الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لا يرهق وجوههم: لا يغشيها ولا يغطيها. قتر: دخان ساطع الذلة: الهوان. العاصم: المانع فزيلنا بينهم: فرقنا وميزنا بينهم.
بعد أن بيّن الله تعالى في المثل الذي ضربَه غرور المشركين الجاهلين بمتاع الدنيا الزائل، ودعا الناس جميعا الى نشدان السعادة الأبدية - عقّب هنا ببيان حال المحسنين والمسئيين، وما أعدّ لكلٍ منهم في الآخرة فقال:
{لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ} .
للذين احسنوا اعمالهم في الدنيا، المنزلة الحسنى في الآخرة وهي الجنة، ولهم زيادة على ذلك فضلاً من الله وتكريما، كما قال تعالى:{وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ} [النساء: 173]، [النور: 38] ، [فاطر: 30] ، [الشورى:
26]
. وقد فسّر تلك الزيادة عدد من الصحابة والتابعين برؤية الله، روى ذلك الإمام أحمد في مُسْنَده، ومسلمُ في صحيحه.
{وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أولئك أَصْحَابُ الجنة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .
لا يغشى وجوههم كآبة من هّمٍ أو ذُل، وهؤلاء هم اهل الجنة ينعمون فيها دائما.
{والذين كَسَبُواْ السيئات جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} .
أما الذين لم يتسجيبوا لدعوة الله، فكفروا وعصَوا أمر ربهم، فسيُجْزَون بمثل ما عملوا من سوء.
{وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ} .
وتغشاهم ذلة الفضيحة والهوان، وليس لهم مانع يمنعهم من عذاب الله.
وجوهُهم مسودّةٌ عليها الغمُّ والكآبة كأنما أُسِدل عليها سوادٌ من ظلمة الليل، أولئك أهلُ النار هم فيها خالدون.
قراءات:
قرأ ابن كثير والكسائي ويعقوب: «قطْعا» بسكون الطاء والباقون «قِطَعا» .
ثم بيّن الله ما ينال المشركين يوم الحشْر من التوبيخ والخزي بقوله تعالى:
اذكُر أيها الرسول هول الموقف يوم نجمعُ الناس كافة، الذين أحسَنوا والذين أساءوا، ثم نقول لمن أشرك منهم: الزَموا مكانكم أنتم وشركاؤُكم لا تبرحوه حتى تنظُروا ما يُفعل بكم.
{فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ} .
فرّقنا بين المشرِكين والشركاء ووقعتْ بينهم الفُقة.
{وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} .
أيْ تبرّأ الشركاء من الذين عبدوهم، وقالوا لهم: إنكم ما كنتم تعبدوننا، بل كنتم تبعدون أهواءكم وشياطينكم.
{فكفى بالله شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} .
تكفينا شهادةُ الله، واللهُ يعلم أنّنا ما أمرنْاكم بذلك، وما أردنا عبادتكم لنا، ولا نعلم بها ابدا.
هنالك في موقف الحساب تُختَبَر كلُّ نفسِ فتعلم ما قدّمت من خيرٍ أو شرٍ وتلقى جزاءه، وأُرجِعوا الى الله ربِّهم الحق، وتكشَّف الموقفُ عن ربِّ واحدٍ يرجع اليه الجميع، ولم يجد المشركون شيئاً مما كانوا يفترونه على الله.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي: «هنالك تتلوا» بتاءين من التلاوة يعني تقرأ ما عملت، او تتلوا تتبع عملها فيقودها الى الجنة او الى النار.
فأنى تصرفون: كيف تعدلون عن عبادة الله. انى تؤفكون: كيف تُصرفون وتعدِلون عن عبادة الله.
بعد عرضِ يوم الحشر وما فيه، وكيف تُكشَف الأعمال وتَسقُط الدعاوي والأباطيل، يؤكد الله هنا قدرته، وأنه مالكُ كلّ شيءٍ، يدبر الأمر في هذا الكون، ويسأل: كيف بعد هذا كله يعدِلون عن عبادته!!
{قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السمآء والأرض أَمَّن يَمْلِكُ السمع والأبصار} .
قل لهم أيها الرسول: من الذي يأتيكم بالرِزِق من السماء بإنزال المطر، ومن الأرض بما تُنبته من شتّى أنواع النبات والثمر؟ من الذي يمنحُكم السمعَ والبصرَ، وانتم بدونها لا تدرون شيئا!! وقد خصّ هاتين الحاسّتين، لأنهما أهم الحواس.
{وَمَن يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحي} .
من ذا الذي بيده أمرُ الموت والحياة، فيخرج النباتَ الحيَّ من الأرض الميتةُ، ويُخرِج الميِّتَ من الحيّ فيما تعرِفون من المخلوقات وما لا تعرفون!؟ .
{وَمَن يُدَبِّرُ الأمر فَسَيَقُولُونَ الله فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} .
من الذي يصرّف جميع أمور هذا الكون بقدرته وحكمته؟ . وهم يجيبون عن هذه الأسئلة الخمسة بأن فاعلَ هذا كلّهِ هو الله وحدَه، فقل لهم ايها الرسول: إذنْ، أفلا تخافونه وتتقون سخطه وعذابه، وتتركون عبادة غيره وترجوعن اليه!!
{فَذَلِكُمُ الله رَبُّكُمُ الحق فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلَاّ الضلال فأنى تُصْرَفُونَ} .
ان المتّصف بكل تلك الصفاتٍ السالفة هو الله المربّي لكم بِنِعمه والمدبّر لأموركم، وهو الحقُ الثابت بذاتِه، والذي تجب عبادتُه دون سواه. ليس بعد الحق من توحيد الله وعبادته الا الضلال، وهو الشِرك بالله وعبادة غيره، فكيف تتحوّلون عن الحقّ الى الباطل!؟
{كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الذين فسقوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} .
كما تحقّقت ألوهيةُ الله ووجبتْ عبادتُه، حقَّ قضاءه على الذين خرجوا وتمردوا على أمرِه، بأنهم لا يؤمنون. . . لأن الله تعالى لا يهدي إلى الحقّ إلاّ من سلَكَ طريقه المستقيم.
قراءات:
قرأ نافع وابن عامر: «حقت كلماتُ ربك» بالجمع، والباقون:«كلمة» كما هو في المصحف.
ثم أقام الله الحجَّةَ على حقيقة التوحيد وبطلانِ الشرك بما هو من خصائصه تعالى من بدء الخلق واعادته فقال سبحانه:
قل لهم أيها الرسول: هل مِن معبوداتِكم مَن يستطيعُ أن ينشئ الخلقَ ثم يعيدُه بعد فنائه؟ سيعجِزون عن الجواب، فقل لهم: اللهُ وحدّه يفعل ذلك، فكيف تنصرفون عن الحق الواضح والايمان بالله!!
وهذا ضربٌ آخر من الحُجّة أقامه الله تعالى دليلاً على توحيده وبطلان الاشراك به، وقد جاء بطريق السؤال للتوبيخ وإلزام الخصم بالحجة.
{قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يهدي إِلَى الحق} .
ايها الرسول، قل لهؤلاء المشركين: هل من هؤلاء الذين عبدتموهم من يستطيع التمييز بين الهدى والضلال، فيرشده سواه الى السبيل الحق؟ إن الله وحده يفعل ذلك.
{أَفَمَن يهدي إِلَى الحق أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَاّ يهدي إِلَاّ أَن يهدى} .
هل القادرُ على الهداية الى الحق أَولى بالاتباع والعبادة أم الذي لا يستطيع ان يهتدي في نفسه، ولا يهدي غيره الا اذا هداه الله!!
{فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} .
ما الذي جعلكم تنحرفون حتى أشركتم هذه الأصنامَ وغيرها في العبادة مع الله! كيف تحكمون بجواز عبادتهم وشفاعتهم عنده وتؤمنون بالخرافات، رغم الادلة الواضحة على فسادها!
قراءات:
كلمة يهدي: جاءت ثلاثة مرات «يَهدي» بفتح الياء وسكون الهاء وكسر الدال، والرابعة:«أمّن لا يهدِّي» بفتح الياء وكسر الهاء والدال المشددة. وهذه قراءة حفص ويعقوب كما هي بالمصحف ومعناها يهتدي.
وقرأ ابن كثير وورش عن نافع عامر: «يهدي» بفتح الياء والهاء وتشديد الدال. وقرأ ابو بكر: «يهدي» بكسر الياء والهاء وتشديد الدال.
{وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَاّ ظَنّاً إَنَّ الظن لَا يُغْنِي مِنَ الحق شَيْئاً} .
وما يتبع أكثرُ المشركين في متعقداتهم الا ظنّاً لا دليل عليه، والظنّ لا يفيد ولا يغني عن العلم الحق اي شيء.
{إِنَّ الله عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} .
ان الله عليم بما يفعله رؤساء الكفر وأتباعهم وسيجازيهم على ذلك.
وفي هذا تهديد لكل من يتبع الظن في أمرٍ من أمور الدين.
{وَمَا كَانَ هذا القرآن أَن يفترى مِن دُونِ الله ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ} .
لايصحُّ ولا يُعقل ان يفتريَ هذا القرآنَ أحد، لأنه في إعجازه وأحكامه لا يمكن ان يكون من عند غير الله، لما فيه من علوم عالية، وحِكم سامية، وتشريعٍ عادل، وآداب اجتماعية وإنباء بالغيب من الماضي والمستقبل، وإنما هو مصدّقٌ لما سبقه من الكتب السماوية، فيما جاءت به من الحق.
{وَتَفْصِيلَ الكتاب لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ العالمين} .
وهو مفصِّلٌ وموضِّح لما كُتب وسَبَق من الكتب السماوية، فهو لا شك منزلٌ من عند الله رب العالمين.
هكذا بيّن الله تعالى أنّ القرآن أجلُّ من أن يُفترى، لِعجزِ الخلْق عن الإتيان بمثله، ثم انتقلَ إلى حكاية زعْمِ المعاندِين المشركين الذين قالوا: إن محمّدا قد افتراه فقال:
بل يقول هؤلاء المشركون: إن محمّداً اختلقَ هذا القرآنَ من عنده، فقل لم ايها الرسول: إن كانت هذا القرآنُ من عملِ البشَر، فأُتوا أنتم بسورةٍ واحدة مماثلةٍ له، واستعينوا على ذلك بمن تشاءون من دونِ الله، إن كتنم صادقين فيما تزعمون.
وهذا التحدي قائم الى الآن، وقد عجَزَ عنه الأوّلون الآخرون، وسيظل ثابتا الى أبد الآبدين.
{بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} .
لقد سارَعوا الى تكذيبه من غير أن يتدبّروا ما فيه، أو يقفوا على ما احتوى عليه من الأدلة والبراهين والحقائق.
{كَذَلِكَ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظالمين} .
وبمثل هذه الطريقة في التكذيب من غير علم، كذَّب الذين قبلهم من مشركي الامم رسلَهم بما لم يحيطوا بعلمه قبل ان يأيتهم تاويله، فانظر ايها الرسول الكريم كف كيف كان عاقبة الظالمين، وما آل اليه أمر المكذبين السابقين كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم.
بعد ان بين الله ان المشركين كذّبوا بالقرآن قبل ان يأتيهم تأويله أو يحيطوا بعلمه - ذكر هنا كيف يكون حالُهم بعد ان يأتيهم التأويل، اذ سينقسمون فريقين: فريق يؤمن به وفريق يستمر على كفره وعناده.
{وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن لَاّ يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بالمفسدين} .
من هؤلاء المعانِدين من يؤمن بالقرآن بعد ان يفطَنَ الى ما فيه، ومنهم من سيظل يعاند ويكابر فيصَر على الشرك ويستمر عليه، والله تعالى أعلم بهؤلاء.
وان أصرّوا على تكذيبك بعد كل هذه الأدلة، فقل لهم: إن لي جزاء عملي، ولكم جزاءُ عملكم، أنا مستمر في دعوتي، وأنتُم لا تؤاخّذون به، وانا بريء مما تعملون.
{وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم وَلَوْ كَانُواْ لَا يَعْقِلُونَ} .
من هؤلاء مَنْ يستمع إليك بآذانهم فقط حينَ تدعوهم الى الله، أما قلبهم فقد اغلقت وأمَّا عقولهم فقد غابت، فهل تقدر على إسماع الصمّ!! وإنهم لا يعقِلون ولا يفهمون.
{وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي العمي وَلَوْ كَانُواْ لَا يُبْصِرُونَ} .
ومنهم من يتجه نظرهُ إليك حين تقرأ القرأن، فيرى دلائلَ نبوَّتِكَ واضحة، لكنهم كالعميان الذين لا يبصِرون، إن نفوسهم قد انصرفت عن استعمال عقولهم وأنت لا تستطيع هداية العمي.
{إِنَّ الله لَا يَظْلِمُ الناس شَيْئاً ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} .
لقد سهّل تعالى للناس كلَّ أسباب الهداية بإرساله الرسُل، وهو لا يظلم أحدا، لكن الناس بكفرهم واتّباع أهوائهم يظلمون أنفسهم بصدّهم وعدم اتباع الحق الموصِل الى السعادة.
{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ. . .}
أنذرْهم أيها الرسول يومَ يجمعُهم الله للسحاب، وقل لهم إن هذه الدنيا التي غرّتهم بمتاعها الزائل، لهي قصرة الأمد وستزول بموتهم. وفي ويوم القيامة سيقدّرون قصرها بساعة من النهار، وبتلاومون على مان كانوا عليه من الكفر والضلال. يومئذٍ سيعرفون أن الذين آثروا هذه الحياة السريعة الزوال وكذّبوا باليوم الآخر- قد خسروا السعادة الأبدية ولم يهتدوا إلى طريقها.
قراءات:
قرأ حفص «يحشرهم» بالياء كما هو في المصحف، والباقون «نحشرهم» بالنون.
{وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} .
وإن أريناك أيّها الرسول، وفي أثناء حياتك، بعض ما نعِدُهم من العقاب، من نصرك عليهم، وإلحاق العذاب بهم، أو توفّيناك قبل ان ترى كل ذلك، فلا مناصَ من عودتهم إلينا للحساب والجزاء.
{ثُمَّ الله شَهِيدٌ على مَا يَفْعَلُونَ} .
والله تعالى رقيب على كل ما يفعلونه عالم بذلك، وسيجزيهم عليه.
لقد أرسل الله لك أمةٍ رسولاً قبلّغها دعوة الله. فآمن بعضهم، وكذّب آخرون وهكذا استوفى الجميع حقهم الذي فرضه الله على نفسه بن لا يعذِّب قوماً إلا بعد الرسالة. وبعد الاعذار لهم فإن الله يقضي بينهم بالقسط حسب استجابتهم لرسوله. {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15] .
{وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} .
ويقول كفار قريش للرسول الكريم: متى يكون هذا الذي تَعِدُنا به من العذاب ان كنت ومن معك صادقن فيما تؤمنون به!؟
{قُل لَاّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلَا نَفْعاً إِلَاّ مَا شَآءَ الله} .
قل لهم أيها الرسول: إنّي بَشَرٌ مثلكم، لا أمِلك لنفسي خيرا ولا شرا، الا ما قدّرني الله عليه.
{لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} .
ان لكل امةٍ من الأمم فترة حدّدها الله، فإذا جاءت تجدهم لا يتسطيعون التأخر عنها، ولا سْبقَها. فإذا كان الرسول الكريم لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعاً، فكيف يملكه ليغره، بل كيف يملَك غيره لنفسه! ان الأمر لله يحقق وعيده في الوقت الذي يشاء، والأجلُ قد ينتهي بالهلاك الماديّ كما وقع لبعض الأمم السابقة، وقد ينتهي بالهلاك المعنوي، اي الهزيمة والضياع والأمة الاسلامية بانحرافها عن دينها وخلقها قد انهزمت ولا يمكن ان تعود الى مجدِها وعزها بدون الرجوع الى الله.
قل ايها الرسول لهؤلاء المكذبين المستعجلين وقوع العذاب: أخبروني إن وقع بكم عذاب الله ليلاً او نهاراً، فأيّ فائدة تحصُلون عليها من استعجالكم إياه! ، وأي عذاب تستعجلون؟ عذاب الدنيا، أم عذاب الآخرة!؟
{أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ} .
ثم اذا حل بكم، هل تؤمنون به حين لا ينفع الايمان؟
{الآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} .
عند ذاك يقال لكم على سبيل التوبيخ: الآن آمنتم به اضطرارا، وقد كنتم تستعجلونه في الدينا!! .
{ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الخلد}
يومئذ يقال للذين ظلموا أنفسَهم بالكفر والتكذيب: يا هؤلاء، الآن ذوقوا العذاب الدائم.
{هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَاّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} .
إنكم اليوم لا تُجزون إلا على أعمالِكم في الدنيا، ونحن لن نظلمكم شيئاً.
{وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وربي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} .
ويسألونك ايها الرسول ان تخبرهم عن هذا العذاب الذي تعِدثهم به في الدنيا والآخرة، ويقولون: يا محمد، أحقّ أنه سيقع؟ فقل لهم: نعم، أُقسِم لكم بِربّي إنه حاصلٌ لا شك فيه.
{وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأرض لَافْتَدَتْ بِهِ} .
وفي تلك اللحظة من ذلك اليوم لو ان لكل نفس كفَرت بالله جميعَ ما في الأرض لافتدَت به من عذابها لو تستطيع، وذلك لما تراه من عذاب يوم القيامة.
{وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالقسط وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} .
ولما رأوا العذابَ أخفَوا ندمَهم لعجزِهم عن النطق، ولشدة ما دهاهم من الفَزع، ونَفَذ فيم قضاءُ الله.
وهم غير مظلمون في هذا الجزاء لأنه نتيجةٌ لما قدّموا في الدنيا.
ثم أبتعَ الله ما تقدّمَ بالدليل على قدرته على نفاذِ حُكمه وإنجاز وعده، فقال.
{ألاا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض} .
فلْيتذكّر من نَسِيَ او جَهِلَ وغَفَلَ ان الله وحدَه يملك جميع ما في هذا الكون يتصرف فيه كيف يشاء.
ثم اكد ما سَلَف بقوله:
{أَلَا إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ ولكن أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} .
وليعلموا أن وعدَه حق، فلا يُعجِزُه شيء، ولكن اكثرَ الكفار قد غرَتْهم الحياةُ الدنيا فباتوا لا يعلمون ذلك حق اليقين.
ثم أقام الدليلَ على قدرته على ذلك فقال:
{هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} .
والله تعالى يَهبُ الحياةَ بعد عدَم، ويسلبُها بعد وجود، ثم إليه المرجِعُ في الآخرة حين يُحييكم بعد موتكم ويحشُركم اليه للحساب والجزاء.
موعضة: نصيحة ووصية بالخير واجتناب الشر. شفاء لما في الصدور: دواء للنفوس.
بعد ان ذكر الله تعالى الادلة على أسس الدين الثلاثة: الوحدانية، والرسالة والبعث، ذكر هنا القرآن الكريمَ وما فيه من مقاصد هامة أجملَها في أمور اربعة:
يا أيها الناس جاءكم على لسانِ الرسول الكريم كتابٌ جامع لكل ما تحتاجون اليه.
1-
موعظة تصلح اخلاقكم واعمالكم.
2-
شفاء لأمراض قلوبكم من الشِرك والنفاق.
3-
الهِداية الواضحة الى الصراط المستقيم الذي يوصل الى سعادة الدارين.
4-
ورحمة للمؤمنين من رب العالمين.
{قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} .
قل لهم أيها الرسول: إفرحوا بفضلِ الله عليكم ورحمتِه بكم بإنزال القرآن، وبيانِ شريعةِ الإسلام. ان هذا خير من كل ما يجمعه الناس من متاع الدنيا، لأنه هو سببُ السعاد في الدارَين.
وقد نال المسملون في العصور الأولى بسببه المُلْكَ الواسع والمالَ الكثير، لكنّهم تأخرون الآن لبُعدهم عن القرآن والدين، لانشغالِهم بالدنيا ومتاعها، نسأل الله تعالى ان يردّنا إلى ديننا، ويلهمنا الصوابَ في القول والعمل.
قراءات:
قرأ رويس عن يعقوب: «فلتفرحوا» بالتاء والباقون «فليفرحوا» بالياء. وقرأ ابن عامر ورويس: «تجمعون» بالتاء والباقون «يجمعون» بالياء.
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ الله لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلَالاً} .
قل ايها الرسول لهؤلاء المشركين: أخبروني عن الرِزق الذي منحكم الله إياه، حلالاً طيبا، لكنكم جعلتم بعضهَ بعضهَ حراماً وبعضه حلالاً، فلماذا؟
وكان العرب في الجاهلية يحرّمون على أنفسهِم بعضَ الإبل وغيرها، ويجعلون بعضَها للذكور منهم خاصة. وقد تقدم بيان ذلك في سورة الانعام.
{قُلْءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ} .
قل لهم أيها الرسول: إن حقّ التحريم والتحليل لا يكون الا لِله، فله أذِنَ لكم بذلك، ام أنكم تكذبون في ذلك!؟ .
وبعد ان سجل الله تعالى عليهم جرمة افتراء الكذب على الله، بين هنا ما يكون من سوء حالهم وشدة عقابهم يوم القيامة فقال:{وَمَا ظَنُّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب يَوْمَ القيامة} .
أيظن اولئك الذين يكذبون على الله أنهم يتركون بلا عقاب على كذبهم وافترائهم؟ وهذا ينافي العدالة. والله تعالى يقول: {أَمْ نَجْعَلُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين فِي الأرض أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار؟} [ص: 28] .
{إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ولكن أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ} ان الله تعالى قد انعم على الناس نعما كثيرة من فضله، ولكن أكثرهم لا يشركون الله عليها.
اخرج البخاري والطبراني عن زهير بن ابي علقمة قال: «اذا آتاك الله مالا فليرَ عليك، فان الله يحب ان يرى أثره على عبده حسنا، ولا يحب البؤس ولا التباؤس» .
الشأن: الأمر، والحال، والمنزل. تفيضون فيه: تتوسعون في الحديث. وما يعزب: ما يغيب. مثقال ذرة: قدر نملة صغيرة او ما يرى في الغبار. الكتاب: اللوح المحفوظ البشرى: الخبر السار، البشارة.
وما تكونُ أيّها الرسولُ في أمرٍ من أمورِك، وما تقرأُ عليهِم من قرآنٍ أو تعمَلُ أنتَ وأمّتك من عملٍ الا ونحنُ شهودٌ عليه حين تخوضُون فيه.
ولا يغيبُ عن علمٍ ربك شيءٌ ولو كانَ في وزْنِ الذرَّة في الأرضِ ولا في السماء، ولا أصغُر من ذلك ولا أكبر منه، إلاّ وهو معلومٌ في كتابٍ عظيم الشأن.
قراءات:
قرأ الكسائي: «يعزِب» بكسر الزاي. والباقون «يعزُب» بضم الزاي. وقرأ حمزة وخلف ويعقوب «ولا أصغُر من ذلك ولا اكبر» بالرفع، والباقون بفتح الراء.
بعد ان بيّن اللهُ تعالى لعبادِه سعةَ عِلمه وقدرتَهُ مراقبته لعباده، ذكر هنا حال الشاكرين المتقين الذين لهم حُسْنُ الجزاءِ يومَ القيامة.
{ألاا إِنَّ أَوْلِيَآءَ الله لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} .
إن أولياءَ الله الّذين يُخِلصون له بالعباة ويتوكَلون عليه لا خوفٌ عليهم في الدُّنيا والآخرة، وهم لا يحزَنون على ما فاتَهم من عَرَض الدنيا لأن لهم عندَ الله ما هو أعظمُ من ذلك.
{الذين آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} .
وأولياءُ الله هؤلاء هم الذين صدَّقوا بكل ما جاءَ من عند الله، واتقوا الله حق تقاته.
{لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا وَفِي الآخرة} .
كذلك فان البشرى لهؤلاء الاولياء بالخير في الدنيا بما وعدَهم اللهُ من نصرٍ وعز، وفي الآخرة بتحقيق وعده بعظيم الجزاء.
{لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ذلك هُوَ الفوز العظيم} .
لا تغييرَ ولا خُلف في مواعيد ربِّهم، وهذا هو الفوز العظيم.
العزة: الغلبة والقوة. يخرصون: يحزرون ويقولون بلا علم. والنهار مبصرا: يعين تبصرون فيه. من سلطان: من حجة او برهان.
{وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} .
لا تحزنْ أيها الرسول لما يقوله المشركون من سُخرية وطعنٍ وتكذيب.
{إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً هُوَ السميع العليم} .
ولا تظنَّ يا محمد أن حالَهم ستدوم، بل ان العزَّة كلَّها لله، والنصرُ بيدِه، وسسينصُرك عليهم، وهو السميعُ لما يقول من تكذيب الحق، كما يعلم بما يفعلون وما يُضمرون، وسيجازيهم على ذلك.
{ألاا إِنَّ للَّهِ مَن فِي السماوات وَمَنْ فِي الأرض} .
اعملوا أيها الناس أن الله وحدَه يخضع كلُّ من في السماوات والأرض، فهو الخالِق وهو المالِك وهو المدبّر.
ثم بين الله انه لا شريك له ابدا فقال:
إنه هؤلاء المشركين الذين يعبدون غير الله، لا يتّبعون شركاءَ له في الحقيقة، بل أوهاماً باطِلة. وليسوا في ذلك إلا واهمين، يخمِّنُون ويحْدِسون بلا عِلم ولا يقين.
بعدما نبَّه الله تعالى على انفرادٍه بالقدرة الكاملة، ووجَّه الأنظارَ الى بعض مجالي تلك القدرة في المشاهدة الكونية، قال:
إن الله تعالى هو الذي خلَق لكم الليلَ لتستَريحوا فيه من عناءِ العملِ والسعي في النهار، كما خلَق لكم النهارَ مضيئاً لستعَوا فيه الى مصالِحكم، وفي تعاقب الليل والنهار دلائل بينة لقومٍ يسمعون ويتدبرون.
ثم شرع في تفنيد نوع آخر من أباطيلهم فقال:
{قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الغني لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} .
وقال المشركون: لقد اتخذَ الله ولداً، إن الله منزّه عن ذلك، فهو غني عن اتخاذ الولد، لأن الولد مظهر الحاجة الى البقاء، والله باقٍ خالد.
{إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بهاذآ} .
ليس لديكم من البراهين ما يؤيّد صحةَ ما تقولون وتفترون.
{أَتقُولُونَ عَلَى الله مَا لَا تَعْلَمُونَ} .
لماذا تختلقون على اللهِ أمراً لا اساسَ له من الحقيقة.
{قُلْ إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب لَا يُفْلِحُونَ} .
قل لهم ايها الرسول: إن الذين يكذِبون على الله، ويزعمون ان له ولداً لن يُفلحوا ابدا.
سيكون لهم متاع قليل في الدنيا ثم إلَينا مرجعُهم فنحاسبُهم نُذيقهم العذابَ الشديد بسبب كفرهم.
النبأ: الخبر له خطر وشأن. فاجمعوا امركم: اعزموا عليه من غير تردد. الغمة: ضيق الأمر الذي يوجب الحزن. خلائف: يخلفون من مضى.
يذكر الله تعالى هنا الأمَم السالفةَ وأخبارَهم مع رسُولهم، وكيف كذّبوهم وعاندوهم، وفي ذلك تسليةٌ للرسول الكريم، وبيانٌ له بأن قومه لم يكونوا بِدْعا في عنادهم، بل سبقهم في مثلِ فعلهم كثيرٌ من الأمم قبلهم. لكن العاقبة كانت على الدوام ان يفوز الرسلُ المؤمنون.
اقرأ يا محمد على المشركين، قصةَ نوحٍ أحسّ كراهيةَ قومه وعداءَهم لرسالته، فقال لهم: يا قومي، إن كان وجودي فيكم لتبليغ الرسالةِ أصبحَ ثقيلاً عليكم، فإنّي مثابرٌ على دعوتي، متوكلٌ على الله في أمري.
فأعِدُّوا أمرَكم واعزموا على ما تُقْدِمون عليه في أمري انتم وشركاءكم الذي تبعدونهم. لا تدعوا في عِدائكم لي أَيّ خفاء، ولا تُمهلوني فيما تُريدون لي من سوء ان كنتم تقدرون على ذلك.
قراءات:
قرأ نافع: «فاجمعوا» بوصل الهمزة وفتح الميم. والباقون: «فأجمعوا» بالهمزة وكسر الميم. وقرأ يعقوب: «وشركاؤكم» بالرفع، والباقون «وشركاءكم» بالنصب.
فإن اعرضتُم عن دَعوتي، لم يضرّني ذلك، لأني ما سألتُكم أن تدفعوا لي أجراً على ما دعوتكم اليه، بل إن ثوابي على الله وحده، وهو يؤتيني إياه، وقد أمرين أن أُسْلِمَ اليه جميع أمري.
ومع كل هذه الجهود التي بذلها من اجل هدايتهم، فقد أصرّوا على تكذيبه، فنجاه الله ومن معه من المؤمنين في السفينة، وجعلهم خلفاء في الأرض، وأغرق الكافرين بالطوفان.
فانظر أيها الرسول كيف كانت عاقبةُ هؤلاء المكذبين لرسولهم: نجّى الله نوحا والذين آمنوا معه واستخلفهم في الارض على قلّتهم، اغرق المكذبين وهزمهم على كثرتهم.
نطبع على قلوب المعتدين: نختمها ونغلقها. الملأ: أشراف القوم لتلفتنا: لتصرفنا.
ثم أرسلنا من بعدٍ نوحٍ رسُلا آخرين، مبشِّرين ومنذِرين، ومعهم الدلائلُ والمعجِزات لكم أقوامهم رفضوا أن يصدّقوا ويذعنوا، واصّروا على موقفهم، فلم ينتفعوا بتعاليم الرسل الكرام.
{كَذَلِكَ نَطْبَعُ على قُلوبِ المعتدين} .
وعلى مثل هذه الصورة اغلق الله قلوب الكافرين المعتدين عن الإيمان وطبع الباطل عليها، فتحجّرت ولم تعدْ صالحة للهداية ابدا.
ثم أرسلْنا من بعد اولئك الرسل موسى وأخاه هارون إلى فرعون مصر وخاصّتِه وأشراف قومه، فاستكبروا عن متابعة الرسولين في دوتِهما، ورفضوا إلا ان يكونوا مجرمين.
{فَلَمَّا جَآءَهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا قالوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ} .
وحين ظهر لهم الحقُّ من عند الله على يدِ موسى، قالوا عن معجزته إنّها مجرد سحر مؤكد.
{قَالَ موسى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلَا يُفْلِحُ الساحرون} .
قال لهم موسى مستنكرا: أتصِفُون الحقَّ الّذي جئتكم به من عندِ الله أنه سِحْر؟ كذبتُم. وثِقوا أنه لن يفوز الساحرون أبدا.
وبعد أن أفحمهم موسى بحجّته كشفوا عن حقيقة الدوافع التي تصدّهم عن الايمان بالله، ألا وهي الخوف من تحطيم معتقداتهم الموروثة، وضَياع مصالحهم.
قال فرعون وقومه لموسى: لقد جئتَ إلينا لتصرِفنا عن دينِ آبائنا وتقاليد قومنا، لكم نصيرَ لكما أتبعاً ويكون لك ولأخيك المُلك والعظَمة والرياسة!؟
ولقد كان زعماء قريشٍ يدركون ما في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من صدق وسموّ، وما في عقيدة الشِرك من فساد وخرافات، لكنهم كانوا يخافون على مكانتهم الموروثة ومصالحهم الذاتية، كما خشيَ الملأُ من قومِ فرعونَ مثل ذلك، فقالوا:«وما نحن لكما بمؤمنين» .
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائتوني بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} .
وظن فرعونُ أن موسى وأخاه ساحران، والسَحَرةُ عنده كثيرون، فأمر رجاله ان يُحضروا له كل ساحر عظيم في ملكته.
{فَلَمَّا جَآءَ السحرة قَالَ لَهُمْ موسى أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ} .
ولما حضرَ السَحَرة ووقفوا أمام القوم لمنازلة موسى قال لهمك هاتُوا ما عندَكم من فنُون السِحْر.
فلما ألقَوا حِبالهم وعصيَّهم وجعلتْ تسعى كأنها الأفاعي، قال لهم موسى: إن الذي فعلتموه هو السِحر حقا، وهو خيالٌ لا حقيقة فيه، واللهُ تعالى سبُطلِهِ على يدي، فهو لن يجعلَ عملَ المفسدين صالحاً للبقاء، بل يزيلُه ويمحقه.
{وَيُحِقُّ الله الحق بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ المجرمون} .
ويثّبت الله الحقّ الذي فيه صلاح الخلْق وينصرُه، ولو كره ذلك كل مجرم.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي «بكُلّ سحار» على صيغة المبالغة، والباقون «بُكّلِ ساحر» وقرأ ابو عمرو:«ما جئتم به آلسحر» بالاستفهام والباقون: «السحرُ» .
الذرية: النسل. ان يفتنهم: ان يختبرهم ويبتليهم وهنا معناه ان يضطهدهم. لعال في الأرض: مستَبدّ. تبوأ المكان: اقام فيه. اطمس على اموالهم: أزلها واشدد على قلوبهم: ضيّق عليهم.
كان الذين آمنوا بموسى مجرد فئة قليلة من السَحَرة والشّبان، آمنوا على خوفٍ من فرعونَ وزعماءِ قومهم، خشيةَ أن يضطهدوهم ويعذّبوهم ليرتدّوا عن دينهم.
{وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأرض وَإِنَّهُ لَمِنَ المسرفين} .
ان فرعونَ مستبدُّ جبّار، غالى وأسرف وتجاوز كل حدّ في الظلم والطغيان.
{وَقَالَ موسى ياقوم إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بالله فَعَلَيْهِ توكلوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} .
وقال موسى لمن آمن من قومهَ، ولقد رأى عليهم الخوفَ من الفتنة والاضطهاد: إن كنتُم آمنتم بالله حقَّ الإيمان فتوكّلوا عليه، وسلموا أموركم له، وثقوا بنصره.
{فَقَالُواْ على الله تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظالمين} .
فقالوا ممثلين أمره: على اللهِ وحدَه توكّلنا. ثم دعَوا ربَّهم أن لا يجعلَهم أداةَ فتنةٍ وتعذيبٍ على يد الكفارين.
{وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القوم الكافرين} .
كذلك دعوا ربهم قائلين: خلَّصْنا يا ربنا برحمتك من أيدي فرعون وقومه الكافرين.
{وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً} .
وقلنا لهما: اتخِذوا لقومكما بيوتاً في مصر تكون مساكنَ وملاجئَ تَعْتَصِمونَ بها «واجعلوا بيوتكم قِبلَة» أي متقابلة على جهة واحدو. «وأقيموا الصلاةَ وبشرّ المؤمنين» ، وأدّوا الصلاةَ على وجهِها الكامل، واستبشروا أن يحفظكم الله من فتنة فرعون واعوانه.
لمّا يئس موسى من فرعون وأعوانه أن يُرجى لهم صلاح، قال: يا ربّ، إنك أعطيتَ فرعون وخاصّتَه بهجةَ الدنيا وزينتَها من الأموال والبنين والسلطان، لكنَّ عاقبة هذا الغنى والنعيم كانت الاسرافَ في الضلال عن سبيل الحق.
{رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ واشدد على قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم} .
اللهمّ اسحقْ أموالَهم واتركءهم في ظُلمةِ قلوبهم، فلا يوفَّقوا للإيمان حتى يروا العذابَ رأي العين. قارن بين موسى ومحمد، دعى موسى على قومه، ودعا سيدنا محمد لهم.
{قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فاستقيما وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الذين لَا يَعْلَمُونَ} .
قال الله تعالى: قد أُجيبتْ دعوتُكما يا موسى وهراون في فرعونَ وأعواِنه، فامضيا لأمري واثُبتا على ما انتما عليه، ولا تسلُكا سبيلَ الذين لا يعلمون الأمور على وجهِها.
قراءات:
قرأ ابن عامر: «ولا تتبعان» بكسر النون بدون تشديد. وقراءة اخرى: «ولا تتبعان» بسكون التاء الثانية وفتح الباء وتشديد النون. وقرأ الباقون «ولا تتبعان» بتشديد التاء الثانية وكسر الباء وتشديد النون المسكورة.
ننجيك ببدنك نخلص بدنك بعد غرقك ليراه الناس. بوأنا: انزلنا. مبوأ صدق: منزلا صالحا.
في هذه الآيات الثلاث خاتمةُ قصة موسى وأخيه هارون مع فرعون، وما كان من تأييد الله لهما، وقوةِ فرعون وقومه. وكانت دولة الفراعنة من أقوى دول العالم في ذلك الزمان.
{وَجَاوَزْنَا ببني إِسْرَائِيلَ البحر فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً} .
ولما أنقذْنا موسى وأخاه من بني اسرائيل وقطعوا البحرَ، تعقَّبَهُم فرعونُ وجنوده للانتقام. فلما دخل بنو اسرائيلَ البحرَ انفلَقَ لهم، فكانت فيه الطرقُ والسبل على قدْرِ عددٍ فِرَقِهِم، فساوا فيها آمنين. وأغرى ذلك فرعونَ وجندَه أن يكون مِن ورائهم، فلحِقوا بهم. عند ذاك انطبق عليهم البحرُ وكانوا من الغارقين.
ولم يُعرف موضعُ العبور من البحر، ولم يردْ بذلك خبر صحيح.
فلما ادرك الغرقُ فرعونَ قال: آمنتُ بالإله الذي يؤمن به بنو اسرائيل، وأنا من المسلمين. ولكن، هيهات! لقد قات الوقت وجاء إيمانك متأخرا.
وهذا ما بيّنه الله تعالى بقوله:
{آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ المفسدين} .
الآنَ تُقِرّ لله بالعبودية وتستسلم له بالذلّة، أما قد عصيته من قبلُ؟ بلى، لقد كتن من المفسدين في الارض الضالمين للعباد يا فرعون، فإيمانك لن يُقبَل.
واليومَ نُخرج جثتك من البحر ونعرِضها على الناس لتكونَ عِظَةً وعبرة لمن كانوا عبُدونك ومع كل هذا فإن كثيراً من الناس سيظلّون في غفلة عن البيّنات والأدلة الظاهرة في هذا الكون على قدرتنا.
وقد كان فرعونُ موسى «منفتاح» بن رعميسيس الثاني، وكان خروج بين إسرائيل في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد في عهد الاسرة التاسعة عشرة. وقد عُثر على جثة «منفتاح» هذا في قبر «امنحتب الثاني» وهي موجودة الآن في المتحف المصري. وهذا مصداق لقوله تعالى:{فاليوم نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَة} ولم يكن هذا معروفا لأحدٍ في العالم إلى ما بعد نزل القرآن بثلاثة عشر قرنا. وهذا اكبر دليل على انه منع عند الله وقد اخبرني الدكتور موريس بوكاي أنه أخذ قطعة من الجثة وحللها فوجد ان صاحب هذه الجثة مات غرقاً. وقد زار الأردن وامضى اسبوعاً وحاضر في الجامعة عن الموضوع نفسه.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي: «آمنت انه» بكسر همزة انه. والباقون: «أنه» بفتح الهمزة. وقرأ يعقوب: «ننجيك» باسكان النون الثانية. والباقون: «ننجيك» بفتح النون الثانية وكسر الجيم المشددة.
{وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بني إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطيبات} .
ولقد اسكنّاهم منزلاً مُرْضيا في أرض خصبة طيبة، بعيدين عن الظلم الذي كانوا فيه، أغدَقْنا عليهمُ الرزقَ الوافر من جيمع الطيبات.
ولكنّهم حين ذاقوا نعمةَ العزَّة بعد الهوان تفرّقوا واختلفوا، مع أنهم تعلّموا وتبين لهم الحقُّ والباطل! سيقضي اللهُ بينهم يوم القيامة، ويجازي كلاً منهم بما عمِل.
{فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءُونَ الكتاب مِن قَبْلِكَ} .
الخطابُ للرسول الكريم ويقول: ان كنت يا محمد في شك مما أنزل الله اليك، من هذا القصص او غيره فاسألْ أهلَ الكتاب. . . إن لديهم عِلماً يقرأونه فيكتبهم، وفيها الجواب القاطع الموافق لما أنزلنا عليك.
ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يشك فيما أُنزِلَ اليه، وقد روى ابن جرير وعبد الرزاق عن قتادة ان الرسول الكريم قال حين نزول الآية:«اَأشُكُ ولا أسأل» وانما كان هذا تثبيتاً للرسول لشدّة الموقف وتأزّمه في مكة بعد حادث الاسراء، وبخاصة ان بعض من أسلموا قد ارتدوا آنذاك، وبعد موت خديجة وأبي طالب، واشتدوا الأذى عل الرسول واصحابه.
{لَقَدْ جَآءَكَ الحق مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الممترين} .
لقد جاءك الحق الواضح يا محمد بأنك رسولُ الله، فلا تكونَنَّ من الشاكِّين في صحة ذلك.
{وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِ الله فَتَكُونَ مِنَ الخاسرين} .
إياك ان تكون أنت أو أحد من الّذين اتبعوك، من الذين يكذّبون بآياتنا البينات! ، اذا ذَالك يحلّ عليك الخُسران والغضب. . والخطابُ ههنا للرسول الكريم ولكن به هو وكل من يساوره ادنى شك في صدق رسالته.
ان الّذي سَبَق عليم قضاءُ الله بالكفرِ لمِا عَلِمَ من عنادِهم وتعصبُّهِم، لا يؤمنون وذلك لرسوخهم في الكفر والطغيان. وحتى لو جئتَهم يا محمد بكل حجّة واضحة فإنهم لنْ يقنعوا، بل يظلّوا على ضلالهم، وإلى أن يحلّ بهم العذاب الأليم.
الخزي: الذل والهوان. الى حِين: الى مدة من الزمن. الرِجْس: العذاب.
بعد ان بيّن الكتاب أن الّذين حقّت عليهم كلمةُ ربك لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم، جاء بهذه الآيات الثلاثة لبيان سُنن الله تعالى في الأُمم مع رسلهم، وفي خلق البشر مستعدّين للإيمان والكفر، والخير والشر؛ وفي شيئة الله وحثكمنه بأفعاله وأفعال عباده، وبيّن أن قوم يونُس آمنوا بعد كفرهم وانتفعوا بذلك الايمان.
ولو أن قريةٍ من القرى تؤمن لنَفَعَها إيمانُها، إلا قوم يونس. فقد بُعث الى أهلِ نِينَوى بأرض الموصل، فدعاهم الى الايمان بالله وحده وترك ما يعبدون من الاصنام. ولم يستجيبوا له، فأخبرهم أن العذابَ آتيتهم قريبا وتَرَكَهم ورحل عنهم. فلما أيقنوا بالهلاكِ آمنوا، فوجوا النفع لهم، فكشفنا عنهم عذاب الخِزي وما يترتّب عليه متَعناهم في الحياة الدنيا حيناً من الزمن.
ولو أراد اللهُ ان يؤمنَ أهل الأرض كلُّهم لآمنوا، فلا تحزنْ على كفرِ المشركين، فأنت لا تستطع ان تُكره الناس على ان يؤمنوا بالله. وقد اقتضت حكمة ربك ان يخلق البشر على هذه الحالة مستعدّين للخير والشر والكفر والإيمان. فليس لك أن تحاولَ إكراههم على الايمان.
{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَاّ بِإِذْنِ الله} .
ما كان لنفسٍ (بمقتضى ما أعطاها الله من الاختيار والاستقلال في الافعال) ان تؤمن إلا بارادةن الله ومقتضى سننه في نظام هذا الكون.
{وَيَجْعَلُ الرجس عَلَى الذين لَا يَعْقِلُونَ} .
فإذا كان كل شيء بمشيئته وتيسيره، فسُنّةُ الله ان يجعل العذاب والغضب على الّذين ينصرفون عن الحجج الواضحة ولا بتدبّرونها.
في هذه الآيات الكريمة، وهي في ختام سورة يونس، بين الله تعالى ان مدار سعادة البشَر على استعمال عقولهم في التمييز بين الخير والشر، وما على الرسول الا التبشير والإنذار وبيان الطريق المستقيم الوصِل الى السعادة وأن الدينَ مساعدٌ للعقل على حسن الاختيار إذا أحسنَ الانسانُ والتفكّر في امر الله.
{قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لَاّ يُؤْمِنُونَ} .
تدعو هذه الآية وكثير غيرها، الى العمل بالمشاهَدة والتأمل واستعمال العقل، كما تدعو الى العلمِ بالكون وما فيه لأنه مُسَخَّر للانسان، فإن ما في السماوات والأرض حافلٌ بالآيات ولكن الآيات والنذُرَ لا تفيد الّذين لا يؤمنون، لانهم لم يلقوا بالاً إليها ولم يتدبّروها.
{فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلَاّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ} .
يقول الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام محذِّراً من قومه: هل ينتظر هؤلاء المكذِّبون إى ان ينالهم من الأيام الشِداد مثلُ ما أصابَ الذين مضَوا من الأم السابقة!؟ .
{قُلْ فانتظروا إِنَّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين} .
قل أيها النبي منذِرا ومهدّدا: إذا كنتم تنتظرون مثلَ ذلك، فانتظروا إنّي مكم من المنتظرين. وهذا تهديدٌ كبير من رب العالمين.
{ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ المؤمنين} .
ان سنَّتنا في رسُلنا مع أقوامهم الذين يبلّغونهم الدعوةَ، ان يؤمنَ بعضُهم فيما يصّر آخرون على الكفر. فننجّي رسلَنا والمؤمنين من العذاب ونهلك المكذّبين. هذا وعدق حقٌّ عليما لا نُخْلِفُه كما قال تعالى:{سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً} [الإسراء: 77] .
قراءات:
قرأ يعقوب: «ثم نُنْجى» بالتخفيف. والباقون بالتشديد «نُنَجِّي» وقرأ الكسائي ويعقوب وخفص: «ننج المؤمنين» باسكان النون الثانية وحذف الياء لالتقاء الساكنين، والباقون بالتشديد.
في هذه الآية والتي بعدها أَمر الله بإعلان الدين الإسلامي، وإظهارِ الفارق بينه وبين ما عليه المشركون والمكذّبون من عبادة الأوثان.
قل أيها الناس جميعا: ان كنتم في شك من ان ديني الذي أدعوكم إليه هو الحقُّ، فان هذا لا يحوِّلني عن يَقيني، ولا يجعلين أعبدُ آلهتكم التي تعبُدونها من دونِ اله، فهو الّذي يملك أجسامكم وأعماركم، وقد أمرني أن أكونَ من المؤمنين به.
{وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ المشركين} .
وأمُرتُ أن أُقيم وجهي للدين القيم واتوجّه الى الله وحدَه، وأن لا أدخُلَ في غِمار الذين أشركوا بالله، بل ابتعدَ عنهم أنا ومن اتّبعني من المؤمنين.
ولا تلجأُ بالدعاء الى غير الله مما لا يجلب لك نفعا، ولا ينزل بك ضررا، فانك ان فعلت ذلك كنتَ من الظالمين وهذا النهي الموجه للنبي عليه الصلاة والسلام هو موجه لأمته.
{وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ} .
ان يصبْك الله بضُرّ فلن يكشفَه عنك أحد غيره، وان يقدِّر لك الخيرَ فلن يمنعه عنك أحد، لأن الله يهبُ الخير من فضله لمن يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم، فلا ييأس احد من فضله وعفوه.
ختم الله تعالى هذه السورة بهذا البلاغ للناس كافة، وهو إجمال لما تقدم من التفصيل فيها.
بَلِغْ أيها الرسول دعوةَ الله الى الناس كافة، وقل لهم: ايها الناس، لقد أنزل اللهُ عليكم الشريعةَ الحقّة من عنده، فمن شاء ان يهتديَ بها فلْيُسارِع، ومن أصرَّ على ضلاله فإن ضلالَه سيكونُ عليه وحدَه، وما أنا بموكَّلٍ من عندِ الله بأموركم، ولا مسيطرٍ عليكم.
{واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ واصبر حتى يَحْكُمَ الله وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين} .
وهذا الختام خطابٌ الى الرسول الصلاة والسلام، باتّباع ما أُمر به، والصبر على ما يلقاه حتى يحكم الله بما قدَّره وقضاه، وهو الختام المناسب الذي يلتقي مع مطلع السورة، ويتناسق مع محتوياتها بجملتها على طريقة القرآن الكريم في التصوير والتنسيق.
تقدم الكلام على هذه الحروف التي افتتحت بها بعض السور، وانها تقرأ باسمائها: فيقال: «الف لام را» احكمت آياته: اتقنت فصلت: جعلت واضحة. يمتعكم متاعا حسنا: يجعل معيشتكم كلها صالحة وارضية الى اجل مسمى: الى عمر مقدر.
{الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ. . . .} .
حروف ابتدأت بها السورة للإشارة الى ان القرآن معجِز، مع انه مكون من الحروف التي ينطقون بها، وللتنبيه الى الاصغاء عند تلاوة القرآن الكريم الى انه كتاب آياته محكمة النظم واضحة المعاني، قد فصِّلت أحكامها، وأنزلها ربّ حكيمٌ يقدر حاجة عباده، وخبير يضع الأمور في مواضعها.
{أَلَاّ تعبدوا إِلَاّ الله إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} .
قل أيها النبي للناس: لا تعبدوا الا الله، انّي مرسَل من عنده لأُنذركم بعذابه إن كفرتم، وأبشّركم بثوابه ان آمنتم وأطعتم.
وقلْ لهم ايضاً: ادعوا الله واسألوا هـ ان يغفر لكم ذنوبكم، ثم توبوا ليه بإخلاص، فيمتّعكم في معيشتكم متاعاً حسنا بالرِزق الطّيب والعافية والأمن الى ان ينتهي الأجل المقدر لكم في هذه الحياة.
{وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} .
ويعطي كل صاحب عمل صالح في الدنيا أفضل اثواب واحسن الجزاء في الآخرة.
{وَإِن تَوَلَّوْاْ فإني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} .
وان توليتم وأعرضْتم عما دعوتكم إليه، فإن أخاف عليكم عذابَ يومٍ كبير، هو يوم القيامة، لما فيه من أهوال شديدة.
{إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .
إليه تعالى رُجوعكم بعد موتكم، وحينئذ تلقَون جزاءكم بالعدْل والقسطاس، والله قادر على كل شيء.
ثنى الشيء: عطف عضه على بعض فطواه. يثنون صدروهم: عن الحق وينكسون رؤوسهم. ليستخفوا منه: ليخفوا انفسهم يستغشون ثيابهم: يتغطون بها.
بعد ان ذكر الله تعالى أنهم إن أعرضوا حلّ بهم عذابٌ كبير، بيّنه هنا في هذه الآية وصفَ حالتِهم العجيبة وكيف يتلقى فريق منهم تلك الآياتِ، عندما يتلوها عليهم النبيّ الكريم.
{أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ} .
إن هؤلاء الكافرين يطوون صورَهم ليكتُموا ما يجُول فيها.
{أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} .
والله سبحانه وتعالى مطّلع على أحوالهم حتى في حال خَلْوَتِهم حين يتغطَّون بثيابهم، فهو يعلم سرَّهم وعلانيتَهم.
{إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} .
وهو يعلم بأسرار الصدور وخواطر القلوب.
الدابة: كل حي يدب على الأرض، وغلبت على كل ما يركب من الخيل والبغال والحمير. المستقر: مكان الاستقرار. ومستودعها: الموضع الذي كانت فيه قبل استقرارها، كالصلب والرحم والبيضة. الى امة معدودة: الى زمن معين. حاق بهم: نزل بهم واحط بهم.
يبيّن الله في الآيات آثار قدرته، وما يتعلقّ بحياة البشر وشؤونهم المختلفة، ويعرِّفُ الخلْقَ بربهم الحقّ الذي عليهم ان يعبدوه، فهو العالِمُ المحيط علمه بكل خلْقه، وهو الرزاق الذي لا يترك أحداً من زرقه. ثم يُطلعها على آثار قدرتِه وحكمته في خلق السماوات والأرض بنظامٍ خاص في أطوا او آمادٍ مُحكّمة.
{وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض إِلَاّ عَلَى الله رِزْقُهَا} .
لي هناك دابة تتحرك على الارض الا وقد تكّفل الله برزقها، فكل مخلوق له رزقٌ مقدَّر من الله في سُننه التي ترتَّب النِّتاجَ على الجُهد، فلا يقعدنَّ أحد عن السعي فالسّماء لا تمطر ذهباً ولا فضة. {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَاّ مَا سعى} [النجم: 39] .
{وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا} .
ان الله يعمل اين تستقرّ تلك الدابة او المخلوق واين تقم، والمكانّ الذي تودع فيه بعد موتها.
{كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} .
كل شيء من ذلك مسجَّلٌ عنده سبحانه في كتابٍ مبين موضِحٍ لأحوال ما فيه.
{وَهُوَ الذي خَلَق السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} .
انه هو الذي خلق السماواتِ والأرض في ستّ مراحلَ، كما تقدم في سورة الاعراف الآية 54، وسورة يونس الآية 4.
ومن قبل ذلك لم يكن الوجود اكثر من عالم الماء.
{وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المآء} يعني أن الماء كان موجوداً، خَلَقَه سبحانه وتعالى قبل ان يخلق السماوات والأرض.
أما كيف كان هذا الماء، وكيف كان عرشه عليه، فليس هناك نص على شيء من ذلك، والعقلُ وحده لا يمِلك العمل به ونترك البحث فيه.
ثم عَلل الله بما آنفاً بعض حِكمه الخاصة بالمكلفين المخاطبين بالقرآن فقال:
{لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} .
ولقد خلق هذا الكونَ ليُظهر أحوالَكم ايها الناس، بالاختبار وليُظهِر أيكم احسنُ إتقانا لما يعمله لنفسه وللناس.
لئن اخبرتَ يا محمد هؤلاء المشركين أن الله سبعثُهم من قبورِهم بعد مماتِهم، سارعوا الى الرد عليك مؤكدين ان هذا الذي جئتَهم به لا حقيقةَ له، وما هو الا كالسِحر الواضح تسحَرُ به العقول. فما أعجبَ هذا القول وما أغربه!؟
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي: «ان هذا الا ساحر مبين» .
{وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ؟} .
ولئن أخّرنا عنهم عذابَنا الذي توعِدُهم به ايها الرسول إلى وقت محدّد لَيقولون مستهزئين: ما الذي يمنعُه عنّا الآن! شأنُهم في التكذي بالبعث، كشأنهم في مسألة العذابِ الدنيوي، يستعجِلونه ويتساءولن عن سببِ تأخيره.
الا فلْيعلمْ هؤلاء القوم ان العذابَ آتٍ حتما، لا خلاصَ لهم منه، وأنه سيحيط بهم بسبب استهزائهم واستهتارهم.
أذقنا: اعطينا. نزعناها منه: اخذنا منه. يؤوس: مبالغة في اليأس. نعماء: نعمة. ضراء: مضرة.
{وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا. . . . الآية} .
هذه طبيعةُ الانسان العَجول القاصر، إذا أعطيناه بعضَ النِعم رحمةٍ منا كالصحَة والرِزق الواسع، ثم نزعنا تلك النعمة أسرفَ في يأسه من عودتها، وقطع الرجاءَ من رحمةِ الله. إنه يؤوس منَ الخير، كفور بالنعمة.
واذا منحنا هذا الانسانَ اليؤوسَ نعمةً أذقناه لذَّتها بعد ضرر لحِقَ به، لم يقابلْها بالشُّكر والطاعة، بل تجده يبطَر ويفخَر على الناس ويقول: ذهبَ ما كان يسؤوني.
{إِلَاّ الذين صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أولئك لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} .
وذلك لا ينطبق على الذين صبروا عند الشدائد، وعملوا الصالحاتِ في السّراء والضراء، فهؤلاء لهم مغفرة من الذنوب، وأجر كبير عند الله في نعيم الجنة الأبدي.
وضائق به صدرك: تحس بالغم والحزن. كنز: أصل الكنز المالُ المدفون تحت التراب، وكل مال مدخر فهو كنز افتراه: جاء به من عنده كذبا.
لا تحاول ايها النبيُّ إرضاءَ المشركين، فهم لا يؤمنون ولعلّك يا محمد تاركٌ تلاوةَ بعضِ ما يوحى اليك ما يشُقُّ سماعه على المشركين، بل قد تحسّ بالضِيق وانت تتلوا عليهم ما لايقبلون.
{أَن يَقُولُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ} .
إنهم يطلبون ان يُنزل اللهُ عليك كنزا، او يجيء مَلَك يؤيّكك في دعوتك، فلا تبالِ بعنادهم.
{إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ والله على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} .
فأنت منذِر ومحذِّر من عقبا الله لمن يخالف أمره، وقد أدّيتَ رسالتك، وليس عليك من أعمالهم شيء.
لقد تكرر هذا القول، وتكرر التحدي، فقد جاء في سور {البقرة الآية: 23] قوله تعالى: {وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ. . . الآية} وفي سورة [يونس الآية 38]{أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ. . . الآية} أمن هنا في سورة هود فالوضع فيه تحدٍّ، لكنّه يختلف عن السورتين السابقتين، فالله تعالى يقول لهم:{قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} أي فاتوا بمثله ولم كَذِباً مفترى.
والمعنى: قل لهم: إن كان هذا القرآن مما افتريتُه على الله من عندي، فإن كنتُم صادقين في دعواكم هذه، فهاتوا من عندكم عشرَ سُورٍ مثله مفتريات مكذوبات، واستعينوا في ذلك لك من تستطيعون من فصحائكم وبُلغائكم وشعرائكم وجنّكم وإنسكم.
فالقرآن الكريم معجز باسلوبه، وبما فيه من القصص الصادق، وما فيه من العلوم الكونية التي اشار اليها، ولم تكن معروفة في عصر نزوله، وفي الاحكام التي اشتمل عليها.
فان عجزتم وعجز من استعنتم بهم، فاعلموا ان هذا القرآن انما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بمقتضى علم الله وارادته، ولا يقدر عليه محمد ولا غيره ممن تدعون زورا انهم أعانواه. واعلموا انه لا إله الا الله، فلا يعمل علمه احد، فهل انتم بعد ان قامت عليكم الحجة داخلون في الاسلام الذي ادعوكم اليه بهذا القرآن؟ وان هذا التحدي لايزال قائما الى يوم القيامة.
نوف اليهم: نؤد الحق كاملا. لا يبخسون: لا ينقصون. وحبط ما صنعوا: بطل وفسد. بينة: برهان واضح. يتلوه: يتبعه. مرية: شك.
بعد قيام الحجّةِ على حقيقة الاسلام، والتحديث الشديد بالقرآن وعجزهم عن الإتيان بمثله - ظل المشركون يكابرون. . لأنهم كانوا يخافون على ما يتمتعون به من منافع وسلطة وشهوات، لهذا يعقّب القرآنُ على ذلك بما يناسب حالهم يصور لهم عاقبة أمرهم بقوله:
من كان يطلب الحياةَ الدنيا والتمتع بلذّاتها وزينتِها من طعامٍ وشرابٍ ومال وأولاد وغيرِ ذلك نعطِهم ثمراتِ أعمالهم لا يُنْقَص منها شيء.
هؤلاء الذين قَصَروا همَّهم على الدنيا وما فيها من لذائذ ليس لهم في الآخرة إلا عذاب النار، جزاءَ كل ما صنعوه في الدينا، لأنه لم يكن للآخرة فيه نصيب.
وبعد ان ذكَر اللهُ مآل من يعمل للدنيا وزينتِها، ولا يهتمُّ بالآخرة وأعمالِها، ذكر هنا من كان يريدُ اخرة ويعمل لها، ومعه شاهد عل صدقه وهو القرآن فقال:
أفمَن كان يسير في حياته على بصرةٍ وهداية من ربّه، ومعه شاهدٌ بالصدِق من الله وهو القرآن، وشاهدٌ من قبله وهو كتابُ موسى الذي أنزله الله قدوةً ورحمة لمتّبعيه، كمن يسيرُ على ضلالٍ وكفرٍ فلا يهتمُّ الا بالدنيا وزينتها؟! كلاّ أبداً.
اولئك الأَوّلون هم الذين أنارَ الله بصائرهم، فهم يؤمنون بالنبيّ والكتابِ الذي أُنزل عليه.
ومن يكفر به ممن تألّبوا على الحقّ وتحزَّبوا ضده، فالنارُ موعدُه يوم القيامة.
{فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ} .
لا تكن أيها النبيّ في شكّ من هذا القرآن. وحاشا النبيَّ ان يشكّ. واذا كان لخطاب موجَها اليه فالمقصود به كل من سمع برسالة محمد، ولا في القرآن المنزل عليه.
{إِنَّهُ الحق مِن رَّبِّكَ ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يُؤْمِنُونَ} .
ان هذا القرآن هو الحقُّ النازل من عند ربّك، لا يأتيه الباطل، ولكنّ اكثر الناس تُضِلُّهم شهواتهم فلا يؤمنون.
الأشهاد: جمع شاهد. الذين يصدون عن سبيل الله: الذين يصرفون الناس عن الدين. يبغونها عوجا: يريدونها ملتوية معوجة. لا جرم: حقا. واخبتوا: خشعوا واطمأنوا.
بعد ان بين الله الناس فريقان: يريد الدنيا وزينتها، وفريق مؤمن بربه وبرسالة رسوله الكريم، ذكر هنا بيان حال كُلٍّ من الفريقين وما يكون عليه في الآخرة. وهو يضرب للفريقين مثلا: الأعمى والأصم، والبصير والسميع.
لا أحد أكثرُ ظلماً لنفسه وبُعدا عن الحق من الذين يكذِبون على الله. ان افتراء الكذب في ذاته جريمةٌ نكراء وظلمٌ لمن يُفترى عليه الكذب، فكيف إذا كان هذا الافتراءُ على الله!!
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً} .
لا أحد أكثرُ ظلماً لنفسه وبُعدا عن الحق من الذين يكذِبون على الله. ان افتراء الكذب في ذاته جريمةٌ نكراء وظلمٌ لمن يُفترى عليه الكذب، فكيف إذاكان هذا الافتراءُ على الله!!
سَيُعْرَضُ هؤلاء المفترون يوم القيامة على ربهم ليحاسبَهم على أعمالهم السيئة، فيقول الاشهاد من الملائكة والانبياء والناس: هؤلاء هم الذين ارتكبوا جريمة الكذب على الله. بذلك يفضحونهم بهذه الشهادةِ المقرونة باللَّعنة، اي خروجِهم من رحمة الله.
وفي الصحيحَين عن عبد الله بن عمر قال: «سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يُدني المؤمنَ حتى يضعَ كنَفَه عليه ويسترَهُ من الناس، ويقرِّره بذنوبه ويقول له: اتعرف ذنْبَ كذا؟ اتعرف ذنب كذا؟ فيقول: يا ربِّ أعرف، حتى إذا قرّره بذُنوبه ورأى في نفسه انه قد هلَك قال: فإنّي سترتُها عليك في الدُّنيا وأنا أغفر لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته» .
{الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بالآخرة هُمْ كَافِرُونَ} .
الذين يَصرِفون الناسَ عن سبيلِ الله، وهو دينُه القيم وصراطُه المستقيم؛ ويريدون ان تكونَ هذه السبيلُ معوجَّة لتوافقَ شهواتِهم واهواءَهم، وهو كافرون بالآخرِة والبعث والجزاء.
هؤلاءِ الّذين يصُدُّون عن سبيل الله لم تكنْ لهم قوةٌ تعجِز اللهَ عن أخذِهم بالعذاب في الدنيا، ولم يكن لهم أنصارٌ يمنعون عنهم العذابَ لو شاء ان يُعَجِّلَه لهم. انهم سيلقون ضعف العذاب في الآخرة.
ثم بين علة هذه المضاعفة للعذاب بقوله:
{مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} .
لقد أعماهم وأصمَّهم انهماكهم في الكفر والضلال حتى كرهوا ان يسمعوا القرآن أو يبصروا آيات الله في الكون.
{أولئك الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} .
هكذا اضاع اولئك الكافرون أنفسهم، ولم يربحوا بعبادة غير الله شيئاً، وغابَ عنهم في الآخرة ما كانوا يفترونه من الكذِب على الله في دنياهم.
{لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الأخسرون} .
حقا إنهم أشدُّ الناس خسارةً في الآخرة، وبذلك يكونون قد أضاعوا أنفسَهم في الدنيا والآخرة.
وبعد ان بين الله حال الكافرين واعمالهم ومآلهم، بين حال المؤمنين اصحاب العمل الصالح وعاقبة أمرهم فقال:
ان الذين آمنوا بالله ورسُله، وعملوا الاعمالَ الصالحة، وخشعتْ قلوبُهم واطمأنّت الى ربها، سيكونون أهل الجنةِ خالدين فيها ابدا.
{مَثَلُ الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع} .
مثل الفريقين: الكافرين والمؤمنين: الكافرين كالأعمى الذي يسير على غيرِ هدى، والأصمِ الذي لا يسمع ام يُرشده إلى النجاة؛ والمؤمنين، كالمبصِر يرى طريقَ الخير، وقويِّ السمعِ الذي يسمع كل ما ينفعه.
{هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} .
هل يستوي هذانِ الفريقان في الحال والمآل؟ افلا تتفكرون ايها الناس فيما بين الباطل والحق من خلاف فتعتبروا به، وتسيروا على الصراط المستقيم!
ورد ذِكر نوح في ثلاثة واربعين موضعا من القرآن الكريم في ثمانِ وعشرين سورة. وذُكرت قصة نوح مفصلة في القرآن الكريم في سورة الاعراف وهود وسورة المؤمنين والشعراء والقمر وسورة نوح، وهي مختلفة اللفظ حسْب ما تكون العنايةُ موجهة نحوه من البيان والمعنى:
كما أرسلناك يا محمد الى قومه لتنذِرَهم وتبشّرهم، فقابلَكَ فريقٌ بالكفر والجحود، أرسلنا من قبلُ نوحاً الى قومه فقال لَهم: إني رسولُ الله إليكم، أُنذرُتكم من عذابِ الله وأبيّن لكم طريق النجاة.
ثم فسر هذا الانذار بكلام مختصر.
{أَن لَاّ تعبدوا إِلَاّ الله إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} .
وإني أطلبُ منكم ان لا تعبُدوا إلا الله، ولا تشرِكوا به شيئا، لأني أخاف عليكم إن عبدتم غيره او اشركتم معه سواه أن ينالكم عذابُ يوم مؤلم.
قراءات:
قرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة: «إني لكم نذير مبين» بكسر همزة ان، والباقون بفتحها.
الملأ: كبار القوم. اراذل: جمع ارذل، وهو الخسيس الدنيء. بادى الرأي: ظاهره قبل التامل في باطنه. ارأيتم: اخبروني. عميت: خَفِيتء انلزمكموها: انكرهكم عليها. تزدري: تستهزئ.
اختار الله تعالى نوحاً من بين أولئك القوم لينذرَهم عذابَ الله، لأنهم تمادَوا في غيِّهم وضلالهم. وقد اجتمع كبراؤهم وأهلُ فيهم على تكذيبه واحتقاره هو ومن ابتعه، واستتعدوا ان يكونَ واحدٌ منهم - لا يمتاز عليهم بالغِنى والجاه- هو المختار لهدايتهم، وأَنِفوا ان يكونوا مثل الّذين اتّبعوا نوحاً من الضعفاء. وزعموا ان هؤلاء قد اتبعوه من غير رويّة ولا تكفير، «بادى الرأي» وطلبوا اليه لن يجد ناصر يدفع عنه عقاب اله اذا ما طردهم عن الهدى.
كذلك أوضح لهم ان إنما جاءهم بالهداية، وليس رجلَ مال قد مكّنه الله من خزائنه وأطلعه على غَيْبه، وقال إنه المُلك فيهم، وانما هو شخص اختاره الله تعالى لدعوتهم وتبليغهم أمره. أما اتباععه من المؤمنين الذين تزدريهم أعين الكبراء فإن أمْرَهم الى الله، وهو أعلمُ بسرائرهم، لان ادراك الهداية الى الحقّ لا يكون بالمظهر الفاخر بل باطمئنان النفس وركونها الى الهدى مع اليقين التام والرضى به، ثم إنه لا يطلبُ منهم أجرا على دعوته، فأجرُه على الله وحده.
قراءات:
قرأ ابو عمرو: «بادئ الرأي» بالهمزة والباقون بدون همزة. وقرأ حمزة والكسائي وحفص: «فعيت» بضم العين وتشديد الميم. «فعميت» بفتح العين وكسر الميم بدون تشديد.
جادلتنا: نافشتنا وخاصمتنا. يغويكم يضلكم.
قالوا: يا نوحُ، قد ناقشتَنا بجِدالك فأطلتَ حتى مَلِلْنا. ان كنت صادقاً فيما تدعيه، فعجِّلْ وهاتِ ما توعدنا به من العذاب.
{قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ الله إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} .
عند ذالك قال نوح: هذا أمرٌ بيدِ الله وحدَه، فهو الذي يأتيكم بما تَشاء حكمتُه، ولن تعجزوه ابداً، لأنه لايعجِزه شيءٌ في الارض ولا في السماء.
إنه لن ينفعكم نصيحي لمجردٍ إرادتي الخيرَ لكم، إذا كان الله قد شاء ان يضلَّكم. . . انه ربُّكم وخالقكم لا أنا، واليه ترجعون يوم القيامة، ويجازيكم على اعمالكم.
ونرى من هذا الحوار الذي دار بين نوح والملأ من قومه أنهم عجَزوا عن الجدال فطلبوا ان يأتيَهم بالعذاب تشكيكاً فيه، وهذا دَيْدَنُ الأمم في عدم الخضوع لحكم العقل إذا خالف الأمرُ ما ألِفُوه وورثوه عن آبائهم.
في هذه الآية الكريمة دَفْعُ شبهةٍ من شُبَهِ المشركين من قريشِ الّذين ادَّعوا أن محمَّداً يفتري هذا القَصص، فيردُّ الله عليهم بأن هذا القَصص صادقٌ، وقل لهم أيها الرسول: إن كنت افتريتُه على الله كما تزعمون، فهو جُرمٌ عظيمٌ عليَّ وحدي إثمهُ، وإذا كنت صادقاً، فانتم المجرمون، وانا بريء من جرمكم هذا.
فلا تبئس: فلا تحزن الفلك: السفينة. مفرد وجمع. بأعيننا: تحت رعايتنا. وحينا: بارشاد وحينا.
في تلك الحال أوحى الله الى نوح أنه لم يؤمن من قومك غير الذين سبق وآمنوا، فلا تحزَنْ على ما كانوا يعملون. . . ابنِ السفينةَ تحت رعايتنا وبإرشادش وحْينا، ولا تشفعْ في الّذين ظلموا. . . فهم محكومٌ عليهم بالغرق. وشرع نوح في صنع الفُلك، فكان كلّما مر عليه نفر من قادة الكفر من قومه استهزأوا به، لجَهْلِهم الغرضَ من بناء السفينة، فيقول لهمك ان تهزأوا منا فنحن ايضاً نهزأ منكم، لكنكم سوف تعلمون من منا الّذي سيأتيه عذابٌ يذلّه في الدنيا، ثم يحلّ عليه في الآخرة عذاب دائم.
فار التنور: نبع منه الماء بقوة. التنور: فرن له شكل خاص للخبر. مجراها ومرساها: اجراؤها وارساؤها. ومجراها بفتح الميم ومرساها بضم الميم. معزل: مكان بعيد عن ابيه. سآوي الى جبل: سألتجئ الى جل يعصمني: يحميني. اقلعي: أمسِكي. وغيض الماء: نضب الجوديّ: اسم جبل يقال انه في الموصل.
حتى اذا جاء وقتُ أمرِنا بإهلاكهم نبع الماء بشدة من التنُّور. وحينئذ قلنا لنوح: إحملْ معكم في السفينة من كل نوعٍ زوجَين ذكراً وأنثى، واحمِل اهلَكَ جيمعاً الا من سبق عليه حُكْمنا بإهلاكه. كذلك واحمِل معك من آمن بك من قومك، وهم نفر قليل.
وقال نوح: اركبوا في السفينة باسم الله جريانُها ورسوُّها، ان ربّي لواسع المغفرة لعباده. وركبوا في السفنية وهم يذكُرون الله، وجرتْ بهم في أمواجٍ هائجة عالية كالجبال، ثم ان نوحاً دعتْه الشفقة على انبه الذي تخلّف ولم يرافق أباه. فناداه قائلاً: تعال اركب معنا يا بنّي، ولا تكن من الجاحدين. فكان جواب ذلك الوالد العاصي: يا أبتِ، سألجأ الى جبلٍ يحمين من طغيان الماء. فقال نوح: لا شيء يعصِم أحداً من عذاب الله في هذا اليوم العصيب، الا من رحمة الله. ثم إن الموج حال بينهما وغاب الولد في اللجة وكان من الهالكين.
ثم ذكر الله ما حدثَ بعد هلاكهم، فأُمرت الأرضُ أن تبتلغَ ماءضها، والسماءُ أن تكفَّ عن المطر. وغاضَ الماء، وانتهى حكمُ الله بالإهلاك، ورست السفينةُ عند الجبل المسمَّى بالجُودِيّ عند المَوْصِل بالعراق. «وقيِلَ بُعداً للقومِ الظالمين» .
قراءات:
قرأ حفص: «من كل زوجين اثنين» بتنوين كل والزوج يطلق على الواحد وعلى الاثنين. والباقون: «من كلّ زوجين اثنين» وقرأ حمزة والكسائي: «مجراها» بفتح الميم والباقون بضم الميم.
وبعد ان هدأت العاصفة، وسَكَن الهَول، ثارت الشفقةُ في قلب نوحٍ على ابنه، فنادى ربَّه ضارعاً مشفقا: يا ربّ، إن ابني منّي وهو من أهلي، وقد وعدتَ أن تنجّي أهْلي، ووعدْك هو الحقّ، وأنت أعدلُ الحاكمين.
قال الله تعالى: يا نوح، إن ابنك هذا ليسَ من أهلِك، بكفْره قد انقطعت الصِلةُ بينك وبينه، فهو عملٌ غير صالح. واحذر ان تطلبَ ما ليس لك به علم، فأنا أرشِدك الى الحقّ لكيلا تكونَ من الجاهلين الّذين تُنسِيهم الشفقةُ الحقائقَ الثابتة.
قراءات:
قرأ الكسائي ويعقوب: «انه عَملَ غيرَ صالح» والباقون «عملٌ غيرُ صالحٍ» وقرأ ابن كثير: «لا تسألن» بتشديد النون وفتحها. وقرأ نافع وابن عامر: فلا تسألَنِيّ.
قال نوح: يا ربّ، إني ألجأ إليك فلا أسألُك بعدَ هذا ما لاعِلمَ لي بحقيقته، وإن لم تنفضَّلْ عليَّ بمغفرتِك، وترحمني أكْنْ في عِداد الخاسرين.
وفي هذه الآية دليل على ان الله تعالى يجازي الناس في الدنيا والآخرة بإيمانهم وأعمالهم، نلا بأنسابهم. انه لا يحابي أحدا لأجل الآباء والاجداد ولو كانوا من الأنبياء.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يا قاطمة بنت محمد، واللهِ لا أُغني عنك من الله شيئا» . فأساس الدين عندنا انه لا علاقة للصلاح بالوارثة والأنساب. وانما بالايمان والعمل الصالح.
قال تعالى: يا نوح، انزِل من السّفينة بسلامٍ منا، وأمْنٍ وبركاتٍ عليك.
ويسأل أناس كثيرون: هل كان الطوفان عاماً في الأرض جميعا، ام حدث في المنطقة التي كان يسكنها نوح وقومه، وأين كانت هذه الأرض؟
لم يرد نص صريح بذلك، وقد ودت رواياتٌ واسرائيليات كثيرة واخبرا غير مقطوع بصحتها، ولذلك نضرب عنها صفحا.
ثم ذكر الله تعالى لنبيّه الكريم أن هذا قصصٌ من عالَم الغيب لا يعرفه هو ولا قومه من قبل، قال:
ان هذه القصة عن نوح وقومه من أخبارِ الغيب التي لا يَعلمها الا الله، ما كنتَ تعلمُها يا محمد ولا قومُك من قبل هذا. فاصبِر على إيذاء قومك كما صَبَرَ الأنبياءُ قبلك، فان عاقبة الفوز للّذين يتّقون اللهَ بالإيمان والعمل الصالح.
فطرني: خلقني. مدرارا: كثيرا.
جاء ذكر عاد قومي النبي هود سبع مرات بدون ذكره هو صراحة، وذلك سورة المؤمنون، وفصلت، والاحقاف، والذارايات، والقمر، والحاقة، والفجر.
والقارئ لقصة هود مع قومه يراه إنسانا وقوراً رزيناً يزنُ الكلامَ قبل إلقائه، ويتجلى الإخلاص وحُسن النية على قسمات وجهه. فهو لا يقابل الشرَّ بمثله، بل لا يفارقه اللّينُ مع قومه أبداً، ويتلطف معهم بذكِر نعم الله عليهم ويرغَّبهم في الايمان، ويذكّرهم بما أنعمَ اللهُ عليهم به من اموال وبنين وجنات وعيون، وأنه زادَهم في الخلْق بَسْطَةً، وجعلهم خلفاء الأرض من بد قوم نوح، فإذا آمنوا حازوا رضي الله، فيرسل السماءَ عليهم مِدراراً لسقي زروعهم وإبناتِ الكلأ لماشيتهم، كما يزيدُهم عزّاً على عزّهم، وكان في كل محاوراته معهم واسعَ الصدر، مثالَ الحكمة والرزانة والأَناة.
وقد ذكرت قصة هود في سورة الاعراف بأُسلوب ونَظْمٍ يخالف ما هنا، وفي كل من الموضعَين من العظمة والعبرة ما ليس في الآخرة.
وأرسلْنا الى قوم عادٍ أخاهم في النسَب والوطَن هودا، فقال لهم: يا قوم، اعبُدوا الله وحده، ليس هناك إلهٌ غيره، أما عبادتكم للأصنام والأوثان فهي محض افتراءٍ منكم على الله.
كانت مساكنُ عادٍ في أرض الأحقاف، في شمال حَضْرَمَوْت، وفي شمالها يوجد الرَّبْع الخالي، وفي شرِقها عُمان. وموضع بلادهم اليومَ رمالٌ خالية ليس بها أنيس. ولم يردْ ذِكرٌ لقوم عاد في الكتب القديمة سوى القرآن الكريم.
{ياقوم لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَاّ عَلَى الذي فطرني أَفَلَا تَعْقِلُونَ} .
يا قوم إنني لا أطلبُ منكم أجراً على تبيلغ رسالة ربي إليكم، فأَجري على من خلقني وبعني اليكم. أفلا تعقِلون ما ينفعُكم وما يضركم؟ .
يا قومُ اطلبوا المفغرةَ من ربِّكم على سلَفَ من ذنوبكم، ثم توبوا إليه توبةً صادقة، فإنه يَغِيثُكم بالمطر الغزير المتتابع، ويزيدُكم قوةً الى قوتكم التي تغترّون بها، ولا تُعرِضوا عما أدعوكم اليه، وأنتم مصرّون على إجرامكم وآثامكم.
الناصية: شعر مقدم الرأس، ومقدم الرأس.
قالوا: يا هود ما جئتَنا بحُجّةٍ واضحةٍ تؤيّد دعواك في أنك مرسَل من عندِ الله، ولن تركَ عبادةَ آلهتِنا قولك.
وبالَغوا في الردّ وقالوا: ما نقول فيك الا أن بعضَ آلهتنا قد أصابك بمسٍّ من جُنونٍ. فقال: مصرَّا على ايمانه متحدّيا: إني أُشهِد الله، وأشهِدكم على قولي إن أبرأ الى اللهِ مما تُشركون به. واتحدّى أن دبِّرا كلَّ حيلةٍ لإهلاكي إذا استطعتم.
حتى اذا عجَزتم جيمعا، ولم يبقَ شُبهةٌ في أن آلهتكم لا تضرّ ولا تنفع، أجبتُكم أَني توكَلْ على الله واعتمدتُ عليه. هو ربّي وربكم. وليس في ها الكون من دابّةٍ الا هو مالكُ أمرِها يصرّفها كما يريد، فلا يُعجِزه حِفظُها من أذاكم. وهو عادل تجري كل أفعاله على طريق الحق والعدل، ولا يضيع عنده مظلوم.
فان تُعرِضوا عن دعوتي لم يضرَّني إعراضُكم أبداً. . . لقد أبلغْتُكن رسالةَ ربي اليكم، وقد يُهلككمُ اللهُ ويستخلفُ قوماً غيركم في دياركم وأموالكم. وكذلك لا تضرون الله بإعراضكم عن الايمان، وهو رقيب على كل شيء من أعمالكم.
ولما نزلَ عذابُنا نجَّينا هودا والذين آمنوا معه من العذاب الشديد الذي نزل بقومه ثم ذلك سبب ما نزل بهم من البلاء فقال:
وتلك قبيلة عادٍ. لقد أنزلنا لهم نقمتنا لأنهم أنكروا الحججَ الواضحة، وعصَوا رسُل الله جميعا بعصيانهم رسولَهم، وطاعتِهم لأمر كل طاغية من رؤسائهم وكبرائهم.
{وَأُتْبِعُواْ فِي هذه الدنيا لَعْنَةً وَيَوْمَ القيامة} .
ولقد لحقتْ بهم اللعنةُ في هذه الدنيا، وسوف تلحقهم يوم القيامة.
ثم اكد الله كفرهم بشهادته عليهم فقال:
{ألا إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ} .
فلْيعلم كلُّ الناس ان عاداً جحدوا خالقِهم عليهم ولم يشكروها بالإيمان، فبُعداً لهم. وهذا دعاء عليهم بالطرد عن رحمة الله.
أنشأكم من الارض: اوجدكم منها. استعمركم فيها. جعلكم تعمرونها. مرجوا: نرجوا منك الخير. مريب: موجب للتهمة والشك. تخسير: خسران.
صالح هو الرسول الثاني من العرب، ورد ذِكره في القرآن تسع مرات، في سورة الأعراف ثلاث مرات، وفي سورة هود اربع مرات، وفي كل من الشعراء والنمل مرة واحدة. وجاء ذِكر ثمودَ في سورة الحِجْر، وفُصّلت، والذاريات، والنجم، والقمر، والحاقة، والشمس.
كانت مساكن ثمود بالحِجْر التي تُعرف اليوم بمدائن صالح، في شمال الحجاز، وآثارُها باقية الى اليوم، وكانوا وثنيين يعبُدون الاصنام.
وأرسلْنا إلى قوم ثمود رسولَهم صالحاً، فقال لهم: يا قومي، اعبدوا لله وحدَه، لي لكم آله غيره يستحق العبادة. لقد خلقَكُم من الأرض، ومكّنكم من عِمارتها، واستثمارها خَيراتِها، فاستغفِروه من ذنوبكم، ثم ارِجعوا إليه بالتوبة الصادقة، فهو قريبُ الرحمة مجيبٌ لمن دعاه.
قالوا: يا صالح، لقد كنّا نرجو الخير فيك قبل هذه الدعوة، كنا نرى فيك حكمةً وأصالة رأي، فما بالك الآن؟ أتنهانا عن عبادة ما كان يعبُد آباؤنا؟ نحن في شكّ من دعوتك هذه الى عبادة الله وحده، شكٍ يجعلُنا نرتابُ فيك وفيما تقول.
قال صالح: أخبرني ان كنتُ على بَصيرةٍ من ربي، واعطني رحمةً منه لي ولكن، وهي النبوة والرسالة، ماذا اصنع؟ وكيف أخالف أمره وأعصيه؟ ومن يُعينني إن عصيتُه؟ ، إنكم لن تزيدوني غيرَ الضياعِ والوقوع في الخسران.
الآية: المعجزة. ذروها: اتركوها فعقروها: قطعوا قوائهما ثم بعد ذلك ينحرونها. في داركم: في بلدكم. الصيحة: صوت الصاعقة. جاثمين: ساقطين على وجوههم. كأن لم يغنوا فيها: كأنهم لم يقيموا في تلك الديار.
يا قوم، هذه ناقةُ الله معجزةً لكم تشهدُ على صدقي، فاتركوها تأكل في الأرض ولا تَمَسُّوها بأذى فينزلَ بكم عذابٌ قريب. فعقروها. . . فقال لهم صالح: استمتعوا بحياتكم في بلدِكم ثلاثة ايام، ثم بعدَ ذلك يأتيكم عذابُ الله. هذا وعد من الله الذي لايًخلف وعده.
فلما نزل العذاب نجّى الله صالحا والذين آمنوا معه من الهلاك ومن فضيحة ذلك اليوم على السوء والله هو القوي العزيز.
واخذت الصَّيحةُ ثمود، فاصبحوا في ديارِهم هامدين ساقطين على وجوههم. يؤمئذٍ انتهى أمرُهم وباتت ديارُهم خاليةً مهجورة كأنهم لم يسكنوها. لقد كفر قوم ثمود بآيات ربهم، فبُعداً لهم. وهكذا كانت الخاتمة، تجيل الذنب وإتباعهم اللعنة، وهلاكهم الى الأبد.
قراءات:
قرأ نافع: «ومِن خزي يومَئذ» بفتح ميم يومَئذٍ. وقرأ الباقون بكسرها. وقرأ الكسائي «لثمودٍ» بكسر الدال وتنوينها. وقرأ حمزة وحفص عن عاصم ويعقوب: «الا ان ثمودَ» بفتح الدال بدون تنوين. والباقون: «ثمودا» بالتنوين.
فما لبث: أسرع. حنيذ: مشوي بالحجارة المحاماة. نكرة: أنكره، ضد عرفه. واوجس منهم خِيفة: احس بالخوف. يا ويلتا: يا عجبا. البعل: الزوج.
جاء ذِكر إبارهيم عليه السلام في خمس وعشرين سورة سيأتي بعض التفصيلات عنها في سورة ابراهيم.
ولقد أرسلنا الملائكة إلى ابراهيم تبشِّره بأن الله سيرزُقُه غلاماً من زوجته سارة. وكان له اسماعيل من هاجر. فقالوا يحيُّونه: سلاماً، فقال: سلام، وأسرع فهيَّأ لهم طعاماً لذيذاً، عِجلَا مشوياً، وكان كريماً يحب الضيوف.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي: «قال سلم» بكسر السين وسكون اللام.
استغرب ابراهيم حال ضيوفه حين رأى أيديَهم لا تمتد الى الطعام، وأَدرك أنهم ليسوا من البشرَ، وأَضمر ذلك في نفسِه وخافَ أن يكون مَجيئهم لأمرٍ خطيرٍ لا يعلمه. فالذّي لا يأكل الطعام من الضيوف يكون امره مريباً، ويُشعر بأنه ينوي خيانةً او غدراً حسب تقاليد العرب.
وعند ذلك شفوا له عن حقيقتِهم، قالوا: لا تخفْ، لقد أُرسِلْنا إلى قومِ لوطٍ لإهلاكهم. وكانت ديارهم قريبةً من ديار ابراهيم.
{وامرأته قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} .
وكانت امرأةُ إبراهيم سارة واقفةً تسمع ما يقال، فضحكتْ سروراً بالأمنِ من الخوف، فبشَّرها الملائكة بأن الله سيرزقها ولداً اسمُه اسحاق، ومن بعدِه سيولد لإسحاقَ يعقوب.
قراءات:
قرأ ابن عامر وحمزة حفص «ويعقوب» بنصب الباء، والباقون «ويعقوب» بالرفع.
{قَالَتْ ياويلتى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} .
قالت سارة متعجبة: كيف ألد وأَنا كبيرة في السن عجوز، وهذا زوجي كما تَرَونه شيخاً كبيراً لا يولَد لمثله! إن بشارتكم هذه شيء عجيب مخالف لما هو معروف.
قال الملائكة: لا ينبغي لك ان تعجبي من قُدرة الله وأمرهِ. انه لا يعجِزه شيء.
لتكنْ هذه معجزةً من معجزاته الخارقة للعادات، وهي رحمةٌ منه لكم واحدى نعمه الكثيرة عليكم يا أهلَ بيتِ النبوّة. وهل جلَّ ثناؤه مستحقّ لجيمع المحامد، حقيق بالخير والاحسان.
الروع: الخوف. حليم: يصبر على من آذاه وجهل عليه ويعامله بلطف. اواه: كثير التأوه والتضرع الى الله. منيب: يرجع الى الله في كل امر.
وكان ابراهيم عليه السلام رجلاً رقيق القلب، فلما عَلِمَ أن قومَ لوطٍ هالكون، كما أعلمه الملائكة- أخذتْه الشفقةُ عليم، فجعلَ يجادل ويسأل الرحمة بهم، رجاء ان ينظُر الله اليهم نظر رحمة.
قال تعالى:
{فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الروع وَجَآءَتْهُ البشرى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ} .
حين اطمأن ابراهيم الى ان ضيوفه ملائكة من رسُل الله، وذهب عنه الخوف، وسكن قلبه ببُشرى الولد التي حمولها اليه، أخذ يجادل الملائكة في خلاك قوم لوط. وكان لوط هذا ابن أخ ابراهيم، وقد آمن بعمه كما قال تعالى:{فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إلى ربي} [العنكبوت: 26] .
{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ} .
لقد جادل ابراهيم الملائكة في عذاب قوم لوط لأنه كان يعمل ان لوطاً من الصدِّيقين، ولان ابرايهم نفسهَ كان حليماً لا يعْجَل بالانتقام من المسيء، بل هو كثير التأوُّه والتضرُّع الى ربه، ويرجع في كل اموره الى الله.
وجاءه الرد بقوله الملائكة: دعْ هذا الجدل لمصلحة قوم لوط والتماس الرحمة لهم يا إبراهيم، فقد صدر أمرُ ربك بهلاكهم، فالعذاب آتيهم لا يُرَدّ، بعد أن حقَّت عليهم الكلمةُ بالهلاك.
سيء بهم: ساءه مجيئهم. وضاق بهم ذعا: تحير ولم يطق هذه المصيبة. الذرع: منتهى الطاقة، يقال: ضاق الامر ذرعا: اذا صعب عليه احتالُه عصيب: شديد يُهرَعون اليه: يسرعون. لا تخزوني: لا تخجلوني. رشيد: عاقل الى ركن شديد: الى من ينصرني من اصحاب النفوذ.
{وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سياء بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ} .
كان لوط ابنَ أخِ ابراهيم. آمن بنبوّة عمّه وتَبعه في رحلاته. فكان معه بِمِصْرَ وأغدق عليه ملكُ مصرَ كما اغدق على ابراهيم. فكثُر ملاه ومواشيه. ثم إنه افترقَ عن ابارهيم لأن المكانَ الذيسكنه عمّه لمي عد يتسع لمواشيهما، ونزل سدوم في جنوب فلسطين، وهو المكان الذي فيه البحر الميت الآن.
وقد ذكر لوط في القرآن الكريم سبعا وعشرين مرة في اربع عشرة سورة هي: الانعام، الاعراف، هود الحجر، الانبياء، الحج، الشعراء، النمل، العنكبوت، الصافات، ص، ق، القمر، التحريم.
وكان أهلُ سَدوم، قوم لوط، ذوري أخلاق دنيئة لا يتسحون من منكر، ولا يتعفّفون عن معصية، بل يأتونها علناً على رؤوس الاشهاد، كما قال تعالى:{وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر} [العنكبوت: 29] .
وقد ذكرت قصة لوط بتمامها في عدة سُوَر، وخلاصتها ان قوم لوطٍ كانوا من الشرّ بمكان. . . كانوا يقطعون الطريقَ على السابلة، قد ذهب الحياء من وجوههم فلا يستقبحون قبيحا، ولا يَرْغَبون في حَسَن. وكانوا قد ابتدعوا من المنكَرات مالم يسبقهم اليه أحَد، ومن ذلك أنهم يأون الذكورَ من دون النساء، ويرون في ذلك سوءا. وقد وعظَهم لوط ونصحهم ونهاهم وخوَّفهم بأسَ الله فلم يأبهوا له ولم يرتدعوا. فلما ألحّ عليهم بالعِظات والإنذار هدّدوه: تراةً بالرجم، وتارةً بالإخراج، لأنه غريب، الى أن جاءَ الملائكةُ الذين مرّ ذِكرهم. وقد جاءوا الى لوط بهيئةِ غِلمان مُرْدٍ حسان الوجوه، فلّما جاءوا على هذه الهيئة تألَم واستاء، واحسّ بضعف عن احتمال ضيافتهم وحمايتهم من فساد قومه، وقال: هذا يومٌ شديد، شرُّه عظيم.
{وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السيئات} .
ولما علم قومُ لوط جاءوا مسرعين اليه، وكانوا معتادين على ارتكاب الفواحش والفُسوق وعملِ السيئات.
وحاول لوط ردَّهم فقال: يا قوم، هؤلاء بناتي، تزوجوا بهن، ذلك أظهرُ لكم من ارتكاب الفواحش مع الذكور. . . اخشوا الله واحذَروا عقابه، وتفضحوني بالاعتداء على ضيوفي، الي فيكم رجلٌ عاقل سديدُ الرأي يردّكم عن الغيّ والضلال!!
{قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} .
فأجابه قومُه بقولهم: أنت تعلم أ، الا نريد النساء كما تعلمُ ما هي رغبتُنا.
وأَجمَعُوا أمرَهم على فعلِ ما يريدون من العمل الخبيث.
عند ذلك تحيرّ لوط، وأَحسّ بضعفه، وهو غريبٌ بينهم، لا عشيرةَ له تحميه، فقال بحزن:
{قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ} .
آه لو كان لي قوة تدفعكم عن بيتي هذا، او ركن شديد أعتمدُ عليه في حماية ضيوفي، ومنعكم من ارتكاب السيئات.
وفي صحيح البخاري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وهو يقرأ هذه الآيات يقول: «يغفرُ الله للوط، أنه كان لَيأوي إلى ركن شديد» .
فلما ضاق الأمر واستحكمت حلقاته، وبلغ الكرب اشده، كشف الرسل عن حقيقة أمرم وأَنهم ملائكة فقالوا:
قَالُواْ يالوط إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ. . .} .
فأسر بأهلك: فسِرْ بأهلك في الليل، السرى والاسراء: السير ليلاً. بقطع من الليل: بجزء منه. من سجيل: من طين متحجر. منضود: متتابع منتظم. مسومة: لها علامة خاصة.
فما اشتدالأمرُ على لوط، وضاقت عليه الأرض بما رحُبَت، قالت الملائكة، وقد ظهرت على حقيقتها: لا تخف يا لوط، نحن رسُل ربك، ولسنا بشرأً كما بدا لك. ان قومك لن يؤذوك. سنمنعهم من ذلك. ولن يصلوا اليك بشر او ضر، أَسر بأهلك ليلاً، واخرج بهم من هذه القرية، ولا يلتفت أحدٌ منكم خلفه لكيلا يرى هولَ العذاب فيُصابَ بشرٍ منه، الا امرأتك التي لم تؤمن فإنها من الهالكين مع قومها، ان موعد هلاكهم الصبح، وهو موعدٌ قريب.
فلما جاء وقت لاعذاب قلَبْنا ديارهم، بهم، وجعلنا عاليَها سافلَها، وأَمطرنا عليهم حجارةً من طينٍ متحجّر، عليها علامة من عند ربك.
{وَمَا هِيَ مِنَ الظالمين بِبَعِيدٍ} .
ليس العذاب الذي حل بقوم لوط وديارهم بعيا عنكم أيها المشركون من أهل مكة.
قراءات:
قرأ بان كثير ونافع: فاسر بهمزة الوصل، والباقون:«فأسر» من الإسراء. وقرأ ابن كثير وابو عمرو: «الا امراتُك» بالرفع، والباقون:«الا امرأَتك» بالنصب.
الا بتخسوا الناس اشياءهم: لا تنقصوهم من حقوقهم. ولا تعثَوا في الارض مفسدين: لا تبالغوا في الافساد. بقية الله: ما ابقاه الله لكم من الربح الحلال.
تقدم ذكر قصة شُعيب في سورة الاعراف، وقد ذُكر شعيب في القرآن عشر مرات في سورة الاعراف وسورة هود، وفي سورة الشعراء وسورة العنكبوت. وفي كل موضع من العظمات والأحكام ما لي في الأخرى.
وأرض قومه فهي مَدْين في شمال الحجاز لا تزال معروفة الا الآن، ويسمي المفسِّرون شُعيباً خطيب الانبياء لحسن مراجعته قومَه وبراعته في الحوار واقامة الحجة عليهم. ويقول الشيخ عبد الوهاب النجّار في كتابه «قصص الأنبياء» صفحة 149:
«أما شُعيب فقد كان زمنه قبل زمن موسى، فان الله تعالى لما ذكر نوحاً ثم هوداً ثم صالحاً ثم لوطاً ثم شعيباً قال:» ثم بعثنا من بعدِهم موسى بأياتنا الى فرعون وملأه «سورة الاعراف، ومثل ذلك في سورة يونس وهود والحج والعنكبوت. . .» .
ولقد أرسلْنا الى قومِ مدين أخاهم في النسَب شعينا، قال لهم: يا قوم اعبُدوا الله وحده، ليس لكم إله يستحق العبادة غيره، ولا تنقُصوا المكيالَ والميزان حين تبيعون. إن اراكم أهل ثروة واسعةٍ في الرزق تُغنيكم عن الدناءة في بخس حقوق الناس وأَكل اموالهم بالباطل، وأخاف ان يحلّ عذابُ يومٍ يحيط بكم لا تستطيعون تفلتوا من اهواله اذا لم تشكروا الله وتطيعوا امره؟
{وياقوم أَوْفُواْ المكيال والميزان بالقسط} .
أتمُّرهما بالعدْل دون زيادة ولا نقصان.
{وَلَا تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَآءَهُمْ} .
بسرقة أموالهم بالباطل.
{وَلَا تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ} .
ولا تفسدوا في الارض بقطع الطريق، وتهديد الأمن، وتعطيل مصالح الناس.
{بَقِيَّةُ الله خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} .
ان ما يبقى لكم من المال الحلال الذي تفضّل اللهُ به عليكم خيرٌ لكم من المال الذي تجمعونه من الحرام، ان كنتم تؤمنون بالله حقّ الإيمان ولست استطيع أن أكون عليكم رقيبا أحصي أعمالكم واحاسبكم عليها.
بينة: حجة واضحة، ان اخالفكم الى ما انهاكم عنه: ولا أريد ان أفعل ما انهكم عنه. واليه أنيب: الى الله ارجع. ولا يجرمنكم شقاقي: لا يحملنكم الخلاف بيني وبينكم على العناد.
بعد ان بين الله تعالى أمرَ شعيب لقومه بعباده الله وحده وعدم النقص في الكيْل والميزان- ذكر هنا ردَّهم عليه، ثم أعدا النُّصح لهم بأنه لا يريد لهم الا الإصلاح، فقالوا متهكّمين به:
أصلاتُك يا شعيب تأمُرك ان نتركَ ما كان يعبد آباؤنا؟ ون لا نتصرّف في أموالنا كما نشاء؟ افأنت الحليمُ الرشيدُ كما هو معروف بيننا؟ .
فأجاب شعيب:
يا قوم، أرأيتم ان كنتُ على حجةٍ واضحة من ربي (وهي النبوة) ورزقَني منه رزقاً حسنا. . . هل يصحُّ لي مع هذه النعم الجزيلة ان كتَم ما أمرين بتبليغه لكم؟ إنني لن آتي ما أنهاكم عنه لأستبدَّ به دونكم، وانما اريد الإصلاح قدر طاقتي، وما توفيقي لإصابة الحق والصواب في كل ما آتي الا بهداية الله تعالى، عليه توكلت في أداء ما كلّفني من تبليغكم، وإليه أرجع في كل ما أهمَّني.
ويا قوم، لا يحملنَّكُم الخلافُ بيني وبينكم على العناد والإصرار على الكفر. عندئذ يصيبكم ما أصاب قومَ نوح من الغرق، او قوم هودٍ من الريح، او قوم صالح من الرَّجْفة. ان ديار قوم لوط قريبة منكم، فاتبروا بما أصابهم.
{واستغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} .
واطلبوا من اللهِ ان يغفرَ لكم ذنوبكم، ثم ارجِعوا إله نادمين، فهو يرحم من اسغفر واعتذر، ويتودد الى عباده بالإنعام عليهم، والنصح لهم.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي وحفص: «اصلاتك» بالافراد، والباقون:«اصلواتك» بالجمع.
ما نفقه: ما نفهم. لولا رهطك: ولولا جماعتك. لرجمناك: لرميناك بالحجارة. واتخذتموه وراءكم ظهريا: وراء ظهرهم نسيا منسيا. اعملوا على مكانتكم: ما يمكنكم، اقصى استطاعتكم. ارتقبوا: انتظروا الصحية: صيحة العذاب. جاثمين: باركين على ركبهم مكيبن على وجوههم. كأن لم يغنوا: كأنهم م يقيموا في ديارهم ولم يسكنوها. بُعداً لمدين هلاكا لهم.
قالوا: يا شعيب، نحن لا نفهم كثيراً مما تقول، وأنت بيننا ضعيف في مكانتك، ولولا ان عشيرتك عزيزةٌ علينا لقتلناك رَجماً بالحِجارة، وما انت علينا بعزيز حتى نجلّك ونحترمك.
قال شعيب: يا قوم أعشيرتي أعزُّ عليكم من الله ارسلني اليكم! لقد جعلتم أوامره منبوذةً وراء ظهوركم. . ان ربي محيط بكل ما تعملون.
يا قوم، اعملوا ضدي كل ما تستطيعون، أما انا فسأظل أعمل على الثبات والدعوة الى الله. وسوف تعلمون من منّا الذي يأتيه عذاب يفضحُه ومن هو كاذب انتضِروا وأنا معكم من المنتتظِرين.
ويحن جاء عذابُنا نجَّينا شعيباً ومن آمنَ معه، واخذت الظالمين من اهل مدين الصيحةُ المهلكة، فأصبحوا في ديارشهم باركين مكبيّبين على وجوههم.
وانتهى أمرُهم وزالت آثارهم وصارت ديارهم باركين مكبين على وجوههم.
وانتهى أمرُهم وزالت آثارهم وصارت ديارهم خاوية كأنْ لم يقيموا فيها. الهلاكُ لمدين، وبعداً لهم من رحمة الهل كما بعدت ثمود من قبلهم.
الآيات التسع المعدودة في سورة الإسراء، والمفصلة في سورة الاعراف وغيرها. سلطان مبين: الحجة الواضحة والدليل الظاهر. الملأ: اشراف القوم وزعماؤهم: بلوغ الماء، والمورد: الماء. وهنا استعمل بمعنى النار مجازا. والرفد: العطاء والعون، والمرفود: المعطى.
لقد تكرر ذِكر موسى عليه السلام في القرآن الكريم مراتٍ كثيرة، ولما ذكر سبحانه ما أصاب أقوامَ نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، اشار في هذه الآيات الى قصص موسى مع فرعون وقومه للإعلام بان عاقبة فرعون وزعماء قومه الهلاكُ مثل الظالمين من اولئك الأقوام، والغاية من ذلك العبرة والعظة.
لقد ارسلنا موسى، مؤيَّداً بالمعجزات الدالة على صدقه والحجّة، إلى فرعون وكبار قومه. فكفر فرعون وأمر قومه ان يتبعوه في الكفر، فاتبوعوا أمره وخالفوا أمر موسى. ولي ما فعل مما يدل على الرشد. وسيأتي يوم القيامة يتقدم قومه كما كان يتقدمهم في الدنيا، فيوردهم النار. ولبئس ذاك المورد. فعلى فرعون وعليهم لعنة الله والملائكة والناس. «بئس الرفد المرفود» بئس العطاء المعطى. . . اي تلك اللعنة.
منها قائم: موجود. وحصيد: محصود أمّحت آثاره كالزرع المحصود. تتبيب: اهلاك وتخسير تب: هلك وخسر.
{ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ القرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ} .
ان هذا القصص يا محمد هو بعض اخبار القرى التي أهلكناها، وهي جديدة عليك لم تكن تعلمها من قبل، لكن الوحي من لدنّا ينبئك بهذا الغيب. وذلك بعض اغراض القرآن في قصصه. «منها قائم» ومن هذه القرى ما لا تزال آثاره تشهد بما بلغ أهله من القوة والعمران، كآثار الفراعنة بمصر، وبقايا عاد وثمود، «وحصيد» ومن تلك الآثار ما درس وزال، كأنه زرع محصود، كما حل بقوة نوح او قوم لوط وغيرهم.
وما ظلمناهم بإهلاكهم، ولكنّهم ظلموا أنفسَهم بالكفر وعبادةِ غير الله والفساد في الارض، فما استطاعت آلهتُهم ان تردّ عنهم الهلاك، ولا نفعتْهم بشيءٍ لما جاء أمر ربك، فما زادوهم غير هلاكٍ وتخسير.
{وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القرى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} .
مثل هذا الذي قصصنْا عليك من الأخذِ الشديد يأخذ ربُّك القرى حين يهلكها وهي ظالمة مشركة تَدين لغيره بالربوبية.
لا تكلم: لا تتكلم. يوم مشهود: يشهده جميع الناس. لأجل معدود: معين الزفير: تنفس الصعداء من الهم والكرب. شهيق: نشيج في البكاء اذا اشتد تردده في الصدر وارتفع به الصوت. غير مجذوذ: غير مقطوع مرية: شك.
بعد ان ذكر اللهُ تعالى العبرةَ في إهلاك الأمم في الدنيا، ذكره هنا العبرة بجزاء الآخرة للأشقياء والسعداء، وما ينال الاشقياءَ من العذاب والخلود في النار. ما يتمتع به المؤمنون في الجنة.
ان في ذلك القصص عبراً ومواعظ يعتبر بها من آمن بالله وخاف عذاب الآخرة بعد يوم القيامة، وهو يوم يُجمع له الناس كلهم للحساب، وتشهدهُ الخلائق جميعا من الجن والانس والملائكة.
{وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَاّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ} .
ونحن نؤخر ذلك اليوم حتى تمضي مدة محدّدة في عالمنا لا تزيد ولا تنقص، ولم يُطلع عليها أحداً من الخلق.
{يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَاّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} .
في ذلك اليوم الذي يأتي لا تتكلَّم نفس من الأنفس الا بإذنه تعالى، ويكون الناس فريقين: شقياً مستحقاً للعذاب الأليم، وسعيداً مستحقاً لما وُعد به المتقون من نعيم الآخرة
قراءات:
قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة: «يوم يأتِ» بكسر التاء بدون ياء. والباقون «يوم يأتي» بالياء.
ثم فصل جزاء الفريقين فقال:
{فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِي النار لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} .
فاما الذين شقوا في الدنيا ففي النار مآلُهم يكون فيها تنفُّسه مصحوباً بآلام مزعجة، وشهيقُهم يشتد تردُّده في الصدر من شدة كروبهم.
خالدين في النار ما دامت السموات والارض، لا يخُرجون منها الا في الوقت الذي يشاء الله، وليعذِّبَهم بنوعٍ آخر من العذاب. ان ربك أيّها النبي فعّال لما يريد فعله، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
اما الذين رزقَهم الله السعادةَ فيدخلون الجنة خالدين فيها الى ما لا نهاية {إِلَاّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} الا الفريق الذي يشاء الله تأخيرَه عن دخول الجنة مع السابقين، وهم عصاةُ المؤمنين، وهؤلاء يتأخَرون في النار ريثما يم توقيع الجزاء عليهم، ثم يخرجون منها الى الجة ويعطي ربك أهل الجنة عطاءً دائماً غير مقطوع ولا منقوص.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي وحفص: «واما الذين سعدا» بضم السين وكسر العين والباقون: «سعدوا» بفتح السين وكسر العين.
بعد ان بيّن الله تعالى قصص عبدةِ الأوثان وما آل اليه أمرهم، ثم أتبعه بأحوال الاشقياء والسعداء - أعاد الخطاب الى رسول الله عليه الصلاة والسلام ليسرّي عنه عن المؤمنين معه ويثبتهم.
ما دام امر الأمم المشركة في الدنيا ثم في الآخرة كما قصصنا عليك يا محمد- فلا يكن لديك أدنى شكٍ في مصير عَبَدِة الأوثان من قومك. انهم يعبدون ما كان يعبد آباؤهم من قبل، من الاوثان والاصنام فهم مقلِّدون لهم، وسوف نعطيهم نصيبهم من العذاب جزاء اعمالهم وافيا على قدر جرائمهم.
شك منه مريب: قوي دائم. طرفي النهار: الغدوة العشيّة، يعني صلاة الصبح والظهر والعصر. وزلفاً من الليل: الساعات الاولى منه، صلاة المغرب والعشاء.
بعد ان ذكّر مشركي مكة بالماضين من أمثالهم، وما جرى لهم في الدنيا وما سينالهم في الآخرة - ذكّرهم هنا في هاتين الآيتين بقوم موسى، واختلافهم في الكتاب. فمنهم من آمن ومنهم من كفر، فلا عجب أن آمن بك قومٌ ايها الرسول وكفر بك آخرون.
ولقد آتينا موسى التوراة فاختلف بنو اسرائيل فيها، ولولا كلمةٌ سبقت من ربك بتأخير عذابهم الى يوم القيامة لفصل بينَهم بإهلاك المبطِلين ونجاة المحقّين. ان كفار قومك يشكّون في صدق القرآن، وكذلك هؤلاء ورثوا التوراة واقعون في حيرة وبعدٍ عن الحقيقة.
{وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} .
ان ربّك سيوفي كل فريق من هؤلاء: المصدّقين والمكذبين، جزاء اعمالهم، وهو خبير بهم يحيط علمه بكل ما يعملون.
قراءات:
قرأ ابن كثير ونافع وابو بكر «وان كلا» باسكان النون. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة «لما» بالتشديد والباقون «لما» بالتخفيف.
وبعد ان بيّن الله أمر المختلفين في التوحيد والنبوّة، وذكَرَ وعْدَهم ووعيدَهم- أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين بالاستقامة، وهي كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعمل والعمل والاخلاق الفاضلة، فقال.
{فاستقم كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} .
ما دام هذا حالُ الأمم التي جاءها كتاب من الله فاختلفت فيه وخرجت عليه، فاستِقم انت يا محمد ومن معك من المؤمنين ولا يتتجاوزوا حدودَ الاعتدال، انه سبحانه محيط علمه بكل ما تعملون.
لا تميلوا ادنى ميلٍ ولا تطمئنوا الى اعداء الله وأَعدائكم الذين ظلموا أنفسَهم بالكفر والشرك فتستَحِقّوا عذابَ النار مثلهم. انه لا ناصر لكم غير الله، ولا تنصَرون الا بالاستقامة والايمان.
وكذلك لاتسكُتوا عن المنكر إذا رأيتموه. . . فإن الامام أحمد وأصحاب السُنن رووا عن ابي بكر رضي الله عن هـ انه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ان الناس رأوا المنكَر بينهم فلم يُنكِرونه، يوشكُ أن يعمَّمهم الله بعاقبه» وهذا ما هو حاصل فينا اليوم.
بعد ان امر الله رسولَه بالاستقامة وعدم تجاوُزِ ما رسمه الدين، وعدم الركون الى الظالمين، أمره هنا بأفضلِ العبادات وأجلّ الفضائل، فقال:
يا محمد، أقمِ الصلاة كاملة على أحسن وجه، وداومْ عليها في طرفَي النهار (وهما أوله وآخره) وفي اوقات متفرقة منه.
وهذه تشمل أوقاتَ الصلاة المفروضة دوت تحديد عددها، لكن السُّنة وعمل الرسول الكريم حددت ذلك. وقد خصّ الله تعالى الصلاة بالذكرلانها أساس العبادات.
{إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات} .
ان الأعمال الحنسة تمحو السيئات التي قلّما يخلو منها البشر، والمراد بالسيئات الذنوب الصغيرة، لان الكبائر لا يكفّرها الا التوبة. كما قال تعالى {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31] .
وفي الحديث الصحيح: «الصلوات الخمسُ كفّارة لما بينَها ما اجتُنبت الكبائر» رواه مسلم وفي صحيح البخاري ايضا: «أأيتُم لو ان نهراً بباب أحدِكم يغتسل فيه لك يوم خس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا قال: فذلك ملُ الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا» .
ان في الوصايا السابقة من الاستقامة، والنهي عن الركون الى الذين ظلموا، واقامة الصلاة في تلك الأوقات عبرةً للمتعظين المستعدين لقبولها، الذين يذكرون ربهم على الدوام.
والاستقامة في حاجة الى الصبر، ولذلك عقب الله على ذلك بقوله:
{واصبر فَإِنَّ الله لَا يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين} .
اصبر ايها النبي على مشاق ما أمرناك به، فالاستقامة احسان، واقامة الصلاة في اوقاتها احسان، والصبر على المكاره احسان، والله لا يضيع أجر المحسنين.
فلولا: فهلا القرون: جمع قرن، الجيل من الناس وشاع تقديره بمائة سنة. اولوا بقية: ما يبقة من اهل الصلاح والعقل. ما اترفوا فيه: ما تنعموا فيه من ملذات الدنيا فافسدتهم وابطرتهم. وتمت كلمة ربك: قضاؤه وأمره.
{فَلَوْلَا كَانَ مِنَ القرون مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفساد فِي الأرض} .
فهلَاّ وجد هناك من أهل القرون التي كانت قبلكم جماعةٌ اصحابُ شيء من العقل او الرأي والصلاح ينهون قومهم عن الفساد في الأرض.
ولكن كان هناك نفَر قليل من المؤمنين لم يُسمع لهم راي ولا توجيه فأنجاهم الله مع رسلهم. أما الظالمون المعانِدون فقد تمسّكوا بما رزقناهم من أسباب الترف والنعيم فبطِروا واستكبروا وصدّوا عن سبيل الله، وكانوا بذلك مجرمين.
ثم بين الله تعالى ما يحول بين الأمم وإهلاكها فقال:
{وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} .
ما كان من سنة الله، ولا من عدله في خَلقه، ان يظلم أمةً من الأمم فيهلكها وهي متمسكة بالحق، ملتزمة الفاضئل. وهذا هوا لعدل من احكم الحاكمين.
{وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} .
لو شاء ربك ايها النبيّ لجعلَ الناس على دينٍ واحد، مطيعين الله بطبيعة خلْقتهم، كالملائكة، ولكان العالَم غير هذا العالم، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك، بل خلقهم مختارين كاسِين، وجعلهم متفاوتين في الاستعداد وكسب العلم، وهي لا يزالون مختلفين في كل شيء حتى في اصول العقائد، تبعا لميولهم وشهواتهم وتفكيرهم.
الذي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} .
لا يزالون مختلفين في شئونهم الدنيوية والدينية، الا من رحم الله منهم لسلامة فِطَرهم، فانهم اتفقوا على حكم الله فيهم، فآمنوا بجميع رسله وكتبه واليوم الآخر. ولهذه المشيئة التي اقتضتها حكمته تعالى في نظام هذا الكون، خلَقهم مستعدّين لهذا الاختلاق ليرتب على ذلك استحقاق الثواب والعقاب.
{إِلَاّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ولذلك خَلَقَهُمْ} .
ولقد سبق في قضائه وقدَره وحكمته النافذة، أن يملأ جهنم من اتباع ابليس من الجن والناس من الذين ظلموا ولا يهتدون.
نقص عليك: تخبرك. من ابناء الرسل: من اخبارهم نثبت: نقوي على مكانتكم: على تمكنكم واستطاعتكم.
في خاتمة السورة خطاب للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن في قصص الأنبياء والأمم القديمة فائدةً عظمى له وللمؤمنين، وهي تثّبت الفؤاد وتُلقي العظمة.
إننا نقصّ عليك ايها النبي كلّ نبأ من انباء الرسُل المتقدمين مع أممهم كيما نقوي قلبك على تحمل اعباء الرسالة. وقد جاءك في هذه الأنباء بيان الحق الذي تدعو اليه مثلما دعا اليه السابقون من الرسل، وفيها موعظة وذكرة وعبرة ينتفع بها المؤمنون.
{وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ} .
ايها النبيّ، قل للذين يصرّون على العناد والكفر: اعملوا ما تستطيعون من محارة الاسلام وايذاء المؤمنين، فاننا ماضون في طريقنا على قدر ما نستطيع من الثابت على الدعووة وتنفيذ أمر الله.
{وانتظروا إِنَّا مُنتَظِرُونَ} .
وانتظروا بنا ما تترقبون لنا. إننا كذلك منتظرون وعدَ الله لنا بنجاح الدعوة والانتصار.
ولله وحده علم الغيب في هذا كله، واليه وحده يرجع تصريف كل أم من الأمور. واذا كان الامر كذلك فاعبد ربك وحده، وتوكل عليه، وامتثل ما أُمرت به من دوام التبليغ والدعوة وما ربك بغافل عما تعملون جميعا ايها المؤمنون والكافرون. وقد صدق وعده ونصر عبده، واظهر دينه على الدين كله.
الف. لام. را. سبقت الاشارة الى تلك الحروف وأمثالها في القرآن الكريم. المبين: الواضح المرشد الى مصالح الدنيا وسبيل الوصول الى سعادة الآخرة.
{إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} .
لقد انزلنا هذا الكتاب على النبي العربي ليبّين لكم بلُغتكم نفسِها ما لم تكونوا تعلمونه، فعلنا ذكل تسهيلاً عليكم في أن تعقلوا معانيه وتفهموا ما ترشد اليه آياته من مطالب الروح، ومدارك العقل.
نحن نروي لك يا محمد أحسنَ الأخبار التي تتضمن العِبر والحِكَم، بإيحائنا اليك هذا القرآن، وكنتَ قبل نزوله عليك لا تعلم شيئا عنها، وبخاصة أنك في مجتمع أميّ جاهل لا يعرف شيئاً من أمور الماضين ولاِأخبار الأنبياء واقوامهم.
أحد عشر كوكبا: هم اخوة يوسف. والشمس والقمر: ابوه وامه الرؤيا: ما يراه النائم في المنام. يجتبيك ربك: يختارك ويصطفيك. تأويل الاحاديث: تعبير الرؤيا.
قال يوسف لأبيه يعقوب: لقد رأيتُ في منامي أحد عشر كوكبا ساجدة لي، ومعها الشمس والقمر ساجدين أيضاً. (وهذا السجود سجودُ تعظيم لا سجودَ عبادة) وقد عِلَمَ أبوه ان هذه الرؤيا سيكونُ لها شأنٌ عظيم، وان يوسفَ سيكون له مستقبل وسلطان يسود به أهلَه والناس، فقال لولده: يا بنيّ، لا تقصَّ على إخوتك هذه الرؤيا، فإنها تثير في نوسهم الحسدَ ويكيدون لك كيداً عظيما، فالشيطان بالمرصاد للانسان وهو عدوه الظاهر على الدوام.
لقد اصطفاك ربك يا يوسف فأراك هذه الرؤيا التي تبشّر بخير عظيم، وسختارك أيضاً للنبوة والملك، ويعلّمك الرؤيا، فيعظُم قدرُك وذكرك. وتتم نعمة الله عليك بالنبوّة، كما أتمّها من قبلُ على أبويك: ابرهيم واسحاق إنه عليم بمن يصطفيه حكيم في تدبيره.
ان بعض الرؤى حقّ، ويتحقق كثير منها في المستقبل، وما ورد في هذه السورة من وقوع مصداق رؤيا يوسف وصاحبيه في السجن، ورؤيا ملك مصر - يجعلنا نؤمن بها. وقد حصل معنا الكثير من الرؤى ومع اشخاص عرفناهم، وتحقق بعضا في حالات متكررة.
قراءات:
قرأ ابن عامر: «يا ابت» بفتح التاء والباقون: «يا ابت» بكسر التاء.
آيات: عبر. عصبة: جماعة اقوياء. الجب: البئر غيابه الجب: قعرها بعض السيارة: بعض المسافرين من القوافل يرتع: يلهو ينعم. واوحينا اليه: ألهمناه. لتنَبَّئهم: سوف تخبرهم فيما بعد.
لقد كان في قصة يوسفَ وإخوته عِبَرٌ للسائلين عنها والراغبين في معرفتها، اذا قال إخوة يوسف لبعضهم: إن يوسفَ وأخاه أحبُّ على أبينا منا، فهو يفضّلهما علينا على صغرهما. ونحن أكبرُ منهما وأنفعُ لكن أبانا بإيثاره يوسف وأخاه بنيامين يقع في الخطأ ويتعمد البعد عن الحق والصواب.
وتشاوروا فيما بينهم، فقال بعضهم: اقتلوا يوسف حتى لا يكون لأبيه أمل في لقائه، او أبعدوه الى أرضٍِ بعيدة عن العمران حتى يلا يهتدي الى العودة منها. بذلك يخلُص لكم حبُّ أبيكم، وتصيرون قوماً يرضى عنكم، اذ يقبل الله توبتكم، ويقبل ابوكم اعتذاركم.
فقال: واحد منهم: لا تقتلوا يوسف، ان ذلك ذنبٌ عظيم، ويكفي ان تُلقوه في قعر بئر يلتقطه منها بعض المسافرين من القوافل. . . وبذا يتم لكم ما تريدون.
قراءات:
قرأ نافع: «في غيابات» بالجمع والباقون «غيابه بالمفرد.
فأعجبهم هذا الرأي وأقرّوه، وذهبوا الى أبيهم يخادعونه، ويمركون به وبيوسف، فقولوا له: يا أبانا، لماذا تخاف على يوسف منّا فلا تأمنّا عليه؟ نحن نحبه ونُشفق عليه، فأرسلْه معا غداً الى المراعي.؟ هناك يتمتع بالأكل الطّيب، ويلغب ويمرح شأن بقية الصبيان، ونحن نحرص عليه من كل مكروه.
قراءات:
قرأ ابن كثير:» نرتع ونلعب «بالنون فيها، وقرأ أبو عمرو وابن عامر:» نرتع ونلعب «بالنون وجزم العين. وقرأ نافع:» يرتع ويلعب «.
قال ابرايهم: إنني لأشعر بالحزْن إذا ذهبتم به بعيدا عني، وأخاف ان يأكله الذئب وانتم عنه لاهون.
قراءات:
قرأ الكسائي وخلف:» الذيب «بدون همز. والباقون:» الذئب «بالهمز.
قالوا: كيف يأكله الذئب ونحن جماعة قوية! لا خير فينا لأنفسنا في تلك الحال.
وذهبوا به لينفذوا المؤامرة، واتفقوا على إلقائه في غور البئر وفي تلك اللحظات ألهمناه الاطمئنان والثقة بالله، وانه سيعيش ويذكر إخوتَه بموقفهم هذا منه فيما بعد.
بعد ان بيّن الله تعالى أن كلّ من في السموات والأرض خاضعٌ لقدرته عاد الى المشركين يسألُهم عدة أسئلةٍ ليُلزمهم الحجّةَ ويقنعهم بالدليل.
قُل لهم ايها النبي: من خَلَقَ السماواتِ والأرضَ؟ فإن لم يجيبوا فقُل لهم: إن الذي خلق هذا الكونَ وما فيه هو الله، ثم اسألهم وقل لهم: كيف اتّخذتم مِن دونِ الله أرباباً مع انهم لا يملكون لأنفسهم ولا لكم نفعا ولا ضرا!؟
ثم ضرب مثلاً للمشركين الذي يعبُدون الأصنامَ وغيرها من دون الله، والمؤمنين المصدِّقين بالله، فقال:
{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعمى والبصير؟} .
هل يستوي الأعمى الذي لا يُبصر شيئاً ولا يهتدي، مع البصير الذي يُبصر الحقّ فيتّبعه.
ثم ضربَ مثلاً للكفر والايمان فقال:
{أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظلمات والنور؟} .
لا يستوي الكُفر والإيمان، فالظلماتُ التي تحجُب الرؤيةَ هي التي تلفُّهم وتكفُّهم عن إدراك الحق الظاهر المبين.
ام جعلوا لله شركاءَ خلقوا كخلقه فاشتبه الأمرُ عليهم فلم يعرِفوا من خَلَقَ هذا ومن خلق ذاك، قل لم أيّها النبي: اللهُ وحده هو الخالقُ لكلّ ما في الوجود، وهو الواحد القهار الغالب على كل شيء.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي وابو بكر: «هل يستوي الظلمات والنور» بالياء، والباقون «تستوي» بالتاء كما هي في المصحف.
اكرمي مثواه: أحسني معاملته. المثوى: مكان الاقامة مكنا ليوسف: جعلنا له مكانه رفيعة. والله غالبٌ على امره: قادر عليه من غير مانع حتى يقع ما أراد، او غالب على امر يوسف يدبره ويحوطه. بلغ اشده: استكمل قوته وبلغ رشده. آتيناه حكماًوعلما: وهبناه حكما صحيحا صائبا، وعلما بحقائق الاشياء.
انتهت محنة يوسف الاولى، وبدأ عهداً جديداً في بلدٍ جديد عليه، ومجتمع غريب مختلف عن بيئته واهله. هناك بيع يوسف لرئيس الشرطة في المدينة وقال رئيس الشرطة لزوجته: خذي هذا الغلام، اشتريتُه من أصحابه أكرمي مقامه عندنا لعلّه ينفعُنا او نتهذه ولدا لنا. وأحبه سيَدُه كثيراً، فجعله رئيس خَدَمه، حتى لم يكن لأحد في الدار كلمة اعلى من كلمة يوسف سوى سيده وسيدته، كما قال تعالى:{وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض} الآية.
{وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث} .
ألهمناه قدراً من تعبير الرؤيا، ومعرفة حقائق الامور، والله غالبٌ على كل أمرٍ يريده، ولكنّ اكثرَ الناسِ لا يعلمون خفايا حِكمته ولطف تدبيره. ذلك أنا ما حدث ليوسف من اخوته، وما فعله الذي أخذوه حراً وباعوه عبدا، ثم ما وقع له من امرأة العزيز ودخوله السجن- كل ذلك كان من الاسباب التي أراد الله تعالى بها المكين ليوسف في الأرض.
ولما بلغ يوسف أشُدّه واستلكم قوته، اعطيناه حُكماً صائبا وعلماً نافعا، ومثلُ ذلك الجزاء العظيم نجازي بها المحسنين على احسانهم.
وراودته: طلبت منه برفق ولين ومخادعة. هيت لك: هلم اقبل وأسرع. قال معاذ الله: قال اعوذ بالله. انه ربي: انه سيدي. احسن مثواي: احسن معاملتي فلا اخونه.
وراودته امرأة سيِّده عن نفسه، (وانه لتعبير لطيف محتشَم) وغلّقت أبواب قصرها وقالت: هلمّ، عليّ يا يوسف، فقد هيأت لك نفسي فقال يوسف: معاذ الله اخون ربّي وسيّدي ومالك نفسي. . . لقد أحسنَ إليّ غاية الاحسان، فكيف أخونه بعد كل هذا الاكرام!!
{إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظالمون} .
الذين يخونون من أحسن اليهم بالتعدي على اعراض الناس.
قراءات:
قرأ ابو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي: «هَيْتَ لك» كما هي في المصحف. وقرأ ابن كثير: «هيت» بفتح الهاء وضم التاء مثل حَيْتُ. وقرأ نافع وابن عامر: «هيت» بكسر الهاء وفتح التاء. وروى هشام ابن عامر: «هِيئْتُ» يعني تهيأت لك.
وهذه محنة يوسف الثانية: لقد افتتنت امرأة العزيز بجماله، فأَشعل ذلك في نفسها جذوة الحب، فراودته عن نفسه، فأبى، وحاولت اغراءه بشتّى الطرق، حتى همت عن المعصية والخيانة، وثبت على طُهره وعفافه. بذلك صرف الله عنه سوء الخيانة والمعصية وظل هو من عباد الله الذين أخلصوا دينهم له.
وهرب منها. . فلحقت به عند الباب، وتعلقت بقميصه فشقته من خَلف. وفي تلك الأثناء جاء سيّدها. وصادف الحادث وهو يهمُّ بالدخول ومعه ابن عمها. فملا رأت زوجها ارادت ان تشفيَ غُلَّ صدرها وحنقها على يوسف لما فاتها من التمتع به، فقالت لزوجها:
{مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سواءا إِلَاّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
لقد أرادت ان توهم زوجَها أن يوسف قد اعتدى علهيا، وطلبت منه ان يسجنه أو يعذّبه عذابا اليما. وهنا وقف يوسف وجهر بالحقيقة في وجه الاتهام الباطل، فقال:«هِيَ روادتْني عن نفسِي» لا أنا الذي فعلت. لقد حاولتْ ان تخدعني وتوقعني في المعصية. فقال ابن عمها: ان كان قميصه شُقّ من أمام، فقد صدقت وهو من الكاذبين، وان كان فميصه شُقّ من الخلف، فقد كذبت في قولها، وهو من الصادقين.
فلما رأى الزوج قميص يوسف تمزّقَ من خلْفٍ، قال لزوجته: ان اتهامك له باطل، وما الأمر الا من كيدكن معشر النساء، إن كيدَكن عظيم.
ثم التفت الى يوسف، وقال له: يا يوسف، أعرِض عن هذا الأمر، اكتمه ولا تذكره أبداً. وقال لزوجته: اما انتِ فاستغفري لذنبك من هذا العمل الخطأ.
وانتهى الامر الى هنا، ولم يوقع العزيزُ أية عقوبة على يوسف، لتأكده من براءته.
قراءات:
قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر ويعقوب: «المخلصين» بكسر اللام والباقون: «المخلَصين» بفتح اللام كما هو في المصحف.
فتاها: عبدها قد شغفها حبا: شغاف قلبها، والشغاف: حجاب القلب الذي يغشّيه. وأعتدت لهن متكأ: وهيأت لهن مجلسا مريحا فاخرا. وأكبرنه: أعظمنه ودُهِشْنَ من جماله. وقطّعن ايديهنّ: جرحن أيديهن من فرط الدهش. حاش لله: تنزيها له استعصم: عفّ وامتنع عن المعصية. أصبُ اليهن: أمِلْ اليهن.
شاع نبأ حادثة امرأة العزيز وفتاها في ارجاء المدينة، ولاكته افواه النساء، وشرعن يَلُمْنها على فعلتها. وبلغ ذلك امرأة العزيز فأخذت تكيد لهن حتى يَعْذُرنها. وهكذا ارسلت الدعوة الى طائفة من نساء عليه الوقم، وأعدّت لهن مجلساً من الوسائد والنمارق وقدّمت اليهن طعاماً، وأعطت كلاً منهن سكّينا تقشر بها الفاكهة. وحين اتخذْن مجالسهم قالت ليوسف: اخرج عليهن. فلما رأينه بهرنّ جماله، وألهاهن عن تقطيع الطعام والفاكهة، وجرحن أيديهن من فرط الدهشة والذهول، واعلنَّ لذلك الجمال، حتى قلن «حاش الله، ما هذا بشراً إن هذا الا مَلَك كريم» .
حنيئذ باحت لهن امرأة العزيز بحبها ليوسف، وقالت: إن هذا التفى الذي بهركنّ حُسنه، هو الذي لمنَّني في شأنه، {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ} وحاولت إغراءه، لكنه امتنع وعف، {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن الصاغرين} وان لم يقبل فانه سيُسجن ويكون من الاذلة المقهورين. ولما سمع يوسف هذا التهديد والوعيد قال: يا رب، السجنُ احبُّ الى نفسي مما يطلبنه مني، وان لم تُبعِدْ عنّي شرَّهن، أمِلْ الى موافقتِهن، وأقعْ في شباك مكرهنّ، «وأكنْ من الجاهلين» الذين تستخفُّهم الاهواء والشهوات.
فاستجاب له ربه، فصرف عنه شرّ مكرهن، انه هو السميع لدعاء من تضرّع اليه، العليم بصدق إيمانه.
{ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ حتى حِينٍ} .
ولما فشت الفضحية في الناس، رأى العزيز ان يصدّع أمر زوجته ويسجنه، وبذلك كيفّ ألسنة الناس عنه وعن زوجته ويخلصُ من العار. كانت الدلائل كلها تشير الى براءة يوسف وعفته وطهارته، ولكن امرأة العزيز المتغطرسة أمرت بالسجن، وزوجها نفّذ ذلك.
قراءات:
قرأ ابو عمرو ونافع: «حاشا» بالالف. والباقون: «حاش» بدون الف.
وهكذا، دخل يوسف السجنَ ظلماً، وهذه هي المحنة الثالثة والأخيرة من محن الشدة في حياة يوسف، فكل ما بعدها رخاء.
ودخل معه السجنَ فَتَيان، كان أحدهما رئيس الخبازين عند الملك، والثاني رئيسَ السقاة. وقد سُجنا لخيانة نُسبت اليهما كانت ستودي بحياة الملك.
وبعد ان استقر يوسف في السجن ظهر أمره للناس، وانه يختلف عن السجناء الآخرين. وفي ذات يوم جاءه صاحب شراب الملك واخبرنه انه رأى في منامه انه يعصر خمراً للملك، وجاءه الخباز وقال له: إني رأيتُ فوق رأسي طبقاً من الخبز تأكل منه الطيور، وطلبا اليه ان يفسر لكل واحد منهما ما رأى في منامه.
فانتهز يوسف هذه الفرصةَ ليُعلنَ لهم دِينَه ويدعوهم اليه، وقال لأهل السجن ينبئهم بمقدرته على تأويل الرؤيا: لن يأتيكما طعام الا نبأتكما بشأنه.
كل ذلك مما علّمني ربّي. ثم أضاف:
{إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَاّ يُؤْمِنُونَ بالله وَهُمْ بالآخرة هُمْ كَافِرُونَ} .
إني برئت من ملّة مَن لا يصدّق بالله ولا يقر بوحدانيته، ويعبد عدداً من الآلهة لا تضرّ ولا تنفع، لأن هؤلاء الناس يكفرون بالآخرة والحساب والجزاء. وبدلاً من ذلك، أجدُني اتبعتُ ملّة آبائي الذين دعوا الى التوحيد الخالص وهم: إبراهيم وإسحق ويعقوب.
ثم بيّن أساس الملّة التي ورثها عن آبائه الكرام بقوله:
{مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بالله مِن شَيْءٍ} ؟
وذلك كلّه من فضل الله علينا أهل بيت النبوة، {ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يَشْكُرُونَ} .
واسترسل يوسف يبيّن دينَه القويم. . . وبعد ان بين بُطلانَ الشِرك اتّجه الى السائلَين وقال لهما: يا رفيقيَّ في السجن، هل عبادة أرابٍ كثيرين متفرّقين لا ينفعون ولا يضرون خيرٌ لكما ولغيرٍ كما، ام عبادةُ الله الواحدِ القهّار الذي له ملك السماوات والارض وبيده كل شيء؟ .
ثم بيّن لهما ان ما يعبدونه ويسمّونه آلهةً انما هي من اختراعهم، وتسميةٌ من تلقاء انفسِهم توارثَها خَلَفٌ من سلف، ليس لها مستنَدٌ من عقلٍ ولا وحي سماوي. فقال:
وان هذه الأربابَ، سواءً كانت من البشرَ أم من غيرهم، ليستْ من الربوبية في شيء. . . انظروا، ليس لها قوّة ولا إرادة. اما الربوبية الحقّة فلا تكون إلا لله الواحِد القهار، لقد أمر ان لا تعبدوا سواه.
{ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يَعْلَمُونَ} . لا يدركون ماهم عليه من جهل وضلالة.
بعد ذلك شرع يوسف يفسّر لهما الرؤيا فقال: يا صاحبي السجن، ما أحدُكما فسيعود الى ما كان عليه، ساقيَ الملك وصاحبَ شرابه، واما الثاني فيُصْلَب ويُترك مصلوباً، فتقع عليه الطير وتأكل من رأسه، إن الأمر الذي يهُّمكما ويُشكل عليكما وتستفتيانني فيه قد اتّضح وانتهى حكمه.
ثم التفت يوسف الى الذي اعتقدَ انه ناجٍ منهما، وهو ساقي الملك، فقال له: اذكر حالي عند سيدك يا هذا، عساه يُنصفني وينقذني مما أنا فيه.
فشغل الشيطان ذلك الرجلَ بعد أن خرج من السجن وأنساه ان يذكر للملك قصة يوسف. وهكذا مكث يوسف في السجن بضع سنين والبِضعُ من ثلاثٍ الى تسع، ولا ندري كم المدة التي امضاها على التحديد.
سمان: جمع سمينة. عجاف: هزيلة مفردها اعجف وعجفاء. تعبرون: تفسرون. اضعاف احلام: احلام مضطربة يصعب تأويلها، والضغثُ وجمعه اضغاث: الحزمة من النبات او من كل شيء. واذّكر: تذكّر بعد امة: بعد حين. تزرعون سبع سنين دأبا: دواما. سبع شداد: سبع سنين صاعب، تشتد على الناس تحصنون: تدخرون. يغاث الناس: من الغيث، وهو المطر والرحمة يعصرون: يستخرجون العصير مما يعصر كالزيت والعنب والتمر والقصب.
بعد أن أمضى يوسف عداً من السنين في السجن أراد الله ان يبعثَ بالفَرَج فهيَّأ الاسباب لذلك. اذ رأى الملك رؤيا أفزعته. لقد رأى سبع بقرات سمان ترعى في روضة، ثم جاءت سبع بقرات اخرى هزيلات قبيحات المنظر خرجت من النهر وأكلت البقرات الاولى السمان. كذلك رأيى سبع سنابل خُضْر حَسَنة طالعةً في ساق واحدة، واذا سبع سنابل يابسات خلفها قد فلحتْهن الريح تهجم على السنابل الخضر فتأكلها.
اسيتقظ الملك منزعجا لهذين المنامين، وفي الصباح دعا اليه بالسحرة وكبراء دولته، وقص عليهم الرؤيا وسألهم عن تأويلها فلم يجد عند احد جوابا. قالوا:
{قالوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحلام بِعَالِمِينَ} .
هذه أحلام مضطربة ايها الملك.
وفي ذلك الوقت انتبه رئيس سقاة الملك، رفيق يوسف في السجن الذي فسر الرؤيا، وتذكّره، فقال للملك: إن في السجن شاباً ذكياً له علم في تعبير الرؤيا، فأرسِلوني اليه لأسأله عن تفسير هذهين المنامين. وأرسله الملك اليه فلما التقى بيوسف قال له:
قال يوسف: سيأتي على مصر سبعُ سنين مخصبات تجود الأرض فيها بالغلاّت الوافرة، ثم يأتي ذلك سبع مُجْدِبة تأتي على المخزون من السِّنين السبع التي تقدمتها.
نصحهم أن يقتصدوا في السنين ويخزِنوا ما فضلَ عن القوت في سنبله، حتى اذا حلّ الجدبُ وجدوا ما يسدّ الرمق الى أن يأتي الخصب من جديد.
ما بال النسوة: ما شأنهن. ما خطبكن: ما شأنكن: حَصْحَص الحق: ثبت واستقر.
ولما عاد رئيس السقاة الى الملك وأخبره بتأويل رؤياه سُرَّ الملك بذلك، وعَلِمَ أنه تأويلٌ مناسب مع الرؤيا فقال: ائتوني بيوسف، فلما جاؤوا ليوسف وطلبوا منه ان يخرج من السجن أبى حتى يعرف أمره على حقيقته. كذلك طلب الى الرسول ان يعود ويسأل عن النسوة اللاتي قطعّن أيديَهن، فلما سألوهن قلن: حاشَ الله ما علمنا عليه من سوء، وأنكرن ان يكنّ سمعن شيئا عن شأنه امرأة العزيز.
ولما سمعت امرأةُ العزيز بشهادة النسوة، وان الأمر قد استبان على حقيته ببراءة يوسف، ورأت انه اصبح من هَمِّ ان يأتي بيوسف من السجن ليستخلصه لنفسه - أقّرت بجرميتها وباحت بما كتمته عن زوجها عدة سنين. فقالت:
الحق أنني لم أنلْ من امانته أو أطعن في شرفه وعقته، بل صرّحتُ للنسوة بأني قد راودته عن نفسه لكنه تعفّف، وها أنذار أقرّ بهذا أمامَ الملِك ورجال دولته.
وبهذا الاقرار من امرأة العزيز انتهت تلك المحنة التي وقع فيها يوسف، وجاءت خاتمتُها خيرا.
أستخلصه لنفسي: أجعله خالصا لي. مكين أمين: ذو مكانة عالية وامانة. يتبوأ منها حيث يشاء: ينزل في اي مكان يشاء.
ولما ظهرت براءة يوسف للملك طلب إحضاره من السجن بعد أن وفّى له بما اشترط لمجيئه. فجاء يوسف، وكلّمه الملك فأُعجب بكلامه لما رأى من حسن تعبير يوسف ووفرة عقله وحكمته وقال له:«إنّك اليومَ لدينا مَكِينق أمين» وسأله أي عمل يرضاه لنفسه ويكون فيه سروره؟ فقال يوسف: «اجعلّني على خزائنِ الأرض» وما يخرُجُ منها من الغلاّت والخيرات «غني حَفيظٌ عليم» .
وقبل الملك عرضَه، فاستوزره، وبذلك انعم الله على يوسف نعمة جليلة، فجعل له سلطانا وقدرة في أرض مصر، يتبوأ منها حيث يشاء.
وهذا شأن الله في عباده، يهب نعمته لمن يختاره منهم، ولا يُضيع أجر المحسنين. وان ثوابه في الآخرة لأفضلِ واوفى لمن صدقوا به وبرسهل، وكانوا يتقون الشرك، ويخافون يوم الحساب.
قراءات:
قرأ ابن كثير: «يتبوأ منها حيث نشاء» بالنون والباقون «حيث يشاء» .
منكرون: لم يعرفوه. جهزهم بجهازهم: امر ان يعطوا من الطعام ما يريدون. خير المنزلين: خير من يضيف. سنراود عنه أباه: نخادع ونستميل برفق. لفتيانه: لغلمانه من الخدم. اجعلوا بضاعتهم في رحالهم: اجعوا ما جاؤا من البضاعة او اوعيتهم.
مرت السنينُ السبع المخصِبة وأعدّ يوسف عُدَّته فيها، واتخذّ المخازنَ وملأها وخزو الغلاّتِ في غُلُفِها. ثم جاءت السني السبع المجدبة، واشتدَّ المحلُ والجفاف في جيمع أمحاء الأرض. وجاء المصريون الى فرعون يطلبون القوتَ، فأحالهم الجدبُ بلاد الشام وأحسَّ أهلُ فلسطين الجوع وعِلِموا أن الطعام بصر موفور. فأرسل يعقوب أولاده ومعهم الجمال والبهائم الى مصر لشراء القوت لأهلهم من هناك، ولما دخلوا على يوسف عرفهم ولم يعرفوه. . وذلك طبيعي، فقد فارقهم وهو غلام أضمرد، وها هو الآن قاربَ الأربعين، وقد كسته أبهة الملك مهابة، اما هم فانهم على حالتهم في مَلْبَسهم ولغُتِهم ومنظرهم لم يتغير منهم شي.
وأمرَ يوسف ان يكرَّموا في ضيافته، واعطاهم من المؤونة ما طلبوا، واخذ يحدّثهم ويسأل عن احوالهم سؤالَ الجاهلِ بها وهو بها عليم. فأخبروه ان لهم اباً شيخاً كبيرا ولهم أخر صغير يحبه أبوهم حبا جما ولا يريد ان يفارقه. وهو بنيامين شقيق يوسف. فقال لهم بعد ان جهزهم الجهاز الكامل: احضِروا اخاكم الصغير في المرة القادمة ولا تخافوا شيئا، وإلاّ فلا كيل لكم عندي ولا تأتوا الي، فقال له اخوته: سنراود عنه أباه.
وقد اكرمهم يوسف غاية الإكرم، وقال لفتيانه: ردوا اليهم بضاعتَهم التي دفعوها ثمناً للطعام، واجعلوها في أوعيتهم، فإنهم يعودون الينا.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي وحفص: «لفتيانه» كما هو في المصحف والباقون: «لفتيته» .
متاعهم: اوعيتهم. يضاعتهم درت اليهم: هي ثمن ما كانوا أعطوه من الطعام. ما نبغي: ماذا نطلب وراء ما وصفنا لك من احسان الملك الينا؟ ونمِير أهلنا: نجلب لهم الطعام والمؤونة. عهدا. الا ان يحاط بكم: الا ان تغلبوا على امركم.
عاد إخوةٌ يوسف الى أبيهم وأخبروه ان الوزير المسئول اكرمهم غاية الاكرام وأخبرهم انه سيمنعهم من شراء الطعام في المرة الآتية حتى يأتوه بأخيهم بنيامين، فتذكّر يعقوب امر يوسفَ، وكيف فرطوا به فقال لهم:«له آمنكم عليه (بنيامين) الا كما أمِنْتُكم على أخيه من قبلُ» ؟! وفتح إخوة يوسف متاعهم لاستخراج الطعام الذي أتوا به من مصر، فوجدوا نقودهم بحالِها، وعرفوا ان ما جاؤا به من الطعام كان مجّاناً. فكان ذلك مما شدّد عزائمهم في الكلام مع أبيهم، حين قالوا له: يا أبانا، ماذا نطلب اكثر من ذلك! هذه بضاعتنا رُدَّت إلينا، فاذا سمحتَ بأخينا يذهبُ معنا فاننا نشتري الميرةَ (الطعام) لأهلنا، ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير، وهو شيء يسير عند الملك الكريم.
والظاهر ان القحط كان شديدا جعل يعقوب يسمح بسفر ابنه تحت شروط اشتراطها على اولاده، فقال لهم: لن ارسله حتى تؤتوني عهداً بالله لتعودون به إليّ الا إن عجزتم عن ذلك. فأعطوه عهدهم، وحينئذ قال: اللهُ على ما نقول وكيل.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي: «يكتل» بالياء، والباقون:«نكتل» بالنون.
اطمأنّ يعقوبُ الى عهد أبنائه، ثم دفعتءه الشفقة والحرص عليهم الى ان يوصيهم بدخول مصر من ابواب متفرقة، لكي يلفتوا الأنظار عنهم عند دخولهم، ولا تترقّبهم أعين الطامعين. ثم قال:{وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ الله مِن شَيْءٍ} وليس في قدرتي ان ادفع عنكم أذى، فالحكم في تدبير العالم ونَظْم الاسباب لله وحده، {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون} .
ولقد استجابوا لوصية ابيهم، فدخلوا من أبوابٍ متفرقة، وما كان ذلك ليدفع عنهم أذًى كتبه الله لهم، ولكنها حاجةٌ في نفس يعقوب، وكان من باب شفقة الأب على أبنائه.
آوى اليه اخاه: ضمه اليه. لا تبتئس: لا تحزن السقاية: وعاء يسقى به ويُكال به الطعام، وهو المراد الملك. العير: القافلة من الابل والبغال والحمير. زعيم: كفيل.
ولما دخل اخوة يوسف عليه انزلهم منزلا كريما، واختص أخاه بنيامين بأن ضمّه إليه وأسرّ له قائلا: إني اخوك يوسف، فلا تحزنْ بما كانوا يصنعون معك، وما صنعوه معي.
ثم إنه أكرم وفادتهم، وكال لهم الطعام، وزادهم حِمْلَ بعير لأخيه وجهّزهم للسفر، لكنّه أمر أعوانه ان يدسّوا كأس شراب الملك في أمتعة أخيه بنيامين. وغادر القومُ، فنادى مناد: أيها الركْب القافلون بأحمالهم، قِفوا إنكم لسارقون.
ارتاع إخوة يوسف للنداء، واتجهوا الى المنادين يسألونهم: ما الذي ضاع منكم، أي شيء تفقدون؟ فأجابهم هؤلاء: لقد سرقتم سقاية الملك يوسف، ونحن نعطي لمن جاء به حِمل بعير من المؤونة.
فقال اخوة يوسف وقد فوجئوا بهذا الاتهام: إن اتهامكم ايّنا بالسرقة أمر عجيب. {مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأرض وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} .
فقال فتيان يوسف وقد فوجئوا بهذا الاتهام: إن اتهامكم ايّانا بالسرقة أمر عجيب.
فقال فتيان يوسف وأعوانه لإخوته: فما جزاء من سرق صواع الملك ان ظهر انه عند احدكم؟ قالوا: من وجدتم ذلك في رحله فجزاؤه ان يؤخذ عبدا للملك، {كذلك نَجْزِي الظالمين} .
فتش كبير الأعوان وأحمالهم، مبتدئاً بالكبير منتهيا بالصغير، فوجد السقايةَ في عِدْل بنيامين. {كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ} وبذلك نجحت حيلته، وحق له ان يحتجز أخاه. ورجع بقية الإخوة الى مصر ودخلوا على يوسف مستعطِفين مسترحِمين. عند ذاك لامهم يوسف على ما صنعوا بعد ان اكرمهم وأحسن اليهم.
ثم علّل الله ما صنعه من التدبير ليوسف بقوله: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الملك إِلَاّ أَن يَشَآءَ} ولولا هذا التدبير على يوسف ان يضم أخاه اليه. فنحن {الله نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ} بالعلم والنبوة، {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} .
استيأسوا: يئسوا. خلصوا نجيا: انفردوا يتناجون ويتشارورن. موثقا: عهدا فرطتم: قصرتم. فلن ابرح الارض: فلن افارق مصر.
قال إخوة يوسف وقد ملئوا غيظا على بنيامين لما أوقعهم فيه من الورطة: إن يشرقْ فقد سرقَ* أخ له من قبل. يقصدون بذلك يوسف.
وفطن يوسف الى طعنِهم الخفيّ بقولهم: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} ساءه ذلك، لكنّه أسرّها، وقال في نفسه:{أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً والله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ} لانه العليم بحقائق الاشياء.
ثم أرادوا ان يستطعطفوه ليُطلقَ لهم بنيامين فيرِجعوا به الى أبيهم، لأنه قد أخذ عليهم ميثاقاً بان يردوه اليه، {قَالُواْ ياأيها العزيز إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً} طاعنا في السن لا يكاد يستطيع فِراقه، {فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين} إلينا في ضيافتنا وتجهيزنا. قال: حاش لله ان نأخذ إلاّ م وجدْنا عندَه السقايةَ المسروقة. ولقد حكمتم بذلك حين قلتم: {قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} .
فلما انقطع منهم الأمل، ويئسوا من قبول الرجاء، اختَلَوا بأنفُسهم يتشاورون في موقفهم من ابيهم. فقال كبيرهم: لقد أخذ أبوكم عليكم عهداً من الله بِردِّ أخيكم. وقد سبق ان فرّطتم في يوسف، وعلى ذلك فإنني لي أبرح أرض مصر حتى يأذن لي أبي في القدوم عليه، او يحكم اللهُ في شأني وهو خير الحاكمين.
سولت لكم: زينت. تولى: اعرض. ابيضّت عيناه: صار عليهما غشاوة بيضاء من كثرة البكاء، او ما يسمى المياه الزرقاء. كظيم: مملوء غيظا. تفتأ تذكر: لا تفتأ تذكر، لا تزال. حرضا: مشرفا على الهلاك. بثّي: همّي. تحسّسوا: ابحثوا بكل حواسكم.
بعد ان تشاور إخوةُ يوسف في أمرهم اشار عليهم أكبرُهم أن يعودوا الى أبيهم ويخبروه بالأمر على حقيقته، فيقولوا له: ان ابنك سرق صواع الملك، وعوقب على ذلك باسترقاقه، {وَمَا شَهِدْنَآ إِلَاّ بِمَا عَلِمْنَا} وحدَث تحت سمعنا وبصرنا. فإذا كنا يا أبانا في شك مما بلّغناك، فأرسل من يأتيك بشهادِة أهل مصر، او اسأل رفاقنا في القافلة لتظهر لك براءتنا.
فلما سمع يعقوب مقالتهم لم يصدّقهم، وقال في نفسه: هذا امر دبّروه لبنيامين كما دبروا أسوأ منه لأخيه يوسف من قبل. وزاد به الحزن حتى ابيضّت عيناه، وعاوده من الوجد انقضى امره، وقالوا: ألا تزال تذكر يوسف حتى تشرِف على الهلاك؟! فقال لهم: انما أشكوا ما بي من الحزن والحسرة الى الله، وأعلم منه ما لا تعملون. يا بَنيّ، ارجعوا الى مصر فانضموا الى أخيكم الكبير، وابحثوا جميعا عن يوسف وأخيه، ولا تقنطوا من رحمة الله أن يردَّهما، فلا يقنط من رحمة الله الا الكافرون.
الضر: المجاعة. ببضاعة مزجاة: قليلة آثرك: فضلك واختارك. لا تثريب عليكم: لا لوم ولا تأنيب.
واستجاب أبناء يعقوب لطلب أبيهم فذهبوا الى مصر، ودخلوا على يوسف مسترحمين، وقالوا: يا ايها العزيز، مسّنا وأهلَنا الضرُّ والجوع، وجئنا ببضاعة قليلة فأوف لنا الكيلَ وتصدَّق علينا، ان الله تعالى يكافئ المتصدّقين بأحسن الثواب.
فاخذت يوسف الشفقة الأخوية، وابتدأ يكشف امره لهم قائلا في عتب: هل أدركتُم قبح ما فعلتموه بيوسف من إلقائه في الجُبّ، وبأخيه من أذى؟!
نبهتهم تلك المفاجأة السارّة الى إدراك ان هذا يوسف، فقولوا مؤكدين: إنك لأنتَ يوسف حقا! فقال يوسف مصدّقا لهم: أنا يوسف، وهذا أخي، قد منّ الله علينا بالسلامة من المهالِك، وبالكرامة والسطان {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ الله لَا يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين} .
فقولوا: صدقت فيما قلت. . . إن الله فضَّلك علينا بالتقوى والصبر وحُسن السيرة، وأثابَك بالمُلك وعلوّ المكانة، وكنّا نحن آثمين.
فرد عليهم النبيّ الكريم قائلا: لا لومَ عليكم اليوم، ولكم عندي الصفح الجميل، وليغفر الله لكم {وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين} .
ثم سألهم يوسف عن ابيه، فلما أخبروه عن حاله وسوءِ بصره، أعطاهم قميصَه وقال لهم: عودوا به الى أبي فاطرحوه على وجهِه، فسيفَرَح بسلامتي ويعودُ إليه بصرُه، وحنيئذ تعالوا به وبأهلِكم أجمعين.
قراءات:
قرأ ابن كثير: «انك» بهمزة واحدة. والباقون «أإنك» بهمزتين.
ولما توجهت القافلة نحو ديار الشام، وكان يعقوب مسغرِقا في ترقُّب ما تأتي به رحلةُ بنيه، قال: إني لأَشَمّ رائحة يوسف، ولولا خشيةُ أن تتهموني في قولي لأنبأتُكم عن يوسف بأكثر من الشعورِ والوجدان.
فقال من حضر وسمع مقاله: {قَالُواْ تالله إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ القديم} يا يعقوب، من حبِّ يوسف لا تسلوه. ولم يطل الانتظار حتى جاء البشير الى يعقوب بسلامة يوسف وأخيه، والقى قميص يوسف على وجه يعقوب بصيراً وقرّت عينه وبشرّ نفسه باللقاء، فقال لمن لاموه وفنّدوا رأيه:{أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إني أَعْلَمُ مِنَ الله مَا لَا تَعْلَمُونَ} .
فأقبلوا عليه معتذرِين عما كان منهم، وطلبوا منه ان يستغفر لهم ذنوبهم، واعترفوا بخطأهم، فقال لهم: سأظلّ أطلب لكم العفو من الله عن سيئاتكم، {إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم} .
وتيهأ يعقوب وبنوه وأهله للسفر وشدّوا رحالَهم الى مصر، فلما بلغوها دخلوا على يوسف، فآوى إليه أبويه: يعقوب وزوجته، خالة يوسف، لان أمه ماتت وهو غصير، ورفعهما على العرش. وسجد له ابوه وزوجته واخوته الاحد عشر، وقال لابيه: يا أبت، هذا تأويل رؤياي من قبلُ، قد جعلها ربّي تتحقق، وقد أكرمني وأحسنَ إليّ، فأظهر براءتي وخلّصني من السجْن، وأتى بكم من البادية لنلتقي بعد ان افسد الشيطان بيني وبين إخوتي، وهذا كله من لطف الله بي وبكم، إن ربي لطيفٌ لمن يشاء انه هو العليم الحكيم.
واتجه يوسف الى الله بشكره قائلا: ربِّ ما أكثر عليَّ، وما أعظَمها! لقد منحتني المُلك ووهبتَني من العمل الكثير. يا خالق السماوات والأرض، أنت مالكُ أمري ومتولي نعمتي في محيايَ وبعد مماتي {تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بالصالحين} من آبائي ابراهيم واسحق ومن قبلهم، واحشُرني في زمرتهم.
ذلك الذي قَصصنا عليك ايها النبيّ (الرسول الكريم) من أخبار الماضي البعيد، لم يأتك الا عن طري الوحي منها، وما كنتَ حاضراً إخوةَ يوسف وهم يدبّرون له المكائد، وما علمتَ بكيدِهم الا عن طريقنا.
انتهت قصة يوسف اكبر قصة في القرآن الكريم كما تقدم.
غاشية: عقوبة شاملة. الساعة: القيامة. بغتة: فجأة.
{وَمَآ أَكْثَرُ الناس وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} .
انتهت قصة يوسف وبدأت بعد ذلك التعقيبات عليها، ومعها لفتات متنوعة، وجولات موحية في صفحة الكون وفي أغوار النفس، وفي الغيب المجهور، وكل هذا لولا وحيُ الله تعالى لما وصل الى علم النبيّ الكريم عليه الصلاة والسلام.
لقد كان رسولُ الله حريصاً على إيمان قومه، رغبة في إيصيال الخير الذي جاء به إليهم، ورحمة لهم مما ينتظرُ المشركين من نكد الدنيا وعذاب الآخرة.
وما اكثرُ مشكركي قومك يا محمد- ولو حَرَصت على ان يؤمنوا بك ويتبعوا ما جئتهم به من عندك ربك - بمؤمنين.
{وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَاّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} .
أنت غنيّ عن ايمانهم يا محمد، فلستَ تطلب منهم أجرا على الهداية ولا مالا ولا منفعة. انك انما تدعوهم ان يتبعوا أمر ربك، وفي ما تعدوهم اليه تذكير وموعظة لارشاد العالمين كافة الا لهم خاصة.
{وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} .
ما اكثر الدلائل المبثوثة في تضاعيف الكون على وجود الخالق ووحدانيته وكماله. انها معروضة للابصار والبصائر، في السموات والارض، وهم يمرون عليها صباح مساء، ولكنهم لا يروْنها ولا يسمعون دعاءها ولا يحسون ايقاعها العميق.
{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلَاّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} .
قال ابن عباس: هم اهل مكّة آمنوا وأشركوا وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك، الا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك. وهذا هو الشِرك الاعظم.
فايمان اكثرهم لا يقوم على اساس سليم من التوحيد، لأنهم لا يعترفون بوحدانية اله اعترافا خالصا، ولكنه مقترن في نفوسهم بشوائب تسلكهم في مسلك المشركين.
والشرك انواع، روى الامام احمد ان رسول الله قال:«انّ أخوفَ ما أخافُ عليكم الشركُ الاصغر، قالوا: وما الشِرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله تعالى يوم القيامة اذا جاء الناس بأعمالهم: اذهبوا الى الّذين كنتم تراءون في الدّنيا فانظُروا هل تجشدون عندَهم من جزاء» .
وبعد، فما الذي ينتظره أولئك المعرِضون عن آياتِ الله الناطقة في صفحات الوجود بعد اعراضهم عن آيات القرآن التي لا يُطلب منهم عليها أجر.
افأمِنَ هؤلاء الذين يؤمنون بالله لكنهم يشركون به غيره في العبادة، ان تاتيهم عقوبة شاملة تغشاهم، او تأتيهم الساعة فجأة حيث لا يتوقعون!!
هذا سبيلي: السبيل يذكر ويؤنث، هذا طريقي. على بصيرة: على حجة واضحة بأسنا: عقابنا عبرة: موعظة.
بعد ان بين الله تعالى ان اكثر الناس لايفكرون فيما في السموات والارض من آيات، تدل على ان الله هو الخالق المدبر- امر رسوله ان يخبر الناس ان طريقه هي الدعوة إلى اخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، يدعو بها هو ومن ابتعه على بصيرة واضحة وبرهان.
قل ايها الرسول: ان هذه الدعوة التي أدعو اليها هي سنتي ومنهاجي، وهي الطريق الى الله، وانا على يقين مما أدعو اليه ولديّ الحجّةُ والبرهان، وكذلك يفعل كل من تبعني وآمن بشريعتي، ونزه الله وعظمه عما لا يليق به، {وَمَآ أَنَاْ مِنَ المشركين} وأبرأ من أهل الشِرك لست منهم.
وكان المشركون في مكةَ يقولون: لو أراد الله بإرسال لبعث مَلَكا، كما حكى عنهم سبحانه بقوله:{لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [فصلت: 14] فرد عليهم بقوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَاّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ القرى أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتقوا أَفَلَا تَعْقِلُونَ} .
نحن لم نرسل الى الأمم السابقة إلا رجالاً نُنزل عليهم الوحي ونرسلهم مبشّرين ومنذِرين، فلم يكونوا ملائكة ولا خلقا آخر، بل بشرا مثلك.
ثم أتبعَ ذلك بتأنيبهم على تكذيب الرسول بتوجيه نظرهم الى آثار الغابرين كيف تركوا ديارهم خاوية على عروشها، فقال:
{أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض. . . . . الخ} .
افلم يسِرء هؤلاء المشرِكون المكذّبون في الارض فينظروا كيف أهلكْنا الّذين كفروا قبلَهم كقومِ لوطٍ وصالحٍ وسائرِ من عذبهم الله من الأمم!!
{وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتقوا أَفَلَا تَعْقِلُونَ} .
ان ثواب الآخرة أفضلُ، لأن نعيمها دائم، أفلا تفكرون في هذا الفرق أيّها لمكذبون بالآخرة!!
ثم ذرك سبحانه، تثبيتاً لفؤاد رسوله عليه الصلاة والسلام، أن العاقبةَ دائما لرسُله، وان نصرهُ تعالى ينزل علهيم حين يضيق الحال فقال:
لا تبتئس ايها الرسول، فان نصري قريبٌ اكيد، لكنه لا بدّ من الشدائد، حتى إذا يئس الرسلُ من إيمان من يدعونهم، وتيقنوا انهم جاءَهم نصرُنا، أنعمنا بالنجاةِ والسلامة على المؤمنين، ونَزَلَ عقابُنا بالمجرِمين المكذِّبين.
قراءات:
قرأ أهل الكوفة: كُذِبوا «بضم الكاف وكسر الذال بدون تشديد. وقرأ الباقون» كذّبوا «بتشديد الذال. وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب:» فَنُنْجِي «بضم النون وكسر الجيم وتشديدها.
وقرأ الباقون: «فنُجْى» بنونين على صغية الاستقبال.
إن في أخبار الانبياء واقوامهم عبرة وموعظة يستنير بها أصحاب العقول، وليس هذا القرآن حديثا مختلقا ولا أساطير مفتراة، وانما هو وحي يؤكد صدق ما سبق من كتب السماء ومن جاء بها من الرسل، ويبين كل ما يُحتاج الى تفصيله من أمور الدين، انه هدى لمن تدبّره وامعنَ النظرَ فيه ورحمةٌ عامة للمؤمنين الصادقين.
وهكذا تختتم سورة يوسف بمثل ما بدئت، وتجيء التعقيبات في أول القصة وآخرها وبين ثناياها متناسقةً مع موضوع القصة، وطريقة أدائها. وكما قدمنأ، بدأت القصةُ وانتهت في سورة واحدة، فيها مشاهدُ وألوان م الشدائد، ثم كانت العقابة خيراً للذين اتقَوا ربهم، وهذا هو وعد الله الصادق الذي لا يخيب.
ولقد بدأت السورة بقوله تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هذا القرآن وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافلين} وخُتمت بقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألباب مَا كَانَ حَدِيثاً يفترى ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} .
ألفْ ميم راء صوتيّة، وقد سبق الكلامُ عليها في سورة البقرة تبدأ بها بعض سورة القرآن، وهي تشير الى أنه معجز مع انه مكوذن من الحروف.
إن تلك الآياتِ العظيمةَ هي هذا القرآن، الكتاب العظيم الذي نزل عليك أيها النبي، بالحق والصدق من الله الذي خلقك، ولكنّ اكثرَ الناس لا يصدّقون بما جاء بهم من الحق.
هكذا تبدأ السورة بقضية من قضايا العقيدة: قضيةَ الوحي بهذا الكتاب، والحق الذي اشتمل عليه، وتكل هي قاعدةٌ بقية القضايا من توحيد الله، والايمان بالبعث والجزاء، والعمل الصالح في هذه الحياة - فكلُّها متفرعة عن الإيمان بالله، وان هذا القرآن وحي من عنده.
بغير عمد: العمد جمع عمود وهي السواري. مد الارض: بسطها. رواسي: جبال ثابتة يغشى الليل النهار: يغطيه ويستره. جنات: بساتين. صنوان وغير صنوان: الصنو، النظير والمثل، وجمعنا صنوان. والمراد هنا النخلات الكثيرة يجمعها اصل واحد. وغير صنوان: متفرقات ومن اصول شتى. الأُكُل: ما يؤكل.
بعد ان ذَكّر اللهُ تعالى أن أكثر الناس لايؤمنون، بدأ هنا باستعراض آياتِ القدرة، وعجائب الكون الدّالة على قدرة الخالق وحمته وتدبيره، وما في هذا الكون من امور تدل على وجوده ووحدانيته، بعضها سماويّ، وبعضها أرضي.
ان الله الذي أنزلَ هذا الكتابَ هو الذي رفع ما ترون من سمواتٍ تجري فيها النجوم بغير أعمدٍ تثرى ولا يعلمها الى الله، ثم مَلَكَ هذا الكونَ باستيلائه على العرش، وسخّر الشمس والقمر وجعلهما طائعين، فكلُّ يسيرُ في مدارٍ له لوقتٍ معين بنظام عجيب. وهو سبحانه يدبرّ كل شيء، ويبيّن لكم آياتِه الكونيةَ الدالة على القدرة الكاملة والحكمة الشاملة.
{لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} .
حين ترون هذه الآيات مفصّلة منسقة.
وبعد ان ذكر سبحانه الدلائل السماوية على وحادنيته أردفها بالأدلة الأرضية فقال: {وَهُوَ الذي مَدَّ الأرض وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ الثمرات جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثنين يُغْشِي الليل النهار إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} .
وهو سبحانه الذي بسط لكم الأرض، وجعلا متَّسةً تسيرون فيها شرقا وغربا، وهي لِعظَمِها تظهر مبسوطة مع أنها مكوّرة (وهذا أيضاً من عجائب الكون) وجعل فيها جبالاً ثابتة راسيات وانهاراً تجري لمنافع الانسان والحيوان. وقد جعل في هذه الأرض زوجين اثنين، ذكراً ونثى، من كل أصناف الثمرات. ويتم التلقيح بينهما تلقائيا اذا كان في شجرة واحدنة او بواسطة الهواء، اذا كانا في شجرتين.
وانه تعالى يُلبِس النهارَ ظلمةً الليل فيستره فيصير الجو مظلماً، وكذلك يلبس الليل ضياءَ النهار فيصير الجوُّ مضيئا، ان في هذا الكون وعجائبه لَعلاماتٍ بينّةً تثبت قدرة الله ووحدانيته للذين يتفَكّرون.
وفي الارض ذاتها عجائب، فهنالك قطع من الأرض يجاور بعضُها بعضا، ولكنها تختلف في التفاضُل، فبعضها قاحل لا يُنبت، وبعضها خِصب جيد التربة ينبت أفضل الثمرات ومنها صالحةٌ للزرع دون الشجر، وأخرى مجاروة لها تصلُح للشجرة دون الزرع، وفيها زرع من كل نوع وصنف، وخيل صنوان يجمعها أصلٌ واحد وتتشعب فروعها، وغير صنوانٍ متفرقة مخلتفة الاصول. . وذلك كلُّه يُسقى بماءٍ واحد لكنه يعطي طعوماً مختلفة.
{إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} .
ويقدّرون قدرةَ الخالق وحكمته وله يشكرون.
قراءات:
قرأ ابن كثير وابو عمرو ويعقوب وحفص: «وزرعٌ ونخيل صنوان وغير صنوان» بالرفع والباقون بالجر. وقرأ ابن عامر ويعقوب وعاصم «يُسقى» بالتذكير كما هو في المصحف، وقرأ حمزة والكسائي «يفضّل» بالياء والباقون:«نفضّل» بالنون.
الاغلال: واحدها غُل وهو طوق من حديد. السيئة: النقمة. الحسنة: النعمة. المثلات: مفردها مثلة بفتح الميم وضم الثاء. العقوبة والتنكيل بحيث تترك اثرا من تشويه ونحوه.
{وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ؟} .
ان أمْرَ المشركين مع كل هذه الدلائل لَعَجَب، فإن كنت تعجب يا محمد، فالعجب هو قولُهم: أبعدَ الموت وبعد ان نصير ترابا سوف نخلق من جديد؟ ان الذي خلق هذا الدون ودبره قادر على إعادة الناس في بعث جديد.
كل هذه أوصافٌ للمنْكِرين للبعث، فمثل هذه الاقوال لا تصدر الا عن الذين كفروا بربِّهم، لقد أغلقوا عقولهم وقيدّوها بالضلال وجزاؤهم يوم القيامة أغلالٌ في أعناقِهم يقادون فيها إلى النار.
قراءات:
قرأ ابن عامر: «إذا كنا» بهمزة واحدة والباقون «أإذا» بهمزتين على الاستفهام. وقرأ نافع وابن كثير ورويس «أاذا» بتخفيف الهمزة الأولى وتليين الثانية.
ثم العجبُ منهم أنهم يستعْجِلونك يا محمد أن تأتيَهم بعذابِ الله، بدلاً من ان يطلبوا هدايتَه ورحمته.
لقد مضت العقوباتُ الفاضحة النازلةُ على أمثالهم ممّن أهلكهم الله، وان ربَّك لذُوا عفوٍ وصفحٍ عن ذنوب التّوابين من عباده وان ظَلموا أنفسضهم فترة، لكنه شديد العقاب لِمَن يستمر على ضلاله.
وهم يطلبون منك آيةً خارقة، والخوارق ليست من عَمَلِ الرسل ولا اختصاصهم. انما يبعث الله بها مع الرسولِ ولا اختصاصهم. انا يبعث الله بها مع الرسول حين يرى بحكمتِه أنها لازمة. ولستَ ايها النبي الا منذراً لهم ومحذراً ولكل قومٍ هاد يهديهم الى الحق ويدعوم الى سبيل الخير.
الاغلال: واحدها غُل وهو طوق من حديد. الس
وما تغيض الارحام: ما تنقص غاض: نقص وغاب. عالم الغيب والشهادة: الغيب كل ما هو غائب عنا، والشهادة: الحاضر المشاهد. المتعالي: المستعلي على كل شيء. سارب: ذاهب على وجهه، ويقال سرب في حاجته. معقبات: ملائكة يحفظونه. من وال: من ناصر.
الله يعمل ما تحمله كل انثى في غيابات الأرحام من ذَكرٍ أو أنثى، واحداً أو اكثر، وما تنقصه تلك الارحام من خلوِّها من الولد، وما تزداد بولادتها وقتاً بعد آخر. . كلُّ شيء عنده بقَدْرٍ معلوم وله زمان معلوم.
{عَالِمُ الغيب والشهادة الكبير المتعال} .
هو الذي يعمل ما احتجَبَ وغاب عن حِسِّنا، كما يعمل ما نشاهده في حاضِرنا عِلماً أعظمَ مما نشاهد ونرى، وهو سبحانه الكبيرُ العظيمُ المستعلي على كل شيء.
قراءات:
قرأ ابن كثير: «المتعالي» باثبات الياء.
ثم بين الله تعالى ان عِلْنه شاملٌ لجميع الأشياء فقال:
ان عِلْمَه شاملٌ لكلّ شيء في هذا الوجود، يعلَم كلَّ أحوالِكم وأقوالكم في حياتكم، ومن أسرَّ القولَ او جَهَر به عندَه، سواءٌ، لأنه يعلم استخلفاءَكم باللَّيل، وظهروكم بالنهار.
{لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ. . . .} .
كل واحدٍ من الناس له ملائكة تحفَظه بأمرِ الله، وتتناوبُ عل حفظه في كل حال.
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} .
ان الله تعالى لا يغير النعمة علة قوم حتى يغيِّروا ما بأنفسهِم، وكذلك لا يغير ذلة او مهانة الا ان يغير الناس من اعمالهم وواقع حياتم، وأكبر دليلٍ على ذلك واقُعنا اليوم من تفكّك وتمزق. . . فنحن العربَ والمسلمين نملك اكبر ثروة في العالم، ونعيش على أعظم بقاع الارض، ومع ذلك نعاني من الذل والفقر والمرض والجهل وكل ذلك بسبب تردي أحوالِنا وبُعدِنا عن ربّنا، وفي ذلك عبرة كبيرة لنا.
{وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سواءا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} .
اذا أراد اللهُ ان يُنزلَ بقومٍ ما يسوءهم فليس لهم ناصرٌ يحمِيهم من أمْرِه، ولا من يتولّى امورَهم فيدفع عنهم ما ينزل بهم.
شديد المحال: شديد القوة والكيد. الضلال: جمع ظل وهو خيال الشيء. الغذو: اول النهار. الآصال: جمع اصيل، وهو ما بين العصر والمغرب.
{هُوَ الذي يُرِيكُمُ البرق خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِىءُ السحاب الثقال} .
ان آثاره قدرةِ الله في الكون ظاهرة، والبرقُ من هذه الظواهر الكونية العجيبة، فهو الذي يسخّر البرقَ فيخافه بعضُ الناس خشية الضرر على محصوله من نزولِ المطر او ما يترتّب عليه من الصواعق، ويطمع فيه بعضُهم رجاءَ نزول الغيث لسقي الزرع. . فبعضهم يخاف وبعضُهم يطمع في الخير من ورائه، والله تعالىهو الذي ينشء السحابَ المملوءة بالأمطار فيغيث بها الزرعَ والضرع.
ويسبِّح الرعدُ بدَلالتِه على وحدانية الله بحمدِه وتقديسه، فهذا الصوتُ المدوِّي في السماوات إنما هو حمدٌ وتسبيحٌ بالقدرةٍ التي صاغت هذا النظام، ويسبِّح الملائكةُ الكرامُ من هيبته وجلاِله. ثم تتم الصورةُ الرهيبة المشمولة بالرهبة والابتهار والبقرِ والرعدِ والسحابِ الثقال، بإرسال الصواعق، فيُصيب الله بها من يشاء.
ومع كل هذه الآيات والظواهر الكونية العجيبة يجادلُ الكفّار في شأن الله ووحدانِته وتفرُّدِه بالمُلْك، وهو سبحانه لا يغالب، فهو شديدٌ في عقوبة من طغى عليه وتمادى في كفره.
روى الإمام أحمد والبخاري والترمذي والنَّسائي عن ابن عمر: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا سمعَ صوتَ الرعد والصواعق يقول: اللهمَّ لا تقتلْنا بغضَبك، ولا تُهلكنا بعذابك وعافِنا قبلَ ذلك» .
المشرِكون المعاندون يجادلون في الله وينسبُون إليه شركاءَ يدْعونهم معه، ودعوةُ الله هي وحدَها الحق، وما عداها باطلٌ ذاهب. وفي هذا وعيدق للكفار على مجادَلَتهم الرسولَ الكريمَ في الله. هذا ما ان الّذين يدعونهم من الآلهة المزيَّفة من دونِ الله لا يَستجيبون دعاءَهم ولا يُنجِدونهم بشيء، ومثلُهم في ذلك كَمَن يبسُط كفّيه ليأخذَ بهما ماءً الى فمه، وهياتً ان يحصَل على شيء.
{َمَا دُعَآءُ الكافرين إِلَاّ فِي ضَلَالٍ} . في ضياعٍ وخسارة بدون فائدة.
ثم بيَّن الله تعالى عظيم قدرته فقال:
{وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بالغدو والآصال} .
في الوقت الذي يتّخذ الجاحدون آلهة من دون الله، ويتوجَّهون إليهم بالرّجاءِ والدعاء، نرى كلَّ من في هذا الكون يخضعُ لإرادته ويعنُون لعَظَمته من أناس وجِنّ وملائكةٍ طائعين أو كارهين، حتى ظِلالُهم خاضعةٌ لأمرِ الله ونَهْيِهِ في جميع أوقات النهار، وفي هذا تعميم لكل شيء.
عند قراءة هذه الآية يُسَنّ للقارئ والمستمع ان يسجد.
زبدا: هو ما يطفو على وجه الماء كالرغوة. رابيا: منفخا عاليا. جفاء: الجفاء هو كل ما رمى به الوادي من زبد وفتات الاشياء مما لا نَفْعَ فيه. بئس المهاد: بئس القرار.
{أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فاحتمل السيل زَبَداً رَّابِياً} .
في هذه الآية ضرب الله مثلَين الأول هنا وهو المقارنةُ بين الماء الذي يمكثُ في الأرض وينتفع الناس به من سقي الزرعِ والشجر والشُّرب وما فيه من الخير للناس، وبين الزَبَد الذي يعلو على وجه الماء وليسَ فيه نفعٌ. . وهي مقارنةٌ بين الحق والباطل.
والمعنى أن الله تعالى أنزلَ عليكم من السماءِ غيثاً تسيل به الوديانُ والأنهار، كلُّ بالمقدارِ الذي قدّره اله تعالى لفائدةِ الناس، وهذا السيولُ في جَرَيانها تحملُ ما لا نفع به من الزبَد الذي يعلُو سطحها.
والمثل الثاني أيضا للمقارنة بين الحقّ والباطل قولُه تعالى:
{وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النار ابتغآء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ} .
كذلك المعانُ الّتي تُذيبونها في النارِ من ذَهَب او فضةٍ او نحاس وغيرِها مما تصنعون منها حِليةً أو آلةً او آنيةً فإن المعدنَ يبقى لمنفعة الناس. وما فيه من زبد وخَبَثٍ يذهب، فالحقُّ كالمعدنِ النافع، والزَبدُ كالباطل.
{كذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل} .
يعني أن الحقَّ مثلُ الماءِ النافع الذي يمكث في الأرض والمعدن المفيدِ للناس، والباطلَ مثلُ الزَبِد الذي يطفو على سطحِ الماء لا نفع فيه، وهذا معنى قوله تعالى:
{فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض} .
كذلك الامر في العقائد، منها ما هو ضلالٌ فيذهبُ، ومنها ما هو صِدق فيبقى.
{كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال} .
وبمثلِ هذا يبيّن اللهُ سبحانَه للناسِ ما أشكلَ عليهم من أمورِ دينهم وتظهرُ الفوارقُ بين الحقّ والباطل.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي وحفص: «يوقدون» بالياء، والباقون:«توقدون» بالتاء.
وبعد ان بين الله تعالى شأن كل من الحق والباطل، شرع يبين حال أهل الحق والباطل وما يؤول اليه حالهم ترغيبا، فقال:
فمن أطاع اللهَ ورسولَه وانقاد لأوامره فلهم العاقبةُ الحُسنى في الدنيا والآخرة، ومن لم يجبْ دعوةَ الله ولم يطع أوامره فلهم العاقبةُ السّيئة. ولو ان لهم مُلْكَ ما في الأرض ومثلَه معه وقدّموه قِديةً لما نفعَهم أو دفع عنهم العذاب، ومصيرهم جهنم وبئس القرار.
يدرأون: يدفعون عن انفسهم. جنات عدن: جنات الاقامة. لهم عقبى الدار: خاتمة مكانهم الجنة وهي سعادة الدنيا والآخرة.
{أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحق كَمَنْ هُوَ أعمى} .
لا يستوي المهتدي والضالُّ، فالّذي يعلم ان الوحَي حق، وإن اللهَ تعالى الذي اصطفاكَ أنزلَ إليك هذا الوحيَ- مهتدٍ وبصير، والذي كذّب وعاند فهو أعمى ضال.
{إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الألباب} .
انما يؤمنُ ويعتبر بهذه الأمثال ويتّعظُ بها، أهلُ العقول السليمة التي تفكّر وتُبصِر.
ومن ثم بيّن أولي الألباب فقال:
{الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله وَلَا يِنقُضُونَ الميثاق} .
هؤلاء هم أولو الالبابِ، فهم الّذين آمنوا بربِّهم وعَقَدوا الميثاقَ بينّهم وبينَه على أن يقوموا بأوامره ويبتعدِوا عن كلِّ ما خالفَ الشرع، ولا ينقضون هذا العهد.
ومن صفاتِ أولي الألباب: انهم يَصِلون الرَّحمَ ويُعاملون الأقاربَ بالمودَّةِ والحسنى ويُحسِنون الى الناس بقدْرِ ما يستطيعون، ويُعينون المحتاجَ، ويكونون في خدمة دينِهم وأُمّتهم ووطنهم، كل ذلك ضِمنَ خشية الله، ومخافةِ العقاب.
وكذلك من صفات أولي الألباب: أنهم ثَبَتوا على العهد، فصَبروا على أداء التكاليف والواجبات وصبروا في خِدمة الناس ما استطاعوا، لا يُريدون في ذلك كلِّه إلا وجه الله، وأدَّوا الصلاةَ أتمَّ أداء، وأنفقوا من أموالِهم وجاهِهم في سبيلِ الله في السرِّ والعلَن، ويقابلون الاساءةَ بالإحسان. {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَاماً} [الفرقان: 63] .
هؤلاء الّذين تحلَّوا بكلَّ هذه الصفات هم أولو الألباب ولهم سعادةُ الدارَين.
أولئك الّذين وصفْناهم بتلكَ المحاسنِ لهم عقبى الدار: جناتُ عَدْنٍ للإقامة الدائمة والخلودِ، وفي هذه الجنات يأتَلِفُ شَمْلُهم مع الصالحين من آبائهم وأزواجِهم وذريّاتم، فيجتمع الأحبابُ ويتلاقون في جوٍ من السعادة، وترحِّبُ بهم الملائكة ويدخلون عليهم بالتحية والإكرام من كلّ باب قائلين لهم:{سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار} .
بعد ان بين الله تعالى صفات المتقين، وما أعَدَّ لهم عندَه في دارِ الكرامة، بيَّن هنا حالَ المكذِّبين الجاحدين وما ينتظرُهم من العاب وأن مقرَّهم النارُ، فهذه الصفاتُ التي وصفَ بها أولئك الأشقياءَ هي السببُ في خُسرانهم. إنّهم الّذِين لا عهدٌ لهم ولا ميثاق، ولا إيمان، ولا يَصِلون أرحامهم، وليس لأحدٍ عندهم نفعٌ ولا رجاءٌ، يعيشون لأنفسِهم ولا يعلمون أن الدنيا أخذٌ وعطاء، ومع كلِ هذا فهم مفسدون في الأرض فلهم اللعنةُ وسوءُ العاقبة في جهنم.
يبسط الرزق: يوسعه. ويقدر: يضيق. أناب: رجع اليه بالتوبة. طوبى لهم: العيش الطيب. وحسن مآب: المنقلب الحسن.
{الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ} .
ان الله تعالى يُعطي الرزقَ الواسعَ لمن يشاء إذا أخذَ في الاسباب، ويضيِّقه على من يشاء، فهو يعطيه للمؤمِن وغيرِ المؤمن، لا يظنَّ احدٌ ان كثرة المال دليلٌ على أنه على الحق.
{وَفَرِحُواْ بالحياة الدنيا وَمَا الحياة الدنيا فِي الآخرة إِلَاّ مَتَاعٌ} .
والذين يفرحَون بما أُوتوا من مالٍ في هذه الحياةٍ الدنيا، ويعتبرون ذلكَ أكبرَ متاعٍ وأعظمً لذّة ولا يفيدون غيرَهم منها. يَقعون في غرورٍ باطل، لأن الحياةَ الدنيا بدونِ عملٍ صالحٍ ونفعٍ للناس متاعٌ زائل، والدنيا مزرعةُ الآخرة، والعمر مهما طال فيها قصير.
ويلحّ المشركون في طلب آيةٍ من السّماء. والجوابُ على طلبهم هذا ان الآياتِ ليست هي التي تقودُ الناسَ الى الإيمان، وأن هذا الطلبَ وأمثاله من العناد والتعجيز، فللإيمان دواعيه الأصليةُ في النفوس، وأسابهُ المؤدّية اليه. فالله يهدي من يُنيبون إليه، فاسألوا الله الهداية.
{الذين آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله أَلَا بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب} .
وأما الذين اتّجهوا الى الله، وأقبلوا على الحقّ فهم الّذين آمنوا واطمأنّتْ قلوبُهم بذِكر الله، ألا بذِكر اللهِ وحدَه تطمئنُّ قلوبُ المؤمنين.
{الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات طوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} .
هؤلاء الذين أنابوا الى الله ورجعوا اليه واطمأنت قلوبهم بذكره، وعملوا الصالحاتِ، يُحسن اللهُ مآبَهم إليه، ولهم الفرحُ وقُرَّةُ العين عند ربهم.
خلت: مضت. متابي: مرجعي. سيرت به الجبال: سارت بسببه. قطعت به الارض: شققت. كلِّم به الموتى: جعلهم يتكلمون. ييأس: يعمل وهو لغة هوزان من العرب. قارعة: مصيبة.
{كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ في أُمَّةٍ. . .} .
كما أرسلنا إلى الأمم من قبِلك وأعطيناهم كتباً تتلى عليهم، ارسلناك يا محمد في أمة لاحقة واعطيناك القرآن معجزة لتقرأه عليهم. {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن} فقل لهم ايها النبي الله الذي خلقني هو ربي لا إله بحق غيره، {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} عليه وحده توكلت في جميع أموري، واليه توبتي ومرجعي.
{وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجبال أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرض أَوْ كُلِّمَ بِهِ الموتى} .
يعني: إنما أرسلناك لتتلوَ عليهم هذا القرآنَ العجيب، الذي لو كانَ من شأن قرآن ان تُسَيَّرَ به الجبالُ، او تقطَّع به الأرض، او يكلَّم به الموتى لكان في هذا القرآن من الخصائص والمؤثّرات ما تَتِمُّ به هذه المعجزات، ولكنَّهم معاندون بل للهِ الأمرُ جميعاً بل مرجعُ الأمورِ كلّها بيدِ الله.
{أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا أَن لَّوْ يَشَآءُ الله لَهَدَى الناس جَمِيعاً} .
أفَلَم يَعلم الذين آمنوا أن الله تعالى لو شاءَ هِدايةَ الناس أجميعين لهداهم.
ان قدرةَ الله ظاهرةٌ بين أيديهم، فلا يزالُ كفَروا تُصيبهم بسبب عنادِه وكفرِهم المصائبُ الشديدةُ التي تُهلكهم، او تنزل قريباً منهم فتردعُهم وتُقلقهم، حتى يأتَي وعدُ الله الذي وعدَهم به، واللهُ تعالى لايخلف موعده.
فأمليت: فأمهلت. قائم: رقيب. واق: حافظ.
في هذه الآيةِ تسليةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم، على سفاهة قومه، فإذا كان أولئك الجاحدون قد استهزأوا بما تدعو إليه يا محمد وبالقرآن فقد نالَ الانبياءَ الذي قبلك من أقوامهم كذلك، فلا تحزّن. فإني أمهلتُ الذين كفروا ثم أخذتُم بعقابٍ شديد.
{أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} .
أفمن هو قائمٌ حفيظٌ على كلّ نفسٍ لا يخفى عليه شيء ما كسبت كَمَن ليس كذلك! فالجواب محذوف وهو: كمن ليس كذلك. وهذا من بلاغة القرآن.
{وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ} .
وقد جعل هؤلاء الكفرةُ لِله شركاءَ فعبدوهم، فقل أيها النبي: صِفُوهم بأوصافِهم الحقيقة، {أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الأرض} أتخبرونه بشركاءَ يستحقَّون العبادة في الرض وهو لا يِعلَمُهم. {أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ القول} أم تدَّعون أنهم آلهةٌ بالقول الباطلِ من غير حقيقة.
بل الحقيقةُ أنه زُيِّن للذين كفروا تَدبيرُهم الباطلُ، فتخيَّلوا أباطيلَ ثم ظَنُّوها حقاً، وصُرِفوا عن السبيل وتاهوا، ومن يخذلْهُ اللهُ فما له من هادٍ يَهديه الى الصواب.
قراءات:
قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر: «وصدوا عن السبيل» بفتح الصاد. والباقون «وصدوا عن السبيل» بضم الصاد وهي القراءاة في المصحف.
{لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الحياة الدنيا وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ الله مِن وَاقٍ} .
لهم العذابُ في الدنيا بالهزيمةِ والأَسرِ والقتل، ولَعذابُ الآخرةِ أشدُّ وأدوم، وما لهم حافظ يعصِمُهم من عذاب الله.
الأكل: ما يؤكل. الاحزاب: الكفرة الذين تحزبوا على رسول الله. المآب: المرجع. الواقي: الحافظ.
بعد ان ذَكَر اللهُ تَعالى ما أعَدّه للكافرين من العذاب في الدُّنيا والآخرة، أتْبعَهُ بذِكر ثوابِ المتقين، فإذا كان لِلجاحدينَ العذابُ الدائم، فإن للؤمنين الجنةَ ونعيمَها، وتجري تحت أشجارها هذه الجنة، أنهار عذبة الماء، وثمراتُها دائمة لا تنقطع، وظِلُّها ظليلٌ دائم. هذه عاقبةُ المؤمنين الذي وَقَوا أنفُسَهم بالإيمان والصلاح، أما الذي كفروا فلهم النارُ وبئس القرار.
{والذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} .
إن فريقاً من الذين أُوتوا الكتابَ من اليهود والنصارى الذين آمنوا وصدّقوا يفرحون بما أُنزل من القرآن، لأنّهم يَجِدون فيه مصداقاً للقواعد الأساسية في عقيدة التوحيد وامتداداً للرسالة الالهية، ومن هؤلاء مَن آمن مثل عبد الله بن سلام واصحابه، وبعض النصارى من الحبشة ونجران واليمن.
{وَمِنَ الأحزاب مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ} .
ومن الّذين تحزَّبوا ضدَّ الإسلام من كفارِ قريش وغيرهم من أهل الاديانِ السابقة مَنْ ينكِر بعضَ ما أُنزلَ إليك عناداً وكفرا.
{قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ولا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ} .
قلْ أيّها النبي: إنّي أُمرت بأن أعبدَ الله حدَه، ولا أُشرِكَ في عبادتِه أحداً، الى عبادته وحدَه أدعو الناس وإليه مرجعي ومصيري.
{وكذلك أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً} .
وكما أرسلْنا قبلك المرسَلين ونزلْنا عليهم الكتبَ، أنزلنا عليك القرآن حكماً عربياً بِلسانك ولسن قومك، فهو حاكمٌ لأن فيه بيانَ الحلال والحرام وجميعَ ما يَحتاجُ اليه المكلَّفون مما يوصِلُهم إلى السعادة في الدُّنيا والآخرة.
لئن اتّبعت أهواءَ الاحزابِ ابتغاءَ رِضاهم بعد ما منحك اللهُ من العلم اليقين، فليس لك من دون اللهِ وليُّ ولا ناصرٌ ينصرك. ان ما يقولُه الأحزابُ اهواءٌ لا تستندُ إلى عِلم أو يقين.
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً} .
اذا كان هناك اعتراضٌ على بشريّةِ الرسول الكريم، وانه تَزوَّج النساءَ، وله أولادٌ وذرية، فقد كان الرسُل الذين أرسلناهم من قبلِه بشراً وكانوا يتزوَّجون ولهم نساءٌ وذرية.
{وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَاّ بِإِذْنِ الله لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} .
اذا كان يعترضُ بعضُهم من المتعنِّين ويطلب من الرسول ان يأتيَ بخارقةٍ ماديّة، فذلك ليسَ من شأنِه، إنّما هو من شأنِ الله، وهو الذي يقدّر ذلك يدبّره بحكمتِه ومشيئتنه، ولكل أمرٍ كبته اللهُ اجلٌ معين ووقت معلوم.
الاطراف: الجوانب. لا معقب لحكمه: لا راد له. ام الكتاب: أصله.
{يَمْحُواْ الله مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب} .
ينسَخُ الله ما يشاء من الشرائع، ويُحِلُّ محلَّها ما يشاء ويثبته، وعنده أصلُ الشرائع الذي لا يتغيّر، فما انقضَتْ حكمتُه يمحوه، وما هو نافعٌ يثبته حسبما تقتضيه حكمتُه، ولا رادَّ لقضائه.
ولئن أَرَيْناك ايها الرسول بعض الذي نَعِدُ هؤلاء المشركين من العقاب، او توفَّيناك قبل ان نُريَك ذلك، فليس عليك الا تبليغُ رسالةِ ربك، لا طَلَبَ صلاحِهم، وعلينا محاسبتُهم ومجازاتهم باعمالهم.
ألم يروا ان قوةَ الله فوق كل شيء، فهي تأتي الأممَ القوية الغنية حين تَبْطَر وتكفر وتفسِد فَتُنقِص من قوتها ومن ثرائها وقدرتها، وتحصرها في رقعة من الأرض ضيقة بعد ان كانت ذات سطان وحكم وامتداد! وإذا حكَمَ الله عليها بالنقص والتدهور فلا رادَّ لحكمه، وهو سريع الحساب.
وللمفسرين القدماء آراء كثيرة ومتعددة، وكذلك لبعض المفسّرين المعاصرين تأويل عن سرعة دوران الارض وما ينتج عنها من تفلطح ونقص في طرفيها، وكل ذلك حَدْس وخبط.
وبعدَ ذلك بَيّن اللهُ ان قومَ النبيّ عليه الصلاة والسلام ليسوا ببِدْعٍ في الأمم، فقد مكر كثيرٌ ممن قبلَهم بأنبيائهم فأخذَهم اللهُ فقال:
وقد مكر كثير من كفار الأمم الماضية بانبيائهم، ثم دارت الدائرة على الظالمين، وأهلك الله المفسدين، ولله سبحانه تدبير الامر كله في حاضر الكافرين ومستقبلهم، وهو يعمل ما تعمله كل نفس، وسيعلمون يوم القيامة لمن تكون العاقبة الحسنة.
وفي هذا تسلية للرسول الكريم وتعبير بان العاقبة له لا محالة، وقد حقق الله له وعده.
عن ابن عباس رضي الله عن هـ قال: قدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقف من اليمن فقال له الرسول الكريم، هل تجِدني في الإنجيل رسولا؟ قال: لا فنزلت هذه الآية، وتكون ختام سورة الرعد بإنكار الكفار للرسالة، وقد بدأها الله تعالى بإثبات الرسالة، فيلتقي البدءُ والختام بقوله تعالى:{قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} اي حسْبي الله شاهدا بتأييد رسالتي {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب} وهو من اسلم من اليهود والنصارى وغيرهم.
اخرج انب جرير وابن المنذر عن قتادة قال: كان من أهلِ الكتاب قوم يشهدون بالحق ويعرفونه منهم عبدُ الله بن سلام والجارودُ وتميم الداري وسلمان الفارسّي رضي الله عن هم.
الف. لام. را. لقد أنزلنا اليك يا محمد هذا الكتاب المؤلف من جنس هذه الأحرف لتخرجَ به البشريةَ من ظلمات الكفر والجهل الى نور الإيمان والعلم، وذلك بإذن الله وتوفيقه ولطفه بهم، وتقودهم الى الطريق الى الله.
{الله الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} .
إن العزيزَ الحميد هو الله، مالكُ ما في السموات وما في الأرض، الغنيُّ عن الناس، والمسيطر على الكون وما فيه، والويل والعذاب للكافرين يوم القيامة لأنهم لم يستجيبوا لدعوة الرسول الكريم.
ثم وصف الله أولئك الكافرين بصفات ثلاث.
الأولى: {الذين يَسْتَحِبُّونَ الحياة الدنيا عَلَى الآخرة} .
يختارون الحياة الدنيا ومتعها ولذّاتِها دون ان يعملوا لآخرتهم شيئا.
والثانية: {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله} يمنعونِ الناس عن شريعة الله.
والثالث: {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} ويردون ان تكون الشريعة معوجّة لا استقامة فيها لينفّروا الناس منها.
{أولئك فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ} اولئك الموصوفون بهذه الصفات قد ضلّوا عن الحق، وبعُدوا عن الطريق المستقيم.
قراءات:
قرأ نافع وابن عامر: «الله» بالرفع، والباقون «الله» بالجر كما هو في المصحف.
وفي ذلك نعمةٌ من الله واحسانٌ إلى عباده، فهو يرسل كل رسول الى قومه بلسانهم الذي يفهمونه، وليس على الرسول هدايتُهم، فالله تعالى يضلّ من يشاء لعدم استعداه، ويهيد من يشاء لحسن استداده، وهو العزيز الحكيم، فلا يهدي ولا يُضل الا لحكمة.
أيام الله: وقائعه في الأمم السابقة. يسومونكم: يذيقونكم أشد العذاب. ويستحيون: يبقون نساءكم أحياء والاسترقاق. تأذَّن: أعلم.
يذكُر الله تعالى هنا بعضَ قَصصَ الأنبياء، وما لا قوه من أقوامهم من الأذى والتمرَد والناد تسليةً للرسول الكريم والمؤمنين، وأنّ المقصودَ من إرسالِ الرسُل هو هدايةُ الناس وإخراجهم من الظُلمات والضلال إلى النور والإيمان.
ولقد أرسلْنا موسى مؤيَّداً بمعجزاتنا، وقلنا له: يا موسى، أخرج قومك من ظلمات الكفر والجهل الى نور العلم والايمان، وذكّرهم بوقائع الله في الأمم السابقة، ان في لك التنبيه والتذكير دلائل عظيمةً على وحدانية الله، تدعو كلَّ من تحلَّى بالصبر والشكر الى الايمان.
واذكر أيها النبي لقومك لعلّهم يعتبرون: اذكر ما قاله موسى لقومه يذكّرهم بنعمة الله عليهم يوم أنجاهم من سوء العذاب الذي كانوا يلقونه من آل فرعون. فقد كان هؤلاء يذبحون الذكور من أولادهم حتى لايتكاثروا، ويُبقون الإناث أحياء للخدمة والاسترقاق. . . وفي ذلك كله ابتلاء واختبار شديد.
ويمضي موسى يبين لقومه ما رتّبه الله جزاءً على الشكر والكفران:
واذكروا يا بني إسرائيلَ حين أَعلمَكم ربُّكم أن الشكر على ما أنعمَ يجلبُ زيادةَ الخير، وأن جحود النعمة يوجبُ العذابَ الشديد.
{وَقَالَ موسى إِن تكفروا أَنتُمْ وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً فَإِنَّ الله لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} .
ان الله تعالى غنيُّ بذاتِه محمودٌ بذاته لا بحمدِ الناس وشكرهم، واذا كفر جميعُ أهل الأرض فلن يضروا الله شيئا، انه غني حميد.
ردوا أيديهم في أفواهم: جعلوا أيديهم على أفواههم من التعجب او الغيظ. وهذا تفعله العرب. مريب: مقلق. سلطان: حجة.
ويستمر موسى في بيانه وتذكيره لقومه فيقول: ألم يصِلْكم خبرُ الأقوام الماضين من قبلِكم مثل قوم نوح وعاد وثمود، والأمم الذين جاؤا من بعدِهم، امم كثيرة لا يعلمها الا الله، وقد جاءتهم رسُلهم بالحجج الظاهرة والمعجزات فوضعوا أيديَهم على أفواهِهم استغراباً واستنكارا وقالوا للرسل: إنّا كفرنا بما جئتم به من أديان جديدة، وانا لَنَشُكُّ في كل ما تدعوننا اليه من الإيمان والتوحيد.
{قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي الله شَكٌّ فَاطِرِ السماوات والأرض} .
قالت لهم رسُلهم: أفي وجودِ الله شك! إنه خالقُ السماوات والأرض على غير مثال، وهو {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ} يدعوكم الى الإيمان ليغفر لكم بعضَ ذنوبكم، {وَيُؤَخِّرَكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى} ويؤخركم الى وقت محدَّد معلوم لديه.
فردّ اولئك المنكِرون الجاحدون على الرسل بتعنّت:
كيف نصدِّقكم وأنتم بشر مثلنا لا فضلَ لكنم علينا، وتريدون ان تمنعونا من عبادِة الآلهة التي كان آباؤُنا يعبدونها!؟ إن كنتم صادقين في دعواكم فأْتونا بدليلٍ ظاهر واضح.
فكان جوابُ رسُلهم: نعم إننا بشر مثلكم، ولكن الله يصطفي من يشاءُ من عباجِه فيخصّهم بالنبوةَ والرسالة، ولي في قُدْرَتِنا أن نأتيَكم بآيةٍ معجزة أو حُجّةٍ إلا بتَيسيرِ الله ومشيئته.
لقد أجابهم الانبياءُ على أقوالهم وما فيها من عناد بأن قولوا: إنا قد أبلَغْناكم رسالتَنا، ونحن لا نخاف في سبيلها أحدا، بل نتوكّل على الله، وأيُّ عذرٍ لنا في تركِ التوكل عليه! لقد هدانا إلى الحق، وأنارَ لنا سبلَ الخير، وسنصبرُ على أذاكم.
ثم ختموا كلامهم بمدح التوكل وبيان ان ايذاءهم لا يثنيهم عن تبليغ رسالة ربهم فقالوا: {وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون} .
الملة: الدين والشريعة. استفتحوا: طلبوا النصر. كل جبار عنيدك كل عال متكبر معاند. ماء صديد: ماء قبيح الطعم في جهنم. لا يكاد يسيغه: لا يستطيع ان يبلعه. عذاب غليظ: شديد.
بعد ان ذكر اللهُ ما دار من الحِوزار والجَدَل بين الرسُل وأَقوامهم، وبيّن الحججَ المقْنعة التي جاء بها الرسل الكرام، ولم يستطع الذين كفروا ان يردّوا عليها- لم يجودا وسيلةً الا استعمال القوّة مع أنبيائهم، وتلك حجة المغلوب، فخيّروا رسُلَهم بين أمرين: الخرود من الديار، أو العودة الى ملّة الآباء والأجداد. فأوحى الله تعالى الى أنبيائه أن العاقبة لهم.
وقال الطغاة من زعماء الكافرين لما أعْيَتْهُم الحيلةُ، وعجزوا عن مقاومة الدليل. . قالوا لرسلهم: لكم احد امرين، إما ان نُخرجَكم من أرضِنا، أو أن تعودوا إلى عبادةِ الأوثان، ديننا القائم، فأوحى الله الى رسُله مثبتا لهمك لا تخافوا، سنُهلك الظالمين.
{وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرض مِن بَعْدِهِمْ ذلك لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} .
إننا سنجعلكم تسكنون ارضهم بعد اهلاكهم. . . هكذا أفعل بمن خاف موقفه بني يديّ يوم القيامة، وخاف وعيد فاتّقاني بطاعتي، فلم يفسد في الأرض، ولم يظلم الناس.
ووقف الطغاة المتجبّرون، ووقف الرسُل المتواضِعون ومعهم قوة الله، ودعا كلاهما بالنصر والفتح، وكانت العقابة للرسُل.
{واستفتحوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} .
وطلب الرسُلُ على أقوامهم من الله لما يئسوا من إيمانهم، وطلبت تلك الأقوامُ النصر لنفسِها، فنصر اللهُ رسلضه، وخسِر كلُّ جبار متكبر عنيد.
{مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ ويسقى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ} .
إن جهنم لذلك الجبَّار الخاسر بالمرصاد، سيصلاها يوم القيامة وشرابُه فيها ماء كريه.
إنها صورةٌ مرعبة وخيبة أمل لهؤلاء الكفار المعاندين، يتجرّعون ذلك الماء الكريه فلا يكادون يستسيغونه لقذراته، وتحيط بهم أسبابُ الموت من كل جهة، وما هم بميتين في جهنم، ولهم عذابٌ مؤلم شديد.
برزوا: ظهروا جميعا يوم القيامة. تبع: جمع تابع. مغنون عنا: دافعون عنا. محيص: مهرب.
مثلُ أعمالِ الكافرين التي كانوا يعملونها في الدّنيا كَمثَلِ رمادٍ حملتْهُ الريحُ في يومٍ عاصف وأسرعتء بالذهابِ به فلم يبقَ له أثر، وهم لا يستفيدون شيئاً يوم القيامة مما عملوا في الدنيا.
ومثل هذا السعي والعملِ على غير أساسٍ ولا استقامة، هو الضلالُ البعيد عن الحق.
ألم تعلم أيها الرسول أن الله خلقَ السمواتِ والأرضَ لتقومَ على الحقّ بمقتضى حكمته، ومن قَدَرَ على هذا العمل العظيم لهو قادرٌ على إهلاك الكافرين، والإتيان بخلقٍ جديد غيرهم.
{وَمَا ذلك عَلَى الله بِعَزِيزٍ} .
وليس بمتنعٍ على الله ولا متعذِّرٍ ان يستخْلِفَ قوماً مكان قوم من قريشٍ او غيرهم من المعاندين الجاحدين.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي: «خالق السماوات والارض» والباقون «خلق» كما هو في المصحف.
هذه صورة حيّة لموقف هؤلاء المجرمين وأتباعهم والحوارِ بينهم، فحين يقفون جميعاً بين يدي الله يوم القيامة، يقول الضعفاءُ التابعون للزعماءِ المستكبرين: لقد كُنا تابعين لكم في تكذيب الرسُل ومحاربتهم، فهل تدافعون عنا اليومَ في هذا الموقف الرهيب؟ فيقول المستكبرون: لو أن الله هدانا لأرشدناكم، ولكن ليس بيدِنا أيةُ حيلة، ولي لنا مهربٌ ولا خلاصٌ مما نحن فيه جميعا، وسِيّان الجزعُ والصبر، فلا نجاةَ لنا من عذاب الله.
ما كان لي عليكم من سلطان: من تسلط. ما انا بمصرخكم: ما انا بمغيثكم. استصرخني: استغاثني.
وجاء دورُ الشيطان، كل عظَمته وحِيَله قد ذهب الآن، وهو يقف موقف الذليل وتنصل من أتباعه. انه يعترف بصراحةٍ أنه كان كذّابا، وعد أتباعه كذباً وزوراً ويتسرسل قائلا:
ما كان لي عليكم قوةٌ أُجبِركم بها على اتّباعي، لقد دعوتُكم الى الضلال فأسرعتم الى إجابتي، فلا تلوموني بِوَسْوَستي ولوموا أنفسَكم لأنكم استجبتم لي.
ثم يتبرأ منهم وتنصّل.
{مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} .
أنا لا أستطيع اليوم ان أُغيثكم، ولا انتم تستطيعون إغاثتي من العذاب.
ثم يتبرّأ من كفرهم وإشراكهم ويكفرُ بهذا الإشراك فيقول:
{إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
فأنا لا أقبلُ أن أكونَ شريكاً لله فيما أشركتُموني فيه من قبلِ هذا اليوم، ان الكافرين لهم عذابٌ شديد مؤلم.
ثم لمَّا جَمَعَ الله تعالى الخلْقَ وذكر ما لقيَ الأشقياءُ وصَفَهم بأسوأ حال، ذكر حال السّعاداء، وما أعدَّ لهم من نعيمٍ مقيم في ذلك اليوم فقال:
وهكذا يقابل الله تعالى بين حال الأشقياء والسّعداء، ويبيّن ان الذين آمنوا وصدّقوا وعملوا الأعمالَ الصحالة في جنّاته ناعمين مسرورين، خالين فيها على أحسن حالٍ بإذن الله تعالى، تحّيييهم الملائكةُ بالسلام، وهو شعارُ الإسلام.
قراءات:
قرأ حمزة: «وما انتم بمصرخيِّ» بكسر الياء المشددة. والباقون بفتحها. «بمصرخيَّ» كما هو في المصحف.
كلمة طيبة: كلمة الحق ويدخل فيها الايمان وجميع الاعمال الصالحة. كلمة خبيثة: الباطل ويدخل فيه كل شر.
بعد ان بيّن اللهُ حالَ الأشقياء وحالَ السعداء ومآل كلٍ منهم ضربَ هنا مثلا يبيّن فيه الحقَّ من الباطل، ويوضح الفرقَ بين الفئتين.
هنا شبّه اللهُ تعالى كلمةَ الإيمان التي هي كلمةُ الحقّ بشجرةٍ طيبةٍ ثبتَتء جذورثها في الأرض وارتفعت اغصانها في السماء، فهي:
فهي تعطي ثمرها الدائم في كل وتق بإذن ربّها. كلذلك تكون الهداَيةُ إذا ملأتء قلباً فاضت منه على غيره وملأت قلوباً كثيرة ويبيّن الله الأمثال للناس ليتعظوا ويؤمنوا.
{وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجتثت مِن فَوْقِ الأرض مَا لَهَا مِن قَرَارٍ} .
وان الكلمة الخبيثة، كلمةَ الباطل، كالشجرة الخبيثة التي لا تنفع الناس، لي لها قرارٌ ثابت وقد اقتُلعت من فوق الأرضِ لأن جذورها غير قوية، فكما ان هذه الشجرة لا ثبات لها ولا دوام، فكذلك الباطلُ لا يدوم ولا يثبت.
وبعد ان وصف الكلمة الطيبة بالوصف الجميل أخبر بفوزِ اصحابها في الدنيا والآخرة:
يثبت الله الذين آمنوا في الحياة الدنيا بكلمةِ الإيمان المستقرَّة في الضمائر، الثابة في قلوبهم، المثمرةِ بالعمل الصالح، والفوزِ في الآخرة، ويُضلُّ الظالمينَ بظُلمهم وشِركهم، وبفعل ما يشاءُ بإرادته المطلقة.
وبهذه الخاتمة يتم التعقيب على القصة الكبرى للرسالات والدعوات، وقد استغرتقت الشطر الأكبر من سورة إبراهيم. والكملةُ الطيبة تحتوي دائما على الحقيقة الكبرى، حقيقة الرسالة الواحدة التي لاتتبدّل، وحقيقة الدعوة التي لا تتغير، وحقيقة التوحيد لله.
دار البور: دار الهلاك. يصْلونها: يدخلونها ويقاسون حرها. اندادا: امثالا. لا بيع فيه ولا خلال: لا فدية ولا صداقة تنفع او تشفع.
الم تَرَ وتعلم يكف تصرَّف هؤلاء القومُ! لقد تنكروا لنعمة الله الممثَّلة في دعوة رسوله إلى الإيمان ونبذوها (وأولئك هم السادة من قريش وكبراء قومهم) ، بعد ما رأوا ما حلَّ بمن قبلَهم. وقد عرض القرآن عليهم مشاهدَ تلك القصة التي مرت في هذه السورة!! لقد استبدوا بنعمة دعوة الرسول إياهم كفرا، وأنزلوا أتباعَهم من قومهم دارَ الهلاك، جهنم يدخُلونها ويقاسُون حَرَّها وبئس المنزل والقرار.
وجعلوا لله الواحدِ في العبادة نظراءَ، ليُضلوا الناس عن دينه القويم فقل لهم أيها الرسول، تمتّعوا قليلاً في هذه الحياةِ الى الأجلِ الذي قدّرنه الله لكم، وعاقبتُكم ومصيركُم إلى جهنّم.
بعد ان هدّد الله الكفارَ على جحودهم وانغماسهم في اللذات خاطبَ نبيَّه الكريمَ أن يأمر المؤمنين من عبادهِ أن أحسِنوا وأقيموا الصلاةَ وأنفقوا بعض ما رزقكم ربُّكم في وجوه البِر في السر والعلَن، من قبلِ أن يأتي يومُ القيامة الذي لاتنفع فيه صداقة ولا شفاعة ولا بيعٌ ولا عمل، انا ينفع ما تقدّمون من اعمال طيبة.
الفلك: السفينة للواحد والجمع والمذكر والمؤنث. دائبين: دائمين في الحركة لظلوم: ظالم لنفسه. كفار: شديد الكفر والجحود.
في هذه الآيات الكريمة يذكِّر اللهُ تعالى بنعمهِ الكثيرة التي لا تُحصى، فإنه خلَق السمواتِ والأرضَ لبني الإنسان ليتمتع بخيراتها، وأَنزل من السماءِ غيثاً عميماً أحيا به الشجر والزرعَ فأثمرت لكم رِزقاً تأكلون منه وتعيشون به، وسخّر لكم السفنَ لتجريَ في البحر بأمرِه، تحملُ أرزاقكم وتحملكم، وسخر لكم الأنهارَ العذبة لتنتفعوا بها في رَيِّ الأنفس والزروع.
{وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دَآئِبَينَ} .
لا يفتُران عن الدوران، {وَسَخَّرَ لَكُمُ الليل والنهار} يتعاقبان، تستريحون في اللّيل، وتعملون في النهار {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} وهيّأ لكم كل ما تحتاجون، سواء أسألتُموه ام لم تسألوه. . . لأنه قد وضع فيه هذه الدنيا منافع يجهلُها الناس وهي معدَّة لهم، فلم يسأل الله أحدٌ قديما ان يعطيَهم الطائرات والكهرباء وغير ذلك من الأشياء الجديدة، ولم يزل هناك عجائب ستظهر فيما بعد، {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 8] .
{وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لَا تُحْصُوهَا} . ان حاولتم ان تعدُّوا نعمةَ الله فإنكم لا تستطيعون حَصْرَها، فهي أكبرُ وأكثر من ان يحصيّها البشر.
وبعد هذا كلّه تجعلون لله أنداداً، ولا تشكرون نِعَم الله {إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} فالإنسان الذي بدّل نعمة الله كُفراً بعد كل هذه النعم لهو شديد الظلم والجحود.
واجنُبني: وأبعِدني. تهوي اليهم: تسرع شوقاً وحبا.
في هذه الآيات يتجلى النموذج الكامل للانسان الذاكر الشاكر في شخصية ابي الانبياء ابراهيم عليه السلام، فهو يدعو الله تعالى ان يجعل مكة بلداً آمناً مطمئنّاً، ويسأله ان يبعده هو وابناءه عن عبادة الأصنام، ثم يذكر مساوئ الاصنام وكل ما عُبد من دون الله بقوله:
{رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ الناس}
ويبين الدين الحق الذي هو عليه ويتابع الدعاء فيقول:
{فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} .
فأما من تبع طريقي فهو منّي، ينتسب إليّ ويلتقي معي، وأما من عصاني منهم فأُفوّض أمره إليك، فأنتَ غفور رحيم.
وهنا تتجلّى رحمة ابراهيم وعطفه ورأفته، فهو لم يطلب الهلاك لمن يعصيه من نسله، كما أنه لا يستعجل العذاب لهم، وانما يَكِلُهم الى غفران الله ورحمته.
وهنا يمضي في دعائه: بأنه أسكنَ من ذرتيه بمكة، وهي بوادٍ قاحلٍ لا زرعَ فيه عند بيت الله المحرّم، ثم يبين الوظيفةَ التي أسكنَهُم في هذا المكان القف ليقوموا بها، وهي عبادةُ الله وإقامة الصلاة على حقيقتها.
ثم يدعو تلك الدعوة اللطيفة التي استجابها الله، بقوله:{فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ} اي تميل بشوقٍ إلى ذلك البيتِ العتيق واهلِه في ذلك الجديب، {وارزقهم مِّنَ الثمرات لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} وقد اجاب الله دعاءه، فألهم الناس الحجَّ منذ آلاف السنين إلى ما شاء الله، وفي أي وقت ذهب الانسان الى الحجاز يجِد فيه أنواع الثمار والخيرات. وفي هذا اظهارٌ لقدرة الله وصِدق وعده.
إنك يا ربنا تعلَم ما تُخفي نفوسنا وما تظهره مجاهرةً به، فليس يخفى عليك شيء في هذا الكون.
ثم يتوجه ابراهيم الى الله ويذكر نعمة الله عليه، فيلهج لسانه بالحمد والشكر فيقول:
{الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي عَلَى الكبر إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدعآء} .
فإن هِبةَ الذرّية على الكِبَر أوقعُ في النفس، فهو يحمد اللهَ تعالى على هذه النِعم ويطمع في رحمته.
{رَبِّ اجعلني مُقِيمَ الصلاة وَمِن ذُرِّيَتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ} .
بعد الحمد والشكر الذي قدّمه على ما وهبه الله من الذرّية على الكِبَر، يطلب ابراهيم من ربّه ان يُعينه على مداومة شكره بإقامةِ الصلاة هو وذرّيته، وان يتقبّل دعاءَه. والدعاءُ هو العبادة كما جاء في الحديث الصحيح.
{رَبَّنَا اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحساب} .
بهذا الدعاء يختم ابراهيمُ شكره وتضرّعه الى الله، ويطلب المغفرةَ له ولوالديه ولجميع المؤمنين، يوم القيامة.
تشخص: ترتفع. مهطعين: مسرعين الى الداعي. مقنعي رؤوسِهم: ارفعين رؤوسهم كثيرا. لا يرتد اليهم طرفهم: لا يرجع، كأن ابصارهم جامدة من الهول. وافئتدتهم هواء: خالية من العقل والفهم لفرط الدهش والحيرة. من زوال: من انتقال.
{وَلَا تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون} .
الخطاب في صورته للنبيّ عليه الصلاة والسلام، والمراد به جميع الناس. وفيه تسليةٌ للمؤمنين، وتهديد للكافرين. . . فإن الله لا يغفل عما يعمل الظالمون في محاربة الاسلام. {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار} .
إنما يُمْهِلهم ويمتّعهم بكثيرٍ من لذات الحياة، ليوم شديد الهول تبقى فيه أبصارُهم شاخصةً مفتوحة من الفزع.
{مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ} .
إنها صورةٌ رهيبة وهم معروضون رافعين لرؤوسهم، وطرفهم جامد لا يتحرك من شدة الهول، وأفئتدتهم خاوية مضطربة لا إدراك فيها ولا وعي. . . هذا هو اليوم الذي يؤخّرهم الله إليه، والذي ينتظُرهم بعد الإمهال.
وانذِر الناس ايها الرسول أنه إذا جاء اليوم فلا اعتذارَ ولا نكال، يوم يقول الظالمون الجاحدون حين يرون ذلك الهول: ربّنا ارجعْنا الى الدنيا، وأمهلْنا امداً قريبا حتى نجيب فيه دعوة الرسل الى توحيدك، فيأتيهم الرد: ألم تَحلِفوا في الدنيا أنكم إذا متُّم لا تُخرَجون لبعثٍ ولا حساب، فكيف ترون الآن، ويان قولكم «ما لنا من زوال» ؟!
وسكنتم في الدنيا في مساكن الذين ظَلموا أنفسَهم بالكفر والمعاصي من الأمم قبلكم، وقد ظهرلكم بمشاهدة آثارِهم كيف عاقبناهم، وضربنا لكم الأمثالَ الواضحة، ثم بعد لك كله تُقسِمون «ما لكم من زوال» فلم ترعووا ولم تتوبوا من كفركم، والآن تسألون التأخير للتوبة حين نزل بكم العذاب.
قراءات:
قرأ أبو عمرو: «انما نؤخرهم» بالنون والباقون «يؤخرهم» .
مقرنين: مربوطين. في الاصفاد: في القيود. سرابيهم: ثيابهم. من قطران: نوع من الزيوت شديدة الاشتعال اسود اللون تدهن به الابل عندما يصيبها الجرب. تغشى وجوههم النار: تعلوها وتغطيها. هذا بلاغ للناس: كفاية في الموعظة.
{وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال} .
ولقد مكروا ودبّروا في إبطال الحق وبالرسول الكريم، وعند الله علمُ مكرهم، وان كان مكرهم من القوة والتأثير حتى لَيؤدي إلى زوال الجبال، والله تعالى محيطٌ بهم وبمكرِهم.
قراءات:
قرأ الكسائي: «لتزول» بفتح اللام الاولى، وضم اللام الاخيرة. وقرأ الباقون:«لتزول» بكسر اللام الاولى وفتح اللام الاخيرة كما هو في المصحف.
{فَلَا تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ الله عَزِيزٌ ذُو انتقام} .
لا تظنَّ ايها الرسول ان الله تعالى مخلفٌ رُسُلَه ما وعدَهم به من النصر، فما لهذا المكرِ من أثر، وما يعوق تحقيقَ وعد الله لرسله بالنصر، وأخذِ هؤلاء الماكرين أخْذَ عزيز مقتدر، ان الله شديدُ الانتقام لا يدع الظالمَ يفلت، ولا يدع الماكر ينجو.
{يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات} .
ان الله تعالى سينتقم من هؤلاء الكفارِ يومَ القيامة يوم تتبدَّل الأرضُ والسموات. ولا ندري كيف يتم هذا، ولا طبيعةَ الأرض الجديدة وطبيعةَ السموات، وكلُّ ما بعدَ الموت شيء غير عاديّ بالنسبة إلينا واللهُ أعلمُ بذلك.
{وَبَرَزُواْ للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ} خرجوا من قبورهم، ووقفوا مكشوفين بارزين لا يستُرهم ساترٌ بينَ يدي الله الواحد القهار.
وبعد ان وصف نفسه بكونه القهار، بين عجز المجرمين وذلتهم فقال:
{وَتَرَى المجرمين يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأصفاد} وهي صورة عن مَشاهدِ يوم القيامة فيها منظرٌ واقعي للمجرمين كأنك تراه، وهم يخبُّون في قُيودِهم.
{سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وتغشى وُجُوهَهُمْ النار} .
وهذا مشهد آخر لباسهم فيه من هذا الزيت القبيح، والنارُ تغشى وجوههم، وفي ذلك ما فيه من الذل والتحقير.
{لِيَجْزِيَ الله كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب} .
لقد فعل الله بهم ذلك ليؤديّ الى كل نفس جزاءَها بما فعلت، إن خيراً فخير وان شرا فشر، ان الله سريع الحساب يوم القيامة.
هنا يختم الله السورة بمثل ما بدأت. . . بإعلانٍ لجميع البشرية في الكون أجمع.
هذا القرآن بلاغ لجميع الناس، لنُصحِهم وإنذارِ هم من عذاب الله، وليكون لديهم العلمُ الحقيقي أن الله إلهٌ واحد عِدة آلهة كما يقول المشركون، وليتذكَّر اولو العقول عظَمةَ ربهم، ويتَّعظوا فيبتعدوا عما فيه هلاكهم، ويرجعوا الى ربهم في كل احوالهم.
ربما: بتشديد الباء وتخفيفها، تفيد التقليل. ذرهم: اتركهم.
{تِلْكَ آيَاتُ الكتاب وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} .
الف، لام، را. . . من هذه الأحرف تتالف آيات الكتاب المعجزة، وهي القرآن الواضح المبين الذي يبَين لمن تأملَه وتدبَّره رُشدَه وهُداه.
{رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ} .
سيأتي يتمنّى فيه الذين كفروا لو كانوا مسلمين في دار الدنيا، وهو يومُ القيامة عندما يَرَوْنَ العذاب، لكن هذا التمني لن يفيدَهم شيئا.
قراءات:
قرأ نافع وعاصم: «ربما» بفتح الباء بدون تشديد. والباقون: «ربما» بالتشديد.
{ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأمل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} .
دعهم أيها الرسول في غفلَتِهم، يأكلون، ويتمتعون في شهواتهم ولذّاتهم، وتُلهيهم الآمال. . فسوف يعلمون سوءَ أعمالهم عندما يرون العذاب. وفي هذا وعيدٌ شديد.
{وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَاّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} .
إننا لم نُهلك أيّاً من الأمم السابقة إلاّ بعد أجلٍ مقدّر لا يُنسى ولا يُغفل. هذه سنّة الله الماضية التي لا تتخلّف، وهلاكُ الأمم مرهون بآجالها، وهذا ما أكده بقوله تعالى:
{مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} .
فلا يغرَّنَّهم تخلُّفُ العذاب عنهم فترةً من الزمن، فإن أجَلهم آتٍ لا يسبقونه ولا يتأخرون عنه.
الذكر: القرآن. منظرين: مؤخرين. في شيع: في جماعات مفرده شيعة. نسلكه: ندخله. يعرجون: يصعدون. سكرت: سدت ومنعت من الابصار. بروجا: منازل الشمس والقمر. شهاب: شعلة من نار، والشهبُ ما ترى ليلا تتساقط من السماء.
{وَقَالُواْ ياأيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} .
وقال بعض كفار قريش مستهزئين بالرسول الكريم: يا أيّها الرجلُ الذي زعم أنّه نُزّلَ عليه القرآن إنك لمجنون.
وقال «مقاتِل» : إن الذين قالوا ذلك هم: عبدُ الله بن أمية، والنضرُ بن الحارث، ونوفل بن خُلويلد، والوليدُ بن المغيرة من زعماء قريش.
{لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة إِن كُنتَ مِنَ الصادقين} .
إن كانت ما تدّعيه حقاً وقد أيَّدك اللهُ وأرسلك، فلماذا لا تسأل اللهَ ان يُنزِل معك ملائكة من السماء يشهدون بصِدق نبوَّتِك؟ ويتكرر طلبُ نزول الملائكة لا تنزِلُ على الرسول إلاّ لهلاِك المكذِّبين من قومه حين ينتهي الأجلُ المَعلوم فقال:
{مَا نُنَزِّلُ الملائكة إِلَاّ بالحق وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ} .
إنّنا لا نُنزل الملائكةَ إلاّ عندما نقرِّر أمراً له أهميته، ويكون قد مضى الأجلُ وحقَّ القولُ على الكافرين، ولو أنزلْنا الملائكةَ لأهلكنا أولئك الكافرين، ولم يكونوا مؤخَّرين.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي وحفص «ما ننزل الملائكة» بنونين وبنصب الملائكة. وقرأ ابو بكر «ما تنزل الملائكة» بالتاء والفعل يبنى للمجهول ورفع الملائكة. وقرأ الباقون: «ما تنزل الملائكة» بفتح التاء ورفع الملائكة.
ثم أجاب الله تعالى عن إنكارِهم تنزيلَ القرآن واستهزائهم بالرسول الكريم بقوله:
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} .
ان هذه من الآيات الجلية، والقرآن كلّه جليل عزين، وفيها تحدّ كبير لكن معاند، وطمأنينةٌ للمؤمنين. فالله سبحانه وتعالى يمنُّ علينا بأن هذا القرآن من عنده، وهو حافظٌ له، لم يَكِلْ حِفظه لغيره، فهو ذِكرٌ حيٌّ خالد مصون من التحريف والزيادة والنقصان، وهو باقٍ محفوظ لا يندثر ولا يتبدّل. والتحدي قائمٌ لكل معاند.
ولا تحزن أيها الرسول، فقد أرسلنا قبلك رسُلاً إلى أُممٍ قد مضت، وما أتى رسولٌ أمةً إلا كذّبوه وستهزأوا به. وفي هذا تسليةٌ للرسول الكريم عما أصابه من سَفَهِ قومه، بأن هذا دأبُ الأمم المكذِّبة لِرُسُلها من قبل. . فلقد أصابهم مثلُ ما أصابك، وقد نَصَرْنا رسُلنا وسننصرك انت والمؤمنين، فَطِبْ نَفْساً ولا يَضِيقنَّ صدرُك بما يقولون.
{كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأولين} .
وكا كانت حالُ الأمم الماضية حين أُنزلتْ عليهم الكتبُ من الملأ الأعلى فأصُّروا على الكفر والاستهزاء بالرسُل - كذلك نلقي القرآنَ في قلوب المجرمين من بين قومك وهو غيرُ مقبولٍ لديهم، لأنهم أجرموا بإصرارهم على الكفر فلم يؤمنوا به.
وقد مضت سنّةُ الله في إمهالهم، وهكذا تجدنا نفعلُ باللاحقين كما فعلنا بالسابقين.
ثم بين الله تعالى عظيم عنداهم ومكابرتهم للحق فقال:
ولو فتحنا على هؤلاء المعاندين باباً من السماء يصعَدون فيه بأجسامِهم ويَرَوْن مَنْ فيها من الملائكة، وما فيها من العجائب- لقالوا لِفَرْطِ عنادهم، انما سُدَّتْ أبصارُنا، فما نراه تخيُّلٌ لا حقيقةَ له، وقد سَحَرَنا محمدٌ با يَظْهرُ على يده من الآيات، وظلّوا في عنادِهم ومكابَرَتِهم سادِرين.
قراءات:
قرأ ابن كثير: «سُكرِت» بالتخفيف، والباقون بالتشديد كما هو في المصحف.
{وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السماء بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} .
بعد بيان مكابرة المعاندين، وانهم لا يؤمنون حتى بالأشياء المحسوسة، عَرَضَ هنا الآيات الكونية، وما فيها من إبداعٍ لمن يفكّر ويُبْصِر.
لقد أبدْعنا هذا الكونَ، وجعلنا في السماء أشكالاً عديدةً من النجوم، منها تلك البروجُ الظاهرة للعيان، البديعةُ، الدالَّةُ على جَمال هذا الكون، وحُسنِ نظامه وزينّاها بالكواكب للناظِرين المعتبرين والمفكرين.
فهلاّ نظر أولئك المعاندون إلى هذه السماء وما فيها من بروج ظاهرة، ونجومٍ ساطعة وأقمار نّيرة، ومجَرّات عظيمة، فإن فيها عبرةً لمن اعتبر!
{وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ إِلَاّ مَنِ استرق السمع فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ} .
ولقد حفظنا السماءَ ومنعنا كلَّ شيطانٍ رجيم من القرب منها، فلا ينالُها ولا يدنِّسها، ولكن من أرادَ من هؤلاء الشياطين ان يَستَرِقَ الاستماع من عالم الغيب، فنحن نلحقه بشهاب مشتعل محرق، فهم أعجَزُ من ان يَصِلوا إليها.
مددناها: بسطناها. رواسي: هي الجبال الثابتة. موزون: مقدر. فانزلنا: فأعطينا. لواقح: جمع لاقح. معناها حوامل للماء، ومعنى آخر لانها تلقح النباتات والشجر. المستقدمين: الذين ماتوا. المستأخرين: الاحياء الذين لم يموتوا بعد.
وخلقنا لكم الأرضَ ومهّدناها حتى صارت كالبساط الممدود، ووضعنا فيها جبالاً راسياتٍ ثابتة، وأنبتْنا لكم فيها من كلّ أنواعِ النبات ما يحفَظ حياتكم، وجعلناه مقدَّراً بأزمانس معيَّنة في نموِّه وغذائه، ومقدِّرا بمقدار حاجتكم، في أشكاله في الخلْق والطبيعة.
وتقرر هذه الآية حقيقةَ كونيةً لم تُعرَفْ الا في العصور الأخيرة، وهي ان كلَّ صنفٍ من المبات أفرادُه متماثلة من الوجهة الظاهرية، وكذلك في التناسُق الداخلي، التوازنُ دقيق فيكل أجهزِة النبات المختلفة، وكذلك بين الخلايا لتحقيق الغرض الذي وُجدت من أجْله.
{وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ} .
وجلعنا لكم في الأرضِ أسبابَ المعيشة الطيّبة من غذاءٍ وماءٍ، ولباسٍ ودواء، ومعادنَ تنفعون بها، وغيرِ ذلك مما لا يُعَدّ ولا يُحصى. وكما أن فيها أسبابَ المعيشة الطيّبة ففيها المعيشةُ لمن يكونون في وَلايتكم من عيالٍ وأبتاع، فاللهُ وحدَه يرزقُهم وإياكم، فكلُّ أولئك رِزْقُهُم على خالِقهم لا عليكم.
{وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَاّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَاّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} .
وما من شيء ينتفعُ به العبادُ من المصادرِ والموارد إلا هو موجودٌ عندنا مخزون، وما نعطيه الا بقدَر معلومٍ وحسْبَ مشيئِتنا وحاجةِ الخلق اليه.
ثم فصّل بعض ما في خزائنه من النعم فقال:
وقد أرسل الله تعالى الرياحَ بالماءِ تحملُه، فتحيي الأمطار الخلقَ والأرض وتعطيها حياةً جديدة، فتُزهرُ بكلّ لونٍ بهيج، ويشرب منها الإنسانُ ويسقي زرعه وحيوانه.
والخلاصة: نحن القادرون على ايجاد الماء وخزنه في السحاب وإنزاله مطراً، وما أنتم على ذلك بقادرين، لأنه في دورة مستمرة، يبتخر من البحر والأرض، ثم تحمله السحب فينزل على الارض ويعود الى البحر.
وقد زاد بعض المفسرين معنى آخر لكملة لواقح فقالوا: إن الرياح تحمل اللقاح من شجرةٍ الى شجرة، ومن نبته الى أختها، وهذا ايضا لم يكن معروفا في الازمان السابقة، فيكون هذا ايضا من معجزات القرآن الكريم.
قراءات:
قرأ حمز وحده: «وارسلنا الريح» بالإفراد، والباقون بالجمع كما هو في المصحف.
بعد ان ذكر الله تعالى نظم المعيشة في هذه الحياة بين ان الحياة والموت بيده وانه هو الحي الباقي يرث الارض ومن عليها.
{وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الوارثون} .
ان كل شيءٍ في هذه الحياة مَرْجِعُه الى الله، الحياةُ والموتُ بيده، وسيموت الخلقُ جميعا ولا يبقى حي سواه.
{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام} [الرحمن: 27 - 28] .
{وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستقدمين مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستأخرين} .
ولقد عَلِمْنا من مضى منكم وأحصيناهم وما كانوا يعملون، وعَلِمْنا من هو حيّ ومن سيأتي بعدكم، فلا تخفى علينا أحوالكم ولا أعمالكم.
{وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} .
وسيجمع الله المتقدِّمين والمتأخرين جميعاً عنده يومَ القيامة وإليه المصيرُ، حيث يجازي كّلاً بما عمل، وهو حكيم يقدّر لكل أمةٍ أجَلَها بحكمته، ويعلم متى تموت ومتى تُحشر.
من صلصال: من طين يابس غير مطبوخ. من حمأ: طين اسود. مسنون: يمكمن تصويره على هيئة الانسان، وله معنى آخر وهو المتغير. الجان: الجن وهم نوع من الخلق لا نراهم. نار السموم: النار الشديدة الحرارة. سويته: اتممت خلقه. نفخت فيه من روحي: جعلت فيه الحياة.
بعد جولة طويلة في بيان تنزيل الذِكر، وتنزيلٍ الملائكة، ورجْمِ الشياطين، وتنزيلِ الماء من السماء؛ ثم ذِكر ما في هذا الكون من مشاهدَ وعجائب كالسماء والكواكب والبروج والشهُب والأرض والجبال والنبات والرياح؛ وبعد ضربِ الأمثلة على المكابرة من الكفّار المعاندين- بعد هذا كِلّه يأتي الحديثُ عن قصة البشرية وخلْقِ الإنسان والجانّ بطبيعتين مختلفتين، وقصة الهدى والضلال. وقد عُرضت هذه القصةُ في سورة البقرة، وفي سورة الأعراف، وفي كل مرة لها عَرْضٌ مخلتف وجوٌّ خاص، يلائم السياقَ ويتمشى مع الغرض المطلوب. وهنا يركز سبحانه على سِرّ التكوين في آدم، وسرّ الهدى والضلال وعوامِلهما الأصلية في كيان الانسان:
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} .
نحن في خلْقِنا للعالمين في هذه الأرض خلقنا طبيعتين: خلَقْنا الانسان من طينٍ يابس يصلصل ويصوِّت عند نقرِه. {والجآن خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم} أما عالمُ الجن فقد خلقناه من قبلِ آدم من نار السَّموم الشديدةِ الحرارة.
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} .
أذكر ايها النبي إذ قال ربُّك للملائكة إني سأخلقُ بشَراً من طينِ هذه الارض.
{فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} .
فإذا اكملتُ خلْقه، وشرَّفتُه على سائر المخلوقات ونفختُ فيه من روحي، (وبهذه النفخة العلوية فرَّقتُ بينه وبينّ سائر الأحياء، ومنحتُه خصائصهَ الإنسانية، حيث تصِلُه بالملأ الاعلى، وتجعلُه أهلاً للاتصال بالله) فاسجثدوا له سجودَ تحيةٍ واكرام، لا سجودَ عبادةٍ. . . . فإن العبادةَ لله وحده.
{فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَاّ إِبْلِيسَ أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين} .
فسدوا جميعاً خاضعين لامرِ الله، الا إبليس رفض اني يسجُد واستكبر أن يكونَ مع الملائكة الآخرين.
رجيم: مرجوم، مطرود من كل خير يوم الدين: يوم القيامة. فأنظِرني: فامهلين. يوم القوت المعلوم: يوم القيامة. جزء مقسوم: لكل فريق من اتباع ابليس جزء معين في جهنم.
{قَالَ ياإبليس مَا لَكَ أَلَاّ تَكُونَ مَعَ الساجدين} .
قال الله تعالى: ما منعكَ يا إبليسُ ان تسجد مع الساجدين؟ .
{قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} .
قال إبليس، وقد ركبه الغُرور والاستكبار، إنه لن يسجدَ لبشرٍ مخلوقٍ من طين، فهو خيرٌ من آدمَ، آدمُ مخلوق من طين، وإبليسُ مخلوق من نار، والنارُ خير من الطين.
{قَالَ فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة إلى يَوْمِ الدين} .
قال الله تعالى: فاخرجْ من الجنة،، أنت مطرودٌ من رحمتي كنتَ فيه من الدرجات الرفيعة. لقد كتبتُ عليك اللعنةَ إلى يوم القيامة.
قال إبليس، وهو المتردُ على طاعة الله: يا رب، أمهِلْني الى يوم القيامة. فقال الله تعالى: إنك من المؤجَّلين الممْهَلين، إلى اليومِ المعلوم، يوم القيامة.
{قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرض وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} .
قال ابليس: يا ربّي، بما امتَحَنْتَني به من الأمر بالسّجود لآدمَ، الأمر الذي أوقعني في العصيان، لأزيّنَنّ لبني آدم السوءَ والعصيان في هذه الأرض، وسأعمل كل شيء لإغوائهم وإضلالهم.
{إِلَاّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين} ولن ينجو من إضلالي الا الذين أخلصوا لك من العباد.
فرد الله تعالى عليه بالتهديد والوعيد بقوله:
قراءات:
قرأ يعقوب: «صراط عليٌّ مستقيم» برفع، عليّ، صفة لصراط. والباقون «عَليَّ» .
قال الله تعالى إن الإخلاصَ هو الصراط المستقيم، فمن سَلكَه نجا، إن عبادي الذين أخلَصوا لدينهم ليس لك قدرةٌ على إضلالهم، وأما من تَبعِكَ فإنه من الضّلين الغاوين ومصيرُهم جهنم.
{وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} .
فعاقبتُهم جهنمُ يجتمع فيها كل من تَبعَ إبليس.
{لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ} .
وجهنمُ هذه ذات سبعة أبواب لكثرة من يرَدُها من المجرمين. ولكل باب طائفةٌ مختصة به، ولكل طائفة مرتبةٌ معلومة تتكافأ مع شرّهم.
ويقول عدد من المفسّرين ان لجنهم سبْعَ طباقات ينزلها مستحقّوها بحسب مراتبهم في الضلال وهي: جهنم والسعير ولظى والحُطَمة وسَقَر والجَحيم، والهاوية.
سرر: جمع سرير. نصب: تعب. نّبِّيءْ: خبِّرْ.
بعد ذِكر حال اهل الغواية، وعلى رأسهم ابليس، وما يلاقون يوم القيامة في جهنم - جاء ذِكُر حال المتقين، أهلِ الجنة، وما يتمتعون به من نعيم مقيم.
{إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} .
ان الّذين اتقَوا اللهَ وأطاعوا أوامره يتمتعون في جنّات تجري من تحتِها الأنهار، حيث يُقال لهم:
ادخُلوها وأنتم على احسن حال من الفرح والسعادة والأمن، فلا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون.
{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً على سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} .
ولقد طهّرْنا قلوبَهم من الحسد والغِل والكراهية، فاجتمعوا فيها على المحبَّة والصفاء، يتنادمون على سرر متقابِلين، وتيزاورون ويتواصلون.
{لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} .
لا يحلقُهم في تلك الجنّات مشقَّة ولا تعب، ونعيمُها دائم لا يخرجون منه ابدا.
{نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغفور الرحيم وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ العذاب الأليم} .
وهذا ايضاً من اسلوب القرآن الحكيم، فان الله تعالى فَتَحَ بابَ الرحمة على مصراعيه وهو الغفور ذو الرحمة الواسعة، فنبئ يا محمدُ عبادي بذلك، وأخبرْهم ان العذابَ للعصاة المعاندين شديد أليم، فالترغيب والترهيب متلازمان دائما في اسلوب القرآن الكريم.
وجلون: خائفون. لا توجل: لا تخف. من القانطين: من اليائسين. ما خطبكم: ما شأنكم، ماذا تريدون. قدرنا: قضينا. الغابرين: الباقين في الهلاك.
{وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ. . .} .
يتناول القرآن الكريم قصص الأنبياء والمرسَلين، ويذكر طرفاً من أخبارهم ومعجزاتهم، وليس الغرضُ من هذا القصص التاريخَ ولا استقراء الوقائع، وانما الغرضُ منه الهداية والعِبرة والعظة. {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألباب} [سورة يوسف: 111] .
وقد وردتْ قصةُ إبراهيم ولوطٍ في مواضعَ متعدّدة بأشكال متنوعة، تناسب السياقَ الذي وردت فيه، ووردتْ قصة لوط وحدَه في مواضع اخرى.
وهنا يقول الله تعالى: اخبرْني أيها النبيّ عن حال ضيف إبراهيم، عندما دخلوا عليه وسلّموا، فقال: إنّا منكم خائفون، فطمأنوه وقاولوا له: لا تخفْ، إنّا جئنا نبشّرك بغلام عليم. قال: كيف تبشّرونني بمولودٍ يولَد لي وأنا شيخٌ كبير السنّ، إنذ هذا الأمر لغيريب عجيب! فأجابوه مؤكدين ما بشّروه به: لقد بشّرناك بالحقٌ فلا تكنْ من القانِطين اليائسين. فقال إبراهيم، إنّي أيأسُ من رحمةِ الله، فإنه لا يقنَطُ من رحمة الله إلا الضالون.
ثم لما استأنس بهم وعرف أنهم جاؤوا بأمرٍ عظيم، واستفسر مهم فقال لهم: ما شأنكم بعد هذه البشرى أيّها المرسلون؟ قالوا: لقد أرسلَنا اللهُ تعالى الى قومٍ مجرمين في حقّ الله وحقِّ نبيِّهم وحق أنفسِهم، وسنهلكهم إلا آل لوط ومن اتّبعه فإنهم ناجون، دونَ امرأته (لأنها كفرتْ بالله ولم تتّبع زوجَها) فستكون من الماكثين في الهلاك مع القوم المجرمين.
قراءات:
قرأ نافع: «فبم تبشرونِ» وقرأ ابن كثير: «تبشرونِّ» بكسر النون مشددة. وقرأ الباقون: تشرونَ بفتح النون وقرأ ابو عمرو والكسائي: «ومن يقنط» بكسر النون، والباقون «يقنط» بفتح النون.
فاسر بأهلك: اذهب بهم ليلا. وابتع أدبارهم: وكن انت وراء اهلك. لعمرك: قسَم.
وبعد ان بشّر إبراهيم بالود وخبروه أنهم مرسَلون بعذاب قومٍ مجرمين، ذهبوا الى لوط. وبدأت المعركةُ بين لوطٍ وقومه حولَ هؤلاء الرسل.
{قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون. . .} .
ولما وصَل الملائكةُ إلى ديار لوط، لم يعرفهم لوط في بادئ الأمر، وقال لهمك إنكم قومٌ مُنْكَرون، ما الذي جاء بكم إلى بلادنا؟ قولوا: لا تخفْ، إنا رسُلٌ من عندِ ربك، جئناك بأمرٍ يسرُّك، وهو إنزالُ العذاب بهؤلاء المجرمين.
ثم شرعوا يرتّبون له كيف ينجو هو وأَهلُه والمؤمنون معه قبل حولول العذاب بقومه، فقالوا له: سِرْ ليلاً بأهلكَ ومن آمنَ معك بعد مرور قِطْعٍ من الليل، وكُنْ خَلْفَهم حتى يتأكد من ان الجميع ساروا ونجوا، ولا يتلفتْ منكم أحدٌ خلفه، بل امضوا حيث يأمركم ربكم.
{وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ} .
وقدَّرنا ان هؤلاء المجرمين هالكون عن آخرهم عند دخول الصباح.
وعندما علم القومُ بوصول الرسُل وهم بهيئةٍ جميلة، أسرعوا نحوهم مستبشرين بمجيئهم الى مدينتهم طمعاً فيهم، فلما رآهم لوط مسرعين قال لقومه: إن هؤلاء الذي جئتم تريدون منهم الفاحشَة هم ضُيوفي، فلا تفضحوني فيهم، «واتقوا اللهَ ولا تُخزون» ، اي خافوا عقاب الله ان يحل بكم.
فقال له قومه: أوَلَم نَنْهَكَ ان تُضيفَ أحداً من العالمين؟ فلما رآهم متمادين في غيِّهم، لا يرعَوُون عن غوايتهم، قال لهم لوط: هؤلاء بناتي وبناتُ القرية، يمكنكم ان تتزوّجوهن إن كنتم راغبين في قَضَاء الشهوة.
{لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} . بحقّ حياتك أيّها النبيُّ الأمين، انهم لفي غفلةٍ عما سينزل بهم، جعلتْهم كالسكارى يترددون ويتخبّطون، فلا يرجى ان يفيقوا ولا ان يسمعوا.
الصيحة: العذاب. مشرقين: عند شروق الشمس. من سجيل: حجارة من طين. للمتوسمين: للعقلاء اصحاب الفراسة. لبسبيل مقيم: بطريق واضح.
اصحاب الايكة: قوم شعيب. الايكة: الشجر اللملتف الكثيف. لبإمام مبين: بطريق واضح. وللامام معان كثيرة. اصحاب الحجر: هم ثمود قوم صالح، والحجر مكان في شمال الحجاز معروف للآن. الصفح الجميل: العفو.
ثم ذكر الله تعالى عاقبة أمر قوم لوط فقال:
{فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة مُشْرِقِينَ} .
فنزل بهم العذابُ المنتظَر وقت شروق الشمس.
{فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} .
جزاء ظُلمهم جعل الله عاليَ المدينة سافلَها، أي أنه قلَبها، وأمطر عليهم حجارةً من طين متحجِّر، مع صيحةٍ عالية تصعق كلَّ من سمعها. ثم بين ان في هذا القصص عبرةً لمن اعتبر.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} .
ان ما فعلناه بقومٍ لوطٍ من الهلاك والتدمير لآياتٍ للّذين يعقِلون ويفكّرون ويعتبرون. ثم وجَّه انظار أهلِ مكة الى الاعتبار بها لو أرادوا ذلك فقال:
{وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ} .
ان هذه المدينة - مدينة سدوم - التي اصابها العذابُ والتدمير تقع على طريق ظاهرٍ ثابت هو طريقكُم ونتم ذاهبون الى الشام، وآثارها باقية في البحر الميت كما قال تعالى:{وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وبالليل أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الصافات: 137-138] .
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} ان فيما فعلناه بقومِ لوط من الهلاك والدمار ونجاةِ لوطٍ وأهلِه لدلالةً للمؤمنين الصادقين.
وبعد ان ذكر قصص قوم لوط ابتعه بقصص قوم شعيب فقال:
{وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الأيكة لَظَالِمِينَ فانتقمنا مِنْهُمْ} .
وإن قوم شعيبٍ، اصحابَ الغابة الكثيفة، كانوا ظالمين، فانتقمنا منهم وانزلنا عليهم العذابَ. وكذلك أهلُ مَدْيَنَ قد أخذتْهم الصيحة.
{وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ} يعني إن كلاً من مدينة لوط والأيكة واقعة على طريق ظاهر لكم تمر عليها قوافل قريش في ذهابهم الى الشام، فمن حقهم ان يعتبروا بآثارهم وهي باقية الى الآن.
ثم ذكر الله تعالى قصة صالح فقال:
{وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحجر المرسلين} .
لقد كذّبت ثمود نبيهم صالحاً، ومن كذّب رسولاً واحدا من رسُل الله فكأنما كذب جميع المرسلين.
{وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ} .
وأريناهم حُجَجَنا الدالةَ على نبوة صالح، منها الناقة وغيرها، فأعرضوا عنها، ولم يعتبروا بها.
{وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتاً آمِنِينَ} .
ولا تزال آثارهم وبعض ما نحتوه في الجبال باقياً الى الآن في شمال الحجاز، ويُعرف المكانُ بمدائن صالح.
{فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة مُصْبِحِينَ} .
اهلكهم اللهُ بالصيْحة التي تصعق كل واحد منهم في وقت الصباح.
{فَمَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} .
ولم يدفع عنهم الهلاكَ الذي نزل بهم، ما كانوا يكسِبونه من أموال، ويتحصنون وراءه من حصون.
وما خلقنا هذا الكون وما فيه الا بالعدل والانصاف والحكمة، وان الساعة لآتية يوم القيامة لا ريبّ في ذلك، فأعرضْ عنهم أيها النبي واصفحْ الصفح الجميل وخالقْهم بخلق حسن. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الخلاق العليم} .
ان ربك هو الذي خلقهم وخلق كل شيء.
سبعا من المثاني: سورة الفاتحة. وبعضهم يقولك انها سبع السور الطوال: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الانعام، الاعراف، ويونس. لا تمدن عينيك: لا تنظر او لا تَتَمنَّ. واخفض جناحك للمؤمنين: تواضع لهم. المقتسمين: اليهود والنصارى. عضين: اجزاء، مفردها عضة. فاصدع بما تؤمر: اجهر بِهِ. اليقين: الموت.
في ختام هذه السورة العظيم يمن الله على الرسول الكريم أنه اعطاه القرآنَ العظيم ومنه السبعُ المثاني، ويوصيه ان لا ينظر الى ما عند غيره، ويتواضع للمؤمنين، ثم يخلُص الى البيان السابق وهو أمرُ النبي عليه الصلاة والسلام ان يجهرَ بالدعوة ولا يحزنَ عليهم ولا يضيقَ صدرُه بما يقولون، فان الله تعالى كفاه أمْرَهم، وسوف يعلمون، وأمَرَه ان يعبد ربه حتى ينتهي أجلُه من هذه الحياة.
{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ المثاني والقرآن العظيم} .
ولقد اكرمناك ايها النبي بسبع آياتٍ من القرآن هي سورةُ الفاتحة التي تكررها في كل صلاة. وهذه السورة لها مكانتها الخاصة، لانها تشتمل على مجمل ما في القرآن. فمقاصد القرآن هي: بيانُ التوحيد، وبيان الوعد والبشرى للمؤمنين، وبيانُ الوعيد والانذار للكافرين والمسيئين، وبيانُ السعادة في الدنيا والآخرة، وقصصُ الذين أطاعوا الله ففازوا، والذين عصَوا فخابوا.
والفاتحة تشتمل بطريق الايجاز والاشارة على هذه المقاصد ولذلك سميت «ام الكتاب» والسبع المثاني.
وبعد ان عرف الله رسوله عظيم نِعمه عليه، نهاه عن الرغبة في الدنيا فقال:
لا تتمنَّينَّ ايها الرسول ما جعلنا من زينة الدنيا متاعاً للاغنياء من اليهود والنصارى والمشرِكين، فإن هذا كله زائلٌ وزهيد بالنسبة لما أُوتيتَه من كمال الاتصال بنا ومن القرآن العظيم.
والخطاب تعليمٌ للمؤمنين، فقد رُوي أنه أتتْ من بُصرى الشام سبع قوافلَ لقريظة والنضير من اليهود في يوم واحد، فيها أنواعُ البضائع من الطيِّيب والجواهر والألبسة، فقال المسلمون: لو كانت لمن لتقوَّيْنا بها، ولأنفقناها في سبيل الله.
فالله تعالى يعلّمهم ان هذا كلَّه لا قيمةَ له بالنسبة لما أُوتيتم، «ولا تحزَن عليهم» بسب استمرارهم على الغيّ والكفر، وتواضعْ يا محمد لمن اتبعك من المؤمنين.
ثم بيّن وظيفة الرسول عليه الصلاة والسلام فقال:
{وَقُلْ إني أَنَا النذير المبين} .
وقل ايها الرسول للناس اجمعين أنا النذيرُ لكم من عذابٍ أليم، فارجعوا الى اله وآمِنوا بما انزلَ اليَّ تربحوا وتفوزوا بالجنة.
ثم بعد ان ذَكر الله أنه اكرم الرسولَ بالقرآن العظيم والسبعِ المثاني - يبين هنا أن الذين سبقوه من اليهود والنصارى قسّموا القرآن الى أجزاء، فبِلوا بعضَه وكفروا ببعض منه. فقال:
وكم آتيناكَ سبعاً من المثاني والقرآن العظيم، أنزلْنا من قبِلك على اليهود والنصارى التوراةَ والإنجيلَ، وهم الّذين اقتسموا القرآنَ فآمنوا ببعضه الذين وافقَ ما عندهم، وكفروا ببعضٍ، وهو ما خالفهم.
{فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} .
فوا الذي خلقَك ورباك لنسألَنّ الكفارَ جميعاً عن ما كانوا يقولون ويفلعون، ولنحاسبنَّهم أجمعين.
ثم يؤكد الله تعالى على نبيه بالجهر والقوة في تبليغ الرسالة جهد المستطاع فيقول:
{فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين} .
فاجهرْ بدعوة الحق، وابلاغ ما أُمرتَ به، ولا تلتفت الى المشركين وما يقولون.
ولما كان ما يلاقيه من المشركين امرا عسيرا، واذى كبيرا، طمأنه الله بانه هو يكفيه شرهم فقال:{إِنَّا كَفَيْنَاكَ المستهزئين} .
إنا كفيناك شر المستهزئين من قريش الذين كانوا يسخرون منك ومن القرآن، وكانوا طائفةً من قريش لهم قوة، وكانوا كثيري السفاهة والأذى للرسول الكريم، وقد أبادهم الله وأزال كيدهم، فهم: الوليدُ بن المغيرة، والعاص بن وائل، وعديّ بن قيس، والأَسود بن عبدٍ يغوث. وقد ماتوا جميعا.
ثم وصف هؤلاء المستهزئين بالشرك فقال:
{الذين يَجْعَلُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} .
انهم اتخذوا آلها مع الله يعبدونه، فسوف يعلمون عاقبة امرهم، يوم القيامة، يوم يرون العذاب الشديد.
{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} .
إنا نعلم ما يصبك من ضيق وألم نفسي بما يقولونه من الفاظ الشرك والاستهزاء، فسّلاه الله تعالى بان يسبح ويلوذ به، ولا يفتر عن التسبيح بحمد ربه طوال حياته حتى يأتيه اليقين.
{فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ الساجدين واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين} .
وهذا هو ختام السورة: ارشاد من الله تعالى أن يكشف ما يجده من الغم باللجوء باليه بعمل الطاعات، والاكثار من العبادات، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم اذا حَزَبَه امر واشاد عليه خطب، فزع الى الصلاة.
اللهم وفقنا لطاعتك، واهدنا لعبادتك، واجعلنا من المتقين الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليم ولا الضالين.
اتى امر الله: دنا وقرب. امر الله: وعده وحكمه. الروح: الوحي. انذاروا: خوفوا: خصيم: مخاصم.
كان مشركو مكةَ يستعجلون الرسولَ عليه الصلاة والسلام ان يأتيهم بعذاب الدنيا او عذاب الآخرة، فجاء ملطعُ هذه السورة حاسماً:{أتى أَمْرُ الله فَلَا تَسْتَعْجِلُوه} .
وقد تحقَّقَ هذا الوعيدُ بان اهلك الله عدداً من صناديِدهم في هذه الدنيا ونصر رسولَه والمؤمنين، ولَعذابُ الآخرة أشدّ، وهو واقعٌ لا ريب فيه {سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} تَنَزَّه الله عنه ان يكون له شريك يُعبد دونه.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي: «تشركون» بالتاء، والباقون «يشركون» بالياء كما هي في المصحف.
بعد ان تبرّأَ سبحانه من الشريك- بيّن انه تعالى وحدَه يعرف أسرار هذا الكون، وانه يُنَزّلُ ملائكتَه بالوحي الذي يُحيي القلوبَ على من يريد من عبادِه الذين يصطفيهم، لِيُعلِّموا الناس، ويُنذِروهم بأنَّ إله الخلْق واحدٌ لا اله الا هو، فاحذَروا، وأخلِصوا له العبادة، والتزِموا بالتقوى والإيمان.
قراءات:
قرأ الكسائي عن ابي بكر: «تنزيل الملائكة» بفتح التاء والنون والزاي المشددة. وقرأ ابن كثير وابو عمرو: «ينزل» بضم الياء وكسر الزاي من أنزل. والباقون: «ينزل» بضم الياء وكسر الزاي المشددة.
{خَلَقَ السماوات والأرض بالحق تعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} .
بعد ان بيَّن الله أنه تنزَّه عن الشريك، وأنه هو الخالقُ الواحد، وأمر الناسَ بتقواه وإخلاص العبادة له - أخذَ في عرضِ أدلَّة التوحيد، والآياتِ الدالّة على النِعمة عرضاً لطيفاً هادئا.
خلَق الله العاَلَم العُلويَّ والسفليَّ بما حوة بالحق على نهجٍ تقتضيه الحكمة، لوم يخلقْه عَبَثا، وقد تنزَّه عن ان يكونَ له شريكٌ يتصرَّفُ في مُلكِه، او يستحقّ ان يُعبد مثله، تعالى عن شِركهم، وتعالى عما يشركون.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي: «تشركون» بالتاء.
{خَلَقَ الإنسان مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} ما أعجبَ هذا الانسان الذي خلقه اللهُ من مادة لا تُرى بالعين المجرَّدة، فإذا به إنسانٌ قويٌّ مخاصِم مجادِل، ان هذا الكون كلّه عجيب، وأعجبُ ما فيه هذا الانسان.
الانعام: الابل والبقر والمعز والغنم. الدفء: ما يدفئ الانسان من ثياب وغيرها. المنافع: ما يفيد الانسان منها من ركوب وحرث ولبن. وجمال: زينة. تريحون: تردونها من المرعى الى مَراحِلها بعد رعيها. تسرحون: تخرجونها صباحا الى مراعيها. الاثقال: الامتعة. بشق الانفس: بمشقة وتعب. قصد السبيل: الطريق المستقيم. جائز: مائل، منحرف.
{والأنعام خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} .
وقد تفضَّل اللهُ عليكم بأن خَلَقَ لكم الإبلَ والبقرَ والغنمَ والمَعز لتتّخِذوا من أصوافها وأوبارِها وأشعارِها وجلودها ما تحتاجون إليه في حياتكم وتشربون من ألبانِها، وتأكلون من لحومها.
{وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} .
ولكم في هذه الأنعام بهجةٌ وسرور عندما ترجع من مراعا وهي مُقْبِلَةٌ مساءً ملأى البطون، حافلةَ الضروع، رائعةً سمينة، وحين تُخرِجونها صباحاً إلى المرعى، فإن منظَرَها يسرُّ الناظرين. وهذا يبدو لأهلِ الريفِ والبدو، ولا يدركه أهل المدينة.
{وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلَاّ بِشِقِّ الأنفس} .
وبعضُ هذه الأنعامِ كانت من وسائل المواصلات ولا تزال كذلك في كثيرٍ من البلدان، تحمل أمتعتكم الثقيلة وتوصلُكم الى بلدٍ لم تكونوا تستطيعون الوصولَ إليه بدنها إلاّ بكلّ مشقّةٍ وتعب.
{إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} إن ربّكم الذي هَيَّأ لكم كلَّ هذه النعم وجعلّها لراحتكم لهو رؤوف بكم واسع الرحمة لكم.
{والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} .
وخلَق لكم الخيل والبغالَ والحمير أيضاَ لتركبوها، وهي بالإضافة الى الإبلِ كانت وسائلَ النقل، وزينةً لكم. وهذه اللفتةُ لها قيمتُها في بيان نظرة القرآنِ والإسلام للحياة، فإن الجَمالَ عنصرٌ أصيل في هذه النظرة، وليست النعمةُ مجردَ تلبيةِ الضرورات من طعام وشرابٍ وركوب، بل هناك ما يُدْخلُ السرورَ على الانسان، ويلبيّي حاسَّةَ الجَمال ووِجدان الفرحِ والشعورِ بالجمال.
ومع ان هذه الوسائلَ أصحبت قديمة، فإن كثيراً من الناس لا يزالُ يربِّي الخيلَ والإبلَ ويُسَرُّ فيها صباح مساء، ولا تزال في كثي من البلدان فرقٌ كاملة من الفرسان والهجّانة في الجيشِ، وهي من أجملِ الأشياء التي يحبُّها الانسان.
{وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} .
وهذا من عَظمة القرآنِ حيثُ أشار الى ما يجدُّ من وسائل النقل، وستجدُّ وسائل كثيرة لا نعلمها نحن في الوقت الحاضر. والقرآن الكريم دائماً يهيّئ القلوبَ والأذهان بلا جمود ولا تحجُّر.
ولحومُ الخيل محرَّمةٌ عند أبي حنيفة، وحلالٌ عند مالكٍ والشافعيِّ وابن حنبل، اما لحومُ البغال والحمير فهي محرَّمة عند أبي حنيفة والشافعيّ وابنِ حنبل، ومكروهةٌ عند مالِك، وجميعُها حلال عند الشِّيعة الإمامية مع الكراهة.
وعلى اللهِ بيانُ الطريقِ المستقيم يوصلكم الى الخير. «ومنها جائزٌ» ومن الطرق ما هو جائز منحرفٌ لايُوصلُ الى الحق، وعلى الله بيانُ ذكل ليهتدي إليه الناس.
ثم أخبر سبحانه ان الهداية والضلال بقدرته ومشيئته فقال:
{وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} .
ولو شاءَ هدايتكم جميعاً لهادكم، لكنّه شاء ان يخلُقَ الإنسانَ مستعدّاً للهدى والضلال وان يدعَ لإرادته اختيار الطريق.
تسيمون: ترعون الماشية، تجعلونا ترعى النبات. ذرأ: خلق. سخر البحر: ذلله وجعله في خدمتكم. مواخر: جمع ماخرة: جارية فيه، مخر الماء شقة. الرواسي: الجبال. ان تميد بكم: ان تميل وتضطرب. وسبلا: طرقا. وعلامات: اشارات، ومعالم يستدل الانسان بها.
{هُوَ الذي أَنْزَلَ مِنَ السماء مَآءً لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} .
بعد أن ذكر اللهُ نعمته على الناس بتسخير الدوابّ والأنعام، شرع يَذْكُر نعمتَ عليهم بإنزال المطرِ والخلْق وتسخير الكونِ كلّه لهذا الإنسان.
إن الذي خلقَ لكم الأنعام والخيلَ وسائرَ البهائم لمنافِعِكم ومصالحِكم هو الذي أنزلَ المطر من المساءِ عذباً زلالاً تشربون منه وتسقون الشَجر والنبات. وهذا الجشرُ والنبات هو الذي تجعلون أنعامكم ترعاه وتمدّكم باللّبن واللّحم والأصواف والأوبارِ والأشعار والجلود.
{يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزرع والزيتون والنخيل والأعناب وَمِن كُلِّ الثمرات} .
إن هذا الماء ينزله اللهُ من السماء بقدْرته فيحيي به الأرضَ وينبتُ لكم زرعكم المختلفَ من جميع أنواع الثمرات وتيجعله رِزِقاً لكمن ونعمةً منه عليكم، وحجةً على من كفر به.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} .
ان فيما ذُكر من الآيات الداّلة على قدرة الله وما فيها من نعم لا تحصى لأدلّةً وحُجَجَاً لقومٍ لهم عقول تفكّر، بها يدركون حكمة الله، ويفهمونها حق الفهم.
قراءات:
قرأ ابو بكر: «ننبت لكم» بالنون، والباقون:«ينبت لكم» بالياء.
{وَسَخَّرَ لَكُمُ الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ} .
ومن نعمة تعالى عليكم ان جعل لكم الليلَ مهَّيئاً لراحتكم، والنارَ جعله مناسباً لِسعيكم وحركتكم وأعمالكم، والشمس تمدّكم بالدفء والضوءِ، والقمرَ لتعرفوا به عددَ السنين والحساب، والنجوم مسخَّرات بأمر الله لتهتدوا بها في أسفاركم في ظُلمات البرّ والبحر.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} .
إن في كلّ هذه النعمِ والدلائل لآياتٍ لقوم لهم عقول تدرك وتتدبّر ما وراء هذه الظواهر من قدرة.
{وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرض مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} .
ومن نعمه التي لا تُحصى عليكم ما خلقَ لكم في الأرضِ من أنواعِ الحيوان والنبات والجماد، وجعل في جوفها من المعادن المختلفة الألوانِ والأشكار، وجعلَ كلَّ ذلك لمنافِعِكم، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} ان في ذلك كله لأدلة واضحة لقوم يذكرون ولا ينسون. {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَاّ أُوْلُواْ الألباب} [البقرة: 269] .
قرأ حفص: «والنجوم مسخرات» بالرفع. وقرأ ابن عامر: «والشمس والقمر والنجوم مسخرات» بالرفع. والباقون «والشمس والقمر والجوم مسخرات» كلها بالنصب.
ومن هذه النعمِ الكبرى نعمةُ البحر وما فيه من أنواع الحيوان، فإن اله تعالى جلعَ هذا كلَّه للإنسان ليأكل منه ذلك الحمّ الطريَّ الشهيّ، ويستخرجَ من جوفه أنواعَ اللؤلؤ والمرجان حِيلةً جميلة تلبَسونها ايها الناس وتتلحَّوْن بها.
{وَتَرَى الفلك مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .
وترى أيُّها الناظرُ تلك السفنَ تمخر عبابَ الماء وتشقّه. . كلّ ذلك في خِدمتكم، سخَّرى الّلهُ لكم أيها الناسُ لتنتَفِعوا بما فيه، وتطلبوا من فضلِ الله الرزقَ عن طريق التجارة وغيرا، فلْتشركوا اللهَ على ما هيَّأ لكم وأنعمَ به عليكم.
{وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ}
وجعل في الأرض جبالاً ثابتة حتى لا تميل بكم وتضطربَ بما عليها.
{وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} .
وجعل في هذه الأرضِ أنهاراً تجري فيها المياهُ الصالحة للشرُّرب والزرع، وجعلَ فيها طُرُقاً ممهَّدة لتهتدوا بها في السَّير إلى مقاصدكم.
{وَعَلامَاتٍ وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ} .
وجعلَ لكم في هذا الكون علامات ودلائل يهتدي بها الساري ويسترشدُ في أثناء سيرة ليلاً بالنجوم التي أودعَها اللهُ في السماء.
بعد ان بيّن الله الدلائل على وجود الإله القادر، الذي خلَقَ هذا الكونَ على أحسنِ نظام، وان جميع ما في هذا الكون في خدمة الإنسان- أخذَ يردُّ على المشركين ويُبطل شِرْكَهم عبادتضهم غيرَ الله من الأصنام والأوثان، وأنهم عاجِزون لا يستطيعون اني يخلقوا شيئا فقا:
{أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَاّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} .
أفمنْ يخلُق كلَّ هذه الأشياءَ التي مرَّ ذِكُرها وغيرها، كمن لا يخلُق شيئاً لا كبيراً ولا صغيرا، أتَعْمُون أيّها المشرِكون عن آثار قدرةٍ الله فلا تعتَبروا وتشركوا الله عليها!؟ .
ثم بعد ان نبّهههم سبحانه إلى عظَمته وقدرته، ذكَّر الناسَ بنعمة عليهم واحسانه فقال:
{وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لَا تُحْصُوهَآ إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} .
إنْ تحاولوا عدَّ نِعم الله عليكم فلن تستطيعوا احصاءَها لكثرتها. . . وأكثرُ النعمٍ لا يدري بها الإنسانُ لأنه يألفُها فلا يعشر بها إى حينَ يفتقدها. إن الله لغفورٌ، يستُرُ عليكم تقصيركم في القيام بشكرها، رحيم بكم يُفيض عليكم نعمه.
{والله يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} . لا يخفى عله شيء من سركم وجهركم.
أيان يبعثون: متى يبعثون. لا جرم: لا بد. ولا محالة وتأتي بمعنى القسم: حقا.
{والذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} .
إن هذه الأوثانَ التي تبعدونها من دونِ الله لا تخلق شيئاً بل هي مخلوقة، فيكف يكونُ إلهاً ما يكون مصنوعاً بالأيدي!!
وهم {أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} .
إنها جماداتٌ ميتة لا حِسَّ لها ولا حركة، ولا تسمع ولا تُبصر ولا تعقل، وما تدري هذه الأصنامُ متى تكون القيامة والبعث للناس، فلا يَليقُ بكم أيّها العقلاء بعدَ هذا أن تظنوا أنها تنفعكم فتُشرِكوها مع الله في العبادة.
ولما أبطل اللهُ عبادة الاصنام وبيّن فساد مذهب المشركي - بيَّن أنه الإله الواحد الخالقُ المدبِّر.
{إلهكم إله وَاحِدٌ فالذين لَا يُؤْمِنُونَ بالآخرة قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} .
ان الإله الذي تجبُ عبادته هو الله الواحدُ الخالق لا شريك له، أما الذين لا يؤمنون بالعبث والحساب فإنّ قلوبَهم مغلَقَةٌ منكِرة لوحدانيته، وهم مستكبِرون لا يريدون التسليمَ بالبراهين الواضحة، ولا يؤمنون بالرسول الكريم.
وبعد ان ذكر الأسبابَ التي لأجلِها أصرَّ الكفار على الشِرك وانكارِ التوحيد - ذَكَرَ هنا وعيدهم على أعمالهم فقال:
{لَا جَرَمَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} .
حقاً إن الله يعمل ما يسر هؤلاء المشركون ويعمل ما يعلنون من كفرهم وافترائهم عليه. {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المستكبرين} عن سماع الحق والخضوع له.
وفي الحديث الصحيح: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقالُ ذرةٍ من كِبْر» وفي حديث صحيح آخر «ان المتكبرين امثال الذر يم القيامة، تطؤهم القيامة، تطؤهم الناس باقدامهم لتكبّرهم» .
أساطير الاولين: أباطيل وخرافات السابقين من الأمم. الأوزار: الآثام واحدها وزر. ساء ما يزرون: بئس ما يعملون من آثام فاتى الله بنيانهم من القواعد: هدمها من الأساس. فخر عليم السقف: سقط عليهم. فالقوا السلم: استسلموا. مثوى المتكبرين: مكان إقامتهم.
بعد ان ذكر الله تعالى دلائلَ التوحيد والبراهين الواضحة على بطلان عبادةٍ الأصنام وعدَّدَ نِعمه على عبادِه وما سخَّره في هذا الكون للإنسان - أردفَ ذلك بذِكر شبُهات من انكروا النبوة والجواب عنها فقال:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأولين} .
كان كفار قريش وزعماؤهم يخشون أن يأتيَ الناسُ ويجتمعوا بالرسولِ الكريم عليه الصلاة والسلام ويقولون: ان محمداً رجلٌ حلو اللسان، إذا كلّمه أحدٌ ذهب بعقله. وكانوا يرقبون الطرقَ المؤدّيةَ الى مكة حتى يمنعوا من يأتي قاصداً الرسولَ الكريم ويصدّوه، كما يفترون على الرسول عليه الصلاة والسلام أقوالاً مخلتفة، فتارةً يقولون إنه ساحر، وأخرى إنه شاعرٌ أن كاهن الخ، وما هذا الّذي يأتي به إلا أباطيل الأُمم السابقة وخرافاتها يتلوها على الناس.
وكل هذه الأمور الّتي يأتونها من نوعِ الدعاية يدبِّرونها حتى يتفادوا الإيمان بالنبيّ الكريم ولكنّ اللهَ هزمهم ونَصَرَ رسوله والمؤمنين.
إما عمِلوا، وتقولَّوا الكذبَ ليصدُّوا الناسَ عن اتِّباع رسول الله، ولتكون عاقبتهم أنهم يتحملون آثامَهم وآثام الذين غرَّروا بهم وأضلُّوهم فاتَّبعوهم على جهلٍ وبغير علم.
{أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ} بئس ما يرتكبونه من الإثمِ والذنوب.
ثم بين لهم أن عاقبة مكرِهم عائدة إليهم، كدأْب مَن قبلَهم من الأمم السابقة الذين اصبهم من العذاب ما أصبهم بتكذيب رسلهم، فقال:
ان الذين من قبلهم من الأمم السابقة قد مكروا برسلهم وكذّبوهم ودبروا لهم المكايد، فأبطل الله كيدَهم ودمرهم بلادهم وهدمها من الأسس، فانهارت البيوت وخرَّت سقوفها على أصحابها، واتاهم العذاب من حيث لا يشعرون.
والله سبحانه سوف لا يُنجيهم من العذاب في الآخرة، بل لهم عذابٌ أشد واعظم.
{ثُمَّ يَوْمَ القيامة يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الذين كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ؟} .
يسألهم الله تعالى يوم القيامة على سبيل الخِزي والاستهزاء بهم ويقول لهم: اين الذي اتخذتموهم شركاءَ لي في العبادة، وكنتم تحاربونني ورسُلي في سبيلهم؟ أين هم حتى ينصروكم ويمدوا لكم يد العون؟ فلا يستطيعون جوابا.
{قَالَ الذين أُوتُواْ العلم إِنَّ الخزي اليوم والسواء عَلَى الكافرين} .
وحينئذ يقول الذين يعلمون الحقّ من الأنبياء والمؤمنين والملائكة ان الذل والخزيَ والهوانَ اليوم على الكافرين المكذبين.
قراءات:
قرأ نافع: «تشاقونِ» بكسر النون. والباقون «تشاقونَ» بفتحها.
ثم يبيّن ان الكافرين الذين يستحقون هذا العذاب هم الذين استمروا على كفرهم الى ان تتوفاهم الملائكة وهم ظالمون:
{الذين تَتَوَفَّاهُمُ الملائكة ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} .
ماذا يفعلُون في ذلك الموقف المخزي؟ .
{فَأَلْقَوُاْ السلم مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سواء} .
إنهم استسملوا لَمّا عاينوا العذابَ قائلين: ما كنّا نشرك بربّنا احداً، ولكنّ الله يكذّبهم بقوله:
{بلى إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} .
ان الله لا يَخفى عليه شيء، وهو على علمٍ بما كنتم تكفرون وتكذبون.
ثم بين الله تعالى مصيرهم المحتوم، فقال:
{فادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين} .
ان مصيركم جهنمُ فادخلوها من أبوابها المتعددة، وذوقوا الواناً من العذاب خالدين فيها أبداً، وبئس المقامُ والمثوى لمن كان متكبراً عن اتّباع الرسل والاهتداء بما أُنزل عليهم من آيات.
قراءات:
قرأ حمزة: «الذين يتوفاهم» بالياء. والباقون بالتاء.
ينظرون: ينظرون. أمر بك: حكم ربك فيهم. حاق بهم: أحطا بهم.
بعد ان بين اله أحوالَ المكذبين وما ينالهم في الدنيا والآخرة، وذكر هنا وصف المؤمنين وثقتَهم بالله ورسوله، وما أعدّ لهم من الخير والسعادة في جناتٍ تجري من تحتها الأنهارُ جزاء ايمانهم واحسانهم.
وقيل للذين آمنوا بالله واتقوا: ما الذي أنزلَه ربُّكم على رسوله؟ قالوا: أَنزل عليه القرآن فيه خيرُ الدنيا والآخرة للناس جميعا، فكانوا بذلك من المحسنين. والله تعالى وعد بان يكافئ المحسنين بحياة طيبة، وفي الآخرة لهم الجنةُ بما أحسنوا.
لنِعم الدارُ التي يقيم فيها المتقون، جناتُ عدْن تجري من تحت قصورها واشجارها الانهار، ولهم فيها ما يردون من النعيم. ومثل هذا الجزاء الأوفى يجزي الله الذين اتقوه.
وفي هذا حثٌّ للمؤمنين على الاستمرار على التقوى، ولغيرِهم على تحصيلها.
هؤلاء المتقون تقبض الملائكة أرواحَهم طيبين، طاهرين من دَنس الشِرك والمعاصي، وتستقبلهم الملائكة بقولهم: سلام عليكم، ادخلوا الجنة بما قدّمتم من أعمال صالحة في دنياكم ولن يصيبكم بعدَ اليوم مكروه.
أخرج ابن جرير والبيهقي عن محمد بن القرظي قال: «إذا اشرفَ المؤمن على الموت جاءه ملَك فقال: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام، وبشرّه بالجنة» .
ثم يعود الكلام عن المشركين من قريش: ماذا ينتظرون، بعد عنادهم وكفرهم وتكذيبهم للرسول الكريم عليه صلواتُ الله وسلامه؟ وجزاءُ كفرهم وتكبّرهم النارُ وبئس القرار.
ماذا ينتظر كفار مكة الذين قالوا ان القرآن أساطيرُ الأولين غير ان تأتيَهم الملائكة لتبقض اوراحهم، او يأتي أمر الله بالعذاب المهلك. وهم ليسوا بأول من كذّب الرسل، فقد فعل مثلَهم الذين من قبلهم من الأمم وحلّ بهم العذاب، وما ظَلضمهم اللهُ في ذلك، فقد اندّرهم بواسطة الرسل، وإننزاله الكتب، ولكنْ ظلموا أنفسَهم بمخالفة الرسل وتكذيبهم ما جاؤا به. ثم اعقب الله ذلك بذكر ما ترتب على اعمالهم فقال:
{فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} .
لهذا نزلت بهم عقوبةٌ من الله جزاءَ ما عملوا من سيئات، وأحطا بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به.
الطاغوت: كل ما عُبد من دون الله من شيطان وكاهن وصنم، وكل من دعا الى ضلالة. حقت عليه: وجبت عليه.
لقد تكرر هذا القول من المشركين، وهم يريدون بقولهم هذا أن الله سبحانه أراد ان يشرِكوا ورضَي بذلك. وهذه مغالطةٌ وحجّة باطلة يستندون عليها من كفرهم.
وقد رد الله عليهم شُبْهَتَهم هذه بقوله:
{كذلك فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ} ومثل هذا الفعل الفعل الشنيع فعلَ مَن قبلَهم من الأمم. ثم بيّن خطأهم فيما يقولون ويفعلون فقال:
{فَهَلْ عَلَى الرسل إِلَاّ البلاغ المبين؟} .
هذه هي مهمة الرسل. . . إبلاغُ الناس رسالاتِ ربهم وانذارُهم، وليس عليهم هداهم.
فالله لا يريد لعباده الشِرك، ولا يرضى لهم ان يحرِّموا ما أحلَّه لهم من الطيبات، وإرادتُه ظاهرة منصوص عليها في شرائعه، وانما شاءت ارادة الله أن يخلقَ البشرَ باستعداد للهدى والضلال، وان يدعَ مشيئتهم حرةً في اختيار اي الطريقين. لذا منحهم العقل يرجّحون به أحدَ الاتجاهين، وبَعَثَ الرسُلَ منذِرين ومبشّرين.
ثم بين الله تعالى ان بعثة الرسل امرٌ جرت به السنّة الالهية في الأمم كلها، وجُعلت سبباً لهُدى من أراد اللهُ هدايته، وزيادةِ ضلالِ من أراد ضلاله، كالغذاء الصالح ينفع الصحيح السليم، ويضر بعض المرضى.
ولقد أرسلنا في كل أمةٍ سلفتْ قبلكم رسولا يقول لهم: اعبدوا الله وحده، واجتنبوا عبادة مَن دونَه مما لا ينفع ولا يضر، ففريقٌ استمع الى الرسول واهتدى، وفريق أعرضَ عن سماع الحق فحق عليه العذاب. واذا كنتم في شكّ أيها المشركون، فسيروا في الأرض قريبا منكم، فانظروا ما حلّ بالمكذّبين من عاد وثمود وقوم لوط، وكيف كانت عاقبة أمرهم لعلّكم تعتبرون بما حل بهم.
فالقرآن الكريم ينفي بهذا النصِّ، وَهْمَ الإجبار لوَّح به المشركون، والذي يستند اليه كثير من المنحرفين. والعقيدةُ الاسلامية عقيدةٌ واضحة، فالله يأمر عبادَه بالخير وينهاهم عن الشر، ويعاقب المذنبين أحيانا في الدنيا، وعقابُ الآخرة لا شكَّ فيه، ويثيب المؤمنين المتقين.
ثم خاطب الله رسوله الكريم مسلّياً له عما يراه من جحود قومه وشديد إعراضهم، مع جدَبه عليهم وعظيم رغبته في إيمانهم، ومبيّنا له ان الأمر بيدِ الله. فقال:
{إِن تَحْرِصْ على هُدَاهُمْ فَإِنَّ الله لَا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} .
ان تكن حريصا ايها النبي على هداية المشركين من قومك فلن ينفهم حرصك، لانهم قد تحكّمت في نفوسهم الشهات والكِبْرُ والعناد، وليس لهم يومَ القيامة ناصر ينصرهم من عذاب الله.
قراءات:
قرأ اهل الكوفة: «لا يهدي بفتح الياء وكسر الدال. والباقون:» لا يهدى «بضم الياء وفتح الدال.
جهد ايمانهم: اشد ايمانهم، أي بالغوا في الايمان لنبوئنهم: نُسكنهم، ونعطيهم.
{وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ} .
لقد أقسمَ المشركون أشدّ أيمانهم وأكدوا بان الله لا بيعث من يموت. وكانت قضيةُ البعث بعد الموت هي المشكلة الكبرى عند المشركين. . . لقد غلقوا عن معجزة الحياة الأولى، مع أن الله الذي اوجدّ الانسانَ من العدم قادر على ان يبعثه بعد الموت. لذلك ردّ الله عليكم وكذبهم فقال:
{بلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يَعْلَمُونَ} .
بلى إن الله سبعث الخلقَ بعد الموت، قد وعد بذلك وعدا حقا لا بد منه، ولن يُخلف اللهُ وعدَه، ولكن اكثر الناس لجهلهم لا يعلمون حكمة الله في خلق هذا العالم.
ثم ذكر سبحانه الحكمة في المعاد، وقيامِ الأجساد يوم القيامة فقال:
ان من عدْل الله في خلقه ان يبعهم جميعاً بعد موتهم، ليبين لهم حقائق الأمور التي اختفلوا فيها، فيعلم المؤمنون أنهم على حق، ويعلم الكافرون كذبهم في دعواهم ان الله لا يبعث من يموت.
ثم أخبر عن كامل قدرته، وانه لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء فقال:
{إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} .
إننا اذا اردْنا شيئا فإنما نقول له كن فيكون، والبعث شيء من هذه الأمور يتم عندما نريد. {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَاّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [لقمان: 29] .
قراءات:
قرأ الكسائي وان عامر: «فيكون» بنصب النون. والباقون بالرفع.
ثم جاء العرض للجانب المقابل للمنكرين، فذكر لمحةً عن المؤمنين الذين حملهم إيمانُهم على الهجرة في سبيل الله، فقال:
والمؤمنون الذين فارقوا قومهم ودورهم وأوطانهم وهاجروا الى بلاد غريبة عنهم وتحمّلوا التعب احتساباً لأجر الله، وإخلاصاً لعقيدتهم من بعدِ ما وقع عليهم الظلم والعذاب، سنعوّضهم عن ذلك مساكنَ طيبةً في الدنيا وسيكون أجرُهم يوم القيامة أكبرَ ونعيمهم في الجنة أعظم.
ثم وصف اولئك المهاجرن بقوله: {الذين صَبَرُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} سينالون أعظم الأجرِ عند الله في الدنيا والآخرة.
اهل الذكر: اهل العلم. البينات: المعجزات. الزبر: الكتب، مفردها زبور. زبرت الكتاب: كتبته. المكر: السعي بالفساد خفية. في تقلبهم: في سيرهم وسعيهم وتصرفهم. على تخوف: على تنقص. يتفيأ ضلاله: يعود ويرجع. داخرون: صاغرون. من فوقهم: بالقهر والغلبة وهي كناية عن قدرة الله.
انكر كفارُ قريش بعثة الرسول الكريم، وقالوا: اللهُ أعظمُ من ان يكون رسوله بشراً. فردّ الله تعالى عليهم مبيناً أنه لم يرسِل الرسل إلا رجالاً من بني آدم، مؤيَّدين بالوحي، وانه لم يرسل ملائكةً وخلقا آخر. فاسألوا اهل العلم بالكتب السابقة، ان كنتم لا تعلمون ذلك.
وقد أيَّدنا هؤلاء الرسل بالمعجزات والدلائل المبينّة لصدقهم، وانزلنا إليك أيها النبي القرآنَ لتبين للناس ما اشتمل عليه من العقائد والأحكام، وتدعوهم الى التدبر فيه، ولعلّهم يتفكرون في آيات الله، ويتدبرون القرآن ويدركون أسراره واهدافه، ويعلمون انه أُنزل لخيرهم ومصلحتهم.
ثم حذّرهم وخوفهم مغبّة ما هم فيه من العصيان والكفر فقال:
افأمِن الذين مكروا برسول الله وحاولوا صدَّ أصحابه عن الايمان بالله ان يصيبهم بعقوبة من عنده.
1-
إمان بان يخسف بهم الارض ويبيدهم من صفحة الوجود كما فعل بقارونَ وغيره.
2-
او بأن يأتيهم بعذابٍ من السماء فجأة من حيث لا يشعرون كما فعل بقوم لوط.
3-
او يأخذَهم بعقوبة وهم في أعمالهم او اسفارِهم يكدحون في الارض.
4-
او يهلكهم بنقصِ اموالهم او بنقص انفسِهم رويداً وهم في كل لحظة في عذاب من الخوف منه والترقيب لوقوعه، فلا تتمادوا ايها المشركون وتعتروا بتأخير عقوبتكم، فان الله سبحانه رؤوف رحيم، ورحمة الله واسعة شاملة.
أَغَفلَ هؤلاء الناس عن آيات الله حولهم، ولم يروا ما خلقه من الاشياء القائمة تنتقل ظلالها، وتمتد تراة يمينا وتارة شمالا، وكل ذلك خاضع لأمر الله مناقد لإحكام تدبيره والكل ساجد لله وهم صاغرون.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي وخلق: «الم تروا» بالتاء والباقون بالياء.
وللهِ وحده يخضع وينقادُ جميع ما خلقه في السموات، وما يدبّ على الأرض ويمشي على ظهرها من مخلوقات، وفي مقدِّمهم الملائكةُ يخضعون له ولا يستكبرون عن طاعته.
{يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} وهنا موضعُ سجدة.
وكل هؤلاء الذين مر ذكرهم يخافون ربهم القاهرة، ويفعلون ما يأمرهم به.
الواصب: الدائم. تجأرون: تتضرعون، جأر: رفع صوته بالدعاء والاستغاثة.
{وَقَالَ الله لَا تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ فَإيَّايَ فارهبون} .
يحذّر الله تعالى من الشِرك به، ويقرر وحده الآله، انما الله الاله واحد فلا تعبدوا منعه إلهاً آخر، وخافوني ولا تخافوا غيري.
ثم بين انه هو المالك لهذا الكون، وان الدين له والطاعة فقال:
{وَلَهُ مَا فِي السماوات والأرض وَلَهُ الدين وَاصِباً أَفَغَيْرَ الله تَتَّقُونَ} .
ان الله هو المالك الواحد لا شريكَ له في شيءٍ من ذلك، وله الطاعةُ والاخلاص دائما، فتحرروا ايها الناس من عبادة سواه، وأخلصوا له العبادة. . أفبعدَ ان علمتم هذا ترهبونَ غيرَ الله، وتخافون سواه؟
{وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضر فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} .
ان كل ما لديكم من نِعم في أبدانكم من صحة وعافية وسلامة، وفي أموالكم - لهي هبة الله، فبيده الخيرُ وهو على كل شيءٍ قدير، إنه هو الملجَأ الوحيد لكم، فإذا لحِقَكم ما يضرُّكم فإليه تتضرعون بالدُّعاء أن يكشفه عنكم.
{ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضر عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} .
ثم استجابَ لدعائكم ورفع عنكم ما أصابكم من الضرر، وفرَّج البلاءَ عنكم، اذا جماعة منكم ينسَون ربهم ويجعلون له شركاء، ويعبدون غيره.
{لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ} .
ذلك يحدث من بعضهم إذ ينكرون فضلَ خالقهم، ويكفرون بنعمةِ التي لا تحصى، ولذلك هدّدهم وتوعدهم بقوله:{فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} تمتّعوا في هذه الحياة الدنيا، فسوف تعلمون عاقبة كفرهم.
تفترون: تكذبون. كظيم: ممتلئ غيظا وغما. يتوارى: يستخفي. على هون: على ذل. يدسه في التراب: يخفيه في التراب، وهو وأد البنات. مثل السوء: الصفة السيئة. المثل الاعلى: الصفة العليا.
بعد ان بين الله اقوال المشركين، اردف هنا بذكر قبائح افعالهم فقال:
{وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمّا رَزَقْنَاهُمْ} .
ويجعل المشركون لالهتهم التي لا عِلْمَ لها، لأنها جاد، شيئاً من أموالهم يتقربون به إليها. وقد مر في سورة الانعام قوله تعالى:{وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام نَصِيباً} [الانعام: 136] .
{تالله لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ} .
هَذا قِسَمٌ من الله عظيمٌ فيه تهديدٌ ووعيد على كذبهم وافترائهم، وأن اللهَ سوف يسألهم عن هذا الكذب.
{وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ} .
وهذا ايضاً من افترائهم، حيث جعلوا الملائكة الذين هم عبادُ الرحمن بناتِ الله، فنسبوا اليه الولد، وهو لم يلدْ ولم يولد. سبحانه تنزّه عن إفكهم. {وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ} يختارون لأنفسِهم الذكور، ويأنفون من البنات. وهذا جهلٌ كبير، والحياة تنشأ من الذكر والأنثى، فالأنثى أصلية في نظام الحياة أصالةَ الذكر، بل ربما كانت أشدَّ أصالةً لأنها المستقر، فكيف يأنفون من الأنثى ونظام الحياة يقوم على وجود الزوجين!!
ثم أشار الى شدة كراهيتهم للاناث بقوله:
واذا أُخبر أحدُهم بانه وُلدت له أنثى، اسودَّ وجهه من الغم والغيظ، وحاول الاختفاء عن أعين الناس، وبات بين أمرين: إما أن يبقيها على قيد الحياة مع ما يلحقُه من الذل في زعمه، وإما ان يدفنَها في التراب. . بئسَ ما قالوا، وبئسَ حُكمهم الذي ينسِبون فيه الى الله ما يكرهون ان يُنسَب اليهم.
{لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بالآخرة مَثَلُ السوء وَلِلَّهِ المثل الأعلى وَهُوَ العزيز الحكيم} .
للذين لا يصدّقون بالمعاد والثواب والعقاب صفةُ السوءِ، وله تعالى الصفةُ العليا، تنزَّه عن الولد، وله العزّة والحكمة، وجميعُ صفات الجلال والكمال.
اجل مسمى: يوم القيامة. ما يكرهون: البنات. تصف السنتهم الكذب: يكذبون. لا جرم: حقا. مفرطون: بفتح الراء، معجل بهم. ومفرطون بكسر الراء: متجاوزون الحد. ومفرطون بكسر الراء المشددة: مقصرون وقرئ بالثلاثة كما سيأتي.
لما حكى الله عن المشركين عيمَ كفرهم وقبيح أفعالِهم، بيّن هنا عِلمه بخلْقه مع ظلمهم وأنه يُمهلهم بالعقوبة وإظهاراً لفضله ورحمته.
لو أن الله يؤاخذ الكفارَ والعصاة بذنوبهم، ويعاجلُهم بقعوباتهم واستحقاقِ جناياتهم، لما ترك على وجه الأرض أحداً ممن يستحقّ ذلك من الظالمين، وإنما يؤخرهم تفضُّلاً منه ليراجعوا التوبة، ولكن يؤخرهم الى أجَلٍ سمّاه وعيّنه لهم.
{فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} .
فاذا جاء الوقت الذي عيّنه، لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون. وقد تقدم في سورة الأعراف {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [33] .
{وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب أَنَّ لَهُمُ الحسنى} .
وينسب هؤلاء المركون الى اللهِ ما يكروهون لأنفسهم من البنات، وتنطق ألسنتُهم بالكذِب إذ يزعمون أنّهم سيدخُلون الجنة. ورُوي أنهم قالوا: إن كان محمدٌ صادقاً في البعث فإنّ لنا الجنة، فردّ علييهم مقالهم بقوله:{لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ} حقا ولا شك أنّ لهم جهنّم وأنّهم إليها معجَّلون.
قراءات:
قرأ نافع: «مفرِطون» بكسر الراء، وقرأ أبو جعفر «مفرِّطون» بكسر الراء المشددة. والباقون «مفرَطون» بفتح الراء كما هو في المصحف.
ثم بيّن الله ان هذا الصنيع الذي صدرَ من قريشٍ قد حدث مثلُه من الأمم السابقة في حق أنبيائهم، فقال مسلّياً رسولَه الكريم على ما كان يناله من الغم بسبب جهالاتهم وعنادِهم.
يُقسم الله تعالى بأنه أرسل رسُلاً من قبلك أيها الرسول إلى أُمم سابقة فحسَّن لهم الشيطانُ الكفرَ فاتّبعوه وكذّبوا رسلَهم، فهو متولي أمورهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب النار الأليم.
القرآن هو الفاصل بين الناس فيما يتنازعون فيه، وهو الهداي الى سبيل الرشاد لجميع الخلْق، وما أنزلنا عليك هذا القرآن الا لتبيِّن به للناس أجمعين الحقَّ فيما اختلفوا فيه، ولتهديَهم الى الصراط المستقيم.
الأنعام: يطلق على الجمع ويذكر ولذلك قال هنا مما في بطونه وفي سورة المؤمنين ونسقيكم مما في بطونها بالتأنيث «الآية 21» من بين فرث ودم، الفرث: ما يبقى في كرش الحيوان من بقايا الاكل. سائغا: سهل المرور في الحلق تتخذون منه سكرا: خمرا. ورزقا حسنا: كل ما يستخلص من الثمرات من انواع المربى وغيره. يعرشون: بضم الراء وكسرها. يرفعون العرائش من الكرم وغيرها. ذللا: مفردها ذلول: الطائع المنقاد.
هذه الآية من الحجج الدالّةِ على توحيد الله، وقد ذُكرت في سورة البقرة 22 و 164 والانعام 99 وسورة الرعد 19، وسورة ابراهيم 32 وفي سورة النحل هذه 10.
ان لكم أيها الناسُ في الأنعام من الإبلِ والبقر والغنَم لموعظة دالّة على قدرة الخالق، إذ يُخرج اللبنَ السائغ اللذيذ الطعم من بين الفرْث والدم، فالعشبُ الذي يأكله الحيوان يتولَّد من الماء والتراب، فهذا الطينُ يصير نباتاص وعشباً، ثم يأكله الحيوانُ فيتحول الى لبنٍ سائغ للشاربين. . . وفي هذا كلِّه أكبرُ وأعظمُ دليل على قدرة الخالق سبحانه.
قراءات:
قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر ويعقوب: «نسقيكم» بفتح النون والباقون: «نسقيكم» بضمها والمعنى واحد، سقاهُ وأسقاه.
ومن هذه النِعم التي أنعم اللهُ بها عليكم ما تتخذون من العنب والتمر، فتصنعون منه خَمْرا، (وكان هذا في مكةَ وقبل تحريم الخمر) ، ورزقاً حسنَاً من الثمار وما تعلمون منه من شراب ومربَّى وغير ذلك. وفي هذه آية دالة على قدْرة الله ورحمته لكم لعلّكم تسمعون فتعقلون.
{وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} .
وألهَمَ اللهُ النحل أسبابَ حياتها، ووسائلَ معيشتها، فهي تتَّخِذ بيوتاً في كهوف الجبال، وفي الشجر، وفي عرائشِ الكرم وغيرها.
ومن يرى خليَّةَ النحل وما فيها من نظامٍ وتدبير وهندسة بيوتٍ يجد العَجَبَ في هذه القدرةِ الفائقة والترتيب العجيب. وقد كُتب في ذلك مؤلفاتٌ عديدة، فالخليّة مملكة قائمةٌ بذاتها، لها ملكة واحدة، وعددٌ كبير من الشغّالين منهم من يطعم الملكة التي تبيض لهم، ومنهم من يخدم الصغار ويربيهم، ومنهم من يحرس الخلية، ومنهم من يصنع العسلَ والشمع الذي تُبنى منه البيوتُ السداسية الشكل العجيبةُ في الدقة والصنع.
قراءات:
قرأ ابو بكر وابن عامر: «يعرُشون» بضم الراء.
والباقون: «يعرِشون» بكسر الراء.
ثم هداها الله للأكل من جميع أنواع الثمرات والنبات، وأن تسلكَ الطرق التي هيأها لها الله. وبعد ان تتغذى من شتّى أنواع الثمار تهضم ذلك كلَّه ثم يخرج من بطونها شارب مختلف الالوان، جعل الله فيه شفاءً عظيما للناس، وغذاءً لا مثيل له. ومنيرة العسل انه يُستعمل غذاء ودواء. وقد أُلفت فيه مؤلفاتٌ عديدة، وكان العسل هو الوسيلةَ للتحلية من أقدم العصور الى ان صار السكّر سلعةً تجارية هامة. وكما قتلُ: ان عسل النحل مغذّ ويمتصه الجسم بسهولة، وينتفع به، ويحتوي على 70 - 80% سكراً، والبقية ماء، واملاح معدنية، وآثار من البروتين والأحماض ومواد اخرى.
ارذل العمر: أخسه وهو الهرم مع فقدان الذاكرة، لان كثيرا من المعمرين يبلغون مرحلة كبيرة في السن ويبقون بصحة وذاكرة جيدة. ما ملكت ايمانكم: العبيد. حفدة: جمع حفيد، ان الابن وابن البنت. فلا تضربوا لله الامثال: لا تجعلوا له اشباها ونظائر.
بعد ان ذكر الله عجائب أحوال ما ذكر من النبات والماء والأنعام والنحل - أشار هنا الى بعض عجائب أحوال البشَر من أول عُمر الإنسان الى آخره وتطوراته فيما بين ذلك.
ان الله خلقكم أيها لناس ولم يتكونوا شيئا، ثم قدّر آجالاً مخلتفة، منكم من يتوفّاه مبكِّرا ومنك من يهرَم ويصير إلى أرذل العمر فتنقص قواه، ويكون في عقله وقوّتِه كالطِفل، فتكون عاقبته أن يفقدّ ذاكرته ولا يعود يعلم شيئا، حتى انه لا يستطيع التمييز بين أهله وأولاده وأقربائه، (وقد رأينا أناساً بهذه الحالة) ان الله عليم بأسرار خلقه، قادر على كل شيء.
ثم بعد ان ذكَر اللهُ تفاوتَ الناس في الأعمال ذكر تفاوتَهم في الأرزاق فقال:
والله جعلكم متفاوتين في أرزاقكم، فمنكم الغنيُّ ومنكم الفقير، فما لاذين فُضِّلوا بالرزق وأعطاهم الله المالَ الكثير بمعطين قِسماً من أموالهم لعبيدهم المملوكين لهم حتى يصيروا مشاركين لهم في الرزق ومساوين لهم، مع أنهم إخوانُهم وبشرٌ مثلهم وهم اعوانهم. فما بالكم ايها المشركون بالله، وهو الذي خَلَقَكم ورزقكم وأنعم عليكم! كيف تجحدون بنعمة الله وتشركون به غيره.
قراءات:
قرأ ابو بكر: «تجحدون» بالتاء والباقون بالياء.
ثم ذكر ضرباً آخر من ضروب نِعمه على بعاده تنبيهاً الى جليل إنعامه بها إذ هي زينةُ الحياة فقال:
واللهُ أنعمَ عليكم نِعماً لا تحصى، منها ان خلَق لكم أزواجاً لتسكُنوا الهيا، وأكبر نعمةٍ على الانسان هي الزوجةُ الصالحة، فهي جنّةُ البيت. وجعل لكم من أزواجكم بنينَ وأبناءَ البنين والبنات، كما رزقكم من الأرزاق الطيبة التي تنعَمون بها، وهذه من زينة الحياة الدنيا.
{أفبالباطل يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ الله هُمْ يَكْفُرُونَ؟} .
ابعدَ كل هذه النِعم، وكل هذه الدلائل البينة يُشركون بالله، ويكفرون بهذه النعم!!
ومع كل هذِه النعم التي أنعم الله بها عليهم فإنهم يعبدون الأصنامَ التي لا تملِك شيئا، ولا تستطيع أن ترزقَهم أيَّ رزقٍ، سواء كان كان هذا الرزقُ آتياً من السماء كالماء أم من الارض كالنبات والشجر.
{فَلَا تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأمثال إِنَّ الله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} .
لا تجعلوا لله مَثَلاً ولا تشبّهوه بخلْقِه، ولا تبعدوا غيره، فانه لا شبيه له ولا مثيل:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السميع البصير} [الشورى: 10] .
ألكم: اخرس. كَلٌّ: عاجز، كأنه حمل ثقي على غيره فهو لا يستطيع ان يعمل شيئا. الساعة: القيامة.
بعد ان بين الله دلائل التوحيد البيانَ الشافي، وبيّن بعض نِعمه على عباده، ضرب هنا مثَلين يؤكد بهما إبطالَ عبادة الأصنام والشرك.
المثل الاول: عبد مملوك لا يقدِر على شيء ورجل حر كريم غنيٌّ كثير الإنفاق سِراً وجهرا، {هَلْ يَسْتَوُونَ} هل يجوز ان يكونا سواءً في الكفاية والمقدرة!! وعلى هذا فكيف يجوز ان يُسوَّى بين الله القادر الرازق، وبين الأصنام التي لا تملك شيئاً ولا تقدر على النفع والضرر!! {الحمد لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} إن الثناء كلَّه والحمد لله، وان أكثر هؤلاء لا يعملون فيضيفون نعمه الى غيره، ويعبدون من دونه. والتعبير بقوله:«هل يستوون» بالجمع، ولم يقل: هل يستويان، لانه اراد النوع يعني هل يستوي العبيد والاحرار؟
والمثل الثاني: مثل رجلّين احدُهما أبكم عاجزٌ لا يقدِر على عمل شيء، واينما توجَّه لا يأتي بخير، والثاني فصيحٌ قوي السمع، يأمر بالحق والعدل، وهو مستقيم ؤمن مخلص، هل يستويان؟ ولذلك لا يجوز مساواة الجماد برب العباد.
ولله عِلم ما غاب عن أبصاركم في هذا الكون، وما أمرُ مجيء يوم القيامة وبعث الناس عند الله الا كردّ الطرف، بل أسرعُ من ذلك، ان الله قادر على كل شيء، ولا أحدَ يملك معه شيئا.
في جو السماء: الجو: الفضاء ما بين السماء والارض، سكنا: مسكنا. يوم ظعنكم: وقت ترحالكم وتنقلكم وسفركم. الاثاث: فرش البيت. متاعا: ما يتمتع وينتفع به في المتجر والمعاش. ظلالا: ما يستظل به. اكنانا: واحدها كن وهو كل ما يقي الحر كالبيت والكهف وغيره. سرابيل: واحدها سربال وهو القميص او الثوب. وساربيل الحرب الدروع. البأس: الشدة عند الحرب.
وهذه المنن التي يذكرها ربُّنا يَعْرِ ض فيها مثلاً من حياة البشر تعجِز عنه قُواهم، ويعجز عنه تصوُّرُهم، وهو يقع كل يوم. إن الله تعالى يُخرجكم ايها الناس من بطون أمهاتكم لا تدرِ كون شيئاً مما يحيط بكم، ثم أعطاكم السمعَ والبصرَ والأفئدة. وقد ثبت للباحثين اليومَ أن حاسّة السمع تبدأ مبكرة جدّاً في حياة الطفل في الأسابيع القليلة الأولى، اما البصر فيبدأ في بالشهر الثالث، تركيز الإبصار إلا بعدَ الشهر السادس، وأما الفؤاد وهو الإدراك والتمييز- فلا يتم إلا بعد ذلك. وهكذا فالترتيبُ الذي جاء به القرآن هو ترتيبُ ممارسة الحواس.
وهذه الاجهزة: السمع والبصر والافئدة، في الإنسان من أعجب العجب في تركيبها وعملها وأداء وظيفتها، ومن أكبرِ الأدلة على وجو الخالق القدير، وهي وسائل للعمل والإدراك، لتؤمنوا بالله، وتشكروه على ما تفضل عليكم.
ثم بعد ذلك نبّه عبادَه الى دليلٍ آخر من آثار القدرة الالهية يراها الناس كلَّ يوم فلا يتدبرونها، فقال:
الم ينظر المشركون الى الطير سابحاتٍ في الهواء، بما زوّدها الله به من أجنحةٍ أوسعَ من جسمِها تبسطها وتقبضها، وسخّر الهواء لها، فما يمسكهن في الجو الا الله بالنظامِ الذي خلَقها عليه، ان في النظر إليها والاعتبار بحمة الله في خلْقها، لدلالةً عظيمة ينتفع بها المؤمنون.
ولقد اخترع الانسان الطائرة وغيرها مما تطير في الفضاء، وقد انتفع بالطير وآلاته، وانه لَعملٌ جبّار ولكنه لا يزال غير أمين، ولا تزال تحفّ بالراكبين الاخطار، كما جعلوا القسم الاكبر منها للحرب والتدمير.
قراءات:
قرأ ابن عامر وحمزة وخلف ويعقوب: «الم تروا» بالتاء والباقون بالياء.
ومن نِعمه تعالى عليكم أن جعلكم قادرين على إنشاء بيوت لكم تتخذونها مساكن لكم فيها وتطمئّنون فيها بأمنٍ وسلام، وجعل لكم من جلودِ الأنعام بيوتاً تسكنون فيها وتنقلونها بخفّةٍ وسرعة في أسفاركم وتنقّلكم، كما تتخذون من صوفها ووبرها وشعرها فُرُشاص ولباساً تتمتوعون بها في هذه الدنيا الى حين آجالكم.
ومن نعمه تعالى عليكم ان جعل لكم من الأشجار وغيرِها ظِلالاً تقيكم شرّ الحر والبرد، وجعل لكم من الجبال مواضعَ تسكنون فيها، وجعل لكم ثياباُ تقيكم الحرَّ والبرد، ودروعاً من الحيديد تصونكم من قَسوة الحرب، كما جعل لكم هذه الأشياءَ فهو الآن يتم نعمتَه عليكم بالدِّين القيم، لعلكم تُسلمون، وتُخلصون عبادتكم له دون غيره.
قراءات:
قرأ نافع وابن كثير وابو عمرو: «يوم ظعنكم» بفتح العين. والباقون بتسكينها.
وبعد ان عدّد ما أنعم به عليهم من النعم ذكر مايتَّبع معهم إذا أصرّوا على عنادهم فقال:
{فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ المبين} .
فإن أعرضوا وتولوا عنك ايها النبي، فلا تَبِعَةَ عليك في إعراضهم، فما عليك الا التبليغ الواضحُ، وحسْبُك ذلك وعلينا نحن حسابهم.
{يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ الله ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الكافرون} .
انهم يعرفون أن هذه النعم كلَّها من الله، ولكنهم ينكرونها بكفرهم وعنادهم، وإن أكثرَهم لجاحدون نعم الله كافرون بها.
الامة: الجيل من الناس. شهيدا: شاهدا. لا يستعتبون: لا يقبل عذرهم. ولا هم ينظرون: لا يؤخرون. فالقوا اليهم القول: يعين ان شركاءهم الذين كانوا يعبدونهم كذبوهم. السلم: الاستسلام تبيانا: بيانا.
ويوم القيامة نحشرُ الناسَ ونأتي من كل أمةٍ بشهيدٍ يشهد لها او عليها بما قابلت رسولها، ويومئذ لا يُسمع من الكافرين أيُّ قول، لا يُقبل لهم اعتدار. وذلك كما قال تعالى:{هذا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} [المرسلات: 35-36] .
{وَإِذَا رَأى الذين ظَلَمُواْ العذاب فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ} .
ويوم القيامة اذا رأى الظالمون عذابَ النار، وطلبوا ان يخفَّف عنهم لا يجابُ طلبُهم، ولا يؤخرون عن دخول جهنم.
ثم اخبر الله عن محاولة المشركين إلقاءَ تبعه أعمالِهم على آلهتهم التي عبدوها وردَّ آلهتهم عليهم فقال:
واذا رأى الذين أشركوا اآلهتَهم التي عبدوها قالوا: يا ربنا هؤلاء الذين كنا نعبُدهم خطئين، فخفَّف عن العذابَ بإلقاء بعضِه عليهم.
فيجيبهم شركاؤهم قائلين:
{فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ} .
فردّوا عليه قولَهم وقالوا إنكم لكاذبون في دعواكم أنّنا شركاء لكم في الإثم، وإنكم لما عبدتمونا، إنما عبدتُم أهواءكم. {وَأَلْقَوْاْ إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} .
واستسلموا إلى الله خاضعين، ولم يجدوا من ينصرهم وخاب ظنهم بمعبوداتهم وما كانوا يفترون على الله الكذب.
ان الذين كفروا ومنعوا غيرهم من الإيمان بالله زدْناهم عذاباً فوق العذاب الذي استحقّوه بالكفر، بسبب ما كانوا يعملون من الفساد وإضلال غيرهم من الناس، فلهُم على ذلك عذابٌ مضاعف.
ثم يخاطب الله رسولَه الكريمَ بهذه الآية المبشرة للمؤمنين.
اذكر أيها الرسول يومَ القيامة، يوم يبعُ الله نبيَّ كلِ أمةٍ شاهداً عليهم، ونجيء بك شاهدهاً على هؤلاء الذين كذّبوك.
{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ} .
ولقد أنزلْنا عليك القرآن يبيّن للناس كلّ شيءٍ من الحق وما يحتاجون اليه، وفيه الهدايةُ والرحمة والبشرى للذين أسلموا وآمنوا بك وصدقوك.
العدل: الانصاف، والاستقامة واعطاء كل ذي حق حقه. العهد: كل ما يتلزمه الانسان باختياره. ولا تنقضوا الايمان: لا تخنثوا بها. كفيلا: ضامنا. انكاثا: واحدها نكث، بمعنى منكوث، منقوض. دخلا بينكم: مكرا وخديعة: اربى: أكثر.
ان الله يأمر عبادَه بالعدل في اقوالهم وأفعالهم، والإحسان الى الناس والتفضُّل عليهم ومساعدتهم، ويأمر بصِلَة الأقارب والأرحام وإعطائهم ما يحتاجون اليه لدعم روابط المحبة بين الأُسَر، وينهى عن إتيان الفواحش والغلو في تحصيل الشهوات، كما ينهى عن الظلم والاعتداء على الغير. . واللهُ سبحانه يذكّركم بهذا ايها الناس ويوجّهكم الى الخير لعلكم تتذكرون فضله.
أخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي انه قال: دعاني عمر بن عبد العزيز فقال لي: صف العدل، فقلت بخٍ، سألتَ عن أمرٍ جسيم، كمن لصغير الناس أباً، ولكبيرهم ابناً، وللمِثْل أخاً، وللنساءِ كذلك، وعاقبِ الناس قدْر ذنوبهم، ولا تضرِبنّ لغضبك سوطا واحداً فتكون من العنادين.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عن هـ قال: اجمعُ آية في كتاب الله للخير والبعد عن الشر قوله تعالى:
{إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان. . . .} .
رواه البخاري وابن جرير وابن المنذر.
أوفوا أيها المؤمنون بالعهود التي تعطُونها على انفسكم، ولا تنقضوا الأيمان بالحنْثِ فيها بعدٍ عقدِها، وقد جعلتم الله كفيلاً عليكم بالأيمان التي حلفتموها، ان الله رقيبٌ ومطلع عليكم، فكونوا عند عهودكم وأيمانكم.
لقد شدّد الاسلام على الوفاء بالعهود، ولم يتسامح فيها ابدا، لأنها قاعدةُ الثقة التي ينفرط بدونها عقدُ الجماعة، ولذلك أكد هنا بضربِ هذا المثل، بالمرأة الحمقاء التي تفتِلُ غَزْلَها ثم تنقضُه من بعد ان يكون قد اكتمل، منتخذين أيمانكم وسيلةً للمكرِ والخداع، وتنوون الغدر بمن عاقدتم، لأنكم اكثرُ وأقوى منهم.
انما يختبركم الله، فإن آثرتُم الوفاءَ كان لكم الغُنم في الدنيا والآخرة، وان اتجهتم الى الغدر كان الخسران، وليبيّنَ لكم يوم القيامة حقيقة ما كنتم تختلفون عليه في الدنيا، ويجازيكم حسب أعمالكم.
وهاتان الآيتان تدلان على أساس العلاقات بين المسلمين وغيرهم، مع العدالة والوفاء بالعهد وان العلاقات الدولية لا تنظَّم الا بالوفاء بالعهود، وان الدول الاسلامية إذا عقدت عهداً فإنما تعقده باسم الله فهو يتضمن يمين الله وكفالته، وفيهما ثلاثة معان لو نفَّذتها الدولُ لساد السلم العالم.
اولها: انه لا يصح ان تكون المعاهدات سبيلاً للخديعة وإلا كانت غشّاً، والغش غير جائز في الاسلام في العلاقات الانسانية سواء كانت بين الافراد او الجماعات والدول.
ثانيها: ان الوفاء بالهد قوةٌ في ذاته، وان من ينقض عهده يكون كمن نقض ما يناه من اسباب القوة، مثلَ تلك الحمقاء التي نقضت غَزْلها بعد ان أحكمته.
ثالثها: انه لا يصح ان يكون الباعث على نكث العهد الرغبة في القوة او الزيادة في رقعة الأرض او نحو ذلك، كما تفعل اسرائيل، وكانت من ورائها بريطانيا، واليوم امريكا.
هذه المبادئ لم تكن معمولاً بها قبل الاسلام، وقد رأينا دولاً عظمى لم تفِ بالعهد وكذبت في عهودها فبدّد الله شملَها وعادت من الدول الفقيرة الحقيرة.
ولو شاء الله لجعل الناس على دين واحد، ولكنه خلقهم متفاوتين بالاستعداد، وجعل نواميس للهدى والضلال، وشاء ان تختلفوا في الأجناس والالوان، ولكّلٍ اختيارٌ أُوتيه بحسب استعداده، وكلٌّ مسئول عما يعمل، فلا يكون الاختلاف في العقيدة سببا في نقض العهود. وهذه قمة في صدق التعامل والسماحة الدينية، لم يحققها في واقع الحياة الا الاسلام.
ان تزل قدم بعد ثبوتها ان تقعوا في المحن والخطايا ما عندكم ينفد: ينتهي ولا يبقى. فاذا قرأت القرآن فاذا اردت ان تقرأ القرآن. السلطان: التسلط. يتولونه: يطيعونه.
يؤكذ الله تعالى على التمسّك بالعهود والأيمان، والمحافظة عليها، ويحذّر من نقضها واتخاذها سبيلاً للمكر والخديعة والتغرير بالناس، رجاء منفعة دنيوية زائلة. وفي هذه الآيات تهديد ووعيد لمن ترك الحق الى الباطل، والهدى الى الضلال.
ثم اكد هذا التحذير بقوله:
لا تغرَّنَّكم الدنيا فتؤْثِروا منافعكم الخاصة بنقض العهود، فانّ متاعَ الدنيا قليل زائل، مهما كان كثيراً، وان ما عند الله من جزيل الأجر والثواب هو خيرٌ لكم من ذلك العَرَض القليل إن كنتم من ذوي العقول الراجحة.
ان كل ما عندكم زائل لا يبقى، وما عند الله من نعيم الآخرة خالد لا ينقطع، وسوف نكافئ الذين صبروا على مشاق التكليف بما وعدناهم، بثوابٍ احسن بكثير مما كانوا يعملون. . ينعمون به دائما في جنات عدن.
قراءات:
قرأ ابن كثير وعاصم: «ولنجزين» بالنون، والباقون «وليجزين» بالياء.
ثم رغّب في المثابرة على أداء الطاعات والواجبات الدينية فقال:
في هذه الآيات الكريمة حَضٌّ على العمل الصالح لجميع الناس ذكورا واناثا، وان العمل الصالح مع الايمان جزاؤه طيبة في هذه الدنيا، يحيا فيها مطمئنا في رعاية الله وعند الله في الآخرة له الجزاء الأوفى، والنصيب العظيم من الأجر والثواب. وقد كرر الله قوله:{وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} للترغيب في العمل الصالح.
{فَإِذَا قَرَأْتَ القرآن فاستعذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم} .
هنا يرشدنا الله تعالى الى ان الذي يحمي النفس من كل شر هو القرآن الكريم، فاذا اردت ايها المؤمن ان تقرأ القرآنَ فاستعذْ بالله من الشيطان الرجيم، وبذلك تفوز بطيب الحياة في الدارَين.
{إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} .
إذا فعلت أيها المؤمن ما أمرك الله مخلصاً، حماك الله من الشيطان، لنه لا تأثير له على الذين آمنوا بصدق، وعلى ربهم يتوكلون، واليه بقولوبهم يتوجهون.
أما الفريق الثاني الذين يجعلون الشيطان وليَّهم، ويستسلمون له بشهواتهم ونزواتهم فهم الذين عناهم بقوله:{إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} .
يعني أنهم اشركوا بسبب طاعتهم للشيطان وليِّي امرهم، وبسبب اغوائه لهم - بالله جل جلاله.
واذا بدلنا آية مكان آية: غيرنا ونسخنا مكانها آية. روح القدس: جبريل. يلحدون اليه: يميلون اليه. الأعكي: من كان غير عربي.
واذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكم آية اخرى (والله اعلم بالذي هو أصلح لخلقه فيما يبدل، وهذا دليل على مرونة الشرع الاسلامي، فقد تستدعي الحكمة والمصلحة ان يشرع الله حكما لعباده لامد معين، فيفعل، حتى اذا انتهى الامد واقتضت المصلحة التغيير شرع غيره مكانه) قال المشركون انما انت متقوِّل على الله تأمر بشيء ثم تنهى عنه، وان اكثرهم جاهلون لا يعلمون الحقائق.
ثم بين الله لهؤلاء المعترضين على حكمة النسخ، الزاعمين ان ذلك لم يكن من عند الله وان رسول الله قد افتراه فقال:{قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس مِن رَّبِّكَ بالحق لِيُثَبِّتَ الذين آمَنُواْ وَهُدًى وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ} وهذا رد واضح من الله تعالى بانه هو الذي انزل هذا القرآن من عنده تثبيتا للمؤمنين وليكون هاديا للناس الى الصواب ومبشرا بالنعيم المقيم للمسلمين.
وإنا لنلعم ان هؤلاء المشركين يقولون افتراء، ان رجلا من البش يعلم محمدا هذا الذي يتلوه عليكم. وهذا الذي يزعمون هو عبد رومي كان يقرأ التوراة بلغة اعجمية. فلسان الذي يقولون عنه أعجمي لا يفصح، والقرآن لسان عريبي مبين واضح، تحداكم به اكثر من مرة، ولم تستطيعوا ان تأتوا بآية من مثله.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي: «يلحدون» بفتح الياء والحياء. والباقون «يحلدون» بضم الياء وكسر الحاء، وهما لغتان: لحد، وألحد.
ثم توعدهم الله على ما قالوا بالعقاب في الدنيا والآخرة فقال:
{إِنَّ الذين لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ الله لَا يَهْدِيهِمُ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
ان الذين اصروا على كفرهم ولم يؤمنوا بأن هذه الآيات من عند الله لا يهديهم الله، وفي الآخرة لهم عذاب اليم، ولا يفتى الكذب على الله الا الذين كفروا وجحدوا الوهيته واولئك وحدهم هم الكاذبون.
اكره: غصب بالضغط. من شرح بالكفر صدرا: اعتقد الكفر من طيب نفس. لا جرم: حقا، لاشك.
{مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلَاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان} .
ان الذين يكفرون بعد ان دخلوا الاسلام وآمنوا عليهم غضبُ الله، ويستثنى من ذلك من أُمره على الكفر بالضغط والتعذيب ونطق بالكفر ولكنه مؤمن ايماناً صادقاً، فلا لوم عليه. وقد ان كفار قريش يعذّبون الضعفاء من المسلمين الذين ليسوا من قريش مثل عمار بن ياسر وابويه وبلال وغيرهم، ويجبرونهم على النطق بكلمة الكفر، فاذا لم يفعلوا قتلوهم، فنزلت الآية تجيز لهم النطقَ بكلمة الكفر ظاهرا ليتخلصوا من عذاب المشركين، ولا تثريبَ عليهم.
{ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .
أما الذين كفروا طائعين مختارين، فغضب الله عليهم ولهم عذاب عظيم في الآخرة.
{ذلك بِأَنَّهُمُ استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وَأَنَّ الله لَا يَهْدِي القوم الكافرين} .
هؤلاء الذين كفروا طوعا واصروا على لاشرك إنّما آثروا الحياة الدنيا وزينتها على نعيم الآخرة، والله لا يوفق من يشر به ويجحد آياته.
{أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وأولئك هُمُ الغافلون} .
إنّ الذين اتصفوا بما تقدم لهم الّذين طبع اللهُ على قلوبهم وسمعهم وابصارهم فأغلقَها عنا لحق، فلا يؤمنون ولا يهتدون.
{لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الخاسرون} .
لا شك بأنهم هم الخاسرون لكل خير في الدنيا والآخرة، ولا خسرانَ أعظمُ من غضب الله.
ثم اعلمْ ايها النبي ان ربك ناصرٌ الذين هاجروا من مكة فراراً بدينهم، وبأنفسهم من عذاب المشركين، ثم جاهدوا وصبروا على مشاق التكاليف، ان ربك من بعد ما تحمّلوا ذلك الغفورٌ لما حصل منهم، رحيم بهم فلا يؤاخذُهم على ما أُكرهوا عليه. . . الآية كما يظهر من لفطها تعم جيمع الذين اضطهِدوا وعذَّبوا من ضعفاء المسلمين.
ويوم القيامة يأتي كل انسان لا يهمه الا نفسه والدافع عنها، وينسى كل شيء من مال ووالد وولد، والله تعالى يومئذ يوفّى كل نفس جزاءَ ما كسبت من اعمال، ولا يظلم ربك احدا.
رغدا: كثيرا واسعا. بأنعم الله: بنعم الله.
في هاتين الآيتين مثلٌ يضربه الله لأهل مكة ولكل من يأتي بعدهم ممن يجحدون النعم وكفرون بها وهم آمنون مطمئنون ولا يعتبرون، فبين الله صفةً لقريةٍ كان اهلُها آمنين من العدو، يأتيها الرزق الكثير من كل مكان، فكفروا بنعم الله ولم يشركوه، فعاقبهم الله بالمصائب التي أحاطت بهم، وذاقوا مرارة الجوع والخوف عبد الغنى والأمن.
وقد جاءهم رسول منهم، فكذّبوه عناداً وحسدا، فأخذهم العذاب واستأصل شأفتهم، بسبب ظلمهم وكفرهم.
فهذا المثل ينطبق على اهل مكة حيث كانوا آمنين مطمئنين، فيها بيتُ الله الحرام وجميع العرب، يعظّونه ومَم دخَلَه كان آمنا لا يجرؤ احد على إيذائه، وكان الناس يصِلهم الأذى من حولهم، واهلُ مكة في حراسة البيت وحمايته آمنون مطمئنون كذلك كان رِزقهم يأتيهم من كل مكان مع الحجيج والقوافل منذ دعوة ابراهيم الخليل.
وجاءهم رسول منهم يعرفونه صادقاً أميناً بدعوهم الى ما فيه كل الخير لهم وللناس أجمعين فكذّبوه، فأذهبُ اللهُ هيبتهم، ونصر رسوله عليهم، وعادت مكة الى حظيرة الاسلام.
بعد ان بين الله حال الجاحدين بنعمة الله وكيف عاقبهم، يقول للمؤمنين: اذا كان المشركون يكفرون بنعم الله فيبدّلها بؤساً وعذابا، فكلوا ما رزقكم الله من الحلال، واشكروه على ما أنعم عليكم ان كنتم تعبدونه بإخلاص. وبعد ان امرهم بالاكل من الحلال الطيب بيّن ما حرم عليهم فقال:{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة وفي الآية 4 من سورة المائدة بأوسع من ذلك.
ولا تحللوا ان تحروما كذباً وزورا دون استناد الى دليل، لتفتروا الكذب على الله. ثم اوعد المفترين وهددهم اشد التهديد فقال:
{إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ على الله الكذب لَا يُفْلِحُونَ} .
ان الذين يختلقون الكذب على الله من عند انفسهم لا يفوزون بيخر ولا فلاح.
ثم بين ان ما يحصل لهم من المنافع بالافتراء على الله ليس شيئا مذكورا اذا قيس بالضرر الذي يصحل منه فقال:
{مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
ان ما يحصل عليه من الفوائد بسبب جرأتهم وكذبهم شيء قليل من المنافع يتمتعون به، ولهم في الآخرة عذاب شديد.
في هذه الآية اشارة الى ما تقدم في سورة النساء: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ. . . .} [النساء: 160] وما ظلمناهم بتحريم ذلك عليهم ولكن ظلموا انفسَهم بمعصيتهم لربهم وتجوزِهم حدوده.
ثم بين الله تعالى ان الافتراء على الله وانتهاك حرماته لا يمنع من التوبة التي يتقبلها الله منهم، ويغفر لهم رحمة منه وتفضلا فقال:
{كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة} [الانعام: 54] ، فمن تاب واصلح فان يغفر له، وباب التوبة عنده مفتوح دائما للخاطئين.
أمة: اماما، والامة: الرجل الجامع لخصال الخير. فانتا: مطيعا. حنيفا: مائلا عن الباطل، مستقيما. اجتباه: اختاره واصفاه.
بعد ان بين ما حرم على اليهود خاصة، وكان مشركو قريش يدعون انهم على ملة ابراهيم فيما يحرموه على انفسم ويجعلونه لآلهتهم، يبين الله تعالى هنا حقيقة دين ابراهيم ثم بعد ذلك يأمر الرسول الكريم باتباعه.
ان ابراهيم كان إماماً جامعاً لكل الفضائل، مطيعاً لله متبعاً للحق، ولم يكن من المشركين، وكان موحِّداً ليس يهودياً ولا نصرانياً، شاكرا لنعمة ربه، اختاره للنبوة، وهذاه الى الحق، وحبّبه الى جميع الناس، فجميعُ أهل الاديان يعرتفون به وهو في الآخرة في زمرة الصالحين.
وبعد ان وصل ابراهيم بهذه الصفات الشريفة التي بلغت الغايةَ في علوم المرتبة - أمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم باتباعه فقال:
{ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المشركين} .
ثم اوحينا اليك ايها النبي باتباع ملة ابراهيم الحنيفة السمحة الخصالة من الشرك والزيغ والضلال، وذلك كرمر الله تعالى قوله:{وَمَا كَانَ مِنَ المشركين} ثم نعى الله على اليهود ما اختلفوا فيه وهو يوم السبت فقال:
فاما تحريم السبت فهو خاص باليهود الذين اختفوا فيه، وليس من ديانة ابراهيم، وليس كذلك من ديانة محمد السائر على نهج ابراهيم، وان ربك ليفصل بين الفريقين في الخصومة والاختلاف ويجازي كل فريق بما يستحق من ثواب وعقاب.
وايراد هذه العبارة بين سابق الكلام ولاحقه انذار للمشركين وتهديد لهم بما في مخلافة الانبياء من عظيم الوبال، كما ذكر مثل القرية فيما سلف.
ثم ختم الله تعالى هذه السورة المباركة باربع آيات فيها مثال الكمال، وجماع الاخلاق الفاضلة والتسامح والصبر، والحثّ على التحمل، ووعد بأننا اذا تحلّينا بهذه الاخلاق فانه سيكون معنا وينصرنا ويوفقنا.
ادعُ يا محمد الى دين ربك بالحكمة، والقول اللطيف بالموعظة الحسنة، وجادل من يخالفك بالتي هي احسن، وان اردتم عقاب من يعتدي عليكم ايها المسلمون فخذوا حقكم بان تعاقبوا بمثل ما فعل بكم، وتأكدوا انكم ان صبرتم وتسامحتم ولم تقتصوّوا لانفسكم فإنه خير لكم في الدنيا والآخرة، لما في ذلك من ضبط النفس واستجلاب القلوب. عاقِبوا لأجل الحق، ولا تعاقبوا لأجل انفسكم.
ثم يلتفت الخطاب الى رسول الله {واصبر وَمَا صَبْرُكَ إِلَاّ بالله وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} .
فلا يأخذك الحزن لان الناس كلهم لا يهتدون، فانما عليك واجب اداء الرسالة، اما الهدى والضلال فهما بيد الله، ولا يضيق صدرك من مكرهم وتدبيرهم، فالله كافيك اذاهم، وناصرك عليهم. وقد وفى بوعده.
قراءات:
قرأ ابن كثير واسماعيل: «في ضيق» بكسر الضاد. والباقون: «في ضيق» بفتح الضاد.
ثم تأتي الختمة الحسنة في قوله تعالى: {إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا والذين هُم مُّحْسِنُونَ} .
ان الله مع الذين اتقوا محارمه فاجتنبوها، والذين يحسنون في كل شيء، فأولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
نسأل الله تعالى ان يجعلنا منهم، وان يوفق هذه الامة الى الاحسان والتقوى والاتحاد، والحمد لله رب العالمين.