المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

السورة: المنزلة الرفيعة، الفضل والشرف، العلامة. فرضناها: اوجبنا العمل بها. - تيسير التفسير للقطان - جـ ٢

[إبراهيم القطان]

الفصل: السورة: المنزلة الرفيعة، الفضل والشرف، العلامة. فرضناها: اوجبنا العمل بها.

السورة: المنزلة الرفيعة، الفضل والشرف، العلامة. فرضناها: اوجبنا العمل بها. يرمون المحصنات: يقذفون العفيفات بالزنا.

{سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} .

هذه سورة أوحينا بها وأوجبنا أحكامَها، وأنزلنا فيها دلائلَ واضحةً على قدرة الله ووحدانيته، لعلّكم تتعظون فتعملون بهذه التعاليم الإلهية.

{الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين} .

تبين هذه الآية الكريمة حدَّ الزاني غير المتزوج والزانية غير المتزوجة اذا ثبت عليهما ذلك بإقرارهما او بشهادةِ أربعة شهودٍ رأوا ذلك العملَ بأعينهم وحلفوا عليه، فلو كانوا ثلاثةَ شهود لا تثبتُ الجريمة، ولا يقع الحّد. وتنص الآية ان لا ترأفَ عند تنفيذ الحكم. وتطلب ان يكون ذلك بمشهدٍ من الناس، ليكونَ في العقاب ردع لغيرهما من الناس. ويزاد على عقاب الجلد ان يغرَّب الزاني عاماً عن بلّده عند جمهور العلماء، وعند أبي حنيفة أن التغريب عائدٌ الى رأي الإمام ان شاء غرَّبَ وان شاء لم يغرِّب.

قراءات:

قرأ ابن كثير: رآفة بفتح الهمزة ومدها. والباقون: رأْفة باسكان الهمزة. وقرأ ابن كثير وابو عمرو: فرّضناها بتشديد الراء اي فصّلناها. والباقون: فرضناها بفتح الراء دون تشديد.

أما عقوبة الزاني المتزوج فقد ثبتت بالسنّة الشريفة أنها القتلُ رجماً بالحجارة. وكانت العقوبة في أول الاسلام: للمرأة الحبسُ في البيت والأذى والتعبير، وللرجل الأذى والتعيير كما تنص الآية على ذلك من سورة النساء:{واللاتي يَأْتِينَ الفاحشة مِن نِّسَآئِكُمْ فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت حتى يَتَوَفَّاهُنَّ الموت أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً} الآيتان‌

‌ 1

16. ثم نسخ هذا الحكم بهذه اآية.

فالاسلام جاء ليحافظ على المصالح المعتبرة وهي خمس:

1 -

المحافظة على النفس.

2 -

المحافظة على الدين.

3 -

المحافظة على العقل.

4 -

المحافظة على المال.

5 -

المحافظة على العِرض.

فالقتلُ اعتداءٌ على النفس، والردّةُ اعتداء على الدين، وتعاطي الخمر والمخدّرات اعتداءعلى العقل، والسرقةُ اعتداء على المال، والزنا اعتداء على العرض.

{الزاني لَا يَنكِحُ إِلَاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً والزانية لَا يَنكِحُهَآ إِلَاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلك عَلَى المؤمنين} .

روى مجاهد وعطاء وغيرهم من المفسّرين أن المهاجرين لما قدِموا المدينة كان فيهم فقراء ليس لهم أموال ولا أقارب في المدينة، وكان فيها عدد من النساء بغايا يؤجّرون انفسهن، وهن يومئذ اخصبُ أهل المدينة عيشا، وعلى أبوابهن رايات للتعريف عنهن، فرغبَ في زواجهن رجالٌ من فقراء المسلمين المهاجرين، وقالوا نتزَّوجُهن الى أن يُغنينا الله عنهن، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية.

ص: 488

وفي هذه الآية زَجرٌ كبير، وإيضاح بأن من يرغب في زواج الزانية فهو زانٍ او مشرك، والزانية لا يرغبُ في زواجها الصالحون من الرجال المؤمنين، وهذا النكاح لا يليق بالمؤمنين فهو محرم عليهم.

اما اذا تابت الزانيةُ فيجوز الزواج منها، وكذلك الزاني إذا تاب يجوز ان يتزوج من المؤمنات العفيفات، كما نصّ على ذلك الإمامُ أحمد رضي الله عن هـ.

{والذين يَرْمُونَ المحصنات ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وأولئك هُمُ الفاسقون إِلَاّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} .

والذين يتّهمون العفيفاتِ من النساء بالزنا، ثم لا يُثبتون ذلك بأربعة شهود عدولٍ يشهدون انهم رأوا ذلك بالعين، فعاقِبوهم بالضرب ثمانية جلدة، ولا تقبلوا شهادتهم على أي شيء مدى الحياة، جزاءً على هذه الفِرية الشنيعة. هؤلاء خارجون عن طاعة ربهم، وأصحاب واحدةٍ من الكبائر، الا الذين رجعوا منهم عما قالوا وندموا على ما تكلموا به وتابوا توبةً نصوحا، فان الله يتجاوز عنهم ويغفر لهم.

ص: 489

يرمون أزواجهم: يتهمون زوجاتهم بالزنا. يدرأ عنها العذاب: يدفع عنها الحد.

والذين يتهمون زوجاتِهم بالزنا، ولا يستطيعون إثباته بأربعة شهود عدول، فان على الواحد منهم ان يشهد بالله أربعَ شهادات (يعني اربع مرات) انه صادق في هذا الاتهام، ويقول في المرة الخامسة أن عليه لعنةَ الله إن كان من الكاذبين.

وعلى الزوجة إذا لم تعترف بهذا الاتهام ان تقفَ وتقول أربع مرات: أشهدُ بالله أن الزوجَ كاذب في اتهامه إياها بالزنا، وتقول في المرة الخامسة إن عليها غضبَ الله إن كان زوجها من الصادقين. وهذا يدفعُ عنها الحد.

وفي هذه الحالة يقضي القاضي بالتفريق بينهما الى الأبد، وتحرُم عليه حرمةً مؤبدة، ويسقط عنها الحد، وينتفي نسَب الولد عن الزوج فلا يرثه، ويبقى الولد ابنَ الزوجة فقط هي أمه الشرعية، وليس لها مسكن ولا نفقة وليس لها أيّ حقوق من زوجها.

وهذا التشريه من لطف الله وحكمته، فيه ستر للأعراض، وتهدئةٌ للنفوس، واطمئنانٌ للقلوب، وتيسير على الناس.

وقد عقّب الله بعد ذلك بقوله الكريم:

{وَلَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ الله تَوَّابٌ حَكِيمٌ} .

من فضل الله عليكم ورحمته بكم أن شرع لكم هذه الأحكام الميسّرة، وإلا لكان وقَعَ بينكم شر عظيم. لقد ستر عليكم، ورفع عنكم الحدَّ باللعان، وإن الله توابٌ حكيم. وجواب لولا محذوف تقديره: لفضحكم وعاجلكم بالعقوبة.

قراءات:

قرأ حمزة والكسائي وحفص: فشهادة أحدهم اربعُ شهادات برفع العين. والباقون: أربعَ شهادات بفتح العين. وقرأ نافع ويعقوب: والخامسة أنْ لعنةُ الله، وأنْ غضبُ الله عليها باسكان النون، ورفع كلمة لعنة. وق {أنافع: وأنْ غَضِبَ الله عيها. وقرأ يعقوب وان غضب الله عليها. والباقون: والخامسة انّ لعنةَ الله. . . . وانّ غضبَ الله، بتشديد ان وفتح لعنةَ وغضب. وقرأ حفص: والخامسةَ ان غضب الله عليها بنصب الخامسة. والباقون بالرفع.

ص: 490

الإفك: الافتراء، والفعل أفَك يأفِك مثل ضرب يضرب، وأفِك يأفَك: مثل علم يعلم. وأفك الناسَ: كذبهم. العصبة: الجماعة. تولى كبره: تحمل معظمه. إفك مبين: كذب ظاهر. لولا: بمعنى هلا. أفضتم فيه: خضتم فيه. اذ تُلقون بألسنتكم: اذ تتلقون الافك ويتناقله بعضكم عن بعض. بهتان عظيم: كذب محير لفظاعته. تشيع: تنتشر. الفاحشة: الزنا، وكل امر قبيح.

{إِنَّ الذين جَآءُوا بالإفك عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ مَّا اكتسب مِنَ الإثم والذي تولى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .

نزلت هذه الآيات العشر في شأن عائشة أم المؤمنين، رضي الله عن ها، حين رماها أهلُ الافك والبهتان من المنافقين ومن انضمّ اليهم من بعض المؤمنين بما قالوه من الكذب والافتراء. وكان القصدُ من ذلك إيذاءَ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في أحبّ نسائه اليه، فأنزل الله تعالى هذه الآيات لبراءتها. وهذا باتفاق المفسرين والرواة من جميع الطوائف والمذاهب الاسلامية إلا من شذ.

وقد روى حديثَ الافك عددٌ من العلماء في مقدمتهم البخاري عن السيدة عائشة وابن الزبير؛ وام رومان ام السيدة عائشة؛ وابن عباس وابي هريرة وابي اليسر. كما رواه عدد من التابعين. والحديث طويل من أراده فليرجعْ الى صحيح البخاري وسيرة ابن هشام وغيرهما.

وخلاصته: ان الرسول الكريم كان إذا اراد سفراً عمل قُرعةً بين زوجاته، فالتي تخرج قرعتها أخذها معه. وفي سنة ستٍ من الهجرة (كما حدّدها ابن هشام في السيرة) خرج الرسول الى غزوة بني المصطَلِق وأخذ السيدة عائشة معه. فلما انتهى من الغزوة رجع، تقول السيدة عائشة: «حتى اذا قَفَلْنا ودنونا من المدينة، نزلنا منزلا. ثم نوديَ بالرحيل في الليل، فقمتُ لأقضي حاجة، ومشيتُ حتى جاوزتُ الجيش. فلما قضيت شأني أقبلت الى رحلي فلمست صدري فاذا عِقدي قد انقطع. فرجعتُ ألتمسه. فحبَسَني ابتغاءه. وجاء الذين توكلوا بهَوْدَجي فاحتملوه ووضعوه على بعيري وهم يحسبون اني فيه لخفّتي في ذلك الوقت. ورحَلَ الناس. وبعد ان وجدت عقدي جئت الى منزل الجيش فلم أجد أحدا، فجلست في مكاني وأنا أعلم أنهم سوف يفتقدونني ويعودون في طلبي. فبينما أنا جالسة في مكاني غلبتني عيني فنمت. وكان صفوان بن المعطّل السُّلَمي قد تخلف عن الجيش، فلما ورآني عرفني، فاستيقظت على صوته وهو يقول: إنا لله وانا اليه راجعون. فخمَرتُ وجهي بجلبابي، وواللهِ ما تكلّمنا بكلمة ولا سمعت منه غير استرجاعه. ثم أناخ راحلته فقمتُ إليها فركبتها، وانطلق يقود بي الراحلة حتى ادركنا الجيشَ عند الظهر وهم نزول. وكانوا قد افتقدوني وماج القوم في ذكري. فبينما الناس كذلك إذ وصلتُ عندهم.

ص: 491

«وبعد وصولهم الى المدينة، بدأ الناس يتهامسون: ما بالُ عائشة تأخرتْ عن الجيش، وجاءت مع صفوان على بعيره، وصفوان شاب وسيم الطلعة مكتمل القوة! وقاد هذه الحركة وتولّى كِبرها رأسُ المنافقين عبدُ الله بن أبَيّ وبعض المؤمنين سيأتي ذكرهم وعددٌ من المنافقين.

وبلغ النبيَّ الخبرُ، واضطرب له. وبعد مدة بلغ السيدة عائشةَ الخبر. وهاج الناس وماجوا واضطربت المدينة لهذا الخبر، وبقيتْ كذلك مدة شهر إلى ان نزلت هذه الآيات تبرىء السيدة عائشة وتحسم الموضوع حسماً كاملا.

ان الذين اتهموا عائشةَ أمَّ المؤمنين بالزنا هم جماعة من كبار الكذّابين المفترين، وهم من المنافقين الموجودين بينكم، لا تظنوا هذه الحاديثة شراً لكم بل هي خير لكم، لأنها ميزت المنافقين من المؤمنين، واظهرت كرامة المبَّرئين منها، ولكل امرىء منهم جزاؤه على مقدار اشتراكه في هذه الجريمة.

{تولى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ}

ورأسُ الكفر والمنافقين عبدُ الله بن أبيّ هو الذي قاد هذه الحركة وتولى معظمها - له يوم القيامة عذابٌ عظيم. وقد انساق معه بعض المؤمنين منهم حسّان بن ثابت ومِسطَح بن اثاثة وهو أقارب ابي بكر الصديق، وحمنة بنتُ جحش أختُ زينب أم المؤمنين. ولما نزلت آية البراءة أمَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بجَلْدِهم.

{لولا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُواْ هاذآ إِفْكٌ مُّبِينٌ} .

كان مقتضى الإيمان ان تظنوا بمن اتُّهم خيرا عند سماعِ هذه التهمة، وكان عليكم ان تقولوا هذا كذبٌ واضح لا يصدَّق.

ثم علل لسحبانه كذب الآفكين ووبخهم على ما اختلقوه واذاعوه فقال:

{لَّوْلَا جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فأولئك عِندَ الله هُمُ الكاذبون}

هلاّ جاء الخائضون في الإفك بأربعةِ شهداءَ يشهدون على ثبوت ما قالوه، فإن لم يستطيعوا فهم الكاذبون فيما اتَّهموا به عائشة.

{وَلَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدنيا والآخرة لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}

ولولا تفضُّلُ الله عليكم ببيان الأحكام، ورحمتُه لكم في الدنيا بعدم التعجيب بالعقاب، وفي الآخرة بالمغفرة - لنزل بكم عذابٌ عظيم على هذه التهمة الشنيعة.

{إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ الله عَظِيمٌ} .

فقد تناقلتم هذه التهمةَ بألسنتكم وأشعتُموها بينكم، وتخوضون فيما لم يكن لكم علمٌ بصحته، وتحسبَون ان هذا الأمر هين بسيطٌ لا يعاقِب الله عليه، مع أنه أمرٌ خطير عظيم يعاقِبُ عليه الله اشد العقاب.

{ولولا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بهذا سُبْحَانَكَ هذا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ}

كان عليكم أن تقولوا حين سمعتموه: إن هذا كذِبٌ واختلاقٌ كبير، وأن تنصحوا بعدمِ الخوض فيه. . . . لأنه غير لائق بكم، وأن تقولوا متعجِّبين من هول هذه الفِرية: سبحانك يا ربّ، نحن ننزهك، إن هذا كذبٌ عظيم.

ص: 492

ثم حذّر الله المؤمنين أن يعوداو لمثل هذا فقال:

{يَعِظُكُمُ الله أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ}

يعِظُكم الله بهذه المواعظ وينهاكم ان تعودوا لمثل هذه المعصية ابدا، ان كنتم مؤمنين حقّاً، لأن هذه الأعمال تتنافى مع الإيمان الصادق.

{وَيُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيات والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ}

ويفصّل الله لكم في كتابه الآياتِ الدالةَ على الأحكام ومحاسن الفضائل والآداب، واللهُ واسعُ العلم لا يغيب عنه شيءٌ من أعمالكم وهو الحكيم في كل ما يشرع ويخلق.

{إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفاحشة فِي الذين آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدنيا والآخرة والله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} .

ان الذين يحبّون ان يُفشوا القبائح ويتهمون بها المؤمنات لهم عذاب مؤلم في الدنيا بالعقوبة المقررة، وفي الآخرة بالنار، واللهُ عليم بجميع أحوالكم وأنتم لا تعلمون ما يعلمه.

{وَلَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ الله رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم، لَما بيَّن لكم الأحكامَ ولعَجَّلَ عقوبتكم في الدنيا وكنتم من الهالكين.

ص: 493

خُطُوات: بضم الخاء والطاء، واحدتها خطوة: المسافة ما بين الرِجلين في المشي، والمقصود: وساوس الشيطان. لا يأتلِ: لا يحلف. اولو الفضل: الاغنياء. المحصنَات: العفيفات. الغافلات: سليمات الصدور، اللاتي لا يفكرون في السوء. دينهم الحق: جزاءهم الثابت. ان الله هو الحق: ان الله هو الموجود الظاهر الذي بقدرته وجود كل شيء ويبين لهم حقيقة ما كان يعدهم في الدنيا.

{ياأيها الذين آمَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان. . .} .

يا أيها الذين آمنوا، لا تسلكوا سُبُلَ الشيطان، بل احذَروا وساوسه التي تجرّكم الى شاعة الفاحشة والمعاصي بينكم. ومن يتبع الشيطان فقد عصى. . . . لأنه يأمر بكبائر الذنوب. ولولا فضلُ الله عليكم ورحمته بكم ببيان الأحكام - ما طَهُرَ أحدٌ منكم من ذنوبه ابدا، ولكن الله يطهِر مَن يشاء من خلقه بقبول توبته، واللهُ سميع لما تقولون، عليم بما في قلوبكم.

{وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة أَن يؤتوا أُوْلِي القربى والمساكين والمهاجرين فِي سَبِيلِ الله وَلْيَعْفُواْ وليصفحوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} .

كان أبو بكر الصدّيق ينفق على مسطح بن أثاثه ابنِ خالته، وهو صحابي بدريّ من المهاجرين الفقراء، ولكن هذا كان من المخائضين في حديث الإفك، فحلف أبو بكر ان يقطع النفقة عنه، فنزلت هذه الآية:

لا يحلف اصحابُ الفضل من الأغنياء منكم الامتناعَ عن الإنفاق على أقاربهم من المساكين والمهاجرين ولو أساؤوا اليهم، بل عليهم ان يسامحوهم ويصفحوا عنهم. ألا تحبّون أن يستر الله عليكم ويغفر لكم ذنوبكم!! إن الله غفورٌ لذنوب من أطاعه رحيم به. فاستغفرَ ابو بكر ربه وأعاد النفقة على مسح.

{إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات الغافلات المؤمنات لُعِنُواْ فِي الدنيا والآخرة وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}

ان الذين يتّهمون المؤمناتِ المتزوجاتِ الشريفاتِ الغافلات عن كل سوء عليهم لعنةُ الله والطردُ من رحمته في الدنيا، ولهم عذابٌ عظيم في الآخرة.

{يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ الله دِينَهُمُ الحق وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله هُوَ الحق المبين} .

في ذلك اليوم العظيم لا يحتاج الله شهوداً، لأن جوارحَ الانسان تشهد عليه بما كان يعمل. . . الله تعالى يجعلُها تنطق بالحق. وعند ذلك يحاسبُهم الله حساباً دقيقا ويجزيهم على ما عملوا جزاءَ الحق والعدل. عندئذٍ يعلمون أن ما وعدَهم الله هو الحق الذي لا شك فيه ولا ريب.

ص: 494

تستأنسوا: تستأذنوا، لأن الاستئذان يحصل به الأنس لأهل البيت. تذكرون: تتعظون. ازكى: اطهر. جُناح. حرج. المتاع: كل ما يُنتفع به من طعام وأثاث ومال.

{الخبيثات لِلْخَبِيثِينَ. . . . الآية} .

في هذه الآية تأكيدٌ على نفي الريبة عن السيدة عائشة بأجلى وضوح، فقد جرت سُنةُ الله في خلقه على مشاكلة الاخلاق والصفات بين الزوجين، فالطيّبات للطيبين والخبيثات للخبيثين. . . ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم من أطيب الطيبين، وكذلك الصدّيقة عائضة يجب ان تكون من اطيب الطيبات على مقتضى المنطق السليم.

{أولئك مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ. . .} .

مبؤون من التهم التي يلصقها بها المنافقون، وقد منَّ الله عليهم بالغفران ورزق كريم عند ربهم في جنات النعيم.

{ياأيها الذين آمَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ. . . . الآيات}

في هذه الآيات الثلاثة يبن الله تعالى حُكمَ دخولِ المرء بيتَ غيره، وانه لا يجوز لأي انسان ان يدخل بيت غيره الا بعد الاستئذان، فعلى المؤمنين ان لا يدخلوا بيوتَ غيرهم الا بعد ان يستأذنوا ويسلِّموا على أهلها. فإن لم يجدوا فيها أحداً فلا يجوز لهم ان يدخلوها، وان قيل لهم ارجعوا لأننا مشغولون لا نستطيع استقابلكم فيعلهم ان يرجعوا، فان ذلك من فضائل الأخلاق، وحُسنِ المعاشرة، وهو أزكى لهم وأَطهر.

ولا بأس ان يدخل المرء بيتاً وضع فيه حاجاتِه ومتاعه، ان كان غير مسكون، وله ان يدخله دون اذن، والله يعلم ما يُظهره الانسان وما يخفيه فليتّقِ الله وليراقبْ نفسه.

ص: 495

يغضوا من أبصارهم: يكفّونها عن المحرمات ويخفضونها. الخُمُر: جمع خمار وهو ما تغطي به المرأة رسأها. الجيوب: واحدها جيب، وهو فتحة في أعلى القميص. البعولة: الازواج، واحدها بعل. الإربة: الحاجة إلى النساء، يقال أرِب الرجل الى لاشيء اذا احتاج اليه، والاربة والأرَب بفتح الهمزة والراء، والمأربة بفتح الراء بمعنى واحد. الطفل: يطلق على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، ويجوز ان يقال طفل وطفلة واطفال وطفلات، ويقال له طفل حتى يبلغ. لم يظهَروا على عورات النساء: لم يبلغوا حد الشهوة ولا يدرون ما هي.

{قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ. . . .}

في هايتن الآيتين تعليمٌ لنا وتهذيب لأخلاقنا، لأن الإسلام يهدف الى إقامة مجتمع سليم نظيف، وذلك بالحيلولة دون استثارة المشاعر، وابقاء الدافع الفطري العميق بين الجنسين سليماً. ذلك أن الميل الفطري بين الرجل والمرأة مَيْلٌ عميق في التكوين الحيوي، لأن الله قد أناط به امتدادَ الحياة على هذه الارض. والله سبحانه يرشدنا الى أرقى الاخلاق وأسماها لنعيش في أمن وسلام.

قل ايها الرسول للمؤمنين: كفُّوا أبصاركم عما حرَّم الله عليكم من عورات النساء ومواطن الزينة منهن، واحفظوا أنفسكم من عمل الفاحشة. ان ذلك الأدبَ أكرمُ بكم واطهرُ وأبعدُ عن الوقوع في المعصية. {إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} فلا يخفى عليه شيء مما يصدُر منهم من الافعال.

وبعد ان أمر المؤمنين بغضّ أبصارهم - أمر المؤمنات كذلك. فقل يا أيها النبي للمؤمنات: عليهنّ ان يحفظن أبصارهن فلا ينظرن الى المحرَّم من الرجال. ويحفظن انفسَهن من الوقوع في الزنا وفتنة الغير. وذلك بستر أجاسمهن ما عدا الوجه والكفّين. وهذا معنى قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} .

ولما نهى عن إبداء الزينة أرشدَ الى غخفاء بعض مواضعها فقال:

{وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ}

وليضعن الخمارَ على رؤوسهن ليَسْتُرْنَ بذلك شعورهن وأعناقهن وصدورهن.

{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَاّ لِبُعُولَتِهِنَّ. . . .}

لا يحلُّ لهنّ ان يُظهرن شيئا من اجسامهن الا لأزواجهن والاقارب الذين يحرُم عليهن التزوج منهم تحريماً مؤبدا مثل آبائهن او آباء أزواجهن، أو أبنائهن، أو أبناء أزواجهن من زوجات سابقات، او إخوانهن أو أبناء اخوانهن او ما ملكت ايمانهن من الأرقاء، او من يشتغل عندهن من المسنّين الذي ماتت شهواتهم والاطفال الذين لم يبلغوا سن البلوغ.

ثم نهى الله عن إظهار وسوة الحليّ وما يثير الشهوة فقال:

{وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ}

اطلبْ منهن أيها السرول ان لا يفعلن شيئا يجلب أنظار الرجال الى ما خَفِيَ من الزينة، وكل ما يثير الفتنةَ من المشي غير المعتاد.

{وتوبوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَ المؤمنون لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون}

ارجعوا الى الله والى طاعته فيما أمركم به ونهاكم عنه من عاداتِ الجاهلية، والتزِموا آدابَ هذا الدين القويم لتسعدوا في دنياكم وأخراكم.

قراءات:

قرأ ابن عامر وابو بكر: غير أولي الإربة، بنصب غيرَ. والباقون: غير بالجر كما هو في المصحف.

ص: 496

الأيامى: واحدهم أيِّم، وهو غير المتزوج رجلا كان او امرأة، بكرا او ثيبا. يقال: آم الرجل وآمت المرأة اذا لم يتزوجا.

منم عبادكم: من عبيدكم. الإماء: جمع أمة وهي المملوكة.

والذين يبتغون الكتاب: المكاتبة وهي ان يكاتب العبدُ سيده على مبلغ من الماء اذا ادَّاه اليه يصبح حرا. الفتيات: الاماء. البغاء: الزنا. التحصن: العفة. مبينات: مفصلات لكل ما تحتاجون.

{وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ} .

وزوِّجوا من لم يتزوج من رجالكم ونسائكم، وأعينوهم على الزواج، حتى لا يقعوا في المعصية، ويسِّروا الزواج بقدْرِ ما تستطيعون من تقليل المهور، والمساعدة بكل الوسائل.

وأعِينوا الصالحين من عبيدِكم وإمائكم على الزواج ليتحصنّوا او يعفُّوا. ولا تنظروا الى فقرِ من يخطُب او فقرِ من تريدون زواجَها، ففي فضل الله ما يغنيهم، واللهُ ذو سعةٍ عليمٌ بكل شيء.

{وَلْيَسْتَعْفِفِ الذين لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حتى يُغْنِيَهُمُ الله مِن فَضْلِهِ}

اما الذين لا يجدون القدرة على مئونات الزواج فعليهم أن يصبروا ويسلكوا طرق العفّة وينتظروا حتى يغنيَهم الله من فضله. وقد ورد في الحديث الصحيح ان النبي صلى الله عليه وسلم قال «يا معشرَ الشباب، من استطاع منكم الباءةَ فليتزوجْ، فإنه أغضُّ للبصر وأحصنُ للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء»

الباءة: النكاح ومؤنته. الوجاء: الخِصاء، يعني انه يعين على نسيان النكاح.

وفي الحديث الصحيح: «ثلاثةٌ حقٌ على الله عونُهم: المجاهدُ في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف» أخرجه الترمذي والنسائي.

{والذين يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً}

هنا يحثّ الله تعالى على تيسير تحرير الرقيق. . . . فكل عبدٍ أو عبدة تريد التحرر وتكاتب سيّدَها على مبلغ من المال - على المؤمنين ان يساعدوهما في ذلك ويسهّلوا لهما طريق الحرية من العبودية. وهكذا كان الاسلام أول من شرع تحرير الرقيق، وقد انتهى نظام الرق الآن.

ثم حث الله المؤمنين جميعاً على تحرير الرقاب فقال:

{وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ الله الذي آتَاكُمْ}

وعلى جميع المسلمين أن يساعدوا أولئك الذين يريدون التحرّرَ فدفْعِ ما يستطيعون من الأموال لهم حتى يتم تحريرهم.

ثم نهى المؤمنين عن السعي في جمع المال من الطرق غير المشروعة فقال:

{وَلَا تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البغآء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الحياة الدنيا}

كان من عادات الجاهلية ان الرجل يكون عنده غماء فيُكرهُهُنَّ على البغاء حتى يكسبن له المال، ليأخذَ أجورهن. وكانت هذه العادة فاشية فيهم. وقد اشتكت بعضُ الجواري الى الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام فأنزل الله هذه الآية ليقطع دابر تلك العادة القبيحة.

{وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ الله مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}

ومن يكره غماءه على البغاء فإن الله غفور رحيم لهنّ، والذنبُ على المكرِه، وقد وعد المكرَهاتِ بالمغفرة بعد الاكراه على عملِ لا يدَ لهن فيه.

{وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}

لقد أنزلنا اليكم في هذا القرآن آياتٍ واصحةً مبينّةٌ للأحكامٍ، كما أنزلنا اليكم امثلةً من احوال الأمم السابقة، وارشاداتٍ ومواعظَ للذين يخافون الله وهدى وعزاً لمن تولاه.

ص: 497

المشكاة: الكوّة في الحائط غير نافذ يوضع فيها المصباح. الزجاجة: القنديل من الزجاج. دريّ: مضيء متلألىء نسبةً الى الدر. لا شرقية ولا غريبة: يعني في مكان متوسط، لا شرقية فتُحرم حرارة الشمس آخر النهار، ولا غريبة فتحرمها أول النهار. الغدوّ: جمع غدوة: الصباح. الآصال: جمع أصيل، وهو المساء.

{الله نُورُ السماوات والأرض. . . .}

الله مصدرُ النور في هذا الكون، فهو منوِّرُ السماواتِ والأرضِ بكلّ نورٍ حسّي نراه ونسير فيه، وبكل نورٍ معنويّ كنور الحق والعدل، والعلم والفضيلة، والهدى والايمان. إن مَثَلَ نوره الباهر في الوضوح كمَثَلِ نور مصباح شديد التوهج، وُضع في فجوة من حائط يشعّ نوره، وقد وُضع المصباح في زجاجة يتلألأ نورها كالدّر (والعربُ تسمي النجومَ العظام الدَّراري) ، ويستمدّ هذا المصباح وقودَه من زيتِ شجرةٍ مباركة طيبة التربة والموقع، زيتونةٍ مغروسة في مكان معتدل لا يسترها عن الشمس في وقتِ النهار شيء، فهي شرقية غربية، تصيبها الشمسُ بالغداة والعشي، يكاد زيت هذه الشجرة لشدة صفائه يضيء ولو لم تمسّه نار المصباح.

{نُّورٌ على نُورٍ}

نور مترادِف متضاعف تجمَّع فيه نور المشكاة والزجاج والمصباح والزيت، وفق ذلك كله نورُ رب العالمين بهدْيه الناسَ الى الصراط المستقيم.

{يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ}

وهكذا، تكون الشواهد المنبثة في هذا الكون، الحسّيُّ منها والمعنوي، آياتٍ واضحةً لا تدع مجالاً للشك في وجود الله، والله يوفق من يشاء الى الإيمان، إذا حاول الانتفاعَ بنور عقله. وهو يأتي بالأمثلة المحسوسة ليسهّل على الناس إدراكها، ولما فيها من الفوائد والنصح والارشاد. وهو سبحانه واسع العلم، محيطٌ بكل شيء، يعطي هدايته من يستحقّها ممن صفَتْ نفوسهم واستعدّوا لتلقي احكام الدين وآدابه.

قراءات:

قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص: دُرّي بضم الدال واتشديد الراء بدون همز. وقرأ ابو عمرو والكسائي: دِريء بكسر الدال والهمزة. وقرأ حمزة وعاصم: دُرِّيءٌ بضم الدال وتشديد الراء وبالهمزة المضمومة في آخره.

وقرأ ابن كثير وابو عمرو: تَوقَّدَ بفتح التاء والقاف المشددة وفتح الدال على انه فعل ماض. وقرأ نافع وابن عامر وحفص والكسائي: يُوقَدُ فعل مضارع بضم الياء وفتح القاف وضم الدال فعل مضارع مبني للمجهول كما هو في المصحف. وقرأ حمزة وأبو بكر: تُوقدُ بضم التاء والدال.

{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رِجَالٌ. . . .} الآية.

ذلك النور المشعّ في السموات والأرض يتجلّى في بيوت الله (وهي المساجد) التي تتصل فيها القلوب بالله.

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: المساجدُ بيوت الله في الأرض، تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الارض.

ص: 498

أمر الله ان تبنى وتعظَّم وتعمر بذكر الله من رجالٍ لا تَشغَلُهم الدنيا وزخرفها ولا بيوعهم وتجارتهم عن ذكر الله. . فهم يعملون للدنيا في الأسواق والحقول والمصانع، ويعملون للآخرة فيؤدون جميع فروضهم وواجباتهم، فلا تشغلهم الدنيا عن الآخرة، ولا الآخرة عن الدنيا. وهم مع هذا يخافون هولَ يوم القيامة لاذي تضطربُ الأفئدة من شدّته، وتشخَصُ فيه القلوب والأبصار في حيرة ودهشة. والله تعالى مع كل ذلك يطمئِنُ المؤمنين ويبين مآل أمرِهم وحُسْنَ عاقبتهم بقوله:

{لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ والله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}

إنها بشرى عظيمة للذين آمنوا واحسنوا، فانه بعد أن يجزيهم أحسنَ ما عملوا يزيدُهم من فضله. {والله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}

ما أحسنَ هذه البشرى وما اعظم فضل الله.

قراءات:

قرأ ابن عامر وابو بكر: يسبح بضم الياء وفتح الباء. والباقون: يسبح بضم الياء وكسر الباء.

ص: 499

السراب: ظاهرة ضوئية سببُها انعكاس الشعاع من الأرض عندما تشتد حرارة لاشمس فيظنه الانسان ماء يجري ويتلألأ على وجه الأرض، وما هو الا وهمٌ لا حقيقة فيه. القيعة: مكان منبسط من الأرض لا نبات فيه ويقال لها القاع ايضا. لُجّيّ: اللج معظم الماء حيث لا يدرَك قعره، وبحر لجي: عميق. يغشاه: يغطيه. لم يكد يراها: تصعب رؤيتها. صافات: باسطة اجنحتها في الهواء. المصير: المرجع.

{والذين كفروا أَعْمَالُهُم كَسَرَابٍ. . . .}

في هاتين الآيايتنين يبين الله في مقابل ذلك النورِ المتجلِّي في السموات والأرض، المشعّ في بيوت الله والمشرِقِ في قلوب المؤمنين - مجالاً مظلما لا نور فيه، مخيفاً لا أمن فيه، ضائعاً لا خير فيه. . . . ذلك هو حال الذين كفروا. فَمَثَلُ اعمالهم في بطلانها وعدم جدواها كمثل السرابِ الذي يراه الظمآن في الفلاة في شدة حرارة الشمس فيسرع إليه، حتى إذا وصله لم يجد الماء الذي رجا ان يشرب منه. . . {وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ والله سَرِيعُ الحساب} يعني ان كل ما عمله هذا الجاحدُ من أعمال خيرٍ تذهب هباء منثورا، وفي يوم القيامة يحاسبُه الله ويفّيه جزاءه وعقابه. فلا يستفيد من أعماله شيئاً، لأنه لم يؤمن بالله والبعث والجزاء. وكما قال تعالى:{وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} [الفرقان: 23]

{أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ. . . .}

وهذه صورة أخرى من صور حال الكفار الجاحدين. فأعمالُ الكافرين في الدنيا كمثل السراب الذي ليس بشيء، او كهذه الظلمات في البحر العميق، تتلاطم امواجُه ويتراكم بعضها فوق بعض. ومن فوقِ ذلك كله سحابٌ كثيف مظلم لو رفع الإنسان يدَه الى وجهه لما رآها من شدة الظلام. ان قلوب الكافرين وأعمالَهم مثلُ هذه الظلمات المتراكمة تراكمت عليها الضلالات، فهي مظلمة، في صدور مظلمة، في اجساد مظلمة.

ولقد جمع الله تعالى في هذا الوصف بينَ الليل المظلم، وتراكُب الأمواج في البحر بعضها فوق بعض، ومن فوقها السحاب الكثيف. . . . وهذا أشدُّ ما يكون من الظلمات.

وتجمع هذه الآية الكريمة أهم ظواهر عواصف المحيطات العظيمة. وهذا من أكبرِ الأدلة على ان القرآن من عند الله، لأن الرسول الكريم لم يركب المحيطاتِ وكان يعيش في بلاد صحراوية. . . . فورودُ هذه الدقائق العلمية دليل على أنها وحي من عند الله.

{وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ}

ومن لم يوفقه الله لنورِ الإيمان، فليس له نور يهديه الى الخير، ويدلّه على الصراط المستقيم.

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السماوات والأرض والطير صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ والله عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ}

ألم تعلم ايها النبي أن جميع من في هذا الكون يسبِّح بحمد الله تعالى، وان تسبيحَ كل صنف يختلف باختلاف صفاته وخصائصه، وكلٌّ يسبّح بدلالة وجوده وصورته وأحكامه على وجود المصوّر الحكيم، فالعاقل يسبّح بلسان المقال، وغيره يسبّح بلسان الحال، والطير صافات باسطةً أجنحتها في الفضاء تسبّح الله وتحمدُه بلغاتٍ لا نعملها.

ص: 500