المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المطلب الأول - حقيقة فاعل المنكر: - جهود أئمة الدعوة السلفية بنجد في التصدي للعنف والإرهاب من خلال الدعوة إلى فقه إنكار المنكر

[صالح بن عبد الله الفريح]

الفصل: ‌المطلب الأول - حقيقة فاعل المنكر:

‌المبحث الأول فقه ما قبل الإنكار

‌المطلب الأول - حقيقة فاعل المنكر:

أدرك علماء الدعوة السلفية بنجد أن من المهم جدًا أن يدرك القائم بشعيرة إنكار المنكر حقيقة فاعل المنكر، وذلك أن بعضهم قد يطغى عليه النظر إلى المنكر وقبحه ومخالفته لأمر الله جل وعلا، ثم يغفل عن النظر إلى أن فاعل المنكر يبقى مسلمًا، لا يخرجه فعل المنكر عن دائرة الإسلام، الأمر الذي يوجب على المسلم أن يتعامل مع أخيه وفق ما جاءت به النصوص الشرعية في التعامل بين المسلمين بعضهم مع بعض وفاءً بالحقوق التي شرعها الله بينهم.

ولأجل ذلك جاءت توجيهات علماء الدعوة تؤكد وترسخ هذا المعنى؛ في الدعوة إلى نظرة متوازنة للعاصي أو فاعل المنكر؛ تُراعي ما فيه من الشر وما فيه من الخير، فليس كل عاصٍ فاقدا لكل الخير، ولأجل ذلك فالعاصي وفاعل المنكر يُبغضُ على ما فيه من الشر والمعصية، ويُحب على ما فيه من الخير، ولا ينبغي للمسلم أن يجعل بغضه على ما معه من الشر قاطعًا وقاضيًا على ما معه من الخير فلا يحبه (1) .

(1) انظر: رسالة للشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ، ضمن الدرر السنية في الأجوبة النجدية:(7 / 41) .

ص: 13

ومن المؤكد أن إدراك هذا المعنى وفهمه وترسخه لدى القائم بهذه الشعيرة له تأثيره في أدائه، فإذا علم أن فاعل هذا المنكر (العاصي) هو أخ له في الإسلام، تجمع بينهما رابطة الدين، وأدرك الحقوق العظيمة لهذا الرابط، وحقوق أخيه المسلم عليه، دفق هذا الشعور إلى الترفق بأخيه، والاهتمام باختيار الأسلوب الأمثل والأفضل لإنكار المنكر وتعليم العاصي دون الإجحاف بحقه أو الإضرار به.

ومن أخطر المشكلات التي تواجه الدعوة من بعض القائمين بهذه الشعيرة هي عدم الفهم الحقيقي لهذا الأمر، فتجد من يغفل عن هذا الأمر؛ بل يشتط بعضهم فيتجاوزه إلى أمور خطيرة لا تصدر عمن رزقه الله علمًا وبصيرة؛ فيرمي أخاه بالكفر، ويخرجه من الملة لأجل معصية لا توجب ذلك.

ص: 14

ولإدراك أئمة الدعوة السلفية بنجد خطورة الأمر، واحتمال بل تأكد وقوعه من بعض الغالين؛ كانوا يحذرون من حدوث مثل هذا، ويقفون سدًا منيعًا أمام التجاوز في هذا الباب، ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك موقف الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ لما عُين قاضيًا في الأحساء عام أربعة وستين ومائتين وألف للهجرة النبوية، حيث وجد فيها رجلين قد اعتزلا الجمعة والجماعة وكفرا من بتلك البلاد من المسلمين بحجج واهية وشبهات باطلة، فأحضرهما الشيخ عبد اللطيف وكشف شبهاتهما وأدحض ضلالتهما ورد على زعمهم أن هذا هو معتقد الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب، وبيّن لهم أن الشيخ المجدد لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر (1) .

(1) انظر: رسالة من الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ، ضمن مجموعة الرسائل والمسائل النجدية:(3 / 5) . (ط2، عام 1409هـ، دار العاصمة، الرياض) .

ص: 15

ولم يكتف رحمه الله بذلك بل كان يحذر من يشعر أن لديهم شيئًا من الانحراف في ذلك من خلال المكاتبات والرسائل، يقول في إحداها مخاطبًا من شعر أن لديهم انحرافًا في الفهم نحو التكفير:" وأما التكفير بهذه الأمور التي ظننتموها من مكفرات أهل الإسلام فهذا مذهب الحرورية المارقين الخارجين على علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ومن معه من الصحابة. . . "(1)، ويقول في بيان أن التكفير لمجرد المعاصي مخالف لما عليه أئمة الإسلام من أهل السنة والجماعة:". . . والتجاسر على تكفير من ظاهره الإسلام من غير مستند شرعي ولا برهان مرضي يخالف ما عليه أئمة العلم من أهل السنة والجماعة وهذه الطريقة هي طريقة أهل البدع والضلال. . . "(2) .

ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: ". . . ما دون الشرك والكفر من المعاصي فلا يكفر فاعله لكنه يُنهى عنه، وإذا أصر على كبيرة ولم يتب منها فيجب نهيه والقيام عليه، وكل منكر يجب إنكاره، من تَرْكِ واجبٍ أو ارتكاب محرمٍ، لكن لا يكفر إلا من فعل مكفرًا دل الكتاب والسنة على أنه كفر، وكذا ما اتفق العلماء على أن من فعله أو اعتقده كفر. . . "(3) .

(1) رسالة من الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ، ضمن مجموعة الرسائل والمسائل النجدية:(3 / 6) .

(2)

رسالة له، ضمن مجموعة الرسائل والمسائل النجدية:(3 / 20) .

(3)

رسالة له، ضمن مجموعة الرسائل والمسائل النجدية:(4 / 408، 409) .

ص: 16

ومما يتعلق بهذا الباب أمر أكد عليه أئمة الدعوة السلفية رحمهم الله وهو أن الواجب على المسلم قبول علانية إخوانهم، ولا يجوز لأحد التجسس عليهم أو اتهام نياتهم، بل الواجب أن توكل السرائر إلى الله تعالى، ولأجل ذلك كتب الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب ٍٍِ مؤكدًا على هذا الأمر حيث يقول:". . . إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف منافقين بأعيانهم ويقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله، فإذا ظهر منهم وتحقق ما يوجب جهادهم جاهدهم. . . "(1) ، وهذا كلام نفيس، فقد أشار الشيخ فيه إلى أن العبرة ليست فقط بمجرد ظهور ما يوجب جهادهم، بل لا بد من التحقق الكامل من ذلك، وهذا تأكيد لوجوب التعامل مع هذا الأمر بحساسية بالغة إذ هو من أخطر الأبواب وأعظمها في إفساد المجتمع وتدميره، فاتهام النيات ومحاكمة المقاصد والتجسس لأجل ذلك له آثاره الوخيمة وعواقبه الخطيرة على المجتمع إذ تُشغل أبناءه بعضهم ببعض مما يكون بداية النهاية له.

(1) رسالة له، ضمن الدرر السنية في الأجوبة النجدية:(3 / 26) .

ص: 17