المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

يسعه إلَاّ أن يبسط القول في هذا الموضوع مشيرًا إلى - تلبيس مردود في قضايا حية

[صالح بن حميد]

الفصل: يسعه إلَاّ أن يبسط القول في هذا الموضوع مشيرًا إلى

يسعه إلَاّ أن يبسط القول في هذا الموضوع مشيرًا إلى ما عند اليهوديَّة والنصرانيَّة والحضارة المعاصرة، ثمَّ نذكر ما في الإسلام، وإنَّ الإسلام قد تعرَّض في هذا لإفك كثير على حين نجا مجرمون عرقيون في الإجرام، لم تشر إليهم مع الأسف - أصابع الاتهام!

[الإسلام والرِّقُّ]

الإسلام والرِّقُّ يقرر الإسلام أنَّ الله عز وجل خلق الإنسان كامل المسئولية، وكلَّفه بالتكاليف الشرعيَّة، ورتب عليها الثواب والعقاب على أساس من إرادته واختياره، ولا يملك أحد من البشر تقييد هذه الإرادة أو سلب ذلك الاختيار بغير حقِّ، ومن اجترأ على ذلك، فهو ظالم جائر.

ص: 45

هذا مبدأ ظاهر من مبادئ الإسلام في هذا الباب، وحينما يثار التساؤل: كيف أباح الإسلام الرقَ؟ .

نقول بكلِّ قوَّة وبغير استحياء: إنَّ الرِّقَّ مباح في الإسلام، ولكن نظرة الإنصاف مع التجرُّد وقصد الحقِّ توجب النظر في دقائق أحكام الرِّق في الإسلام مِن حيثُ مصدره وأسبابُه، ثمَّ كيفية معاملة الرِّقِّ ومساواته في الحقوق والواجبات للحر، وطرق كسب الحرِّيَّة وكثرة أبوابها في الشريعة، وبخاصَّة إذا ما قورنت بغيرها، مع الأخذ بالاعتبار نوع الاسترقاق الجديد في هذا العالم المتدثِّر بدِثار الحضارة والعصريَّة والتقدُّميَّة، وسوف يلاحظ القارئ أنَّني سوف أستعين بكثير من نصوص القرآن الكريم وأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته في هذا

ص: 46

الموضوع؛ نظرًا لأهميَّة ذلك، والتأكيد على أنَّ الممارسات الخاطئة لا يجوز أن تحسب على الإسلام. وفي هذا الصدد نقول: إنَّ الإسلام يقف من الرقيق موقِفًا لم يقفْه غيره من الملل والنحل، ولو سارت الأمور على وجهها بمقتضى ذلك النهج، لما كانت تلك الإشكالات، وعلى رأسها استرقاق الأحرار عن طريق الخطف والغصب والاستيلاء بقوَّة أو بخدعة في القديم وفي الحديث، ممَّا استفحل معه الرِّقّ بطريقة شائنة ووجه قبيح، وما انتشر الرِّقُّ ذلك الانتشار الرهيب في قارات الدنيا إلَاّ عن طريق هذا الاختطاف، بل كان المصدر الأعظم كما أوربَّا وأمريكا في القرون الأخيرة.

والإسلام يقف بنصوصه من هذا موقِفًا حازمًا حاسمًا، جاء في حديث قدسيٍّ: «ثلاثة أنا

ص: 47

خصمهم يومَ القيامة، ومَن كنتُ خصمَه خصمْتُه، رجل أعطى بي ثمَّ غدر، ورجل باع حُرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه العمل ولم يعطه أجره» أخرجه البخاري.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاةً: مَن تقدَّم قومًا وهم له كارهون، ورجل أتى الصلاة دبارًا - بمعنى بعد خروج وقتها -، ورجل اعتبد محرَّرًا» رواه أبو داود وابن ماجه، كلاهما من رواية عبد الرحمن بن زياد الإفريقيّ.

ومن الطريف أنَّك لا تجد في نصوص القرآن والسنَّة نصًّا يأمر بالاسترقاق، بينما تحفل آيات القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم بالمئات من النصوص الداعية إلى العتق والتحرير.

كانت مصادر الرِّقَ ومنابعه كثيرة عند ظهور

ص: 48

الإسلام، بينما طرق التحرُّر ووسائله تكاد تكون معدومةً، فقلب الإسلام في تشريعاته النظرة، فأكثر من مصارف الحرِّيَّة والتحرّر وسدِّ مسالك الاسترقاق، ووضع من الوصايا ما يسدُّ تلك المسالك.

ولقد كان الأسر في الحروب من أظهر مظاهر الاسترقاق، وكلُّ حرب لا بدَّ فيها من أسرى، وكان العرف السائد يومئذٍ أنَّ الأسرى لا حرمةَ لهم ولا حقَّ، وهم بين أمرين، إمَّا القتل وإمَّا الرقّ.

ولكنَّ الإسلام حث على طريق ثالث من حسن معاملة الأسير وفكِّ أسره.

في القرآن الكريم: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا - إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: 8 - 9] الإنسان: 8 - 9

ص: 49

والآية في رقَّتها وحثِّها لا تحتاج إلى تعليق، ونبيُّ الإسلام عليه السلام في ميدان مكارم الأخلاق يقول:«عودوا المريض، وأَطعِموا الجائع، وفُكُّوا العاني» رواه البخاري.

وفي أوَّل مواجهة بين المسلمين وأعدائهم في معركة بدر انتصر فيها المسلمون، ووقع فيها أسرى من كبراء العرب، لقد سقطوا في الأسر كما يسقط الكبراء والأشراف في معارك الدول الكبرى من القياصرة والأكاسرة، لو عوقبوا بعقاب شديد لكانوا له مستحقِّين، فقد آذوا المسلمين أشدَّ الإيذاء في أوَّل قيام الدعوة الإسلاميَّة، غيرَ أنَّ القرآن الكريم يوجِّه النبيَّ صلى الله عليه وسلم وصحبه بقوله:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 70 - 71] الأنفال: 70 - 71.

ص: 50

لقد كان هؤلاء الأسرى قبل هذه المعركة ومن أوَّل عهد البعثة يوقعون المظالم الفاجعة بجمهور المسلمين، يريدون إفناءهم أو احتلالهم، فهل يا تُرى من حسن السياسة أن يطلق سراح الأسرى فورًا؟ ؟ .

معلوم أنَّ هذا يتعلَّق بمصالح الدولة العامَّة العليا، ولهذا تجد أنَّ المسلمين في بدر (1) قبلوا الفداء، وفي الفتح قيل لأهل مكَّة:«اذهبوا فأنتم الطلقاء» ، وفي غزوة بني المصطلق تزوَّج الرسول أسيرةً من الحيِّ المغلوب ليرفع مكانتها، كما كانت ابنة أحد زعمائه، فما كان من المسلمين إلَاّ أن أطلقوا

(1) قرية قرب المدينة.

ص: 51

سراح جميع هؤلاء الأسرى.

ومن هذا تدرك الصور المحدودة وِالمسالك الضيِّقة التي يلجأ الإسلام إليها في الرِّق، وهو لم يلغِه بالكلِّيَّة، لأنَّ هذا الأسير الكافر المناوئ للحقَ والعدل كان ظالمًا أو معينًا على ظلم أو أداة في تنفيذه أو إقراره كانت حرِّيَّته فرصةً لفشوِّ الطغيان والاستعلاء على الآخرين.

ومع كلِّ هذا فإنَّ فرصة استعادة الحرِّيَّة لهذا وأمثاله في الإسلام كثيرة وواسعة، كما أنَّ قواعد معاملة الرقيق في الإسلام تجمع بين العدالة والرحمة.

فمن وسائل التحرير: فرض نصيب الزكاة لتحرير العبيد وكفَّارات القتل الخطأ والظهار والأيمان والفطر في رمضان، إضافةً إلى مناشدة عامَّة في إثارة للعواطف من أجل العتق والتحرير؛

ص: 52

2 -

حفظ كرامتهم: روى أبو هريرة قال: قال أبو القاسم نبيُّ التوبة: «من قذف مملوكَه بريئًا ممَّا قال، أقيم عليه الحدُّ يوم القيامة، إلَاّ أن يكونَ كما قال» البخاري.

وأعتق ابن عمر مملوكًا له، ثمَّ أخذ من الأرض عودًا أو شيئًا فقال: ما لي فيه من الأجر ما يساوي هذا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«مَن لطم مملوكًا له أو ضربه، فكفَّارته عتقه» أبو داود ومسلم.

3 -

يتقّدَم العبد علي الحرِّ فيما يفضله من شئون الدِّين والدنيا: وقد صحَّت إمامته في الصلاة، وكان لعائشة أمِّ المؤمنين عبد يؤمُّها في الصلاة. . . بل لقد أمر المسلمون بالسمع والطاعة إذا ملك أمورهم عبد ما دام أكفأ من غيره.

ص: 54

إنَّ الحرِّيَّة حق أصيل للإنسان، ولا يُسلب امرؤ هذا الحقّ إلَاّ لعارض نزل به، والإسلام - عندما قبل الرِّقَّ في الحدود التي أوضحناها - فهو قيَّد على إنسان استغلَّ حرَيَّته أسوأ استغلال. . . فإذا سقط أسيرًا إثر حرب عدوان انهزم فيها، فإنَّ إمساكه مدَّةَ أسره تصرُّف سليم.

وإذا حدث لأمر ما أن استُرِقَّ ثمَّ ظهر أنَّه أقلع عن غيره، ونسي ماضيَه وأضحى إنسانًا بعيدَ الشرِّ قريبَ الخير، فهل يجاب إلى طلبه بإطلاق سراحه؟ .

الإسلام يرى إجابته إلى طلبه، ومن الفقهاء من يوجب ذلك، ومنهم مَن يستحبُّه؟ ؟ .

وقد أوصى النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالرقيق كثيرًا، فقد ثبت أنه لما وزع أسرى بدر على الصحابة قال لهم:

ص: 55

«استوصُوا بالأسرى خيرًا» .

وروي أنَّ عثمان بن عفَّان رضي الله عنه دَعَك أُذنَ عبدٍ له على ذنبٍ فعله، ثمَّ قال له بعد ذلك: تقدَّمْ ثمَّ اقرِصْ أُذني، فامتنع العبد، فألحَّ عليه، فبدأ يقرص بخفَّة، فقال له: اقرِصْ جيِّدًا، فإنِّي لا أتحمَّل عذابَ يومِ القيامة، فقال العبد: وكذلك يا سيِّدي، اليوم الذي تخشاه أنا أخشاه أيضًا.

وكان عبد الرحمن بن عوف إذا مشى بين عبيده لا يميِّزه أحد منهم؛ لأنَّه لا يتقدَّمهم ولا يلبس إلَاّ من لباسهم.

ومر عمر يوما بمكَّة فرأى العبيد وقوفًا لا يأكلون مع سادتهم، فغضب وقال لمواليهم: ما لقومٍ يستأثرون على خدَّامهم؟ ، ثمَّ دعا الخدَّام

ص: 56