الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مثال (1) : قال تعالى: (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم)
(1) . قرأ ابن عامر (زين) بضم الزاي، على ما لم يسم فاعله، و (قتل) بالرفع، على أنه مفعول لم يسم فاعله، و (أولادهم) بالنصب، وخفض همزة (شركاؤهم) شركائهم، فتكون قراءة الباقين بفتح الزاي والياء، ونصب لام قتل، وخفض دال أولادهم، ورفع همزة (شركاؤهم)(2) .
* التلحين:
ردّ هذه القراءة أبو زكريا الفراء (3) ، إلا أن ردّه لم يكن صريحًا، بل ذكر أنه لم يعرف جهتها. قال:(وفي بعض مصاحف أهل الشام (شركايهم) بالياء.
فإن تكن مثبتة عن الأولين فينبغي أن يقرأ (زين) ، وتكون (الشركاء) هم الأولاد، لأنهم منهم في النسب والميراث
…
فإن كانوا يقرؤون (زين) ، ولست أعرف جهتها، إلا أن يكونوا منها آخذين بلغة قوم يقولون:(أتيتها عشايا) ثم يقولون في تثنية الحمراء: (حمرايان) فهذا وجه أن يكونوا قالوا: زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم، وإن شئت جعلت زين إذا فتحته فعلاً لإبليس، ثم تخفض الشركاء باتباع الأولاد (4) .
قال مكي في الكشف: (وهذه القراءة فيها ضعف)(5) .
وقال نصر بن علي الشيرازي الفارسي النحوي (ت 565 هـ) : (بنى الفعل للمفعول، وأسنده إلى القتل، وأعمل القتل الذي هو مصدر الفعل، وأضافه إلى الشركاء، وهو فاعل، ونصب الأولاد، لأنه مفعول به، وفصل بالأولاد بين المضاف والمضاف إليه، والتقدير: زين لهم قتل شركائهم أولادهم، فقدم وأخر، وهو قبيح، قليل في الاستعمال)(6) .
(1) سورة الأنعام/ 137.
(2)
ينظر: السبعة / 270، والتيسير / 107، والكشف عن وجوه القراءات 1 / 453، والموضح في وجوه القراءات وعللها 1 / 505، والوافي في شرح الشاطبية / 268
(3)
معاني القرآن 1 / 357
(4)
معاني القرآن للفراء1 / 357 - 358.
(5)
الكشف 1 / 454
(6)
الموضح في وجوه القراءات وعللها 1 / 506
سبحان الله العظيم، كيف تكون قبيحة؟ وهي قراءة متواترة، رويت بالسند المتصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما الطبري فقد استقبح هذه القراءة أيضاً، فردها معتمداً في ذلك على القاعدة النحوية لدى البصريين، التي لا تجيز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول. يقول:(قرأ أهل الشام (وكذلك زين) بضم الزاي لكثير من المشركين (قتل) بالرفع، (أولادهم) بالنصب، (شركائهم) بالخفض، بمعنى: وكذلك زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم، ففرقوا بين الخافض والمخفوض
…
وذلك في كلام العرب قبيح غير فصيح (1) .
وأما الزمخشري فردها كذلك بقوله: (وأما قراءة ابن عامر (قتل أولادهم شركائهم) برفع القتل، ونصب الأولاد، وجر الشركاء، على إضافة القتل إلى الشركاء، والفصل بينهما بغير الظرف، فشيء لو كان في مكان الضرورات وهو الشعر، لكان سمجًا مردوداً (2) .
* الرد:
وممن صوب هذه القراءة: ابن مالك، وأبو حيان، وابن الجزري، والأشموني، والصبان، والسيوطي، والآلوسي، وغيرهم. وأكتفي بما قاله ابن مالك، وأبو حيان، وابن الجزري، قال ابن مالك في الكافية الشافية:
فصل مضاف شبه فعل ما نصب
…
مفعولاً أو ظرفاً أجز ولم يعب
فصل يمين واضطراراً وجدا
…
بأجنبي أو بنعت أو ندا (3) .
فقد أجاز ابن مالك أن يفصل بين المضاف والمضاف إليه بما نصبه المضاف، من مفعول أو ظرف أو ما يشبهه (4) ، خالف في ذلك المدرسة البصرية التي ينتمي إليها.
وممن دافع هذه القراءة أبو حيان الأندلسي النحوي، قال وهو يرد على الزمخشري:
(1) جامع البيان عن تأويل آي القران 8 / 31.
(2)
الكشاف 2 / 54.
(3)
ينظر: شرح ابن عقيل على الألفية 3 / 82.
(4)
ينظر: المصدر السابق 3 / 82.
(وأعجب لعجمي ضعيف في النحو (1) ، يرد على عربي صريح محض، قراءة متواترة، موجود نظيرها في لسان العرب، في غير ما بيت. . . وأعجب لسوء ظن الرجل بالقرّاء الأئمة، الذين تخيرتهم هذه الأمة، لنقل كتاب الله شرقاً وغرباً، وقد اعتمد المسلمون على نقلهم لضبطهم وفهمهم وديانتهم
…
وإذا كانوا قد فصلوا بين المضاف والمضاف إليه بالجملة في قول بعض العرب: هو غلام - إن شاء الله - أخيك. فالفصل بالمفرد أسهل) (2) .
وقد استدل أبو حيان في رده على الزمخشري بقول أبي الفتح: (إذا اتفق شيء من ذلك نظر في حال العربي، وما جاء به، فإذا كان فصيحاً، وكان ما أورده يقبله القياس، فالأولى أن يحسن الظن به، لأنه يمكن أن يكون ذلك وقع إليه من لغة قديمة، قد طال عهدها وعفا رسمها. ثم استدل بقول أبي عمرو بن العلاء المشهور: (ما انتهى إليكم مما قاله العرب إلا أقله، ولو جاءكم لجاءكم علم وافر وشعر كثير)(3) .
(1) ليس الزمخشري ضعيفاً في العربية، فهو إمام من أئمتها، إلا أنه جانب الصواب في رده لقراءة متواترة.
(2)
البحر المحيط 4 / 229.
(3)
البحر المحيط 4 / 229، وأثر القراءات القرآنية في الدراسات النحوية / 75 - 76.
أما ابن الجزري فقال: (قلت: والحق في غير ما قاله الزمخشري، ونعوذ بالله من قراءة القرآن بالرأي والتشهي. وهل يحل لمسلم بما يجد في الكتابة من غير نقل؟ بل الصواب جواز مثل الفصل، وهو الفصل بين المصدر وفاعله المضاف إليه بالمفعول في الفصيح الشائع الذائع اختياره. ولا يختص ذلك بضرورة الشعر. ويكفي في ذلك دليلاً هذه القراءة الصحيحة المشهورة، التي بلغت التواتر. كيف وقارئها ابن عامر من كبار التابعين، الذين أخذوا عن الصحابة، كعثمان بن عفان وأبي الدرداء رضي الله عنهما، وهو مع ذلك عربي صريح، من صميم العرب. فكلامه حجة، وقوله دليل على أنه كان قبل أن يوجد اللحن ويتكلم به، فكيف وقد قرأ بما تلقى وتلقن وروى وسمع ورأى
…
) (1) .
وهذه الأدلة كافية لأن يعتقد الباحث أن هذه القراءة ليست قبيحة كما قال بعضهم، ولا ضعيفة، بل هي أجدر بالتقدير من القاعدة النحوية المستحدثة. وقد تحقق نقلها بالتواتر، عن النبي صلى الله عليه وسلم. فهل القدسية للقراءة المتواترة؟ أم للقاعدة النحوية؟
فاللسان العربي اشتمل على كثير من الأساليب التي ورد فيها الفصل بين المتضايفين، بأشكال وأنواع شتى، في شعر الأعشى وعمرو بن كلثوم، وبجير بن زهير، ومعاوية بن أبي سفيان، وتأبط شراً، والفرزدق، وجرير، وأبي زيد الطائي، وأبي حية النميري، وذي الرمة. (2) .
وهذه القراءة قوية في النقل والمعنى.
أما النقل: فوردت شواهد كثيرة، منها قول الشاعر:
عتوا إذ أجبناهم إلى السلم رأفة
…
فسقناهم سوق البغاث الأجادل (3)
(1) النشر في القراءات العشر 2 / 263.
(2)
ينظر: نظرية النحو القرآني / 82.
(3)
وبعده: ومن يلغ أعقاب الأمور فإنه
…
جدير بهلك آجل أو معاجل
وهو من شواهد الأشموني، بشرحه على ألفية ابن مالك، رقم 497.
…
حيث فصل بين المضاف وهو (سوق)، والمضاف إليه وهو (الأجادل) . والأجادل: جمع أجدل، وهو طائر ضعيف، بقوله: البغاث. وقول الشاعر:
فزججتها بمزجة ز
…
جّ القلوص أبي مزادة (1)
حيث فصل بين المضاف (زج) ، والمضاف إليه (أبي مزادة) ، بالمفعول
(القلوص) . وجاء مثله قراءة بعض السلف (2)(فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله)(3)، حيث نصب (وعده) على أنها مفعول به للمصدر (مخلف) . وكقول الشاعر:
ما زال يوقن من يؤمك بالغنى
…
وسواك مانع فضله المحتاج (4)
ففصل بالمفعول (فضله) بين المضاف (مانع) ، والمضاف إليه (المحتاج) .
وأما المعنى، فمن أوجه:
1-
كون الفاصل فضلة، فإنه صالح لعدم الاعتداد به.
2-
أنه غير أجنبي، يعني: الفاصل، لأنه معمول للمضاف وهو المصدر.
(1) ينظر معاني القرآن للفراء 1 / 358، والخصائص 2 / 406، والحجة لأبي زرعة / 373، والفريد في إعراب القرآن الكريم للمنتجب الهمداني 3 / 177. وهو من شواه الأشموني بشرحه على ألفية ابن مالك برقم / 499.
(2)
هي قراءة ذكرها الزمخشري في الكشاف 2 / 530 وألمع عنها بالضعف، وذكها الهمداني في الفريد في إعراب القرآن المجيد 3 / 177، وذكرها الجمل في حاشيته على الجلالين 4 / 164. وقال: هي قراءة جماعة من القراء. وذكرها الأشموني في شرحه على الألفية 2 / 276.
…
(3)
سورة إبراهيم / 47
(4)
هو من شواهد الأشموني بشرحه على ألفية ابن مالك رقم 500