الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذه أمثلة من شهادات بعض العلماء الذين اتّصلوا به وقيدوا عنه، والذين رووا طرفاً من سيرته العلمية، وَهِي تدلّ على ما بلغه قَدْرُهُ، وما انتهت إليه شهرتُهُ في العلم والتدريس والإجازة، فقد كان مقصد الدارسين من كل فج، وحديث العلماء في المشرق والمغرب، الذين تناقلوا أخباره وتداولوا كتبه يفيدون منها ويتدارسونها ويفزعون إليها في مواطن الاختلاف وتحرير المسائل، وحسبه أن يَسْتخلفه شيخه أبو علي الشلوبين على كرسيه في الجامع الأعظم بإشبيلية ليقوم بدرسه من بعده، فقام به خير قيام وأدّى أداءهُ في توجيه المسائل الدقيقة، باستقصاء أطرافها واستجلاء غوامضها، مِماَّ أعلى قدره يومئذٍ بين الدارسين فاشرأبت إليه الأعناق، وتزاحمت في حلقة دروسه مناكب طلاب العلم على مختلف مراحلهم ودرجاتهم، وحسبه أن كان من آخر المقرئين لكتاب سيبويه العارفين بغوامضه الفاتحين مغاليقه المقربين ما تناء من مسائله، العالمين بعويصه ومشكله، وقد أُعين على ذلك بالانقطاع إلى العلم ومباعدة أهل الدنيا وقلة الصوارف والعيال1.
1 صلة الصلة 83.
المبحث الخامس:
وفاة ابن أبي الربيع وآثاره
أ- وفاته: كان ابن أبي الربيع مِمّنْ نسأ الله له في الأجل وبارك له في حسن العمل، فقد أمضى سِنيّ حياته- التي قاربت التسعين عاماً في محراب العلم، طالباً يتلقىّ وعالماً يعطى ثمار ما حَصَّلَه من العلم لطلاب العلم والدّارسين علماً منظماً ورواية مُسنَدةً، وإجازةً باقيةً، وكان آخر عمل أراد أنْ يَطْوي به رحلته الطويلة في الدرس والتأليف، ويختم به نشاطه العلمي هو تفسير الكتاب العزيز وإعرابه، فقد شرع في إملاء ما أَعدَّهُ في آخر أيامه من تفسير وإعرابِ وقراءاتٍ على القرآن الكريم، وفيما كان يتوجه هذا العمل بين يديه أتاه اليقين صبيحةَ يوم الجمعة السّادس عشر من شهر صفر من سنة 688 هـ.
ب- آثاره: يكاد نشاط ابن أبي الربيع في التأليف، وما أعدَّه من شروحاتٍ على بعض كتب المتقدمين، وتقييدات ينحصر في مجال النحو والصرف وما يتصلُ بهما، أمّا في مجال التدريس فقد امتدّت دروسه إلى العلوم العقلية والنقلية فكان له دروس في القراءات، وفي الحديث ورجاله، والفقه وأصوله، وفي التفسير، والفرائض، وغيرها. ولكن دروسه في النحو والصرف كانت تستأثر باهتمام أكبر منه، لأنَّ هذا الميدان كان ميدان تخصصه، فقد حققّ العلم بهذا الفن وأحاط بشوارده، لذلك كان نشاطه في التأليف والشروح منحصراً فيهما، ولا يبعد أن تكون له آثار في بعض الفنون التي أفسح لها في حلقات دروسه، وأعطى فيها إجازة باقية ورواية متصلة لأنَّ المصادر التي بين أيدينا، وكتب البرامج الموجودة لا تنفي أن يكون له نشاط علمي في غير النحو والصرف ولكنها غير صريحة في ما تعزو إليه فيما عدا الرواية وإجازتهُ لبعض العلوم، فيْبقى البحث مع ما ذكر له من الآثار الباقية والمفقودة، المطبوعة والمخطوطة، وقدْ سبق لنا دراسة هذه الآَثار في السفر الأوَّل من كتابه الملخَّص في ضبط قوانين العربية بما يغني عن الإِعادة والتكرار لما تطرّق إليه البحث هناك، وإنما نُشير في البحث هنا إشارة موجوزة إلى هذه الآثار، ونتوجه بالدراسة لكتابه (تفسير الكتاب العزيز وإعرابه) موضوع هذه الدراسة، وبخاصة ما يتعلق بالقضايا النحوية والصرفية في السفر الموجود من هذا الكتاب. والسمة الغالبة على ابن أبي الربيع في أعماله وآثاره الموجودة أو المفقودة هي الشرح والتقييد على كتب المتقدمين التي كانت تقرأ عليه في حلقة دروسه، ولذا تعددت شروحاته عليها، حسب ما يقتضيه حال الدارسين في الإِيجاز والبيان والتفصيل، ونعرض هنا لآثار ابن أبي الربيع وفق ما أوردته المصادر التي وقفنا عليها:
كتاب البسيط:
وهو شرحٌ على كتاب الجمل للزجاجي، وله على هذا الكتاب عِدّة شروحات فيها المختصر والمبسوط، وقد أورده بهذا الاسم غير واحد من علماء عصره وممّن جاء من بعده، قال تلميذه القاسم بن يوسف التجيبي في برنامجه: (وله على كتاب الجمل
المذكور عدة شروحات أعظمها الكتاب الموسوم بالبسيط، وَهُو في عدّة مُجلّدات ظَهَرَ فِيهِ حفظُهُ وتبريزه.
ويبدو أنه شرع في هذا الشّرح وهو في مدينة إشبيلية، وأتّمهُ في مدينة سبته، هذا ما توصل إليه مُحقّق الكتاب الزميل الدكتور عياد الثبيتي لقول ابن أبي الربيع في مقدمة الكتاب: (..وكان الذّي أعانني على إكماله وتتميمه الذّي اتفق الأنام على فضله وتقديمه، فخر الزّمان المذكور بكل مكان، المشكور على كلّ لسان، الّذي عَمّت فضائله، وانتشرت في الورى فواضله.. الفقيه الأوحد، الأسنى الأفضل أبو القاسم محمد ابن الإمام العلامة المحدث الراوية أبو العباس أحمد
…
) .
وأبو القاسم هذا هو أمير سبتة وطنجة إبّان قدوم ابن أبي الربيع إليها، ولا يبعدُ ما ذُكِر في زمن تأليف هذا الشرح عن الصواب، فإن الفترة التي أمضاها ابن أبي الربيع في مدينة إشبيلية أكثر من الفترة التي قضاها في مدينة سبتة، والمظنون أنّ حياته في مجال التدريس في مدينة إشبيلية لا تقل عن خمس وعشرين سنة، وهي فترة حافلة بالحيوية وحسن الأداء في الدرس والتأليف والشرح والتقييد.
يُوجدُ من هذا الكتاب السفر الأول يبدأ بالكلام على قول الزجاجي: (أقسام الكلام ثلاثة)(1) وينتهي بالكلام على قول الزجاجي في الصفة المشبهة (والوجه الحاد عشر أجازه سيبويه، وهو قولك: مررت برجلٍ حسنٍ وجههِ 00)(2) . (وقد قام بتحقيقه ونال به درجة الدكتوراه الزميل عياد الثبتي وهو مطبوع في دار العرب الإسلامي في مجلدين) .
الشرح الأوسط على كتاب الجمل:
أورده التجيبي في برنامجه (3) ويوجد الجزء الأول منه في المغرب بخزانة ابن يوسف بمراكش، تحت الرقم (100) كتب سنة 724 هـ بخط أندلسي، واسم الناسخ محمد بن أحمد بن مخلوف، وعليها تملك باسم إبراهيم الرشيد بن عبد الله بن محمد (4) .
(1) البسيط 1/157. (2) البسيط 2/1099- 11 10.
(3)
برنامج التجيبى 280. (4) ينظر البسيط 1/ 70.
كتاب الكافي في الإِفصاح عن مسائل كتاب الإيضاح (1) :
هذا هو عنوان الكتاب وفق ما أثبته ابن أبي الربيع في المقدمة التي استهل العمل بها في هذا الشرح، وسمَّاه القاسم بن يوسف التجيبي في برنامجه الكافي في الإفصاح عن نكت الإِيضاح (2) ، وفي بعض المصادر سُمِّيَ بالإفصاح (3) ، وربّما سُمّي شرح الإِيضاح في أكثر المصادر التي تورده أو تورد نقلاً عنه، والكتاب من أوسع الشروحات التي قدمت على كتاب الإيضاح وأفضلها في عَرْض المادة العلمية ومناقشتها وتَقصِيّ مسائل الخلاف، وتحرير القول فيه بالدليل وبالقياس.
وقد سبق لي حديث عنه فيما كتبته على الملخص في ضبط قوانين العربية (4) .
توجد لهذا الكتاب نسخ مفرقة في مكتبات وخزائن المغرب، وهي تكمل الكتاب بأجزائه الأربعة.
فيوجد منه الجزء الأول في خزائن القرويين تحت الرقم (513) ، وله نسخة ثانية في الخزائن الحمزية تحت الرقم (17) ، وله نسخة ثالثة في مكتبة الجامع الكبير بمكناس تحت الرقم (411) .
الجزء الثاني. توجد له نسختان: الأولى بالخزانة الملكية تحت الرقم (5298) ، والثانية بالزاوية الحمزية تحت الرقم (17) .
الجزء الثالث، توجد له نسخة نادرة بخط ابن آجروم. بفاس.
وله نسخة ثانية بالخزانة الحمزية تحت الرقم (41) ، وبها خرمٌ من أولها وآخرها.
الجزء الرابع، توجد له نسخة نادرة كتب بخط أحمد بن إبراهيم الغافقي تلميذ ابن أبي الربيع كتبت في شهر شوال سنة 658 هـ. توجد في صدر هذا الجزء إجازة لأبي مروان
(1) اللوحة 4 من الكافى السفر الأول.
(2)
برنامج التجيبى 287.
(3)
تاريخ الإِسلام للذهبى حوادث سنة 688هـ.
(4)
الملخص 1/51.
عبد الملك بن شعيب القشتالي بخط ابن أبي الربيع نفسه. والنسخة بالخزانة العامة بالمغرب تحت الرقم (379) .
وله نسخة ثانية بالخزانة الحمزية تحت الرقم (41) .
كتاب الملخص في ضبط القوانين العربية:
وله نسخُ في المغرب وأسبانيا ويقع في جزء ين، الأول خاص بالنحو، والثاني خاص بالصرف، وقد حقق الأول لدرجة علمية وطبع في عالم الكتب سنة 1405 هـ.
وحقق الثاني وطبع في الباكستان طباعة مشوهة تداخلت فيها نصوص الكتاب بالحواشي والتعليقات مما دعا إلى إيقاف توزيع الكتاب.
تقييد على كتاب سيبويه:
تذكره بعض المصادر بهذا العنوان (1) ، وبعض منها يذكر أنَّه تعليق على سيبويه (2) ، وبعض منها يورده بعنوان شرح سيبويه (3) ، ولعلّ القول بأنه تقييد على كتاب سيبويه هو الأقرب إلى الصحة من سائر العنوانان التي ذكرت، ولم يرد نقل عن هذا الكتاب في المصادر والكتب التي تورد أقوال ابن أبي الربيع، ممّا يدلّ على اختفاء هذا التقييد في فترة متقدمة من التاريخ قبل أن تتداوله أيدي النُّساخ والوراقين وربما يوجد تحت غير هذا العنوان من الشروح والتقييدات المجهولة المؤلف.
كان ماذا:
هذا كتاب ردّ به ابن أبي الرّبيع على مالك ابن المرحل لورود هذا التركيب في قول مَالِك هذا:
وإذا عشقت يكون ماذا، هل لّه
…
دين علىَّ فيفتدى ويروحُ
(1) ينظر الإحاطة 3/ 146.
(2)
ينظر تاريخ الإسلام للذهبي حوادث سنة 688 هـ.
(3)
بغية الوعاة 2/ 125.
فأنكر ابن أبي الربيع هذا التركيب بقوله: لحن هذا الناظم، لا يقال كان ماذا، ولا يكون ماذا، ولا أفعل ماذا، ولا يجوز ما كان على هذه الطريقة (1) .
وهذا الكتاب مفقود مع باقي آثار ابن أبي الربيع المفقودة ومن المحتمل يكون هذا الرد رسالة صغيرة الحجم لا كتاباً مبسوطاً.
الشرح الصّغير على كتاب الإِيضاح:
هذا الكتاب من آثار ابن أبي الربيع التي مازالت مفقودة، ولعلّ الله أن يظهره للباحثين والدّارسين، ويبدو أنه من كتبه التي لم يجر تداولها كثيراً بين العلماء بدليل عدم ذكره في أكثر الكتب التي أوردت كتب ابن أبي الربيع، كما لم يرد عنه نقل كما نقل عن غيره، ويكاد القاسم بن يوسف التجيبي ينفرد بذكره فقد أورده لا مقام الاستدراك على شيخه أبي الحسن بن أبي الربيع في عدّهِ عبد الله بن مسعود من العبادلة، وهو ليس منهم، ومما قاله التجيبي:
(وقد سها شيخنا الإمام أبو الحسن بن أبي الربيع- رحمه الله في ذلك فعدّه فيهم في شرحه الصغير لكتاب إيضاح الفارسي وفي غيره من تآلفه 00)(2) .
تفسير الكتاب العزيز وإعرابه:
وهو آخر أعمال ابن أبي الربيع العلمية، وخاتمة نشاطه العلمي في الدرس والمراجعة والتأليف، وسيفرد ببحث في هذه الدراسة إن شاء الله، يتناول توثيق نسبته والقدر الذي انتهى إليه فيه ابن أبي الربيع، ودراسة المسائل النحوية والصرفية في الجزء الموجود منه.
(1) النبوغ المغربي 64.
(2)
برنامج التجيبي 280.