والوفد مصدر وفد يفد، وفدا ووفادة وإفادة إلى، أو على الأمير: قدم وورد رسولا، فهو وافد.

{وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً:} السوق: الحث على السير، أو نسوقهم لورود النار، فيساقون عطاشا، حفاة، عراة، مشاة، أفواجا، والورد أيضا: الجماعة التي ترد الماء من طير، وإبل، ونحوهما، والورد: الماء الذي يورد. وانظر الآية رقم [71] وقد ورد في كيفية حشر المتقين، وحشر المجرمين أحاديث كثيرة أكتفي منها بما يلي:

فعن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحشر النّاس يوم القيامة على ثلاثة طرائق راغبين راهبين: اثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر معهم النّار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا» . متفق عليه، وعنه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحشر النّاس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفا مشاة، وصنفا ركبانا، وصنفا على وجوههم» . قيل:

يا رسول الله كيف يمشون على وجوههم؟! قال: «الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، أما إنّهم يتّقون بوجوههم كلّ حدب، وشوك» . أخرجه الترمذي.

الإعراب: {يَوْمَ:} ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لذلك المحذوف. وقيل: متعلق بالفعل {يَمْلِكُونَ} الآتي. {نَحْشُرُ:} مضارع، وفاعله مستتر، تقديره:

ص: 641

«نحن» . {الْمُتَّقِينَ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. {إِلَى الرَّحْمنِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من {وَفْداً} كان صفة له

إلخ، انظر الآية رقم [5] {وَفْداً:}

حال من المتقين، وجملة:{نَحْشُرُ..} . إلخ في محل جر بإضافة {يَوْمَ} إليها، وجملة:

{وَنَسُوقُ..} . إلخ معطوفة عليها، فهي في محل جر مثلها، وإعراب هذه مثل إعراب تلك بلا فارق.

{لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (87)}

الشرح: {لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ:} الضمير يعود إلى القسمين المذكورين. وقيل: يعود إلى الكفار. {إِلاّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً:} وهم المسلمون الذين قدموا العمل الصالح في الدنيا.

وهذا على عود الضمير على القسمين المذكورين، فيكون المعنى: فإن المؤمنين يملكون الشفاعة لغيرهم. وعلى الثاني: فإن المعنى: لا يستحق الشفاعة من غيره، ولا يستأهلها إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا. فعلى الأول: فقد تظاهرت الأخبار بأن أهل الفضل، والصلاح، والعلم يشفعون، فيشفّعون، وعلى الثاني: فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يشفع في العصاة من المسلمين، فيكون المعنى: فإنهم يملكون الشفاعة بأن يشفع فيهم، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لا أزال أشفع حتّى أقول: يا ربّ! شفّعني فيمن قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فيقول: يا محمد إنّها ليست لك، ولكنّها لي» . أخرجه مسلم بمعناه. انتهى قرطبي. أما عبدة الأصنام فلا يشفعون لأحد، ولا يملكون شفاعة أحد؛ أي: لا يستحقونها من أحد. قال تعالى في سورة (المدثر): {فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعِينَ} .

هذا؛ وقد قال ابن مسعود-رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يتّخذ كلّ صباح ومساء عند الله عهدا؟» . قيل: يا رسول الله! وما ذاك؟ قال: «يقول عند كلّ صباح ومساء: اللهمّ فاطر السّماوات والأرض عالم الغيب والشّهادة إنّي أعهد إليك في هذه الحياة بأنّي أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأنّ محمدا عبدك ورسولك، فلا تكلني إلى نفسي فإنك إن تكلني إلى نفسي؛ تباعدني من الخير، وتقرّبني من الشّرّ، وإني لا أثق إلاّ برحمتك، فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة، إنّك لا تخلف الميعاد، فإذا قال ذلك طبع عليها طابعا، ووضعها تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الذين لهم عند الله عهد؟ فيقومون، فيدخلون الجنة؟» .

الإعراب: {لا:} نافية. {يَمْلِكُونَ:} مضارع مرفوع

إلخ، والواو فاعله. {الشَّفاعَةَ:}

مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من {الْمُجْرِمِينَ} أو منهم ومن المتقين حسب ما رأيت في الشرح، أو هي مستأنفة، لا محل لها. {إِلاّ:} أداة استثناء. {مَنِ:} اسم موصول مبني

ص: 642

على السكون في محل نصب على الاستثناء المتصل، أو المنقطع حسب ما رأيت في الشرح، أو هو في محل رفع بدل من واو الجماعة، وهذا على القاعدة:«إذا كان الكلام تاما منفيا جاز في الاسم الواقع بعد إلا النصب على الاستثناء، والإتباع على البدلية» . {اِتَّخَذَ:} ماض، وفاعله يعود إلى {مَنِ،} وهو العائد، أو الرابط على اعتبارها نكرة موصوفة. {عِنْدَ:} ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق ب:{عَهْداً} أو بمحذوف حال منه على مثال ما رأيت في الآية رقم [5] وقيل: متعلق بمحذوف مفعول ثان ل: {اِتَّخَذَ} و {عَهْداً} هو المفعول الأول، والمعنى لا يؤيده.

{عَهْداً:} مفعول به، وجملة:{اِتَّخَذَ..} . إلخ: صلة {مَنِ} أو صفتها.

{تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (90)}

الشرح: {تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ:} يتشققن مرة بعد مرة، وقرئ «(ينفطرن)» قال تعالى:

{السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ} وقال تعالى: {إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ} والأول: أبلغ؛ لأن التفعل مطاوع: فعل.

والانفعال مطاوع: فعل. {مِنْهُ} أي: من قولهم: {اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً} . {وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ:}

ص: 643

تتصدع، أو تخسف بهم. {وَتَخِرُّ الْجِبالُ:} تسقط. {هَدًّا:} هدما؛ أي: تسقط بصوت شديد، وتتفتت، يقال: هدني هذا الأمر وهدّ ركني؛ أي: كسرني، وبلغ مني. وهدّته المصيبة: أي:

أوهنته. والمعنى: أن هول ما قالوه وعظمه بحيث لو تصور بصورة محسوسة لم تتحملها هذه الأجرام العظام، وتفتت من شدتها، وافترائها. أو لأن فظاعتها مجلبة لغضب الله تعالى بحيث لولا حلمه، ولطفه؛ لخرب هذا العالم، وبددت قوائمه غضبا على من تفوّه بها. وانظر الآية رقم [111] من سورة (الإسراء) ففيها بحث جيد.

قال ابن عباس-رضي الله عنهما: فزعت السموات، والأرض، والجبال، وجميع الخلائق إلا الثقلين، وكادت تزول، وغضبت الملائكة، واستعرت جهنم حين قالوا: اتخذ الله ولدا.

وانظر {السَّماواتِ وَالْأَرْضَ} في الآية رقم [3] من سورة (النحل)، وشرح (كاد) في الآية رقم [73] من سورة (الإسراء).

الإعراب: {تَكادُ:} مضارع ناقص. {السَّماواتُ:} اسمها. {يَتَفَطَّرْنَ:} فعل، وفاعل.

{مِنْهُ:} متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب خبر {تَكادُ،} والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وجملة:{وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ} معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها، ومتعلق الفعل والذي بعده محذوف لدلالة ما قبله عليه. وأيضا جملة:{وَتَخِرُّ الْجِبالُ} معطوفة عليها. {هَدًّا:} نائب مفعول مطلق؛ لأنه مصدر مرادف لمصدر (تخر) أو هو حال؛ لأنه بمعنى: مهدودة، أو هو مفعول لأجله. قال الزمخشري: أي: لأن تهد.

{أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (91) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (92)}

الشرح: أي: قاربت السموات أن تتفطر، وقاربت الأرض أن تتشقق، وقاربت الجبال أن تتفتت لافترائهم على الله تعالى اتخاذ الولد، وقد نزه سبحانه نفسه عن ذلك، ونفاه نفيا قاطعا؛ حيث قال:{وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ..} . إلخ أي: لا يصح، ولا يليق؛ لأن الولد لا بد أن يكون شبيها بالوالد، ولا شبيه له تعالى، ولأن اتخاذ الولد يكون لأغراض لا تصح في الله تعالى: من سرور بالولد، واستعانة به، وذكر جميل بعده، ولأن الولد لا يكون إلا من والد، يكون له والد، وأصل، والله تعالى تنزه عن ذلك، وتقدس فقال:{قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (1) اللهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} .

روى البخاري عن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تبارك وتعالى: «كذّبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني، ولم يكن له ذلك، فأمّا تكذيبه إيّاي؛ فقوله: ليس يعيدني كما بدأني، وليس أوّل الخلق بأهون عليّ من إعادته. وأمّا شتمه إيّاي؛ فقوله: اتّخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد» .

ص: 644

الإعراب: {أَنْ:} حرف مصدري، ونصب، {دَعَوْا:} ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، والفعل في محل نصب ب:«أن» ، و «أن» والفعل في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير:

لأجل، أو من أجل دعواهم

إلخ، والجار والمجرور متعلقان بأحد الأفعال الثلاثة السابقة على التنازع. تأمل. وقال أبو البقاء: فيه-أي: المصدر المؤول-ثلاثة أوجه: أحدها هو في موضع نصب؛ لأنه مفعول له. والثاني: في موضع جر على تقدير اللام. والثالث: في موضع رفع؛ أي: الموجب لذلك دعاؤهم. والمعتمد الثاني، وهو ما ذكرته أولا. وقال الزمخشري:

فيه ثلاثة أوجه: أن يكون مجرورا بدلا من الهاء في (منه) ومنصوبا بتقدير سقوط اللام وإفضاء الفعل؛ أي: هدا لأن دعوا، ومرفوعا بأنه فاعل {هَدًّا} أي: هدها دعاء الولد للرحمن.

{لِلرَّحْمنِ:} متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من {وَلَداً} على نحو ما تقدّم، وتكرر. {وَلَداً:} مفعول به. وقال البيضاوي: والفعل: «دعا» بمعنى: «سمى» المتعدي لمفعولين، وإنما اقتصر على المفعول الثاني: ليحيط بكل من ادعى له ولدا. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [110] من سورة (الإسراء). {وَما:} الواو: واو الحال. (ما): نافية. {يَنْبَغِي:}

مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. {لِلرَّحْمنِ:} متعلقان بما قبلهما، والمصدر المؤول من:{أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً} في محل رفع فاعل {يَنْبَغِي،} والجملة الفعلية في محل نصب حال من (الرحمن)، والرابط: الواو، وإعادة لفظ الاسم الكريم.

{إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (93)}

الشرح: المعنى: ما كل من في السموات والأرض إلا وهو يأتي يوم القيامة مقرا له في العبودية، خاضعا ذليلا كما قال تعالى في آية أخرى:{وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ} أي: صاغرين أذلاء، وهو يشمل العابدين، والمعبودين من دون الله، فلا يكون واحد إلها، أو ولدا له عز وجل، تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوّا كبيرا.

هذا؛ وفي {مَنْ} تغليب العاقل على غير العاقل. تأمل. هذا؛ وفي تكرير الرحمن في هذه السورة، واختصاص هذا الاسم بالذكر مع كونه تعالى له تسعة وتسعون اسما كما رأيت في الآية رقم [110] من سورة (الإسراء) بيان من العلي القدير: أنه وحده الذي يستحق هذا الاسم، ولا يستحقه غيره لأن أصول النعم وفروعها منه وحده لا شريك له، فلينكشف عن بصرك غطاؤه، فأنت وجميع ما عندك عطاؤه، فمن أضاف إليه ولدا؛ فقد جعله كبعض خلقه، وأخرجه بذلك عن استحقاق اسم الرحمن، واختصاصه به.

ص: 645

الإعراب: {إِنْ:} نافية. {كُلُّ:} مبتدأ، و {كُلُّ:} مضاف، و {مَنْ:} اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. {فِي السَّماواتِ:} متعلقان بمحذوف صفة من، التقدير:

كل شيء كائن في السموات. {وَالْأَرْضِ:} معطوف على ما قبله. {إِلاّ:} حرف حصر.

{آتِي:} خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، وآتي مضاف، و {الرَّحْمنِ:} مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه. {عَبْداً:}

حال؛ لأنه بمعنى: ذليلا، وخاضعا، والجملة الاسمية:{إِنْ كُلُّ..} . إلخ تعليل للنفي في الآية السابقة لا محل لها.

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (96)}

واختلف فيمن نزلت، فقيل: في علي-رضي الله عنه، فقد روى البراء بن عازب-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: «قل يا عليّ: اللهمّ اجعل لي عندك عهدا،

ص: 646

واجعل لي في قلوب المؤمنين مودّة». فنزلت الآية. ذكره الثعلبي. وقال ابن عباس-رضي الله عنهما: نزلت في عبد الرحمن بن عوف-رضي الله عنه، جعل الله له في قلوب العباد مودة، لا يلقاه مؤمن إلا وقّره، ولا مشرك، ولا منافق إلا عظّمه

الشرح: (الود): المحبة، والمودة، وهو بتثليث الواو، والمعنى: سيجعل للمؤمنين الذين يعملون الصالحات محبة في قلوب عباده المؤمنين بالإضافة إلى محبته لهم، والسين؛ لأن السورة مكية، وكانوا ممقوتين معذبين بين الكفرة، فوعد ذلك سبحانه لهم في المستقبل إذا انتشر الإسلام، وقد حقق وعده، وأنجزه بعد الهجرة.

أقول: وخصوص السبب لا يمنع التعميم، فكل من آمن بالله الإيمان الصحيح، وتحلى بالعمل الصالح، وابتعد عن إيذاء العباد يحبّه الناس، ويودونه. وذلك دليل واضح على محبة الله له، وخذ ما يلي:

فعن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله تعالى إذا أحبّ عبدا؛ دعا جبريل عليه السلام، فقال: إني أحبّ فلانا، فأحبّه، فيحبّه جبريل، ثمّ ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحبّ فلانا، فأحبّوه، فيحبّه أهل السّماء، ثمّ يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبدا؛ دعا جبريل عليه السلام. وقال: إني أبغض فلانا، فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثمّ ينادي في أهل السّماء: إنّ الله يبغض فلانا، فأبغضوه. قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض» . أخرجه مسلم. هذا؛ ولا تنس: الاحتراس الذي ذكرته لك في الآية رقم [30] من سورة (الكهف) وغيرها.

هذا؛ وكان هرم بن حيان يقول: ما أقبل أحد بقلبه على الله تعالى إلا أقبل الله تعالى بقلوب أهل الإيمان إليه حتى يرزقه مودتهم، ورحمتهم. وقال كعب الأحبار: مكتوب في التوراة:

لا محبة لأحد في الأرض، حتى يكون ابتداؤها من الله عز وجل، ينزلها على أهل السماء، ثم على أهل الأرض. انتهى. هذا، ولا عبرة لبغض أهل الضلال، والفساد أهل التقوى، والإيمان، وفي الحديث الشريف:«يعطى المؤمن مقة في قلوب الأبرار ومهابة في قلوب الفجّار» .

الإعراب: {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة:{آمَنُوا:} مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة:

{وَعَمِلُوا..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {الصّالِحاتِ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم وهو صفة لموصوف محذوف؛ إذ التقدير: وعملوا الأعمال الصالحات. {سَيَجْعَلُ:} السين: حرف استقبال، وتنفيس. (يجعل):

مضارع. {لَهُمُ:} متعلقان به. {الرَّحْمنُ:} فاعله. {وُدًّا:} مفعول به، وجملة:{سَيَجْعَلُ..} .

ص: 647

إلخ: في محل رفع خبر {إِنَّ} والجملة الاسمية: {إِنَّ..} . إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، أو مستأنفة.

{فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (97)}

الشرح: {فَإِنَّما يَسَّرْناهُ} أي: بينا القرآن. {بِلِسانِكَ} أي: بلغتك العربية، وجعلناه سهلا على من تدبّره وتأمّله. {لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ} أي: الصابرين على التقوى، والمداومين عليها بأنّ لهم الجنة. {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا:} وتخوف بهذا القرآن قوما أشداء الخصومة، و (لدّ) جمع الألد، وهو شديد الخصومة، ومنه قوله تعالى في سورة (البقرة) في حق الأخنس بن شريق {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ:} وقيل: (الألد) الظالم الذي لا يستقيم، ولا يقبل الحق، ويدعي الباطل، وفي سورة (الدخان):{فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} وانظر شرح (لسان) في الآية رقم [4] من سورة (إبراهيم) عليه السلام، و (التقوى) في الآية رقم [2] من سورة (النحل)، وشرح (قوم) في الآية رقم [3] منها.

الإعراب: {فَإِنَّما:} الفاء: حرف استئناف. (إنما): كافة ومكفوفة. {يَسَّرْناهُ:} ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: معطوفة على مقدر، كأنه قيل:

بلّغ هذا المنزل عليك

فإنما

إلخ. {بِلِسانِكَ:} متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، والكاف في محل جر بالإضافة. {لِتُبَشِّرَ:} مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» . {بِهِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، {الْمُتَّقِينَ:}

مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء

إلخ، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {وَتُنْذِرَ:} معطوف على (تبشر) منصوب مثله، والفاعل تقديره أنت. {بِهِ:} متعلقان بالفعل قبلهما. {قَوْماً} مفعول به.

{لُدًّا:} صفة له.

{وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (98)}

الشرح: {وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ:} انظر الآية رقم [74] ففيها الكفاية، والمراد: تخويف أهل مكة، وتجسير الرسول صلى الله عليه وسلم على إنذارهم. {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ} أي: هل تشعر بأحد من الأمم الهالكة، أو تراه بعينك. {أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً:} والركز: الصوت الخفي؛ أي: قد ماتوا، وهلكوا جميعا. هذا؛ و «الركاز» المال المدفون في الأرض، كأنه ركز في الأرض. هذا؛ وانظر شرح «أحد» في الآية رقم [32] من سورة (الكهف)، وشرح «تسمع» في الآية رقم [65] من سورة (النحل).

ص: 648

الإعراب: {وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ:} انظر إعراب الآية رقم [74] ففيها الكفاية. {هَلْ:}

حرف استفهام. {تُحِسُّ:} مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» . {مِنْهُمْ:} متعلقان بمحذوف حال من أحد كان صفة له على نحو ما رأيت في الآية رقم [4]{مِنْ:} حرف جر صلة، {أَحَدٍ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة:{هَلْ تُحِسُّ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {أَوْ:}

حرف عطف. {تَسْمَعُ:} مضارع، وفاعله أنت. {قَبْلَهُمْ:} متعلقان بمحذوف حال من {رِكْزاً} على مثال ما تقدم. {رِكْزاً:} مفعول به، وجملة:{تَسْمَعُ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.

انتهت سورة (مريم) شرحا وإعرابا

بحمد الله، وتوفيقه.

**

ص: 649