الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الشّعراء
سورة (الشعراء)، وهي مكية إلا أربع آيات من آخر السورة، من قوله تعالى:{وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (224) ..} . إلخ وهي مئتان وسبع وعشرون آية، وألف ومئتان وتسع وسبعون كلمة، وخمسة آلاف، وخمسمئة وأربعون حرفا. انتهى. خازن.
فعن ابن عباس-رضي الله عنهما-قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعطيت السورة التي تذكر فيها البقرة من الذكر الأول، وأعطيت (طه) و (الطواسين) من ألواح موسى، وأعطيت فواتح القرآن، وخواتيم سورة (البقرة) من تحت العرش، وأعطيت المفصّل نافلة» . وعن البراء بن عازب رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الله أعطاني السّبع الطّوال مكان التوراة، وأعطاني {المص} مكان الإنجيل، وأعطاني (الطواسين) مكان الزبور، وفضّلني ب: (الحواميم) والمفصّل ما قرأهنّ نبيّ قبلي» . انتهى. جمل نقلا عن القرطبي.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}
بسم الله الرحمن الرحيم
{طسم (1) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (2)}
الشرح: {طسم:} قال ابن عباس-رضي الله عنهما: عجزت العلماء عن علم تفسيرها، وفي رواية أخرى عنه: أنه قسم، وهو اسم من أسماء الله تعالى. والجواب الآية رقم [4] الآتية.
وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن أقسم الله به. وقال مجاهد: هو اسم للسورة. وقال القرظي:
أقسم الله بطوله، وسنائه، وملكه. وقال عبد الله بن محمد بن عقيل: الطاء: طور سيناء، والسين:
إسكندرية، والميم مكة. وقال جعفر الصادق بن محمد بن علي، أي زين العابدين رضي الله عنهم أجمعين-: الطاء: شجرة طوبى، والسين: سدرة المنتهى، والميم: محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: الطاء من الطاهر، والسين من السميع، أو من السّلام، والميم من المجيد. و (طسم) و (طس) بمعنى واحد، قال المتنبي في مطلع قصيدة له مدح بها أبا الحسن علي بن عبد الله العدوي:[الطويل]
وفاؤكما كالرّبع أشجاه طاسمه
…
بأن تسعدا والدّمع أشفاه ساجمه
والطّواسين، والطّواسيم سور في القرآن جمعت على غير قياس، وأنشد أبو عبيدة:[الرجز]
وبالطّواسيم الّتي قد ثلّثت
…
وبالحواميم الّتي قد سبّعت
قال الجوهري: والصواب أن تجمع بذوات، وتضاف إلى واحد، فيقال: ذوات طسم، وذوات حم. انتهى. قرطبي. {آياتُ:} جمع آية، وهي تطلق على معان كثيرة: الدلالة، ومنه قوله تعالى:{إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} . وتطلق على المعجزة، مثل انشقاق القمر، ونحوه، وعصا موسى، ونحو ذلك، قال تعالى:{وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ} . وتطلق على الموعظة، ومنه قوله تعالى:{إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} . كما تطلق على جملتين، أو أكثر من كلام الله تعالى، وعلى السورة بكاملها، وهي المرادة هنا.
{الْكِتابِ:} هو في اللغة: الضم، والجمع، وسميت الجماعة من الجيش كتيبة؛ لاجتماعهم، كما سمي الكاتب كاتبا؛ لأنه يضم الكلام بعضه إلى بعض، ويجمعه، ويرتبه، وفي الاصطلاح: اسم لجملة مختصة من العلم، مشتملة على أبواب، وفصول، ومسائل غالبا.
والمراد به هنا: القرآن الكريم الذي أنزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم. {الْمُبِينِ:} الظاهر إعجازه، وصحته، وما فيه من الأحكام، والمبين للحق من الباطل، والحلال، والحرام، وقصص الأنبياء، ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وانظر وصفه ب:{الْحَكِيمِ} في أول سورة (لقمان) وهو اسم فاعل من: أبان الرباعي، أصله المبين بسكون الباء وكسر الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الباء بعد سلب سكونها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ولا تنس: أن اسم الفاعل من بان الثلاثي: «بائن» .
الإعراب: {طسم:} في إعراب هذا اللفظ وأمثاله وجوه: الأول: أن محله الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذا طسم، أو هو مبتدأ خبره ما بعده. والثاني: أن محله النصب على أنه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اقرأ، أو اتل طسم، أو هو منصوب على تقدير حذف حرف القسم، كما تقول: الله لأفعلنّ، والناصب فعل محذوف أيضا، التقدير:
التزمت الله، أي اليمين به. والثالث: أن محله الجر على القسم، وحرف الجر محذوف، وبقي عمله بعد الحذف؛ لأنه مراد، فهو كالملفوظ به، وتقدير الكلام على هذا: أقسم، أو أحلف ب {طسم،} وضعف هذا سليمان الجمل، فقال: وهذا ضعيف؛ لأن ذلك، أي حذف الجار وإبقاء عمله من خصائص الجلالة المعظمة، لا يشركها فيه غيرها، ولا محل لها من الإعراب على اعتبارها وأمثالها حروفا مقطعة، أو مختصرة من أسماء. وكذلك على قول السلف في هذا اللفظ، وأمثاله: الله أعلم بمراده بذلك، لا محل له من الإعراب؛ لأن الإعراب فرع معرفة المعنى.
{تِلْكَ:} اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، وأجيز اعتباره خبر لمبتدأ محذوف التقدير: هذه تلك، فتكون {آياتُ} بدلا من اسم الإشارة، والأول أقوى، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {آياتُ:} خبر المبتدأ، و {آياتُ:} مضاف،
و {الْكِتابِ:} مضاف إليه. {الْمُبِينِ:} صفة {الْكِتابِ،} والجملة الاسمية: {تِلْكَ آياتُ..} . إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو: {طسم} على الوجه الثاني من وجهي الرفع، كما رأيت، والرابط: اسم الإشارة على اعتبار الإشارة عائدة على {طسم،} وهي مستأنفة على بقية الأوجه فيه.
{لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3)}
الشرح: {لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ:} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: لعلك مهلك نفسك، وقاتلها.
وأصل البخع أن يبلغ الذابح بالذبح البخاع، وهو عرق مستبطن الفقار، وذلك أقصى حد الذبح.
وفي المصباح المنير: وبخع نفسه بخعا من باب: نفع: قتلها من وجد، أو غيظ. وبخع لي بالحق بخوعا: انقاد له، وخضع. و (لعلّ) هنا للإشفاق؛ أي: أشفق على نفسك أن تقتلها. {أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} أي: لئلا يؤمنوا، أو خيفة عدم إيمانهم. فقد شبه الله نبيه صلى الله عليه وسلم حين تولى عنه المشركون برجل فارقه أحبته، فهو يتساقط حسرات عليهم، ويهلك نفسه وجدا عليهم، وتلهفا على فراقهم. ففي الكلام استعارة تمثيلية. وبخع نفسه: قتلها غما، قال ذو الرمة:[الطويل]
ألا أيّهذا الباخع الوجد نفسه
…
بشيء نحته عن يديه المقادر
والترجي هنا ليس على بابه، بل المقصود منه النهي؛ أي: لا تبخع نفسك، أي: لا تهلكها غما على عدم إيمانهم، وقيل: هو للإشفاق على بابها. هذا؛ والفراق بين الترجي، والإشفاق:
أن الأول في المحبوب، والثاني في المكروه، وما في الآية من هذا القبيل، وقيل:(لعلّ) هنا للاستفهام، وهو رأي الكوفيين، ومثل الآية الآية رقم [6] من سورة (الكهف).
الإعراب: {لَعَلَّكَ:} حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها.
{باخِعٌ:} خبرها، وفاعله ضمير مستتر تقديره:«أنت» . {نَفْسَكَ:} مفعول به ل {باخِعٌ،} والكاف في محل جر بالإضافة. (أن): حرف مصدري، ونصب. (لا): نافية. {يَكُونُوا:} فعل مضارع ناقص منصوب ب (أن)، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق. {مُؤْمِنِينَ:} خبر {يَكُونُوا} منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، و (أن) والفعل {يَكُونُوا} في تأويل مصدر في محل جر بلام تعليل محذوفة، التقدير: لئلا يكونوا، وهو قول الكوفيين، أو هو في محل جر بإضافة مفعول لأجله إليه، التقدير: مخافة عدم إيمانهم، وهو قول البصريين، ومثل هذه الآية قول عمرو بن كلثوم، وهو الشاهد رقم [48] من كتابنا فتح القريب المجيب:[الوافر]
نزلتم منزل الأضياف منّا
…
فعجّلنا القرى أن تشتمونا
{إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (4)}
الشرح: {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً} أي: دلالة ملجئة إلى الإيمان، أو بلية قاسرة عليه. {فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ} أي: منقادين ذليلين، وأصل الكلام: فظلوا لها خاضعين، فاقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع، وترك الخبر على أصله. وقيل: لما وصفت الأعناق بصفات العقلاء، أجريت مجراهم، وقيل: المراد ب: (الأعناق) الرؤساء، أو الجماعات، من قولهم: جاءنا عنق من الناس لفوج منهم، وقيل: إنما أراد أصحاب الأعناق، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، وقيل: إن المعنى: إن ذلت رقابهم ذلوا، فالإخبار عن الرقاب إخبار عن أصحابها، ويسوغ في كلام العرب أن تترك الخبر عن الأول وتخبر عن الثاني، قال الأغلب العجلي:[الرجز]
طول اللّيالي أسرعت في نقضي
…
نقضن كلّي، ونقضن بعضي
فأخبر عن الليالي، وترك الطول، وقال جرير:[الوافر]
أرى مرّ السّنين أخذن منّي
…
كما أخذ السّرار من الهلال
وإنما جاز ذلك؛ لأنه لو أسقط مرّ وطول من الكلام لم يفسد معناه انتهى. قرطبي، وما في البيتين يعبر عنهما بتعبير آخر، وهو: أن المضاف اكتسب التأنيث من المضاف إليه. انظر الشاهد رقم [902] وما بعده في كتابنا فتح القريب المجيب، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
تنبيه: ذكر الزمخشري، والقرطبي: أن ابن عباس-رضي الله عنهما-قال: نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية قال: ستكون لنا عليهم الدولة، فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة، ويلحقهم هوان بعد عزة. انتهى. وأعتقد أن هذه المقالة مكذوبة على ابن عباس-رضي الله عنهما. هذا؛ ويقرأ الفعلان {نَشَأْ نُنَزِّلْ} بالنون والياء.
الإعراب: {إِنْ:} حرف شرط جازم. {نَشَأْ:} فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره:«نحن» ، أو تقديره:«هو» ، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. {نُنَزِّلْ:} فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل تقديره:«نحن» ، أو «هو». {عَلَيْهِمْ:} متعلقان بالفعل قبلهما. {مِنَ السَّماءِ:}
متعلقان بمحذوف حال من {آيَةً،} كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة:«نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» . {آيَةً:} مفعول به، وجملة:{نُنَزِّلْ..} . إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب:«إذا» الفجائية، و {إِنْ} ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. {فَظَلَّتْ:} الفاء: حرف عطف. (ظلت): فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث
حرف لا محل لها. {أَعْناقُهُمْ:} اسم (ظلّت)، والهاء في محل جر بالإضافة. {لَها:} جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. {خاضِعِينَ:} خبر (ظلّت) منصوب، وعلامة نصبه الياء
…
إلخ، وجملة:{فَظَلَّتْ..} . إلخ معطوفة على جملة: {نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ..} . إلخ؛ لأنه لو قيل: أنزلنا؛ لكان صحيحا على حد قوله تعالى: {فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ} وهذا التعبير لا يجوز؛ لأنه لا يكون في النثر فعل الشرط مضارعا، والجواب ماضيا، وإنما ميدانه الشعر، قال قعنب ابن أم صاحب:[البسيط]
إن يسمعوا سبّة طاروا بها فرحا
…
عنّي، وما يسمعوا من صالح دفنوا
وهذا هو الشاهد رقم [1176] من كتابنا فتح القريب المجيب، وفي الآية الكريمة عطفت جملة:{فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ..} . إلخ على جواب الشرط، وفعلها ماض، وجواب الشرط مضارع، واغتفر ذلك؛ لأنه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل. انتهى. مغني اللبيب. هذا؛ وقيل:
إن جملة: {فَظَلَّتْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
{وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5)}
الشرح: {وَما يَأْتِيهِمْ} أي: أهل مكة. {مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ} أي: جديد، أو متجدد إنزاله، لا أنه مخلوق، والمراد بالذكر: الآيات؛ التي تنزل بعد الآيات، والسورة التي تنزل بعد السورة. أو المراد به ما يذكرهم به النبي صلى الله عليه وسلم، ويعظهم. وإضافته إلى الرحمن؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق إلا بالوحي، فقوله، ووعظه، وتحذيره ذكر، وهو محدث متجدد. {إِلاّ كانُوا عَنْهُ:} عن الذكر.
{مُعْرِضِينَ} أي: جددوا له إعراضا عنه، وكفرا به، وازدادوا عتوا، وعنادا، وقابلوه بالتكذيب، والسخرية، والاستهزاء. هذا؛ والفعل «أتى، يأتي» يستعمل لازما، إن كان بمعنى: حضر، وأقبل، كما في قوله تعالى:{أَتى أَمْرُ اللهِ،} ويستعمل متعديا، إن كان بمعنى: وصل، وبلغ، كما في هذه الآية ونحوها، ومثله فعل:«جاء» في التعدية واللزوم، مع اختلاف اللفظ واتفاق المعنى، كما في قوله تعالى:{إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ،} وقوله تعالى: {إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ..} . إلخ.
الإعراب: {وَما:} الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. {يَأْتِيهِمْ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به.
{مِنْ:} حرف جر صلة. {ذِكْرٍ:} فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. {مِنَ الرَّحْمنِ:} متعلقان بمحذوف صفة:
{ذِكْرٍ،} أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في {مُحْدَثٍ} تقدم عليه، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من:{ذِكْرٍ؛} لأنه وصف بمحدث، وهذا أضعف الأقوال. {مُحْدَثٍ:} صفة {ذِكْرٍ} على لفظه، وقرئ بالرفع صفة له على محله، وأجاز
الكسائي نصبه على الحال، ولم أجد قراءة بالنصب، وهذا كله من الآية رقم [2] من سورة (الأنبياء). وجملة:{وَما يَأْتِيهِمْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {إِلاّ:} حرف حصر. {كانُوا:}
فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. {عَنْهُ:} جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. {مُعْرِضِينَ:} خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء
…
إلخ، وجملة:
{كانُوا..} . إلخ في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، أو في محل نصب حال من الضمير المنصوب، أو في محل نصب حال من الفاعل الموصوف بما ذكر، و «قد» قبلها مقدرة، والرابط: الضمير المجرور محلا ب: (عن).
{فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (6)}
الشرح: {فَقَدْ كَذَّبُوا} أي: النبي صلى الله عليه وسلم، حيث لم يؤمنوا بالذكر الذي جاءهم به؛ حيث أعرضوا عنه، وأمعنوا في تكذيبه، حيث أدى بهم إلى الاستهزاء المخبر به عنهم ضمنا بما يلي.
هذا؛ وفي الآية رقم [5] من سورة (الأنعام): {فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ} وفسرت الحق هناك بالقرآن المنزل من عند الله على قلب محمد صلى الله عليه وسلم. {فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا..} . إلخ: أي سيظهر لهم عاقبة استهزائهم عند نزول العذاب بهم يوم القيامة، أو حين يعلو شأن الإسلام، وتنزل بهم الذلة، والمهانة، وقد حقق الله وعده، ونصر عبده، وأعزّ جنده حين هزموا في وقعة بدر الكبرى، ثم تم ذلك يوم فتح مكة حين وقفوا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم صاغرين ذليلين حقيرين ينتظرون ما يفعل بهم من قتل، أو نفي، أو استرقاق، ففي الآية الكريمة وعيد، وتهديد، وإنذار بأنهم سيعلمون ما يحل بهم من ذلة، وصغار؛ إن لم يؤمنوا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: {فَقَدْ:} الفاء: حرف استئناف، وقيل: هي الفصيحة كأنه قيل: إذا أردت أن تعرف ماذا كان موقفهم من الذكر حين أعرضوا عنه، وصرفوا عن التأمل فيه، فقد كذبوا، وفيه من الضعف ما لا يخفى. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. {كَذَّبُوا:} فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول به محذوف مع المتعلق انظر الشرح، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {فَسَيَأْتِيهِمْ:} الفاء: حرف عطف. السين: حرف استقبال. (يأتيهم):
فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. {أَنْبؤُا:} فاعل. {ما:} تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية ضعيفة هنا، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بإضافة {أَنْبؤُا} إليها. {كانُوا:} فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. {بِهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. {يَسْتَهْزِؤُنَ:} فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة:{كانُوا بِهِ..} . إلخ صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا
بالباء، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بإضافة:{أَنْبؤُا} إليه، التقدير: أنباء استهزائهم، وجملة: (سيأتيهم
…
) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
{أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7)}
الشرح: {أَوَلَمْ:} انظر الآية رقم [30] من سورة (الأنبياء). {يَرَوْا} أي: الكفار، ينظروا {إِلَى الْأَرْضِ} وما فيها من العجائب، والغرائب. {كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ..}. إلخ: نبه على عظمته، وقدرته، وأنهم لو رأوا بقلوبهم، ونظروا ببصائرهم؛ لعلموا: أن الله تعالى هو الذي يستحق العبادة وحده؛ إذ هو القادر على كل شيء، والخالق لكل شيء، والمحيط علمه بكل شيء، و (الزوج) المراد به هنا: الجنس، والنوع، والصنف الحسن من النبات، مما يأكل الناس والأنعام.
هذا؛ وقال الشعبي: الناس من نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم، وفائدة الجمع بين كلمتي الكثرة، والإحاطة: أن كلمة «كل» تدل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و «كم» تدل على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة. وانظر شرح {تَنْبُتُ} في الآية رقم [20] من سورة (المؤمنون)، وانظر شرح:{كَرِيمٍ} في الآية رقم [58] الآتية.
وهنا أذكر: أنه تعالى وصف النبات ب: {كَرِيمٍ} لأحد أمرين: الأول: أن النبات نوعان:
نافع، وضار، فدل بكلمة {كَرِيمٍ} على أن المراد النوع النافع، وخلّى ذكر الضار. والثاني: أن المراد: النافع والضار من النبات، ووصفهما ب:{كَرِيمٍ} تنبيها على أنه ما خلق شيئا إلا لحكمة، وربما خفيت أسرارها على ابن آدم، ولكنه تعالى عالم بما يجهل العبد الفقير.
وأما (نا) في قوله تعالى {أَنْبَتْنا} فقد قال ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في كتابه: (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح): وقوله تعالى: {جَعَلْنَا،} {وَهَبْنا،} {نَحْنُ،} {إِنّا} لفظ يقع في جميع اللغات على من كان له شركاء، وأمثال، وعلى الواحد العظيم المطاع؛ الذي له أعوان يطيعونه، وإن لم يكونوا له شركاء، ولا نظراء، والله تعالى خلق كل ما سواه، فيمتنع أن يكون له شريك، أو مثل، والملائكة وسائر العالمين جنوده، فإذا كان الواحد من الملوك، يقول: فعلنا، وإنا، ونحن
…
إلخ، ولا يريدون: أنهم ثلاثة ملوك، فمالك الملك رب العالمين، ورب كل شيء، ومليكه هو أحق أن يقول: فعلنا، ونحن، وإنا
…
إلخ، مع أنه ليس له شريك، ولا مثل، بل له جنود السموات، والأرض. انتهى.
أقول: و (نا) هذه تسمى نون العظمة، وليست دالة على الجماعة، كما يزعم الملحدون، والكافرون، فالله لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكثيرا ما يتكلم بها العبد، فيقول: أخذنا، وأعطينا
…
إلخ، وليس معه أحد، والغاية من هذا الكلام الرد على النصارى الذين يدخلون الشبهة على السذج من المسلمين بأن الإله ثلاثة أقانيم: الأب، والابن،
وروح القدس، ويدعمون شبهتهم هذه بالألفاظ الموجودة في القرآن، والتي ظاهرها يفيد الجمع.
تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
الإعراب: {أَوَلَمْ:} الهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. (الواو): حرف استئناف.
(لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. {يَرَوْا:} فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق.
{إِلَى الْأَرْضِ:} متعلقان بالفعل قبلهما. {كَمْ:} اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. وقال الجلال: خبرية بمعنى: كثيرا، وجوز أبو البقاء اعتبارها ظرفا لما بعدها، كما جوز اعتبارها مصدرا، أي: فهي مفعول مطلق، والمعتمد الأول، ثم الثاني. انظر مبحثها في كتابنا: فتح القريب المجيب. {أَنْبَتْنا:} فعل، وفاعل. {فِيها:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {مِنْ كُلِّ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور ب: (في). وقال الجمل، وقول آخر لأبي البقاء:(كل) تمييز ل: (كم) فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وهو {مِنْ،} و {كُلِّ} مضاف، و {زَوْجٍ} مضاف إليه. {كَرِيمٍ:} صفة {زَوْجٍ،} وجملة: {كَمْ أَنْبَتْنا..} . إلخ في محل نصب سدت مسد مفعول، أو مفعولي الفعل {يَرَوْا،} والجملة الفعلية هذه مستأنفة، لا محل لها من الإعراب.
{إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8)}
الشرح: {إِنَّ فِي ذلِكَ} أي: إنبات تلك الأصناف. {لَآيَةً} أي: علامة تدل على أنه واحد، وعلى أنّ منبتها تام القدرة والحكمة، سابغ النعمة والرحمة؛ أي: دلالة على كمال قدرتنا، وتوحيدنا، كما قال القائل:[المتقارب]
وفي كلّ شيء له آية
…
تدلّ على أنّه واحد
{وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} أي: في علم الله، وقضائه، فلذلك لا ينفعهم ما يرون من الآيات العظام؛ لأن الله ختم على قلوبهم وعلى سمعهم، وجعل على أبصارهم غشاوة، فمن يهديهم إلى الإيمان بعد الله، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {فِي:} حرف جر. {ذلِكَ:} اسم إشارة مبني على السكون في محل جر ب {فِي،} والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر: {إِنَّ} تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له من الإعراب. {لَآيَةً:} اللام:
لام الابتداء. (آية): اسم {إِنَّ} مؤخر، والجملة الاسمية:{إِنَّ فِي..} . إلخ مستأنفة، أو ابتدائية، لا محل لها على الاعتبارين. {وَما:} الواو: حرف عطف. (ما): نافية. {كانَ:} فعل ماض ناقص. {أَكْثَرُهُمْ:} اسم {كانَ} مرفوع، والهاء في محل جر بالإضافة. {مُؤْمِنِينَ:} خبر {كانَ}
منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. هذا؛ وقال سيبويه:(كان) زائدة، وعليه تكون (ما) عاملة عمل «ليس» و {أَكْثَرُهُمْ} اسمها، و {مُؤْمِنِينَ} خبرها، وعلى الاعتبارين فالجملة:{وَما كانَ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين، وقيل: في محل نصب حال، وليس بالقوي.
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)}
الشرح: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ} أي: الغالب القادر على الانتقام من الكفرة. {الرَّحِيمُ:}
حيث أمهلهم، ولم يعاجلهم بالعقوبة، أو {الْعَزِيزُ} في انتقامه، {الرَّحِيمُ} لمن تاب، وآمن.
هذا؛ والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، و (الرب) انظر شرحه في الآية رقم [94] من سورة (المؤمنون).
الإعراب: {وَإِنَّ:} الواو: حرف استئناف. (إن): حرف مشبه بالفعل. {رَبَّكَ:} اسمها، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
{لَهُوَ:} اللام: هي اللام المزحلقة. (هو): ضمير فصل لا محل له. {الْعَزِيزُ:} خبر (إن).
{الرَّحِيمُ:} خبر ثان. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، وما بعده خبران عنه، فتكون الجملة الاسمية:{لَهُوَ..} . إلخ في محل رفع خبر: (إن). هذا؛ ودخلت اللام على ضمير الفصل على الوجه الأول فيه؛ لأنه إذا جاز أن تدخل على الخبر، فدخولها على الفصل أولى؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ من الخبر، وأصلها أن تدخل على المبتدأ، وانظر الآية رقم [44] الآتية.
الشرح: {وَإِذْ نادى..} . إلخ: هذا شروع في قصص سبع ذكرها الله تعالى في هذه السورة، أولها قصة موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وهذا النداء كان لموسى في طريق عودته من مدين إلى مصر، كما رأيت في سورة (طه)، وكما ستقف عليه مفصلا في سورة (القصص) إن شاء الله تعالى، وكان النداء بكلام نفساني سمعه من كل الجهات من غير واسطة، والنداء: الدعاء ب «يا فلان» أي: قال ربك: يا موسى. وموسى أصله: (موشى) مركبا من اسمين: الماء، والشجر، فالماء يقال له في العبرانية:(مو)، والشجر يقال له:(شا) فعربته العرب، وقالوا: موسى بالسين، وسبب تسميته بذلك: أن امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء، والشجر، لمّا ألقته أمّه فيه، كما رأيت في سورة (طه) وكما ستقف عليه مفصلا في سورة (القصص) إن شاء الله تعالى.
{اِئْتِ:} أمر من «أتى» الثلاثي الذي شرحته لك في الآية رقم [5] فهو بهمزتين: همزة الوصل التي يتوصل بها إلى النطق بالساكن، والثانية هي فاء الفعل، ولا يجتمع همزتان، فإذا
ابتدأت الكلام، قلت: إيت بإبدال الثانية ياء لكسر ما قبلها، فإذا وصلت الكلام زالت العلة في الجمع بين همزتين، فتحذف همزة الوصل وتعود الهمزة الأصلية، فتقول: ائت، ومثل ذلك قل في إعلال: أذن يأذن ونحوه.
{الْقَوْمَ:} هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: رهط، ومعشر، ونفر
…
إلخ، وهو يطلق على الرجال دون النساء بدليل قوله تعالى:{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ} وقال زهير بن أبي سلمى المزني: [الوافر]
وما أدري-وسوف إخال أدري-
…
أقوم آل حصن أم نساء؟
وربما دخل النساء فيه على سبيل التبع للرجال، كما في إرسال الرسل لأقوامهم؛ إذ إن كل لفظ (قوم) في القرآن، إنما يراد به الرجال، والنساء جميعا، وهو يذكر، ويؤنث، انظر الآية رقم [105] الآتية. {الظّالِمِينَ} أي: بالكفر، واستعباد بني إسرائيل، وذبح صبيانهم، واستحياء بناتهم. {قَوْمَ فِرْعَوْنَ:} قال المسعودي: ولا يعرف لفرعون تفسير في العربية، وظاهر كلام الجوهري: أنه مشتق من معنى العتو، فإنه قال: والفراعنة: العتاة، وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة، أي: دهاء، ومكر، وفرعون لقب لمن ملك العمالقة في مصر، كقيصر، وكسرى لملكي الفرس، والروم، وكان فرعون موسى مصعب بن الريان، وقيل: ابنه الوليد من بقايا قوم عاد، وفرعون يوسف-على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام-ريان بن الوليد، وبينهما أكثر من أربعمئة سنة، وعاش ستمئة وعشرين سنة، وكان ملك فرعون موسى أربعمئة سنة، ولم ير مكروها قط، ولو حصل له في تلك المدة جوع يوم، أو وجع يوم؛ أو حمى يوم لما ادّعى الربوبية.
{أَلا يَتَّقُونَ} أي: ألا يخافون عقاب الله، وانتقامه، ويمتثلون أوامره، ويجتنبون نواهيه، وذلك مع الإيمان به، وتصديق موسى فيما جاء به من عند ربه. هذا؛ والفعل مأخوذ من (التقوى) وهي حفظ النفس من العذاب الأخروي، وأصل المادة من الوقاية، وهي الحفظ والتحرز من المهالك في الدنيا، والآخرة، وانظر ما وصف الله به المتقين في أول سورة (البقرة). هذا؛ ويقرأ الفعل بالتاء، فيكون في الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب زجرا لهم، وغضبا عليهم.
قال الزمخشري: فإن قلت فما فائدة هذا الالتفات، والخطاب مع موسى عليه الصلاة والسلام في وقت المناجاة، والملتفت إليهم غيب لا يشعرون، قلت: إجراء ذلك في تكليم المرسل إليهم في معنى إجرائه بحضرتهم، وإلقائه إلى مسامعهم؛ لأنه مبلغه، ومنهيه، وناشرة بين الناس، وله فيه لطف، وحث على زيادة التقوى، وكم من آية أنزلت في شأن الكافرين، وفيها أوفر نصيب للمؤمنين. انتهى.
الإعراب: {وَإِذْ:} الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو: اتل، ويدل للأول ما صرح به
في قوله تعالى: {وَاذْكُرْ أَخا عادٍ،} {وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ} ويدل للثاني، ما صرح به في قوله تعالى:{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ} أو هو مفعول به لهذا المقدر، ورجحه ابن هشام في المغني، وذكر الأول أيضا. {نادى:} فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. {رَبُّكَ:}
فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
{مُوسى:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. {أَنِ:} حرف مصدري. {اِئْتِ:} فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره:«أنت» ، و {أَنِ} والفعل في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأن ائت. هذا؛ وأرجح اعتبار (أن) حرف تفسير، والجملة الفعلية مفسرة للفعل نادى، وشرط التفسير موجود هنا، وهو سبق «أن» بجملة فيها معنى القول دون حروفه. {الْقَوْمَ:} مفعول به. {الظّالِمِينَ:} صفة له منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء
…
إلخ.
{قَوْمَ:} بدل من {الْقَوْمَ،} أو عطف بيان عليه، و {قَوْمَ} مضاف، و {فِرْعَوْنَ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، وجملة:{نادى رَبُّكَ..} . إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها. {أَلا:} حرف تنبيه واستفتاح، يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. وقيل: هي حرف عرض، وقيل: الهمزة حرف استفهام معناه التعجب، و (لا) نافية، ولا وجه له البتة. {يَتَّقُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وقال النسفي:
ويحتمل: أنها في محل نصب حال من الضمير في {الظّالِمِينَ} أي: يظلمون غير متقين الله وعقابه، فأدخلت همزة الإنكار على الحال، والكلام {وَإِذْ نادى..} . إلخ مستأنف لا محل له.
الشرح: {قالَ رَبِّ} أي: قال موسى: يا رب. {إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ} أي: في دعوى الرسالة. {وَيَضِيقُ صَدْرِي} أي: بسبب تكذيبهم إياي. {وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي:} بأداء الرسالة للعقدة التي فيه بسبب وضع الجمرة عليه، وهو صغير لمّا نتف لحية فرعون، فغضب منه، وأراد قتله، فأشارت عليه زوجته، أن يختبره، فقدم له تمرة، وجمرة، فأخذ الجمرة، ووضعها على لسانه، فحصل فيه ثقل في النطق. {فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ} أي: أرسل جبريل إلى هارون، واصطفيه رسولا مثلي. {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ:} المراد بالذنب هنا: قتل القبطي على ما يأتي بيانه في سورة (القصص) إن شاء الله تعالى. {فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ} أي: يقتلوني قصاصا به، وفي هذا دليل واضح على أن
الخوف قد يصحب الأنبياء، والفضلاء، والأولياء مع معرفتهم بالله، وأن لا فاعل إلا هو؛ إذ قد يسلط من شاء على من شاء.
قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: رتب استدعاء ضم أخيه إليه، وإشراكه له في الأمر على الأمور الثلاثة: خوف التكذيب، وضيق الصّدر انفعالا عنه، وازدياد الحبسة في اللسان بانقباض الروح إلى باطن القلب عند ضيقه بحيث لا ينطلق؛ لأنها إذا اجتمعت مست الحاجة إلى معين، يقوي قلبه، وينوب منابه متى تعتريه حبسته، حتى لا تختل دعوته، ولا تبتر حجته، وليس ذلك تعللا منه، وتوقفا في تلقي الأمر، بل طلبا لما يكون معونة على امتثاله، وتمهيد عذره فيه. انتهى.
كيف لا وقد صرح بذلك في قوله: {وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ} وما أحراك أن تنظر الآيات رقم [25] وما بعدها من سورة (طه).
هذا؛ وقد كان هارون عليه السلام، أكبر من موسى، وأفصح لسانا منه، وأجمل، وأوسم، وكان أبيض اللون، وكان موسى آدم اللون، أقنى، أجعد، وكان هارون ألين عريكة من موسى، على نبينا وحبيبنا وعليهم جميعا ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام.
هذا؛ وأصل الخوف: انزعاج في الباطن يحصل من توقع مكروه يقع في المستقبل. وأما التخوف؛ فإنه يأتي بمعنى التّنقّص، كما في قوله تعالى:{أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ} الآية رقم [47] من سور النحل، يروى: أن الفاروق-رضي الله عنه-قال على المنبر:
ما تقولون في قوله تعالى: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ؟} فسكتوا، فقام شيخ من هذيل، وقال: هذه لغتنا: التّخوّف: التّنقّص، قال عمر-رضي الله عنه: فهل تعرف العرب هذا في أشعارهم؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير الهذلي:[البسيط]
تخوّف الرّحل منها تامكا قردا
…
كما تخوّف عود النّبعة السّفن
فقال عمر-رضي الله عنه: أيها الناس! عليكم بديوانكم لا تضلوا! قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم. وانظر ما ذكرته في الشعراء والشعر في الآية رقم [224] الآتية. هذا؛ ويأتي الخوف بمعنى العلم، وبه قيل في قوله تعالى:
{فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً..} . إلخ الآية رقم [182] من سورة (البقرة)، وفي قوله تعالى:
{إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ..} . إلخ الآية رقم [229] من سورة (البقرة)، بعد هذا انظر شرح:{ذَنْبٌ} في الآية رقم [58] من سورة (الفرقان)، وشرح {رَبِّ} في الآية رقم [94] من سورة (المؤمنون).
الإعراب: {قالَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى موسى، تقديره: هو. {رَبِّ:} منادى مضاف، حذفت منه أداة النداء، وانظر الآية رقم [169] الآتية. {إِنِّي:} حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. {أَخافُ:} فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره:
«أنا» . {أَنْ:} حرف مصدري ونصب. {يُكَذِّبُونِ:} فعل مضارع منصوب ب {أَنْ،} وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بالكسرة مفعول به، و {أَنْ} والفعل المضارع في تأويل مصدر في مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة:{أَخافُ..} . إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية:{إِنِّي..} . إلخ في محل نصب مقول القول كالجملة الندائية قبلها، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
{وَيَضِيقُ:} الواو: حرف عطف. (يضيق): فعل مضارع. {صَدْرِي:} فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على خبر:(إن)، أو هي مستأنفة، لا محل لها، وجملة:{وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي} معطوفة عليها على الوجهين المعتبرين فيها. هذا؛ ويقرأ الفعلان بالنصب على: {يُكَذِّبُونِ} . {فَأَرْسِلْ:} الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كانت الأمور الثلاثة متوقعة الحصول فأرسل. (أرسل): فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» . {وَلَهُمْ:} الواو: حرف استئناف. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {عَلَيَّ:} جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. {ذَنْبٌ:} مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {فَأَخافُ:} الفاء: حرف عطف. (أخاف): فعل مضارع، والفاعل أنا، والمصدر المؤول من {أَنْ يَقْتُلُونِ} في محل نصب مفعول به، وجملة:{فَأَخافُ..} .
إلخ في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير (فأنا أخاف
…
) إلخ، والجملة الاسمية هذه معطوفة على ما قبلها، أو تعليل، ولا محل لها على الوجهين.
{قالَ كَلاّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15)}
الشرح: {قالَ} أي: الله لموسى. {كَلاّ} أي: لن يقتلوك، فهو ردع وزجر عن هذا الظن، وأمر بالثقة بالله تعالى، أي: ثق بالله، وانزجر عن خوفك منهم، فإنهم لا يقدرون على قتلك، ولا يقوون عليه. {فَاذْهَبا} أي: اذهب أنت، وأخوك، فقد جعلته رسولا معك. والخطاب لموسى، وثني، ففيه تغليب الحاضر على الغائب عن ذلك المكان، وهو هارون؛ لأنه إذ ذاك كان بمصر، والإرسال والخطاب المذكوران كانا في الطور في طريق عودة موسى من مدين إلى مصر. {إِنّا:} يريد نفسه سبحانه وتعالى. {مَعَكُمْ:} جمع الضمير، والخطاب لموسى وحده؛ لأن المراد موسى وهارون، فأجراهما مجرى الجمع تعظيما لشأنهما، أو المراد: هما، وفرعون. {مُسْتَمِعُونَ:} سامعون ما يقولون، وما يجيبون، وما يجري بينكما وبينه، فأظهركما
عليه. مثل سبحانه وتعالى نفسه بمن حضر مجادلة قوم استماعا لما يجري بينهم، وترقبا لإمداد أوليائه منهم، مبالغة في الوعد بالإعانة، فلذلك تجوّز بالاستماع الذي هو بمعنى الإصغاء للسمع الذي هو مطلق إدراك الحروف والأصوات، بعد هذا انظر شرح {كَلاّ} في الآية رقم [79] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام.
الإعراب: {قالَ:} فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره:«هو» يعود إلى الله. {كَلاّ:}
حرف ردع وزجر مبني على السكون في محل نصب مقول القول. {فَاذْهَبا:} الفاء: حرف عطف. (اذهبا): فعل أمر مبني على حذف النون، والألف فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة المفهومة من قوله:{كَلاّ} كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن، فاذهب أنت والذي طلبته. {بِآياتِنا:} متعلقان بالفعل قبلهما، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {إِنّا:}
حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. {مَعَكُمْ:} ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر (إنّ)، أو هو متعلق بما بعده، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {مُسْتَمِعُونَ:} خبر ثان ل: (إنّ)، أو هو خبر واحد على اعتبار الظرف متعلقا به مرفوع، وعلامة رفعه الواو
…
إلخ، والجملة الاسمية:{إِنّا..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وهي مفيدة للتعليل، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
الشرح: {فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا:} الخطاب لموسى، وغلبه على أخيه هارون الغائب كما رأيت في الآية السابقة. {إِنّا رَسُولُ:} في إفراده أوجه: أحدها: هو مصدر كالرسالة، أي ذوا رسول، أو: إنا رسالة على المبالغة. والثاني: أنه اكتفى بأحدهما؛ إذ كانا على أمر واحد. والثالث: أن موسى عليه السلام كان هو الأصل وهارون تبع، فذكر الأصل. انتهى. عكبري.
وقال الخازن: فإن قلت: هلاثنى الرسول، كما في قوله تعالى:{فَأْتِياهُ فَقُولا إِنّا رَسُولا رَبِّكَ} الآية رقم [47] من سورة (طه)؟، قلت: الرسول قد يكون بمعنى المرسل، وبمعنى الرسالة، فجعله ثمّ بمعنى المرسل فلم يكن بدّ من تثنيته، وجعله هنا بمعنى الرسالة، فجازت التسوية فيه؛ إذا وصف به الواحد، والتثنية، والجمع، والمعنى إنا ذوا رسالة، قال كثيّر عزة:[الطويل]
لقد كذب الواشون ما فهت عندهم
…
بشيء ولا أرسلتهم برسول
أي: برسالة، وقال الأسعر الجعفي:[الوافر]
ألا أبلغ بني عمرو رسولا
…
بأنّي عن فتاحتكم غنيّ
أي: أبلغهم رسالة. وقال العباس بن مرداس: [الوافر]
ألا من مبلغ عنّي خفافا
…
رسولا بيت أهلك منتهاها
يعني: رسالة، فلذلك أنثها، وقيل: إنهما لاتفاقهما في الرسالة، والشريعة، والأخوة، فصارا كأنهما رسول واحد. وقيل: كل واحد منا رسول رب العالمين. انتهى. بتصرف.
{إِسْرائِيلَ} هو نبي الله يعقوب، ومعناه بالعبرانية: صفوة الله، أو عبد الله ف:«إسرا» هو العبد أو الصفوة، و «أيل» هو الله، ويعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وقد ولد يعقوب في حياة جده إبراهيم، وهو النافلة التي امتن الله بها على إبراهيم بقوله:{وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً} ولقد وجدت في كثير من المراجع الموجودة عندي: أن يعقوب كان توأما مع أخ له اسمه عيصو في بطن واحد، فعند خروجهما من بطن أمهما تزاحما، وأراد كل أن يخرج قبل صاحبه، فقال عيصو ليعقوب: إن لم تدعني أخرج قبلك، وإلا خرجت من جنبها، فتأخر يعقوب شفقة منه على أمه؛ فلذا كان أبا الأنبياء، وعيصو أبا الجبارين، والله أعلم بحقيقة ذلك.
هذا؛ و: {الْعالَمِينَ:} جمع عالم بفتح اللام، وهو يقال لكل ما سوى الله، ويدل له الآية رقم [23] و [24] والعوالم كثيرة لا تحصيها الأرقام، وهي منتشرة في هذا الكون المترامي الأطراف في البر والبحر؛ إذ كل جنس من المخلوقات يقال له: عالم، قال تعالى:{وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ} . والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
{أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا..} . إلخ: أي: أطلقهم من استعبادك لهم، وخلهم يذهبوا إلى فلسطين، وكانت مسكن يعقوب وإسحاق، والذي أتى بهم إلى مصر هو يوسف عليه السلام، كما هو معروف، ومشهور، وكان فرعون قد استعبدهم، واستذلهم أربعمئة سنة، وكانوا في ذلك الوقت ستمئة ألف، وثلاثين ألفا. يروى: أنهما انطلقا إلى باب فرعون، فلم يؤذن لهما سنة في الدخول عليه، فدخل البواب عليه، وقال: هاهنا إنسان يزعم: أنه رسول رب العالمين، فقال: إيذن له، لعلنا نضحك منه، فدخلا عليه، وأديا الرسالة.
وروى وهب، وغيره: أنهما لما دخلا على فرعون وجداه قد أخرج سباعا من أسد ونمور وفهود يتفرج عليها، فخاف سواسها أن تبطش بموسى وهارون، فأسرعوا إليها، وأسرعت السباع إلى موسى وهارون، فأقبلت تلحس أقدامهما، وتبصبص إليهما بأذنابها، وتلصق خدودها بفخذيهما، فعجب فرعون من ذلك، فقال: ما أنتما؟ قال: إنا رسول رب العالمين، فعرف موسى؛ لأنه نشأ في بيته. فقال: ما يلي.
الإعراب: {فَأْتِيا:} الفاء: حرف عطف. (ائتيا): فعل أمر مبني على حذف النون، والألف فاعله. {فِرْعَوْنَ:} مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:{فَاذْهَبا..} . إلخ فهي في محل نصب مقول القول مثلها. {فَقُولا:} الفاء: حرف عطف. (قولا): فعل أمر، والألف فاعله. {إِنّا:} حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. {رَسُولُ:} خبر (إنّ) وهو مضاف، و {رَبِّ}
مضاف إليه، و {رَبِّ} مضاف، و {الْعالَمِينَ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {أَنْ:} حرف تفسير لتضمن الرسول معنى الإرسال، والإرسال بمعنى القول دون حروفه، كما في الوحي، والمناداة، والكتابة، والإشارة، ونحو ذلك. {أَرْسِلْ:} فعل أمر، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» . {مَعَنا:} ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {بَنِي:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء، نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و {بَنِي} مضاف، و {إِسْرائِيلَ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، وجملة:{أَنْ أَرْسِلْ..} . إلخ لا محل لها؛ لأنها مفسرة لمعنى الإرسال، كما رأيت، وقيل:{أَنْ} مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب بنزع الخافض، والأول أقوى، وأرجح.
{قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18)}
الشرح: {قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ..} . إلخ: فحذف: فأتيا فرعون، فقالا له ذلك؛ لأنه معلوم لا يخفى، وهذا الاختصار كثير في التنزيل، والمعنى: ربيناك صغيرا، ولم نقتلك فيمن قتلنا.
والوليد: الصبي لقرب عهده بالولادة. {وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} أي: أقمت عندنا في إعزاز وإكرام ورعاية سنين، أي: ثلاثين، وقد ذكر السبب في سورة (طه)، وسأذكره في سورة (القصص)؛ إن شاء الله تعالى أيضا.
الإعراب: {قالَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى {فِرْعَوْنَ}. {أَلَمْ:} الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. {نُرَبِّكَ:} فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:«نحن» ، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. {فِينا:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:{وَلِيداً،} كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة، التي ذكرتها لك كثيرا. {وَلِيداً:} حال من كاف الخطاب، والجملة الفعلية:{أَلَمْ نُرَبِّكَ..} . إلخ في محل نصب مقول القول. {وَلَبِثْتَ:} الواو: حرف عطف. (لبثت): فعل، وفاعل. {مِنْ عُمُرِكَ:} متعلقان بمحذوف حال من {سِنِينَ،} كان صفة له
…
والكاف في محل جر بالإضافة. {سِنِينَ:} ظرف زمان متعلق بالفعل قبله منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة:{وَلَبِثْتَ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
{وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (19)}
الشرح: {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ:} أراد قتله القبطي. وبخه على قتله، معظما إياه، بعد أن عدد عليه نعمه. والفعلة بفتح الفاء: المرة من الفعل، وقرئ بكسر الفاء بمعنى الهيئة، والحال، قال الأعشى:[البسيط]
كأنّ مشيتها من بيت جارتها
…
مرّ السّحابة لا ريث ولا عجل
{وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ} أي: في قتلك القبطي. وقيل: أي: بنعمتي التي كانت لي عليك من التربية، والرعاية، والإحسان إليك. هذا؛ وقد ربّي موسى عليه السلام في بيت فرعون ثلاثين عاما، وخرج إلى مدين، فأقام عشرة أعوام، ودعا فرعون إلى الله ثلاثين عاما، وعاش بعد غرق فرعون خمسين عاما.
هذا؛ والكفر: ستر الحق بالجحود والإنكار، وكفر فلان النعمة، يكفرها كفرا، وكفورا، وكفرانا: إذا جحدها، وسترها، وأخفاها. وكفر الشيء: ستره، وغطاه. وسمي الكافر كافرا؛ لأنه يغطي نعم الله بجحدها، وعبادته غيره. وسمي الزارع كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه، ويستره بالتراب، قال تعالى في تشبيه حال الدنيا:{كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ} وسمي الليل كافرا؛ لأنه يستر كل شيء بظلمته. قال لبيد بن ربيعة الصحابي-رضي الله عنه-في معلقته: [الكامل]
حتّى إذا ألقت يدا في كافر
…
وأجنّ عورات الثغور ظلامها
الإعراب: {وَفَعَلْتَ:} الواو: حرف عطف. (فعلت): فعل، وفاعل. {فَعْلَتَكَ:} مفعول مطلق، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. {الَّتِي:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: {فَعْلَتَكَ} . وجملة: (فعلت): صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، وهو ضمير المصدر على حد قوله تعالى:{فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ} وجملة: {وَفَعَلْتَ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. {وَأَنْتَ:} الواو: واو الحال. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {مِنَ الْكافِرِينَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:{وَأَنْتَ..} . إلخ في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير.
{قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضّالِّينَ (20)}
الشرح: {قالَ} أي: موسى. {فَعَلْتُها إِذاً} أي: فعلت تلك الفعلة. يريد: قتل القبطي.
{وَأَنَا مِنَ الضّالِّينَ} أي: من الجاهلين. وقد قرئ به، والمعنى من الفاعلين فعل أولي الجهل،
والسفه، أو: من المخطئين؛ لأنه لم يتعمد قتله، أو: من الذاهلين عما يؤول إليه أمر الوكز؛ لأنه أراد به التأديب، والردع، والزجر من الاعتداء على الإسرائيلي الذي كان مع القبطي. أو:
من الناسين على حد قوله تعالى: {أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى} فقد بيّن عليه الصلاة والسلام بهذا: أن التربية فيهم لا تنافي النبوة والحلم على الناس، وأنّ القتل خطأ، أو في وقت لم يكن فيه شرع لا ينافي النبوة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: {قالَ:} فعل ماض، والفاعل تقديره:«هو» يعود إلى {مُوسى} . {فَعَلْتُها:} فعل، وفاعل، ومفعول به، أو مفعول مطلق. {إِذاً:} حرف جواب، وجزاء مهمل لا عمل له، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. {وَأَنَا:} الواو: واو الحال. (أنا): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {مِنَ الضّالِّينَ:} متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ وإن اعتبرت {إِذاً} ظرفا متعلقا ب {الضّالِّينَ} فالمعنى لا يأباه، ويكون معناه:{حِينَئِذٍ} . وانظر الآية رقم [42] الآتية، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
الشرح: {فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمّا خِفْتُكُمْ} أي: خرجت فارا من بلدكم حين خفت بطشكم، وعقوبتكم. {فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً} أي: أنعم عليّ، ومنحني من فضله حكمة، وعلما، ونبوة.
{وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ} أي: اصطفاني، واختارني رسولا لكم. هذا، وقد فسرت الحكم-وهو الحكمة-بما رأيت. والحكمة: كل كلمة وعظتك، أو دعتك إلى مكرمة. وأصل الفعل:
{خِفْتُكُمْ} خوفتكم، فحذفت الواو لاستثقال الكسرة عليها، ثم قلبت فتحة الخاء كسرة؛ لتدل على حركة المحذوف، ولو كانت الحركة دليلا على المحذوف؛ لكانت ضمة. تأمل.
الإعراب: {فَفَرَرْتُ:} الفاء: حرف عطف. (فررت): فعل، وفاعل. {مِنْكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. {لَمّا:} ظرف زمان متعلق بالفعل فررت أيضا، وهي بمعنى حين.
{خِفْتُكُمْ:} فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة:{لَمّا} إليها.
هذا؛ وإن اعتبرت: {لَمّا} متطلبة جملتين، فقد حذف جوابها لدلالة ما قبله عليه. هذا؛ وقرئ:
«(لما)» بكسر اللام وتخفيف الميم على اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر باللام، التقدير: لتخوفي منكم، والجار والمجرور متعلقان بالفعل:(فررت). {فَوَهَبَ:}
الفاء: حرف عطف. (وهب): فعل ماض. {لِي:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. {رَبِّي:}
فاعل: (وهب) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها
اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {حُكْماً:} مفعول به، وجملة:{فَوَهَبَ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. {وَجَعَلَنِي:} الواو: حرف عطف. (جعلني):
فعل ماض، والنون للوقاية، والياء مفعول به، والفاعل يعود إلى {رَبِّي،} تقديره: «هو» . {مِنَ الْمُرْسَلِينَ:} متعلقان بالفعل: (جعل) وهما في محل نصب مفعوله الثاني، وجملة:{وَجَعَلَنِي..} .
إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.
{وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (22)}
الشرح: لقد اختلف العلماء في معنى هذه الآية، وأنا أنقل لك ما ذكره النسفي-رحمه الله تعالى-فيها، حيث قال: كرّ على امتنانه عليه بالتربية، فأبطله من أصله، وأبى أن تسمى نعمة؛ لأنها نقمة حيث بيّن أن حقيقة إنعامه عليه تعبيد بني إسرائيل؛ لأن تعبيدهم وقصدهم بذبح أبنائهم هو السبب في حصوله عنده وتربيته له، ولو تركهم لرباه أبواه من غير امتنان عليه، فكأن فرعون امتن على موسى بتعبيد قومه، وإخراجه من حجر أبويه إذا حقّقت. وتعبيدهم: تذليلهم، واتخاذهم عبيدا انتهى. هذا؛ ويقال: عبدته وأعبدته؛ إذا ذللته، واستعبدته، واتخذته عبدا، قال الفراء، وأنشد:[البسيط]
علام يعبدني قومي وقد كثرت
…
فيهم أباعر ما شاؤوا وعبدان؟
وقال الخازن: وقيل: هو على طريق الإنكار، والمعنى: أتمنّ عليّ أن ربيتني، وتنسى جنايتك على بني إسرائيل بالاستعباد، والمعاملات القبيحة، أو يريد: كيف تمن عليّ بالتربية، وقد استعبدت قومي؟! ومن أهين قومه فقد ذل، فتعبيد بني إسرائيل قد أحبط حسناتك إلي، ولو لم تستعبدهم، ولم تقتل أولادهم؛ لم أرفع إليك حتى تربيني، وتكفلني، ولكان لي من أهلي من يربيني، ولم يلقوني باليم.
هذا؛ وقد وحد الضمير في قوله تعالى: {تَمُنُّها} و {عَبَّدْتَ} وجمع في {خِفْتُكُمْ؛} لأن الخوف والفرار لم يكونا منه وحده، ولكن منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله بدليل قوله تعالى:
{إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} وأما الامتنان فمنه وحده، وكذا التعبيد، وتلك إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة، لا يدري ما هي إلا بتفسيرها.
الإعراب: {وَتِلْكَ:} الواو: حرف عطف. (تلك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {نِعْمَةٌ:} خبر المبتدأ. {تَمُنُّها:} فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» ، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة:
{نِعْمَةٌ} . {عَلَيَّ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {أَنْ:} حرف مصدري، ونصب.
{عَبَّدْتَ:} فعل، وفاعل. {بَنِي:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و {بَنِي} مضاف، و {إِسْرائِيلَ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، و {أَنْ} والفعل بعدها في تأويل مصدر؛ قال السمين: في محله أوجه سبعة: أحدها: أنه في محل رفع عطف بيان ل: (تلك) كقوله تعالى: {وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ..} . إلخ.
والثاني: أنه في محل نصب مفعولا لأجله. والثالث: أنه بدل من: {نِعْمَةٌ} . والرابع: أنه بدل من الهاء في {تَمُنُّها} . والخامس: أنه مجرور بباء مقدرة؛ أي: بأن عبدت. والسادس: أنه خبر مبتدأ مضمر؛ أي: هي. والسابع: أنه منصوب بإضمار: أعني. انتهى. جمل. والجملة الاسمية: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.
الشرح: {قالَ فِرْعَوْنُ..} . إلخ: أي: إنك تدعي: أنك رسول رب العالمين، فما صفته، وذلك؛ لأنك إذا أردت السؤال عن صفة زيد، تقول: ما زيد؟ تعني: أطويل، أم قصير، أفقيه، أم طبيب؟ وقيل: هو سؤال عن الجنس، والله منزه عن الجنسية، والماهية؛ فلذلك عدل موسى عليه السلام-عن جوابه، وأجابه بذكر أفعاله، وآثار قدرته؛ التي تعجز الخلائق عن الإتيان بمثلها. {قالَ رَبُّ السَّماواتِ..}. إلخ: أي: رب السموات، والأرض هو خالقهما.
فاعرفوا: أنه لا يمكن تعريفه إلا بما ذكرته لكم، فإن أيقنتم بذلك؛ لزمكم أن تقطعوا: أنه لا جواب لكم عن هذا السؤال إلا ما ذكرته من الجواب. {إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} أي: إن كنتم تعرفون الأشياء بالدليل، فكفى خلق هذه دليلا، أو إن كان يرجى منكم الإيقان؛ الذي يؤدي إليه النظر الصحيح؛ نفعكم هذا الجواب، وإلا لم ينفع، والإيقال: العلم الذي يستفاد بالاستدلال، ولذا لا يقال: الله موقن.
هذا؛ وقد أعاد الضمير إلى السموات والأرض مثنى والمرجوع إليه مجموع السموات والأرض وتثنية الجمع جائزة على تأويل الجماعتين، قال الشاعر يذم عاملا على الصدقات:[البسيط]
سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا
…
فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟
لأصبح النّاس أوبادا ولم يجدوا
…
عند التّفرّق في الهيجا جمالين
فقد ثنى «جمال» الذي هو جمع: جمل. والعقاب: صدقة عام، والسبد: المال القليل.
واللبد: المال الكثير. وأوبادا: هلكى جمع: وبد، فهو يقول: صار عمرو عاملا على الزكوات
في سنة واحدة، فظلم، وأخذ أموالنا بغير حق؛ حتى لم يبق لنا إلا شيء قليل من المال، فكيف يكون حالنا، أو كيف يبقى لأحد لو صار عمرو عاملا في زكاة عامين؟ ثم أقسم، فقال: والله لو صار عاملا سنتين؛ لصارت القبيلة هلكى، فلا يكون لهم عند التفرق في الحرب جمالان، فيختل أمر الغزوات. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [59] من سورة (الفرقان).
الإعراب: {قالَ:} فعل ماض. {فِرْعَوْنُ:} فاعله. {وَما:} الواو: صلة. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {رَبُّ:} خبره، وهو مضاف، و {الْعالَمِينَ:} مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {قالَ:} فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره:«هو» يعود إلى {مُوسى} . {رَبُّ:} خبر لمبتدأ محذوف، التقدير:«هو» ، و {رَبُّ} مضاف، و {السَّماواتِ:}
مضاف إليه
…
إلخ. {وَالْأَرْضِ:} معطوف على ما قبله. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على السموات والأرض. {بَيْنَهُمَا:} ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الاسمية المقدرة: «هو رب
…
» إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {إِنْ:} حرف شرط جازم. {كُنْتُمْ:} فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. {مُوقِنِينَ:} خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء
…
إلخ، وجملة:
{كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فآمنوا به وحده، و {إِنْ} ومدخولها في محل نصب مقول القول.
الشرح: {قالَ} أي: فرعون {لِمَنْ حَوْلَهُ} من أشراف قومه. قال ابن عباس-رضي الله عنهما: كانوا خمسمئة رجل عليهم الأسورة. {أَلا تَسْتَمِعُونَ} أي: جواب موسى، فإني أطلب منه ماهية إلهه الذي يدعيه، وهو يجيبني بأنه مالك السموات والأرض وما بينهما؛ أي: يجيبني بأفعاله، وآثاره، فهو يستغرب من جوابه؛ لأنهم يزعمون قدم السموات، والأرض، وينكرون حدوثهما، وأن لهما ربّا.
{قالَ} أي: موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. {رَبُّكُمْ وَرَبُّ..}. إلخ:
أي: خالقكم، وخالق آبائكم، فإن لم تستدلوا على الخالق العظيم بما ذكرت لكم؛ فاستدلوا بخلقه لكم، ولآبائكم الأولين. وإنما قال: ورب آبائكم؛ لأن فرعون كان يدعي الربوبية على أهل عصره دون من تقدّمهم، وهذا شأن كلّ من ادّعى الألوهية لنفسه.
{قالَ} أي: فرعون. {إِنَّ رَسُولَكُمُ..} . إلخ: حيث يجيب عن السؤال بما لا نفهمه، ويتكلم بكلام لا نقبله، فكأنه لا يفهم السؤال، ثم هو يزعم: أن في الوجود إلها غيري. هذا؛ وانظر شرح {الْأَوَّلِينَ} في الآية رقم [5] من سورة (الفرقان)، وشرح:{رَبَّكَ} في الآية رقم [9].
أما {حَوْلَهُ} فهو ظرف مكان لا يتصرف، فهو ملازم للظرفية أبدا، يقال: قعد حوله وحواله، وحوليه، وحواليه، ولا تقل: حواليه بكسر اللام، وقعد بحياله، وحياله، أي: بإزائه، وإزاءه.
هذا؛ وسمى فرعون موسى رسولا على طريق السخرية.
الإعراب: {قالَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى {فِرْعَوْنُ}. {لِمَنْ:} اللام: حرف جر، (من): اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، {حَوْلَهُ:} ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، {أَلا:} حرف تنبيه واستفتاح يسترعى به انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. وقيل:
الهمزة للاستفهام، و (لا) نافية. {تَسْتَمِعُونَ:} فعل مضارع مرفوع
…
إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها، {قالَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى {مُوسى}. {رَبُّكُمْ:} خبر لمبتدأ محذوف، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. (رب): معطوف على ما قبله، وهو مضاف، و {آبائِكُمُ} مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل
…
إلخ، والكاف في محل جر بالإضافة
…
إلخ. {الْأَوَّلِينَ:} صفة {آبائِكُمُ} مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية المقدرة: «هو ربكم
…
» إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {قالَ:}
فعل ماض، والفاعل يعود إلى فرعون. {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {رَسُولَكُمُ:} اسم {إِنَّ،} والكاف في محل جر بالإضافة. {الَّذِي:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة:
{رَسُولَكُمُ} . {أُرْسِلَ:} فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى:{رَسُولَكُمُ} . {إِلَيْكُمْ:}
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وجملة: {أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ} صلة الموصول لا محل لها، {لَمَجْنُونٌ:} اللام: هي المزحلقة. (مجنون): خبر {إِنَّ،} والجملة الاسمية: {إِنَّ رَسُولَكُمُ..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
{قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28)}
الشرح: {قالَ} أي: موسى. {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما:} فإنكم تشاهدون كل يوم:
أنه يأتي بالشمس من المشرق، ويحركها على مدار، غير مدار اليوم الذي قبله، حتى يبلغها إلى المغرب على وجه نافع ينتظم به أمور الكائنات، {إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} أي: إن كان لكم عقل علمتم
أن لا جواب لكم فوق ذلك، لا ينههم أولا، ثم لما رأى شدة شكيمتهم، خاشنهم وعارضهم بمثل مقالتهم. انتهى. بيضاوي.
هذا؛ وإنك لترى: أن موسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، قد تدرج معهم في الجواب، وإلقاء الحجج وطرح الأدلة على وجود الصانع الحكيم من قوله:{رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} إلى قوله: {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} إلى قوله: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ..} . إلخ، وختم الآية الأولى بقوله:{إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ،} وختم الثالثة بقوله: {إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ،} وهذا التدرج معهم كان من الملاينة إلى الغلظة، كما رأيت. هذا؛ وانظر شرح «العقل» في الآية رقم [10] من سورة (الأنبياء).
تنبيه: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ:} يريد بهما ناحيتي الأرض، أي له سبحانه الأرض كلها، لا يختص به مكان دون مكان. هذا؛ وقد قال سبحانه في سورة (الرحمن):{رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} أي: مشرقي الشتاء والصيف ومغربهما، أو مشرقي الشمس والقمر ومغربهما، وقال تعالى: في سورة (المعارج) وغيرها: {فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنّا لَقادِرُونَ} . فقد جمع المشرق والمغرب، كما ترى باعتبار مشارق الشمس ومغاربها في السنة، وهي ثلاثمئة وستون، تشرق كل يوم في واحد منها، وكذا تغرب في واحد منها، وكان من حق المشرق، والمغرب فتح العين، وهي الراء؛ لأن المصدر الميمي، واسمي الزمان والمكان إذا أخذ أحدها من فعل ثلاثي مفتوح العين، أو مضمومها في المضارع أن يكون بفتح العين قياسا، ولكن التلاوة جاءت بكسرها، وأيضا جاء كثير بكسر العين، وهو مذكور في كتب النحو، من ذلك: المسجد، والمنبت، والمسقط، والمرفق، والمنحر، والمجزر، والتحقيق: أنها أسماء نوعية، غير جارية على فعلها، وإلا فلا مانع من الفتح. هذا؛ وتقديم المشرق على المغرب، بجميع تصاريفه إيماء بأفضليته على المغرب. ولا تنس المطابقة بين المشرق والمغرب، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: {قالَ:} فعل ماض، والفاعل تقديره:«هو» ، يعود إلى {مُوسى} عليه السلام، {رَبُّ:} خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: رب العالمين رب، وهو مضاف، و {الْمَشْرِقِ} مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، {وَالْمَغْرِبِ:} معطوف على ما قبله، (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على: {الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ،} {بَيْنَهُما} ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. {إِنْ:} حرف شرط. {كُنْتُمْ:} فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه، والميم حرف دال على جماعة الذكور.
{تَعْقِلُونَ:} فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون
…
إلخ، والواو فاعله، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة:{كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} لا محل لها؛
لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: إن كنتم تعقلون كلامي؛ فتدبروا ما أقوله لكم. والكلام: {رَبُّ الْمَشْرِقِ..} . إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ} مستأنفة، لا محل لها.
{قالَ لَئِنِ اِتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29)}
الشرح: قال النسفي-رحمه الله تعالى-في آخر الآية السابقة: وهذا غاية الإرشاد؛ حيث عمم أولا بخلق السموات والأرض، وما بينهما، ثم خصص من العام للبيان أنفسهم، وآباءهم؛ لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه، ومن ولد منه، وما شاهد من أحواله من وقت ميلاده إلى وقت وفاته، ثمّ خصص المشرق، والمغرب؛ لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين، وغروبها في الآخر، على تقدير مستقيم في فصول السنة، وحساب مستو من أظهر ما استدل به، ولظهوره انتقل إلى الاحتجاج به خليل الرحمن عن الاحتجاج بالإحياء، والإماتة على نمرود بن كنعان.
فلما تحير فرعون، ولم يتهيأ له أن يدفع ظهور آثار صنعه؛ {قالَ لَئِنِ..} . إلخ، والمعنى: لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني، وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه، فيطرحه في هوة، ذاهبة في الأرض، بعيدة العمق، فردا لا يبصر فيها، ولا يسمع، فكان ذلك أشدّ من القتل، وأشدّ من السجن، ولو قال: لأسجننك؛ لم يؤد هذا المعنى، وإن كان أخصر. انتهى.
وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: ثم لما انقطع فرعون-لعنه الله-في باب الحجة؛ رجع إلى الاستعلاء والتغلب، فتوعد موسى بالسجن، ولم يقل: ما دليلك على أن هذا الإله أرسلك؟ لأن فيه الاعتراف، بأن ثم إلها غيره، وفي توعده بالسجن ضعف، وكان-فيما يروى-يفزع منه فزعا شديدا، حتى كان اللعين لا يمسك بوله. انتهى. هذا؛ وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم «نصرت بالرعب» فكانت عروش الجبابرة تهتزّ عند ذكره صلى الله عليه وسلم فرقا، ووجلا.
الإعراب: {قالَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى {فِرْعَوْنُ} تقديره:«هو» . {لَئِنِ:} اللام:
موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. {اِتَّخَذْتَ:} فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، {إِلهَاً:} مفعول به، {غَيْرِي:} صفة: {إِلهَاً} منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وهذه الإضافة لا تفيد «غير» تعريفا، لذا صح وقوعه صفة للنكرة، وجملة:{اِتَّخَذْتَ} لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:
لأنها جملة شرط غير ظرفي، {لَأَجْعَلَنَّكَ:} اللام: واقعة في جواب القسم. (أجعلنك): فعل مضارع مبني على الفتح لا تصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره:«أنا» ، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. {مِنَ الْمَسْجُونِينَ:}
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية جواب القسم المدلول عليه باللام لا محل لها، وجواب الشرط محذوف على القاعدة:«إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما» قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم
…
جواب ما أخّرت فهو ملتزم
والكلام: {لَئِنِ..} . إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
{قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30)}
الشرح: {قالَ} أي: قال له موسى حين توعده بالسجن: {أَوَلَوْ جِئْتُكَ..} . إلخ: أي: أتفعل ذلك بي؛ ولو جئتك بشيء يبين صدقي فيما أقول؟! والمراد: المعجزة، فإنها الجامعة بين الدلالة على وجود الصانع، وحكمته، والدلالة على صدق مدعي النبوة، انتهى. بيضاوي بتصرف، وإنما قال ذلك موسى؛ لأن من عادة الناس السكون إلى الإنصاف، والإجابة إلى الحق بالبيان.
الإعراب: {قالَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى {مُوسى} على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. {أَوَلَوْ:} الهمزة: حرف استفهام داخل على فعل محذوف، انظر الشرح، الواو:
واو الحال، (لو): وصلية لا عمل لها. {جِئْتُكَ:} فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل الفعل المحذوف، والرابط: الواو، والضمير، انظر الشرح.
{بِشَيْءٍ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {مُبِينٍ:} صفة (شيء) والكلام: {أَوَلَوْ..} . إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
{قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (31)}
الشرح: {قالَ فَأْتِ..} . إلخ: أي: قال فرعون لموسى: فائت بالشيء المبين إن كنت صادقا، فإن من يدعي النبوة، والرسالة لا بد له من حجة تثبت دعواه.
الإعراب: {قالَ:} ماض، وفاعله يعود إلى {فِرْعَوْنُ،} {فَأْتِ:} الفاء: صلة لتحسين اللفظ، أو هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط محذوف، التقدير: إن كنت صادقا في دعواك، فائت.
(ائت): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنت» . {بِهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
{إِنْ:} حرف شرط جازم. {كُنْتَ:} فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. {مِنَ الصّادِقِينَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر
(كان)، وجملة:{كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ} لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله، والكلام:{فَأْتِ..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
{فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (32)}
الشرح: {فَأَلْقى عَصاهُ:} فطرح موسى عصاه على الأرض. {فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ:} الثعبان:
ذكر الحيّات العظيم الضخم، ويجمع على: ثعابين. وفي آية أخرى: {كَأَنَّها جَانٌّ} والجان: الحية الصغيرة، ووجه الجمع: أنها كانت في العظام كالثعبان العظيم، وفي خفة الحركة كالحية الصغيرة، وهي الجانّ. {مُبِينٌ:} ظاهر واضح لمن يراه، ليس بتمويه وتخييل، كما تفعل السحرة. قال ابن عباس-رضي الله عنهما: لما ألقى موسى عصاه؛ صارت حية عظيمة، صفراء شقراء، فاتحة فمها، بين لحييها ثمانون ذراعا، وارتفعت من الأرض بقدر ميل، وقامت على ذنبها، واضعة لحيها الأسفل في الأرض، والأعلى على سور القصر، وتوجهت نحو فرعون لتأخذه، فوثب هاربا، وأحدث-أي: تغوط-في ثيابه بحضرة قومه في ذلك اليوم مرات عديدة، واستمرّ معه هذا المرض، وهو الإسهال؛ حتى غرق، وقد انهزم الناس خوفا مزدحمين، وقتل بعضهم بعضا، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا، ودخل فرعون قصره، وصاح: يا موسى! أنشدك بالذي أرسلك أن تأخذها، وأنا أومن بك، وأرسل معك بني إسرائيل، فأمسكها بيده، فعادت عصا، كما كانت. انتهى. خازن. وغيره في سورة (الأعراف). وهذه إحدى المعجزات، وانظر الآية رقم [12] من سورة (النمل).
هذا؛ والعصا كانت من آس الجنة، طولها عشرة أذرع على طول موسى، ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نورا، حملها آدم معه من الجنة، فتوارثها الأنبياء؛ حتى وصلت إلى شعيب، عليه السلام، فأعطاها لموسى حين لجأ إليه، وزوّجه إحدى ابنتيه، وأسند إليه رعاية الغنم، كما ستقف عليه في سورة (القصص) إن شاء الله تعالى.
هذا؛ والعصا تطلق على أمور، يقال: ألقى عصاه، أي: أقام، وترك الأسفار، وهو مثل عربي، ويقال: انشقت العصا، أي: وقع الخلاف بين القوم، قال الشاعر:[الطويل]
إذا كانت الهيجاء، وانشقّت العصا
…
فحسبك والضّحّاك سيف مهنّد
وهذا هو الشاهد [967] من كتابنا فتح القريب المجيب، انظر إعرابه فإنه جيد، ويقال في الخوارج: قد شقوا عصا المسلمين، أي: اجتماعهم، وائتلافهم. والعصيان: ضد الطاعة، وتجمع العصا على: عصيّ بضم العين وكسرها، وتشديد الياء، كما في الآية رقم [44] الآتية،
ومقتضى القياس أن يقال في جمعها: عصوّ؛ لأن ألفها منقلبة عن واو، ولذا يقال في تثنيتها:
عصوان، فأبدل من الواو الثانية ياء؛ لأنها ظرف ليس بينها، وبين الضمة إلا حرف ساكن، فصار (عصوي) فاجتمعت الواو والياء، والأول ساكن، فقلبت الواو الأولى ياء، ثم أدغمت الياء في الياء، ثم قلبت ضمة الصاد كسرة لتصح الياء، ثم تبعت حركة الصاد. هذا؛ وانظر فوائد العصا في الآية رقم [18] من سورة (طه) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: (ألقى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى {مُوسى} تقديره:«هو» ، {عَصاهُ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو معطوفة على ما قبلها، لا محل لها على الاعتبارين. {فَإِذا:} الفاء: حرف عطف دال على التعقيب هنا كما ترى. (إذا): كلمة دالة على المفاجأة هنا، وهي تختص بالجمل الاسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال لا الاستقبال، نحو: خرجت فإذا الأسد بالباب، وهي حرف عند الأخفش، وابن مالك، ويرجحه:(خرجت فإذا إنّ زيدا بالباب)؛ لأن «إن» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وظرف مكان عند المبرد وابن عصفور، وظرف زمان عند الزجاج، والزمخشري، وزعم الأخير: أن عاملها فعل مشتق من لفظ المفاجأة، ولا يعرف هذا لغير الزمخشري، وإنما ناصبها عندهم الخبر المذكور في نحو:(خرجت فإذا زيد جالس) أو المقدر في نحو: فإذا الأسد. أي: حاضر، وإذا قدرت أنها الخبر؛ فعاملها: مستقر، أو: استقر، ولم يقع الخبر معها في التنزيل إلا مصرحا به. انتهى. ملخصا من مغني اللبيب.
وعلى اعتبارها ظرف مكان، أو زمان، لا أجد لها متعلقا هنا إلا بالتقدير: فانقلبت في ذلك الوقت، أو في ذلك المكان
…
إلخ، وتعليقها ب {مُبِينٌ} -كما ذكرت في المثال المتقدم- لا يعطي المعنى الذي أعطاه هذا التقدير. تأمل، وتدبر. {هِيَ:} ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {ثُعْبانٌ:} خبره. {مُبِينٌ:} صفة {ثُعْبانٌ،} والجملة الاسمية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على التقدير الذي قدرته، وعليه فالجملة الفعلية المقدرة معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وعلى تعليقها ب {مُبِينٌ،} فتبقى الجملة الاسمية معطوفة على الفعلية قبلها، وأيضا على اعتبار (إذا) حرفا؛ فالجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها.
تنبيه: {فَإِذا:} قلت: الفاء هنا حرف عطف وتعقيب، وأذكر لك ما قاله السيوطي في همع الهوامع، فقال-رحمه الله تعالى-: اختلف في هذه الفاء، فقال المازني: هي زائدة لازمة للتأكيد؛ لأن إذا الفجائية فيها معنى الإتباع، ولذا وقعت في جواب الشرط موقع الفاء، وهذا ما اختاره ابن جني، وقال مبرمان: هي عاطفة لجملة: (إذا) ومدخولها على الجملة قبلها، واختاره الشّلوبّين الصغير، وأيده أبو حيان بوقوع «ثم» موقعها في قوله تعالى:{ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ}
تَنْتَشِرُونَ وقال الزجاج: دخلت على حد دخولها في جواب الشرط انتهى. أي: فهي للسببية المحضة، وفي مغني اللبيب نحو هذا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
{وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ (33)}
الشرح: {وَنَزَعَ يَدَهُ:} أخرجها من جيبه، أو من تحت إبطه، والمراد بها اليد اليمنى.
روي: أن فرعون لما رأى الآية الأولى، قال: فهل غيرها؟ فأخرج يده، وقال: ما هذه؟ قال فرعون: يدك؛ فما فيها؟ فأدخلها في إبطه، ثم أخرجها، ولها شعاع يغشى الأبصار، ويسد الأفق، علما بأن سيدنا موسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، كان أسمر شديد السمرة. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (طه):{تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} فهو احتراز، واحتراس عن أن يكون البياض عن مرض، كبرص، ونحوه، وبياضها طارئ لا جبلّي.
هذا؛ واليد تستعمل في الأصل لليد الجارحة، وتطلق ويراد بها القوة، والقدرة، كما في قوله تعالى:{يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ،} كما تطلق على النعمة، والمعروف، يقال: لفلان عندي يد، أي: نعمة، ومعروف، وإحسان، وتطلق على الحيلة، والتدبير، فيقال: لا يد لي في هذا الأمر، أي: لا حيلة لي فيه، ولا تدبير، قال عروة بن حزام العذري:[الطويل]
وحمّلت زفرات الضّحى فأطقتها
…
ومالي بزفرات العشيّ يدان
هذا؛ وأصل يد: (يدي) فحذفت منه الياء، والدليل على ذلك ردها إليه في الجمع، فتقول:
الأيدي، كما في الآية الكريمة، وكذلك ترد إليه في التصغير، فتقول: يديو؛ لأن التكسير والتصغير يردان الأشياء إلى أصولها.
الإعراب: {وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ:} هو كما في الآية السابقة بلا فارق. {لِلنّاظِرِينَ:} جار ومجرور متعلقان ب: {بَيْضاءُ؛} لأنه صفة مشبهة، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية:{وَنَزَعَ..} . إلخ معطوفة على جملة (ألقى
…
) إلخ لا محل لها مثلها.
{قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (34)}
الشرح: {قالَ} أي: فرعون، وفي (الأعراف) رقم [109] قال الملأ، وقد أجاب الزمخشري-رحمه الله تعالى-عن هذا التعارض بثلاثة أوجه: الأول: أن يكون هذا الكلام صادرا منه، ومنهم، فحكي هنا عنه وفي سورة (الأعراف) عنهم. والثاني: أن فرعون قاله ابتداء، وتلقته عنه خاصته، فقالوه لمن دونهم من الرعية. والثالث: أنهم قالوه عنه للناس على
طريق التبليغ، كما يفعل الملوك، يرى الواحد منهم الرأي، فيبلغه للخاصة، ثم يبلغونه للعامة، وهذا الوجه قريب من الثاني في المعنى. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
(الملأ): الأشراف، والسادة، ولا يقال لغيرهم؛ لأنهم يملؤون العيون بكبريائهم، وزينتهم، وما يحاطون به من هيبة، وعظمة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه مثل: معشر، ورهط، ونحوهما. والملأ: رجال لا امرأة فيهم، والملأ: الخلق، وفي حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه حين همّوا بضرب الأعرابي الذي بال في المسجد: «أحسنوا أملاءكم» فقد جمع بهذا المعنى، كما يجمع في المعنى المتقدم، قال الحارث بن حلزة اليشكري في معلقته:[الخفيف]
أيّما خطّة أردتم فأدّو
…
ها إلينا تمشي بها الأملاء
الساحر: هو الذي يستعمل السحر، وهو كل ما لطف، ودق، يقال: سحره: إذا أبدى له أمرا يدق عليه، ويخفى. وقال الغزالي في «الإحياء» ما نصه: السحر نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر، وبأمور حسابية في مطالع النجوم، فيتخذ من تلك الجواهر هيكل على صورة الشخص المسحور، ويترصد له وقت مخصوص من المطالع، وتقرن به كلمات يتلفظ بها من الكفر، والفحش المخالف للشرع، ويتوصل بسببها إلى الاستعانة بالشياطين، ويحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء الله العادة أحوال غريبة في الشخص المسحور. هذا؛ والمعتمد أنّ تعلمه لدفع الضرر عن نفسه، أو عن غيره، أو اتخذه الشخص ذريعة للاتقاء عن الاغترار بمثله وبقي على الإيمان، فلا كفر باعتقاد حقيقته، وجواز العمل به من غير إضرار بأحد. ومعنى (ساحر عليم) متفوق في علم السحر.
الإعراب: {قالَ:} فعل ماض، وفاعله يعود إلى {فِرْعَوْنُ}. {لِلْمَلَإِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {حَوْلَهُ:} ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من (الملأ)، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {هذا:} الهاء: حرف تنبيه للمخاطب ينبه به على ما يساق من الكلام. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم: {إِنَّ} .
{لَساحِرٌ:} اللام: هي المزحلقة. ساحر: خبر: {إِنَّ} . {عَلِيمٌ:} صفة له، والجملة الاسمية:
{إِنَّ هذا..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
{يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ (35)}
الشرح: {يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ:} هذا من بقية الكلام الذي قبله، وهو قول فرعون للملأ. {فَماذا تَأْمُرُونَ:} بمعنى ماذا تشيرون، من المشاورة، والائتمار: التشاور في أمر من الأمور، وهو أولى من اعتباره من الأمر المعروف. هذا؛ ويقرأ:{تَأْمُرُونَ} بفتح النون، وكسرها.
هذا؛ ولقد تحير فرعون لما أبصر الآيتين، وبقي لا يدري أيّ طرفيه أطول، حتى زلّ عنه ذكر دعوى الإلهية، وحط عن منكبيه كبرياء الربوبية، وارتعدت فرائصه، وانتفخ سحره خوفا وفرقا، وبلغت به الاستكانة لقومه الذين هم بزعمه عبيده، وهو إلههم أن طفق يؤامرهم، ويعترف لهم بما حذر منه، وتوقعه، وأحسّ به من جهة موسى عليه السلام وغلبته على ملكه، وأرضه. انتهى. كشاف.
الإعراب: {يُرِيدُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى {مُوسى} تقديره: هو. {أَنْ:} حرف مصدري ونصب. {يُخْرِجَكُمْ:} فعل مضارع منصوب ب: {أَنْ،} والفاعل يعود إلى {مُوسى} أيضا، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. {مِنْ أَرْضِكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {بِسِحْرِهِ:} متعلقان بالفعل قبلهما أيضا، والهاء في محل جر بالإضافة، والمصدر المؤول من {أَنْ يُخْرِجَكُمْ} في محل نصب مفعول به، التقدير: يريد إخراجكم، وجملة:{يُرِيدُ..} . إلخ في محل رفع خبر ثان ل {أَنْ،} أو هي في محل رفع صفة ثانية ل: (ساحر)، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر ب:(ساحر) و {عَلِيمٌ،} التقدير: حالة كونه مريدا إخراجكم. {فَماذا:} الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر. (ماذا): (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير:
ما الذي تأمرونه، أو تأمرونني به. هذا؛ ويجوز اعتبار (ماذا) اسم استفهام مركبا، وفي محله وجهان: الأول: اعتباره مفعولا به مقدما للفعل بعده، والثاني: اعتباره مبتدأ، والجملة الفعلية خبره، والرابط محذوف على مثال ما رأيت في العائد. {تَأْمُرُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والمفعول محذوف على مثال ما رأيت، وينبغي أن تعلم أن المفعول به المحذوف، هو ياء المتكلم على كسر النون، وتكون نون الرفع قد حذفت، وهو ضمير الغيبة على فتح النون، والجملة الفعلية صلة (ذا) على اعتباره موصولا مفردا، وفي محل رفع خبر المبتدأ على الوجه الأول من وجهي التركيب، أو هي فعلية لا محل لها على الوجه الثاني من وجهي التركيب، وجملة:{فَماذا تَأْمُرُونَ} سواء أكانت اسمية، أم فعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا فماذا تأمرون؟ وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلست مفندا، وعلى الاعتبارين فهي في محل نصب مقول القول، وهي من مقول فرعون.
بخلافها في سورة (الأعراف) رقم [110] فإنها مقولة لقول محذوف.
{قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَاِبْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (36)}
الشرح: {قالُوا} أي: قال الملأ المذكورون في الآية رقم [34]. {أَرْجِهْ:} فيه ست قراآت، ثلاثة بإثبات الهمزة (أرجئه) بكسر الهاء من غير إشباع، وضمها كذلك، وبإشباع؛ حتى
يتولد منها واو، وثلاث بحذف الهمزة (أرجه) سكون الهاء وكسرها من غير إشباع، وبه حتى يتولد منها ياء. وقوله:(ابعث): في الأعراف: (أرسل). {الْمَدائِنِ:} قيل: هي مدائن صعيد مصر، وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد، ومدائن جمع: مدينة على وزن: فعيلة، فالياء زائدة في المفرد؛ فلذلك تقلب همزة في الجمع، مثل: صحيفة، وصحائف، وغير ذلك، والمدينة من مدن يمدن بالمكان إذا أقام به، فالفعل من باب نصر. {حاشِرِينَ:} جامعين، ومعنى {أَرْجِهْ وَأَخاهُ:} أي أخر أمرهما، ولا تعجل بقتلهما، خوفا من الفتنة، والمراد ب:{حاشِرِينَ} الشرطة الذين كانوا جنودا عند فرعون.
الإعراب: {قالُوا:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. {أَرْجِهْ:}
فعل أمر مبني على السكون على الهمزة المحذوفة كما رأيت، والهاء مفعول به، وتسكينه قراآت كما رأيت، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنت» ، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. {وَأَخاهُ:} معطوف على الضمير المنصوب، وقيل: مفعول معه، والأول أقوى، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة.
(ابعث): فعل أمر، والفاعل: أنت. {فِي الْمَدائِنِ:} متعلقان بالفعل قبلهما. {حاشِرِينَ:} مفعول به، وهو في الأصل صفة لموصوف محذوف؛ إذ الأصل رجالا حاشرين، وجملة (ابعث
…
) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة:{قالُوا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
{يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ (37)}
الشرح: {يَأْتُوكَ} أي: الرجال المبعوثون إلى المدائن. {سَحّارٍ:} صيغة مبالغة اسم الفاعل، وفي سورة (الأعراف) ساحر. وبه قرئ هنا أيضا. {عَلِيمٍ:} متفوق في علم السحر، وانظر (أتى) في الآية رقم [5].
الإعراب: {يَأْتُوكَ:} فعل مضارع مجزوم بجواب الأمر: (ابعث) وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب. {بِكُلِّ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (كلّ) مضاف، و {سَحّارٍ} مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف. {عَلِيمٍ:} صفة ثانية للموصوف المحذوف، والذي في الآية رقم [34] مثله.
{فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38)}
الشرح أي: أحضر الشرطة السحرة في يوم معين، وهو يوم الزينة المذكور بقوله تعالى في سورة (طه) رقم [59] حكاية عن قول موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-:{قالَ}
{مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ..} . إلخ هذا؛ وأصل «ميقات» : (موقات) قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، وقل مثله في: ميعاد، وميثاق
…
إلخ.
الإعراب: {فَجُمِعَ:} الفاء: حرف استئناف. (جمع): فعل ماض مبني للمجهول.
{السَّحَرَةُ:} نائب فاعل. {لِمِيقاتِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ميقات) مضاف، و {يَوْمٍ} مضاف إليه. {مَعْلُومٍ:} صفة: {يَوْمٍ،} وجملة {فَجُمِعَ السَّحَرَةُ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
{وَقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39)}
الشرح: {وَقِيلَ لِلنّاسِ} أي: نادى مناد بالناس. {هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ} أي: اجتمعوا، وهو استبطاء لهم في الاجتماع، والمراد منه استعجالهم، وحثهم عليه، كقوله تعالى:{فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} أي: انتهوا، وقوله:{فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} أي: أسلموا، فهنا قد خرج الاستفهام عن معناه الحقيقي إلى الأمر، ومنه قول تأبّط شرّا:[البسيط]
هل أنت باعث دينار لحاجتنا
…
أو عبد ربّ أخاعون بن مخراق؟
أي: ابعث أحدهما إلينا سريعا. هذا؛ وأصل «قيل» : (قول) بضم القاف وكسر الواو، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها بعد سلب حركتها، فصار (قول) بكسر القاف وسكون الواو، ثم قلبت الواو ياء لوقوعها ساكنة بعد كسرة. ويقال: قلبت ياء لمناسبة الكسرة. أما (الناس) فهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: قوم، ورهط
…
إلخ، واحده إنسان من غير لفظه، وهو يطلق على الإنس والجن، ولكن غلب استعماله في الإنس، قال تعالى:{مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ} وأصله الأناس، حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم، لا يكاد يقال:
الأناس، وقد نطق القرآن الكريم بهذا الأصل، ولكن بدون لام التعريف، قال تعالى:{يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ} الآية رقم [71] من سورة (الإسراء) وقيل: إن أصله النّوس، ولم يحذف منه شيء، وإنما قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
الإعراب: {وَقِيلَ:} الواو: حرف عطف، (قيل): فعل ماض مبني للمجهول. {لِلنّاسِ:}
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {هَلْ:} حرف استفهام خرج عن معناه الأصلي. {أَنْتُمْ:}
ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {مُجْتَمِعُونَ:} خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية:{هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ} في محل رفع نائب فاعل (قيل) وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: «يحذف الفاعل، ويقام
المفعول به مقامه» وهذا لا غبار عليه، انظر الشاهد رقم [793] من كتابنا فتح القريب المجيب والكلام عليه. هذا؛ وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره:«هو» يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وقيل قول. وقيل: الجار والمجرور في محل رفع نائب فاعل، وجملة:{وَقِيلَ لِلنّاسِ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
{لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (40)}
الشرح: قال البيضاوي تبعا للزمخشري: أي لعلنا نتبعهم في دينهم إن غلبوا، والترجي باعتبار الغلبة المقتضية للاتباع، ومقصودهم الأصلي ألا يتبعوا موسى، لا أن يتبعوا السحرة، فساقوا الكلام مساق الكناية؛ لأنهم إذا تبعوهم لم يتبعوا موسى انتهى. هذا؛ وقال الخازن:
قيل: أراد القائل، والمنادي بالسحرة موسى وهارون، وإنما قال ذلك على طريقة الاستهزاء. انتهى. بتصرف مني، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: {لَعَلَّنا:} حرف مشبه بالفعل، و (نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها.
{نَتَّبِعُ:} فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره:«نحن» . {السَّحَرَةَ:} مفعول به؛ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية:{لَعَلَّنا..} . إلخ تعليل للأمر المفهوم من الجملة الاستفهامية كما رأيت، وقيل: هي في محل نصب حال. والأول أقوى. {إِنْ:}
حرف شرط جازم. {كانُوا:} فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو اسمه، والألف للتفريق. {هُمُ:} ضمير فصل لا محل له، أو هو تأكيد لواو الجماعة.
{الْغالِبِينَ:} خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء
…
إلخ. هذا؛ ويجوز في العربية اعتبار الضمير مبتدأ، و «الغالبون» خبره، والجملة الاسمية في محل نصب خبر (كان)، ولكن لم يقرأه بالواو أحد، وجملة:{كانُوا..} . إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة الكلام عليه، التقدير: إن كانوا هم الغالبين؛ فنحن نتبعهم، و {إِنْ} ومدخولها من جملة التعليل للأمر المفهوم مما سبق.
الشرح: اشترط السحرة على فرعون الجزاء، والمكافأة، وهو بذل المال، والجاه؛ إن غلبوا موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وكانوا اثنين وسبعين، وقيل: كانوا آلافا.
الإعراب: {فَلَمّا:} الفاء: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى حين عند ابن السرّاج، والفارسي، وابن جني،
وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. {جاءَ:} فعل ماض. {السَّحَرَةُ:} فاعل، ومفعوله محذوف، التقدير:
جاء السحرة فرعون، وصرح به في سورة (الأعراف). والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها؛ لأنها ابتدائية على اعتبار (لما) حرفا. {قالُوا:} فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. {لِفِرْعَوْنَ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. {أَإِنَّ:}
الهمزة: حرف استفهام. (إن): حرف مشبه بالفعل. {لَنا:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إن) مقدم. {لَأَجْراً:} اللام: لام الابتداء. (أجرا): اسم: {إِنَّ} مؤخر. {إِنَّ:} حرف شرط.
{كُنّا:} فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و (نا): ضمير متصل في محل رفع اسمها، وباقي الإعراب مثل إعراب {إِنْ كانُوا..} . إلخ في الآية السابقة بلا فارق، والكلام {أَإِنَّ..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالُوا..} . إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
{قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42)}
الشرح: {قالَ} أي: فرعون. {نَعَمْ} أي: إن لكم أجرا، ف:{نَعَمْ} حرف جواب سد مسد هذه الجملة، ومثله: أجل، وجير، وإي، وبلى، ونقيضها: لا، و {نَعَمْ} تكون لتصديق المخبر، أو إعلام المستخبر، أو وعد الطالب. {وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} أي: ولكم المنزلة الرفيعة عندي مع الأجر الكبير، فتكونون أول من يدخل، وآخر من يخرج من عندي. قال الكلبي: والآية تدل على أن كل الخلق كانوا عالمين بأن فرعون كان عبدا ذليلا، مهينا عاجزا، وإلا لما احتاج إلى الاستعانة بالسحرة. وتدل أيضا على أن السحرة ما كانوا قادرين على قلب الأعيان، وإلا لما احتاجوا إلى طلب الأجر، والمال من فرعون؛ لأنهم لو قدروا على قلب الأعيان، لقلبوا التراب ذهبا، ولنقلوا ملك فرعون لأنفسهم، ولجعلوا أنفسهم ملوك العالم، ورؤساءهم. والمقصود من هذه الآيات تنبيه الإنسان لهذه الدقائق، وأن لا يغتر بكلمات أهل الأباطيل، والأكاذيب. انتهى. جمل.
الإعراب: {قالَ:} فعل ماض، والفاعل تقديره:«هو» يعود إلى فرعون. {نَعَمْ:} هذا الحرف يقوم مقام جملة كما رأيت، فهو مبني على السكون في محل نصب مقول القول. {وَإِنَّكُمْ:} الواو:
حرف عطف. (إنكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. {إِذاً:}
حرف جواب، وجزاء مهمل لا عمل له. هذا؛ وبعضهم يعتبرها ظرفا، ويعلقها بما بعدها، ويعتبر التنوين نائبا عن جملة محذوفة، وتقدير الكلام: إنكم لمن المقربين إذا غلبتم موسى، ويضعفه أن لام الابتداء لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. هذا؛ ونقل السيوطي في «همع الهوامع» عن شيخه
الكافيجي: أن هذه إنما هي: «إذا» الشرطية، حذفت جملتها، التي تضاف إليها، وعوض عنها التنوين كما في: يومئذ. انتهى. ولهذا لا يختص دخولها على المضارع، بل تدخل على الماضي وعلى الاسم، وقد وردت في القرآن كثيرا. وانظر الآية رقم [20]. {لَمِنَ:} اللام: هي لام الابتداء، وتسمى مزحلقة بالقاف، أو بالفاء. (من المقربين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر {إِنَّ،} والجملة الاسمية معطوفة على {نَعَمْ} السادّة مسدّ الجملة، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
{قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43)}
الشرح: {قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا..} . إلخ: أي: اصنعوا سحركم، وأروه الناس، فالأمر بصنع السحر وإظهاره للناس، والإذن بتقديم إلقائهم إيّاه توسلا به إلى إظهار الحق، وهذا جواب سؤال صورته:
كيف يجوز على الرسول المعصوم الإذن بل الأمر بفعل السحر، وهو من قبيل الكفر؟! وحاصل الجواب: أن صيغة الأمر ليست على حقيقتها، بل هي مجاز عن الإذن، ولا يلزم منه الرضا، وإنما هو وسيلة لإبطاله، وإظهار الحق، وهو: أن انقلاب العصا حية ليس من قبيل السحر، والشعوذة.
ولا تنس: أن السحرة تأدبوا مع موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وخيروه بين إلقائه، وإلقائهم أولا، وقد صرح القرآن الكريم بهذا في الآية رقم [115] من سورة (الأعراف)، والآية رقم [65] من سورة (طه). انظر شرحهما وتفسيرهما تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وأخيرا أصل {أَلْقُوا} (ألقيوا)، وأصل (ملقون):(ملقيون) فحذفت الضمة التي على الياء، للثقل، فالتقى ساكنان: الياء والواو، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، وأبدلت كسرة القاف ضمة لمناسبة الواو، وقل في الماضي:(لقوا) مثل ذلك.
الإعراب: {قالَ:} فعل ماض. {لَهُمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {مُوسى:}
فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. {أَلْقُوا:} فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. {ما:} اسم موصول، أو نكرة موصوفة، مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. {أَنْتُمْ:} مبتدأ. {مُلْقُونَ:} خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو
…
إلخ، والجملة الاسمية صلة:{ما،} أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ألقوا الذي، أو شيئا أنتم ملقونه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:
{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
الشرح: {فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ} أي: طرحوها على الأرض، وكانت سبعين ألف عصا،
وسبعين ألف حبل، وذكر الله في سورة (الأعراف) قوله:{فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ} وذلك أنهم ألقوا حبالا غلاظا، وخشبا طوالا، فإذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي، يركب بعضها بعضا، وقد قال الله تعالى في سورة (طه):{فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى} وهذه الخيفة لم تحصل له لأجل سحرهم؛ لأنه كان على ثقة، ويقين: أنهم لن يغلبوه، وإنما كان خوفه أن يتفرق الناس خوفا مما رأوا قبل ظهور معجزته، وحجته، وما فعله السحرة إنما كان من باب التمويه، والتخييل، كما قال تعالى:{فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى} .
{وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ:} قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: أقسموا بعزة فرعون، وهي من أيمان الجاهلية، وهكذا كل حلف بغير الله، ولا يصح في الإسلام إلا الحلف بالله معلقا ببعض أسمائه، أو صفاته، كقولك: بالله، والرحمن، وربي، ورب العرش، وعزة الله، وقدرة الله، وجلال الله، وعظمة الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمّهاتكم، ولا بالطّواغيت، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا بالله إلاّ وأنتم صادقون» . ولقد استحدث الناس في هذا الباب في إسلامهم، جاهلية نسبت لها الجاهلية الأولى، وذلك أن الواحد منهم لو أقسم بأسماء الله كلها وصفاته على شيء لم يقبل منه، ولم يعتد بها حتى يقسم برأس سلطانه، فإذا أقسم به، فتلك عندهم جهد اليمين، التي ليس وراءها حلف لحالف. انتهى. كشاف.
أقول: وأبشع شيء عند المسلمين في هذه الأيام هو الحلف بالطلاق، الذي هو دليل الفسق، والنفاق، وضعف العقيدة على الإطلاق، وما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا كراهيته للفظ الطلاق، فقد سمع صلى الله عليه وسلم رجلا يحلف بالطلاق، فقام مغضبا من مجلسه، وظهرت الكراهية في وجهه، وقال:«ألعبا بدين الله وأنا فيكم، أتلعبون بدين الله وأنا بينكم؟ من كان حالفا فليحلف بالله، أو ليصمت» . بل إنه صلى الله عليه وسلم جعل الحالف بالطلاق في درجة المنافقين والفساق، وقال:«لا يحلف بالطّلاق إلاّ فاسق، ولا يرضى به إلاّ منافق» .
الإعراب: {فَأَلْقَوْا:} الفاء: حرف عطف. (ألقوا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. {حِبالَهُمْ:} مفعول به.
{وَعِصِيَّهُمْ:} معطوف عليه، والهاء فيهما ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور، وجملة:{فَأَلْقَوْا..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {وَقالُوا:} الواو:
حرف عطف. (قالوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. {بِعِزَّةِ:} جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: نقسم، و (عزة) مضاف، و {فِرْعَوْنَ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. {إِنّا:} حرف مشبه بالفعل، و (نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. {لَنَحْنُ:} اللام: هي المزحلقة. (نحن): ضمير فصل لا محل له من الإعراب.
{الْغالِبُونَ:} خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ و {الْغالِبُونَ} خبره، فتكون الجملة الاسمية:{لَنَحْنُ الْغالِبُونَ} في محل رفع خبر (إنّ). هذا؛ ودخلت اللام على ضمير الفصل على الوجه الأول فيه؛ لأنه إذا جاز أن تدخل على الخبر، فدخولها على ضمير الفصل أولى؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ من الخبر، وأصلها أن تدخل على المبتدأ. هذا؛ وامتنع اعتبار الضمير توكيدا لاسم (إنّ) على المحل، كما في قوله تعالى:{إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ} لوجود اللام الداخلة عليه، والجملة الاسمية:{إِنّا..} . إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم، وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة:{وَقالُوا..} . معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
{فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (45)}
الشرح: {فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ:} وفي سورة (الأعراف) وسورة (طه) ألقى عصاه بعد الأمر بذلك بوحي منه سبحانه وتعالى. {فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ} أي: تأخذ، وتبتلع بسرعة بعد قلبها حية عظيمة، ومثله تلقم، وتلهم، واللقف: الأخذ بسرعة، ورجل لقف ثقف؛ أي: خفيف حاذق. وقرئ:
«(تلقّف)» بتشديد القاف، والأصل: تتلقّف بتاءين، فحذفت إحداهما، وقرئ:«(اتّلقف)» بتشديد التاء أيضا، وقراءة حفص بتخفيف القاف، كما رأيت أولا من: لقف، يلقف؛ كعلم، يعلم، وركب، يركب. يقال: لقفت الشيء، ألقفه لقفا، وتلقّفته، أتلقّفه تلقّفا: إذا أخذته بسرعة، فأكلته، أو ابتلعته. هذا؛ والتلقي، والتّلقّف، والتّلقّن معان متقاربة، خلا أن في الأول معنى الاستقبال، وفي الثاني معنى الخطف، والأخذ بسرعة، وفي الثالث معنى الحذق، والمهارة.
{ما يَأْفِكُونَ:} ما يقلبون بتمويههم. هذا؛ وأصل الإفك: قلب الشيء عن وجهه، ومنه قيل للكذاب: أفاك؛ لأنه يقلب الكلام عن وجهه الصحيح إلى الباطل، وهو بهذا المعنى من الباب الرابع، ومصدره: إفك، كعلم، ويغلب مجيء فعله بالبناء للمجهول، ويكون بمعنى الصرف، كقوله تعالى في كثير من الآيات:{فَأَنّى تُؤْفَكُونَ،} وقال تعالى في سورة (الذاريات): {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} ومصدره أفك كضرب، وقد يجيء بالبناء للمعلوم، كما في الآية التي نحن بصدد شرحها، وقوله تعالى:{قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا} وما في الآية بمعنى: الكذب وما في قوله: {لِتَأْفِكَنا} بمعنى: الصرف.
تنبيه: قال ابن زيد: كان اجتماعهم بالإسكندرية، فيقال: بلغ ذنب الحية من وراء البحر، ثم فتحت فاها ثمانين ذراعا، فإذا هي تبتلع كل شيء أتوا به من السحر، فكانت تبتلع حبالهم وعصيهم، واحدا واحدا حتى ابتلعت الكل، وقصدت القوم الذين حضروا ذلك المجمع، ففزعوا، ووقع الزحام بينهم، فمات منهم في ذلك الزحام خمسة وعشرون ألفا، ثم أخذها موسى، فعادت في يده عصا، كما كانت أول مرة، فلما رأى السحرة ذلك؛ عرفوا أنه من أمر
السماء، وليس بسحر، وعرفوا: أن ذلك ليس من قدرة البشر، فعند ذلك خروا سجدا، و {قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ} .
تنبيه: إلقاء العصا، وانقلابها حية وقع مرتين بحضرة فرعون، الأولى كانت سببا في جمع السحرة، والثانية بحضرتهم، فالأولى ذكرت في الآية رقم [32]، والثانية هي المذكورة هنا، ووقع انقلابها مرة ثالثة، ولم يكن هناك أحد غير موسى، وقد ذكرت في سورة (طه)، وفي سورة (القصص) وكانت في طريق عودته من مدين إلى مصر. تأمل.
تنبيه: لقد جرت سنة الله أن يؤيد الرسول بمعجزة من جنس ما برع به قومه، فقوم موسى برعوا بالسحر، فأيده الله بانقلاب العصا حية. وقوم عيسى برعوا بالطب، فأيده الله بإبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى، وقوم محمد-صلّى الله عليه، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم- برعوا بالفصاحة والبلاغة، فأيده الله بالقرآن الكريم؛ الذي أسكت فصحاءهم، وأخرس بلغاءهم.
الإعراب: {فَأَلْقى:} الفاء: حرف استئناف. (ألقى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. {مُوسى:} فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف. {عَصاهُ:}
مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة:{فَأَلْقى..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {فَإِذا هِيَ:} انظر الآية رقم [32].
{تَلْقَفُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:{عَصاهُ} . {ما:} تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: تلقف الذي، أو شيئا يأفكونه، وعلى اعتبار {ما} مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: تلقف إفكهم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو {هِيَ} .
{فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (46)}
الشرح: إن السحرة لما عاينوا من عظيم قدرة الله تعالى ما ليس في قدرتهم مقابلته، وعلموا أنه ليس بسحر خروا لله ساجدين، وذلك أن الله تعالى ألهمهم معرفته والإيمان به، وفيه دليل على أن منتهى السحر تمويه وتزويق وتخييل بشيء لا حقيقة له، وأن التبحر في كل فن نافع للإنسان، وإنما بدل الخرور بالإلقاء ليشاكل ما قبله، ويدل على أنهم لما رأوا ما رأوا؛ لم يتمالكوا أنفسهم، فكأنهم أخذوا وطرحوا على وجوههم، وأنه تعالى ألقاهم بما خولهم من التوفيق.
الإعراب: {فَأُلْقِيَ:} الفاء: حرف استئناف. (ألقي): فعل ماض مبني للمجهول. {السَّحَرَةُ:}
نائب فاعله. {ساجِدِينَ:} حال منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية:{فَأُلْقِيَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
الشرح: {قالَ} أي: فرعون. {آمَنْتُمْ لَهُ} أي: لموسى، عليه السلام. {قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} أي: قبل أن تستأذنوني في ذلك، فآذن لكم بتصديقه، واتباعه. {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ:} وذلك: أن فرعون رأى موسى يحدّث كبير السحرة، فقال له موسى: تؤمن بي إن غلبتك، فقال: لآتين بسحر لا يغلبه سحر، ولئن غلبتني لأومنن بك، فظن فرعون: أنهما قد تواطآ عليه، وعلى القبط، وهذا فحوى كلامه في سورة (الأعراف):{إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها} أو أراد بقوله: {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ..} . إلخ أي هو رئيسكم في التعليم، وإنما غلبكم؛ لأنه أحذق به منكم، وقد أراد فرعون بقوله هذا؛ ليشبه على الناس؛ حتى
لا يتبعوهم، فيؤمنوا كإيمانهم، وإلا فقد علم: أنهم لم يتعلموا من موسى، بل قد علموا السحر قبل قدوم موسى، وقبل ولادته. {فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ:} تهديد، ووعيد شديدين، فسرهما بما يلي في الآية التالية. هذا؛ وقال سبحانه هنا وفي سورة (طه):{آمَنْتُمْ لَهُ} وقال في سورة (الأعراف): {آمَنْتُمْ بِهِ} وهما بمعنى واحد، والضمير فيهما لموسى عليه السلام، وقيل في سورة (الأعراف) الضمير إلى الله تعالى، وانظر إعلال الهمزة الممدودة فيما تقدم.
الإعراب: {قالَ:} فعل ماض، والفاعل تقديره:«هو» يعود إلى فرعون. {آمَنْتُمْ:} فعل، وفاعل. {لَهُ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {قَبْلَ:} ظرف زمان متعلق بالفعل قبله.
{أَنْ:} حرف مصدري، ونصب. {آذَنَ:} فعل مضارع منصوب ب {أَنْ،} والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا» ، و {أَنْ آذَنَ} في تأويل مصدر في محل جر بإضافة {قَبْلَ} إليه. {لَكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {إِنَّهُ:} حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. {لَكَبِيرُكُمُ:} اللام: هي المزحلقة. (كبيركم): خبر (إنّ)، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {الَّذِي:} اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة: (كبيركم)، أو هو بدل منه، أو عطف بيان عليه. {عَلَّمَكُمُ:} فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر يعود إلى {الَّذِي،} وهو العائد، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. {السِّحْرَ:} مفعول به ثان، وجملة:
{عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ} صلة الموصول لا محل لها، والكلام {آمَنْتُمْ..}. إلخ كله في محل نصب مقول القول. {فَلَسَوْفَ:} الفاء: هي الفصيحة. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: بعزتي، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (سوف): حرف تسويف واستقبال.
{تَعْلَمُونَ:} فعل مضارع مرفوع
…
إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للتعميم، التقدير: فسوف تعلمون ما أفعل بكم، وجملة:(لسوف تعلمون) جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه كلام لا محل له؛ لأنه جواب شرط غير جازم وتقدير الكلام: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا منكم؛ فأقسم بعزتي: لسوف تعلمون ما أفعل بكم! والكلام كله في محل نصب مقول القول.
الشرح: {لَأُقَطِّعَنَّ:} قرأ حفص بضم الهمزة، وتشديد الطاء من الرباعي، وقرأ غيره بفتح الهمزة، وتخفيف الطاء من الثلاثي، وكذا:(لأصلبنكم). {مِنْ خِلافٍ:} يريد أن يقطع من كل شق طرفا فيقطع اليد اليمنى، والرجل اليسرى، أو بالعكس. قيل: إن فرعون-لعنه الله-أول من سن هذا القطع، وهذا الصلب للمؤمنين، وذلك لشدة كفره، وعناده، ثم شرعه الله تعالى لقطّاع الطّريق، وللباغين تعظيما لجرمهم، وتنكيلا بهم، ولذلك سماه الله محاربة له ولرسوله، ولكن على التعاقب لفرط رحمته، انظر ما ذكرته في الآية رقم [33] من سورة (المائدة) وجيء هنا،
وبسورة (طه) بالواو، وفي سورة (الأعراف) ب:{ثُمَّ؛} لأن الواو صالحة للمهلة، فلا تنافي بين الآيات، وانظر شرح (اليد) في الآية رقم [33].
تنبيه: قال الجمل-رحمه الله تعالى-نقلا عن كرخي: والحاصل: أنهم لما آمنوا بأجمعهم لم يأمن فرعون أن يقول قومه: إن هؤلاء السحرة على كثرتهم وبصيرتهم لم يؤمنوا إلا عن معرفتهم بصحة أمر موسى عليه السلام، فيسلكون طريقهم، فلبّس على القوم، وبالغ في التنفير عن موسى من وجوه: أحدها: قوله: {قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} والمعنى: أن مسارعتكم إلى الإيمان به دالة على ميلكم إليه، فتتطرق التهمة إليهم، فلعلهم قصروا في السحر حياء منه. وثانيها: قوله:
{إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ} وهذا تصريح بما رمز به أولا، وتعريض منه بأنهم فعلوا ذلك عن مواطأة بينهم وبين موسى، وقصروا في السّحر، ليظهر أمر موسى، وإلا ففي قوة السّحرة أن يفعلوا مثل ما فعل هو، وهذه شبهة قوية في تنفير من حوله. وثالثها: قوله: {فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} وهو وعيد، وتهديد شديدين. انتهى. هذا؛ وقيل: إنه فعل بهم ما توعدهم به من التقطيع، والتصليب، وقيل: لم يفعله بهم، ولم يرد في القرآن ما يدل على أنه فعل بهم ذلك. انتهى.
والقول الأول منقول عن الكلبي، وقال غيره: لم يقدر عليهم؛ لقوله تعالى: {فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ} الآية رقم [35] من سورة (القصص).
الإعراب: {لَأُقَطِّعَنَّ:} اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، (أقطعن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، أو الخفيفة حسب القراءة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره:«أنا» ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المحذوف، وكأنه قال: أقسم بعزتي، وعظمتي لأقطعن! وهذا الكلام مفسر للجملة القسمية في الآية السابقة، فهو في محل نصب مقول القول أيضا. {أَيْدِيَكُمْ:} مفعول به. {وَأَرْجُلَكُمْ:} معطوف على ما قبله، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {مِنْ خِلافٍ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من الأيدي، والأرجل، التقدير: مختلفات. {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ:}
الواو: حرف عطف. وجملة {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ} معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثل سابقتها، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور. {أَجْمَعِينَ:} تأكيد لمدلول الكاف، والميم، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. وأخيرا أقول: إن الآيات في هذه السورة وفي سورة (الأعراف) وفي سورة (طه) متقاربة في المعنى والإعراب، وإن اختلفت في بعض الألفاظ.
{قالُوا لا ضَيْرَ إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (50)}
الشرح: {قالُوا} أي: السحرة الذين آمنوا مجيبين إلى فرعون. {لا ضَيْرَ} أي: لا ضرر علينا فيما يلحقنا من عذاب الدنيا، بل لنا فيه أعظم النفع؛ لما يحصل لنا في الصبر عليه لوجه الله
تعالى من تكفير الخطايا، والثواب العظيم مع الأعواض الكثيرة. هذا؛ والضر، والضير، والضور واحد. ويقال: لا ضير ولا ضور ولا ضرّ ولا ضرر ولا ضارورة، والكل بمعنى واحد، وأنشد أبو عبيدة قول خداش بن زهير:[الوافر]
فإنّك لا يضورك بعد حول
…
أظبي كان أمّك أم حمار
ومعنى هذا البيت: لا تبالي، أو لا يعيبك، أو لا يضرك بعد قيامك بنفسك، واستغنائك عن أبويك من انتسبت إليه من شريف، أو وضيع. وضرب المثل بالظبي، أو بالحمار. ويستشهد بالبيت على جعل اسم كان نكرة، وخبرها معرفة ضرورة، وانظر الشاهد رقم [823] من كتابنا فتح القريب المجيب.
{إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ} أي: راجعون إلى ربنا بالموت لا محالة، فلا نبالي بوعيدك، وتهديدك، فهو الذي يفصل بيننا، وبينك بالحق، وهو خير الحاكمين. فكأنهم استلذوا العذاب رغبة في الأجر، والثواب حين خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان.
الإعراب: {قالُوا:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. {لا:}
نافية للجنس تعمل عمل «إنّ» . {ضَيْرَ:} اسم {لا} مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف، التقدير: لا ضير علينا، أو في ذلك، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.
{إِنّا:} حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وقد حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. {إِلى رَبِّنا:} جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {مُنْقَلِبُونَ:} خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو
…
إلخ، والجملة الاسمية:{إِنّا..} . إلخ تعليل للنفي، لا محل لها، وهي من مقول السحرة، وجملة:{قالُوا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
{إِنّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51)}
الشرح: {إِنّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا} أي: نأمل أن يتكرم علينا ربنا بغفر ذنوبنا؛ التي صدرت منا فيما مضى من عمرنا من سحر، وغيره، والطمع: نزول النفس إلى الشيء، والحرص على حصوله، وطمع يطمع من باب: سلم، يسلم. وخطايا: جمع: خطيئة، وتجمع على خطيئات، وهو كثير في القرآن الكريم. {أَنْ كُنّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ} أي: عند ظهور الآية ممن كان في جانب فرعون. وقال الفراء: أول مؤمني زماننا. وأنكره الزجاج، وقال: قد روي: أنه آمن معهم ستمئة ألف، وسبعون ألفا، وهم الشّرذمة القليلون الذين قال فيهم فرعون {إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} روي ذلك عن ابن مسعود، وغيره. انتهى. قرطبي. هذا؛ وانظر شرح {رَبَّكَ} في الآية رقم [9]، وشرح:(أوّل) في الآية رقم [5] من سورة (الفرقان). هذا؛ وقرئ بكسر همزة (إن).
الإعراب: {إِنّا:} حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. {نَطْمَعُ:} فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره:«نحن» . {أَنْ:} حرف مصدري، ونصب. {يَغْفِرَ:} فعل مضارع منصوب ب {أَنْ} . {لَنا:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {رَبُّنا:} فاعل، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {خَطايانا:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، و (نا): في محل جر بالإضافة، والمصدر المؤول من:{أَنْ يَغْفِرَ..} . إلخ في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: إنا نطمع بمغفرة ربنا لنا خطايانا، أو في محل نصب مفعول به على تضمين {نَطْمَعُ} معنى: نرجو، وجملة:{نَطْمَعُ..} . إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية:{إِنّا..} . إلخ تعليل ثان لنفي الضير، أو تعليل للعلة المتقدمة. {أَنْ:} حرف مصدري، ونصب. {كُنّا:} فعل ماض ناقص، مبني على السكون في محل نصب ب {أَنْ،} و (نا):
اسمها. {أَوَّلَ:} خبر كان، و {أَوَّلَ} مضاف، و {الْمُؤْمِنِينَ} مضاف إليه مجرور
…
إلخ، و {أَنْ كُنّا:} في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لأن كنا
…
، والجار والمجرور متعلقان بالفعل {يَغْفِرَ،} وعلى قراءة كسر الهمزة، قال فيه الزمخشري: هو من الشرط الذي يجيء به المدل بأمره، المتحقق لصحته، وهم كانوا متحققين: أنهم أول المؤمنين، ونظيره قول العامل لمن يؤخر جعله: إن كنت عملت لك؛ فوفني حقي، ومنه قوله تعالى:{إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي} مع علمه: أنهم لم يخرجوا إلا لذلك. انتهى. كشاف. وعلى ما تقدم يكون جواب الشرط محذوفا، التقدير: إن كنا أول المؤمنين؛ فهو يغفر لنا خطايانا.
{وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52)}
الشرح: {وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى..} . إلخ: هذا الإيحاء والأمر بالسير كان بعد ثلاثين سنة أقامها موسى بينهم يدعوهم إلى توحيد الله تعالى، فلم يزدادوا إلا عتوا، وعنادا على كثرة المعجزات التي رأوها على يد موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقد فصل ذلك في سورة (الأعراف) في الآية رقم [132] وما بعدها. {إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ:} يتبعكم فرعون، وجنوده، أي: أسر بهم حتى إذا اتبعوكم مصبحين، كان لكم تقدم عليهم، بحيث لا يدركونكم قبل وصولكم إلى البحر، بل يكونون على أثركم حين تلجون البحر، فيدخلون مدخلكم، فأطبقه عليهم، فأغرقهم، وتنجون أنتم.
هذا؛ وأسرى فيه لغتان: سرى وأسرى، وقرئ هنا بكسر نون {أَنْ} على أن الهمزة للوصل، من الأول، وقرئ بسكون النون على أن الهمزة للقطع من الثاني، وقد جمع حسان بن ثابت-رضي الله عنه-بين اللغتين في بيت واحد؛ حيث قال:[الكامل]
حيّ النّضيرة ربّة الخدر
…
أسرت إليّ ولم تكن تسري
وسرى، وأسرى بمعنى واحد، وهو قول أبي عبيدة، والثانية لغة أهل الحجاز، وبها جاء القرآن الكريم هنا، وهما بمعنى: سار الليل عامته. وقيل: سرى لأول الليل، وأسرى لآخره، وهو قول الليث. وأما: سار؛ فهو مختص بالنهار، وليس مقلوبا من سرى، فهو بمعنى مشى.
هذا؛ والسّرى، والإسراء: السير في الليل، يقال: سرى، يسري، سرى، ومسرى، وسرية، وسراية؛ وأسرى إسراء. هذا؛ والسرى يذكر، ويؤنث، ولم يحك اللحياني فيه إلا التأنيث، كأنهم جعلوه جمع: سرية. {بِعِبادِي:} الإضافة إضافة تشريف، وتبجيل، وتفخيم، وتكريم، وذكر العبودية مقام عظيم، وكثيرا ما ذكر الله حبيبه محمدا صلى الله عليه وسلم بلفظ عبده. هذا؛ والعبد الإنسان، حرا كان، أو رقيقا، ويجمع على: عبيد، وعباد، وأعبد، وعبدان، وعبدة، وغير ذلك.
هذا؛ وأصل الوحي: الإشارة السريعة، والوحي: الكتاب المنزل على الرسول المرسل لقومه، مثل: موسى، وعيسى، ومحمد صلّى الله وسلم عليهم أجمعين. والوحي أيضا: الكتابة والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك، وتسخير الطير لما خلق له إلهام، والوحي إلى النحل، وتسخيرها لما خلقها الله له إلهام، واختلف في الوحي إلى أم موسى، فقيل: كان في المنام، وقيل: كان إلهاما، وقيل: كان يكلمها جبريل.
الإعراب: {وَأَوْحَيْنا:} الواو: حرف استئناف. (أوحينا): فعل، وفاعل. {إِلى مُوسى:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {أَنْ:} حرف تفسير. {أَسْرِ:} فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنت» ، والجملة الفعلية مفسرة للإيحاء، لا محل لها. هذا؛ ويجيز بعضهم اعتبار {أَنْ} مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والمعتمد الأول. {بِعِبادِي:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: مصحوبا بعبادي، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {إِنَّكُمْ:} حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. {مُتَّبَعُونَ:} خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية:{إِنَّكُمْ..} . إلخ تعليل للأمر.
{فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (53)}
الشرح: لما علم فرعون بخروج بني إسرائيل عند الصباح أمر جنوده، وأعوانه، وعساكره أن يجمعوا الناس من جميع المدائن، وكانت ألف مدينة، واثني عشر ألف قرية، فعن ابن عباس-رضي
الله عنهما-قال: خرج فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث، فلذلك استقل قوم موسى عليه السلام، وكانوا ستمئة ألف وسبعين ألفا، وسماهم شرذمة قليلين بالنسبة لعسكره، وجنوده.
الإعراب: {فَأَرْسَلَ:} الفاء: حرف عطف. (أرسل): فعل ماض. {فِرْعَوْنُ:} فاعله. {فِي الْمَدائِنِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما. {حاشِرِينَ:} مفعول به منصوب
…
إلخ، وجملة:{فَأَرْسَلَ..} . إلخ معطوفة على جملة: (أوحينا
…
) إلخ لا محل لها مثلها.
الشرح: {إِنَّ هؤُلاءِ} أي: قوم موسى. {لَشِرْذِمَةٌ} أي: طائفة قليلة، وذلك بالنسبة لعسكره كما تقدم، وتجمع على: شراذم، وشراذيم. {وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ:} الغيظ: الغضب الشديد، ومنه التغيظ، والاغتياظ، يقال: غاظني كذا، وأغاظني. وسبب شدة غيظ فرعون من بني إسرائيل ما روي: أن الله أوحى إلى موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: أن اجمع بني إسرائيل كلّ أربعة أبيات في بيت واحد، ثم اذبحوا الجداء، واضربوا بدمائهم على أبوابكم، فإني سآمر الملائكة ألا يدخلوا بيتا على بابه دم، وسآمرهم بقتل أبكار القبط؛ لأشغلهم بموتاهم عن اللحاق بكم. وسبب آخر للغيظ هو أخذ النساء الإسرائيليات حلي النساء القبطيات بحجة الاستعارة للزينة بها في يوم عيد، أو بحجة عرس، كما رأيت في الآية رقم [87] وما بعدها من سورة (طه). وكما رأيت في الآية رقم [148] من سورة (الأعراف)، فالغيظ حصل لفرعون وقومه من أمور: مخالفة بني إسرائيل لدينهم، وذهابهم بأموالهم التي استعاروها، وقتل الملائكة لأبكارهم، وخروج بني إسرائيل من أرض مصر بغير إذنهم. {وَإِنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ} أي: وإنا لجميع من عادتنا الحذر، واستعمال الحزم في الأمور، وقرئ:«(حذرون)» اي: خائفون من شرهم، قال الشاعر أبو يحيى اللاحقي:[الكامل]
حذر أمورا لا تضير وآمن
…
ما ليس منجيه من الأقدار
كما قرئ: «(حادرون)» بالدال، والحادر: القوي السمين، قال:[الطويل]
أحبّ الصّبيّ السّوء من أجل أمّه
…
وأبغضه من بغضها، وهو حادر
الإعراب: {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {هؤُلاءِ:} الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (أولاء):
اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب اسم {إِنَّ} . {لَشِرْذِمَةٌ:} اللام: هي المزحلقة.
(شرذمة): خبر {إِنَّ} . {قَلِيلُونَ:} صفة (شرذمة)، وصح ذلك؛ لأنها بمعنى الجماعة، والجملة الاسمية:{إِنَّ هؤُلاءِ..} . إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف يقع صفة ثانية لموصوف
محذوف، والصفة الأولى:{حاشِرِينَ،} وتقدير الكلام: فأرسل فرعون
…
رجالا حاشرين قائلين: إن هؤلاء
…
إلخ. {وَإِنَّهُمْ:} الواو: حرف عطف. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. {لَنا:} جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. {لَغائِظُونَ:} اللام: هي المزحلقة.
(غائظون): خبر (إنّ) والجملة الاسمية: {وَإِنَّهُمْ لَنا..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وكذلك جملة:{وَإِنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ} معطوفة على ما قبلها، و {حاذِرُونَ} صفة (جميع) وساغ ذلك؛ لأنه بمعنى جماعة أيضا.
{فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (58)}
الشرح: قيل: كانت البساتين ممتدة في حافتي النيل، فيها عيون، وأنهار جارية. والمراد ب:(كنوز) الأموال التي كانوا يملكونها من الذهب والفضة، وسماها الله كنوزا؛ لأنه لم يؤدّ حق الله منها، وكل مال لم يؤد حق الله منه فهو كنز، وإن كان ظاهرا. قيل: كان لفرعون ثمانمئة ألف غلام، كل غلام على فرس عتيق، في عنق كل فرس طوق من ذهب. {وَمَقامٍ كَرِيمٍ} أي: حسن.
قيل: أراد مجالس الأمراء، والرؤساء التي كانت لهم. وقيل: إنه كان إذا قعد على سريره، وضع بين يديه ثلاثمئة كرسي من ذهب يجلس عليها الأشراف من قومه، والأمراء، وعليهم أقبية الذهب، مخوصة بالذهب. والمعنى: إنا أخرجناهم من بساتينهم، التي فيها العيون، وأموالهم، ومجالسهم الحسنة. هذا؛ والكريم من كل نوع ما يجمع فضائله، وهو صفة لكل ما يرضى في بابه، يقال:
«وجه كريم» أي: مرضي بحسنه، وجماله، و «كتاب كريم»: مرضي في معانيه، وفوائده، «ونبات كريم»: مرضي فيما يتعلق به من المنافع، قال تعالى:{كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} وقس على ذلك الإنسان، والحيوان، والمكان. وانظر الآية رقم [29] من سورة (النحل).
الإعراب: {فَأَخْرَجْناهُمْ:} الفاء: حرف استئناف. (أخرجناهم): فعل ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {مِنْ جَنّاتٍ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {وَعُيُونٍ:} معطوف على ما قبله. {وَكُنُوزٍ:} معطوفة أيضا. {وَمَقامٍ:} معطوف أيضا على ما قبله. {كَرِيمٍ:} صفة (مقام).
{كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60)}
الشرح: أي: إن كل ما ذكره الله تعالى من الجنات، والعيون، والكنوز، والمقام الكريم، أورثه سبحانه وتعالى بني إسرائيل. قال الحسن وغيره: رجع بنو إسرائيل إلى مصر بعد هلاك فرعون وقومه. {فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ} أي: لحق فرعون وقومه بني إسرائيل وقت شروق الشمس وإضاءتها. واختلف في سبب هذا التأخر إلى شروق الشمس على قولين: أحدهما: لاشتغالهم
بدفن أبكارهم الذين ماتوا في تلك الليلة. الثاني: أن سحابة أظلّتهم، وظلمة نزلت بهم، فظنوا:
أن النهار لم يشرق نوره، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: {كَذلِكَ:} الكاف: حرف تشبيه وجر، و (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: أورثناها بني إسرائيل ميراثا كائنا مثل إخراج فرعون وقومه من جنات
…
إلخ، وعليه فالواو زائدة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. وقال الزمخشري:
{كَذلِكَ} يحتمل ثلاثة أوجه، النصب على: أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفناه. والجر على أنه وصف ل: (مقام) أي: مقام كريم مثل ذلك المقام، الذي كان لهم. والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: الأمر كذلك. انتهى. وهذا أقوى الثلاثة عندي. {وَأَوْرَثْناها:} الواو:
حرف صلة، أو حرف استئناف على حسب الإعراب المتقدم، والعطف ممكن على ما تقدم.
(أورثناها): فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية على حسب ما قيل بالواو. {بَنِي:}
مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء، نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و {بَنِي} مضاف، و {إِسْرائِيلَ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. {فَأَتْبَعُوهُمْ:} الفاء: حرف استئناف، والعطف غير جائز لاختلاف المعنى بين الجملتين، وإذا عطفناها على جملة:
(أخرجناهم
…
) إلخ فتكون جملة: {وَأَوْرَثْناها..} . إلخ معترضة بينهما، وهذا جيد لا غبار عليه.
(أتبعوهم): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {مُشْرِقِينَ:} حال من واو الجماعة، أو من الهاء منصوب، وعلامة نصبه الياء
…
إلخ.
{فَلَمّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ (61)}
الشرح: {فَلَمّا تَراءَا الْجَمْعانِ:} تقاربا بحيث رأى كل منهما الآخر، وقرئ:«(تراءت الفئتان)» {قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ} أي: لملحقون بمعنى: سيدركنا فرعون، وقومه، ولا طاقة لنا بهم.
قرئ بتشديد الدال. وفرق بينهما بأن معنى الأول: ملحقون، ومعنى الثاني: مجتهد في لحاقهم.
الإعراب: {فَلَمّا:} الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [41]. {تَراءَا:} فعل ماض، {الْجَمْعانِ:} فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا. {قالَ:} فعل ماض. {أَصْحابُ:} فاعل، و {أَصْحابُ} مضاف، و {مُوسى} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف
للتعذر. {إِنّا:} حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها.
{لَمُدْرَكُونَ:} اللام: هي المزحلقة. (مدركون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو
…
إلخ، والجملة الاسمية:{إِنّا لَمُدْرَكُونَ} في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
{قالَ كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)}
الشرح: {قالَ} أي: موسى، {كَلاّ:} لن يدركوكم، فإن الله وعدكم الخلاص منهم، وهذا رد لقولهم السابق:{إِنّا لَمُدْرَكُونَ} . {إِنَّ مَعِي رَبِّي} أي: بالحظ، والرعاية، {سَيَهْدِينِ:} طريق النجاة منهم، ومن كيدهم، روي: أن مؤمن آل فرعون كان بين يدي موسى، فقال: أين أمرت يا نبي الله؟! فهذا البحر أمامك، وقد غشيك آل فرعون، قال: أمرت بالبحر، ولعلي أومر بما أصنع.
وهنا بحث جدير بالاعتبار، وهو المقارنة بين قول موسى عليه السلام {إِنَّ مَعِي رَبِّي،} وقول نبينا، وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم في سورة (التوبة). {إِنَّ اللهَ مَعَنا} وكلاهما كان في حالة شدة، وضيق، كلاهما شديد الاتصال بربه، والتوكل عليه، فنجد موسى عليه السلام قدم الظرف على لفظ ربي، ونبينا، وحبيبنا قدم لفظ الجلالة على الظرف، وللتقديم أهميته في مثل هذا المقام، ولا سيما إذا كان من رسولين عظيمين كريمين على الله، فاعتبروا يا أولي الأبصار، وما يتذكر ويعتبر إلا أولو الألباب. وانظر الكلام على {كَلاّ} في الآية رقم [79] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام.
الإعراب: {قالَ:} فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره:«هو» يعود إلى موسى عليه السلام. {كَلاّ:} حرف ردع، وزجر مبني على السكون في محل نصب مقول القول، وهو مفيد للنفي هنا. {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {مَعِي:} ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر {إِنَّ} مقدم، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {رَبِّي:} اسم {إِنَّ} مؤخر منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع
…
إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {سَيَهْدِينِ:} السين: حرف استقبال. (يهدين): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ربي، والنون للوقاية، والمفعول به، وهو ياء المتكلم محذوف لدلالة الكسرة عليها، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان؛ ل:{إِنَّ،} وقيل: مستأنفة، والأول أقوى بلا شك.
والجملة الاسمية: {إِنَّ مَعِي..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وفيها معنى التعليل للردع، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
الشرح: قيل: لما انتهى موسى ومن معه إلى البحر، هاج البحر، وهاجت الرياح، وصار البحر يرمي بموج كالجبال، قال يوشع بن نون: يا كليم الله! أين أمرت؛ فقد غشينا فرعون من خلفنا، والبحر أمامنا؟ قال موسى: هاهنا، فخاض يوشع الماء، لا يواري حافر دابته، وقال الذي يكتم إيمانه-وهو مؤمن آل فرعون، واسمه حزقيل-: يا كليم الله! أين أمرت؟ قال: هاهنا. فكبح فرسه، فصكه بلجامه، حتى طار الزبد من شدقه، ثم أقحم البحر، فارتسب في الماء، وذهب القوم يصنعون مثل ذلك، فلم يقدروا، فجعل موسى لا يدري كيف يصنع! فأوحى الله إليه، أن اضرب بعصاك البحر، فضربه، فانفلق، فإن الرجل واقف على فرسه، لم يبتل سرجه، ولا لبده. انتهى. خازن بتصرف. وهذا إحدى الآيات التي أيد الله بها موسى، وانظر الآية رقم [12] من سورة (النمل).
{فَانْفَلَقَ:} فانشق اثني عشر فرقا بعدد أسباط بني إسرائيل المنسوبين إلى أولاد يعقوب الاثني عشر على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. ووقف الماء كالطود، أي: الجبل العظيم، فصار ما بين تلك الأطواد طرقا يابسة، كما ذكر الله في الآية رقم [77] من سورة (طه) بعد هذا فالبحر: الماء الكثير، أو الملح، والجمع: بحور، وبحار، وأبحر. وضد البحر: البر، وهو بفتح الباء: الأرض اليابسة، وهو بضم الباء: حب القمح، وبكسرها: عمل الخير مطلقا، وقد ثبت جغرافيا: أن مساحة البحر، تعدل ثلاثة أضعاف مساحة البر. وروي أن أنواع المخلوقات، وأجناسها الموجودة في أعماق البحار أكثر ممّا يوجد على سطح الأرض. والله أعلم. و {فِرْقٍ:} قطعة من ماء البحر.
و (الطود): الجبل العظيم كما رأيت، ومنه قول امرئ القيس:[الوافر]
فبينا المرء في الأحياء طود
…
رماه النّاس عن كثب فمالا
وجمعه: أطواد، قال الأسود بن يعفر:[الكامل]
حلّوا بأنقرة يسيل عليهم
…
ماء الفرات يجيء من أطواد
الإعراب: {فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ:} انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [53].
{بِعَصاكَ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {الْبَحْرَ:} مفعول به، وجملة:{فَأَوْحَيْنا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {فَانْفَلَقَ:} الفاء: حرف عطف. (انفلق): فعل ماض، والفاعل تقديره:
«هو» يعود إلى {الْبَحْرَ،} والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة معطوفة بدورها على جملة: (أوحينا
…
) إلخ لا محل لهما مثلها. انظر التقدير في الشرح. {فَكانَ:} الفاء: حرف
عطف. (كان): فعل ماض ناقص. {كُلُّ:} اسمها، و {كُلُّ} مضاف، و {فِرْقٍ} مضاف إليه.
{كَالطَّوْدِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان)، وإن اعتبرت الكاف اسما، فتكون هي الخبر، بمعنى: مثل، وتكون مضافة، و (الطود) مضاف إليه. {الْعَظِيمِ:} صفة (الطود)، وجملة {فَكانَ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.
الشرح: {وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ} أي: قربناهم إلى البحر، والمراد فرعون، وقومه، قيل: إن جبريل الأمين-عليه السلام-كان بين بني إسرائيل، وبين قوم فرعون، يقول لبني إسرائيل:
ليلحق آخركم أولكم، ويقول للقبط: رويدا ليلحق آخركم أولكم، فكان بنو إسرائيل يقولون:
ما رأينا أحسن سياقة من هذا الرجل، وكان قوم فرعون يقولون: ما رأينا أحسن داع من هذا الرجل. انتهى. خازن. هذا؛ وقرأ أبو عبد الله بن الحارث، وأبي بن كعب، وابن عباس رضي الله عنهم أجمعين- «(وأزلقنا)» بالقاف على معنى أهلكناهم، أو معنى أذهبنا عزهم، كقول زهير في مدح هرم بن سنان، والحارث بن عوف:[الطويل]
تداركتما عبسا وقد ثلّ عرشها
…
وذبيان؛ إذ زلّت بأقدامها النّعل
{وَأَنْجَيْنا مُوسى..} . إلخ: أي من الفرق حيث عبروا البحر سالمين. {ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ:}
انظر ما قال فرعون حين أدركه الغرق وما قيل له في الآية رقم [90] وما بعدها من سورة (يونس) -على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
{ثَمَّ:} بضم الثاء حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة، وفي كلّ منها خلاف مذكور في مغني اللبيب، وقد تلحقها تاء التأنيث الساكنة، كما تلحق (ربّ) و (لا) العاملة عمل ليس، فيقال: ثمّت، وربّت، ولات، والأكثر تحريك التاء معهن بالفتح. هذا؛ وثمّ هذه غير (ثمّ) بفتح الثاء، فإنها اسم يشار به إلى المكان البعيد، كما في الآية رقم [65] وهي ظرف لا يتصرف، ولا يتقدمه حرف التنبيه، ولا يتصل به كاف الخطاب، وقد تتصل به التاء المربوطة، فيقال: ثمّة.
الإعراب: {وَأَزْلَفْنا:} الواو: حرف عطف. (أزلفنا): فعل، وفاعل. {ثَمَّ:} اسم إشارة مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بالفعل قبله. {الْآخَرِينَ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية:{وَأَزْلَفْنا..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
(أنجينا): فعل، وفاعل. {مُوسى:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف
للتعذر. {وَمَنْ:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على {مُوسى} .
{مَعَهُ:} ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {أَجْمَعِينَ:} توكيد ل: {مُوسى} وما عطف عليه، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء
…
إلخ، وجملة:{وَأَنْجَيْنا..} . إلخ معطوفة على ما قبلها أيضا. {ثَمَّ:} حرف عطف، وجملة:{أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ} معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
الشرح: {إِنَّ فِي ذلِكَ} أي: في إغراق فرعون وقومه. {لَآيَةً} أي: علامة على قدرة الله تعالى، وأيضا عبرة لمن بعدهم. {وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} أي: في علم الله، وقضائه. وانظر الآية رقم [8]. فلم يؤمن بالله من قوم فرعون غير آسية امرأة فرعون، وحزقيل مؤمن آل فرعون المذكور في الآية رقم [28] من سورة (غافر)، ومريم بنت ناموسى التي دلت موسى على عظام يوسف عليه السلام، وكانت عجوزا، تعيش من العمر نحو سبعمئة سنة، وسبب دلالتها على قبره: أن الله أمر موسى بأخذه معه إلى الشام، حين خروجه من مصر، فسأل عن قبره، فلم يعرف ذلك أحد، فدلته عليه هذه العجوز، بعد ما ضمن لها موسى على الله الجنة، وكان يوسف قد دفن في قعر النيل، فحفر عليه موسى، وأخرجه وذهب به إلى الشام، في خروجه من مصر. انتهى. جمل.
روى أبو بردة عن أبي موسى الأشعري-رضي الله عنه-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بأعرابي، فأكرمه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حاجتك» قال: ناقة أرحلها، وأعنزا أحلبها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«فلم عجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل؟!» . فقال أصحابه: وما عجوز بني إسرائيل؟ فذكر لهم حال هذه العجوز التي احتكمت على موسى أن تكون معه في الجنة. انتهى. قرطبي. هذا؛ ونص الآية يدل على أن الثلاثة المذكورين كانوا من قوم فرعون، وإلا فإن بني إسرائيل كانوا جميعا مؤمنين بالله، ومتبعين لموسى، ومصادقين له.
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ:} انظر شرح هذه الآية وإعرابها برقم [9] وإعراب سابقتها برقم [8] وذلك بغية الاختصار، والله ولي التوفيق، وأسأله المزيد من فضله وكرمه لي ولإخواني المؤمنين الصادقين.
الشرح: {وَاتْلُ:} هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم {عَلَيْهِمْ} أي: على أهل مكة المشركين. {نَبَأَ إِبْراهِيمَ:} خبر إبراهيم مع قومه. {إِذْ قالَ لِأَبِيهِ} أي: اذكر كما رأيت في الآية رقم [74] من
سورة (الأنعام) على المعتمد. {وَقَوْمِهِ} أي: نمرود، ومن تبعه. {ما تَعْبُدُونَ} أي: أي شيء تعبدونه؟ وإبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-يعلم: أنهم عبدة أصنام، ولكنه سألهم؛ ليريهم: أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة.
{قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً:} قال النسفي رحمه الله تعالى: جواب {ما تَعْبُدُونَ:} {أَصْناماً} أي:
فيكفي هذا بدون ذكر الفعل، كقوله تعالى:{وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} أي: فحذف الفعل: أنفقوا، وكقوله تعالى:{ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ} أي: قال: {الْحَقَّ،} فحذف الفعل؛ لأن سؤال إبراهيم لهم عن المعبود، لا عن العبادة، وإنما زادوا:(نعبد) في الجواب افتخارا ومباهاة بعبادة الأصنام. انتهى. بتصرف كبير مني.
{فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ} أي: فنبقى، وندوم على عبادتها، وتقديسها، وتعظيمها مقيمين، لا نتركها أبدا، فليس المراد التوقيت في النهار، خلافا لمن قال به، بل المراد من الفعل (نظل) الاستمرار، كما في قوله تعالى:{فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ} .
هذا؛ والأصنام جمع صنم، وهو التمثال الذي يتخذ من خشب، أو حجارة، أواحديد، أو ذهب، أو فضة على صورة إنسان، أو غيره. وهو الوثن المعبر به في كثير من الآيات القرآنية.
وانظر نسب إبراهيم، وأولاده، وقصته مع سارة، وهاجر، وزوجته في الآية رقم [35] من السورة المسماة باسمه، وانظر ما فعل بالأصنام، وما أرادوا به من كيد، وتحريق في سورة (الأنبياء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: {وَاتْلُ:} الواو: حرف عطف تعطف قصة إبراهيم مع قومه على قصة موسى مع فرعون وقومه، علما بأن قصة إبراهيم متقدمة على قصة موسى، كيف لا؟ وإبراهيم هو الجدّ الأول لموسى، وغيره من الأنبياء، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. (اتل):
فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنت» . {عَلَيْهِمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {نَبَأَ:}
مفعول به، و:{نَبَأَ:} مضاف، و {إِبْراهِيمَ:} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. {إِذْ:} ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب بدل اشتمال من {نَبَأَ} . وقيل: متعلق ب: {نَبَأَ} نفسه، والأول أقوى، وأولى. {قالَ:} فعل ماض، والفاعل تقديره:«هو» ، يعود إلى إبراهيم. {لِأَبِيهِ:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الياء، نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {وَقَوْمِهِ:} معطوف على أبيه بالواو العاطفة، والهاء في محل جر بالإضافة. {ما:} اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم، أو في محل رفع مبتدأ. {تَعْبُدُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال
الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول على اعتبار الأول في {ما،} وفي محل رفع خبرها على اعتبارها مبتدأ، ويكون الرابط، وهو المفعول به محذوفا، التقدير:
تعبدونه، وعلى هذا فالجملة اسمية، وهي في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ في محل جر بإضافة {إِذْ} إليها. {قالُوا:} فعل ماض، مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. {نَعْبُدُ:} فعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره:«نحن» . {أَصْناماً:} مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. {فَنَظَلُّ:} الفاء: حرف عطف. (نظلّ): فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه، تقديره:«نحن» . {لَها:} جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. {عاكِفِينَ:} خبر (نظل) منصوب، وعلامة نصبه الياء، نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة:{فَنَظَلُّ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة:{قالُوا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
{قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73)}
الشرح: {قالَ} أي: إبراهيم لقومه. {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ} أي: هل يسمعون دعاءكم إذا دعوتموهم؟ {أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} أي: هل تنفعكم هذه الأصنام برزق، أو بصحة وعافية، أو بولد، ونحو ذلك؛ إن عبدتموهم؟ أو يضرونكم بشيء؛ إن عصيتموهم؟ وهذا استفهام لتقرير الحجة، بل للتقريع، والتوبيخ، والمعنى: فإذا لم ينفعوكم، ولم يضروكم بشيء فما معنى عبادتكم لها؟ هذا؛ وإنما جمعت المعبودات الباطلة بواو الجماعة التي هي لجماعة المذكرين العاقلين، مع أنها جمادات لا تعقل؛ لأن الكفار يعاملونها معاملة من يعقل، من سؤالهم لها حوائجهم، وتذللهم لها، والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل إذا أنزلوه منزلته، وإن كان خارجا عن الأصل، وهو كثير ومستعمل في القرآن الكريم، والكلام العربي.
هذا؛ والفعل «يسمع» من الأفعال الصوتية، إن تعلق بالأصوات؛ تعدى إلى مفعول واحد، وإن تعلق بالذوات؛ تعدى إلى اثنين، الثاني منهما جملة فعلية مصدرة بمضارع من الأفعال الصوتية، مثل قولك: سمعت فلانا يقول: كذا، وهذا اختيار الفارسي، واختار ابن مالك، ومن تبعه أن تكون الجملة الفعلية في محل نصب حال، إن كان المتقدم معرفة، وصفة إن كان نكرة، مثل قولك: سمعت رجلا يقول كذا.
الإعراب: {قالَ:} فعل ماض، وفاعله يعود إلى {إِبْراهِيمَ}. {هَلْ:} حرف استفهام مفيد للتوبيخ، والتقريع. {يَسْمَعُونَكُمْ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، وانظر الشرح لتقدير المحذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. {إِذْ:} ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل
قبله. {تَدْعُونَ:} فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله محذوف؛ إذ التقدير: تدعونهم، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها، وجملة:{يَنْفَعُونَكُمْ} معطوفة على جملة: {يَسْمَعُونَكُمْ:}
فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة:{يَضُرُّونَ} مع المفعول المحذوف معطوفة عليها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
{قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (74)}
الشرح: فهذا الجواب منهم اعتراف صريح بأن ما يعبدون من دون الله بمعزل عما ذكر من السمع، والمنفعة، والمضرة، واضطروا إلى بيان أنه لا مستند لهم في عبادتها سوى التقليد.
والمعنى: ما علمنا ولا رأينا من تلك الأصنام ما ذكر من الأمور، وإنما وجدنا آباءنا يعبدونها، فاقتدينا بهم.
الإعراب: {قالُوا:} فعل، وفاعل، والألف للتفريق. {بَلْ:} حرف إضراب متضمن معنى النفي. {وَجَدْنا:} فعل، وفاعل. {آباءَنا:} مفعول به أول، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {كَذلِكَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: يفعلون فعلا كائنا مثل فعلنا، وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [60].
{يَفْعَلُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون
…
إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان، وجملة:{بَلْ وَجَدْنا آباءَنا..} . إلخ في محل نصب مقول القول. وجملة: {قالُوا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
الشرح: {قالَ} أي: إبراهيم. {أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ:} قال أبو السعود رحمه الله تعالى: أي: أنظرتم فأبصرتم، أو أتأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدونه؟ وقال الكازروني: المعنى:
أخبروني عن حال ما كنتم تعبدون. وانظر الإعراب. {أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ:} الأولون، فإن التقدم لا يدل على صحة، ولا ينقلب به الباطل حقا.
{فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي:} المعنى: فإنهم عدو لي يوم القيامة؛ إن عبدتهم في الدنيا، كما قال تعالى في الآية رقم [82] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام:{كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} . وقيل: إن الكفار لما عبدوها، ونزلوها منزلة الأحياء العقلاء؛ أطلق إبراهيم لفظ العداوة عليها، وقال الفراء: هو من المقلوب، مجازه: فإني عدو لهم؛ لأن من عاديته عاداك. هذا؛ وإذا عرفنا أن المعبودات تتبرأ من عابديها، كما نصت على ذلك الآيات
الكثيرة؛ فكفى بذلك عداوة بينها وبين من يعبدها. {إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ} أي: فإنه ربي، ووليي.
وقال الكلبي: التقدير: إلا من عبد رب العالمين.
هذا؛ وعدو: ضد الصديق، وهو على وزن فعول بمعنى فاعل، مثل صبور، وشكور وما كان على هذا الوزن، يستوي فيه المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، إلا لفظا واحدا، جاء نادرا، قالوا: هذه عدوة الله، قال الله تعالى:{إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} فقد عبر به عن مفرد، وما في الآية الكريمة عبر به عن جمع، كما هو واضح، ومثل ذلك صديق، كما رأيت في الآية رقم [61] من سورة (النور)، وقيل: أفرد عدو على النسب، أي: ذو عداوة، والجمع أعداء، وأعاد، وعدات، وعدى، وقيل: أعاد جمع: أعداء، فيكون جمع الجمع. وفي القاموس المحيط: والعدا بالضم والكسر اسم الجمع. هذا؛ والعبادة: غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى؛ ولذا يحرم السجود لغير الله تعالى. وقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود. وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«يقول الله تعالى: «أنا، والإنس، والجنّ في نبأ عظيم، أخلق، ويعبد غيري، وأرزق، ويشكر غيري» ».
الإعراب: {قالَ:} فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره:«هو» يعود إلى إبراهيم.
{أَفَرَأَيْتُمْ:} الهمزة: حرف استفهام، وتعجيب. الفاء: أراها زائدة للتوكيد، (رأيتم): فعل، وفاعل. {ما:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، فعلى قول أبي السعود يكتفي الفعل به، وعلى قول الكازروني يتطلب الفعل مفعولين على مثال ما رأيت في سورة (الأنعام) رقم [40]، والآية رقم [50] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، الأول: الاسم الموصول، والثاني: جملة استفهامية غير موجودة هنا، ويقدر الكلام:
«أخبروني ما كنتم تعبدون، هل هو حقيق بالعبادة أو لا؟» . انتهى. جمل. {كُنْتُمْ:} فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. {تَعْبُدُونَ:} فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله، وهو العائد محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة:«كنتم تعبدونه» صلة الموصول لا محل لها. {أَنْتُمْ:} ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع توكيد لواو الجماعة. (آباؤكم): معطوف على واو الجماعة، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
{الْأَقْدَمُونَ:} صفة (آباؤكم) مرفوع، وعلامة رفعه الواو
…
إلخ. {فَإِنَّهُمْ:} الفاء: حرف تعليل.
(إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور. {عَدُوٌّ:} خبر (إن). {لِي:} جار ومجرور متعلقان ب {عَدُوٌّ} . {إِلاّ:}
أداة استثناء. {رَبَّ:} مستثنى متصل، أو منقطع، فالاتصال على قول من يقول: إنهم كانوا يعبدون الأصنام مع الله مثل مشركي مكة، والانقطاع على أنهم لم يعترفوا بوجود الله تعالى،
و {رَبَّ} مضاف، و {الْعالَمِينَ} مضاف إليه مجرور
…
إلخ، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية (إنهم
…
) إلخ تعليل لما قبلها، والكلام:
{أَفَرَأَيْتُمْ..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
{الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78)}
الشرح: {يَهْدِينِ} أي: يرشدني إلى الدين. وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: لأنه يهدي كل مخلوق لما خلق له، من أمور المعاش والمعاد، كما قال جل ذكره:{وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى} هداية مدرجة، من مبدأ إيجاده، إلى منتهى أجله، يتمكن بها من جلب المنافع، ودفع المضار، مبدؤها بالنسبة للإنسان، هداية الجنين إلى امتصاص دم الطمث من الرحم، ومنتهاها الهداية، إلى طريق الجنة، والتنعم بلذائذها.
الإعراب: {الَّذِي:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب بدلا من {رَبَّ الْعالَمِينَ،} أو عطف بيان عليه، أو صفة له، أو على إضمار: أعني، أو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي. {خَلَقَنِي:} فعل ماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل يعود إلى {الَّذِي} تقديره:«هو» ، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. {فَهُوَ:} الفاء: حرف عطف على الأوجه الأولى في الموصول، وزائدة على اعتباره مبتدأ. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {يَهْدِينِ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة، المدلول عليها بالكسرة مفعول به، والفاعل مستتر تقديره:«هو» ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:(هو يهدين) معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها على الأوجه الأولى في الموصول، وفي محل رفع خبره على اعتباره مبتدأ، وزيدت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. وعليه فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
{وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79)}
الشرح: المعنى: هو يرزقني، ويغذيني بالطعام، والشراب.
الإعراب: {وَالَّذِي:} الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (الذي): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على ما قبله، أو في محل رفع مبتدأ خبره محذوف، تقديره: لا أحد غيره يفعل ذلك. {هُوَ:} مبتدأ، وجملة:{يُطْعِمُنِي} في محل رفع خبره، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة:{وَيَسْقِينِ} معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها، وإعرابها مثل إعراب:{يَهْدِينِ} بلا فارق.
{وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)}
الشرح: أي: إذا أصابني المرض فهو يبرئني ويعافيني من المرض، فقد أضاف المرض إلى نفسه استعمالا للأدب، وإن كان المرض، والشفاء من الله تعالى: وذلك كما قال الخضر:
{فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها،} وقال: {فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما} .
قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وإنما لم ينسب المرض إليه تعالى؛ لأن مقصوده تعداد النعم، ولا ينتقض بإسناد الإماتة إليه، فإن الموت من حيث إنه لا يحسن به، لا ضرر فيه، إنما الضرر في مقدماته، وهي المرض، ثم إنه لأهل الكمال وصلة إلى نيل المحاب التي تستحقر دونها الحياة الدنيوية، وخلاص من أنواع المحن والبلية؛ ولأن المرض في غالب الأمر، إنما يحدث بتفريط من الإنسان في مطاعمه، ومشاربه، وبما بين الأخلاط والأركان من التنافي، والتنافر، والصحة إنما تحصل باستحفاظ اجتماعها، والاعتدال المخصوص عليها قهرا، وذلك بقدرة العزيز الحكيم. انتهى.
الإعراب: {وَإِذا:} الواو: حرف عطف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. {مَرِضْتُ:}
فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح.
{فَهُوَ:} الفاء: واقعة في جواب الشرط. (هو): مبتدأ، وجملة:{يَشْفِينِ} في محل رفع خبره، وإعرابها مثل إعراب {يَهْدِينِ،} والجملة الاسمية: {فَهُوَ يَشْفِينِ} جواب (إذا) لا محل لها. و (إذا) ومدخولها معطوف على جملة: {يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} لا محل له مثلها.
{وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81)}
الشرح: {يُمِيتُنِي} أي: في الدنيا. {ثُمَّ يُحْيِينِ} أي: يوم القيامة للحساب، والجزاء.
هذا؛ وقال النسفي-رحمه الله تعالى-: ولم يقل: إذا مت؛ لأنه الخروج من حبس البلاء، ودار الفناء إلى روض البقاء لوعد اللقاء، وأدخل:{ثُمَّ} في الإحياء لتراخيه عن الإفناء، وأدخل الفاء في الهداية، والشفاء؛ لأنهما يعقبان الخلق، والمرض. انتهى. هذا؛ وتجوز أهل الإشارات في غوامض المعاني، فعدلوا عن ظاهر اللفظ، وتأولوا الآية الكريمة على ثلاثة أوجه:
أحدها: الذي يميتني بالمعاصي، يحييني بالطاعات. الثاني: يميتني بالخوف، يحييني بالرجاء.
الثالث: يميتني بالطمع، يحييني بالقناعة، وقول رابع: يميتني بالعدل، يحييني بالفضل. وقول خامس: يميتني بالفراق، يحييني بالتلاق. وقول سادس: يميتني بالجهل، يحييني بالعقل، إلى غير ذلك مما ليس بشيء منه مراد من الآية، فإن هذه التأويلات الغامضة، والأمور الباطنة، إنما
تكون لمن حذق، وعرف الحق، وأما من كان في عمى عن الحق، فكيف ترمز له الأمور الباطنة، وتترك الأمور الظاهرة؟ هذا محال، والله أعلم. انتهى. قرطبي.
الإعراب: {وَالَّذِي:} الواو: حرف عطف. (الذي): اسم موصول مبني على السكون معطوف على ما قبله. {يُمِيتُنِي:} فعل مضارع، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والفاعل يعود إلى (الذي) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، وجملة:
{يُحْيِينِ:} معطوفة عليها لا محل لها مثلها، وإعرابها مثل إعراب:{يَهْدِينِ} في الآية رقم [78].
{وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)}
الشرح: {وَالَّذِي أَطْمَعُ..} . إلخ: أرجو، وقيل: هو بمعنى اليقين في حق إبراهيم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وبمعنى الرجاء في حق المؤمنين سواء، وانظر الآية رقم [52]. هذا؛ وقال البيضاوي-رحمه الله-في هذه الخطيئة: ذكر ذلك هضما لنفسه، وتعليما للأمة أن يجتنبوا المعاصي، ويكونوا على حذر، وطلب؛ لأن يغفر لهم ما فرط منهم، واستغفار لما عسى يندر منه من الصغائر، وحمل الخطيئة على كلماته الثلاث:(إني سقيم)، (بل فعله كبيرهم هذا)، (هي أختي) عن زوجته سارة ضعيف؛ لأنها معاريض، وليست خطايا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [63] من سورة (الأنبياء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وانظر جمع خطيئة في الآية رقم [12] من سورة (العنكبوت).
{يَوْمَ الدِّينِ:} يوم الحساب، والجزاء، وهو يوم القيامة، ومنه: كما تدين تدان، أي: كما تفعل تجازى. وعن ابن عباس-رضي الله عنهما-قال: يوم الدين: يوم حساب الخلائق، يدينهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ، إلا من عفا الله عنه، والأمر أمره، ثم قال:
ألا له الخلق والأمر. هذا؛ و {الدِّينِ} بكسر الدال: اسم لجميع ما يعبد به الله تعالى، و {الدِّينِ} أيضا: الملة والشريعة، ومن هذا قوله تعالى في حق يوسف-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-:{ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} . هذا؛ والدّين بفتح الدال: القرض المؤجل، وجمع الأول: أديان، وجمع الثاني: ديون وأدين، والدينونة: القضاء، والحساب والديانة: اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى.
فائدة: روى مسلم عن عائشة-رضي الله عنها، قالت: قلت: يا رسول الله! إنّ ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين؛ أكان ذلك نافعا له:«قال: لا ينفعه، إنّه لم يقل يوما: ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدّين» . هذا؛ وابن جدعان هو عبد الله بن جدعان التيمي من قبيلة أبي بكر-رضي الله عنه، كان من أجواد قريش، توفي قبل المبعث بسنوات قليلة.
الإعراب: {وَالَّذِي:} الواو: حرف عطف. (الذي): اسم موصول مبني على السكون معطوف على ما قبله. {أَطْمَعُ:} فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنا» . {أَنْ:} حرف
مصدري، ونصب. {يَغْفِرَ:} فعل مضارع منصوب ب: {أَنْ،} والفاعل يعود إلى (الذي) وهو العائد. {لِي:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {خَطِيئَتِي:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {يَوْمَ:} ظرف زمان متعلق بالفعل {يَغْفِرَ} و {يَوْمَ} مضاف، و {الدِّينِ} مضاف إليه، و {أَنْ} المصدرية والفعل {يَغْفِرَ} في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: أطمع بمغفرته لي خطيئتي، وجملة:{أَطْمَعُ..} . إلخ صلة الموصول لا محل لها.
{رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ (83)}
الشرح: لما ذكر إبراهيم فنون الألطاف الفائضة عليه من حضرة الحق، من مبدأ خلقه إلى يوم بعثه؛ حمله ذلك على مناجاته، ودعائه، وطلبه منه حكما، أي: كمالا في العلم، والعمل أستعد به لخلافة الحق، ورياسة الخلق، وانظر الآية رقم [21].
{وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ} أي: وفقني للكمال في العمل؛ لأنتظم به في عداد الكاملين في الصلاح، الذي لا يشوب صلاحهم كبير ذنب، ولا صغيره. هذا؛ وفسر الصالحين بالنبيين، فيكون المراد من سبقه منهم مثل: هود، وصالح، وإدريس، ونوح، وشيث، وآدم على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، وانظر ما ذكرته بشأن الصالحين في الآية رقم [19] من سورة (النمل) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: {رَبِّ:} منادى حذفت منه أداة النداء. {هَبْ:} فعل دعاء، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنت» . {لِي:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {حُكْماً:} مفعول به، والجملة الفعلية والندائية قبلها في محل نصب مقول القول ل:{قالَ} في الآية رقم [75].
{وَأَلْحِقْنِي:} الواو: حرف عطف. (ألحقني): فعل دعاء، والفاعل: أنت، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. {بِالصّالِحِينَ:} متعلقان بالفعل قبلهما.
{وَاِجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84)}
الشرح: دعا إبراهيم ربه أن يجعل له لسان صدق؛ أي: جاها، وحسن صيت في الدنيا، يبقى أثره إلى يوم الدين، وقد حقق الله رجاءه، وأجاب دعاءه، فما من أمة من الأمم، إلا وهي تحبه، وتثني عليه خصوصا أمة محمد، وخصوصا في كلّ تشهد من تشهدات الصلوات كما هو معروف، وهذا الجاه، والثناء الحسن قد شمل ذريته من بعده، كما صرحت به الآية [50] من سورة (مريم) حيث قال تعالى:{وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا} . هذا؛ وقد روى أشهب عن مالك: أنه قال: لا بأس أن يحب الرجل أن يثنى عليه صالحا، ويرى في عمل الصالحين إذا
قصد به وجه الله تعالى، وقد قال الله تعالى:{وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي} الآية رقم [39] من سورة (طه)، وقال:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا،} أي: حبّا في قلوب عباده، وثناء حسنا. فنبه الله بهذه الآية التي نحن بصدد شرحها على استحباب اكتساب ما يورث الذكر الجميل؛ إذ هي الحياة الثانية، قال أحمد شوقي رحمه الله تعالى:[الكامل]
دقّات قلب المرء قائلة له
…
إنّ الحياة دقائق وثوان
فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها
…
فالذّكر للإنسان عمر ثان
هذا؛ وقد يجعل اللسان كناية عن كلمة السوء، كما في قول الشاعر:[الوافر]
لسان السّوء تهديها إلينا
…
وحنت وما حسبتك أن تحينا
وقد أنّثه، وأيضا قول الأعشى، وكان قد أتاه خبر مقتل أخيه المنتشر:[البسيط]
إنّي أتتني لسان، لا أسرّ بها
…
من علو لا عجب منها ولا سخر
قال الجوهري: يروى: «من علو» بضم الواو، وفتحها، وكسرها؛ أي: أتاني خبر من أعلى، والتأنيث للكلمة. وقد يجعل اللسان كناية عن الرسالة، أو عن القصيدة من الشعر، كقول الآخر:[المتقارب]
أتتني لسان بني عامر
…
فجلّى أحاديثها عن بصر
هذا؛ وقد أطلقه الله على القرآن بكامله مع التذكير في سورة (النحل) الآية رقم [103] حيث قال جل ذكره: {وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} . وأخيرا: فاللسان يؤنث، فيجمع على ألسن، كذراع، وأذرع ويذكّر فيجمع على ألسنة، كحمار، وأحمرة، وتصغيره على التذكير: لسين، وعلى التأنيث: لسينة.
الإعراب: {وَاجْعَلْ:} الواو: حرف عطف. (اجعل): فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره:
«أنت» . {لِسانَ:} مفعول به، و {لِسانَ:} مضاف، و {صِدْقٍ} مضاف إليه. {فِي الْآخِرِينَ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة {لِسانَ صِدْقٍ،} وجملة: {وَاجْعَلْ لِي..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.
{وَاِجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85)}
الشرح: سأل إبراهيم ربه أن يجعله من أهل الجنة، ومن ورثتها، وهو يردّ قول بعضهم:
لا أسأل جنة ولا نارا. هذا؛ وقد ذكرت لك مرارا: أن معنى ميراث الجنة: أن المؤمن يرث منزل الكافر في الجنة، والكافر يرث منزل المؤمن في النار؛ لأن لكل واحد منزلا في الجنة، ومنزلا في النار، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: {وَاجْعَلْنِي:} الواو: حرف عطف. (اجعلني): فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره:
«أنت» ، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. {مِنْ وَرَثَةِ:}
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. و {وَرَثَةِ} مضاف، و {جَنَّةِ} مضاف إليه، من إضافة الصفة لمفعولها؛ لأنه بمعنى وارث كما يشير إليه المعنى، وفاعله مستتر فيه. و {جَنَّةِ} مضاف، و {النَّعِيمِ} مضاف إليه، من إضافة المحل للحال فيه، وجملة:{وَاجْعَلْنِي..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.
{وَاِغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ (86)}
الشرح: سأل إبراهيم ربه المغفرة لأبيه، وهذا الدعاء كان في حياة أبيه، فدعا له بالتوفيق، والهداية للإيمان، وهذا قبل أن يتبين له: أنه عدو لله، كما رأيت في الآية رقم [114] من سورة (التوبة). {إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ} أي: المشركين. وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وإن كان هذا الدعاء بعد موته، فلعله كان في ظنه أنه كان يخفي إيمانه تقية من نمرود، ولذلك وعده به، أو؛ لأنه لم يمنع بعد من الاستغفار للكفار، ويرد الأول التصريح ببراءته من أبيه، كما رأيت في الآية المذكورة آنفا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: {وَاغْفِرْ:} الواو: حرف عطف. (اغفر): فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» .
{لِأَبِي:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
{إِنَّهُ:} حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. {كانَ:} فعل ماض ناقص، واسمه مستتر تقديره:«هو» يعود إلى أبيه. {مِنَ الضّالِّينَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر {كانَ،} وجملة: {كانَ مِنَ الضّالِّينَ} في محل رفع خبر (إنّ)، وهذا يؤيد أن الدعاء له كان بعد موته، وأما على اعتبار الدعاء له قبل أن يتبين له أنه عدو لله، ف:{كانَ} زائدة، لا عمل لها، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية:{إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ} تعليل للدعاء لا محل لها، وجملة:{وَاغْفِرْ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.
{وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87)}
الشرح: {وَلا تُخْزِنِي} أي: لا تفضحني على رؤوس الأشهاد، أو لا تعذبني يوم القيامة.
وقال البيضاوي: بمعاتبتي على ما فرطت، أو بنقص رتبتي عن رتبة بعض الوراث. {يَوْمَ يُبْعَثُونَ} أي: يبعث الناس، أو الضالون. هذا؛ {وَلا تُخْزِنِي} ولا توقعني في الخزاية من الإخزاء، وهو الإذلال، قال ذو الإصبع العدواني شاعر جاهلي:[البسيط]
لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب
…
عنّي ولا أنت ديّاني فتخزوني
وهو هنا من الرباعي من: أخزى، يخزي، وهو من الثلاثي: خزي، يخزى خزاية بمعنى:
استحيا، وخجل، وقال نهشل بن حري الدارمي من قصيدة يرثي بها أخاه مالكا، وكان قد قتل بصفين مع الإمام علي-كرم الله وجهه-:[الطويل]
أخ ما جد لم يخزني يوم مشهد
…
كما سيف عمرو، لم تخنه مضاربه
وفي البخاري: عن أبي هريرة-رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إنّ إبراهيم يرى أباه يوم القيامة عليه الغبرة، والقترة» . والغبرة: هي القترة، وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«يلقى إبراهيم أباه، فيقول: يا ربّ، إنك وعدتني ألاّ تخزني يوم يبعثون، فيقول الله تعالى: إنّي حرّمت الجنّة على الكافرين» . انفرد بها البخاري رحمه الله تعالى. انتهى. قرطبي.
الإعراب: {وَلا:} الواو: حرف عطف. (لا): دعائية متضمنة معنى النهي. {تُخْزِنِي:} فعل مضارع مجزوم ب (لا)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنت» ، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. {يَوْمَ:} ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. {يُبْعَثُونَ:} فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون
…
إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {يَوْمَ} إليها، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.
{يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (88) إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)}
الشرح: قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: أي: لا ينفع مال، ولا بنون أحدا إلا مخلصا، سليم القلب من الكفر، وميل المعاصي، وسائر آفاته. أو لا ينفعان أحدا إلا مال من هذا شأنه، وبنوه، حيث أنفق ماله في سبيل البر، وأرشد بنيه إلى الحق، وحثهم على الخير، وقصد بهم أن يكونوا عباد الله مطيعين، شفعاء له يوم القيامة.
هذا؛ واختلف في «القلب السليم» على أقوال كثيرة، قال الضحاك: هو السليم الخالص، وهذا القول يجمع شتات الأقوال بعمومه، أي: الخالص من الأوصاف الذميمة، كالعجب، والكبر، والحقد، والحسد، والرياء، والنفاق، والمتصف بالأوصاف الجميلة. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة-رضي الله عنه-عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:«يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطّير» . يريد، والله أعلم: أنها مثلها في أنها خالية من كل ذنب، سليمة من كل عيب، لا خبرة لهم بأمور الدنيا. وقيل: قلب سليم من الكفر والنفاق، فقلب الكافر، والمنافق مريض،
كقوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} هذا؛ وإنما خص الله القلب بالذكر؛ لأنه إذا سلم؛ سلمت الجوارح كلها، وإذا فسد فسدت الجوارح كلها، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:«ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب» .
الإعراب: {يَوْمَ:} بدل من {يَوْمَ يُبْعَثُونَ،} وهذا على اعتبار الكلام من تتمة كلام الخليل، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. واعتبره ابن عطية من كلام الله تعالى، فيكون الكلام مستأنفا. و {يَوْمَ} متعلقا بفعل محذوف، تقديره: اذكر، ويكون الكلام في محل نصب مقول لقول محذوف. {لا:} نافية. {يَنْفَعُ:} فعل مضارع. {مالٌ:} فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {يَوْمَ} إليها. {وَلا:} الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. {بَنُونَ:}
معطوف على ما قبله مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والمفعول محذوف، تقديره: أحدا، أو رجلا ونحوهما. {إِلاّ:} أداة استثناء. {مَنْ:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب بدلا من المفعول المحذوف، أو في محل نصب مستثنى منه. هذا؛ وأجيز اعتباره بدلا من فاعل {يَنْفَعُ،} وغلب من يعقل، ويكون التقدير: إلا مال من، أو بنو من، فإنه ينفع نفسه، أو غيره بالشفاعة، وقال الزمخشري: يجوز أن يكون مفعول: {يَنْفَعُ} أي: لا ينفع ذلك إلا رجلا أتى الله بقلب سليم. {أَتَى:} فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره:«هو» يعود إلى {مَنْ} . {اللهَ:} منصوب على التعظيم. {بِقَلْبٍ:} متعلقان بالفعل قبلهما. {سَلِيمٍ:} صفة له، وجملة:{أَتَى..} . إلخ صلة الموصول لا محل لها، أو هي صفة {مَنْ،} إن اعتبرتها نكرة موصوفة، وهو مفاد كلام الزمخشري.
الشرح: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} أي: قربت، وأدنيت إليهم؛ ليدخلوها، بحيث يرونها من الموقف. {وَبُرِّزَتِ} أي: أظهرت. {الْجَحِيمُ:} جهنم. {لِلْغاوِينَ} أي: الكافرين الذين أغواهم إبليس اللعين، فضلوا عن طريق الهدى. والمعنى: تظهر جهنم لأهلها قبل أن يدخلوها، فيرونها مكشوفة، فيتحسرون، ويستشعرون الحزن والخوف، كما يستشعر أهل الجنة الفرح والسرور لعلمهم: أنهم يدخلونها. {وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما..} . إلخ: هذا توبيخ لهم على إشراكهم؛ حيث يقال لهم: أين آلهتكم التي كنتم تعبدونها من دون الله، هل ينفعونكم بنصرتهم لكم، أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم. لأنهم، وآلهتهم وقود النار. هذا؛ والتعبير بالماضي عن المستقبل في الأفعال الثلاثة، إنما هو لتحقق ما يقع يوم القيامة من أحداث، وهذا كثير في القرآن الكريم.
هذا؛ ومما يتعلق بالآيات الكريمة قال النسفي-رحمه الله تعالى-: وقد صوب الجليل استثناء الخليل، أي في الآية رقم [89] إكراما له، ثم جعله صفة له في قوله:{وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (83) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} الآية رقم [83] و [84] من سورة (الصافات) وما أحسن ما رتب عليه السلامة من كلامه مع المشركين، حيث سألهم أولا عما يعبدون سؤال مقرر، لا مستفهم، ثم أقبل على آلهتهم، فأبطل أمرها، فإنها لا تضر، ولا تنفع، ولا تسمع. وعلى تقليدهم آباءهم الأولين، فأخرجه من أن يكون شبهة؛ فضلا عن أن يكون حجة. ثم صوّر المسألة في نفسه دونهم، حتى تخلص منها إلى ذكر الله تعالى، فعظم شأنه، وعدد نعمته، من حين إنشائه إلى وقت وفاته، مع ما يرجى في الآخرة من رحمته، ثم أتبع ذلك أن دعا بدعوات المخلصين، وابتهل إليه ابتهال الأدب، ثم وصله بذكر يوم القيامة، وثواب الله وعقابه، وما يدفع إليه المشركون يومئذ من الندم والحسرة، على ما كانوا فيه من الضلال، وتمني الكرة إلى الدنيا؛ ليؤمنوا ويطيعوا. انتهى. بتصرف.
الإعراب: {وَأُزْلِفَتِ:} الواو: حرف عطف. (أزلفت): فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. {الْجَنَّةُ:} نائب فاعل. {لِلْمُتَّقِينَ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة:
(وأزلفت
…
) إلخ معطوفة على جملة: {لا يَنْفَعُ..} . إلخ وقد رأيت: أن الفعل بمعنى الاستقبال، وجملة:{وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ} معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها بلا فارق.
{وَقِيلَ:} الواو: حرف عطف. (قيل): فعل ماض مبني للمجهول. {لَهُمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {أَيْنَ:} اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية المكانية، متعلق بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. {ما:} اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. {كُنْتُمْ:} فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه.
{تَعْبُدُونَ:} فعل مضارع مرفوع
…
إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، وهو العائد، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة:{كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ} صلة الموصول لا محل لها.
{مِنْ دُونِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل: {تَعْبُدُونَ} . {وَقِيلَ:} متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف المنصوب، والأول أقوى هنا، و {دُونِ} مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه.
{هَلْ:} حرف استفهام، وتوبيخ. {يَنْصُرُونَكُمْ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به. {أَوْ:} حرف عطف. {يَنْتَصِرُونَ:}
فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والكلام:{أَيْنَ ما..} . إلخ كله في محل رفع نائب فاعل: (قيل)، وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول:«يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه» وهذا لا غبار عليه، وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وقيل قول. وقيل: الجار والمجرور متعلقان بمحذوف في
محل رفع نائب فاعل، وجملة:{وَقِيلَ لَهُمْ..} . إلخ معطوفة على جملة: {لا يَنْفَعُ..} . إلخ وساغ ذلك؛ لأن قيل بمعنى يقال، كما رأيت فيما سبق.
{فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95)}
الشرح: {فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ:} قال ابن عباس-رضي الله عنهما: جمعوا في جهنم. وقيل:
قذفوا، وطرحوا بعضهم على بعض. وقيل: ألقوا على رؤوسهم، والمراد بالضمير الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله. وجمعت الأصنام، جمع مذكر سالما على مثال ما رأيت في الآية رقم [73]. {وَالْغاوُونَ:} المراد: العبدة، والكبكبة: تكرير الكب، وهو الإلقاء على الوجه لتكرير معناه، كأنّ من ألقي في النار ينكب مرة بعد أخرى؛ حتى يستقر في قعرها. {وَجُنُودُ إِبْلِيسَ:}
أتباعه ومن أطاعه من الجن والإنس، وقال قتادة، والكلبي، ومقاتل: الغاوون: هم الشياطين، فيكون المراد بواو الجماعة العبدة. هذا؛ وانظر إبليس، وجنوده، وذريته في الآية رقم [50] من سورة (الكهف) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
هذا؛ وقال القرطبي: وأصل: كبكبوا: كبّبوا، فأبدل من الباء الوسطى كاف، استثقالا لاجتماع الباآت. انتهى. وينبغي أن تعلم أن كبّ متعدّ، وأكبّ لازم، قال امرؤ القيس:[المتقارب]
لها متنتان خظاتا كما
…
أكبّ على ساعديه النّمر
وهو خارج عن قاعدة تعدية اللازم بالهمزة، كما في قولك: ذهب زيد، وأذهب، وخرج، وأخرج، ومثله: أنزفت البئر، ونزفتها أنا، وأنسل ريش الطائر، ونسلته أنا. ومن المتعدي بدون همز قول النبي صلى الله عليه وسلم:«وهل يكبّ النّاس في النار على وجوههم إلاّ حصائد ألسنتهم» . وقوله عليه الصلاة والسلام: «من ولي أمّة من أمتي قلّت أو كثرت، فلم يعدل فيهم؛ كبّه الله على وجهه في النّار» .
الإعراب: {فَكُبْكِبُوا:} الفاء: حرف عطف. (كبكبوا): فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. {فِيها:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {هُمْ:} ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع توكيد لواو الجماعة، وقيل:
ضمير فصل، والأول أقوى. {وَالْغاوُونَ:} معطوف على واو الجماعة مرفوع. {وَجُنُودُ:}
معطوف على واو الجماعة مرفوع مثله، و (جنود): مضاف، و {إِبْلِيسَ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. {أَجْمَعُونَ:}
توكيد لواو الجماعة وما عطف عليه، وإن اعتبرت (جنود) مبتدأ خبره جملة:{قالُوا..} . إلخ فيكون توكيدا له، وجملة:{فَكُبْكِبُوا..} . إلخ معطوفة على جملة: {لا يَنْفَعُ..} . إلخ على مثال ما رأيت في الجمل السابقة.
الشرح: {قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ:} يعني: الإنس والشياطين، والغاوين، والمعبودين، اختصموا حينئذ، على أن الله ينطق الأصنام، فتخاصم العبدة، وهذا الخصام كرره القرآن كثيرا في آياته، ومثله: خصام الأتباع والمتبوعين.
{تَاللهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ:} هذا من قول العابدين بدليل ما بعده، وهو اعتراف منهم بأنهم كانوا في الدنيا كافرين ضالين عن طريق الحق، والصواب، فأكدوه بالقسم. {إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ:} المعنى لقد كنا في غاية الضلال وقت تسويتنا إياكم يا هذه الأصنام في استحقاق العبادة برب العالمين، الذي أنتم أدنى مخلوقاته، وأذلهم، وأعجزهم، وانظر إعلال:{مُبِينٍ} في الآية رقم [1]، وشرح {الْعالَمِينَ} في الآية رقم [16]، و {تَاللهِ} قسم فيه معنى التعجب، والتاء بدل من الباء، وهي مختصة باسم الله تعالى، وربما قالوا: تربي، وترب الكعبة، وتا الرحمن. والواو تختص بكل مظهر، والباء بكل مضمر ومظهر.
الإعراب: {قالُوا:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. {وَهُمْ:}
الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {فِيها:} جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. {يَخْتَصِمُونَ:} فعل مضارع مرفوع
…
إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:{وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ} في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. {تَاللهِ:} جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: نقسم. {إِنْ:} مخففة من الثقيلة، مهملة لا عمل لها، وقيل: عاملة، ولا وجه له البتة؛ لأن شروط الإهمال هنا متوفرة، وهي إيلاؤها فعلا ناسخا، ولزوم لام الابتداء بعدها، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-:[الرجز]
وخفّفت إنّ فقلّ العمل
…
وتلزم اللام إذا ما تهمل
والفعل إن لم يك ناسخا فلا
…
تلفيه غالبا بإن ذي موصلا
{كُنّا:} فعل ماض ناقص مبني على السكون، و (نا) اسمه. {لَفِي:} اللام: هي الفارقة بين النفي والإثبات. (في ضلال): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كان. {مُبِينٍ:} صفة {ضَلالٍ،} والجملة الفعلية: {إِنْ كُنّا..} . إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول. {إِذْ:} ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، يدل عليه {ضَلالٍ،} أو ب {ضَلالٍ} نفسه، أو ب {مُبِينٍ}. {نُسَوِّيكُمْ:}
فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره:«نحن» ، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {إِذْ} إليها. {بِرَبِّ:} متعلقان بالفعل قبلهما، و (رب) مضاف، و {الْعالَمِينَ} مضاف إليه مجرور
…
إلخ، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة:{قالُوا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
الشرح: {وَما أَضَلَّنا:} عن طريق الهدى، والحق. {إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ} أي: من دعاهم إلى عبادة الأوثان من الجن، والإنس. وقيل: المراد: الأولون الذين اقتدينا بهم، وقيل: المراد:
إبليس، وابن آدم الأول، وهو قابيل، وهو أول من سن القتل، وأنواع المعاصي. وهذا بعيد جدا.
{فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ} أي: من يشفع لنا، كما للمؤمنين شافعون من الملائكة والأنبياء. {وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ:} كما نرى للمؤمنين أصدقاء؛ إذ لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما أهل الكفر والمعاصي والفسوق والضلال فبينهم التعادي، قال تعالى في بيان ذلك:{الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ} أو {فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (100) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} من الذين كنا نعدهم شفعاء، وأصدقاء؛ لأنهم كانوا يعتقدون في أصنامهم: أنهم شفعاؤهم عند الله. وكان لهم الأصدقاء من شياطين الإنس. والحميم من: الاحتمام، وهو الاهتمام الذي يهمه ما يهمك، أو من الحامة بمعنى الخاصة. ومن الجدير بالذكر أن الصديق سمي صديقا؛ لصدقه فيما يدعيه لك من المودة، والألفة، والمحبة، وسمي العدو عدوا؛ لعدوه عليك عند أول فرصة تسنح له للإيقاع بك، والقضاء عليك.
وجمع الشافع ووحّد الصديق لكثرة الشفعاء في العادة، وقلة الصديق، ولأن الصديق الواحد يسعى أكثر مما يسعى الشفعاء، أو لإطلاق الصديق على الجمع كالعدو؛ لأنه في الأصل مصدر، كالحنين، والصهيل، وانظر شرح {عَدُوٌّ} في الآية رقم [77] فهو مثله. يستوي فيه المفرد، والمذكر، والمؤنث. {فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً} أي: رجعة إلى الدنيا. {فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:} تمنوا حين لا ينفعهم التمني، وإنما قالوا ذلك حين شفع الملائكة، والمؤمنون.
فعن جابر بن عبد الله-رضي الله عنهما-قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنّ الرّجل ليقول في الجنّة:
ما فعل فلان وصديقه في الجحيم؟ فلا يزال يشفع له حتّى يشفّعه الله فيه فإذا نجا قال المشركون:
وقال الحسن: ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة، إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض، وهم عند الله شافعون مشفعون. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«أكثروا من الإخوان فإنّ لكلّ أخ شفاعة يوم القيامة» .
هذا؛ والحميم: القريب، والخاص، ومنه: حامّة الرجل، أي: أقرباؤه. وأصل هذا من الحميم، وهو الماء الحار، ومنه الحمّام، والحمّى، فحامّة الرجل الذين يحرقهم ما أحرقه.
وقال علي بن عيسى: إنما سمي القريب حميما؛ لأنه يحمى لغضب صاحبه، فجعله مأخوذا من الحمية، وجمع حميم: أحمّاء، وأحمّة، وكرهوا:«أفعلاء» للتضعيف.
الإعراب: {وَما:} الواو: حرف عطف. (ما): نافية. {أَضَلَّنا:} فعل ماض، و (نا):
مفعول به. {إِلاَّ:} حرف حصر. {الْمُجْرِمُونَ:} فاعل مرفوع
…
إلخ. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. {فَما:} الفاء: حرف عطف أو حرف استئناف. وقيل: الفصيحة، ولا وجه له ألبتة. (ما): نافية. {لَنا:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {مِنْ:} حرف جر صلة. {شافِعِينَ:} مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو المقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بالياء التي جلبها حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. {وَلا:} الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. {صَدِيقٍ:} معطوف على لفظ {شافِعِينَ} . ويجوز في العربية رفعه عطفا على المحل. {حَمِيمٍ:} صفة: {صَدِيقٍ} . {فَلَوْ:} الفاء: حرف عطف، أو استئناف.
(لو): حرف تمنّ. {أَنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {لَنا:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر:
{أَنَّ} مقدم. {كَرَّةً:} اسمها مؤخر، و {أَنَّ} واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، التقدير: فلو حصل لنا وقوع كرة وهذا على اعتبارها شرطية، وعلى اعتبارها باقية للتمني فالتقدير: نتمنى حصول ووقوع كرة إلى الدنيا. {فَنَكُونَ:} الفاء: للسببية.
(نكون): فعل مضارع ناقص منصوب ب {أَنَّ} مضمرة بعد الفاء، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره:«نحن» . {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر نكون، و «أن» المضمرة والفعل (نكون) في تأويل مصدر معطوف بالفاء على:{كَرَّةً} . هذا؛ وأجيز اعتبار: (لو) شرطية، فيكون جوابها محذوفا دل عليه {فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ويقدر: لكنا مؤمنين، والكلام على الاعتبارين في محل نصب مقول القول، ولهذا نفى ابن هشام أن يكون نصب (نكون) جوابا ل:(لو)، ولذا قال: ولا دليل في هذا لجواز أن يكون النصب في {فَنَكُونَ} مثله في قوله تعالى:
{وَما كانَ لِبَشَرٍ..} . إلخ الآية رقم [51] من سورة (الشورى) وقول ميسون: [الوافر]
ولبس عباءة وتقرّ عيني
…
أحبّ إليّ من لبس الشّفوف
أي: إن المصدر المؤول معطوف بالفاء على: {كَرَّةً،} وهو المعبر عنه باسم خالص من التقدير بالفعل.
الشرح: {إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً} أي: لحجة وعظة لمن أراد أن يستبصر بها، ويعتبر، فإنها جاءت على أنظم ترتيب، وأحسن تقرير، يتفطن المتأمل فيها لغزارة علمه؛ لما فيها من الإشارة إلى أصول العلوم الدينية، والتنبيه على دلائلها، وحسن دعوته للقوم، وحسن مخالفته معهم، وكمال إشفاقه عليهم، وتصور الأمر في نفسه، وإطلاق الوعد، والوعيد على سبيل الحكاية تعريضا، وإيقاظا لهم ليكون أدعى لهم إلى الاستماع، والقبول، والإشارة إلى ما ذكر من قصة إبراهيم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. انتهى. بيضاوي بتصرف. {وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ:} أكثر قوم إبراهيم.
{مُؤْمِنِينَ:} مصادقين له. بل إنه لم يهاجر معه من العراق إلى فلسطين سوى زوجته سارة وابن أخيه لوط. كما تقدم ذكره في الآية رقم [71] من سورة (الأنبياء). هذا؛ وانظر إعراب الآيتين فيما تقدم برقم [8] و [9] وذلك بغية الاختصار، في الوقت، وغيره.
{كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (106)}
الشرح: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} أي: كذبت جماعة قوم نوح. وقال البيضاوي: القوم:
مؤنث؛ ولذلك يصغر على: قويمة. وفي المصباح: القوم: يذكر، ويؤنث، فيقال: قام القوم، وقامت القوم، وكذا كل اسم جمع لا واحد له من لفظه، نحو رهط ونفر. انتهى. والتأنيث باعتبار معناه، والتذكير باعتبار لفظه، وإنما جمع المرسلين مع أن المرسل واحد وهو نوح كما هو نص الآية؛ لأن دين الرسل واحد، وأن الآخر منهم جاء بما جاء به الأول، فمن كذب واحدا منهم؛ فقد كذب جميع الرسل، فلذا صح الجمع هنا، وكذلك باقي قصص الأنبياء.
{إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ:} أخوهم في النسب لا في الدين؛ لأنه من عشيرتهم، وولد بينهم.
هذا؛ وإن أردت التوسع في قصة نوح مع قومه؛ انظر سورة (الأعراف) وسورة (هود) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. {أَلا تَتَّقُونَ} أي: تخافون الله، فتتركوا عبادة الحجارة والأوثان، وما لا يضر، ولا ينفع.
الإعراب: {كَذَّبَتْ:} فعل ماض، والتاء للتأنيث. {قَوْمُ:} فاعل، و {قَوْمُ} مضاف، و {نُوحٍ} مضاف إليه. {الْمُرْسَلِينَ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة:{كَذَّبَتْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {إِذْ:} ظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل:{كَذَّبَتْ} . {قالَ:} فعل ماض. {لَهُمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
{أَخُوهُمْ:} فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء
ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {نُوحٍ:} بدل، أو عطف بيان من:{أَخُوهُمْ} . {أَلا:}
حرف تنبيه، واستفتاح، يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. {تَتَّقُونَ:} فعل مضارع مرفوع
…
إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ في محل جر بإضافة {إِذْ} إليها.
{إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (108)}
الشرح: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ:} مرسل من الله إليكم، {أَمِينٌ} أي: على تبليغ ما أمرني به، وكان مشهورا عندهم بالأمانة، كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش، وكذا سائر الرسل؛ لأنهم مطبوعون على الصدق، والأمانة، والعفة، وسائر الصفات الحميدة، والشيم الكريمة. {فَاتَّقُوا اللهَ:} بطاعته، وعبادته، {وَأَطِيعُونِ:} فيما آمركم به من الإيمان، والتوحيد تنجوا من عذاب الله، وسخطه، وغضبه، وعقابه.
الإعراب: {إِنِّي:} حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها، {لَكُمْ:} جار ومجرور متعلقان ب {رَسُولٌ} بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة:«نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا» .
{رَسُولٌ:} خبر (إن). {أَمِينٌ:} صفة {رَسُولٌ،} والجملة الاسمية: {إِنِّي..} . إلخ في محل نصب مقول القول. {فَاتَّقُوا:} الفاء: حرف عطف على قول من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا، وحاصلا؛ فاتقوا
…
إلخ. (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذا الفعل، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على السكون المقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضمة التي جيء بها لمناسبة واو الجماعة، وقل مثله في نحو:(اشربا، واحفظا، واتقيا) والمانع من السكون الفتحة التي جيء بها لمناسبة ألف الاثنين، التي هي فاعله، وأيضا قولك:(اشربي، واحفظي، واتقي) والمانع من ظهور السكون الكسرة التي جيء بها لمناسبة ياء المؤنثة المخاطبة، التي هي فاعله، {اللهَ:} منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط مقدر ب:«إذا» ، والجملة الشرطية مع الجملة الاسمية قبلها في محل نصب مقول القول. {وَأَطِيعُونِ:} الواو:
حرف عطف، (أطيعون): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بالكسرة مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
{قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاِتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111)}
الشرح: {قالُوا..} . إلخ: أي: قوم نوح له: نصدقك، ونتبعك؛ ولقد اتبعك الأقلون جاها،
ومالا، وهذا من سخافة عقلهم، وقصور رأيهم على الحطام الدنيوية، حتى جعلوا اتباع المقلين فيه مانعا عن اتباعهم وإيمانهم بما يدعوهم إليه دليلا على بطلانه، وأشاروا بذلك إلى أن اتباعهم ليس عن نظر، وبصيرة، وإنما هو لتوقع مال، ورفعة جاه. هذا؛ و {الْأَرْذَلُونَ} جمع الأرذل، وهو جمع مذكر سالم، وتكسيره: الأراذل، كما في قولهم في سورة (هود):{وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا} . والأنثى: الرّذلى، والجمع: الرّذل.
قال النحاس: ولا يجوز حذف الألف واللام في شيء من هذا عند أحد من النحويين علمناه. هذا؛ وقرأ يعقوب: «(وأتباعك الأرذلون)» . هذا؛ والمراد بالأراذل في نظر الكفار: فقراء الناس، وضعفاؤهم، وهذا حال الدنيا لا يتبع الأنبياء إلا الفقراء، ولا يلازم العلماء إلا هؤلاء، سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة تحويلا، ولا تنس: أن الذين آمنوا بنوح، واتبعوه هم نساؤه، وبنوه، وأحفاده، ونساؤهم باستثناء ولده كنعان، وأمه كما رأيت في سورة (هود) على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام، ومن اهتدى بهديه من الفقراء والضعفاء من غير أهل بيته كما ستعرفه في الآية رقم [119] الآتية.
الإعراب: {قالُوا:} فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. {أَنُؤْمِنُ:} الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (نؤمن): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«نحن» . {لَكَ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {وَاتَّبَعَكَ:} الواو: واو الحال، (اتبعك): فعل ماض، والكاف مفعول به. {الْأَرْذَلُونَ:} فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو
…
إلخ، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الكاف المجرورة باللام، والرابط: الواو، والضمير، ويجب تقدير «قد» قبلها. هذا؛ وعلى قراءة يعقوب يجوز في «(أتباعك)» وجهان، اعتباره مبتدأ خبره:{الْأَرْذَلُونَ} . والجملة الاسمية في محل نصب حال من الكاف. والوجه الثاني: اعتباره معطوفا على فاعل (نؤمن) المستتر. وجاز ذلك للفصل بالجار والمجرور، ويكون:{الْأَرْذَلُونَ} صفة له، وجملة:
{أَنُؤْمِنُ..} . إلخ في محل نصب مقول القول. وجملة: {قالُوا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
الشرح: المعنى: إني لم أكلف العلم بأعمالهم، إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبار بالإيمان، لا بالحرف، والصنائع. وكأنهم قالوا: إنما اتبعك هؤلاء الضعفاء طمعا في العزة والمال، فقال: إني لم أقف على باطن أمرهم، وإنما إليّ ظاهرهم، وأكل سرائرهم إلى الله تعالى؛ ولذا قال: ما حسابهم إلا عليه تعالى، ولو علمتم ذلك لما لمتموني، ولما عبتم عليهم إيمانهم بالله تعالى. هذا؛ و {تَشْعُرُونَ} من الشعور، وهو إدراك الشيء من وجه يدق، ويخفى، مشتق من الشعر لدقته، وسمي الشاعر شاعرا لفطنته، ودقة معرفته.
الإعراب: {قالَ:} فعل ماض، وفاعله مستتر تقديره:«هو» يعود إلى {نُوحٍ} . {وَما:} الواو:
زائدة لتحسين اللفظ، (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {عِلْمِي:} خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله.
هذا؛ وجوز اعتبار (ما) نافية فيكون {عِلْمِي} مبتدأ، خبره محذوف تقديره: موجود ونحوه.
{بِما:} الباء: حرف جر، (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالباء. {كانُوا:}
فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة:{يَعْمَلُونَ} في محل نصب خبر (كان)، وجملة:{كانُوا يَعْمَلُونَ} صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف. هذا؛ وقال القرطبي:{كانُوا} زائدة، وعليه ف:(ما) تحتمل الموصوفة، والموصولة، والمصدرية، فعلى الأولين تكون مجرورة بالباء، وجملة:{يَعْمَلُونَ} صلتها، أو صفتها، والرابط، أو العائد محذوف، التقدير: بشيء. أو بالذي يعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملهم، وعلى جميع الاعتبارات فالجار والمجرور متعلقان ب:{عِلْمِي} . {إِنْ:} حرف نفي. {حِسابُهُمْ:} مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. {إِلاّ:} حرف حصر. {عَلى رَبِّي:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {لَوْ:} حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، {تَشْعُرُونَ:} فعل مضارع مرفوع
…
إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب:{لَوْ} محذوف، انظر تقديره في الشرح، والكلام:{وَما عِلْمِي..} . إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
{وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (115)}
الشرح: طلب العظماء من نوح أن يطرد الفقراء، والضعفاء عن مجلسه، كما طلبت قريش ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، كما هو معلوم، فرد عليهم نوح عليه السلام بقوله:{وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ} الذين آمنوا بالله تعالى، واتبعوني، وصدقوني فيما أدعو إليه. وقال لهم: ما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار الناس، وزجرهم عن الكفر والمعاصي سواء أكانوا من الأعزاء، أو من الضعفاء، أو من الأغنياء، أو من الفقراء، فكيف يليق بي أن أطرد الضعفاء، والفقراء؟! والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: {وَما:} الواو: حرف عطف، (ما): نافية حجازية، تعمل عمل «ليس». {أَنَا:}
ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسمها، {بِطارِدِ:} الباء: حرف جر صلة.
(طارد): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، و (طارد) مضاف، و {الْمُؤْمِنِينَ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء
…
إلخ، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {إِنْ:} حرف نفي، {أَنَا:} ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {إِلاّ:} حرف حصر.
{نَذِيرٌ:} خبر المبتدأ. {مُبِينٌ:} صفة له، والجملة الاسمية:{إِنْ أَنَا..} . إلخ تعليل للنفي السابق، والجملة الاسمية:{وَما أَنَا بِطارِدِ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.
{قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116)}
الشرح: قال قوم نوح له: لئن لم تنته، وتكف عن سب آلهتنا، وعيب ديننا، وما نحن عليه من عباداتنا؛ {لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} أي: من المشتومين، أو من المقتولين، أو من المضروبين بالحجارة، قال الثّماليّ: كل «مرجومين» في القرآن فهو القتل إلا في مريم: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ} فهو بمعنى السب، انظر الآية رقم [46] من سورة (مريم).
الإعراب: {قالُوا:} ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. {لَئِنْ:} اللام: موطئة لقسم محذوف، يقدر بما يناسب معتقداتهم. (إن): حرف شرط جازم. {لَمْ:} حرف نفي، وقلب، وجزم. {تَنْتَهِ:} فعل مضارع مجزوم ب {لَمْ،} وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، وهو في محل جزم فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره:
«أنت» ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. (يا):
أداة نداء تنوب مناب أدعو. (نوح): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا).
{لَتَكُونَنَّ:} اللام: واقعة في جواب القسم، (تكونن): فعل مضارع ناقص، مبني على الفتح لا تصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له، واسمه ضمير مستتر فيه، وجوبا تقديره:«أنت» . {مِنَ الْمَرْجُومِينَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: (تكونن)، وجملة:
{لَتَكُونَنَّ..} . إلخ جواب القسم لا محل لها، والجملة الندائية معترضة بين القسم وجوابه، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة:«إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما» . قال ابن مالك رحمه الله في ألفيته: [الرجز]
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم
…
جواب ما أخّرت فهو ملتزم
والكلام {لَئِنْ لَمْ..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالُوا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمّل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
الشرح: توجه نوح على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام بهذا الدعاء حين أيس من إيمان قومه، وقد آذنه الله بذلك حين قال له:{وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ..} . إلخ الآية رقم [36] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
{كَذَّبُونِ:} فلم يقبلوا مني ما أدعوهم إليه من الإيمان بك. {فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً:} فاحكم بيني وبينهم حكما فاصلا. هذا؛ والفتاح: القاضي، والفتاحة: الحكومة. قال ابن عباس-رضي الله عنهما: ما كنت أدري ما معنى قوله تعالى: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا..} . إلخ حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها: تعال حتى أفاتحك، يعني: أقاضيك. وهذا قول قتادة، والسدي، وابن جريج، وجمهور المفسرين: أن الفاتح هو القاضي، والحاكم، سمي بذلك؛ لأنه يفتح إغلاق الإشكال بين الخصوم ويفصلها.
وقال الزجاج: وجائز أن يكون معناه: ربنا أظهر أمرنا حتى ينفتح ما بيننا وبين قومنا، وينكشف.
والمراد منه: أن ينزل عليهم عذابا يدل على كونهم مبطلين، وعلى كون شعيب والمؤمنين معه محقين. وعلى هذا الوجه؛ فالفتح يراد به الكشف والتمييز. انتهى. خازن من تفسير الآية رقم [88] من سورة (الأعراف). هذا؛ وانظر شرح (بين) في الآية رقم [38] من سورة (الفرقان).
الإعراب: {قالَ:} فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره:«هو» يعود إلى نوح. {رَبِّ:}
منادى حذفت منه أداة النداء، وانظر شرح ذلك، وتفصيله في الآية رقم [169] الآتية. {إِنَّ:}
حرف مشبه بالفعل. {قَوْمِي:} اسم {إِنَّ} منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {كَذَّبُونِ:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بالكسرة مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر:{إِنَّ} . {فَافْتَحْ:} الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط غير جازم، وانظر الآية رقم [108]، (افتح): فعل دعاء، وفاعله ضمير مستتر فيه تقديره:«أنت» . {بَيْنِي:} ظرف مكان متعلق بالفعل قبله منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة
…
إلخ، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة. (بينهم): معطوف على ما قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {فَتْحاً:}
يجوز أن يكون مفعولا مطلقا مؤكدا للفعل، وأن يكون مفعولا به، وجملة:{فَافْتَحْ..} . إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم مقدر ب: «إذا» . {وَنَجِّنِي:} الواو: حرف عطف.
(نجني): فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» ، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية
معطوفة على ما قبلها. {وَمَنْ:} الواو: حرف عطف. (من): اسم موصول بمعنى الذين مبني على السكون في محل نصب معطوف على ياء المتكلم، ويجوز أن تكون (من) نكرة موصوفة.
{مَعِيَ:} ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، أو بمحذوف صفة النكرة منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم
…
إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من (من)، و (من) بيان لما أبهم فيها، والكلام {رَبِّ..} . إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
الشرح: {فَأَنْجَيْناهُ} أي: أنقذناه وخلصناه من إيذاء قومه له. {فِي الْفُلْكِ} أي: السفينة التي صنعها بيده كما رأيت في سورة (هود). {الْمَشْحُونِ:} المملوء بما حمل فيه من الناس، والدواب، والطير، وغير ذلك. {ثُمَّ أَغْرَقْنا} أي: بالطوفان الذي حصل بعد دعوة نوح قومه إلى الإيمان بالله تعالى تسعمئة وخمسين سنة.
هذا؛ و {الْفُلْكِ} بضم الفاء، وسكون اللام يطلق على المفرد، والجمع، والمذكر، والمؤنث، فقد أفرد سبحانه في هذه الآية وذكّر، وقال تعالى:{وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ} فأنث، ويحتمل الإفراد والجمع، وقال جل شأنه:{حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ} فجمع، وكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى معنى المركب، فتذكر، وإلى معنى السفينة فتؤنث، وقد ألغز فيها الشاعر حيث قال:[الطويل]
مكسّحة تجري ومكفوفة ترى
…
وفي بطنها حمل على ظهرها يعلو
فإن عطشت عاشت وعاش جنينها
…
وإن شربت ماتت وفارقها الحمل
ولا تنس: أن أول من اخترع السفينة-وهي الفلك-نوح، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ومن تصميمها، وشكلها أخذت البشرية تصنع السفن، وتتطور جيلا بعد جيل، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه في العصر الحاضر. هذا؛ والفلك بفتحتين: مدار النجوم، ويجمع على فلك بضمّ وسكون اللام وضمها أيضا، وعلى: أفلاك أيضا، والفلك من كل شيء: مستداره، ومعظمه، والفلكي منسوب، إلى علم الفلك.
الإعراب: {فَأَنْجَيْناهُ:} الفاء: حرف عطف. (أنجيناه): فعل ماض مبني على السكون، و (نا): ضمير متصل في محل رفع فاعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذا اللفظ، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض كراهة توالي أربع متحركات، فيما هو كالكلمة الواحدة، وقل مثله في إعراب كل ماض اتصل به ضمير رفع متحرك، مثل ذهبت،
وذهبن، ويقال اختصارا: فعل، وفاعل. {وَمَنْ:} الواو: حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على الضمير المنصوب. {مَعَهُ:} ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {فِي الْفُلْكِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {الْمَشْحُونِ:} صفة: {الْفُلْكِ،} والجملة الفعلية: {فَأَنْجَيْناهُ..} .
إلخ مستأنفة، لا محل لها. {ثُمَّ:} حرف عطف. {أَغْرَقْنا:} فعل، وفاعل. {بَعْدُ:} ظرف زمان مبني على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى في محل نصب متعلق بالفعل قبله. {الْباقِينَ:}
مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء
…
إلخ، وجملة:{أَغْرَقْنا..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
انظر شرح هاتين الآيتين في الآية رقم [103] فهو مثله، وانظر إعرابهما في الآية رقم [8] و [9] ففيه الكفاية.
{كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (124)}
الشرح: شرح هذا الكلام وإعرابه مثل الآيتين رقم [105] و [106]، وتأنيث {عادٌ} على معنى القبيلة، أو الجماعة، وهو في الأصل اسم أبيهم، وانظر قصة هود مع قومه مفصلة في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
انظر شرح هذه الآيات وإعرابها برقم [107] وما بعدها على الترتيب.
الشرح: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ:} بكل مكان مرتفع، ومنه: ريع الأرض لارتفاعها، يقال: كم ريع أرضك، أي: كم ارتفاعها، وهو جمع: ريعة. وقال قتادة: الرّيع: الطريق، قال: ذو الرمة يصف بازيا: [الطويل]
طراق الخوافي مشرق فوق ريعة
…
ندى ليله في ريشه يترقرق
وقال عمارة: الريع: الجبل، الواحد: ريعة، والجمع: رياع. وقال مجاهد: هو الفج بين الجبلين. {آيَةً} أي: علامة. وانظر الآية رقم [1]. {تَعْبَثُونَ:} تلعبون، وتهزؤون، قيل:
إنهم بنوا بيوتهم فيما تقدم ذكره، وكانوا يسخرون بمن يمر بهم من الناس. {وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ:}
قال ابن عباس-رضي الله عنهما: أبنية. وقال مجاهد: قصورا مشيدة، وحصونا منيعة، قال الشاعر:[الوافر]
تركنا دارهم منهم قفارا
…
وهدّمنا المصانع والبروجا
وقال السدي، وغيره: المصانع: بروج الحمام، ولا أرى له وجها قويا. وقال قتادة، والزجاج: إنها مصانع الماء تحت الأرض، أي: قنوات الماء، واحدتها مصنعة، ومصنع، قال لبيد-رضي الله عنه:[الطويل]
بلينا وما تبلى النّجوم الطّوالع
…
وتبقى الجبال بعدنا والمصانع
{لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} أي: تبنون ما تبنون لكي تخلدوا في هذه الدنيا، فأنتم تحكمون بنيان ما تصنعون. وقيل:(لعلّ) استفهام بمعنى التوبيخ، والتقريع، ولا وجه له؛ لأنه لم يقل أحد إن «لعلّ» تأتي للاستفهام. {وَإِذا بَطَشْتُمْ..}. إلخ: أي: إذا ضربتم أحدا ضربتموه بعنف وقسوة بدون رحمة، ورأفة، ولا قصد تأديب، ونظر في العواقب، وقال ابن عباس، ومجاهد-رضي الله عنهما: البطش: العسف قتلا بالسيف، وضربا بالسوط. {جَبّارِينَ:} قتالين في غير حق، وبطشت اليد: إذا عملت، فهي باطشة، قال عمرو بن كلثوم في معلقته:[الوافر]
لنا الدّنيا ومن أضحى عليها
…
ونبطش حين نبطش قادرينا
فعن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صنفان من أهل النّار لم أرهما:
قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها النّاس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤوسهنّ كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنّة، ولا يجدن ريحها، وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة كذا، وكذا». رواه مسلم في صحيحه. وعن ابن عمر-رضي الله عنهما-قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزّرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلّط الله عليكم ذلاّ، لا ينزعه حتّى ترجعوا إلى دينكم» . رواه أبو داود.
«العينة» : بكسر العين: أن تبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل معلوم، ثم تشتريها منه بأقل من الثمن الذي بعتها به. ومنها: أن يغالي بالثمن كثيرا لقاء بيعها بالدين إلى أجل مسمى، وإن لم يشترها البائع منه؛ لأن زيادة الثمن لقاء التأجيل، وهو نوع من أنواع الربا. هذا؛ وقيل:
الجبار: المتسلط العاتي، ومنه قوله تعالى:{وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ} . وقال الشاعر: [الطويل]
سلبنا من الجبّار بالسّيف ملكه
…
عشيّا وأطراف الرّماح شوارع
الإعراب: {أَتَبْنُونَ:} الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ. (تبنون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل.
{بِكُلِّ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (كل) مضاف، و {رِيعٍ} مضاف إليه. {آيَةً:}
مفعول به، وجملة:{تَعْبَثُونَ} في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط.
{وَتَتَّخِذُونَ:} الواو: حرف عطف. (تتخذون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. {مَصانِعَ:}
مفعول به. {لَعَلَّكُمْ:} حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها، وجملة:{تَخْلُدُونَ:} في محل رفع خبر (لعل)، والجملة الاسمية تعليل للبناء، ولاتخاذ المصانع، وقيل: في محل نصب حال، وهو غير سديد. {وَإِذا:} الواو: حرف عطف، (إذا):
ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. {بَطَشْتُمْ:} فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة:(إذا) إليها على المشهور المرجوح، والجملة الثانية جواب (إذا) لا محل لها، {جَبّارِينَ:} حال من تاء الفاعل والميم، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء
…
إلخ. هذا؛ والكلام {أَتَبْنُونَ..} . إلخ كله في محل نصب مقول القول.
الشرح: {فَاتَّقُوا اللهَ} أي: بترك الكفر، والمعاصي. {وَأَطِيعُونِ:} فيما أدعوكم إليه، فإنه أنفع لكم، وتنجون به من عذاب الله، وسخطه، وغضبه، وعقابه. {وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ:}
من الخيرات في هذه الدنيا، ثم فسر ذلك بقوله:{أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ..} . إلخ؛ أي: سخر لكم ذلك، وتفضل به عليكم، فهو الذي يجب أن يعبد، ويشكر ولا يكفر. {إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ..}. إلخ: أي في الدنيا والآخرة؛ إن أعرضتم عن الإيمان، وأصررتم على الكفر، فإنه كما قدر على الإنعام؛ يقدر على الانتقام.
هذا؛ و (اتقوا) أمر من التقوى، وهي حفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأن أصل المادة من الوقاية، وهي الحفظ، والتحرز من المهالك في الدنيا والآخرة، وانظر ما وصف الله به المتقين في أول سورة (البقرة). هذا؛ وأصل:«اتقوا» (اتّقيوا) فحذفت الضمة التي على الياء للثقل، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، ثم قلبت كسرة القاف ضمة لمناسبة واو الجماعة.
{اللهَ:} علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم؛ الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء
به؛ لتخلف شروط الإجابة التي أعظمها أكل الحلال، ولم يسم به أحد سواه، قال تعالى:{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} أي: هل تعلم أحدا تسمى «الله» غيره تعالى، وإنما يذكر الكافرون، والمشركون معبوداتهم باسم الرب والإله، وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمئة وستين موضعا.
(الأنعام): يطلق هذا اللفظ على المأكول من الحيوان، من إبل، وبقر، وغنم، وماعز، والمراد هنا-والله أعلم-المأكول، وغيره، فيكون قد غلب المأكول على غيره. و:(جنات) جمع: جنه، وهي في الأصل: البستان الكثير الأشجار، وسميت الجنة بذلك؛ لأنها تجن أي:
تستر من يدخل فيها، لكثرة أشجارها، وكثافتها، وهي درجات ذكرتها في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وانظر (الخوف) في الآية رقم [12].
{عَذابَ:} اسم مصدر لا مصدر؛ لأن المصدر: تعذيب؛ لأنه من: عذّب، يعذّب بتشديد الذال فيهما. وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، ومثله: عطاء، وسلام، ونبات، لأعطى، وسلم، وأنبت.
هذا؛ و {يَوْمٍ} المراد به هنا يوم القيامة، وهو مقدار ألف سنة من أيام الدنيا، كما في الآية رقم [47] من سورة (الحج) وأما اليوم في الدنيا؛ فهو الوقت من طلوع الشمس إلى غروبها، وهذا في العرف، وأما اليوم الشرعي، فهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، كما يطلق اليوم على الليل، والنهار معا، وقد يراد به الوقت مطلقا، تقول: ذخرتك لهذا اليوم، أي: لهذا الوقت والجمع: أيام، وأصله: أيوام، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وجمع الجمع: أياويم.
وأيام العرب: وقائعها، وحروبها. وأيام الله: نعمه ونقمه، كما في الآية رقم [102] من سورة (يونس)، والآية رقم [5] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام، ويقال:
فلان ابن الأيام، أي: العارف بأحوالها. ويقال: أنا ابن اليوم؛ أي: اعتبر حالي فيما أنا فيه.
الإعراب: {فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ:} انظر إعراب هذه الآية برقم [108]. {وَاتَّقُوا:} الواو: حرف عطف. (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. {الَّذِي:}
اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، {أَمَدَّكُمْ:} فعل ماض، والكاف مفعول به، والفاعل مستتر، تقديره:«هو» ، يعود إلى الذي، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. {بِما:} الباء: حرف جر، (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، وجملة:{تَعْلَمُونَ:} صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء تعلمونه، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة:{فَاتَّقُوا اللهَ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، وجملة:{أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ} بدل من سابقتها، لا محل لها مثلها، وهي أوضح من الأولى؛ لأنها فصّلت نعم الله، وبينتها، ومثلها الآية رقم [222] الآتية، ومثل الآيتين قول الشاعر:[الطويل]
أقول له ارحل لا تقيمنّ عندنا
…
وإلاّ فكن في السّرّ والجهر مسلما
فجملة: «لا تقيمن» بدل من جملة «ارحل» ؛ لأن دلالة الثانية على ما أراده من إظهار الكراهية لإقامته أوفى بالمراد، فإنه اشتهر في إظهار الكراهية عرفا بخلاف الأولى، فإن دلالتها على ذلك بالالتزام، لكن البدلية في البيت بدل اشتمال، وفي الآية الكريمة بدل البعض، وانظر بدل الكل في الآية رقم [69] من سورة (الفرقان). {وَبَنِينَ:} معطوف على ما قبله مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. {وَجَنّاتٍ وَعُيُونٍ:} معطوفان على (أنعام). {إِنِّي:} حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. {أَخافُ:} فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره:
«أنا» ، {عَلَيْكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {عَذابَ:} مفعول به، وهو مضاف، و {يَوْمٍ} مضاف إليه. {عَظِيمٍ:} صفة: {يَوْمٍ،} وإن اعتبرته صفة: {عَذابَ،} فيكون قد جر على الجوار، وجملة:{أَخافُ..} . إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية:{إِنِّي..} . إلخ تعليل للأمر، والكلام:{فَاتَّقُوا اللهَ..} . إلخ كله في محل نصب مقول القول؛ لأنه من مقول هود، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
الشرح: {قالُوا} أي: قوم هود له، {سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ..}. إلخ: أي: وعظك وعدمه عندنا سواء، لا نسمع منك، ولا نلتفت إلى ما تقوله، فإنا لا نرعوي عما نحن عليه. {إِنْ هذا} أي:
الذي تخوفنا به، أو الذي جئتنا به، وهو ترك ما نحن عليه، {إِلاّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} أي: إلا كذب الأولين، أي: قبلنا، أو ما خلقنا هذا إلا خلقهم نحيا ونموت مثلهم، ولا بعث ولا حساب، ولا ثواب ولا عقاب، وهذا على قراءة «(خلق)» بفتح الخاء، فيكون بمعنى افتراء، وقراءة حفص بضمتين، فيكون المعنى: ما هذا الذي جئت به إلا عادة الأولين، كانوا يلقنون الناس مثله، أو ما هذا الذي نحن عليه من الدين إلا خلق الأولين، وعادتهم، ونحن بهم مقتدون. أو ما هذا الذي نحن عليه من الحياة والموت إلا عادة قديمة لم يزل الناس عليها. انتهى. بيضاوي بتصرف.
{وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} أي: على ما نحن عليه من الدين والعبادة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
تنبيه: {سَواءٌ} مصدر بمعنى الاستواء، فلذا صح به الإخبار عن متعدد في كثير من الآيات، وقيل: هو بمعنى مستو، وهو لا يثنى، ولا يجمع، قالوا: هم، وهما سواء، فإذا أرادوا لفظ المثنى، قالوا: سيان، وإن شئت؛ قلت: سواآن، وفي الجمع: هم أسواء، وهذا كله ضعيف، ونادر. هذا؛ وانظر الشاهد رقم [241] من كتابنا فتح القريب المجيب، وموجز القول في «سواء» منه تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وأيضا على غير القياس قولهم: هم سواس، وسواسية، أي: متساويان، ومتساوون.
هذا؛ والسواء: العدل، والوسط، كما في قوله تعالى:{وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ،} وانظر شرح {الْأَوَّلِينَ} في الآية رقم [5] من سورة (الفرقان).
الإعراب: {قالُوا:} فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم، الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة، ويقال اختصارا: فعل، وفاعل. {سَواءٌ:} خبر مقدم. {عَلَيْنا:}
جار ومجرور متعلقان ب {سَواءٌ} . {أَوَعَظْتَ:} الهمزة: حرف استفهام وتسوية تؤول مع ما بعدها بمصدر. (وعظت): فعل، وفاعل، وهمزة التسوية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر. {أَمْ:} حرف عطف معادل لهمزة التسوية. {لَمْ:} حرف نفي، وقلب، وجزم. {تَكُنْ:}
فعل مضارع ناقص مجزوم ب {لَمْ،} واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت» . {مِنَ الْواعِظِينَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: {تَكُنْ،} وجملة: {لَمْ تَكُنْ..} . إلخ مؤولة بمصدر معطوف على سابقه، التقدير:«وعظك وعدمه سواء علينا» : {إِنْ:} حرف نفي بمعنى «ما» .
{هذا:} الهاء حرف تنبيه، ينبه به على ما يساق من الكلام. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {إِلاّ:} حرف حصر لا محل له. {خُلُقُ:} خبر المبتدأ. و {خُلُقُ} مضاف، و {الْأَوَّلِينَ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. {وَما:} الواو: حرف عطف، (ما): نافية حجازية تعمل عمل ليس. {نَحْنُ:} ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع اسم (ما). {بِمُعَذَّبِينَ:} الباء: حرف جر صلة. (معذبين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلا. هذا؛ والكلام:{سَواءٌ..} . إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالُوا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
الشرح: {فَكَذَّبُوهُ} أي: كذب قوم هود رسولهم. فلم يصدقوه فيما يدعو إليه من عبادة الله تعالى، وتوحيده، وخلع عبادة الأوثان. {فَأَهْلَكْناهُمْ} أي: بالريح العاتية المذكورة في سورة (القمر)، وسورة (الحاقة)، وانظر شرح باقي الكلام في الآية رقم [103] وما بعدها.
الإعراب: {فَكَذَّبُوهُ:} الفاء: حرف استئناف. (كذبوه): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {فَأَهْلَكْناهُمْ:} الفاء: حرف عطف. (أهلكناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. وانظر إعراب الباقي في الآيتين رقم [8] و [9] ففيه الكفاية. والله الموفق، والمعين، وبه أستعين، وهو حسبي، ونعم الوكيل، عليه توكلت، وإليه أنيب.
{إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (142)}
الشرح: شرح هاتين الآيتين وإعرابهما مثل الآيتين رقم [105] و [106] بلا فارق. وتأنيث {ثَمُودُ} على معنى القبيلة، أو الجماعة، وهو في الأصل اسم أبيهم الأول، وانظر قصة صالح مع قومه مفصلة في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
انظر شرح هذه الآيات وإعرابها في الآية رقم [107] وما بعدها على الترتيب.
الشرح: {أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ} أي: في الدنيا آمنين من العذاب، والزوال، والموت، فهو إنكار؛ لأن يتركوا كذلك مع إصرارهم على الكفر، وتماديهم في الضلال، والعصيان، والفساد، أو هو تذكير لهم بالنعمة في تخلية الله إياهم، وأسباب تنعمهم آمنين. {فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ:} في بساتين تجري فيها عيون الماء. (زروع): يشمل الخضار كلها، وأنواع المزروعات من قمح، وشعير، ونحو ذلك. {وَنَخْلٍ:} أفرده بالذكر مع كونه داخلا فيما قبله تنبيها على فضله، وكثرة منافعه. هذا؛ و «نخل» اسم جنس جمعي، يفرق بينه، وبين واحده بالتاء، وهو: نخلة كتمر، وتمرة، ونخل اسم جمع لا واحد له من لفظه، كقوم، ورهط، ونحوهما، وفي مختار الصحاح:
النخل، والنخيل بمعنى واحد، والواحد نخلة، وما ألطف قول الشاعر في التورية:[الوافر]
رأيت بها قضيبا فوق دعص
…
عليه النّخل أينع والكروم
فقد ورّى عن المرأة بالقضيب، وعن الحلي بالنخل، وعن قلائدها بالكروم، والدعص بكسر الدال: قطعة من الرمل مستديرة. {طَلْعُها:} هو أول ما يطلع من ثمر النخلة، كنصل السيف، في جوفه شماريخ القنو، والقنو: اسم للخارج من الجذع، كما هو بعرجونه، وشماريخه، والطلع يخرج من أنثى النخل وذكره، فتلقح الأنثى بأخذ شيء من طلع الذكر، ووضعه في طلع الأنثى بعد شقه، وأنث طلعها؛ لأن النخل اسم جمع كما رأيت، وكل اسم جمع يؤنث ويذكر، و {هَضِيمٌ:} لطيف لين للطف الثمر، قال امرؤ القيس في معلقته:[الطويل]
إذا قلت هاتي نوليني تمايلت
…
عليّ هضيم الكشح ريّا المخلخل
هذا؛ والهضم: الانتقاص من حق الإنسان، كما رأيت في الآية رقم [112] من سورة (طه).
{وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً:} قال القرطبي، النّحت: النّجر، والبري، يقال: نحته، ينحته بالكسر نحتا، أي: براه، والنّحاتة: البراية، والمنحت ما ينحت به، وفي (الصافات):{قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ} فكانوا ينحتونها من الجبال، لما طالت أعمارهم، وتهدم بناؤهم من المدر. انتهى.
وإنما كانوا ينحتون في الجبال بيوتا لطول أعمارهم، فإن السقوف، والأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم؛ لأن الواحد منهم كان يعيش ثلاثمئة سنة إلى ألف سنة، وكذا كان قوم (هود).
{فارِهِينَ:} بطرين، أو حاذقين، من الفراهة؛ وهي النشاط، فإن الحاذق يعمل بنشاط، وطيب قلب. وقرئ:«(فرهين)» وهو أبلغ، والمراد بما ينحتون من الجبال: الكهوف، والغيران، قيل:
كانوا يسكنون السهول في الصيف، ويبنون فيها القصور، ويسكنون بالكهوف، والغيران في فصل الشتاء، وهذا يدل على أنهم كانوا متنعمين مترفين في حياتهم.
الإعراب: {أَتُتْرَكُونَ:} الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (تتركون): فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله.
{فِي:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر. {هاهُنا:} الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (هنا): اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف صلة الموصول. {آمِنِينَ:} حال من واو الجماعة، إن لم تعتبره مفعولا ثانيا، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء
…
إلخ. {فِي جَنّاتٍ:}
بدل من الجار والمجرور قبلهما بإعادة الجار. {وَعُيُونٍ:} معطوف على ما قبله. {وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ:} معطوفان على {جَنّاتٍ} . {طَلْعُها:} مبتدأ. و (ها): في محل جر بالإضافة.
{هَضِيمٌ:} خبر المبتدأ. والجملة الاسمية في محل جر صفة: (نخل). {وَتَنْحِتُونَ:} الواو:
حرف عطف. (تنحتون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. {مِنَ الْجِبالِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. أو هما متعلقان بمحذوف حال من: {بُيُوتاً} . كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا على القاعدة المشهورة:«نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» {بُيُوتاً:}
مفعول به. {فارِهِينَ:} حال من واو الجماعة. هذا؛ والكلام: {أَتُتْرَكُونَ..} . إلخ في محل نصب مقول القول؛ إذ هو من مقول صالح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
الشرح: أمر صالح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-قومه بتقوى الله تعالى، وبأن يطيعوه فيما يأمرهم به، وينهاهم عنه، ونهاهم عن طاعة المسرفين المفسدين في الأرض،
ولم يصلحوا أنفسهم بالعمل الصالح. قيل: المراد بهؤلاء المفسدين: التسعة؛ الذين عقروا الناقة، كما ستقف عليه في الآية رقم [48] من سورة (النمل) إن شاء الله تعالى.
الإعراب: {فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ:} انظر إعراب هذه الآية برقم [108]. {وَلا:} الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. {تُطِيعُوا:} فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعله، والألف للتفريق، {أَمْرَ:} مفعول به، وهو مضاف، و {الْمُسْرِفِينَ} مضاف إليه مجرور
…
إلخ، {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة: {الْمُسْرِفِينَ،} أو بدل منه، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني، أو أذم الذين، ونحوه، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف التقدير: هم الذين. {يُفْسِدُونَ:} فعل مضارع مرفوع
…
إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. {فِي الْأَرْضِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {وَلا:} الواو: حرف عطف. (لا): نافية. {يُصْلِحُونَ:} فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، لا محل لها مثلها، والكلام:{فَاتَّقُوا..} . إلخ كله في محل نصب مقول القول أيضا؛ لأنه من مقول صالح على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
الشرح: {قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} أي: من الذين سحروا كثيرا، حتى غلب على عقولهم، وقيل: من المعللين بالطعام والشراب. قاله ابن عباس، والكلبي، وقتادة، ومجاهد أيضا فيما ذكر الثعلبي، وهو على هذا القول من السّحر، بضم السين وسكون الحاء، وجمعه:
أسحار، كبرد وأبراد، وكذا بالفتح، والسكون، وجمعه: سحور، كفلس، وفلوس، وهو على اللغتين الرئة. انتهى. مختار الصحاح. فيكون المعنى: أنت بشر لك رئة تأكل، وتشرب مثلنا، فمن أين أتاك ما تدعيه من النبوة. قال لبيد-رضي الله عنه:[الطويل]
فإن تسألينا فيم نحن فإنّنا
…
عصافير من هذا الأنام المسحّر؟
وقال امرؤ القيس: [الوافر]
أرانا موضعين لأمر غيب
…
ونسحر بالطّعام وبالشّراب
«موضعين» : مسرعين، وأمر غيب: يريد الموت، وأنه قد غيب عنا وقته، ونحن نلهو بالطعام، والشراب. {ما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا:} فأي فضل لك علينا، وأية ميزة تتعالى فيها. {فَأْتِ بِآيَةٍ:} تدل على صدقك فيما تدعيه. وانظر (ائت) في الآية رقم [10].
هذا؛ و {بَشَرٌ} يطلق على الإنسان ذكرا كان، أو أنثى، مفردا، كان أو جمعا، مثل كلمة:
الفلك، تطلق على المفرد، والجمع. وسمي بنو آدم بشرا لبدو بشرتهم، وهي ظاهر الجلد، بخلاف أكثر المخلوقات، فإنها مكسوة بالشعر، أو بالصوف، أو بالريش. هذا؛ وبشر يطلق على الواحد، كما في قوله تعالى:{فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا} الآية رقم [17] من سورة (مريم)، ولذا ثني في قوله تعالى:{فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا} الآية رقم [47] من سورة (المؤمنون)، ويطلق على الجمع، كما في قوله تعالى:{فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً} الآية رقم [26] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام.
وأما (مثل) فهو بكسر الميم وسكون الثاء، ومثله: مثيل، وشبه، وشبيه، وهو اسم متوغل في الإبهام، فلا يتعرف بإضافته إلى الضمير، وغيره من المعارف؛ ولذلك نعتت به النكرة في قوله تعالى حكاية عن قول فرعون وقومه:{أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ} كما في هذه الآية، ويوصف به المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وهو واضح في مواضعه، وتستعمل على ثلاثة أوجه: الأول بمعنى الشبيه، كما في الآية الكريمة، ونحوها. والثاني:
بمعنى نفس الشيء وذاته، كما في قوله تعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} عند بعضهم، حيث قال:
المعنى: ليس كذاته شيء. والثالث: زائدة، كما في قوله تعالى:{فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} أي: بما آمنتم به، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [47] من سورة (المؤمنون).
هذا؛ وأما المثل في قوله تعالى: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً..} . إلخ وشبهه، فهو عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر، بينهما مشابهة ليتبين أحدهما من الآخر ويصوره. وقيل:
هو تشبيه شيء بشيء آخر. وبالجملة هو القول السائر بين الناس، والذي فيه غرابة من بعض الوجوه، والممثل بمضربه أي هو الحالة الأصلية التي ورد الكلام فيها، وما أكثر الأمثال في اللغة العربية، علما بأن الأمثال لا تغير تذكيرا، وتأنيثا، إفرادا، وتثنية، وجمعا، بل ينظر فيها دائما إلى مورد المثل؛ أي: أصله، مثل (الصّيف ضيّعت اللّبن) فإنه يضرب لكل من فرط في تحصيل شيء في أوانه، ثم طلبه بعد فواته.
الإعراب: {قالُوا:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. {إِنَّما:}
كافة، ومكفوفة. {أَنْتَ:} ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {مِنَ الْمُسَحَّرِينَ:}
جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. {ما:} نافية. {أَنْتَ:} مبتدأ. {إِلاّ:} حرف حصر. {بَشَرٌ:} خبر المبتدأ. {مِثْلُنا:} صفة: {بَشَرٌ،} و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {فَأْتِ:} الفاء: هي الفصيحة، انظر الآية رقم [108]، (ائت): فعل أمر، مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:
«أنت» . {بِآيَةٍ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها
جواب شرط مقدر، التقدير: وإذا كنت صادقا فيما تدعيه؛ {فَأْتِ بِآيَةٍ} تدل على صدقك، وقد دل على هذا الشرط ما بعده، {إِنْ:} حرف شرط جازم. {كُنْتَ:} فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. {مِنَ الصّادِقِينَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كان، وجملة:{كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ:} لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. والكلام: {إِنَّما أَنْتَ..} . إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة:
{قالُوا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجواب الشرط محذوف.
{قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155)}
الشرح: روي: أن قوم صالح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-طلبوا منه علامة تدل على صدقه، فقالوا: نريد ناقة عشراء، تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا؛ أي:
ولدا، فقال له جبريل-عليه السلام: صل ركعتين، وسل ربك الناقة. ففعل، فخرجت الناقة، وبركت بين أيديهم، ونتجت سقبا مثلها في العظام، فقال لهم صالح-عليه السلام: هذه ناقة كما طلبتم، فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء، وكانوا يشربون جميعا من ماء واحد، فقال لهم: للناقة الماء في يوم، ولكم الماء في يوم آخر، فكانت تشرب الماء كله في يوم شربها، وعند المساء يحلبونها فيشربون لبنها، وتكفيهم عن الماء، وفي يوم شربهم يشربون منها وتكفي مواشيهم، وأرضهم، ليس لهم في يوم ورودها أن يشربوا من الماء شيئا أبدا، ولا لها أن تشرب في يومهم من مائهم شيئا. هذا؛ والشّرب بكسر الشين: الحظ من الماء، وأما المصدر؛ فهو بتثليث الشين من شرب، يشرب، والشّرب بفتح الشين: جمع شارب، كما قال الأعشى في معلقته رقم [41]:[البسيط]
فقلت للشّرب في درنا وقد ثملوا:
…
شيموا، فكيف يشيم الشّارب الثّمل؟
الإعراب: {قالَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى صالح. {هذِهِ:} الهاء: حرف تنبيه ينبه به المخاطب على ما يساق من الكلام، (ذه): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. {ناقَةٌ:} خبر المبتدأ. {لَها:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، {شِرْبٌ:}
مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع صفة:{ناقَةٌ} . {وَلَكُمْ:} الواو: حرف عطف.
(لكم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {شِرْبٌ:} مبتدأ مؤخر. و {شِرْبٌ} مضاف، و {يَوْمٍ} مضاف إليه. {مَعْلُومٍ:} صفة {يَوْمٍ،} والجملة الاسمية: (لكم شرب
…
) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع صفة مثلها، والرابط في الأولى رابط في الثانية، والجملة الاسمية:{هذِهِ ناقَةٌ..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
{وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156)}
الشرح: {وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ:} من عقر، أو ضرب. والسوء: الشر، والفساد، والجمع:
أسواء، وهو بضم السين من: ساءه، وهو بفتح السين المصدر، تقول: رجل سوء بالإضافة، ورجل السّوء، ولا تقول: الرجل السّوء، وتأنيثه: السّوأى، كما في قوله تعالى:{ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى} . هذا؛ وقد نهاهم صالح عليه السلام عن المسّ الذي هو مقدمة الإصابة بالسوء، الجامع لأنواع الأذى، مبالغة في النهي، كما في قوله تعالى:{تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها} وانظر ما ذكرته في الآية رقم [48] و [49] من سورة (النمل) فإنه جيد.
{فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ:} هذا؛ ووصف اليوم الذي يقع فيه العذاب بالعظم، وهو أبلغ من وصف العذاب؛ لأن الوقت إذا عظم بسببه كان موقعه من العظام أشد. هذا؛ وقد وصفه بسورة (هود) ب:{قَرِيبٌ} .
الإعراب: {وَلا:} الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. {تَمَسُّوها:} فعل مضارع مجزوم ب (لا)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و (ها): مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. {فَيَأْخُذَكُمْ:} الفاء: للسببية.
(يأخذكم): فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء، والكاف مفعول به. {عَذابُ:}
فاعل، وهو مضاف، و {يَوْمٍ} مضاف إليه. {عَظِيمٍ:} صفة {يَوْمٍ} . وإن اعتبرته صفة {عَذابُ؛} فيكون قد جر على الجوار، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منكم مسّ للناقة، فأخذ لكم بسببه عذاب عظيم.
وجملة (لا تمسوها
…
) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.
{فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (157)}
الشرح: روي: أن رجلا منهم يقال له: مسطح ألجأ الناقة إلى مضيق في شعب، فرماها بسهم، فأصاب رجلها، فسقطت، ثم ضربها قدار بن سالف برضاهم. وروي: أن عاقرها قال:
لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين. فكانوا يدخلون على المرأة في خدرها، فيقولون: أترضين؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم رضوا بذلك، وندمهم المذكور لم يكن توبة، بل ندم على عقرها لمّا رأوا مقدمات العذاب؛ الذي توعدهم به صالح في ثلاثة أيام التي صرحت بها آية هود، وهي قوله تعالى:{فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} كما أن ندم قابيل لم يكن توبة من قتل أخيه هابيل، بل ندم على حمله، كما رأيت في سورة (المائدة)، أو ندموا حين لا ينفع الندم، وذلك عند معاينة العذاب. هذا؛ والعقر في الأصل: قطع عرقوب
البعير، ثم جعل النحر عقرا؛ لأن ناحر البعير يعقره، ثم ينحره، وباب: عقر: ضرب. هذا؛ وكان «قدار» المذكور أحمر، أزرق العينين، قصيرا، كما كان فرعون كذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«يا عليّ! أشقى الأوّلين عاقر ناقة صالح، وأشقى الآخرين قاتلك» . ولا تنس: أنه لا يراد بأصبحوا التوقيت، بل هي بمعنى: صاروا.
الإعراب: {فَعَقَرُوها:} الفاء: حرف استئناف. (عقروها): ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {فَأَصْبَحُوا:} الفاء: حرف عطف. (أصبحوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. {نادِمِينَ:} خبر (أصبح) منصوب
…
إلخ، وجملة:{فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ} معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
الشرح: {فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ:} وهي الرجفة المصرح بها في الآية رقم [78] من سورة (الأعراف)، والصيحة المصرح بها في الآية رقم [67] من سورة (هود) والرجفة: هي الزلزلة الشديدة العظيمة، وأما الصيحة: فهي صيحة جبريل عليه السلام، وجمع بينهما بأن الزلزلة أتت من تحتهم، والصيحة من فوقهم؛ حتى هلكوا.
تنبيه: يروى: أن الناقة ولدت ولدا مثلها، ومكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر، وترد الماء غبّا، فإذا كان يومها وضعت رأسها في البئر، فما ترفعه حتى تشرب كل ماء فيها، ثم تتفحج، فيحلبون منها ما شاؤوا حتى تمتلئ أوانيهم، فيشربون، ويدخرون، وكانت تصيّف بظهر الوادي، فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه، وتشتو ببطنه، فتهرب منها مواشيهم إلى ظهره، فشق ذلك عليهم، وزينت عقرها لهم عنيزة أم غنم، وصدقة بنت المختار، فعقروها واقتسموا لحمها، فرقى ولدها جبلا اسمه قارة، فرغا ثلاثا، فقال لهم صالح-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه، حيث انفجّت الصخرة بعد رغائه، فدخلها، فقال لهم صالح: تصبح وجوهكم غدا مصفرة، وبعد غد محمرة، وفي اليوم الثالث مسودة، ثم يصبحكم العذاب. فلما رأوا العلامات؛ طلبوه؛ ليقتلوه، فأنجاه الله إلى أرض فلسطين، ولما كانت ضحوة اليوم الرابع، تحنطوا بالصّبر، وتكفنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحة من السماء بعد الزلزلة، فتقطعت قلوبهم، فهلكوا.
وفي الخازن عن ابن عمر-رضي الله عنهما-قال: لمّا مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر؛ قال:
«لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين» . ثم قنّع رأسه، وأسرع السير؛ حتى جاوز الوادي. متفق عليه. وعنه أيضا: أن الناس نزلوا مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم على الحجر أرض ثمود، فاستقوا من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوه، ويعلفوا الإبل بالعجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة. رواه الشيخان. وهذا كان في طريقه صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، وهو يدل على أن ديار ثمود كانت شمال المدينة، بينها وبين تبوك، ولقد ذكر الله تعالى ذلك في سورة (الحجر):{وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ} .
والحجر منازل قوم صالح، جاء في مختار الصحاح: والحجر: منازل ثمود، ناحية الشام عند وادي القرى. وقال عبد الوهاب النجار رحمه الله تعالى: وموقعها بين الحجاز والشام إلى وادي القرى. وكانت الفرقة المؤمنة من قوم صالح أربعة آلاف خرج بهم صالح عليه الصلاة والسلام بعد هلاك قومه من فلسطين إلى حضرموت، فلما دخلوها مات صالح، فسميت الأرض حضرموت، ثم بنوا فيها أربعة آلاف مدينة، وسموها: حاضوراء. وقال قوم من أهل العلم: توفي صالح بمكة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وأقام في قومه عشرين سنة. انتهى. من الخازن. وذكر السيوطي في التحبير: أنه عاش مئتين وثمانين سنة، وهذا أولى بالاعتبار وأقرب إلى الصواب.
الإعراب: {فَأَخَذَهُمُ:} الفاء: حرف عطف. (أخذهم): فعل ماض، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. {الْعَذابُ:} فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. لا محل لها أيضا، وانظر إعراب الباقي في الآيتين رقم [8] و [9] والله الموفق، والمعين، وبه نستعين.
{أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (165)}
الشرح: أي: أتأتون من بين أولاد آدم عليه السلام-على فرط كثرتهم، وتفاوت أجناسهم، وغلبة إناثهم على ذكورهم في الكثرة-ذكرانهم، كأن الإناث قد أعوزتكم. أو: أتأتون أنتم من بين من عداكم من العالمين الذكران، يعني: أنكم يا قوم لوط وحدكم مختصون بهذه الفاحشة،
و (العالمون) على هذا القول: كل من ينكح من الحيوان، وعلى الأول الناس. انتهى. كشاف.
هذا؛ و {الذُّكْرانَ} جمع: ذكر، وهو ضد الأنثى، ويجمع أيضا على: ذكور، وذكارة كحجارة.
الإعراب: {أَتَأْتُونَ:} الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي، (تأتون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، {الذُّكْرانَ:} مفعول به. {مِنَ الْعالَمِينَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من {الذُّكْرانَ،} والآية الكريمة في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول لوط لقومه.
{وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (166)}
الشرح: {وَتَذَرُونَ:} تتركون، {ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ} أي: لأجل استمتاعكم، {مِنْ أَزْواجِكُمْ:}
لبيان ما خلق إن أريد به جنس الإناث، أو للتبعيض، إن أريد به العضو المباح منهن، فيكون تعريضا بأنهم كانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم أيضا. {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ} أي: متجاوزون الحلال إلى الحرام؛ لأن معنى العادي: المتعدي في ظلمه، المتجاوز فيه الحد، وهم تجاوزوا حد الشهوة، حيث زادوا على سائر الناس، بل الحيوانات في فعلهم الشنيع، أو: هم مفرطون في المعاصي، وهذا الذي يفعلونه من جملة ذلك، أو هم أحقاء بأن يوصفوا بالعدوان لارتكابهم هذه الجريمة العظيمة. وانظر شرح (أزواج) في الآية رقم [74] من سورة (الفرقان).
الإعراب: {وَتَذَرُونَ:} الواو: حرف عطف، (تذرون): فعل مضارع مرفوع
…
إلخ، والواو فاعله. {ما:} اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به.
{خَلَقَ:} فعل ماض. {لَكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {رَبُّكُمْ:} فاعل، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة:
{خَلَقَ..} . إلخ صلة {ما،} أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: تذرون الذي، أو شيئا خلقه لكم ربكم، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. {مِنْ أَزْواجِكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، الذي رأيت تقديره، والكاف في محل جر بالإضافة. {بَلْ:} حرف عطف وانتقال.
{أَنْتُمْ:} ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {قَوْمٌ:} خبره. {عادُونَ:}
صفة {قَوْمٌ} مرفوع مثله. وعلامة رفعه الواو
…
إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.
{قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167)}
الشرح: قال قوم لوط له: إن لم تنته عما تدعيه، أو عن نهينا عما نفعل، أو: إن لم تنته عن تقبيحه وتشنيعه؛ لنخرجنك من بلدتنا، وننفيك منها، ولعلّهم كانوا يخرجون من كرهوه على
عنف وقهر. وانظر إعراب هذه الآية بكاملها برقم [116] وإن اختلفت بعض الكلمات، فالإعراب واحد.
{قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ (169)}
الشرح: {قالَ} أي: لوط عليه السلام، {إِنِّي لِعَمَلِكُمْ} أي: اللواط، {مِنَ الْقالِينَ} أي:
المبغضين. والقلى: البغض، قال الله تعالى لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم {ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى} أي:
ما تركك منذ اختارك، وما أبغضك منذ أحبك. تقول: قليته، أقليه قلى، وقلاء. قال امرؤ القيس:[الطويل]
صرفت الهوى عنهنّ من خشية الرّدى
…
فلست بمقليّ الخلال ولا قالي
وقوله: {مِنَ الْقالِينَ} أبلغ من أن يقول: إني لعملكم قال؛ لدلالته على أنه معدود في زمرة المبغضين لهذا العمل الشنيع، ولفاعليه، ومشهور بأنه من جملتهم. {رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ:} دعا الله لمّا أيس من إيمانهم ألا يصيبه شيء من العذاب؛ الذي سينزل بهم.
هذا؛ و «الأهل» : اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ورهط، والأهل: العشيرة وذو القربى، ويطلق على الزوجة، وعلى الأتباع بدليل قوله تعالى:{قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ} . والجمع: أهلون، وأهال، وآهال، وأهلات، وأهلات، وبالأولين قرئ قوله تعالى:{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ} . سورة (التحريم)[6].
تنبيه: قال مكي بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى-ونداء الرب قد كثر حذف (ياء) النداء منه في القرآن الكريم، وعلة ذلك: أنّ في حذفها من نداء الرب فيه معنى التعظيم له والتنزيه، وذلك: أن النداء فيه ضرب من معنى الأمر؛ لأنك إذا قلت: يا زيد! فمعناه: تعال يا زيد، أدعوك يا زيد! فحذفت (يا) من نداء الرّبّ، لنزول معنى الأمر، وينقص؛ لأنّ «يا» تؤكده، وتظهر معناه، فكان في حذف «يا» التعظيم، والإجلال، والتنزيه للرب تعالى، فكثر حذفها في القرآن والكلام العربي في نداء الرب لذلك المعنى، وانظر شرح (الرب) في الآية رقم [9].
الإعراب: {قالَ:} فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره:«هو» يعود إلى لوط. {إِنِّي:}
حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها، وحذفت نون الوقاية جوازا. {لِعَمَلِكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بخبر محذوف. التقدير: قال لعملكم، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. {مِنَ الْقالِينَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة للخبر المحذوف الذي رأيت تقديره، ولو علقت الجار والمجرور بمحذوف خبر {إِنِّي} لتعلق {لِعَمَلِكُمْ} ب {الْقالِينَ،} فيفضي إلى تقديم معمول الصلة على الموصول، وهو (أل) مع أنه لا يجوز. {رَبِّ:} منادى حذفت منه أداة النداء، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة
على ما قبل ياء المتكلم، المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وحذف الياء هذه إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء ساكنة، فيقول: يا ربّي، ومنهم من يثبتها ويحركها بالفتحة، فيقول:
يا ربّي، ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول: يا ربّا، ومنهم من يحذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الباء دليلا عليها، فيقول: يا ربّ، ففيه خمس لغات ذكرها ابن مالك رحمه الله تعالى بقوله:[الرجز]
واجعل منادى صحّ إن يضف ل: «يا»
…
كعبد عبدي عبد عبدا عبديا
هذا؛ ويزاد سادسه، وهي البناء على الضم، والقطع عن الإضافة تشبيها له بالنكرة المقصودة، فيقول:«يا ربّ» . {نَجِّنِي:} فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر، فيه وجوبا، تقديره:«أنت» ، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به. {وَأَهْلِي:} الواو: حرف عطف. «أهلي» :
معطوف على ياء المتكلم، أو هو مفعول معه منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {مِمّا:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، «فعلى الأولين» مبنية على السكون في محل جر ب:«من» ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: نجني وأهلي من الذي، أو من شيء يعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر ب:«من» ؛ إذ التقدير: نجني وأهلي من عملهم، والكلام:{إِنِّي..} . إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ إِنِّي..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
الشرح: {فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ} أي: أنجى الله لوطا-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-ومن آمن معه من أهله، ولم يكن معه أحد سوى ابنتيه، فلم يؤمن به أحد لقوله في سورة (هود):{أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} فلم يوجد فيهم رجل رشيد يهتدي إلى الحق، والصواب، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر. وانظر (نا) في الآية رقم [7]. {إِلاّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ:} وهي امرأته، فإنها كانت تسر الكفر، واسمها: واهلة كانت من الغابرين، أي: من الذين بقوا في العذاب، والتذكير لتغليب الذكور على الإناث، مثل قوله تعالى في حق مريم:{وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ} هذا؛ والغابرين جمع اسم فاعل من: غبر الشيء: بقي، وغبر أيضا: مضى، فهو من الأضداد، وبابه
دخل. انتهى. مختار. هذا؛ ولذا يمكن أن يقال: في غابر الأزمان، وحاضرها، كما يقال: في غابر الأزمان، وماضيها، وقال أبو ذؤيب الهذلي في رثاء أولاده:[الكامل]
فغبرت بعدهم بعيش ناصب
…
وإخال أنّي لاحق مستتبع
{ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ:} أهلكناهم. {وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً} أي: وأنزلنا عليهم من السماء مطرا عجيبا، وهو مبيّن في قوله تعالى:{وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} وهذه الحجارة قد عجنت بالكبريت، والنار. هذا؛ ويقال: مطرت السماء، وأمطرت. وقال أبو عبيدة: يقال في العذاب:
أمطرت، وفي الرحمة: مطرت. {فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ} أي: بئس المطر الذي أمطره المنذرون، وهم قوم لوط؛ لأنه كان فيه هلاكهم.
قال مجاهد رحمه الله تعالى: نزل جبريل، عليه الصلاة والسلام، فأدخل جناحيه تحت مدائن قوم لوط، فاقتلعها، ورفعها إلى السماء، ثم قلبها فجعل أعلاها أسفلها، ثم أتبعوا بالحجارة، أي على من كان خارجا من القرى التي قلبها جبريل عليه السلام. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
تنبيه: إن النبي صلى الله عليه وسلم حذر أمته أن يقع فيهم ما وقع بقوم لوط من العذاب إذا فعلوا فعلهم، وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم:«سيكون في آخر أمتي قوم يكتفي رجالهم بالرّجال، ونساؤهم بالنساء، فإذا كان ذلك، فارتقبوا عذاب قوم لوط أن يرسل الله عليهم حجارة من سجّيل» . ثم تلا آخر آية رقم [83] من سورة (هود): {وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} وفي رواية عنه، عليه الصلاة والسلام:«لا تذهب اللّيالي والأيّام حتّى تستحلّ هذه الأمّة أدبار الرجال، كما استحلّوا أدبار النّساء، فتصيب طوائف هذه الأمة حجارة من ربّك» .
الإعراب: {فَنَجَّيْناهُ:} الفاء: حرف استئناف. (نجيناه): فعل، وفاعل، ومفعول به.
{وَأَهْلَهُ:} الواو: حرف عطف. (أهله): معطوف على الضمير المنصوب، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {أَجْمَعِينَ:} توكيد للضمير المنصوب وما عطف عليه، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء
…
إلخ، {إِلاّ:} أداة استثناء. {عَجُوزاً:} مستثنى من (أهله). {فِي الْغابِرِينَ:}
جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة {عَجُوزاً،} وجملة: {فَنَجَّيْناهُ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {ثُمَّ:} حرف عطف. {دَمَّرْنَا:} فعل، وفاعل. {الْآخَرِينَ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء
…
إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. {وَأَمْطَرْنا:} الواو:
حرف عطف. (أمطرنا): فعل، وفاعل. {عَلَيْهِمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
{مَطَراً:} مفعول به، وجملة:{وَأَمْطَرْنا..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
{فَساءَ:} الفاء: حرف استئناف. (ساء): فعل ماض جامد لإنشاء الذم. {مَطَرُ:} فاعله، وهو مضاف، و {الْمُنْذَرِينَ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء
…
إلخ، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: هو مطرهم، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.
انظر شرح هاتين الآيتين وإعرابهما برقم [8] و [9]، وذلك بغية الاختصار من وقت وغيره.
{كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (177)}
الشرح: {أَصْحابُ:} جمع: صاحب، يكون بمعنى الصديق، والزوج، ويكون بمعنى المالك، كقولك: صاحب الدار؛ أي: مالكها، وما هنا منه، ويجمع على أصحاب، وصحب، وصحابة، وصحبة، وصحاب، وصحبان، ثم يجمع أصحاب على أصاحيب أيضا، ثم يخفف، فيقال: أصاحب. {الْأَيْكَةِ:} الأيك: الشجر الملتف الكثير، الواحدة: أيكة، والأيكة: الغيضة، وقرئ «(ليكة)» على أنه اسم للقرية. قال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: قد وقع لفظ الأيكة في القرآن أربع مرات في (الحجر)، وفي (ق) وما هنا، وفي (ص)، والأولان بأل والجر لا غير، والآخران يقرآن بأل وبالجر وبالصرف مع فتح التاء، مع أن الكل مجرورات بإضافة لفظ أصحاب إليها. انتهى. نقلا عن شيخه.
{الْمُرْسَلِينَ:} انظر ما قلته في جمعه في الآية رقم [105]{إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ:} لم يقل أخوهم كما قال تعالى في إخوته لأهل مدين؛ لأنه لم يكن من أهل بلدتهم، ولا من عشيرتهم، وإخوته لأهل مدين أخوة نسب، وبلد، لا أخوة دين، كما ذكرت في أخوة الرسل لأقوامهم الذين أرسلوا إليهم، وشعيب على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام هو ابن ميكيل، بن يشجر، بن مدين، بن إبراهيم عليه السلام، وأم ميكيل هي بنت لوط عليه السلام. {أَلا تَتَّقُونَ:} إنما كان جواب جميع الرسل الذين تقدم ذكرهم واحدا على صيغة واحدة، وهي التقوى؛ لأنهم متفقون على الأمر بالتقوى، والطاعة، والإخلاص في العبادة، وكذلك الامتناع عن أخذ الأجر على تبليغ الرسالة.
هذا؛ وبعد أن أهلك الله قوم مدين، ونجى شعيبا، والذين آمنوا معه، كما رأيت في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) أرسله الله إلى أصحاب الأيكة، وهي غيضة تنبت ناعم الشجر، كانت بقرب مدين، تسكنها طائفة من عباد الله، قيل: كانوا بادية مدين، وكان شعيب أجنبيا منهم، وكانوا على مثل طريقة أهل مدين، من بخس للكيل، والميزان، فلما نهاهم عما هم فيه كذبوه، ظنا منهم: أنّ الله لا يرسل إلى البشر هداة منهم، جهلا منهم بأن الله أعلم حيث يجعل رسالته.
الإعراب: {كَذَّبَ:} فعل ماض. {أَصْحابُ:} فاعل، وهو مضاف، و {الْأَيْكَةِ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة. وعلى قراءة «(ليكة)» فعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. {الْمُرْسَلِينَ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة
عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. {إِذْ:} ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل {كَذَّبَ} . {قالَ:} فعل ماض. {لَهُمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {شُعَيْبٌ:} فاعل. {أَلا:} حرف تنبيه، واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. {تَتَّقُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها، وجملة:{كَذَّبَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
انظر شرح هذه الآيات وإعرابها في الآية رقم [107] وما بعدها على الترتيب.
الشرح: {أَوْفُوا الْكَيْلَ:} أتموه للناس إذا كلتم لهم. {وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ} أي:
الناقصين لحقوق الناس في الكيل والوزن. {وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ:} بالميزان السوي، صغيرا كان، أو كبيرا، قيل: هو رومي، وقيل: هو سرياني عرّب، والأصح أنه عربي مأخوذ من القسط، وهو العدل، قال تعالى في سورة (الأنعام):{وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ} .
{وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ:} ولا تنقصوا الناس، يقال: بخسته حقه: إذا نقصته إياه. وقد نصب مفعولين؛ لأنه بمعنى: تنقصوا. {أَشْياءَهُمْ:} دراهمهم، ودنانيرهم، قيل: إنهم كانوا يقصون أطراف الدراهم والدنانير. {وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ:} ولا تبالغوا فيها بالإفساد، نحو قطع الطريق، والغارة، وإهلاك الزروع، وكانوا يفعلون ذلك، فنهوا عنه. هذا؛ وفي مختار الصحاح:
عثا في الأرض: أفسد، وبابه: سما، وعثي بالكسر عثوّا أيضا، وعثى بفتحتين بوزن فتى، قال الله تعالى:{وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} قال الأزهري: القراء كلهم متفقون على فتح الثاء، دل على أن القرآن نزل باللغة الثانية. انتهى. جمل بتصرف. هذا؛ واسم الفاعل منه: عاث، والأول من الباب الأول، والثاني من الباب الرابع، والثالث من الباب الثالث.
هذا؛ و (زنوا): أمر، ماضيه: وزن، ومضارعه: يزن، أصله: يوزن، حذفت الواو من مضارعه لوقوعها بين عدوتيها، وهما الياء، والكسرة، والأمر منه: اوزن، حذفت الواو، وتلتها
الألف في الحذف، فصار: زن، وهذا الحذف قياسي في كل فعل ثلاثي مثال، واوي مكسور عين المضارع، مثل: وعد، يعد، عد، ووقف، يقف، قف.
{أَشْياءَهُمْ:} جمع شيء، وهو في اللغة عبارة عن كل موجود، إما حسا كالأجسام، وإما حكما كالأقوال، نحو قلت: شيئا، وجمع الشيء: أشياء غير مصروف، واختلف في علته اختلافا كبيرا، والأقرب ما حكي عن الخليل-رحمه الله تعالى-: أن وزنه: شيئاء وزان حمراء، فاستثقل وجود همزتين في تقدير الاجتماع، فنقلت الأولى إلى أول الكلمة، فبقيت: لفعاء، كما قلبوا أدؤرا، فقالوا: آدر وشبهه، وجمع الأشياء: أشايا.
{الْمُسْتَقِيمِ:} أصله المستقوم؛ لأنه من: استقام، وهو أجوف، واوي، فقل في إعلاله:
اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها بعد سلب سكونها، فصار:(المستقوم) ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة.
الإعراب: {أَوْفُوا:} فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.
{الْكَيْلَ:} مفعول به. {وَلا:} الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. {تَكُونُوا:} فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع اسمه، والألف للتفريق. {مِنَ الْمُخْسِرِينَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر {تَكُونُوا} . {وَزِنُوا:} الواو: حرف عطف. (زنوا): فعل أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق. {بِالْقِسْطاسِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {الْمُسْتَقِيمِ:}
صفة (القسطاس). {وَلا:} الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. {تَبْخَسُوا:} فعل مضارع مجزوم ب: (لا)
…
إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. {النّاسَ:} مفعول به أول.
{أَشْياءَهُمْ:} مفعول به ثان، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {وَلا:} الواو: حرف عطف، (لا): ناهية جازمة. {تَعْثَوْا:} فعل مضارع مجزوم ب: (لا) وعلامة جزمه حذف النون
…
إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. {فِي الْأَرْضِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {مُفْسِدِينَ:} حال من واو الجماعة، وهي مؤكدة؛ لأنها من معنى الفعل كما رأيت في الشرح منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والكلام:{أَوْفُوا الْكَيْلَ..} . إلخ كله في محل نصب مقول القول؛ لأنه من مقول شعيب على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
فائدة: الحال على نوعين: إما مؤسسة، وإما مؤكدة، فالمؤسسة هي التي لا يستفاد معناها بدونها نحو: جاء زيد ضاحكا، ونحوه، وأكثر ما تأتي الحال من هذا النوع مبينة هيئة فاعل، أو مفعول. والمؤكدة: هي التي يستفاد معناها بدونها، وإنما يؤتى بها للتوكيد، وهذه ثلاثة أنواع:
الأول: ما يؤتى بها لتوكيد عاملها، وهي التي توافقه معنى فقط، أو معنى، ولفظا، فالأول نحو قوله تعالى:{فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها} ومنه الآية التي نحن بصدد إعرابها. والثاني نحو قوله تعالى: {وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً} .
النوع الثاني: ما يؤتى بها لتوكيد صاحبها، نحو قوله تعالى:{وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً} .
النوع الثالث: ما يؤتى بها لتوكيد مضمون جملة معقودة من اسمين معرفتين جامدين، نحو:
«هو الحق بيّنا، أو صريحا» . وقول سالم بن دارة اليربوعي، وهو الشاهد رقم [385] من كتابنا «فتح رب البرية»:[البسيط]
أنا ابن دارة معروفا بها نسبي
…
وهل بدارة يا للنّاس من عار؟
وانظر الآية رقم [76] من سورة (الفرقان)؛ لأنواع الحال بالنسبة للزّمان.
{وَاِتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184)}
الشرح: {وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ} أي: خافوا، ووحّدوا، واعبدوا الذي خلقكم من العدم، وأنشأكم من ماء مهين. {وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ} أي: الجماعة، والأمم الأولين، الذين كانوا على خلقة، وطبيعة عظيمة، كأنها الجبال قوة، وصلابة، ولا سيما قوم هود الذين بلغت بهم الشدة حتى قالوا:{مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً} وقد أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. انتهى. جمل.
وقال مجاهد: الجبلة الخليقة، وجبل فلان على كذا، أي: خلق، فالخلق جبلّة، وجبلّة، وجبلة، وجبلة، وجبلة. ذكره النحاس في معاني القرآن. وقال الهروي: الجبلّة، والجبلة، والجبلّ، والجبلّ والجبل لغات، وهو الجمع الكثير من الناس، ومنه قوله تعالى في سورة (يس):{وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً} . وقال النحاس أيضا: كلها لغات، وتحذف الهاء من هذا كله، وقرأ الحسن باختلاف عنه:«(والجبلّة الأولين)» بضم الجيم والباء، وروي عن شيبة والأعرج، والباقون بالكسر، قال الشاعر:[مجزوء الكامل]
والموت أعظم حادث
…
فيما يمرّ على الجبلّة
انتهى. كله من القرطبي بتصرف بسيط.
الإعراب: {وَاتَّقُوا:} الواو: حرف عطف. (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون
…
إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. {الَّذِي:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. {خَلَقَكُمْ:} فعل ماض، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به،
والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى {الَّذِي} وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. {وَالْجِبِلَّةَ:} الواو: حرف عطف. (الجبلة): معطوف على الكاف الواقعة مفعولا. {الْأَوَّلِينَ:} صفة (الجبلة) منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة:{وَاتَّقُوا..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.
الشرح: {قالُوا إِنَّما}
…
{مِثْلُنا:} هذا الكلام تقدم شرحه وإعرابه في الآيتين [153] و [154] مع فارق بينهما، وهو زيادة الواو هنا، وتركها هناك، وفرق بينهما الزمخشري رحمه الله؛ حيث قال: إذا أدخلت الواو؛ فقد قصد معنيان، كلاهما مناف للرسالة عندهم: التسحير، والبشرية، وأن الرسول لا يجوز أن يكون مسحرا، ولا يجوز أن يكون بشرا. وإذا تركت الواو؛ فلم يقصد إلا معنى واحد، وهو كونه مسحرا، ثم قرر بكونه بشرا مثلهم.
{وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ} أي: ما نظنك إلا من الكاذبين. هذا عند الكوفيين، وعند البصريين. التقدير: وإنا لنظنك من الكاذبين فيما تدعيه. والمراد بالظن هنا: الطرف الراجح، المفيد لليقين. وانظر الإعراب، والله الموفق إلى الحق، والصواب، وإليه المرجع، والماب.
الإعراب: {وَإِنْ:} الواو: واو الحال. (إن): مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها.
{نَظُنُّكَ:} فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره:«نحن» ، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. {لَمِنَ:} اللام: هي الفارقة بين النافية، والمهملة. (من الكاذبين): جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، وهذا عند البصريين، والمتعلق محذوف، التقدير: فيما تدعيه من النبوة، والرسالة.
قال النسفي تبعا للزمخشري: وإنما تفرقتا: أي: (إن) المخففة، و (اللام الفارقة) على فعل الظن وثاني مفعوليه؛ لأن أصلهما أن يتفرقا على المبتدأ، والخبر، كقولك: إن زيدا لمنطلق، فلما كان بابا:«كان» و «ظننت» من جنس المبتدأ والخبر؛ فعل ذلك في البابين، فقيل: إن كان زيد لمنطلقا، وإن ظننته لمنطلقا. انتهى. والجملة القرآنية التي تشبه هذه الجملة هي قوله تعالى:
{وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ} هذا؛ وأما الكوفيون فيعتبرون (إن) نافية، واللام بمعنى:«إلا» وباقي الإعراب مثل البصريين، والجملة الفعلية على الإعرابين في محل نصب حال من (نا) والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر.
{فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (187)}
الشرح: {فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ} أي: جانبا من السماء، وقطعة منه، فننظر إليه، كما قال تعالى في سورة (الطور):{وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ} . وقيل: أرادوا نزول العذاب، وهو مبالغة في التكذيب. قال أبو عبيدة: الكسف جمع: كسفة، مثل: سدر، وسدرة، وهو بتسكين السين، وقراءة حفص بفتح السين، جمع: كسفة أيضا، وهي القطعة، والجانب، مثل كسرة، وكسر، ويقال: الكسف، والكسفة واحد. وقال الأخفش: من قرأ:
«(كسفا)» جعله واحدا، ومن قرأ (كسفا) جعله جمعا. وقال الهروي: من قرأ: «(كسفا)» على التوحيد، فجمعه: أكساف، وكسوف، كأنه قال: أو تسقطه علينا طبقا واحدا، وهو من: كسفت الشيء كسفا: إذا غطيته انتهى. قرطبي. والذي طلبه قوم شعيب في هذه الآية طلبه قوم محمد صلى الله عليه وسلم في الآية رقم [92] من سورة (الإسراء)، وانظر الآية رقم [48] من سورة (الروم). هذا؛ والسماء يذكر، ويؤنث، والسماء: كل ما علاك، فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت: سماء. والسماء:
المطر، يقال: ما زلنا نطأ السماء؛ حتى أتيناكم. قال معاوية بن مالك: [الوافر]
إذا نزل السّماء بأرض قوم
…
رعيناه، وإن كانوا غضابا
أراد بالسماء المطر، ثم أعاد الضمير عليه في رعيناه بمعنى النبات، ويسمى هذا في فن البديع بالاستخدام، وأصل سماء: سماو، فيقال في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة، وجمع السماء: السموات، وهو كثير في القرآن الكريم، ولا يذكرها الله بلفظ الجمع، إلا ويذكر معها الأرض، وكثيرا ما يخصهما الله بالذكر دون مصنوعاته؛ لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، ويجمع السموات دون الأرض، وهي مثلهن؛ لأن طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة في الصفات، والآثار، والحركات، ويقدمها بالإفراد والجمع على الأرض لشرفها، وعلو مكانها، وتقدم وجودها، ولأنها متعبد الملائكة، ولم يقع فيها معصية، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: {فَأَسْقِطْ:} الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كنت صادقا فيما تدعيه، فأسقط وقد دل على هذا الشرط ما بعده. (أسقط): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» . {عَلَيْنا:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {كِسَفاً:} مفعول به.
{مِنَ السَّماءِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: {كِسَفاً} . {إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ} انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [154]. هذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من قول أصحاب الأيكة، كما هو واضح.
الشرح: {قالَ} أي: شعيب، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. {رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ} أي: من نقصان الكيل، والوزن، وبعذابه المنزل عليكم، ومما أوجبه لكم عليه في وقته المقدر له لا محالة، فإنه نازل بكم. فهو تهديد، ووعيد، وهو يفيد أيضا: إنما عليّ البلاغ، وليس إليّ العذاب الذي سألتموه. {فَكَذَّبُوهُ} أي: استمروا على كفرهم، وعنادهم وأعمالهم الخبيثة.
{فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ:} قال ابن عباس-رضي الله عنهما: أصابهم حرّ شديد، فأرسل الله سبحانه وتعالى سحابة فهربوا إليها ليستظلوا بها، فلما صاروا تحتها؛ صيح بهم، فهلكوا. وقيل: إن الله حبس عنهم الريح سبعة أيام، وسلّط عليهم الحر حتى أخذ بأنفاسهم، ولم ينفعهم ظلّ، ولا ماء، فكانوا يدخلون تحت الأسراب، ليتبردوا فيها، فيجدوها أشد حرا من الظاهر، فهربوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة، وهي الظلة، فوجدوا لها بردا، ونسيما، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا. وقال يزيد الجريريّ: سلّط الله عليهم الحر سبعة أيام، ولياليهن، ثم رفع لهم جبل من بعيد، فأتاه رجل، فإذا تحته أنهار، وعيون، وشجر، وماء بارد، فاجتمعوا كلهم تحته، فوقع عليهم الجبل، وهو الظّلة، وقيل: غير ذلك. انتهى. قرطبي.
وقال قتادة: بعث الله شعيبا إلى أمتين: أصحاب مدين، وأصحاب الأيكة، فأهلك الله أصحاب الأيكة بالظلّة، وأما أصحاب مدين فصاح بهم جبريل عليه السلام صيحة، فهلكوا. انتهى.
أقول: وقد ذكر الله قصة شعيب مع أهل مدين بالتفصيل في سورة (الأعراف) وسورة (هود) وأما قصة أهل الأيكة فأشار في سورة (الحجر) إليها إشارة وباختصار، وقد فصلها سبحانه وتعالى في هذه السورة كما ترى، والأمّتان: أصحاب مدين، وأصحاب الأيكة، كانت فعلتهم السيئة هي بخس الكيل، والميزان مقرونة بالكفر بالله، وعدم توحيده، وعبادته. قيل: آمن بشعيب من الأمتين تسعمئة نفر.
الإعراب: {قالَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى شعيب تقديره:«هو» . {رَبِّي:} مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {أَعْلَمُ:} خبر المبتدأ، وهو بمعنى عالم. {بِما:} جار ومجرور متعلقان ب: {أَعْلَمُ،} وفاعله مستتر فيه، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية
تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: أعلم بعملكم، والجملة الاسمية:
{رَبِّي..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
{فَكَذَّبُوهُ:} الفاء: حرف استئناف. (كذبوه): ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {فَأَخَذَهُمْ:} الفاء: حرف عطف. (أخذهم): فعل ماض، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. {عَذابُ:} فاعل، وهو مضاف، و {يَوْمِ} مضاف إليه، و {يَوْمِ} مضاف، و {الظُّلَّةِ} مضاف إليه، وجملة:{فَأَخَذَهُمْ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {إِنَّهُ:} حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها.
{كانَ:} فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره:«هو» يعود إلى: {عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ،} و {عَذابُ} مضاف، و {يَوْمِ} مضاف إليه، {عَظِيمٍ:} صفة: {يَوْمِ،} وإن اعتبرته صفة:
{عَذابُ،} فيكون قد جر على الجوار، وجملة:{كانَ..} . إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية:{إِنَّهُ كانَ..} . إلخ تعليلية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.
قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: هذا آخر القصص السبع المذكورة في هذه السورة على سبيل الاختصار، تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتهديدا، ووعيدا للمكذبين به، واطراد نزول العذاب على تكذيب الأمم بعد إنذار الرسل به، واقتراحهم له، استهزاء، وعدم مبالاة به يدفع أن يقال:
إنه كان بسبب اتصالات فلكية، أو كان ابتلاء لهم، لا مؤاخذة على تكذيبهم. انتهى.
أما تكرير بعض الآيات في أول كل قصة وآخرها، كما رأيت بنصها، فقد قال عنه الزمخشري رحمه الله تعالى في كشافه ما يلي: كل قصة منها كتنزيل برأسه، وفيها من الاعتبار مثل ما في غيرها، فكانت كل واحدة منها تدلي بحق في أن تفتتح بما افتتحت به صاحبتها، وأن تختتم بما اختتمت به، ولأن في التكرير تقريرا للمعاني في الأنفس، وتثبيتا لها في الصدور؛ ألا ترى: أنه لا طريق إلى تحفظ العلوم إلا ترديد ما يراد تحفظه منها، وكلما زاد ترديده؛ كان أمكن له في القلب، وأرسخ في الفهم، وأثبت للذكر، وأبعد من النسيان، ولأن هذه القصص طرقت بها آذان، وفيها وقر عن الإنصات للحق، وقلوب غلف عن تدبره. فكوثرت بالوعظ، والتذكير، وروجعت بالترديد، والتكرير، لعل ذلك يفتح أذنا، أو يفتق ذهنا، أو يصقل عقلا، طال عهده بالصقل، أو يجلو فهما، قد غطى عليه تراكم الصدأ. انتهى.
بعد هذا أذكر: أن ذكر الرسل في هذه السورة الكريمة لم يأت مرتبا على وجودهم الزمني في هذه الدنيا؛ لأن ترتيبهم الزمني كما يلي: نوح، ثم هود، ثم صالح، ثم إبراهيم ولوط كان في زمنه؛ لأنه ابن أخيه، كما قد ذكرت لك فيما سبق، ثم موسى، وشعيب، فإنهما كانا في زمن
واحد، كما ستعرفه في سورة (القصص) إن شاء الله تعالى، وإن كان شعيب أسنّ من موسى، على نبينا، وحبيبنا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، أما إعراب الآيتين فانظره برقم [8] و [9] ففيه الكفاية.
الشرح: {وَإِنَّهُ} أي: القرآن الكريم. {لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ} أي: فليس بشعر، ولا بكهانة، ولا أساطير الأولين، ولا غير ذلك مما قالوه. {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ} أي: جبريل {الْأَمِينُ:} لأنه أمين على الوحي الذي فيه الحياة، وخاب، وخسر من يقول: تاه الأمين، فإنهم يزعمون: أن الرسالة كانت لعليّ، فتاه جبريل، وأعطاها لمحمد صلى الله عليه وسلم. {عَلى قَلْبِكَ:} قال البيضاوي رحمه الله تعالى: هذا تقرير لحقية تلك القصص، وتنبيه على إعجاز القرآن، ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الإخبار عنها ممن لم يتعلمها، لا يكون إلا وحيا من الله عز وجل، والقلب إن أريد به الروح؛ فذاك، وإن أريد به العضو؛ فتخصيصه؛ لأن المعاني الروحانية إنما تنزل أولا على الروح، ثم تنتقل منه إلى القلب؛ لما بينهما من التعلق، ثم تتصعد منه إلى الدماغ، فينتقش بها لوح المتخيلة.
وقال الخازن: وإنما خص القلب بالذكر؛ لأنه هو المخاطب في الحقيقة، وإنه موضع التمييز، والفعل، والاختيار، وسائر الأعضاء مسخرة له، ويدل له قوله صلى الله عليه وسلم:«ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب» . أخرجاه في الصحيحين، ومن المعقول: أن موضع الفرح، والسرور، والغم، والحزن هو القلب، فإذا فرح القلب، أو حزن يتغير حال سائر الأعضاء، فكان القلب كالرئيس لها، ومنه: أنّ موضع العقل هو القلب على الصحيح من القولين، فإذا ثبت ذلك؛ كان القلب هو الأمير المكلّف، وهو المطلق؛ لأن التكليف مشروط بالعقل، والفهم. انتهى.
{لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ:} المخوفين من عذاب الله عمّا يؤدي إليه من فعل منهي عنه، أو ترك مأمور به، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. {بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} أي: واضح؛ لئلا يقول كفار قريش: ما نصنع بما لا نفهمه؛ لو نزل بغير العربية، وعلى هذا فالجار والمجرور متعلقان بالفعل {نَزَلَ،} ويجوز تعليقهما ب {الْمُنْذِرِينَ،} فيكون المعنى: لتكون ممن أنذروا بلغة العرب، هم: هود، وصالح، وإسماعيل، وشعيب على نبينا، وحبيبنا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ والضمير المنصوب بقوله:(إنه) والمجرور بقوله: (به) عائدان على القرآن الكريم، ولم يتقدّم له ذكر، وهو مفهوم من المقام بلا ريب.
{وَإِنَّهُ:} هذا الضمير يحتمل عوده على القرآن الكريم، وعوده على النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتقدم له ذكر أيضا. {لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ:} فعلى الاعتبار الأول بعود الضمير يكون المعنى، إن هذا القرآن مثبت ذكره في سائر الكتب السماوية المتقدمة. وقيل: إن معانيه فيها، وفيه دليل للحنفية على أن القرآن قرآن، ولو ترجم بغير العربية، فيكون دليلا على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة، وعلى الاعتبار الثاني بعود الضمير يكون المعنى: إن ذكر محمد صلى الله عليه وسلم مثبت في الكتب المتقدمة، كما قال تعالى في سورة (الأعراف):{يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ} .
هذا؛ وانظر ما ذكرته في {الرُّوحُ} في الآية رقم [85] من سورة (الإسراء)، وشرح:
(اللسان) في الآية رقم [84]، وشرح {الْأَوَّلِينَ} في الآية رقم [5] من سورة (الفرقان)، وإعلال {مُبِينٍ} في الآية رقم [2]. هذا؛ والزبر: الكتب جمع: زبور، وهو الكتاب المقصور على الحكم، والمواعظ، من: زبرت الشيء: إذا حبسته. وقيل: الزبور: المواعظ والزواجر من وعظته: إذا زجرته، والمراد هنا جميع الكتب التي نزلت على المرسلين، فإنها جميعها بشرت بمحمد صلى الله عليه وسلم وبأمته، ونوهت بشأن القرآن الكريم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: {وَإِنَّهُ:} الواو: حرف استئناف. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. {لَتَنْزِيلُ:} اللام: هي المزحلقة. (تنزيل): خبر (إنّ)، و (تنزيل) مضاف، و {رَبِّ} مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، و {رَبِّ} مضاف، و {الْعالَمِينَ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية:{وَإِنَّهُ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {نَزَلَ:} فعل ماض. {بِهِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من {الرُّوحُ} الذي هو فاعله. {الْأَمِينُ:} صفة له. هذا؛ وقد قرئ بتشديد الزاي، ونصب:(الرّوح الأمين)، فيكون الفاعل ضميرا مستترا يعود إلى:{رَبِّ الْعالَمِينَ،} وعليه؛ فالجملة الفعلية في محل نصب حال من: {رَبِّ الْعالَمِينَ،} وعلى الأول؛ فالجملة الفعلية في محل نصب حال من: (تنزيل رب)، والرابط على الاعتبارين الضمير فقط.
{عَلى قَلْبِكَ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل: {نَزَلَ،} والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {لِتَكُونَ:} فعل مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنت» . {مِنَ الْمُنْذِرِينَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (تكون)، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل {نَزَلَ}. {بِلِسانٍ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل: {نَزَلَ،} أو ب {الْمُنْذِرِينَ} حسب ما رأيت فيما تقدم في الشرح، وأجيز اعتبارهما بدلا من قوله:{بِهِ} بإعادة الجار. {عَرَبِيٍّ مُبِينٍ:}
صفتان ل: (اللسان). {وَإِنَّهُ:} الواو: واو الحال. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير
متصل في محل نصب اسمه. {لَفِي:} اللام: هي المزحلقة. (في زبر): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، و {زُبُرِ} مضاف، و {الْأَوَّلِينَ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية:
{وَإِنَّهُ..} . إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.
{أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (197)}
الشرح: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ} أي: لأهل مكة الذين أنكروا القرآن، ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم. {آيَةً} أي:
علامة تدل على صحة القرآن ونبوة سيد الأنام. هذا؛ وقرئ برفع {آيَةً} ونصبها، وقرئ {يَكُنْ} بالياء والتاء. {أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ} أي: يعرفون صحة القرآن، وصدق نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم حيث ذكر بنعته في كتبهم، كما صرحت به الآية السابقة.
قال مجاهد: يعني عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وغيرهما ممن أسلم، كأسد، وأسيد، وثعلبة، وابن يامين؛ الذين أسلموا من اليهود. وقال عبد الله بن عباس-رضي الله عنهما: بعث أهل مكة إلى اليهود بالمدينة، يسألونهم عن محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته، فقالوا: إن هذا لزمانه، وإنا لنجد في التوراة نعته، وصفته. فيرجع لفظ العلماء إلى كل من كان له علم بكتبهم؛ أسلم، أو لم يسلم على هذا القول، وإنما صارت شهادة أهل الكتاب حجة على المشركين؛ لأنهم كانوا يرجعون في أشياء من أمر الدين إلى أهل الكتاب؛ لأنهم مظنون بهم علم. انتهى. قرطبي.
أقول: قد تقدم في الآية رقم [24] من سورة (الكهف) أن قريشا بعثوا عمرو بن العاص وغيره إلى المدينة المنورة يسألون اليهود عن محمد صلى الله عليه وسلم، فاقترحوا ثلاثة أسئلة على النبي صلى الله عليه وسلم انظر ما ذكرته في شرح الآية المذكورة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: {أَوَلَمْ:} الهمزة: حرف استفهام، وإنكار، وتعجب. الواو: حرف استئناف. (لم):
حرف نفي، وقلب، وجزم. {يَكُنْ:} فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لم). {لَهُمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف بالفعل {يَكُنْ،} على رأي من يجيز تعليق الجار والمجرور بالفعل الناقص، أو هما متعلقان بمحذوف حال من {آيَةً،} كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة:
«نعت النكرة؛ إذا تقدم عليها صار حالا» . {آيَةً:} خبر {يَكُنْ} مقدم. {أَنْ:} حرف مصدري، ونصب. {يَعْلَمَهُ:} فعل مضارع منصوب ب: {أَنْ،} والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. {عُلَماءُ:} فاعل، و {عُلَماءُ} مضاف، و {بَنِي} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و {بَنِي} مضاف، و {إِسْرائِيلَ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، و {أَنْ} والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل رفع اسم {يَكُنْ} مؤخر.
هذا؛ وقرأ ابن عامر: «(تكن)» بالتاء، و «(آية)» بالرفع، والفعل على هذه القراءة يحتمل النقصان والتمام، فعلى الأول يكون «(آية)» اسم «(تكن)» مؤخر، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والمصدر المؤول من {أَنْ يَعْلَمَهُ} في محل رفع بدل من (آية)، أو (إنّ) الاسم ضمير القصة، و (آية) خبر مقدم، والمصدر المؤول من:{أَنْ يَعْلَمَهُ} في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب خبر (تكن)، وأما على التمام ف:(آية) فاعل (تكن)، والمصدر المؤول من {أَنْ يَعْلَمَهُ} في محل رفع بدل من (آية)، والجار والمجرور:{لَهُمْ} متعلقان بمحذوف حال من: (آية) على مثال ما سبق، أو: هما متعلقان بالفعل (تكن)، وأجيز على التمام أيضا أن تكون (آية) فاعل (تكن)، والمصدر المؤول في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي أن يعلمه. هذا؛ وأجاز الزجاج كون {آيَةً} اسم (تكن) على النقصان، والمصدر المؤول في محل نصب خبره، وهو مردود بأنه لا يخبر بالمعرفة عن النكرة إلا في ضرورة الشعر، كما في قول القطامي:[الوافر]
قفي قبل التّفرّق يا ضباعا
…
ولا يك موقف منك الوداعا
وأيضا قول حسان-رضي الله عنه-قبل تحريم الخمرة من قصيدة يمدح بها النبي صلى الله عليه وسلم، ويندد بكفار قريش ويتهدّد شعراءهم:[الوافر]
كأنّ سبيئة من بيت رأس
…
يكون مزاجها عسل وماء
وهذان البيتان هما الشاهدان رقم [822 - 823] من كتابنا فتح القريب.
الشرح: {وَلَوْ نَزَّلْناهُ:} الضمير يعود إلى القرآن. {عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ} أي: على رجل ليس بعربي اللسان. {فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا..} . إلخ: أي بغير لغة العرب؛ لما آمنوا، ولقالوا: لا نفقه، كما قال الله تعالى:{وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ} الآية رقم [44] من سورة فصلت، وقيل: معناه: ولو نزلناه على رجل ليس من العرب؛ لما آمنوا به أنفة، وكبرا، وعنادا، واستنكافا من اتباع العجم.
{كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ:} الضمير للكفر المدلول عليه بقوله: {ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ} فتدل الآية على أنه بخلق الله. وقيل: الضمير للقرآن، أي: أدخلناه في قلوب المجرمين، فعرفوا معانيه، وإعجازه، ثم لم يؤمنوا به عنادا. وهذا أقوى؛ لأن قوله تعالى:{لا}
يُؤْمِنُونَ بِهِ يؤيده، وذلك بإرجاع الضمير إلى القرآن أيضا، {حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ} أي:
الملجئ إلى الإيمان. هذا؛ ويؤيد إرجاع الضمير الأول للكفر قوله تعالى في سورة (الحجر):
{كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} الآية رقم [12] وقد ذكرت هناك أن هذه الآية ترد على القدرية والمعتزلة، وهي أبين آية في ثبوت القدر لمن أذعن للحق، ولم يعاند.
هذا؛ والسّلك: إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط، والرمح بالمطعون، وانظر (نا) في الآية رقم [7]. هذا؛ وكثيرا ما يعبر القرآن عن الكافرين بالظالمين، والمجرمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين، ونحو ذلك، ويتهددهم بالعذاب الأليم، ويتوعدهم بالعقاب الشديد، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات؛ فهل يوجه إليهم هذا التهديد، وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يتوجه إليهم ما ذكر، وهم أحق بذلك، ولا سيما من قرأ القرآن، واطّلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم، وكيف نكل الله بهم؟ وجعلهم عبرة للمعتبرين، وما يتذكر إلا أولو الألباب، ورحم الله البيضاوي؛ حيث قال: والتعبير عن الكافرين بالمجرمين؛ ليكون لطفا للمؤمنين في ترك الجرائم. وأضيف في ترك الكذب، والفسوق، والإسراف، والظلم، والاعتداء، وغير ذلك من الأعمال التي يبغضها الله، ورسوله.
أما {الْأَعْجَمِينَ:} فهو جمع: أعجمي، والقياس: أعجميين، وبه قرأ الحسن، وقد حذفت ياء النسب من الأعجمين لثقلها، كما يقال: الأشعرين، جمع أشعريّ، وقيل: هو جمع:
أعجم، وفيه بعد؛ لأن ما كان من الصفات الذي مؤنثه (فعلاء) لا يجمع بالواو والنون، ولا بالألف والتاء، فلا يقال: أحمرون ولا حمراوات، وبالأول قال أبو الفتح بن جني، وهو مذهب سيبويه، والبصريين. وبالثاني قال الكوفيون. والمعتمد قول البصريين، وانظر ما ذكرته في سورة (الصافات) رقم [128].
والأعجمي: هو الذي لا يفصح في كلامه، والعرب تسمي كل من لا يعرف لغتهم، ولا يتكلم بكلامهم أعجميّا. وقال الفراء: الأعجم: هو الذي في لسانه عجمة، وإن كان عربيّا، ومنه سمي زياد الأعجم؛ لأنه كان في لسانه عجمة، أي: لكنة مع كونه من العرب، والأعجمي، والعجمي: الذي أصله من العجم، فهو منسوب إليه. هذا؛ والأعرابي: هو الذي يسكن البادية، والعربي: هو الذي يسكن الأمصار من بلاد العرب، وهو منسوب إلى العرب، وجمع الأول:
الأعراب، كما في الآية رقم [90] من سورة (التوبة) وما بعدها، وجمع الثاني: العرب، والعرب، والعرب واحد، كالعجم، والعجم، فبينهما طباق التضاد.
الإعراب: {وَلَوْ:} الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.
{نَزَّلْناهُ:} فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. {عَلى بَعْضِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و {بَعْضِ} مضاف،
و {الْأَعْجَمِينَ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. {فَقَرَأَهُ:} الفاء: حرف عطف. (قرأه): فعل ماض، والهاء مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره:«هو» يعود إلى: {بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ،} والجملة الفعلية معطوفة على جملة: {نَزَّلْناهُ..} . إلخ لا محل لها مثلها. {عَلَيْهِمْ:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. {ما:} نافية. {كانُوا:} فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. {بِهِ:} متعلقان ب {مُؤْمِنِينَ} بعدهما. {مُؤْمِنِينَ:} خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة:{ما كانُوا..} . إلخ جواب (لو) لا محل لها من الإعراب، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب. {كَذلِكَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده؛ أي: سلكنا التكذيب به بقراءة النبي مثل إدخالنا التكذيب به في قلوبهم بقراءة الأعجمي، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {سَلَكْناهُ:} فعل، وفاعل، ومفعول به، وانظر إعراب (أنجينا) في الآية رقم [119]. {فِي قُلُوبِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و {قُلُوبِ} مضاف، و {الْمُجْرِمِينَ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء
…
إلخ، وجملة:{كَذلِكَ سَلَكْناهُ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
{لا:} نافية. {يُؤْمِنُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، أو من:
{الْمُجْرِمِينَ،} والرابط على الاعتبارين الضمير فقط، أو الجملة مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. {بِهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {حَتّى:} حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. {يَرَوُا:} فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. {الْعَذابَ:} مفعول به. {الْأَلِيمَ:} صفة له، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب:{حَتّى،} والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {فَيَأْتِيَهُمْ:} الفاء: حرف عطف. (يأتيهم): فعل مضارع معطوف على {يَرَوُا} منصوب مثله، والفاعل ضمير مستتر تقديره:«هو» يعود إلى {الْعَذابَ،} والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. هذا؛ وقرأ الحسن: «(فتأتيهم)» بالتاء، والمعنى: فتأتيهم الساعة بغتة. فأضمرت لدلالة العذاب الواقع فيها، ولكثرة ما في القرآن من ذكرها. {بَغْتَةً:} حال من الفاعل المستتر بمعنى: باغتا، أو: باغتة، أو مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: تبغتهم بغتة، وتكون هذه الجملة في محل نصب حال من الفاعل المستتر. هذا؛ وأجيز اعتبار {بَغْتَةً} مصدرا للفعل يأتي من غير لفظه، كقولهم: أتيته ركضا، فتكون {بَغْتَةً} نائب مفعول مطلق. {وَهُمْ:}
الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {لا:} نافية.
{يَشْعُرُونَ:} فعل مضارع مرفوع
…
إلخ، والواو فاعله، والمتعلق محذوف، التقدير:
لا يشعرون بإتيانه، أو بإتيانها، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:
{وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.
الشرح: {فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ} أي: مؤخرون وممهلون يطلبون الرجعة حين يفاجئهم العذاب، فلا يجابون، ويقولون ذلك تحسرا، وتأسفا. {أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ} أي: يطلبون العذاب، فيقولون:{فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ،} ويقولون: {فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ} .
{أَفَرَأَيْتَ:} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، بمعنى: أخبرني ماذا يكون حالهم، وشأنهم. {إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ} أي: تركناهم أحياء سنين يتلذذون، ويتنعمون في هذه الدنيا، ومشتهياتها، ولذائذها. قال يحيى بن معاذ-رضي الله عنه: أشد الناس غفلة من اغتر بحياته، والتذ بمراداته، وسكن إلى مألوفاته؛ والله يقول:{أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ} . {ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ} أي: من العذاب. {ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ} أي: به في تلك السنين.
والمعنى: أن استعجالهم بالعذاب إنما كان لاعتقادهم أنه غير كائن، ولا لا حق بهم، وأنهم ممتعون بأعمار طوال، في سلامة، وأمن، فقال الله تعالى:{أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ} أشرا، وبطرا، واستهزاء، واتكالا على الأمل الطويل. ثم قال: هب: أن الأمر كما يعتقدون من تمتيعهم، وتعميرهم، فإذا لحقهم الوعيد بعد ذلك لا ينفعهم حينئذ ما مضى من طول أعمارهم، وطيب معايشهم.
وعن ميمون بن مهران: أنه لقي الحسن البصري في الطواف، وكان يتمنى لقاءه، فقال له:
عظني، فلم يزده على تلاوة هذه الآية، فقال ميمون: قد وعظت، فأبلغت! وعن الزهري -رحمه الله تعالى-قال: إن عمر بن عبد العزيز-رضي الله عنه-كان إذا أصبح؛ أمسك بلحيته، ثم قرأ قوله تعالى:{أَفَرَأَيْتَ}
…
{يُمَتَّعُونَ} ثم يبكي ويقول: [الطويل]
نهارك يا مغرور سهو وغفلة
…
وليلك نوم والرّدى لك لازم
فلا أنت في الأيقاظ يقظان حازم
…
ولا أنت في النّوّام ناج فسالم
تسرّ بما يفنى وتفرح بالمنى
…
كما سرّ باللّذّات في النّوم حالم
وتسعى إلى ما سوف تكره غبّه
…
كذلك في الدّنيا تعيش البهائم
هذا؛ ويكثر النهي في القرآن الكريم عن العجلة، واستعجال الشيء قبل أوانه، وهذا النهي أكثر ما يوجه للكافرين الذين طلبوا استعجال العذاب، وقد يوجه إلى بني آدم جميعا، وقد توجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى:{وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} الآية رقم [114] من سورة (طه)، بينما حث الله تعالى على فعل الطاعات، فقال في سورة (آل عمران):{وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..} . إلخ الآية رقم [133]، وقال في سورة (الحديد):
{سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..} . إلخ الآية رقم [21] كما وصف أنبياءه ورسله بأنهم كانوا يسارعون في الخيرات، وهذا لا يناقض:«العجلة من الشيطان، والتأني من الرحمن» ؛ لأن المسارعة إلى الطاعات مستثناة من ذلك، كما أن هناك أمورا تسن المبادرة إلى فعلها، كأداء الصلاة المكتوبة؛ إذا دخل وقتها، وقضاء الدين بحق الموسر، وتزويج البكر البالغ إذا أتى الكفؤ، ودفن الميت، وإكرام الضيف إذا نزل، وخذ ما يلي، فعن علي بن أبي طالب-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم له: «يا عليّ! ثلاث لا تؤخّرها: الصّلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيّم إذا وجدت كفؤا» . رواه الترمذي.
الإعراب: {فَيَقُولُوا:} الفاء: حرف عطف. (يقولوا): معطوف على: {يَرَوُا،} فهو منصوب مثله، وقال القشيري: وقوله: {فَيَأْتِيَهُمْ} ليس عطفا على قوله: {حَتّى يَرَوُا} بل هو جواب قوله:
{لا يُؤْمِنُونَ} فلما كان جوابا للنفي انتصب، وكذلك قوله:{فَيَقُولُوا} وعلامة النصب حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى هذا الوجه تكون «أن» مضمرة بعد الفاء، وتؤول مع الفعل بمصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لم يكن منهم إيمان، فإتيان العذاب بغتة، فقولهم
…
إلخ. {هَلْ:} حرف استفهام.
{نَحْنُ:} ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. {مُنْظَرُونَ:} خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.
{أَفَبِعَذابِنا:} الهمزة: حرف استفهام وتعجب. الفاء: حرف استئناف. (بعذابنا): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف. {يَسْتَعْجِلُونَ:} فعل مضارع مرفوع
…
إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على مقدر يقتضيه المقام، التقدير: أيغفلون عن ذلك مع تحققه وتقرره فيستعجلون
…
إلخ. {أَفَرَأَيْتَ:} الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف عطف. (رأيت): فعل، وفاعل. {إِنْ:} حرف شرط جازم. {مَتَّعْناهُمْ:} فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و (نا) فاعله، والهاء مفعول به. {سِنِينَ:} ظرف زمان متعلق بالفعل قبله منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم،
والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة:{مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ} لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، تقديره: لم يغن عنهم تمتعهم، والجملة الشرطية معترضة بين الفعل:(رأيت) ومفعوليه، وأيضا بين الفعلين المتعاطفين.
{ثُمَّ:} حرف عطف. {جاءَهُمْ:} فعل ماض، والهاء مفعول به. {ما:} اسم موصول تنازعه (رأيت) يطلبه مفعولا أول، و {جاءَهُمْ} يطلبه فاعلا، فإذا أعملنا الأول أضمرنا في الثاني ضميرا يعود عليه، التقدير: ثم جاءهم هو، أي الذي كانوا يوعدونه، وإذا أعملت الثاني، وهو جاءهم أعملت الأول في ضميره، ولكنه حذف؛ لأنه فضلة، وهو المفعول الأول له. {كانُوا:}
فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. {يُوعَدُونَ:} فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة:{كانُوا يُوعَدُونَ} صلة {ما} أو صفتها؛ إن اعتبرتها نكرة موصوفة، والعائد، أو الرابط محذوف، وهو المفعول الثاني.
{ما:} اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وقيل: في محل نصب مفعول به مقدم للفعل بعده. {أَغْنى:} فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. {عَنْهُمْ:}
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {ما:} تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل:{أَغْنى،} والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ما أغنى عنهم الذي، أو شيء كانوا يمتعون به، وعلى اعتبار {ما} مصدرية، تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع فاعل:{أَغْنى،} التقدير: ما أغنى عنهم تمتعهم، أو كونهم متمتعين، وجملة:{أَغْنى..} . إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:{ما أَغْنى..} . إلخ في محل نصب مفعول به ثان، للفعل:(أرأيت) وجملة: {أَفَرَأَيْتَ..} . إلخ معطوفة على: {فَيَقُولُوا..} . إلخ وما بينهما اعتراض. انتهى. جمل.
هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) الثانية حرف نفي، كما أجيز اعتبار الأولى حرف نفي، والثانية اسما موصولا والمعتمد ما ذكرته أولا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
{وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرى وَما كُنّا ظالِمِينَ (209)}
الشرح: {وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ} أي: بنوع من أنواع العذاب المتقدمة. {إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ} أي: رسل ينذرونهم، أي: ينذرون أهل القرية؛ لئلا يكون لهم حجة يوم القيامة. {ذِكْرى} أي:
ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم، فلا يعصوا مثل عصيانهم. {وَما كُنّا ظالِمِينَ} أي: فنهلك
قوما غير مستحقين العذاب، أو ما كنا ظالمين في تعذيبهم، حيث أرسلنا إليهم رسلا، فلم يؤمنوا، وقطعنا حجتهم.
الإعراب: {وَما:} الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. {أَهْلَكْنا:} فعل، وفاعل. {مِنْ:}
حرف جر صلة. {قَرْيَةٍ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. {إِلاّ:} حرف حصر. {لَها:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {مُنْذِرُونَ:} مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من:{قَرْيَةٍ،} وجاز مجيء الحال من النكرة لتقدم النفي عليها، ولم يجوز ابن هشام اعتبار الجملة صفة للفصل ب:{إِلاّ؛} فإنه قال: ولما جاءت {إِلاّ} امتنعت الوصفية، وأما قوله تعالى:{وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ} الآية رقم [4] من سورة (الحجر)، فللوصفية مانعان: الواو، و {إِلاّ،} ولم ير الزمخشري، وأبو البقاء واحدا منهما مانعا، وكلام النحويين بخلاف ذلك. وقال الأخفش: لا تفصل «إلا» بين الموصوف وصفته. انتهى. مغني اللبيب. وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف تركت الواو من الجملة بعد {إِلاّ،} ولم تترك منها في آية الحجر، قلت: الأصل ترك الواو؛ لأن الجملة صفة ل {قَرْيَةٍ،} وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف، كما في قوله تعالى:{سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} . انتهى. سمين.
{ذِكْرى:} مفعول لأجله، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف، وعليهما فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وقيل: هي صفة: {مُنْذِرُونَ} على تقدير: ذوو ذكرى، فلما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه، أو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي ذكرى، وعليه فهذه الجملة معترضة. {وَما:} الواو: واو الحال. (ما): نافية. {كُنّا:} فعل ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): ضمير متصل في محل رفع اسمها. {ظالِمِينَ:} خبر كان منصوب، وجملة:{كُنّا ظالِمِينَ} في محل نصب حال من (نا) والرابط: الواو، والضمير.
الشرح: {وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ} أي: بالقرآن. {الشَّياطِينُ:} فهذا رد لما زعمه الكفرة في حق القرآن الكريم من أنه من قبيل ما تلقيه الشياطين على الكهنة بعد تحقيق الحق ببيان: أنه نزل به الروح الأمين، فقد أكذبهم الله تعالى بهذه الآية، وعليه فلا يكون سحرا، ولا كهانة، ولا شعرا، ولا أضغاث أحلام، كما يقولون. {وَما يَنْبَغِي لَهُمْ} أي: وما يصلح للشياطين أن ينزلوا بالقرآن الكريم. {وَما يَسْتَطِيعُونَ} أي: لا يقدرون على إنزال القرآن. {إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} أي:
هم محجوبون عن سماع كلام الملائكة بالرمي بالشهب، فلا يصلون إلى استراق السمع من الملائكة، وقد بين الله ذلك في الآيتين رقم [17] و [18] من سورة (الحجر)، وفي مطلع سورة (الصافات) وقد بيّن البيضاوي العلة في منعهم من سماع الملائكة، فقال: لأنه مشروط بمشاركة في صفات الذات، وقبول فيضان الحق، والانتعاش بالصور الملكوتية، ونفوسهم خبيثة ظلمانية، شريرة بالذات لا تقبل ذلك، والقرآن مشتمل على حقائق، ومغيبات، لا يمكن تلقيها إلا من الملائكة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: {وَما:} الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. {تَنَزَّلَتْ:} فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. {بِهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {الشَّياطِينُ:} فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {وَما:} الواو: حرف عطف. (ما): نافية. {يَنْبَغِي:}
فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر يعود إلى المفهوم من الفعل السابق، التقدير: وما ينبغي النزول لهم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من:{الشَّياطِينُ} فلست مفندا، ويكون الرابط:
الواو، والضمير المجرور محلا باللام. {لَهُمْ:} متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة:{وَما يَسْتَطِيعُونَ} معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. {إِنَّهُمْ:} حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. {عَنِ السَّمْعِ:} جار ومجرور متعلقان بما بعدهما.
{لَمَعْزُولُونَ:} اللام: هي المزحلقة. (معزولون): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة
…
إلخ، والجملة الاسمية تعليل للنفي، لا محل لها.
{فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)}
الشرح: {فَلا تَدْعُ..} . إلخ: هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره، كقوله تعالى له:{لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ} وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يشرك باتخاذ إله مع الله تعالى. هذا؛ و: (لا تدع) يحتمل أن تكون من الدعاء، وهو النداء، وأن يكون بمعنى العبادة، فيتعدى لواحد، وأن يكون بمعنى التسمية، وعليه الزمخشري، والبيضاوي، والنسفي في الآية رقم [110] من سورة (الإسراء)، فيتعدى لاثنين، كما قال الشاعر:[الطويل]
دعتني أخاها أمّ عمرو، ولم أكن
…
أخاها، ولم أرضع لها بلبان
دعتني أخاها بعد ما كان بيننا
…
من الفعل ما لا يفعل الأخوان
الإعراب: {فَلا:} الفاء: حرف استئناف، وقيل: الفصيحة، ولا وجه له. (لا): ناهية جازمة. {تَدْعُ:} فعل مضارع مجزوم ب: (لا) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنت» . {مَعَ:} ظرف
مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف مفعول به ثان تقدم على الأول على حسب ما رأيت في الشرح، أو هو متعلق بمحذوف حال من {إِلهاً} كان صفة له
…
إلخ. و {مَعَ} مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه. {إِلهاً:} مفعول به. {آخَرَ:} صفة له. {فَتَكُونَ:} الفاء:
للسببية. (تكون): فعل مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد فاء السببية، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنت» . {مِنَ الْمُعَذَّبِينَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (تكون)، و «أن» المضمرة والفعل (تكون) في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منك دعاء
…
فكون من المعذبين.
{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)}
الشرح: عن ابن عباس-رضي الله عنهما-قال: لما نزلت {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا، فجعل ينادي:«يا بني فهر! يا بني عدي!» لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الذي لم يستطع أن يخرج يرسل رسولا، لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب، وقريش، فقال:
«أرأيتكم لو أخبرتكم: أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟» . قالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال:«فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» . فقال أبو لهب: تبّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟! فنزلت {تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ..} . إلخ. متفق عليه. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [94] من سورة (الحجر).
وعن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} قال: «يا معشر قريش-أو كلمة نحوها-اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد المطلب! لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت رسول الله! سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئا» . متفق عليه.
هذا؛ والعشيرة: أقرباء الإنسان الذين يعيشون معه، ويعاشرونه، ومن الجدير بالذكر: أن العشيرة آخر طبقة من الطبقات السبع التي عليها العرب، وهي: الشعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة، والعشيرة، فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ يجمع الفصائل، والفصيلة تجمع العشائر، وليس بعد العشيرة شيء يوصف عند العرب، واستحدث اسم الأسرة أو العائلة لما يشمل الزوج، والزوجة، وأولادهما الذين يعيشون في دار واحدة، وأخيرا اسمع قول العلي القدير:{يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} .
تنبيه: ما تقدم يدل على أن القرب في الأنساب لا ينفع مع البعد في الأسباب، أي في الأعمال الصالحة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:«من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه» . وروي: أنه قال لعمه، ولعمته، وبناته:«لا يأتيني الناس بالأعمال، وتأتونني بالأنساب» .
وفي الآية دليل على جواز صلة الكافر، وإرشاده، ونصيحته، ولا سيما إذا رأى منه لينا، وميلا إلى الإسلام، ولقد سها الزمخشري-رحمه الله تعالى-حيث ذكر في النداء المتقدم ذكره قوله:«ثم قال: يا عائشة بنت أبي بكر، ويا حفصة بنت عمر، ويا فاطمة بنت محمد، ويا صفية عمّة محمد، اشترين أنفسكن من النار، فإني لا أغني عنكن من الله شيئا» . وأين عائشة، وأين كانت حفصة-رضي الله عنهما-وعن والديهما؛ حين خاطب النبي صلى الله عليه وسلم عشيرته بهذا الخطاب، حين نزلت عليه الآية الكريمة!؟.
الإعراب: {وَأَنْذِرْ:} الواو: حرف عطف. (أنذر): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنت» .
{عَشِيرَتَكَ:} مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {الْأَقْرَبِينَ:} صفة {عَشِيرَتَكَ} منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة:{وَأَنْذِرْ..} . إلخ معطوفة على جملة:
(لا تدع
…
) إلخ لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع.
{وَاِخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)}
الشرح: {وَاخْفِضْ جَناحَكَ:} ألن جانبك {لِمَنِ اتَّبَعَكَ} وتواضع لهم، فالطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع على الأرض؛ كسر جناحه، وخفضه، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه، فجعل خفض جناحه عند الانحطاط مثلا في التواضع، ولين الجانب، ومنه قول بعضهم:[المتقارب]
وأنت الشّهير بخفض الجناح
…
فلا تك في رفعه أجدلا
الأجدل: الصقر، ونحوه من الطيور الجوارح، فالشاعر ينهى ممدوحه عن التكبر بعد التواضع، ففي الآية الكريمة استعارة مكنية، وهي ما حذف فيها المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه، فقد استعير الطائر للذل، ثم حذفه ودل عليه بشيء من لوازمه، وهو الجناح، وإثبات الجناح للذل يسمونه: استعارة تخييلية، ومثل الآية قول أبي ذؤيب الهذلي:[الكامل]
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها
…
ألفيت كلّ تميمة لا تنفع
حيث أثبت الأظفار للمنية، وهي لا ترى، ولا تشاهد على طريقة الاستعارة التخييلية، وأيضا قول لبيد بن ربيعة-رضي الله عنه:[الكامل]
وغداة ريح قد كشفت وقرّة
…
إذا أصبحت بيد الشّمال زمامها
فقد جعل للشمال يدا، وللقرة-أي: البرد-زماما على مثال ما رأيت، والبيت من معلقته رقم [16].
تنبيه: قال الزمخشري في الكشاف: فإن قلت: المتبعون للرسول هم المؤمنون، والمؤمنون هم المتبعون للرسول فما معنى قوله:{لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ؟} قلت: فيه وجهان: أن يسميهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين؛ لمشارفتهم ذلك، وأن يريد بالمؤمنين المصادقين بألسنتهم، وهم صنفان: صنف صدق، واتبع رسول الله فيما جاء به، وصنف ما وجد منه إلا التصديق فحسب، ثم إما أن يكونوا منافقين، أو فاسقين، والمنافق، والفاسق لا يخفض لهما الجناح. والمعنى من المؤمنين من عشيرتك وغيرهم، يعني: أنذر قومك، فإن اتبعوك، وأطاعوك، فاخفض لهم جناحك، وأن عصوك، ولم يتبعوك؛ فتبرأ منهم، ومن أعمالهم من الشرك بالله، وغيره. انتهى.
كشاف، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: {وَاخْفِضْ:} الواو: حرف عطف. (اخفض): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنت» . {جَناحَكَ:} مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {لِمَنِ:}
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {اِتَّبَعَكَ:} فعل ماض، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة (من) لا محل لها. {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل (اتبعك)، و (من) بيان لما أبهم في (من)، وجملة {وَاخْفِضْ..} .
إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
{فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ (216)}
الشرح: المعنى: أنذر قومك، فإن اتبعوك، وأطاعوك؛ فاخفض جناحك لهم، وإن عصوك، ولم يتبعوك؛ فتبرأ منهم، ومن أعمالهم من الشرك بالله، وغيره. هذا؛ وأصل:(عصوا) قبل دخول واو الجماعة «عصو» فقل في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فلما اتصلت به واو الجماعة صار «عصاوا» فالتقى ساكنان: ألف العلة، وواو الجماعة، وحرف العلة أولى بالحذف من الضمير، فحذف حرف العلة، وبقيت الفتحة على الصاد دليلا على الألف المحذوفة، ويقال في إعلاله أيضا: ردت الألف لأصلها عند اتصاله بواو الجماعة، فصار «عصووا» فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصارت ألفا، فالتقى ساكنان: ألف العلة
…
إلخ، كما يقال أيضا: ردت الألف لأصلها عند اتصاله بواو الجماعة، فصار «عصووا» فاستثقلت الضمة على الواو فحذفت، فالتقى ساكنان: واو العلة وواو الجماعة، فحذفت واو العلة
…
إلخ، وما ذكرته يجري في إعلال كل فعل ناقص، اتصل به واو الجماعة، مثل: نجا،
ورمى، وسعى، ودعا، وغزا
…
إلخ. تنبه لذلك، واحفظه. هذا؛ وتحرك واو الجماعة بالضمة إذا التقى معها ساكن، مثل قوله تعالى:{أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى} وإنما حركت بالضم دون غيره ليفرق بين واو الجماعة، والواو الأصلية في نحو قولك:«لو اجتهدت؛ لنجحت» . وقيل: ضمت؛ لأن الضمة أخف من الكسرة؛ لأنها من جنس الواو، وقيل: حركت بحركة الواو المحذوفة، وقيل: غير ذلك.
الإعراب: {فَإِنْ:} الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. {عَصَوْكَ:} فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:
لأنها جملة شرط غير ظرفي. {فَقُلْ:} الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قل): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنت» . {إِنِّي:} حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. {بَرِيءٌ:} خبر (إنّ). {مِمّا:} جار ومجرور متعلقان ب: {أُبْرِئُ؛} لأنه صفة مشبهة، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب:(من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بريء من الذي، أو من شيء تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب:(من) التقدير: بريء من عملكم، والجملة الاسمية:
{إِنِّي..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{فَقُلْ..} . إلخ في محل جزم جواب الشرط، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
الشرح: {وَتَوَكَّلْ} أي: على الله يكفيك شر من يعصيك منهم، ومن غيرهم. والتوكل:
تفويض الرجل الأمر إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه، وضره، وقالوا: المتوكل من إن دهمه أمر؛ لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله، فعلى هذا: إذا وقع الإنسان في محنة، ثم سأل غيره خلاصه، لم يخرج عن حد التوكل؛ لأنه لم يحاول دفع ما نزل به عن نفسه بمعصية الله، وإنما هو من تعاطي الأسباب في دفع المحنة.
{الْعَزِيزِ:} القوي، القاهر، الغالب؛ الذي لا يغلبه شيء. {الرَّحِيمِ:} بعباده المؤمنين، فهو الذي ينصرك على أعدائك. {الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ} أي: حين تقوم إلى الصلاة تتهجد في قول أكثر المفسرين، وهو قول ابن عباس وغيره. وقال مجاهد: يعني: حين تقوم حيثما كنت.
{وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ:} قال ابن عباس-رضي الله عنهما: المعنى: ويرى تقلبك في صلاتك
في حال قيامك، وركوعك، وسجودك، وقعودك. وقيل: مع المصلين في الجماعة، يقول: يراك إذا صليت وحدك، ومع الجماعة. وقيل: معناه: يرى تقلب بصرك في الساجدين، أي:
المصلين، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يبصر من خلفه كما يبصر من قدامه.
فعن أبي هريرة-رضي الله عنه-أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هل ترون قبلتي هاهنا، فو الله ما يخفى عليّ خشوعكم، ولا ركوعكم، إنّي لأراكم من وراء ظهري» . وقيل: معناه: يرى تصرفك، وذهابك ومجيئك في أصحابك المؤمنين، وتصفح أحوال المجتهدين منهم، وكيف يعبدون الله، وكيف يعملون لآخرتهم، كما يحكى: أنه حين نسخ فرض قيام الليل؛ طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه؛ لينظر ما يصنعون؛ لحرصه عليهم، وعلى ما يوجد منهم من فعل الطاعات، وتكثير الحسنات، فوجدها كبيوت الزنابير لما سمع منها من دندنتهم بذكر الله، وتلاوة القرآن. انتهى. كشاف.
وقال ابن عباس-رضي الله عنهما، وهو قول آخر له-: أراد: وتقلبك في أصلاب الأنبياء من نبي إلى نبي؛ حتى أخرجتك في هذه الأمة، ويؤيد هذا ما روي من قوله صلى الله عليه وسلم:«أنا أشرفكم نسبا، وحسبا، وصهرا، خرجت من نكاح كنكاح الإسلام لم يصبني من سفاح الجاهلية شيء» .
وقوله صلى الله عليه وسلم: «لم أزل أنتقل من الأصلاب الطّاهرات إلى الأرحام الزّاكيات» . والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا؛ ويكون على الرأي الأخير {السّاجِدِينَ} بمعنى: المؤمنين، ويكون جميع أصوله رجالا ونساء مؤمنين من لدن آدم وحواء إلى عبد الله، وآمنة، وأورد على هذا آزر أبو إبراهيم، فإنه كان كافرا بمقتضى نص الآيات القرآنية، وأجاب بعضهم: بأنه كان عم إبراهيم لا أباه، وأجاب بعضهم بجواب أحسن من هذا، وهو أن قولهم: أصول محمد صلى الله عليه وسلم لم يدخلهم الشرك: محله ما دام النور المحمدي في الذكر، وفي الأنثى، فإذا انتقل منه لمن بعده أمكن أن يعبد غير الله، وآزر ما عبد الأصنام، إلا بعد انتقال النور منه لإبراهيم، وأما قبل انتقاله؛ فلم يعبد غير الله.
الإعراب: {وَتَوَكَّلْ:} الواو: حرف عطف، وقرئ بالفاء. (توكل): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» ، والجملة الفعلية معطوفة بالواو على جملة: (أنذر
…
) إلخ لا محل لها مثلها، وعلى قراءة الفاء، فهي معطوفة على جملة: (قل
…
) إلخ وهي متضمنة معنى البدلية منها. {عَلَى الْعَزِيزِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {الرَّحِيمِ:} بدل من العزيز. {الَّذِي:} اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة {الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ،} أو في محل جر بدل منهما، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير:
هو الذي، أو هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني، أو أمدح، ونحوهما. {يَراكَ:}
فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى {الَّذِي} وهو العائد، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول
لا محل لها. {حِينَ:} ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. {تَقُومُ:} فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنت» ، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {حِينَ} إليها. {وَتَقَلُّبَكَ:}
الواو: حرف عطف. (تقلبك): معطوف على الكاف، هذا هو الظاهر، وأرى: أنه منصوب بفعل محذوف، تقديره: ورأى (تقلبك) ولا سيما على الوجه الأخير في الشرح، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. {فِي السّاجِدِينَ:} جار ومجرور متعلقان بالمصدر (تقلبك). {إِنَّهُ:} حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها.
{هُوَ:} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: {هُوَ} توكيد لاسم (إنّ) على المحل. وثانيها: {هُوَ} ضمير فصل لا محل له، وعليهما فخبر (إنّ) هو {السَّمِيعُ}. وثالثها: هو مبتدأ، و {السَّمِيعُ} خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية:{إِنَّهُ هُوَ..} . إلخ تعليل لما قبلها، لا محل لها. {الْعَلِيمُ:} بدل مما قبله.
الشرح: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ} أي: أخبركم أيها المشركون. {عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ:} هذا جواب لقولهم: ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم شيطان يعلمه، ويلقي إليه ما يقوله. ثم بين على من تنزل الشياطين حيث قال جل ذكره:{تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفّاكٍ} أي: كذاب كثير الإفك. {أَثِيمٍ:} مرتكب للآثام، وهم الكهنة، والمتنبئة، مثل: سطيح، وطليحة بن خويلد الأسدي، ومسيلمة الكذاب، أما محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنه يشتم الأفاكين، ويذمهم، وينهى عن مجالستهم، وعن الأخذ منهم، فكيف تنزل الشياطين عليه؟
{يُلْقُونَ السَّمْعَ} أي: ما يسمعونه من الملائكة يلقونه إلى الكهنة، فعن ابن عباس-رضي الله عنهما-قال: كانت الشياطين لا يحجبون عن السموات، وكانوا يدخلونها، ويأتون بأخبارها إلى الكهنة، فيلقونها إليهم، فلما ولد عيسى عليه السلام؛ منعوا من ثلاث سموات، فلما ولد محمد صلى الله عليه وسلم؛ منعوا من السموات أجمع، فما منهم من أحد يريد أن يسترق السمع إلا رمي بشهاب، فلمّا منعوا من تلك المقاعد؛ ذكروا ذلك لإبليس، فقال: لقد حدث في الأرض حدث، فبعثهم ينظرون، فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن، فقالوا: هذا؛ والله حدث!.
وعن أبي هريرة-رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزّع عن قلوبهم؛ قالوا: ماذا قال ربّكم؟ قالوا: للذّي قال الحقّ، وهو العليّ الكبير، فيسمعها مسترقو السّمع، ومسترقو السّمع هكذا بعضهم فوق بعض-ووصف سفيان بكفّه، فحدّقها، وبدّد بين أصابعه-فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثمّ يلقيها الآخر إلى من تحته، حتّى يلقيها على لسان السّاحر، أو الكاهن، فربّما أدركه
الشّهاب قبل أن يلقيها، وربّما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مئة كذبة، فيقال له: أليس قد قال لنا: كذا، وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السّماء». أخرجه البخاري.
{وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ:} فيما يوحون به إليهم؛ لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا، وأكثر الأفاكين كاذبون يفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم، والأفاك: هو الذي يكثر الإفك، وانظر شرح (يأفكون) في الآية رقم [45].
الإعراب: {هَلْ:} حرف استفهام. {أُنَبِّئُكُمْ:} فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنا» ، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. {عَلى:} حرف جر {مَنْ:}
اسم استفهام مبني على السكون في محل جر ب: «على» ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل بعدهما، والجملة الفعلية:{عَلى مَنْ..} . إلخ في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني، والثالث، إن جعل {أُنَبِّئُكُمْ} متعديا لثلاثة، ومسد الثاني فقط، إن جعل متعديا لاثنين، وقد علق الفعل {أُنَبِّئُكُمْ} عن العمل لفظا بالمفعول الثاني، أو بالمفعول الثاني، والثالث بسبب الاستفهام، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {تَنَزَّلُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى {الشَّياطِينُ،} تقديره: «هي» ، وقد حذفت التاء منه، ومن سابقه؛ لأن أصلها:«تتنزل» ، والجملة الفعلية هذه بدل من سابقتها على مثال ما رأيت في الآية رقم [133] والثانية هنا أوضح من الأولى لأنها فصلت معنى {مَنْ} الاستفهامية وبينتها، مثل الآية [133]. {عَلى كُلِّ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و {كُلِّ} مضاف، و {أَفّاكٍ:} مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف. {أَثِيمٍ:} صفة ثانية للموصوف المحذوف.
{يُلْقُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. {السَّمْعَ:} مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل تنزل المستتر العائد إلى الشياطين، أو هي مستأنفة، لا محل لها. {وَأَكْثَرُهُمْ:} الواو: واو الحال. (أكثرهم):
مبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {كاذِبُونَ:} خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.
الشرح: {وَالشُّعَراءُ:} جمع شاعر، والأصل في:«فعلاء» أن يكون جمع: «فعيل» مثل:
ظريف، وظرفاء، وشريف، وشرفاء؛ لأن فعيلا إنما يقع لمن قد كمل ما هو فيه، فلما كان
«شاعر» إنما يقال لمن عرف بالشعر؛ شبه بفعيل، ودخلته ألف التأنيث الممدودة لتأنيث الجماعة، كما تدخل الهاء في: صياقلة، وزنادقة. وقال الأخفش: الشاعر مثل: لابن، وتامر، أي: صاحب شعر، وقد سمي الشاعر شاعرا لفطنته، وهو الفقية أيضا، والشاعر مأخوذ من قولهم: ما شعرت بهذا الأمر، أي: ما فطنت له، وقوله تعالى في كثير من الآيات في حق الكافرين والمنافقين والفاسقين:{وَما يَشْعُرُونَ} أي لا يفطنون، ولا يتدبرون ما يقع بهم من الخزي، والوبال، والنكال في الدنيا، والآخرة.
{يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ:} قال أهل التفسير: أراد الله بهذه الآية شعراء الكفار الذين كانوا يهجون النبي صلى الله عليه وسلم مثل عبد الله بن الزّبعرى، وأبو عزة الجمحي، وأضرابهما، ويجتمع إليهم سفهاء قومهم يسمعون أشعارهم حين يهجون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكانوا يروون عنهم قولهم، فذلك قوله تعالى:{يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ} أي: فهم الرواة الذين يروون هجاء المسلمين. وفي رواية: أن رجلين: أحدهما من الأنصار، والثاني من المهاجرين تهاجيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع كل واحد غواة قومه، وهم: السفهاء. والمعتمد الأول.
{أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ} أي: ألم تنظر إليهم أنهم في كل واد من أودية الشعر يتحيّرون ويتردّدون، وعن طريق الحق يحيدون، ويخرجون. وهذا من باب الاستعارة البليغة، والتمثيل الرائع، شبه جولانهم في أفانين القول بطريق المدح والذم، والتشبب، وأنواع الشعر بهيام الهائم في كل وجه وطريق، والهائم هو الذي يخبط في طريقه، ولا يقصد موضعا معينا، يقال: هام على وجهه، أي: ذهب، والهائم: العاشق من ذلك، والهيمان: العطشان، والهيام: داء يأخذ الإبل من العطش. وجمل أهيم، وناقة هيماء، والجمع: هيم قال تعالى: {فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ} وذلك في سورة (الواقعة). انتهى جمل نقلا عن السمين. وينبغي أن تعلم: أنه لا يوجد لفظ: {يَهِيمُونَ} في غير هذه السورة، فهو لفظ مفرد لا ثاني له. هذا؛ وأودية الشعر:
أنواعه، وأغراضه، وفنونه من تشبب في النساء، والتغزل بحسنهن، وجمالهن، وتمزيق الأعراض، والقدح في الأنساب، والوعد الكاذب، والافتخار بالباطل، ومدح من لا يستحق المدح، وذم من لا يستحق الذم، حتى إنهم ليفضلون أجبن الناس على عنترة، وأبخلهم على حاتم، وأفسقهم على أتقى الناس، وإلى هؤلاء يتوجه الوعيد الشديد من النبي صلى الله عليه وسلم، وخذ ما يلي:
فعن أبي هريرة-رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتّى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا» . ومعنى «يريه» : يقذفه بسبب شدة الامتلاء. خرّج الحديث مسلم، رحمه الله تعالى. وعن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه-قال: بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ عرض شاعر ينشد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«خذوا الشّيطان-أو-أمسكوا الشّيطان؛ لأن يمتلئ جوف رجل قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا» . أخرجه مسلم وغيره.
قال العلماء: إنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا مع هذا الشاعر لما علم من حاله، فلعلّ هذا الشاعر كان ممن قد عرف من حاله أنه اتخذ الشعر طريقا للتكسب، فيفرط في المدح إذا أعطي، وفي الهجو، والذم إذا منع، فيؤذي الناس في أموالهم، وأعراضهم، فهذا حكم الشعر المذموم، وحكم صاحبه، فلا يحل سماعه، ولا إنشاده في مسجد، وغيره.
هذا؛ ويجدر بي أن أقول إن هناك شعرا لا يمنع الإنسان من إنشاده، ولا من سماعه، وهو كثير منه ما تضمن ذكر الله، وحمده، والثناء عليه، أو ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أو مدحه، وقد مدحه عمّه العباس-رضي الله عنه-فقال له:«لا يفضض الله فاك» . وكان يحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يسمع ما قاله فيه عمه أبو طالب من قصائد، وأشعار، أو تضمن الشعر دفاعا، وذبّا عنه صلى الله عليه وسلم وعن الإسلام، وما قاله حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك-رضي الله عنهم-من قصائد في هذا الباب كثير، ومشهور، ومحفوظ، وقد أنشد كعب بن زهير-رضي الله عنه-النبي صلى الله عليه وسلم قصيدته المشهورة:(بانت سعاد) فلم ينكر عليه، بل سمعها كلّها منه.
وكثيرا ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث حسان، وعبد الله بن رواحة، وغيرهما على هجاء المشركين، فعن البراء بن عازب-رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم قريظة لحسان:
«اهج المشركين؛ فإنّ جبريل معك» . متفق عليه. وعن عائشة-رضي الله عنها-قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع لحسان منبرا في المسجد، يقوم عليه قائما يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينافح، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إنّ الله يؤيّد حسّان بروح القدس ما نافح، أو فاخر عن رسول الله» . أخرجه البخاري.
وعن عائشة-رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اهجوا قريشا، فإنّه أشدّ عليها من رشق بالنّبل» . فأرسل إلى ابن رواحة، فقال:«اهجهم» . فهجاهم، فلم يرض، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه، قال حسان:«قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضّارب بذنبه» ثم أدلع لسانه، فجعل يحركه، فقال: والذي بعثك بالحق لأفرينّهم بلساني فري الأديم. أخرجه مسلم، والفري: الشق. والأديم: الجلد.
وروى الترمذي، وصححه عن ابن عباس-رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد الله بن رواحة يمشي بين يديه، ويقول-رضي الله عنه:[الرجز]
خلّوا بني الكفّار عن سبيله
…
اليوم نضربكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله
…
ويذهل الخليل عن خليله
فقال له عمر-رضي الله عنه: يا بن رواجة في حرم الله، وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:«خلّ عنه يا عمر! فلهو أسرع فيهم من نضح النّبل» . وانظر ما ذكرته عن عمر رضي الله عنه-في الآية رقم [12].
وأخرج ابن عساكر عن الهيثم بن عدي؛ قال: ذكروا: أن عبد الله بن رواحة-رضي الله عنه ابتاع جارية، وكتم ذلك امرأته، وقد بلغها، فقالت له ذات يوم-وبلغها: أنه كان عندها-: إنه بلغني عنك أنك ابتعت جارية، فقال لها: ما فعلت! قالت: بلى! وبلغني أنك كنت عندها اليوم، ولا أحسبك إلا جنبا، فإن كنت صادقا، فاقرأ آيات من القرآن، فقال:[الوافر]
شهدت بأنّ وعد الله حقّ
…
وأنّ النار مثوى الكافرينا
فقالت: زدني آية أخرى، فقال:[الوافر]
وأنّ العرش فوق الماء طاف
…
وفوق العرش ربّ العالمينا
فقالت: زدني آية أخرى، فقال:[الوافر]
وتحمله ملائكة كرام
…
ملائكة الإله مقرّبينا
فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فضحك؛ حتى ردّ يده إلى فيه، وقال:«هذا من معاريض الكلام، يغفر الله لك يا بن رواحة! إن خياركم خيركم لنسائه؛ فأخبرني ما الذي ردت عليك حيث قلت ما قلت؟» . قال: قالت لي: أما إذ قرأت القرآن فإني أتهم ظني، وأصدقك، فقال صلى الله عليه وسلم:«لقد وجدتها ذات فقه في الدين» . انتهى. سيوطي.
{وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ} أي: يكذبون في قولهم، فيدلون بكلام على الخير، والكرم، وغير ذلك، ولا يفعلونه، ويذمون البخل، وغيره من الصفات الذميمة، ويصرون عليه، ويفرطون في القول، بما لم يفعلوه، رغبة منهم في تسلية النفس، وتحسين الكلام كما روي: أن الفرزدق أنشد سليمان بن عبد الملك قوله: [الوافر]
خرجن إليّ لم يطمثن قبلي
…
وهنّ أصحّ من بيض النّعام
فبتن بجانبيّ مصرّعات
…
وبتّ أفضّ أغلاق الختام
فقال له سليمان: قد وجب عليك الحد، فقال: يا أمير المؤمنين! قد درأ الله عني الحد بقوله: {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ} . فيريد سليمان: أنّ قوله هذا اعتراف منه بالزنى، فأجابه بهذا الكلام البليغ، والجواب المسكت.
الإعراب: {وَالشُّعَراءُ:} الواو: حرف استئناف. (الشعراء): مبتدأ. {يَتَّبِعُهُمُ:} فعل مضارع، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. {الْغاوُونَ:} فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل رفع خبر مبتدأ، والجملة الاسمية:{وَالشُّعَراءُ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
{أَلَمْ:} الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. {تَرَ:} فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره:«أنت» . {أَنَّهُمْ:} حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها، والميم حرف دال على جماعة الذكور. {فِي كُلِّ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، و {كُلِّ} مضاف، و {وادٍ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. {يَهِيمُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر:(أنّ). هذا؛ ويجوز أن يكون الجار والمجرور {فِي كُلِّ وادٍ} متعلقين بمحذوف في محل رفع خبر (أن)، وجملة:{يَهِيمُونَ} في محل نصب حال من الضمير في الخبر المحذوف، كما يجوز أن تكون الجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان ل:(أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول، أو مفعولي (تر)، وجملة:{أَلَمْ تَرَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. وقيل: مفسرة، ولا معنى للتفسير. {وَأَنَّهُمْ:} الواو: حرف عطف. {أَنَّهُمْ:} حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، {يَقُولُونَ:} فعل مضارع مرفوع
…
إلخ، والواو فاعله. {ما:} اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. {لا:} نافية. {يَفْعَلُونَ:} فعل مضارع مرفوع
…
إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة {ما،} أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يقولون: الذي، أو شيئا لا يفعلونه، وجملة:{يَقُولُونَ..} . إلخ في محل رفع خبر: (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر معطوف على المصدر المؤول السابق، فهو في محل نصب مثله.
الشرح: في هذه الآية الكريمة استثنى الله من الشعراء المذمومين شعراء المؤمنين، أمثال حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وكعب بن زهير-رضي الله عنهم، ومن كان على طريقتهم من القول الحق، من إكثار ذكر الله في أشعارهم، والثناء عليه تعالى، وعلى نبيه صلى الله عليه وسلم، والحث على طاعة الله، وطاعة رسوله، وكذلك الرد على المشركين وهجوهم كما رأيت في الآيات السابقة.
يروى: أنه لما نزلت {وَالشُّعَراءُ..} . إلخ جاء حسان، وابن رواحة، وكعب بن مالك رضي الله عنهم-يبكون إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا نبي الله! أنزل الله هذه الآية؛ وهو تعالى يعلم: أنا شعراء، فقال:«اقرؤوا ما بعدها» : {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا..} . إلخ وقال صلى الله عليه وسلم: «انتصروا،
ولا تقولوا إلا حقّا، ولا تذكروا الآباء، والأمّهات». وقال عليه الصلاة والسلام:«إنّ المؤمن يجاهد بنفسه، وسيفه، ولسانه، والذي نفسي بيده، لكأنّ ما ترمونهم به نضح النّبل» . ولذا انبرى حسان-رضي الله عنه-يرد على أبي سفيان فخذ من قوله ما يلي: [الوافر]
هجوت محمّدا فأجبت عنه
…
وعند الله في ذاك الجزاء
وإنّ أبي ووالدتي وعرضي
…
لعرض محمّد منكم وقاء
أتشتمه ولست له بكفء
…
فشرّكما لخير كما الفداء
لساني صارم لا عيب فيه
…
وبحري لا تكدّره الدّلاء
وقال كعب بن مالك-رضي الله عنه-من قصيدة: [الكامل]
جاءت سخينة كي تغالب ربّها
…
وليغلبنّ مغالب الغلاّب
فقال النبي صلى الله عليه وسلم «لقد مدحك الله يا كعب في قولك هذا» . والسخينة: طعام حار، يتخذ من دقيق، وسمن، أغلظ من الحساء، وأرق من العصيدة، وكانت قريش تكثر من أكلها، فعيّرت بها حتى سموا سخينة. وخذ ما يلي:
فعن أبي بن كعب-رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:«إنّ من الشّعر لحكمة» . رواه البخاري. وعن ابن عباس-رضي الله عنهما، قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل يتكلم بكلام، فقال:«إنّ من البيان سحرا، وإنّ من الشّعر حكما» . أخرجه أبو داود.
هذا؛ وفي قوله تعالى: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ..} . إلخ تهديد، ووعيد لمن انتصر بظلم؛ أي: سيعلم الظالمون كيف يخلصون من بين يدي الله تعالى، فالظالم ينتظر العقاب، والمظلوم ينتظر النصرة من ربه. والمعنى: سيعلمون أيّ مصير يصيرون إليه، وأيّ مرجع يرجعون إليه؛ لأن مصيرهم إلى النار، وهو أقبح مصير، ومرجعهم إلى العقاب، وهو شر مرجع، والفرق بين المنقلب، والمرجع: أن المنقلب: الانتقال إلى ضد ما هو فيه، والمرجع: العود من حال هو فيها إلى حال كان عليها، فصار كل مرجع منقلبا، وليس كل منقلب مرجعا، والله أعلم. ذكره المارودي.
هذا؛ وقرأ ابن عباس-رضي الله عنهما «(أيّ منفلت ينفلتون)» بالفاء، والتاء، ومعناهما واحد. انتهى. قرطبي، وقال البيضاوي: والمعنى: أن الظالمين يطمعون أن ينفلتوا من عذاب الله، وسيعلمون: أن ليس لهم وجه من وجوه الانفلات.
الإعراب: {إِلاَّ:} أداة استثناء. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء من (الشعراء). {آمَنُوا:} فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.
(عملوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق. {الصّالِحاتِ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه
الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وكذلك جملة:{وَذَكَرُوا اللهَ:} معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. {كَثِيراً:} صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: ذكرا كثيرا، وقيل: صفة زمان محذوف، أي: وقتا كثيرا، وليس بشيء، وبعضهم يعربه نائب مفعول مطلق، وجملة:{وَانْتَصَرُوا..} . إلخ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. {مِنْ بَعْدِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {ما:} مصدرية.
{ظُلِمُوا:} فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، و (ما) المصدرية، والفعل:{ظُلِمُوا} في تأويل مصدر في محل جر بإضافة {بَعْدِ} إليه.
{وَسَيَعْلَمُ:} الواو: حرف استئناف. السين: حرف استقبال، (يعلم): فعل مضارع معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة:{ظُلِمُوا} مع المفعول المحذوف صلة الموصول. {أَيَّ:} اسم استفهام مفعول مطلق، أو نائب مفعول مطلق لإضافته للمصدر الميمي، عامله ما بعده، وهو واجب التقديم؛ لأنه اسم استفهام، والاستفهام له الصدر، و {أَيَّ} مضاف، و {مُنْقَلَبٍ} مضاف إليه. {يَنْقَلِبُونَ:} فعل مضارع مرفوع
…
إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية:«ينقلبون أي منقلب» في محل نصب سدت مسد مفعول (يعلم)، أو مسد مفعوليه إن كان متعديا لاثنين، وجملة:{وَسَيَعْلَمُ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.
انتهت سورة الشعراء شرحا وإعرابا، بحمد الله، وتوفيقه.
والحمد لله رب العالمين.