الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النصائح المجملة لمخالفته لها في الجزئيات ونسخة لأكثرها. وقوله فإنّ الخ تعليل لكونه أبين وقوله الآتي بها أي بالمعجزة أو البينة على ما هو أبين مما ذكر كونه الآتي بها وحاله في الأمية معلوم، وذكر أنها بينة أي مبينة لما في الكتب مما ذكر وهذا زائد على إعجاز نظمه ومعناه المخبر عن المغيبات. قوله:(وفيه إشعار الخ) أي في جعله بينة ما في الصحف أي مثبتا لها إثبات البرهان لتصريحه بأنها صادقة وموافقته فيما ذكر مع إعجازه الدال على حقيته، فيلزم منه حقيتها أيضا والمراد بالتخفيف التسكين، وكونه من قبل محمد! ي! بقرينة ما بعده من ذكر الرسول، وأمّا الوجه الآخر فهو أظهر لولا تذكير الضمير ووجهه ما ذكر ويجوز عوده على الإتيان المفهوم من الفعل. وقوله بالبناء للمفعول أي في نذلّ ونخزي كما ذكره المعرب. قوله: (وقرئ السواء (هي قراءة أبي مجلز وعمران وهي شاذة وقوله الجيد تفسير للوسط لأنه متجوّز به عنه كما قيل خير الأمور أوسطها وقد مرّ تحقيقه والسوأى بالضم والقصر على وزن فعلى باعتبار أنّ الصراط يذكر ويؤنث وهي قراءة يحيى بن يعمر وغيره وهي شاذة أيضا والسوء بفتح فسكون، وآخره همزة بمعنى الشرّ قراءة ابن عباس رضي الله عنهما. قوله: (والسويّ وهو تصغيره (أي قرئ بضم السين وفتح الواو وتشديد الياء وهو تصغير سوى بالفتح كما ذكره المصنف رحمه الله. وقيل تصغير سوء بالضم ولا يرد على هذه القراءة أنه لو كان كذلك لثبتت الهمزة فهو تصغير سواء كما قيل في عطاء عطيّ لأن إبدال
مثل هذه الهمزة ياء جائز. قوله: (ومن في الموضعين للاستفهام) فهو من عطف الإنشاء على مثله والجملة معلق عنها سادة مسد المفعولين وهو من عطف الجمل لا المفردات، كما توهمه عبارة بعضهم وقوله: لعدم العائد أي المذكور لفظا وحذفه مع عدم طول الصلة في غير أفي ممنوع عند أكثر النحاة ومن قال به جوّزه وقال: يقدر عائد أي من هم من، صحاب الصراط الخ. قوله:(على أنّ العلم بمعنى المعرفة (فيتعدى لواحد ولولاه لزم حذف أحد المفعولين اقتصاراً وهو غير جائز ويجوز تعليق كل فعل تلبيّ، وأجاز بعضهم تعليق أفعال الحواس لكونها طريق العلم وجوّز يون! رحمه الله تعليق جميع الأفعال. قوله: (على أنّ المراد به النبتي صلى الله عليه وسلم الخ) وليس من عطف الصفات على الصفات لاتحاد الذات كما قيل لأنه ليس المراد بالصراط السوى النبيّ صلى الله عليه وسلم وإن صح. قوله: (وعنه صلى الله عليه وسلم الخ (هو موضوع من حديث أبيّ بن كعب المشهور وفي تفسير القرطبي عن ابن مسعود رضي الله عنه الكهف ومريم وطه و
الأنبياء
من العتاق الأول وهي من تلادى أي من قديم ما حفظته ومن أوّل ما نزل من القرآن كالمال التلاد أي القديم وخص المهاجرين والأنصار لدخولهم في من اهتدى دخولاً أوّلياً تمت السورة بحمد الله ومنه وعونه (وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم (.
سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
بسم الله الرحمن الرحيم
سميت سورة الأنبياء لذكر قصصهم فيها. وقوله أنها مكية، استثنى منها في الإتقان {أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} الخ وقوله: واثنتا عشرة آية في التيسير إحدى عشرة آية والأوّل عد الكوفي والثاني عد الباقين كما قاله الداني في كتاب العدد وقد ذكروا عدد حروفها وكلماتها وليس بلازم. قوله: (بالإضافة إلى ما مضى) اقترب افتعل من القرب ضد البعد ويكون في المكان والزمان كما قاله الراغب ثم استعمل في النسب والحظوة والرعاية كقوله: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} والمراد هنا قرب الزمان، ولما كان دون وقوعها زمان طويل جداً أشاروا إلى تأويله بأنه قرب نسبيّ بالنسبة إلى ما مضى من عمر الدنيا فإنّ الباقي منها كصبابة الإناء ودردقي الوعاء كما ورد في الآثار. قوله:(أو عند الله) توجيه آخر أي المراد قربها عند الله والدليل عليه قوله عز وجل: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [سورة الحج، الآية: 47] وعند الله كما عرفت في استعمالهم إمّا بمعنى في علمه الأزلي أو في حكمه وتقديره فالمراد
بالقرب تحققه في علمه وتقديره ولذا عبر عنه بصيغة الافتعال الماضية من القرب، وأتى بعند الدالة عليه وضعا فما قيل عليه لا عند الله إذ لا نسبة للكائنات إليه بالقرب والبعد غفلة، أو تغافل عن المراد إذ ليس المراد بالعندية الدنوّ والاقتراب المعروف، بل ما ذكرناه ومن لم يفهم ذلك من أهل العصر قال المراد قرب الحساب للناس فإنه المناسب للمقام وتخويف الناس. وأمّا ما قيل في ردّه بأنه منتقض بقوله:{وَنَرَاهُ قَرِيبًا} وأمناً له وأنه لا يلزم من انتفاء نسبتها إليه بالبعد والقرب لأنه لا يجري عليه زمان أن لا يكون كله حاضراً عنده، وهو المراد بالقرب فلا محصل له وكأنه يريد ما ذكرناه فتأمّل. قوله: (أو لأن كل ما هو آت قريب (هذا أيضاً محصله أنّ المتحقق الوقوع بمنزلة المترقب القريب، لكنه بقطع النظر عن الله والنظر إلى ما في نفس الأمر وعند الناس ولذا قيل:
فلا زال ما تهواه أقرب من غد ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس
…
وانقرض معناه انقطع والمراد به هنا وقع ومضى. ومن الغريب هنا ما قيل إنّ في إسناد الاقتراب المبنيّ على التوجه نحوهم إلى الحساب مع إمكان العكس، بأن يعتبر التوجه من
جهتهم نحوه تفخيما وتهويلاً له لتصويره بصورة مقبل عليهم لا يزال يطلبهم فيصيبهم لا محالة، ومعنى اقترابه دنوّه منهم فإنه في كل ساعة أقرب مما قبلها، وأمّا الاعتذار بما ذكر المصنف رحمه الله فلا تعلق له بما نحن فيه من الاقتراب المستفاد من صيغة الماضي ولا حاجة إليه في تحقيق أصل معناه، نعم قد يفهم منه عرفا كونه قريباً في نفسه أيضاً فيصار إلى التوجيه بالوجه الأوّل دون الأخيرين أمّا الثاني فلا سبيل إلى اعتباره هنا لأنّ قربه بالنسبة إليه تعالى لا يتصوّر فيه التجدد والتفاوت حتما وإنما اعتباره في قوله تعالى:{لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} [سورة الورى، الآية: 7 ا] ونحوه مما لا دلالة له فيه على الحدوث وأمّا الثالث فلا دلالة فيه على القرب حقيقة ولو بالنسبة إلى شيء آخر فليت شعري هل أتى بشيء زائد على ما ذكره الشيخان وهل هو الأبسط لأحد الوجوه مع زيادة نكتة في الإسناد وأمّا ما ذكره من التجدد فعلى طرف التمام. قوله: (واللام صلة لاقترب الخ (أي الظرف لغو متعلق بهذا الفعل لذكر المقترب منه بخلافه على الثاني. قال: في الكشف لا تخلو اللام من أن تكون صلة لاقترب على معنى اقترب من الناس لأن معنى الاختصاص وابتداء الغاية كلاهما مستقيم ويحصل به الغرض. وأمّا إذا جعلت تأكيداً للإضافة فالأصل اقترب حساب الناس، لأنّ المقترب منه معلوم واللام مؤكدة للاختصاص الإضافي، فاللام على الأوّل لتعدية القرب المتعدّي في الأكثر بمن وجعل من فيه للابتداء لأنه أشهر معانيها، ولم يجعلها بمعنى إلى كما في الجني الداني وغيره لأنه لا حاجة إليه وإذا كانت لتأكيد إضافة الحساب إليهم كما في قولهم لا أبا لك فالظرف مستقرّ كما في الكشاف والظاهر أنّ المراد منه معناه المشهور أي اقترب حساب كائن للناس. فالجار والمجرور حال مؤكدة وما قيل من أنه على هذا الوجه لغو أيضا، لكنه سماه مستقرّا باعتبار أنه ظرف متعلق بالعامل، فهو من الخاص الذي أريد به العام واستعمل في موضعه مجازاً، وقد أطلق الزمخشري المستقرّ على المعمول وإن لم يكن ظرفا حيث قال في قوله: {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} أنّ قواما مستقر فإطلاقه على هذا غير بعيد منه فتكلف بعيد لا أدري ما دعاهم لارتكابه، وجعل اللام مؤكدة للإضافة وإن كان المعروف أن الثاني تكرير فهو المؤكد لأنّ كل واحد من اللام والإضافة مغن عن الآخر، فإذا جمع بينهما صح أن يقال في كل منهما أنه مؤكد للآخر مع أنه في نية التأخير فهو ثان تقديرا فاندفع ما قيل إنّ التأكيد يكون متأخراً عن المؤكد. وقيل إنه يجوز أن يكون التقدير اقترب لمجازاة الناس حسابهم على أن للناس مفعولاً له. وبقي هنا كلمات طويلة بلا طائل وقد اكتفينا من القلادة بما أحاط بالعنق. قوله: (واصله اقترب حساب الناس) يعني أنه كان حق التعبير عنه بطريق المساواة لهذا على ما عليه مدار تراكيب أوساط الناس ثم قدر أنه عدل عنه لما هو أبلغ منه وهو اقترب للناس الحساب لما فيه من الإجمال والتفصيل والإبهام والتفسير إذ ذكر الحساب ثم بين لمن هو وقدم بيانه للاهتمام به أو ذكر
أمرا مفترياً ثم عيته بالحساب ثم عدل عن هذا عدولاً تقديريا إلى ما في النظم لما في قوله: {اقْتَرَبَ
لِلنَّاسِ} من الإجمال ثم البيان للمقترب منهم بأنه الحساب على وجه التأكيد والتصريح بإضافته لضميرهم كما قالوا: أزف للحيّ رحيلهم. وليس هذا بأمر لازم من جهة العربية ولا من جهة تصحيح المعنى وإنما هو بالقياس إلى تراكيب الأوساط والأعالي. قوله: (وخص الناس بالكفار الخ) قيل إنّ قوله: {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} الخ من قبيل نسبة ما للبعض إلى الكل فلا ينافي كون تعريف الناس للجنس كما في قوله: {وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ} الخ واعترض عليه بأنه نسي ما قدمه في سورة مريم من أنه لا يحسن إسناد فعل أو قول صدر من البعض إلى الكل إلا إذا صدر عنهم بمظاهرتهم أو رضا منهم، ووجه التخصيص الذي ذكره المصنف رحمه الله أنه مأثور عن ابن عباس كما في الكشاف وغيره، وحاول بعض فضلاء العصر التوفيق بين كلاميه بالفرق بين المقامين بأن ما مر فيما إذا لم يكن من صدر عنه الفعل أو القول كثيراً أو أكثر وما هنا في الكثرة فإنها تعطي حكم الكل بدون شرط إلا أن هذا القائل وقع بين كلاميه في سورة طه وسورة السجدة تدافع حيث قال في تفسير قوله تعالى:{أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ} الآية لا حاجة إلى رضاهم بقوله: في الإسناد إليهم بل يكفي وجود القول منه كقوله: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً} [سورة البقرة، الآية: 72] الآية ورد على المصنف قوله القائل أبيّ بن خلف واسناده إلى جميعهم لرضاهم، وأما حمله على إرادة التنافي بين كلامي المصنف حيث فهم مما ذكره في طه عدم ذلك فلا يساعده سياقه، ثم إن قياس قوله تعالى:{وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا} [سورة السجدة، الآية: 0 ا] على قوله: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ} غير تام فإن القتل هناك لما وقع بينهم ولم يعلم القاتل حتى احتمله كل واحد منهم أسند إليهم مع رعاية مشاكلة الجميع الواقعة معه ودلالة التقييد بالأوصاف المذكورة على تخصيص! الناس إنما هو على تفسيرها بما لا يشمل عصاة المؤمنين وهو محتمل والحق أنّ اشتراط ما ذكر ليس بلازم، وإنما اللازم وجه ما كتنزيل البعض منزلة الكل حتى يحسن الإسناد له كرضاهم أو كثرتهم أو عدم تعينهم وشيوعه فيهم إلى غير ذلك من المحسنات. قوله: (في غفلة من الحساب (قيده به لمناسبته لما قبله ولأنّ من غفل عن مجازاة لله له المرادة من الحساب صدر عنه كل ضلالة وكل جهالة فلا وجه لما قيل إن الحق أن يعممه لكل غفلة عما لا ينبغي الغفلة عنه، ولما بين الغفلة التي هي عدم التنبه والإعراض! الذي يكون من المتنبه من التنافي قال في الكشاف مشيراً لدفعه وصفهم بالغفلة مع الإعراض على معنى أنهم غافلون عن حسابهم ساهون لا يتفكرون في عاقبتهم ولا يتفطنون لما ترجع إليه خاتمة أمرهم مع اقتضاء عقولهم، أنه لا بد من جزاء للمحسن والمسيء وإذا قرعت لهم العصا ونبهوا عن سنة الغفلة وفطنوا لذلك بما يتلى عليهم من الآيات والنذر أعرضوا وسدوا أسماعهم، ونفروا وقرّر إعراضهم عن تنبيه المنبه وايقاظ الموقظ بأن الله يجدد لهم الذكر الخ. وحاصله أنه يتضمن دفع ذلك بوجهين، أوّلهما إن غفلتهم عن الحساب وإعراضهم عن التفكر في عاقبتهم،
وأمر خاتمتهم مع اقتضاء العقل لخلافه وهذا ما أشار إليه في أوّل كلامه ولما فيه من رائحة الاعتزال بالإيماء إلى الحسن والقبح العقليين غيره المصنف رحمه الله إلى ما ذكره من أن الغفلة عن الحساب والإعراض! عن التفكر فيه، فلم يتواردا على محل واحد ليحصل التنافي وثانيهما أنّ الغفلة عن الحساب في أوّل أمرهم والإعراض بعد قرع عصا الإنذار وهو على وفق ترتيب النظم واليه أشار بقوله وإذا قرعت الخ وهذا لم يذكره المصنف فإن تلت كلامه يدلّ على أنّ حالهم المستمرّة الغفلة والإعراض! إنما يكون إذا قرعت لهم العصا فكيف هذا وهم معرضون اسمية دالة على الثبوت، قلت لما تكرّر منهم الإعراض حسب تكرار المنبه وقرع العصا جعل كالحال المستمرّة، واليه أشار بقوله: وقرر إعراضهم، وأمّا تمكنهم من الغفلة فمن لفظ في غفلتهم الدال على استقرارهم فيها استقرار الظرف في مظروفه، وإن كان في إفادة الاسمية التي خبرها ظرف للثبوت كلام ووقوعه بعد المنبه من الترتيب وقرينة العقل. وقيل إنّ مراد المصنف رحمه الله أنهم معرضون عن النظر إذا نبهوا عن سنة الغفلة، وذكروا بما يؤول إليه المحسن والمسيء فاندفع توهم التنافي بين الخبرين مع أنّ
الغافل عن الشيء المصدق الجازم بعدمه ربما يتفكر فيه فتحصل الطمأنينة وربما يعرض عن التفكر فلا حاجة إلى هذا إلى التقييد بالقيد المذكور لدفع التوهم، ولا يخفى ما في كلامه وكلام المصنف رحمه الله تعالى لأنّ الغافل عن الشيء كيف يتفكر فيه ولو جزم بعدمه لم يكن غافلاً عنه، وأنه لا يجزم بعدمه إلا بعد تصؤره وقد قال المصنف في تفسيره قوله تعالى:{وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ} [سورة غافر، الآية: 13] أي يرجع عن الإنكار بالإقبال عليها فإنّ الجازم بشيء لا ينظر فيما ينافيه، ولذا جعل أكثرهم كلام الزمخشريّ جوابا واحداً وحمل كلام المصنف عليه فقوله: لا حاجة إلى التقييد غفلة عن هذا فإن حملت الغفلة هنا على الجهلة والحماقة أو الإهمال، وكذا إن حمل الإعراض على الاسترسال في الغفلة ونحوه لم يرد ذلك ولكنه شيء آخر لم ينظروا إليه وربما يقال: إنّ في قوله سنة الغفلة والجهالة إشارة إليه فتأمل. قوله: (ويجوز أن يكون الظرف حالاً الخ (في كلامه إشارة إلى ضعفه كما في الكشف أن فائدة إيراد الآية جملة ظرفية ما في حرف الظرف من الدلالة على التمكن وايراد الثاني وصفا مستقلا دالاً على نوع تجدد ومنه يظهر ضعف الحمل على أنّ الظرف حال قدمت. قوله: (تنزيله ليكرّر على أسماعهم (صرف الحدوث إلى نزوله لأنه المناسب للمقام وذكر التنزيل لموافقته للتكرير، وفيه ردّ على المعتزلة إذ استدلوا بهذه الآية على حدوث القرآن وقوله على المحل لأنه فاعل ومن زائدة وقيل إنها تبعيضية وهو بعيد وقوله:{إِلَّا اسْتَمَعُوهُ} استثناء مفرغ من مفعول ما يأتيهم محله النصب على أنه حال لا صفة
واضمار قد وعدمها في مثله مختلف فيه. قوله: (وكذلك لاهية) أي هي حال من الواو فهي مترادفة على ما بعده فهي متداخلة وقوله جامعين الخ الجمعية تفهم من جعلهما حالين من شيء وأحد. والذهول عن التفكر من إسناد اللهو إلى القلوب وأيضاً اللاهية من لها عنه إذا ذهل وغفل، يعني أنهم وان فطنوا فهم في قلة جدوى فطنتهم كأنهم لم يفطنوا أصلا كذا في الكشاف، وهو دفع لما يتوهم من أنّ الغظة المذكورة قد زالت بقرع عصا النذر فهذا ترق لإفادة أنّ تنبههم ب! منزلة العدم فتأمّل. قوله:(بالنوا في إخفائها) يعني أنّ النجوى السرّ وهي ما يسز فلا يفيد ذكر أسرّوا فأجاب: أوّلاً على اختيار كونها اسماً بأنّ معنى أسرّوا بالغوا في إخفاء الخفيّ، كما يقال: كتم كتمانه وثانيا على أنها مصدر بمعنى التناجي، فالمعنى أخفوا تناجيهم بأن لم يتناجوا بمرأى من غيرهم. والفرق بينهما ظاهرم لأنها على الأوّل الاسم وعلى الثاني مصدر ومعنى لأته لا يلزم من مبالغة الإخفاء الخلوّ عن الناس ولا يلزم من الخلوّ المبالغة في الإخفاء فلا يتوهم أنّ أحدهما مغن عن الآخر. قوله:(للإيماء بأنهم ظلموا فيما أسروا به) تقييد الظلم بما ذكر بقرينة السياق وقوله لعلامة الجمع أي حرف دال على الجمعية كواو قائمون وتاء قامت وهذه لغة لبعض العرب، وليست شاذة ولا مستهجنة، وكونه مبتدأ لا ضير فيه ولا لبس بمنع من تأخيره كما في زيد قام. قوله:(وأصله وهؤلاء أسروا النجوى) هكذا في الكشاف مع قوله: ووضع الظاهر موضع الضمير وهو يوهم أنّ هؤلاء ضمير وليس كذلك بل هو اسم إشارة فهو بيان الحاصل المعنى مع نوع تسمح لمشابهة اسم الإشارة للضمير في تعلقه بما قبله، فعبر به للدلالة على أنّ القصد إلى الحكم على المذكورين لا أنّ الموض! ع موضع اسم الإشارة. وقوله: فوضع الخ يعني أنّ الموضع موضع الإضمار وعدل عنه لما ذكر وقوله منصوب على الذم أي بفعل مقدر. قوله: (بأسره) أي هذا الكلام بجملته. وقيل إنه منصوب بالنجوى نفسها لأنها في معنى القول وقيل إنه منصوب بمقدر أي قائلين هل هذا الخ وقوله واستلزموا أي عدوّه لازما لعدم ثبوته. وقوله: فأنكروا حضوره أي الحضور عنده وفي محل ظهر منه ذلك وهو
إشارة إلى أن الهمزة للاستفهام الإنكاري وأن تأتون بمعنى تحضرون. وقوله: ما يهدم أمره وفي نسخة من أمره أي يبطله ويزيله. وقوله: عامة أي كلهم لأنه من ألفاظ العموم، بمعنى كافة ذكره ابن مالك. قوله:(فضلاً عما أسروا به) ذكر الشريف أنّ فضلا منصوب بفعل لازم ومتوسط بين أدنى وأعلى للتنبيه بنفي الأدنى واستبعاده على نفي الأعلى، واستحالته ولا بد قبله من نفي صريحا أو ضمنا مقدراً
أو ملفوظا فحينئذ قوله: جهوا أو سراً بتقدير لا يخفى عليه قوله ش جهرا أو سراً وقيل يعلم بمعنى لا يجهل ولا وجه له وفي شرح المفتاح للعلامة أن أكثر استعماله أن يجيء بعد نفي فلا حاجة حينئذ إلى ما ذكر وقال أبو حيان: أنه لم يرد هذا التركيب في كلام العرب وفيه كلام طويل في شرح المفتاح ولابن هشام فيه تأليف مستقل. قوله: (وهو اكد من قوله قل أنزله الخ) وجه كونه آكد أن القول شامل للسر والجهر بل لحديث النفس كما ذكره الراغب فيكون أعم فيدخل فيه السر وغيره، فهو من جهة عمومه آكد من ذكر السر في تلك الآية فكأنه قيل السر وما هو أعلى منه وأدنى وقد قيل عليه أنه يلزم من علم السر علم الجهر بطريق الأولى تعويلا على القرينة العقلية فهو كناية وهي أبلغ من الصريح وأيضا تسليم العدول عن الأبلغ في الآية الأخرى، يقتضي نسبة القصور إلى بعض القرآن، ويدفع بأنه لا قصور فيه لأن تلك أبلغ من حيث الإثبات بالطريق المذكور، وهذا أبلغ من حيث العموم الصريح ولكل منهما مقام يقتضيه فهم هنا لما أسروا النجوى. قيل كيف يخفى هذا عن عالم السر والخفيات وغيرها ولذا ختمها بالسميع العليم. فالمقام مقام التعميم. وأمّا تلك فلما تقدم عليها ذكر إنزال القرآن عقبت بأنه من عالم الغيب العالم بكل سر المنزل ما يناسبه مما لا تعلمونه ويخفى عليكم. قوله:(ولذلك اختير ههنا (إشارة إلى ما مر من أنهم لما بالغوا في إخفاء السر ناسبه مقابلته المبالغة في إحاطة علمه بخلاف الآية الأخرى، فإنه ليس فيها ما يقتضي المبالغة المذكورة فاختير فيها مبالغة أخرى والى هذا أشار بقوله وليطابق الخ وكذا قوله فلا يخفى عليه الخ فتأمّل. قوله: (1 ضراب لهم الخ) ذكر في الكشاف وجهين أحدهما أق الإضراب إمّا من الكفرة أو من الله. وزاد المصنف رحمه الله ثالثا كما ستراه وما فيه فأشار إلى الأوّل بقوله إضراب الخ. يعني أنّ الإضراب من كلامهم فحكاه الله عنهم وأورد عليه شزاج الكشاف أنه إنما يصح لو كان النظم قالوا بل الخ فيفيد حكاية إضرابهم ومع تقديمه على قالوا لا يفيد ما ذكر واليه أشار المصنف بقوله: والظاهر الخ. وكونه من القلب وأصله قالوا بل لا يخفى ما فيه وقد أجيب أيضاً بأنه إضراب في مقولهم المحكي بقول تضمنه النجوى أوّلاً أو
بالقول المقدر قبل قوله هل هذا الخ وأعيد للفاصل أو لكونه غير مصرّح به وهو تكلف أيضا. وقوله عن قولهم هو سحر يعني المدلول عليه بقوله: {أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ} [سورة الأنبياء، الآية: 3] . قوله: (والظاهر انّ بل الأولى الخ) إشارة إلى ما مرّ وحاصله أنها للابتداء بحكاية ما بعدها فالأولى انتقالية داخلة على جملة القول، ومقوله وهي من كلام الله تعالى. والثانية والثالثة إبطالية من كلامهم شردّدهم في أمره وتحيرهم في تزويرهم وهذا ما اختاره الدماميني في شرح التسهيل، وهو أسهل الرجوه وليممر فيه إلا اختلاف معنى، بل وكون الأولى من الحكاية والثانية من المحكي ولا مانع منه. قوله:(أو للأضراب عن تحاورهم الخ) بالحاء والراء المهملتين تفاعل من المحاورة وهي مراجعة الكلام يعني أنّ الأولى للانتقال عن مكالمتهم في شأن الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه إلى المكالمة في القرآن الذي جاء به والثانية والثالثة إبطالية أيضاً وهي من كلامهم، المحكي والأولى من كلام الله أيضاً والفرق بين هذا وبين ما قبله باعتبار أنّ المنتقل عنه ما تقدمه بقطع النظر عن خصوصه، وهذا بالنظر إلى خصوص كونه أمر الرسول عليه الصلاة والسلام فهو على هذا داخل في النجوى بخلافه على الأوّل. واعلم أن ابن هشام قال في المغني أق بل حرف إضراب فمان تلا جملة كان الإضراب إمّا للإبطال نحو:{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} [سورة البقرة، الآية: 116] وإمّا للانتقال من غرض إلى آخر ووهم ابن مالك في شرح الكافية حيث زعم أنها لا تقع في التنزيل للإبطال واستند في توهمه إلى قوله تعالى: {وَقَالُواْ اتَّخَذَ} الخ وقال الدماميني: فإن قلت الإضراب عن الحكاية لا عن المحكيّ فلا إبطال حينئذ قلت هذا لا يدفع احتمال الإضراب عن المحكي فيكون للإبطال وبه يتمّ المراد) قلت الك أن تقول إنهم لم يقفوا على مراده. فإنّ الإبطال على قسمين إبطال ما صدر عن الغير، وسماه في التسهيل ردّا وابطال ما صدر عنه نفسه وهو لا يتصوّر في حقه تعالى لأنه بداء فمراده القسم الثاني والحمل على الصلاح أصلح.
قوله: (لإضرابهم عن كونه أباطيل) جمع باطل على خلاف القياس أو أبطولة أو إبطالة بكسر الهمزة كما قاله أبو حاتم وهذا معنى أضغاث أحلام، وقد مرّ تفصيله في سورة يوسف وتحقيق استعارته لهذا المعنى وقوله:(خيلت إليه) أي وقعت في خياله في المنام فظنها وحيا واختلقها بالقاف بمعنى اخترعها من عنده وقوله: ثم إلى أنه كلام شعري الخ فالمراد بكونه شاعراً أنّ ما أتى به شعر أي أمر متخيل لا حقيقة له فإن قلت هذا معنى الشعر عند أهل المعقول والميزان لا معنى هـ لغة وعرفا فلذا أنكر بعضهم التفسير به كما سيأتي في سورة يس. قلت ليس الأمر كما زعم فإنهم يستعملونه بهذا المعنى أيضا كما أشار إليه الراغب باعتبار أنّ ما ذكر من لوازمه ولذا
قيل أعذبه أكذبه. قوله: (ويجوز أن يكون الكل من الله) أي يجوز أن يكون الإضراب كله في المحال الثلاثة من الله على طريق الترقي من الفاسد إلى الأفسد ثم الأفسد وقوله: تنزيلا لأقوالهم في درج الفساد أي إنزالاً لكل منها في درجته من الفساد ولم يقل ترقياً مع أنه الظاهر إشارة إلى أنّ الترقي في القبح تنزل في الحقيقة. وقوله: لأنّ كونه الخ تعليل للترقي الذي دل عليه ما قبله وقوله لأنه الخ تعليل لكونه أبعد. وقوله: ليس الخ فبينه وبينه بون بعيد وهذا شأن الشعر الغالب عليه لأنه في اكثر أمر متخيل لا حقيقة له، ولذا يستعمل الثاعر بمعنى الكاذب وقال تعالى:{وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ} [سورة يس، الآية: 69] الخ وأمّا قوله صلى الله عليه وسلم إن من الشعر لحكمة فلا ينافيه كما توهم لأنه باعتبار ما يندر كما يشهد له التأكيد بأنّ الدالة على التردّد فيه ومن التبعيضية. وضمير وهو راجع لكونه مفتري ومن كونه متعلق بأبعد مقدر ولأنه تعليل له وفوله: ولأنهم الخ عطف على قوله لأنه مشتمل وهو يتضمن نفي كونه شعرا أيضاً والنيف بتشديد الياء وتخفيفها الزيادة، وهذا مقدار ما قبل ظهور نبوّته واعلم أن هذا الكلام فيه غموض ولذا قال الأستاذ خضر شاه إن المصنف رحمه الله يعني أنهم اضربوا والإضراب في كلامهم حكاه الله عنهم كما في الكشاف. وفيه إشكال لأنه إنما يصح هذا لو كان قالوا مقدما على بل فيفيد حكاية إضرابهم، وأما مع تقديم بلى على قالوا فلا ولذا قال المصنف والظاهر والقول بالقلب وأصله قالوا بل بعيد وإن ذهب إليه الطيبي فتأمّل. قوله:(لآنه يجانسه) أقا كون القرآن من الخوارق فباعتبار إعجازه وأخباره عن المغيبات وصدوره م! الأميّ وأمّا كون السحر خارقا فباعتبار الظاهر فلا ينافي كونه تمويها أو لأسباب خفية كما قيل. قوله: (كما أرسل به الأوّلون (الظاهر أنه إشارة إلى أنّ ما موصولة لذكر العائد، وهو به وأن الموصول للعهد والمراد به ما ذكر من الآيات وأنّ العدول عن الظاهر وهو فليأتنا بما أتى به الأوّلون أو بصثل ما أتى! الأوّلون لأن هذا يدل على ما دل عليه مع زيادة كونه مرسلا به من الله لا إتيانه من نفسه والتعبير في حقه بالإتيان والعدول عن الظاهر فيما بعده إيماء إلى أن ما أتى به من عنده وما أتى به الأوّلون من الله، ففيه تعريض مناسب لما قبله من الافتراء وسيأتي بيانه فأقبل إنه إيماء إلى وجه العدول عن أن يقول كما أتى به الأوّلون فإنّ مرادهم اقتراج آية مثل آية موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام لا غيرهما لا وجه له. قوله: (وصحة التشبيه الخ (ترك قوله في الكشاف ألا ترى أنه لا فرق بين أن تقول أرسل محمد صلى الله عليه وسلم وبين قولك أتى محمد بالمعجزة لما أورد عليه
من أنّ الفرق بينهما واضح فإنّ إرسال الرسول عليه الصلاة والسلام بعثه للخلق للتبليغ والإتيان بالمعجزة أمر آخر وان أجيب عنه بأنه لازم له في الواقع فالمراد أنه كناية عنه وهي أبلغ وان كان مآلهما واحداً. واعترض على المصنف رحمه الله بأن هذا إنما يحتاج إليه إذا لم تكن ما موصولة. وقد اختاره وهذا من عدم الوقوف على مراده وأنه لا مخالفة بينه وبين ما وقع في الكشاف وليس مدار ما ذكروه على الموصولية والمصدرية بل على تشبيه آياته بآياتهم أو إتيانه بالآية بإتيانهم بآياتهم بلا شبهة لا تشبيه إتيانه بإرسالهم على أحد الوجهين فإنه لا بد له من متعلق مقدر. والمرسل به إمّا الشرائع وامّا الآيات واما مجموعها وعلى الأوّل والثالث لا يصح التشبيه لأنه غير مراد فيكون باعتبار ما يستلزمه على الأوّل وباعتبار جزئه الذي في ضمنه على الثالث. وأنا على الثاني فالإرسال فعل الله وليس المقصود التشبيه به
بل بلازمه المذكور أيضا. فإن قلت فليكن مصدرا للمجهول ومعناه حينئذ كونه مرسلا من الله بالآيات قلت على تسليم وجود المصدر للمجهول هو أيضا مغاير للإتيان، وإن لم ينفك عنه فلا بد من إرادة ما ذكر. ومن لم يقف على مراده قال إن الواو في قوله وصحة بمعنى أو فبناء الوجه الثاني على المصدرية وهذه عكازة أعمى وتكلف كما لا يخفى. كالقول بأن الأوّل بيان لحاصل المعنى وقيل إنه بناء على اعتبار التشبيه في الإتيان فتأمّل وقوله من أهل قرية قدر فيه مضافا ولم يجعله مجازاً إيجازاً لأنّ قوله أهلكناها يأباه والاستخدام خلاف الظاهر. ومن قال إنه مجاز لقوله أهلكناها دون أهلكناهم بناء على أن إهلاكها كناية عن إهلاك أهلها. لم يأت بشيء مع أنه حينئذ لا مانع من حمل كلام المصنف عليه ولا حاجة إلى ترجيح التقدير على التجوّز بشيوعه كما قيل. وقيل لما جاءتهم أي ولم يؤمنوا بها. قوله:(افهم) أي هؤلاء المقترحون عليك وهم أعتى بالمثناة الفوقية أي أشد عتوّاً وعناداً من أولئك وهذا مأخوذ من العدول عن فهم لا يؤمنون والاستفهام الإنكارفي الاستبعاديّ، إذ يفهم منه بمقتضى السياق أن السابقين لم يؤمنوا لعنادهم فكيف بهؤلاء وهم أرسخ قدما في العناد منهم لأنهم علموا إهلاك المقترحين، ثم اقترحوا فظهر زيادة عتوّهم فلا وجه لما قيل إنه لا دلالة في الكلام على أنهم أعتى فتأمل وقوله للإبقاء عليهم أي للترحم من قولهم أبقى عليه إذا ترحم. قوله:(فأمرهم أن يسألوا أهل الكتاب) هو المراد من أهل الذكر والذكر يطلق على الكتاب وقوله: والإحالة الخ جواب عما يخطر بالبال من أنه
ما فائدة السؤال من الكفرة وقوله: الجم الغفير أي الذي بلغوا حد التواتر واستجمع خبرهم شروطه. قوله: (نفي لما اعتقدوا أنها (أي الرسالة السابق الإشارة إليها في قوله: {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} لا لما والتأنيث باعتبار كونها خاصة كما قيل وان المراد بهذه الخاصة الاستغناء عن الأكل وقوله: عن الرسل متعلق بنفي وتحقيقاً مفعول له أي لا إلزاما. وأبشاراً بفتح الهمزة جمع بشر. وهو يشمل القليلى والكثير والذكر والأنثى وجمعه على إبشار نادر. وقوله وقيل الخ قائله الزمخشري ومرضه لعدم ذكره هنا. قوله: (توكيد وتقرير له (لأنّ الخلود مؤكد لعدم اكل ونفيه أو نفي الخلود مؤكد للأكل لما ذكره. وقوله: توابع التحليل أي لوازمه والتابع والرديف يطلق عليه وكونه مؤذياً للفناء بحسب الأصل أو المراد به التحليل المعروف في الدنيا فلا يرد عليه أهل الجنة. قوله: (وتوحيد الجسد الخ (يعني أنه كان الظاهر أن يقال أجساداً فتوحيده، أمّا لتأويله بجنس الجسد الشامل للقليل والكثير أو لأنه في الأصل مصدر جسد الدم يجسد بمعنى التصق، فأطلق على معناه المعروف لأنه مركب من أجزاء ملتصقة والمصدر يطلق على الواحد المذكر وغيره أو هو بتقدير مضاف أي ذوي جسد. قال في التسهيل يستغني بتثنية المضاف وجمعه عن تثنية المضاف إليه وجمعه في الإعلام وكذا ما ليس فيه التباس من أسماء الأجناس كذوات كذا اهـ. وتحقيق المسألة مفصل في العربية. فمن قال إنه لا يحسم مادة السؤال لأنهم ليسوا بذوي جسد واحد فقد غفل عن هذه المسألة أو بتأويل ضمير جعلناهم بجعلنا كل واحد منهم فهو للاستغراق الإفرادي. قوله: (وهو جسم ذو لون (من الإن! والجن والملائكة كما ذكره أهل اللغة. وأورد عليه أنّ الملائكة على تسليم كونهم أجسادا لطيفة لا أزواجا لا يوصفون باللون فكيف يكون هذا نفيا لما اعتقدوا من أنها من خواص الملك، وفيه نظر لأنه يجوز أن لا يعتقدوها أجساما ملوّنة ولو بقبولها للتشكل مع أنّ السالبة لا تستلزم ثبوت الجسدية، أو هذا بحسب أصل وضعه فيجوز تعميمه بعد ذلك وقال الراغب قال الخليل: لا يقال الجسد لغير الإنسان من خلق الأرض! ونحوه وأيضا فإن الجسد يقال لما له لون، والجسم لما لا يبين له لون كالماء والهواء والماء يتلون بلون إنائه أو ما يقابله لأنه جسم شفاف. وقال الرازي: له لون ولا يحجب ما وراءه وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا} الخ يشهد لما قاله الخليل وباعتبار اللون قيل للزعفران جساد انتهى. قوله: (وقيل جسم ذو تركيب الخ (ظاهره أنه أعثم من الحيوان ومنهم من خصه به. وقوله لجمع الشيء
لكونه بمعنى الإلصاق كما مرّ وقوله:
واشتداده بمعنى شد بعضه ببعض. وثم للتراخي الذكري وهو عطف على قوله: أرسلنا أي أرسلنا رسلاً من البشر وصدقناهم فيما وعدناهم فكذا محمد صلى الله عليه وسلم فاحذروا تكذيبه ومخالفته فالآيات متضمنة للجواب عما مرّ في قولهم هل هذا إلا بثر مع التهديد وقوله: أي في الوعد إشارة إلى أنه تعدى للمفعول الثاني على نزع الخافض. وقيل إنه قد يتعدى لمفعولين وقوله: المؤمنين بهم أي بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقوله: حميت العرب خصهم لأنهم الذين كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وآذوه وإن كان مثلهم في ذلك جميع أمّة الإجابة والاستئصال إهلاكهم جميعا من أصلهم. قوله: (يا قريش (فالخطاب لهم ويجوز أن يكون لسائر العرب. وقوله صيتكم لصيت مخصوص بالذكر الحسن وان كان في الأصل انتشار الصوت مطلقا أي فيه ما يوجب الثناء عليكم لكونه بلسانكم نازلاً بين أظهركم على رسول منكم واشتهاره سبب لاشتهاركم، وجعل ذلك فيه مبالغة في سببيته له. قوله: (أو موعظتكم (فالذكر بمعنى التذكير مضاف للمفعول وقوله: (أو ما تطلبون (الخ يعني أنه ذكر الذكر والمراد سببه مجازا وهو مكارم الأخلاق ونحوها. وأما كون المراد به قبائحكم ومثالكم مما عاملتم به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما فعل الله بكم لمناسبة الإنكار عليهم في عدم تفكرهم المؤذي إلى التنبه عن سنة الغفلة بقوله: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} فهو مع كونه قريبا مما قبله غير متجه لأن المعروف في مثل هذا ذكر لك ولقومك الذكر الحسن فتأمّل. قوله: (واردة عن غضب (وفي نسخة من غضب أي هذه الجملة أو هذه الآية واردة عن غضب شديد أي دالة عليه للتعبير فيها بالقصم وهو كسر يفزق الأجزاء ويذهب التئامها. ولذا أتى فيه بالقاف الشديدة بخلاف الفصم بالفاء الرخوة فإنه لما لا إبانة فيه فأتى بتركيب اللفظ على وفق المعنى كما مز. قوله: (صفة لآهلها وصفت بها لما الخ (بكسر اللام وتخفيف الميم، أو بالفتح وتشديدها والمراد أنه على تقدير مضاف لقوله والضمير للأهل المحذوت ولولاه لاحتمل التجوّز في الطرت والإسناد. وذكره هنا دون أن يذكره فيما قبله لأن القرية نفسها توصف بالإهلاك دون الظلم ولأنّ قصم القرية كناية عن قصم أهلها لأنه يلزم من إهلاكها إهلاكهم دون تجوّز وحذف وقوله: (بعد إهلاك (الخ بتقدير مضافين. قوله:
(فلما أدركوا شدّة عذابنا (فهو من استعارة المحسوس للمعقول أو من استعمال الإحساس في
مطلق الإدراك. لكن قوله إدراك الخ صريح في الأوّل. ويجوز أن تكون الاستعارة في البأس وأحسوا قرينة له أو تخييل. وأمّا ما قيل إنه لا مانع من حمل الكلام على ظاهره فإن شدة العذاب تدرك بالبصر ثانيا وبالعرض فمن أين ثبت أنهم لم يدركوا العذاب ولا شذته ففيه أنّ إدراك الشدة بالبصر محل نظر. وقوله: والضمير للأهل لا لقوم آخرين إذ لا ذنب لهم يركضون منه. وقوله: إذا هم منها إذا فجائية وضمير منها للقرية فمن ابتدائية أو للبأس لأنه في معنى النقمة والبأساء فمن تعليلية. قوله: (يهوبون (يعني أنه كناية عن الهرب وركض من باب قتل بمعنى ضرب الدابة برجله وهو متعد وقد يرد لازما كركض الفرس بمعنى جرى كما قاله أبو زيد: ولا عبرة بمن أنكره. وقوله: أو مشبهين بهم أي بمن يركض الدواب فهو استعارة تبعية ويجوز أن يكون كناية كما في الوجه الأوّل. قوله: (إمّا بلسان الحال أو المقال الخ (أو القائل بعض اتباع بختنصر. قيل ولا يظهر للاستهزاء وجه إذا كان بلسان الحال ولا مانع من فرض القول على طريق الاستهزاء بهم فتأمّل. والترفه التنعم والإبطار الإيقاع في البطر وهو الفرج وهو مضاف لمفعوله وفي ظرفية ويجوز كونها سببية. قوله: (التي كائت لكم (وقيل المراد بمساكنهم النار فيكون المراد بقوله: ارجعوا إلى مساكنكم ادخلوا النار تهكماً إذ ما بعده يناسبه فلا يأباه قوله: ارجعوا كما قيل فإنّ توله: {لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} للتعليل أو ترجيهم يقتضيه وإذا أريد بالسؤال العذاب فهو مجاز مرسل بذكر السبب وارادة المسبب. وعليه لا بد من تأويل المساكن بما ذكر، وقوله: التثاور في المهانم والنوازل تفاعل من الشورى والمهامّ جمع مهم، والنوازل جمع نازلة وهي الأمر العظيم النازل
وما في نسخة من التبادر والمنازل من تحريف الناسخ، وهذا هو المناسب لتفسيره للمساكن فكان ينبغي تقديمه. قوله تعالى:( {يَا وَيْلَنَا} ) نداء الويل كنداء الحسرة في قوله: {يَا حَسْرَتَنَا} وقد تقدم الكلام فيه. وقوله: وجه النحاة أي أمارتها وهو استعارة تصريحية أو مكنية وقوله: فلذلك أي لتحقق العذاب لم تنفعهم مقالتهم هذه لأنها ندم من حيث لا ينفع الندم. قوله: (وقيل إنّ أهل حضور) بالضاد المعجمة وجاء وراء مهملتين بوزن شكور علم محل باليمن والنبيّ المذكور في الكشف هو موسى بن ميشا. وقوله: يا لثأرات الأنبياء اللام مفتوحة فيه للاسنغاثة والثأر أخذ الجاني والانتقام منه ونداؤه مجاز وقيل
المراد به التعجب. وقيل إنه على تقدير مضاف أي يا أهل ثاً راتهم والطالبين لدمهم احضروا لتغيثونا. وقيل إنه نداء للقبيلة وأهل حضور للتوبيخ والتقريع والمراد بالأنبياء الجنس فإنه ثأر نبيّ واحد. قوله: (يرددون ذلك) أي قولهم يا ويلنا والمولول اسم فاعل من الولولة وهي الصياح والويل، وكان قياسه ويللة والدعوى هنا بمعنى الدعوة. قوله:(يحتمل الاسمية والخبرية (لزال لأنها من النواسخ. قال أبو حيان النحاة على أن اسم كان وخبرها مشبه بالفاعل والمفعول فكما لا يجوز في الفاعل والمفعول التقدم والتأخر إذا أوقع في اللبس لعدم ظهور إعرابه لا يجوز ذلك في باب كان ولم ينازع فيه إلا أحمد بن الحاج تلميذ الشلويين كما وقع للشيخين) قلت (ما ذكره ابن الحاج في كتاب المدخل إنه ليس فيه التباس وأنه من عدم الفرق بين الالتباس وهو أن يفهم منه خلاف المراد والإجمال، وهو أن لا يتعين فيه أحد الجانبين ولأجل هذا جوّزه وما ذكره محل كلام وتدبر. وفي حواشي الفاضل البهلوان أن هذا في الفاعل والمفعول وفي المبتدأ والخبر إذا انتفى الإعراب والقرينة مسلم مصرّج به وأما في باب كان وأخواتها فغير مسلم. قوله: (مثل الحصيد (يشير إلى أنه تشبيه بليغ مقدر فيه هذا المضات الذي يطلق على الواحد وغيره لأنه مصدر في الأصل فلذا أفرد الحصيد لأنه ليس هو الخبر. في الحقيقة يلزم مطابقته فأفراده دال على هذا التقدير كما قيل. ولا وجه له فإنه هو المحمول في التشبيه البليغ ويلزم مطابقته. فتقول الرجل أسد والرجال أسود بل المراد أنّ فعيلا بمعنى مفعول وهو يستوي فيه الواحد المذكر وغيره فلا حاجة لتأويله بالجنس ونحوه مما سمعته. قوله: (ميتين من خمدت النار (إذ أطفئ لهبها ومنه خمدت الحمى إذا سكنت. وفي شرح المفتاح الشريفي أنّ في هذه الآية استعارتين بالكناية في لفظ واحد أعني لفظة هم في جعلناهم حيث شبهوا بالنبات والنار في الهلاك والزوال وأثبت لقم الحصاد المخصوص بالنبات وجاز أن يجعل حصيدا من باب التشبيه، ففي الكشاف أي جعلناهم مثل الحصيد، كما تقول جعلناهم رمادا أي مثل الرماد ولا يجوز ذلك في خامدين إذ ليس لنا قوم خامدون حتى يشبههم هؤلاء، لكن جاز أن يجعلا من الاستعارة التصريحية التبعية في الصفة بأن يشبه هلاك القويم بحصاد النبت وخمود النار في القطع والاستئصال فقد ذهب المصنف تبعا للزمخشريّ إلى أن حصيدا تشبيه وخامدين استعارة كما في الكشف. وذهب الطيبي والفاضل اليمني إلى أنهما تشبيه وسيأتي ما فيه وذهب السكاكيّ إلى أنهما استعارة فإن قلت إذا كان الطرفان مذكورين هنا وذكرهما مخرج عن حذ الاستعارة ضرورة فكيف جاز للسكاكي جعله استعارة على المذهب الراجح والا فلم ارتكبه الشيخان. وما الفرق بين الحصيد أو خامدين هنا. قلت الذاهب إلى الاستعارة يجعل الطرف القوم المهلكين لا مدلول الضمير، وذكر ما يساوي أحد الطرفين أو
يشمله لا يعد مانعا كما في سورة يوسف وحينئذ يرد أن المشبه بالنار الخامدة إن كان هو مدلول الضمير ورد المحذور ولا يفيده صيغة جمع العقلاء، وإن كان غيره لزم كون حصيداً استعارة أيضاً ولا يصح جعله تشبيها آخر فيه وهو ميتون لمنافاة وجه الإعراب له. وقول الشريف إذ ليس لنا قوم خامدون فيه بحث مع أن مدار ما ذكره من كون خامدين لا يحتمل التشبيه لجمعه جمع العقلاء المانع من أن يكون صفة للنار حتى لو قيل خامدة كان تشبيها كما صرّج به في حواشيه، لكنه محل تردّد لأنه كما صح الحمل في التشبيه
ادعاء فلم لا يصح جمعه لذلك ولولاه لما صحت الاستعارة أيضا فتدبر.
قوله: (وهو مع حصيدا الخ) دفع لما يتوهم من أنه نصب ثلاثة مفاعيل هنا، وهو ناصب لمفعولين بأنهما بمنزلة شيء واحد كحلو حامض بمعنى مر فحصيداً خامدين بمعنى جامعين لمماثلة الحصيد والخمود في أنهم مستأصلون والخمود معطوف على مماثلة لا على الحصيد لأنه استعارة كما مز. وعليه إن قلنا إنه تشبيه وكونه صفة له أي لحصيدا مع أنه تشبيه أريد به ما لا يعقل يأباه كونه للعقلاء كما مر لا كونه جمعا، كما توهم لأن فعيلايطلق على الجمع. قوله: (وإنما خلقناها الخ (يعني أنها ليست كبناء الناس للزينة واللهو. ويتسلقوا بمعنى يتوصلوا وأصل التسلق النزول إلى الدار من حائطها دون باب. قوله: (ما يتلهى به ويلعب (إشارة إلى أنه مصدر المبني للمفعول وتوطئة لما سيأتي. وتوله من جهة قدرتنا ظاهره أن اتخاذ اللهو داخل تحت القدرة وقد قيل إثه ممتنع عليه تعالى متناعاً ذاتيا والله سبحانه وتعالى غير قادر على الممتنعات. وأجيب بأن صدق الشرطية لا يقتضي صدق الطرفين فهو تعليق على امتناع الإرادة. أو يقال الحكمة غير منافية لاتخاذ ما من شأنه أن يتلهى به وإنما تنافي أن يفعل فعلا يكون هو بنفسه لاهيا به فلا امتناع في الاتخاذ بل في وصفه بأنه لاه. كما هو كذلك في الولد والزوجة كما أشار إليه في الكشف وقوله: أو من عندنا فالمراد بالعندية عالم الملكوت والمجردات، وهذا إطلاق ثالث لعند الله والمقصود الرد على ما سيأتي لا أنه يجوز اتخاذه من المجردات بل لأنّ ذلك أظهر في الاستحالة والتزويق التزيين مأخوذ من الزاووق وهو الزئبق. قوله: (وقيل اللهو الولد الخ (وقيل الزوجة قال الراغب: إنه تخصيص له بما هو من زينة الحياة الدنيا التي
جعلت لهوا ولعباً وقوله: والمراد الرد على النصارى في دعوى ما ذكر كما سيصرّج به لكنه غير مناسب هنا كما بينه شراح الكشاف. قوله: (ذلك (أي اللعب وهو بيان لمفعوله المقدر وبيان لأن إن شرطية وجوابها مقدر بقرينة جواب لو الشرطية المتقدّم وسياق الآية لإثبات النبوّة ونفي المطاعن السابقة لأنه تكرّر في القرآن أنّ خلق العالم لعبادة الله ومعرفته ولا يتمّ ذلك إلا بإنزال الكتب وارسال الرسل عليهم الصلاة والسلام، فإنكاره يستلزم كونه عبثا وهو مناف للحكمة فقوله: إن كنا الخ تكرير لتأكيد امتناعه. وإذا حمل على النفي كما عليه الجمهور يكون تصريحا بنتيجة السابق، واستحسنه في الكشف أي لكنا ما أردنا فما كنا فاعلين لكن أكثر مجيء إن النافية مع اللام الفارقة. قوله: (إضراب عن اتخاذ الخ (يعني أنه إضراب إبطاليّ وكان ينبغي اقتصاره على الثاني، أو تأخير الأوّل لأنه مرجوج عندهم، وكونه شأناً وعادة من المضارع الدال على الاستمرار التجدّدي. وقوله: إن نغلب بتشديد اللام تفسير لحاصل المعنى ونص على الجذ واللهو ليصح ارتباطه بما قبله. وعداد اللهو ما يدخل فيه ويعد منه ويمحقه بمعنى يذهبه ويفنيه. قوله: (استعار لذلك) أي لتغليب الحق حق يمحق الباطل فهو استعارة تصريحية تبعية ويصح أن يكون تمثيلا لغلبة الحق على الباطل حتى يذهبه برمي جرم صلب على رأس دماغها رخو ليشقه وفيه إيماء إلى علوّ الحق وتسفل الباطل وأنّ جانب الأوّل باق والثاني فإن ووجه التصوير أنه استعارة محسوس لمعقول بجعله كأنه مشاهد محسوس. ويجوز أن يكون استعارة مكنية بتشبيه الحق بشيء صلب يجيء من مكان عال والباطل بجرم رخو أجوف سافل، والقذف ترشيح أو بشخص والدمغ تخييل، وأصل معنى يدمغه يشق دماغه ويصيبه. قوله: (وهو الرمي البعيد المستلزم لصلابة المرمى (قيل إنه ينافي قوله في سورة طه القذف يقال للإلقاء وللوضع ولا منافاة بينهما لأنّ أحدهما مطلق والآخر مقيد فيحمل عليه، قال الراغب: القذف البعيد ولاعتبار ذلك فيه قيل منزل قذف أي بعيد انتهى، وتصويراً تعليل لقوله: استعارة. قوله: (وقرئ فيدمغه بالنصب الخ (في غير المواضع الستة لأنه بعد خبر مثبت ولذا استبعده المصنف رحمه الله ووجهه بأنه في جواب المضارع المستقبل وهو يشبه التمني في الترقب وهي قراءة عيسى بن عمر وهي شاذة وهذا مراده بالحمل على المعنى لا أن القذف والرمي فيه معنى النفي وهو منصوب بأن مقدرة لا بالفاء خلافا للكوفيين
والمصدر المؤوّل في محل جز معطوف على الحق. والمعنى بل نقذف بالحق فدمغه على الباطل أي
نرمي بالحق فإبطاله به قيل ولو جعل من قبيل:
علفتها تبناً وماء باردا
صح والأظهر أنه عطف على المعنى أي نفعل القذف والدمغ. قوله:
) سأترك منزلي لبني تميم وألحق بالحجاز فأستريحا (
رام بعضهم تخريجه على النصب في جواب النفي المعنوفي المستفاد من قوله سأترك إذ معناه لا أقيم به، وردّ بأق جواب النفي منفيّ لا ثابت نحو ما جاءني زيد، فأكرمه بالنصب ومراد الشاعر إثبات الاستراحة لا نفيها لكن قيل إنّ استريحا ليس منصوبا بل مرفوع مؤكد بالنون لخفيفة موقوفا عليه بالألف. قوله: (وذكره لترشيح المجازا لأن من رمى فدمغ تزهق روحه فهو من لوازمه، وقوله: مما تصفونه به أي تصفون الله وقوله: وهو أي مما تصحفون حال أمّا من المبتدأ على مذهب بعضهم أو من ضميره المستتر في لكم وقيل إنه متعلق باستقرار محذوف، وقيل بمتعلق لكم وعلى المصدرية قوله: مما تصفونه به بيان لحاصل المعنى على الوجوه وقوله: خلقا وملكا تفصيل لمعنى الاختصاص فليس فيه جمع بين الحقيقة والمجاز. قوله: (يعني الملافكة (أي مطلقا وقوله: المنزلين منه لكرامتهم عليه منزلة المقرّبين الخ إشارة إلى أن عنده فيه استعارة هنا وقوله: وافراده أي بالذكر مع دخولهم في من في السموات وكذا إعادة من الموصولة لتعظيمهم حتى كأنهم شيء آخر مغاير لهم، وقوله: أو لأنه أعمّ منه من وجه في نسخة لوجه والأولى أولى لأنّ من في الأرض يشمل البشر ونحوهم وهذا يشمل الحافين بالعرش دونه، وقوله: عن التبوّؤ أي التمكن والاستقرار وقوله: لا يستكبرون حال أو مستأنف على هذا. قوله: (ولا يعيون فيها (وفي نسخة منها أي لا يتعبون من العبادة وقوله: وإنما جيء الخ يجني أن السين للطلب ولا طلب هنا فيقصد به المبالغة لأنّ المطلوب يبالغ فيه وزيادة البنية تدل على زيادة المعنى. وأمّا قول أهل اللغة أنّ الحسور والاستحسان بمعنى
فالمراد اتحادهما في أصل المعنى كما هو دأبهم فلا وجه لما قيل إنه عليه لا حاجة لما ذكر، وأبلغ أي أكثر مبالغة أي في الإثبات. وقوله: تنبيها الخ محصله أنه لعظم ما حملوه لو وقع منه تعب لكان أعظم لأنه على مقدار ما حمل فلا يرد السؤال بأنه لا يلزم من نفي الأعظم نفي أصله فكان الظاهر أن يقال لا يحسرون على نهج ما قيل في قوله تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} [سورة فصدت، الآية: 46] وقوله: حقيقة بمعنى جديرة ومحصله أنه حقيق بالتعب الشديد وقوله: دائماً إشارة إلى أنّ المراد الدوام لا خصوص الليل والنهار. قوله: (حال من الواو في يسبحون) أي قوله: لا يفترون وقوله: وهو أي يسبحون أما مستأنف أو حال من ضمير قبله وهو ضممير يستحسرون وفي نسخة أو هو فيكون بيانا لإعراب قوله لا يفترون بأنه إمّا حال من فاعل يسبحون أو مستأنف أو حال مترادفة من ضمير لا يستحسرون كقوله: يسبحون الخ فلا سهو فيها كما توهم وان كانت النسخة الأولى أظهر كما لا يخفى. وقد استشكل كون الملائكة مطلقاً لا يفترون عن التسبيح ومنهم رسل يبلغون الرسالة فكيف يسبحون حال التبليغ ومنهم من يلعن الكفرة كما ورد في آية أخرى وأجيب بما نقل عن كعب الأحبار بأن التسبيح كالتنفس لهم فلا يمنع من التكلم بشيء آخر، وفيه بعد وقيل إنّ الله تعالى خلق لهم ألسنة، وقيل لعنهم وتبليغهم تسبيح معنى والظاهر أنه إن لم يحمل على بعضهم فالمراد به المبالغة كما تقول فلان لا يفتر عن ثنائك وشكر آلائك. قوله:(بل اتخذوا (بفتح الهمزة المقطوعة، وأصله 11 تخذوا فحذفت الثانية قياسا وهي المرادة بقوله: والهمزة الخ فلا يتوهم أن رسم اتخذوا في النسخ بألف واحدة فأين الهمزة المذكورة وهذا بناء على أن أم المنقطعة تقدر ببل والهمزة ففيها إضراب وإنكار لما بعدها فلا وجه لما قيل إنها هنا للانتقال من أمر إلى آخر، وقوله: صفة لأن الظروف بعد النكرات صفات ويجوز كونها مفعولاً ثانيا لاتخذوا. وقوله: متعلقة بالفعل يعني اتخذوا ومن ابتدائية لأنها مبتدأ اتخاذها من أجزاء الأرض ويجوز كونها تبعيضية. قوله: (وفائدتها) أي الصفة أو الكلمة على الوجهين وهي مفعولة من الأرض لتحقيرها بأنها أرضية سفلية لا لتخصيصها حتى تخرج الملائكة لأن كل ما عبد من دون الله فهو منكر وقيل يجوز أن يراد
تخصيص الإنكار الشديد بها لأن ما هو أرضي مصنوع بأيديهم كيف يذعي ألوهيته. وقوله: الموتى بيان لمفعوله الحذوف. قوله: (وهم وإن لم يصرحوا الخ (جواب سؤال مقدر أي هم لم يصرّحوا بأن آلهتهم تحي الموتى وتنشرها ولم يدعوه لها فكيف قيل هذا سواء كانت الجملة صفة آلهة أو مستأنفة مقدر معها استفهام إنكاري لبيان علة إنكار الاتخاذ وفاعل لزم ضمير الإنشار وادعاءهم مفعوله ولها متعلق به والإلهية مفعول الادعاء. وقوله: فإن من لوازمها
أي الإلهية الاقتدار على جميع الممكنات التي من جملتها الإنشار قيل وهذا يقتضي أنّ معنى قوله: ينشرون يقدرون على الإنشار فلا يرد أنه لا يلزم من القدرة على شيء إيجاده. قوله: (والمراد به تجهيلهم والتهكم بهم (أي المراد بما ذكر من قولهم: {أَمِ اتَّخَذُوا} الخ بيان جهلهم بالألوهية ولوازمها والتهكم بهم لعجز آلهتهم. قوله: (وللمبالنة في ذلك) أي في التجهيل والتهكم زيد الضمير وهو هم المفيد للتقوى لإيهام الحصر حتى كأنه قيل لا ينشر الأهم وهو أبلغ في التهكم، وقال الموهم: رد القول الزمخشركما أن فيه معنى الاختصاص وأنه وجه بأنه بمقتضى المقام لا لأن الضمير للفصل كما اذعاه الطيبي وقوله: الإنشار إشارة إلى أن القراءة المشهورة هنا بضم الياء من المزيد. قوله: (غير الله (إشارة إلى أن إلا هنا اسم، بمعنى غير صفة لما قبلها واعرابها يظهر على ما بعدها لكونها على صورة الحرف ولها شروط مفصلة في محلها ولا يصح كونها استثناء هنا لفساد المعنى كما سنبينه. وقوله: لما تعذر الاستنثاء تعليل لتعين الوصفية. قوله: العدم شمول ما قبلها لما بعدها (وعموم ما قبل الاستثناء حتى يدخل فيه ويحتاج لإخراجه شرط لازم عند الجمهور خلافاً للمبرد وأما احتمالى كونه استثناء منقطعا لعدم دخوله كما في الرضي فلا يصح فإنه لا بد فيه من الجزم بعدم الدخول والجمع في الإثبات ليس له عموم وهذا وجه لامتناعه من جهة العربية. وقوله: ودلالته أي الاستثناء على ملازمة الفساد المفهوم من الشرطية. وقوله: دونه أي دون الله وهذا بيان لوجه امتناعه من جهة المعنى كما بينه لأنه يفهم منه أنه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم يلزم الفساد ولا يخفى ما فيه من الفساد. قوله: (والمراد ملازمته لكونها (أي وجودها مطلقا يعني المقصود ملازمة الفساد لوجود الآلهة مطلقاً وتعددها بما فوق الواحد سواء كان ذلك مع الله أو لا والاستثناء لا يفيد ذلك. قوله: (حملا لها على غير (يعني أنه من التقارض فاستثنى بغير حملا لها على إلا ووصف بألا حملا لها على غير فقوله حملا تعليل لقوله وصف بألا. قوله: (ولا يجوز الرفع على البدل (هذا مانع آخر من الاستثناء وهو أنه لو كان استثناء كان منصوبا لأن إبداله فرع عن كونه استثناء وهو إنما يكون في النفي، وأما كون لو الامتناعية في معنى النفي كما ذكره المبرد فلم يرتضوه مع أن المحذور باق وهو فساد المعنى. قوله: (لبطلتا (يعني أن المراد بالفساد ليس مجرّد التغير بل البطلان والاضمحلال وهو يرد بمعناه في اللغة وان كان الفقهاء فرقوا بينهما، كما هو معروف في محله، وقوله: لما يكون بينهما اًي بين الإلهين وهو إشارة إلى أن المراد بالجمع التعدد وإنما اختير لأنّ لهم آلهة وهو أقوى وأدل على المراد والمراد بالاختلاف تخالفهما ولو بإرادة
الاستقلال بالفعل من كل منهما وهو صادق بالتمانع فلذا عطفه بالواو دون أو وفيه احتمالان آخران كما سيأتي، والتمانع تفاعل من المنع وهو منع كل منهما للآخر عما يريده. قوله: (فإنيها (أي الآلهة إن توافقت في المراد بأن يريده كل منهما إرادة مستقلة لزم أن تطرد قدرة كل واحد منهما قدرة الآخر بعد عن عمله لعدم المرجح وان تخالفت بأن أراد أحدهما شيئاً والآخر ضده لزم إقا وجود الضدين أو عجز أحدهما، ولا يصح الأوّل ولا الثاني لمنافاة الألوهية فيلزم التعاوق وهو أن يعوق كل منهما الآخر فلا يقع مقدور أصلاً وهو المراد بالفساد، فإن أريد بالاختلاف التطارد وبالتمانع التعاوق فهو لف ونشر مرتب والا فهو مشوّس والواو بمعنى أو كما قيل. وقيل المعنى لبطلتا لما يكون بينهما من التمانع إذ لا مجال للتوافق في المراد ولا يلزم أن لا تتطارد عليه القدرة ولا يخفى ما في تقرير المصنف رحمه الله من الخلل فتأمّل فقيل عليه إنا تأملنا فوجدنا تقريره خاليا
من الخلل بل هو في تقريره حيث أخذ التمانع مقرّراً وعلل بامتناع التطارد، مع أنه لا فرق بينهما في الامتناع فليس الأوّل أقرب إلى الوقوع من الثاني. وقال: بعض علماء العصر لا يخفى أن كلام المتأمل مشعر بعدم التأمّل إذ استحالة التوافق أظهر عند العقل وبهذا توجه العلماء إلى بيان التمانع واشتهرت الحجة ببرهان التمانع وعدم الفرق في أصل إلامتناع وانتفاء القرب إلى الإمكان والوقوع لا يوجب انتفاء أظهريته لامتناع ذلك عند العقل لكن يرد على القائل إنه بمجرد كون استحالة التوافق أظهر عند العقل لا يظهر خلل في العبارة غايته أنه أولى. وقيل: إنّ الحجة المستفادة من الآية إقناعية والملازمة عادية لأنه يرد عليها أنه يجوز أن تتفق الآلهة على أن لا يريد كل منهما إلا ما لا يتعلق بأحد طرفيه إرادة شريكه أو وقع اتفاقهما على إيجاد المراد بالاشتراك لا بالاستقلال، وقد رد بأن الحق أنها قطعية ولا يرد عليه ما ذكر لأنه لا يخلو من أن قدرة كل منهما كافية في حدوث العالم أولاً وعلى الأوّل يلزم اجتماع علتين على معلول واحد وعلى الثاني يلزم العجز. لا يقال إنما يلزم العجز لو أراد الاستقلال ولم يحصل لكن يمكن أن يتفقا على الإيجاد بالاشتراك مع القدرة على الاستقلال كالقادرين على حمل خشبة بالانفراد فيحملانها معا. لأنا نقول تعلق إرادة كل واحد إن كان كافيا لزم المحذور الأوّل والإلزام الثاني والمنع مكابرة والمثال لا يصلح للسندية كما بينوه. وذكر التفتازاني أنه يمكن أن يراد بالفساد عدم التكوّن أي لو تعدد الإله لم تكوّن السماء والأرض وينتقل إليه الكلام السابق سؤالاً وجوابا. وللعلامة الدواني في تقريره كلام يطلب تفصيله من أهله وقرّر الدليل بعض أهل العصر بوجه. قال: إنه أوجه مما عداه وهو أنّ الإله المستحق للعبادة لا بد أن يكون واجب الوجود وواجب الوجود وجوده عين ذاته عند أرباب التحقيق إذ لو غايره لكان ممكناً، وهو مبرهن في محله فلو تعدد لزم أن لا يكون وجوداً، فلا تكون الأشياء موجودة لأنّ موجودية الأشياء بارتباطها بالوجود فظهر فساد السماء والأرض
بالمعنى الظاهر لا بمعنى عدم التكوّن لأنه تكلف ظاهر وفيه تأمّل. قوله: (فسبحان الله الخ (تعجب ممن عبد هذه المعبودات الخسيسة وعدها شريكا مع وجود المعبود العظيم الخالق لأعظم الأشياء والأجسام شامل للعلوية والسفلية فلا يقال إنّ الأظهر أن يقول الإجرام لأنه الشائع في العلويات وكأنه نتيجة لما قبله من الدليل وقوله: محل التدابير الخ فيه تأمّل وقوله: لعظمته الخ تعليل لعدم السؤال. وقوله: والسلطنة لذاته في نسخة الذاتية وإذا كان الضمير للألهة فإمّا أن يراد بها عزير والمسيح ونحوه أو الأعمّ على تقدير إنطاقهم. قوله: (كزره استعظاماً) الاستعظام عده عظيما والاستفظاع الاستقباج وهذا بناء على أنهما بمعنى لا على أنّ الأوّل مخصوص بالآلهة الأرضية وهذا عام لعموم الدليل السابق وقوله: أو ضما لإنكار ما يكون سنداً الخ هذا بناء على تغايرهما باعتبار تغاير دليليهما فلذا عطف بأو. وذكر السند في النقلي والدليل في العقلي إشارة إليه والسند النقلي من قوله: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} لا قوله هذا ذكر الخ والعقليّ من قوله: هم ينشرون كما أشار إليه بقوله على معنى أوجدوا آلهة ينشرون لموتى لا قوله لو كان فيهما آلهة كما قيل لأنّ كلامه ناطق بخلافه. وقوله: الآمر بوزن فاعل مفعول وجدوا. وقوله: ويعضد ذلك أي ما ذكر من كون أحدهما ناظراً إلى الدليل العقلي والآخر للنقلي وما يدل على فساده عقلاً لو كان فيهما آلهة إلا الله. قوله: (1 ما من العقل أو من النقل الخ (كان الظاهر ترك قوله من العقل إلا أنه وجه بأن بناء على تفسيره الأول وهو قوله كرّره استعظاما الخ وقوله: كيف الخ ترق عن أن قولهم بتعدد الآلهة لا دليل عليه إلى أنه قامت الأدلة على خلافه. قوله: (والتوحيد لما لم يتوقف على صحتة (جواب عن سؤال وهو أنه كيف يثبت التوحيد بالنقل مع لزوم الدور له وسيأتي تحقيقه وتفصيله في أواخر هذه السورة. قوله:
(وإضافة الذكر إليهم الخ (فالذكر المراد به الكتب لاشتمالها على التذكير والعظة وهو في الأصل مصدر مضاف إلى المفعول والتنوين وأعمال المصدر في المفعول كقوله: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا} [سورة البلد، الآية: 14]
وقوله: وبه أي قرئ بتنوين ذكر ومن بكسر الميم الجارة وإدخالها على مع وإن كان ظرفا لا يتصرف لأنها هنا بمعنى عند فدخلت عليها كما تقول من عندي. وقيل: من داخلة على موصوفها أي من كتاب معي وكتاب من قبلي ودخول من الجارة عليها دال على اسميتها كتنوينها وأن القول بأنها حرف غير صحيح كما أشار إليه المصنف بقوله: على أنّ مع اسم فهي اسم دال على الصحبة والاجتماع جعلت ظرفا كقبلى وبعد فجاز دخول من عليها كما دخلت عليهما خلافا لمن أنكره. قوله: (على أئه خبر محذوف (أي هو الحق أي عدم علمهم هو الحق وفي الكشاف ويجوز أن يكون المنصوب أيضاً على هذا المعنى كما تقول هذا عبد الفه الحق لا الباطل وهذه الجملة مؤكدة معترضة بين السبب وهو الجهل وعدم العلم والمسبب وهو إعراضهم ولم يؤت بالفاء فيه إيماء إلى ظهوره وتفويضا له إلى العقل وقوله: من أجل ذلك أي عدم العلم بيان للسببية المذكورة. قوله: (تعميم بعد تخصيص (يعني أن الذكر عبارة عن الكتب الثلاثة لما ذكره والوحي شامل لها ولغيرها بل لكل وحي فليس فيه ما يدل على اشتراط الكتاب للرسل كما قيل ومن فسر قوله: هذا ذكر أي وحي وارد على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلها فظاهر جعلهما بمعنى مقرّر لما قبله ولذا عدل عنه المصنف نعم من فسره به ثم ذكر ما ذكره المصنف هنا لا يخلو كلامه من الخلل. قوله: (نزلت في خزاعة (هي قبيلة معروفة والآية شاملة لكل من نسب له ذلك كالنصارى. وقوله: من حيث إنهم مخلوقون فهو ملك والولد ليس يصح تملكه ففيه إشارة إلى أن الخطأ من طرق. وقوله: على مدحض من الدحض وهو الوقوع بما يزلق يعني على أصل خطئهم جعل كأنه مكان زلتهم وغلطهم وهو توهمهم أنهم لقربهم وكرامتهم أولاد الإله. قوله:
الا يقولون شيئا حتى يقوله الخ (الديدن العادة. وقوله: وجعل القول محله أي محل السبق وأداته أي آلته التي يسبق بها، وفي نسخة إليه وإليهم بجعله فاعلاً ومفعولأ يعني أنه جعل محله بإيقاعه عليه وأداته إذ عدى بالباء لأنّ المقصود تكلمهم بشيء قبل تكلمه به إذ ليس السبق صفتهم بل صفة قولهم ففي يسبقونه مضات مقدر أو تجوز في السنة. وقيل إنه إشارة إلى أن الباء تحتمل الظرفية والاستعانة ولو كان كذلك لقال أو أداته. قوله: (تنبيها على استهجان الخ) يعني أنه تمثيل وتصوير للهجنة والبشاعة فيما نهوا عنه من الإقدام على ما لم يعلموا من الأمور دون اقتداء بكتاب أو سنة كما في شرح الكشاف، وفيه تعريض بالكفار حيث يفعلون ما هو أشد من السبق فيقولون ما لم يقله أصلاً وهذا التعريض مفقود إذا قيل لا يسبق قولهم قوله إذ لا يكون الفاعل حينئذ مقصود إبل السبق، وأما كونه تعريضا فلعدم دلالة اللفظ عليه. وقوله المعرض صفة الاستهجان. قوله:(وأنيب اللام عن الإضافة) قال المعرب هذا مذهب الكوفيين والضمير محذوف عند البصريين وأصله بقولهم أو بالقول منهم وفيه بحث. والتكرير حينئذ تكرير ضمير الملائكة. وقوله: وقرئ لا يسبقونه الخ أي بضم الباء الموحدة وقراءة العامة بكسرها وهو من باب المغالبة ويلزم فيه ضم عين المضارع ما لم تكن عينه أو لامه ياء كما تقرّر في علم التصريف. قوله: الا يعملون قط ما لم يأمره (الضمير لله وأصله ما لم يأمر به كقوله:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به
وقط بفتح القاف وتشديد الطاء المضمومة ظرف لاستغراق ما مضى من الزمان. قال في القاموس ويختص بالنفي ماضيا والعامة تقول لا أفعله قط وهو لحن يعني استعماله في المستقبل كما في عبارة المصنف رحمه الله خطأ مشهور وفي كلامه إشارة إلى أن تقديم الجاز والمجرور للحصر، وقال ابن مالك: أنه ورد استعماله في الإثبات وباب المجاز مضيق واسع. قوله: الا تخفى عليه خافية (يعني أن المقصود به تعميم علمه بأمورهم وخص ما ذكر لمناسبته للسبق السابق، وقوله: مما قدموا وأخروا لف ونشر وقوله وهو كالعلة بيان لانتظام الكلام وأنه ليس بأجنبيّ متخلل بين أحوالهم بل هو كالعلة لما قبله، كأنه قيل إنما لم يبدؤه بكلام ولم يعملوا بدون أمره لأنه عالم بجميع أمورهم وما يليق بهم ولذلك لم يشفعوا بدون رضاه. وقوله: فإنهم لإحاطتهم الخ بيان لوجه كونه تعليلا وتمهيداً وذلك إشارة إلى كونه لا تخفى عليه خافية وهو
معلوم من فحوى ما قبله من كونهم لا يقولون ولا يعملون ما لم يقل أو يأمر
لا من دليل آخر ولا تقدير له في النظم كما قيل.
قوله: (أن يشفع له مهابة منه (المهابة معلومة مما بعده وفيه إشارة إلى الردّ على تمسك المعتزلة بهذه الآية على أنّ الشفاعة لا تكون لأصحاب الكبائر فإنها لا تدل على أكثر من أنه لا يشفع لمن لا ترتضي، الشفاعة له مع أن عدم شفاعة الملائكة لا تدل على عدم شفاعة غيرهم. وقوله عظمته ومهابته إشارة إلى قول الراغب أنّ الخشية خوف مشوب بتعظيم ومهابة فليس المراد أنها مجاز عن سببها كما قيل، وكيف يتأتى هذا مع تصريح المصنف بما ذكر. وقوله: مرتعدون أي شديد والخوف لأنه يكنى به عن ذلك كما يقال: أرعدت فرائصه خوفا وإلا فالارتعاد لا مناسبة له هنا أصلاً، وقوله: خص بها العلماء إشارة إلى قوله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [سورة فاطر، الآية: 28، وما ذكره من الفرق مأخوذ من كلام الراغب وتعدى الخوف بمن ظاهر لأنه يقال خاف منه وأمّا تعدى الاعتناء بعلى فغير ظاهر فكأنه بملاحظة الحنوّ والعطف فكان الظاهر ذكره كما في الأساس. قوله: (من الملانكة) فسره به لتقدم ذكرهم واقتضاء السياق وكونه أبلغ في الرد والتهديد لكنه على سبيل الفرض إذ لم يقع ذلك بل لا يصح صدوره ولا نسبته لهم، ولو تركه كان أولى وإنما ذكره تشديداً في إنكاره وقوله البنوة بتقديم الباء. والدعاء مجرور معطوف عليه ونفي الادعاء من فحوى الشرط وقوله مدعي الربوبية بصيغة المفعول ليلائم ما قبله كما لا يخفى ويجوز كونه على زنة الفاعل. وجعل رأي علمية لأنهم لم يشاهدوا ذلك ولا داعي للمجاز. قوله: (من ظلم الخ (يجوز أن يكون المعنى مثل جزاء المشركين نجزي الظالمين مطلقا. قوله: (ذاتي رتق (يعني أن الإخبار به عن المثنى لأنه مصدر والحمل إما بتقدير مضاف أو بتأويله بمشتق أو لقصد المبالغة والمراد ذاتي رتق. والالتحام جعلهما كشيء واحد متداخل أو المراد بالوحدة وحدة الماهية والفتق الفصل بين المتصلين وهو ضد الرتق. فقوله: بالتنويع والتمييز لف ونشر مشوّس فإن كان رتقها التحامها ففتقها تمييزها بانفصال أجزائها وان كان إيجاد حقيقتها ففتقها جعلها أنواعا متغايرة في الحقيقة فمن جعلهما شيئا واحداً وفسره بضم الأعراض المنوّعة والتعينات المميزة لم يصب. قوله: (أو
كانت السموات واحدة الخ (التفسير الأوّل بناء على أق السموات والأرضين طبقات متباعدة متغايرة كما وردت به الآثار وهذا مبنيّ على خلافه، وأنّ السموات كقشور البصلة المتلاصقة وأنّ الأرض واحدة وان كلاً منها متحد الماهية لكنها غير متلاحمة فمعنى رتقها عدم تغايرها هيئة وصفة ومعنى فتقها اختلاف حركاتها وأقاليمها فلا يرد عليه ما قيل إنه كان الظاهر أن يقول بالعوارض! المشخصة لأنها جزء من الماهية المختصة بكل فرد منها بخلاف الحركات، وما ذكر في الأرض! غير ثابت عندنا والقائل به قائل بكونها رتقاً لكونها قديمة عنده. قوله: (وقيل كانتا بحيث الخ (معنى الفتق والرتق عليه ظاهر وقوله لا تمطر ولا تنبت لف ونشر مرتب والفتق والرتق استعارة على هذا. وقوله: سماء الدنيا الخ إما أن يريد جهة العلو منها أو جعلها شاملة للسحاب على الجمع بين الحقيقة والمجاز وقيل المراد بها السحب فإنّ السماء يطلق عليها والمطر منها وجمعها على ما ذكره كثوب أخلاق. قوله: (والكفرة وإن لم يعلموا ذلك فهم متمكنون (وفي نسخة يتمكنون جواب سؤال وهو أنه كيف يستفهم منهم على سبيل التقدير وهم أي الكفرة لا يعلمون ذلك ولم يروه على الوجهين في رأي إن جعلت علمية أو بصرية فأجاب أوّلاً بأنهم لما كانوا عقلاء متمكنين من علم ذلك نزل تمكنهم، وما هو بالقوّة فيهم منزلة ما هو محقق بالفعل فهو قريب من قولهم ضيق فم الركية وقوله: فإق الفتق عارض على الوجوه السابقة وهو بيان لطريق النظر وقيل: إنه على التفسير الأوّل للفتق والرتق فتأمل وقوله: مفتقر إلى مؤثر بيان لما يستدل به عليه من إثبات الصانع. وواجب أي واجب الوجود صفة مؤثر. وقوله ابتداء أو بوسط تقسيم للافتقار إلى المؤثر والصانع القديم وإن جميع الآشياء لا بد لها من أن ينتهي إسنادها إليه سواء كان بالذات كمخلوقات الله أو بالواسطة كالأشياء الصادرة منا. وقيل إن الابتداء على مذهب أهل الحق من أنه لا شرطية ولا علية والواسطة على مذهب غيرهم. وقد قيل عليه إنّ أصالة الرتق وعروض! الفتق مما لا يستقل به
العقل وهو غير معلوم ولا تمكن معرفته بالنظر فلا يناسب قوله أو لم يروا، نعم الفتق لإمكانه مفتقر إلى واجب وهو معلوم بأدنى نظر وأيضا الفتق بالتحريك غير معلوم لا بالنظر ولا بالاستفسار والمطالعة. قوله: (أو استفساراً من العلماء (أي علماء أهل الكتاب الذين كانوا يخالطونهكلا. والمراد بالكتب الكتب السماوية قيل ويدخل فيها القرآن وإن لم يقبلوه لكونه معجزة في نفسه. ومطالعة يصح نصبه وجرّه وقيل الرتق القدر والفتق الإيجاد لأنّ العدم نفي محض فليس فيه ذوات متميزة فإذا وجدت الحقائق
فقد تميزت وهو الفتق، وهو كلام حسن يبنى التجوّز فيه على وجه آخر. وبعد كل كلام يبقى في المقام ما يحتاج إلى النظر. قوله:(وإنما قال كانتا ولم يقل كن الخ (يعني أنّ مرجعه جمع وهو السموات والأرض سواء كانت واحدة أو بمعنى الأرضين فكيف ثني ضميره فأجاب بأنه وحد كلا منهما باعتبار أنه نوع وطائفة وثني ضميره كما يثنى الجمع نحو لقاحين. قوله: (وجماعة الآرض) قيل إنه لم يذكره لتصحيح عود الضمير لأفراد الأرض! المستغنى عن التأويل لتصحيح الأخبار بكونها رتقا في الماضمي، يعني أن هذه الجماعة كانت رتقة ففتقناها فتأمل. قوله: (وفرئ رتقاً بالفتح (وقد قيل إنه مصدر أيضا فلا إشكال في إفراده وان قيل إنه صفة مشبهة فتوجيهه ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى من أنه صفة شيء مقدر وهو اسم جنس شامل للقليل والكثير فيصح الإخبار به عن المثنى كالجمع، ويحسنه أنه في حالة الرتقية لا تعد فيه. قوله: (وجعلنا الخ (عطف على أن السموات الخ ولا حاجة إلى تكلف عطفها على فتقنا. وقوله: وخلقنا يعني جعل بمعنى خلق فهو ينصب مفعولاً واحداً وكل شيء بمعنى كل حيوان ومن ابتدائية ويؤيده التصريح به في قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ} الخ ولذا ذكرها المصنف رحمه الله وقوله: وذلك الخ توجيه لكونه مبدأ وماذة له وتخصيصه مع أنّ مواذه العناصر الأربعة. وقوله: ولفرط احتياجه إليه يشير به وبعدم عطفه بأو ليظهر التخصيص لأن التراب كذلك ولذا ورد خلقه من تراب وذكره في مقام آخر يقتضيه فلا وجه لما قيل إنّ الأولى أن يقول أو مع أنه وقع أو في بعض النسخ أيضاً وأيضا الخلق منه على طريق التشبيه كأنه خلق منه، وهو عدول إلى المجاز من غير ضرورة. وقوله: بعينه لإخراج التراب فإنه ينتفع بما يحصل منه كالنبات ولفظ بعينه فيه لطف هنا. قوله: (أو صيرنا (وجه ثان بجعل جعل بمعنى صير فينصب مفعولين وهما كل من الماء. وقوله: بسبب من الماء لا يحيا دونه هكذا في الكشاف والباء في قوله بسبب للملابسة والسبب بمعنى الاتصال إذ أصل معناه الحبل، ثم أطلق على كل وصلة ومن في قول المصنف من الماء بيانية والمراد أن من في النظم على هذا اتصالية كما في قوله: أنت مني وأنا منك فالمعنى صيرنا كل شيء حيّ متصلاً بالماء أي مخالطا له غير منفك عنه وإليه أشار بقوله لا يحيا دونه وليس بياناً للسببية إذ ليس المراد به معناه المعروت كما توهم. ومن الغريب هنا ما قيل إن العبارة ينبت مضارع نبت. والمراد بالشيء النامي إذ له نوع حياة وهو ناشئ عن قلة التدبر، والحامل لهم على هذا أنّ الشيء بعد اتصافه بالحياة لا ينشأ من الماء بل قبله فتدبر. قوله: (وقرئ حيا الخ (إذا كان الظرف لغواً فهو متعلق بقوله جعلنا لا بقوله حياً
وتخصيصه بالحيوان لأنه الموصوف بالحياة ويجوز تعميمه للنبات لقوله يحيي به الأرض بعد موتها لكنه خلاف الظاهر. وقوله: أفلا يؤمنون متفرّع على ما قبله لأن النظر فيه مقتض للإيمان. قوله: (كراهة أن تميل (قال في الكشف أنه بيان للمعنى لا أن هناك إضمار البتة ولذا كان مذهب الكوفيين خليقا بالرد وما في الانتصاف من أنّ الأولى أنه من باب أعددت الخشبة أن تميل الحائط أي لإدعامه إذا مال فذكر الميل عناية بشأنه ولأنه أنسب للإدعام فلا يخالفه. وما رذه بأن مكروه الله تعالى محال أن يقع والمشاهدة بخلافه فكم من زلزلة أمادت الأرض! فليس بالوجه لأن ميدودة الأرض! غير كائنة وليست الزلزلة في شيء منها، وقيل المراد بقوله تضطرب دوامها على الاضطراب فلا ترد الزلازل فتأمل، وقوله لأمن الإ اجاس أي جاز حذف لا النافية لأمن الإلباس وهو مذهب الكوفيين. قوله: (مسالك (تفسير للسبل وواسعة تفسير للفجاج ولم يقل واسعات لأنه يختار ضمير
المفرد المؤنث مع جمع الكثرة وضمير الجمع مع القلة فتقول الجذوع انكسرت والإجذاع انكسرت كما في شرح المفصل واعترض على قوله وهو وصف بأنه اسم لا صفة لدلالته على ذات معينة فإنه الطريق الواسع والاسم يوصف ولا يوصف به، ولذا وقع موصوفا في قوله تعالى:{فَجٍّ عَمِيقٍ} [سورة الحج، الآية: 27، والحمل على تجريده عن دلالته على ذات معينة لا قرينة عليه، فالصواب أن سبلاً بدل منه ليدل على أنه مع السعة نافذ مسلوك وفجاجا في سورة نوج بدل أيضا ليدل على أنه مع المسلوكية واسع وستأتي نكتة ذلك ثمة) قلت) هذا ليس بشيء لأن معناه مطلق الواسع، ولذا يقال جرج فج وأما تخصيصه بالطريق فعارض وهو لا يمنع الوصفية، ولو سلم فالمراد أنه في معنى الوصف كما صرح به في الكشاف لأن السبيل الطريق والفج الطريق الواسع فلدلالته على معنى زائد كان كالوصف فإذا قدم يكون ذكر السبيل بعده لغوآ، لو لم يكن حالا كما سنبينه والذي أوقعه فيه قول الفاضل اليمني في المطلع أنّ سبلاً تفسير للفجاج وبيان أن تلك الفجاج نافذة فقد يكون الفج غير نافذ. فإن قلت لم قدم هنا وأخر هناك قلت تلك الآية واردة للامتنان على سبيل الإجمال وهذه للاعتبار والحث على إمعان النظر وذلك يقتضي التفصيل ومن ثمة ذكره عقب قوله: كانتا رتقا الخ انتهى. قوله: (فيدل على أئه حين الخ (يعني أن نكتة تقديمه أن صفة النكرة إذا قدمت صارت حالاً فيدل ذلك على أنه في حال جعلها سبلا كانت واسعة ولو كانت صفة لم تدل على ذلك. وقيل: إنها حال مقدرة فتدل على أنها حين جعلت كانت مستعذة لذلك ولا وجه له، وقوله فيدل ضمناً الخ وجهه أن المقصود بالنسبة هو البدل فيدل على أن
خلقها وتوسيعها لأجل السابلة فلا شبهة فيه كما توهم والمبدل منه ليس في حكم السقوط مطلقا حتى يتوهم أنه لا يدل على السعة والتوكيد لأنه كالتكرار أو لأنه على نية تكرير العامل. قوله: (إلى مصالحهم (لا إلى الاستدلال على التوحيد وكمال القدرة والحكمة كما قيل لاً نه في غنى عنه بقوله: {وَهُمْ عَنْ آياتها مُعْرِضُونَ} وخلق السبل لا تظهر دلالته على ما ذكر. قوله ة (عن الوقوع بقدرته (متعلق بمحفوظا وكذا ما بعده باعتبار الوجود وخص الأوّل بالقدرة لأنه أمر موجود تعلقت به القدرة، وذكر فيما بعده المشيئة لأنه مخصوص بوقت والمشيئة والإرادة من شأنها تخصيص المقدور. وأما الثالث فظاهر إلا أنه قيل عليه إنه يكون ذكر السقف لغواً لا يناسب البلاغة فضلا عن الإعجاز. وقيل في وجهه أن المراد أن حفظها ليس كحفظ دور الدنيا فإن السراق ربما تسلقت من سقوفها بخلاف هذه ولك أن تقول إنه للدلالة على أن حفظها عمن تحتها فتأمل. قوله: (أحوالها الدالة (فالآيات الدلائل والأمارات. وقوله: يبحث عن بعضها الخ كان الظاهر تركه وفي قوله وهو الذي التفات وقوله: كل من ذلك مثال لقلوب الكل. قوله: (أي كل واحد منهما (هو ما وقع هنا في الكشاف بعينه وهو لا يخلو من خفاء أو خلل وشراح الكشاف لم يتعرضوا له هنا وتحقيقه أن كلا إذا أضيفت إلى نكرة. قال النحاة يجب مراعاة معناها وافراد الضمير مع المفرد نحو كل رجل قائم ولا يجوز قائمون وخالفهم أبو حيان فيه فجوّز الوجهين مع ما عليه من قيل وقال وقد أفرده السبكي رحمه الله بتأليف قال في المغني فإن قطعت عن الإضافة قال أبو حيان يجوز مرأعاة اللفظ نحو كل يعمل على شاكلته ومراعاة المعنى نحو وكل كانوا ظالمين والصواب أن المقدر يكون مفرداً نكرة فيجب الإفراد كما لو صرّج به، ويكون جمعا معرفا فيجب الجمع وان كان لو ذكر لم يجب ولكن فعل ذلك تنبيها على حال المحذوف فيهما فالأوّل نحو كل يعمل على شاكلته إذ التقدير كل أحد والثاني نحو كل له قانتون كل في ذلك يسبحون أي كلهم انتهى وهو مخالف لما ذكره الشيخان إذ قدراه نكرة مفردة والخبر جمع نعم هو موافق لكلام أبي حيان رحمه الله، وكفى به سندا ثم إنّ هذا الاختلاف في الضمير الراجع لكل لا في الاسم الظاهر المذكور بعدها في نحو فرقت المائة فأعطيت لكل رجل درهما فلا يصح، أن يقال دراهم لفساد المعنى ولو سلم فالإفراد لا يحتاج لتأويل لأنّ النكرة هنا للعموم البدلي لا الشمولي بلا شبهة وليس هذا مثل كساهم حلة:
شتان بين مشرق ومغرب
فالذي يقتضيه حسن الظن بالسلف أن يقال المراد بقولهم المراد بالفلك الجنس الفرد
الشائع لا الكلي المؤوّل بالجمع ويكون المثال نظيراً له
في ذلك مع قطع النظر عما عداه فمن كتب عليه هنا أن قوله والمراد الخ وجه آخر وان كان حقه أن يقول أو الخ زاد في الطنبور نغمة. وقوله: كساهم الأمير حلة أي كسا كل واحد منهم حلة لا جنس الحلة لأنه لا يكسوهم حلة واحدة. قوله: (منهما (أي من الشمس والقمر وفي نسخة منها وهي غلط من الناسخ فما قيل إنها لليل والنهار والشمس والقمر ويؤيدها قوله يسبحون لا وجه له. قوله: (يسرعون على سطح الفلك الخ) قيل عليه حق التشبيه أن يكون المشبه به أقوى في وجه الشبه وهذا ليس كذلك فلا يليق في أبلغ الكلام وردّ بأنه ليس كذلك فإنّ سرعة الكواكب بحركتها الخاصة غير مشاهدة حتى أنكرها بعضهم بخلاف حركة السابح. يعني أنه لا بد فيه من كونه أقوى أو أعرف وأشهر وهذا من الثاني، لا من الأوّل وقد قيل إنه استعارة تمثيلية. قوله: (وهو (أي لفظ يسبحون خبر كل وقد عرفت ما فيه فقوله في ذلك حال ويجوز العكس وجعل في ذلك متعلقا بيسبحون وجملة كل الخ حالية والرابط الضمير دون واو بناء على جوازه من غير قبح كما مرّ ومن استقبحه جعلها مستأنفة، وعدم اللبس لأنّ الليل والنهار لا يوصفان بالسبح، وان جوّزه بعضهم وقوله جمع باعتبار المطالع كما قيل الشموس والأقمار وواو العقلاء ضميرهم لأنها مختصة بهم. وقوله: لأنّ السباحة فعلهم فيكونون عقلاء ادعاء وينزلون منزلتهم، وإذا كنت تمثيلا لا يحتاج للتأويل. وأورد عليه أنّ كثيراً من الحيوانات يسبح كما نثاهده وإنما المختص بالعقلاء السبح الصناعي المكتسب وهو المراد ويدل عليه قوله السباحة فإن فعالة مخصوصة بالصنائع كما ذكره النحاة. قوله: (فقل الخ (هو من شعر لعروة بن مسيك المرادي الصحابي رضي الله عنه وفي بعض شروح الكشاف عزوه لغيره وقبله:
إذا ما الدهر جرّ على أناس كلا كله أناخ يآخرينا
…
والكلا كل الصدور يعني أن الدهر لا ينجو أحد من رببه فقل للشامتين تنبهوا لهذا وانتهوا
عن الش! اتة فإنه سيحل بكم ما حل بنا، والشامت الذي يفرح بمصيبة غيره. وأفيقوا بمعنى تنبهوا استعارة وقوله: إذا ما الدهر الخ فيه استعارة مكنية وتخييلية. قوله: التعلق الشرط (وفي نسخة لتعليق الشرط أي لجعل الجملة الشرطية متعلقة بما قبلها مترتبة عليها مسببة عنها فليست
عاطفة على مقدر كما في قوله قبله وما جعلنا ليشر من صلك الخلد الخ لأنه يلزم من عدم تخليد أحد من البشر إنكار بقائهم، والمراد بالفاء الداخلة على أن لا ما في جواب الشرط قوله لإنكاره أي إنكار مضمون الجملة الثرطية وهي في الحقيقة لإنكار الجزاء وقوله بعدما تقرر بصيغة الماضي وذلك إشارة لما قبله وهو عدم خلود بشر. قوله: (ذائقة مرارة مفارقتها جسدها (إشارة إلى أنّ الموت بمعناه المعروف لا مجاز عن مقدماته وآلامه فإنه قبل وجوده يمتنع إدراكه وبعده هو ميت لا إدراك له وفي قوله مرارة إشارة إلى أنه استعارة مكنية وذائقة تخييلية فتدبر. قوله: (وهو برهان على ما أنكره (أي ما أنكره الله عليهم وهو قوله أفإن مت وهو نفي خلودهم وفي نسخة أنكروه بصيغة الجمع أي جهلوه حتى تشمتوا بمن مات أو جعل شماتتهم كأنها إنكار فلا وجه لما قيل إنه لا وجه لهذه النسخة. قوله: (ونعاملكم الخ (يعني نبلو بمعنى نختبر وهو هنا استعارة تمثيلية، وقدم الشرّ لأنه اللائق بالمنكر عليهم. وقوله: ابتلاء تفسير لفتنة لا مفعول له، وجعله مصدرا من غير لفظه على أنه مفعول مطلق ومن جعله مفعولاً له أو حالاً لم يفسره بالابتلاء حتى يلزم تعليل الشيء أو تقييده بنفسه. وقوله: فنجازيكم الخ إشارة إلى أنه كناية عما ذكر وقوله: وفيه أي في قوله نبلوكم الخ وقوله: بأن الأولى إلى أن وكأنه ضمنه معنى التصريح، وما سبق عدم الخلود وما تضمنه. قوله: (ما يتخذونك (إشارة إلى أن إن نافية والظاهر أن جملتها جواب إذا، وهي إذا وقعت جواب إذا لا يلزم اقترانها بالفاء كما النافية بخلاف غيرها من الشروط فإنه يلزم فيه الفاء. وقوله: مهزؤا به إشارة إلى أنه مفعول ثان لأتخذ مؤؤل بما ذكر ونحوه أو جعلوه عين الهزء مبالغة. وقوله: ويقولون بالواو العاطفة على جملة أن يتخذونك إشارة إلى أنه ليس جواب إذا ولا حالاً بتقدير القول كما قيل
وقوله: وإنما أطلقه أي الذكر مع أن المراد به الذكر بسوء كما قدره لدلالة الحال عليه كما بينه ودلالة همزة أهذا على الإنكار والتعجب المفيدين لما ذكر بالقرينة الحالية أيضاً مع أن قرينة الحال قد دلت على ما ذكر بدونه كما في قوله: {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ} [سورة الأنبجاء، الآية: 60، فالمعوّل عليها لاطرادها فلا وجه للإنكار على المصنف بما ذكر. قوله: (بالتوحيد (يعني أنه مصدر مضاف لمفعوله وذكرهم توحيده وعلى كونه بمعنى إرشاد الخلق هو مضاف للفاعل قيل ويجوز أن يكون للمفعول، وقوله: رحمة عليهم إشارة إلى نكتة اختيار لفظ الرحمن وهو تأييد لهذا
الوجه. وقوله: أو بالقرآن تفسير لقوله: بذكر الرحمن وليست الباء فيه متعلقة بذكر كما في الوجهين السابقين والإضافة لامية إلى منزله. وجوّز تعلق الباء بذكر أيضا على أنه بمعضى الموعظة ويجوز عطفه على قوله ببعث الرسل. وقيل مفاه قولهم ما نعرف رحمن إلا مسيلمة وهذه الجملة في موضع الحال من فاعل يتخذونك لا بيقولون كما يشير إليه قوله: فهم أحق الخ وقوله: منكرون الإنكار لا يتعدى بالباء لكنه عدى بها نظر اللفظ الكفر. قوله: (وتكرير الضمير للتكيد والتخصيص) التأكيد من تكريره والتخصيص لكونه فاعل كافرون يعني قدّم عليه بناء على إفادة هو عارف التخصيص، والصلة بقعنى المتعلق وهو بذكر المقك م للفاصلة فأعيد للتذكير به فتأمّل. قوله:(كأنه خلق منه لفرط استعجاله) يعني أنه استعارة إما مكنية بتشبيه العجل لكونه مطبوعاً عليه بمادّته ويجوز أن تكون تصريحية والمراد بالإنسان الجنس أو آدم عليه الصلاة والسلام لسريان ماله لأولاده وقد كظرّف فيه بعض المتأخرين فقال:
إنسان عيني بتعجيل السهاد ملي عمري لقدخلق الإنسان من عجل
…
وقوله ما طبع عليه أي جعل طبعا وغريزة له والمطبوع عليه بمعنى المخلوق عليه ويجيء الدطبوع بمعنى مقبول الطباع وكونه على القلب ضعيف لأنه قلب غير مقبول لكونه محتاجا للتأويل بأنه جعل من طبائعه وأخلاقه للزومه له والذاهب إليه استدل بأنه قرئ به في الشواذ وقيل العجل الطين بلغة حمير وأنشد عليه أبو عبيدة فقال:
النبع في الصخرة الصماءمنبته والنخل منبته في الماءوالعجل
…
قال الزمخشري: والله أعلم بصحته وقوله: حين استعجل العذاب وقال: اللهمّ إن كان
هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من المسماء. قوله: (نقماني (جمع نقمة بمعنى انتقام وفسره به لأنه المناسب للمقام وهي آية لكونها تصديقاً لما وعد به، وقوله: بالإتيان بها أي لا تطلبوا تعجيل الإتيان بها. قوله: (والنهي عما جبلت عليه ففوسهم) وهو الاستعجال كما دلّ عليه أنه مخلوق من العجل وليقعدوها بمعنى ليمنعوها عما تريده النفس الأمّارة بالسوء وليس هذا من التكليف بما لا يطاق لأنّ الله أعطاها من الأسباب ما تستطيع به الكف عن مقتضاها. ومتى في موضمع رفع خبر لهذا والوعد صفته. قوله: (وقت وعد العذاب) وقت الوعد هو وقت
وقوع الموعود به وهذا سائغ في الاستعمال فلا حاجة إلى تقدير مضاف وهو الإيجاز أو جعله من إضافة الصفة إلى الموصوف أي العذاب الموعود به كما قيل. وقوله: عن وجوههم قدمه لأن الدفع عنه أهم من غيره. قوله: (محذوف الجواب) أي جواب لو محذوف وهو قوله لما استعجلوا. وقيل: لو للتمني لا جواب لها وقوله من كل جانب يفهم من ذكر الإحاطة. وقوله: يستعجلون منه كان الظاهر يستعجلونه ولكنه نظر إلى معناه وهو يطلبون منه وأمّا تضمينه معنى الاستعلام فهو ركيك. وقوله: لا يقدرون الخ معنى لا يكفون وترك المفعول لتنزيله منزلة اللازم وقوله: يعلمون بطلان ما عليهم بيان للمقدر كذا في النسخ والظاهر ما هم عليه ولذا قيل إنه قلب وهو استئناف جواب سؤال مقدر وهو متى يعلمون فقيل يعلمون حين لا ينفعهم علمهم والظاهر هو الذين كفروا فذكره لبيان إنّ الذي أوجب لهم ما ذكر كفرهم فإنّ الوصف يشعر بالعلية وقوله العدة في نسخة العذاب وهو تحريف، وقوله: مصدر أي من غير لفظه وفتح غين بغتة لغة وقيل
إنه يجوز في كل ما عينه حرف حلق فإذا كان حالاً فمعناه مفاجأته. وقوله: فتغلبهم معنى كناتي إذ أصل معناه الحيرة والدهشة ويقال للمغلوب مبهوت. وقوله: والضمير الخ جوّز فيه أن يكون للعذاب المعلوم مما مرّ أو للنار لتأويلها به.
قوله: (لآن الوعد) أي بمعنى الموعود وهو توجيه لتأنيثه وكونه بمعنى العدة إذا لم يؤوّل والتذكير بإمهالهم من فحوى نفيه عنهها في ذلك الحين. وقوله: تسلية فهو راجع إلى قوله: {إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا} [سورة الأنبياء، الآية: 36] وقوله: يعني جزاءه إشارة إلى أنه مجاز. وقوله حن بأسه فهو بتقدير مضاف بقرينة الحفظ لأنه إنما يصان عما يكره وقوله: إن أراد بكم
فلم تستعجلونه. قوله: (وفي لفظ الرحمن (جواب عن أنه غير مناسب للمقام بأنه تنبيه على أنه لا حفظ لهم إلا برحمته وتلقين للجواب. وقيل إنه إيماء إلى شدته كغضب الحليم وتنديم لهم حيث عذبهم من غلبت رحمته ودلالة على شدة خبثهم، وقوله: وانّ اندفاعه أي البأس بسبب الرحمة إنما هو إمهال لا إهمال. وحتى غاية لقوله: يخافوا والمراد إذا جاء وقت الكلاءة. قوله تعالى:){بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ} (قيل إنه إضراب عن مقدر أي أنهم غير غافلين عن الله لتوسلهم بآلهتهم له وإنما إعراضهم عن ذكره ليناسب التذكير ويتأتى السؤال وهذا مع وضوحه غفلوا عنه، ورد بأن السياق لتجهيلهم والتسجيل عليهم بأنهم ذكروا فيما ذكروا بقوله: لا يسمع الصمّ وما ذكر يقتضي عكسه. وقوله: غير غافلين مناف لصريح النظم. قوله: الا يخطرونه ببالهم (يعني أنهم لتوغلهم في عبادة آلهتهم كأنه تعالى لا يخطر ببالهم فلا يرد عليه أنه لا يبقى حينئذ وجه للسؤال وتضيع عبارة الذكر ويخل ذلك بالمقصود وقد مر أن الأمر بالسؤال للتسجيل والتجهيل ولعدم انتفاعهم بالذكر نزلوا منزلة المعرضين عنه كقوله: {قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاء} [سورة الأنبياء، الآية: 45] كما قرره هو ثمة وفي قوله: وصلحوا للسؤال إشارة إلى ما ذكر. قوله: (بل الهم آلهة الخ (يعني أن أم منقطعة مقدرة ببل والهمزة على المشهور والاستفهام للإنكار أو للتقرير بما هو في زعمهم تهكما وليس في كلام المصنف رحمه الله ما يعين هذا كما توهم. وقوله: تتجاوز منعنا هو معنى قوله من دوننا فهو صفة بعد صفة أو حال من فاعل تمنعهم، وقوله: وإلا ضربان أي ببل وأم. وقوله: فإنه أي السؤال من المعرض المشار إليه بالإضراب الأوّل فالمعرض! جدير بأن لا يسئل منه. وقوله: وعن المعتقد لنقيضه من الإضراب الثاني وهو من قوله أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا فإن منع الآلهة بحفظها لهم وهو مناف لكون الحافظ هو الله وهو المسؤول عنه فما قيل إن مبناه فاسد وأنّ الثاني فرية بلا مرية لا وجه له ولا يلزم في دفعه تعين كون الاستفهام تقريريا كما مر لأنّ إنكاره ليس بمعنى أنه لم يكن منهم زعمه حتى ينافي هذا بل إنه لم كان مثله مما لا حقيقة له، والمراد بالشيء مضمون أن الكالىء هو الله والغفلة عن ذكر الله غفلة عن أنه الحافظ لهم. قوله تعالى: ( {لَا يَسْتَطِيعُونَ} (أي لا تستطيع الآلهة نصر أنفسهم فكيف تنصرهم فهذه الضمائر للألهة بتنزيلهم منزلة العقلاء قيل وفيه تفكيك الضمائر ولو جعل المعنى لا تستطيع الكفار نصر
أنفسهم بآلهتهم ولا يصحبهم نصر منا كان أظهر. وقوله: يعجبون أي يجاوزون يقال صحبك
الله أي أجارك وسلمك كما في الأساس وقوله: ما اعتقدوه وهو نفع آلهتهم وحفظها. وقوله:
ولا يصحبه نصر من الله إشارة إلى أنّ معنى ولاهم منا يصحبون أنهم غير مصحوبين بصاحب
مسخر من عنده حفظهم وتأييدهم كما ورد في الحديث اللهئم أنت الصاحب في السفر والخليفة
في الأهل كما مرّ وقيل إنّ الجار والمجرور صفة موصوف محذوف تقديره ولا هم ينصر منا
يصحبون. قوله: (إضراب عما توهموا (وهو أنّ تعميرهم وتأخير إهلاكهم نفع من آلهتهم فهو
في الحقيقة إضراب عن الإضراب الثاني. قوله: (أو عن الدلالة على بطلانه ببيان ما أوهمهم
ذلك (أي هو إضراب عما دل على بطلان توهمهم وهو قوله لا يستطيعون فهو إضراب انتقاليّ
عن الإبطال إلى بيان سببه. وقوله: وإنه أي الإمهال لا حسبانهم أنهم لا يزالون كذلك، وما
هم عليه عبادة آلهتهم وقوله: ولذلك أي للوجه الثاني. قوله: (أرض الكفرة (فالتعريف للعهد.
وقوله: تصوير أي لم يقل إنا ننقص الأرضى من أطرافها وزاد قوله
نأتي الأرض لتصوير كيفية
نقصها وتخريبها فإنه بإتيان الجيوش ودخولها فأصله تأتي جيوس المؤمنين لكنه أسنده لنفسه
تعظيما لهم وإشارة إلى أنه بقدرته ورضاه وفيه تعظيم للجهاد والمجاهدين، ويجريه إمّا من
الأفعال أو التفعيل وهذه الآية مدنية نازلة بعد فرض الجهاد كما مرّ فلا يرد أن السورة مكية
والجهاد فرض! بعدها حتى يقال إنها أخبار عن المستقبل. قوله: (رسول الله والمؤمنين (بيان
لمفعوله المقدر وتعريف الغالبين للجنس أو للعهد وهو كناية عن أنّ الغلبة والعزة للمؤمنين
وقوله: بما أوحى إشارة إلى أنّ التعريف للعهد ويصح أن يكون للجنس، وقوله: بالياء من
الأفعال وضمير الغيبة للنبيّ صلى الله عليه وسلم أيضا ووضعه موضع ضميرهم إذ أصله بسمعهم أو لا يسمعون،
والتصامّ إظهار الصمم بالتكلف وهو من دلالة الحال لا من اللفظ، وقوله: وعدم انتفاعهم
إشارة إلى أنّ عدم سمعهم استعارة له، وقوله: بالدعاء فيه إنّ أعمال المصدر معرفاً قليل، لكن
التوسع في الظرف سهله. قوله: (والتقييد به لأنّ الكلام في الإنذار الخ) يعني أنهم لا يسمعون
كلامه سواء كان إنذارا أولاً ووصفهم بالصمم يقتضي أنهم لا يسمعون مطلقا فالتقييد به إفا لأن المقام مقام إنذار أو لأن من لا يسمع إذا خوّف كي يسمع في غيره فهو أبلغ. وأمّا أنه إذا أطلق يفيد هذا بطريق برهانيئ فيكون أبلغ لأنه يلزم من عدم سماعهم لشيء ما عدم سماعهم للإنذار كما قيل فلا يفيد التجاسر وعدم الخوف من الانتقام الإلهيّ دمانما يفيد أنه شأنهم فهذا مع أبلغيته من وجه أنسب. قوله: (أدنى شيء (تفسير للنفحة وذكر ما فيه من المبالغات وزاد السكاكي فيها رابعة وهي التنكير واعترض على مبالغة المس بأن المس أقوى من الإصابة لما فيه من الدلالة على تأثر حاسة المحسوس، وقد ذكره المصنف في سورة البقرة. وفيما ذكره هنا منافاة له ولا يخفى أنّ المصنف رحمه الله لم يجعل المبالغة فيه بالنسبة للإصابة بل لوقوعه في هذا المقام دون ذكر النزول وغيره مما يلائم العذاب وأنّ المس صمان كان أبلغ من الإصابة من هذا الوجه فهو لا ينافي كونها أبلغ لما فيها من الدلالة على النفوذ ونحوه ولذا كانت أبلغ من الذوق مع تأثر الحاسة فيه مع أن تأثر الحاسة هنا ضعيف جداً لا يقاوم الإصابة لكون الماس هبوب الريح فالضعف والقوّة فيه بالنظر للماس فتأمّل. قوله ة) من الذين ينذرون) ذكره للدلالة على شدة ارتباطه بما قبله. وقوله: توزن الخ، جواب عما يقال الأعمال أعراض لا توزن مع أنه جوّز أن تجسم وقت الوزن وإرصاد الحساب إظهاره واحضاره، والسوقي بمعنى التاتم وقوله: وافراد القسط جواب عن وصف الموازين به ولذا قيل إنه مفعول له حتى يستغني عن ذلك، وجزاء يوم القيامة بمعنى الجزاء الواقع فيه فاللام للتعليل أو بمعنى في ويصح جعلها للاختصاص كما في المثال المذكور. قوله:( {فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} من حقها أو من الظلم) الأوّل إشارة إلى أنه منصوب على أنه مفعول به والثاني إلى أنه منصوب على المصدرية وقد فسر الظلم هنا بالنقص من الثواب الموعود أو الزيادة في العذاب المعهود، وقيل عليه إنه إذا تعدى لمفعولين كان بمعنى المنع أو النقص ولا يمكن اعتبار واحد منهما في زيادة العذاب. ولا وجه له فإنه يصح تفسيره بما ذكروه ودلالته على عدم الزيادة بطريق إشارة النص واللزوم المتعارف 0 وقيل إن هذا القائل جعل الظلم بمعناه المشهور وانتصاب شيئاً على الحذف والإيصال أي في شيء من حقه كما في قوله: صدقناهم الوعد فيصح اعتباره في زيادة العذاب بمعنى المنع أو النقص، وإلا فلا
تشمل الفكرة الواقعة في سياق النفي النفوس الفاجرة- وحبة خردل كناية عن غاية القلة- وقوله: وان كان العمل الخ بيان لأنّ الضمير راجع لشيئا بتفسيريه لكنه عبر عنه بالعمل لأنه المراد من توله حقها توضيحا فلا يقال إنّ الأولى أن يقول وان كان حقها وان شرطية جوابها أتينا ويجوز كونها وصلية وجملة أتينا مستأنفة قيل والمراد بالظلم في قوله: أو الظلم ظلم أنفسهم وغيرهم، وقد يحمل على ما يفعل به من النقص أو الزيادة ربط قوله أتينا بها عليه لا يخلو عن تعسف وفيه تأمّل. قوله: (أحضرناها (هذا معناه على القصر والباء للتعدية وتفسرها القراءة الآتية جئنا بها، وأمّا على قراءة المد فاختلف فيها فقيل هو من الأفعال وأصله أأتينا
فأبدلت الهمزة الثانية ألفا قال المعرب كذا توهم بعضهم وهو غلط قال ابن عطية تبعا لابن جني ولو كان آتينا بمعنى أعطينا لما تعدّى بحرف جرّ انتهى. والمصنف رحمه الله لما رأى هذا جعلها مجازا عن المجازاة وهي تتعدى بالباء تقول جازيته بكذا فلذا قال إنه قريب من الإعطاء أي يشبهه فمن غفل عنه فسره بالإعطاء. ورد قوله: قريب منه وكذا من قال إنّ الباء للسببية أو للمقابلة والمفعول محذوف أي آتيناها بها. قوله: (أو من المؤاتاة الخ (بالهمزة يعني أنه مفاعلة من الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأة لأنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء، فهو مجاز والباء للتعدية أيضا فقوله: فإنهم الخ تصحيح لمعنى المفاعلة وبيان لأنها مجاز إذ حقيقته تقتضي اتحاد الطرفين في المأتيئ به وهو قريب من عالج الطبيب المريض كما مرّ تحقيقه في قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللهَ} فمن قال إنه لا يصح إلا أن يراد بيان محصل المعنى لا تعيين المفعول لم يصب. ومعنى إتيان الله بأعمالهم مجارّاتهم. قوله: (وجئنا (أي قرئ جئنا. وقوله: والضمير أي ضمير أتينا بها للمثقال لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه وهذا مشكل على قراءة النصب وجعل الضمير الذي هو اسم كان للظلم فإنه الظلم المنفي فلا يصح معنى أن يجعل مأتيا به، وقد مرّ توجيهه بأنه الظلم الصادر من العباد لأنفسهم أو لغيرهم ولا يخفى بعده ولذا قيل إنه مخصوص بإرجاعه للعمل فتأمّل. وقوله: حاسبين تمييز أو حال والإصابة في الحساب تقتضي العلم والعدل. قوله: (أي الكتاب الجامع الخ) يعني انّ المتعاطفات متحدة بالذات متغايرة بتغاير ما تضمنته من الصفات وقد يعد مثل هذا العطف تجريدا نحو مررت بالرجل الكريم والنسمة المباركة ولا بعد فيه. وقوله: يستضاء الخ أي يهتدى به فهو استعارة تصريحية متضمنة
لتشبيه الحيرة والجهل بالظلمة وقوله: يتعظ الخ إشارة إلى أن الذكر إمّا بمعنى التذكير والعظة أو بمعناه المعروف، ومنهم من فسر الذكر بالشرف كما مر وتخصيصه بالمتقين لأنهم المنتفعون به كما في الوجهين الآخرين. واطلاق الفرقان على النصر لفرقه بين الوليّ والعدوّ والضياء حينئذ أمّا الشريعة أو التوراة أو اليد البيضاء والذكر التذكير أو الوحي وتفسيره بفلق البحر ظاهر لأنّ الفرق والفلق أخوان، والعطف واقع بين المتغايرات بالذات على هذا وعدم العطف يؤيد التفسير الأوّل وقوله صفة للمتقين ويجوز كونه بدلاً. قوله: (حال من الفاعل أو المفعول (أي غائبين عن أعين الناس بقلوبهم أو غائباً عنهم بمعنى غير مرئي في الدنيا وقد مرّ تفصيله في البقرة وقوله: خائفون فسره به لتعديه بمن كما مر تحقيقه، والمبالغة من الجملة الاسمية والتعريض إفا بعدم خوف غيرهم بناء على أنّ مثل هذا التقديم يفيد الحصر، وفيه كلام في المعاني ويجوز أن يكون تقديم من الساعة للتعريض بعدم خوف عذابهم والظاهر أنّ المراد الأوّل وقوله يعني القرآن بقرينة الحال والإشارة بهذا لقرب زمانه أو سهولة تناوله. قوله: (استفهام توبيخ (لأنهم لا ينبغي لهم إنكاره لأنهم أهل لسان عارفون بمزايا إعجازه، وتقديم له للفاصلة أو للحصر لأنهم معترفون بغيره مما في أيدي أهل الكتاب وقوله واضافته الخ لأنه رشد مخصوص به وهو عليه الصلاة والسلام نبيّ عظيم فما يختص به من الرشد لذلك خصوصاً وقد أسند الإيتاء إليه بضمير العظمة. وكونه من قبل موسى وهرون أو محمد عليهم الصلاة والسلام بقرينة ما قبله ولذا مرض! الوجه الأخير وأخر. لعدم ما يدلّ عليه لولا معرفة حاله ووروده. قوله: (علمنا أنه أهل لما آتيناه الخ (والأهلية من جملة ما أعطيناه أيضاً. وقوله أو جامع لمحاسن الأوصاف يعني متعلق العلم إمّا أهليته أو ما فيه من الكمالات الوهبية التي أعطاها له تفضلا منه لقوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ} [صورة الأنبياء، الآية: 51] على ما فسره به. فسقط ما قيل من أنّ الحوادث تستند إلى الموجب القديم العالم بالذات بواسطة حصول الشرائط والاستعداد على زعم الفلاسفة وقوله: وقرئ رشده أي بفتجتين وعلى كل يفيد أنا إنما آتيناه ما ذكر لما فيه من المزية التي علمناها فلولا علمنا لم نؤته فيدل على كونه باختبار منه وعلى علمه بأحواله الجزئة فثبت ما ذكر إذ لا قائل بالفرق. وكون علمه بالجزئيات على وجه كلي كما قاله
الفلاسفة خلاف الظاهر، وأما كون أفعاله مبنية على الحكمة فغنيّ عن البيان.
قوله: (متعلق بآتينا. أو برشده الخ) ويجوز تعلقه بعالمين وهو أظهر في الدلالة على تعلق علمه تعالى بالجزئيات وتعلقه بما ذكر على المفعوليه لفسماد معنى الظرفية.. قوله: (تحقير لشأنها الخ (التحقير من الإشارة بما يشار به للقريب كما بين في المعاني ومن تسميتها تماثيل وهي صورة بلا روح مصنوعة فكيف تعبد والإجلال من العكوف على عبادتها وقوله: لا للتعدية لأنه يتعدى بعلى فهي متعلقة بمحذوف لا للبيان كما في قوله للرؤيا تعبرون أو للتعليل وأمّا جعلها للاختصاص الملكي على أنها خبر وعاكفون خبر بعد خبر فبعيد ويجوز تعلقه به بتأويله بعلى أو يؤوّل العكوف بالعبادة فاللام دعامة لا معدية لتعديه بنفسه ويرجحه ما بعده وقوله: أنتم فاعلون إشارة إلى أنه منزل منزلة اللازم ويجوز تقدير متعلقه أي عاكفون على عبادتها. قوله: (وهو جواب عما لزم الاستفهام الخ (من بيان لما يعني أنه لما سأل عنها وهي مشاهدة معلومة حملوه على السؤال عن سبب عبادتها بقرينة توصيفها بالتي أنتم لها عاكفون والا كان ضائعا وسماه سؤالاً بناء على ظاهره إذ القصد التوبيخ. قوله: (منخرطون في سلك ضلال لا يخفى (تفسير للخبر وهو في ضلال واشارة إلى أنّ في للدلالة على تمكنهم في ضلالهم وأنه ضلال قديم موروث فهو أبلغ من ضمالين على ما مرّ تحقيقه في قوله: من القانطين، ولو قال منخرطين كان أظهر وسلك الضلال استعارة أو من قبيل لجين الماء ولا يخفى تفسير لمبين والفريقين هم وآباؤهم. وقوله: والتقليد أي في الأصول لا في الفروع لأنه جائز بالاتفاق ومن علم بصيغة المجهول هو المقلد بالفتح والعالم هو المقلد أو غيره ولذا قال في الجملة. قوله تعالى: ( {أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ} ) أم متصلة كما أشار إليه المصنف رحمه الله ويحتمل أن تكون منقطعة وقوله على وجه الملاعبة ولغلبة ظنهم أتوا بالجملة الاسمية المؤكدة في المعادلة وقالوا من اللاعبين الذي هو أبلغ من لاعب، والجد بالكسر خلاف اللعب. قوله:(إضراب عن كونه لاعبا) كأنه يقدره بل المعبود أو الإله الحق رب السموات والأرض! الخالق لهذه ولغيرها والبرهان ما تضمنه
قوله الذي فطرهن على الوجهين وقوله أدخل أي أمكن وأقوى لدلالته صراحة على كونها مخلوقة غير صالحة للألوهية بخلاف الأوّل. قوله: (المذكور) بيان للمشار إليه والتوحيد مما قبله على التقدير المذكور وقوله: فإنّ الشاهد الخ تعليل لما قبله. وقوله: والتاء بدل من الواو كما في تجاه والواو بدل عن الباء أي قائمة مقامها لأنها أصل حروف القسم لكن التاء القسمية تستعمل في مقام التعجب من المقسم عليه كما فهموه من الاستعمال إلا أنه ليس بلازم لها كما يلزم اللام في القسم وذهب كثير من النحاة إلى أنّ كلا من هذه الحروف أصل برأسه والتعجب من إقدامه على أمر فيه مخاطرة، ولا فرق بين كلام الكشاف وما قاله القاضي: خلافاً لمن زعم ذلك. قواله: (لأجتهدن في كسرها) يعني أنّ الكيد في الأصل الاحتيال في إيجاد ما يضرّ مع إظهار خلافه وهو يستلزبم ألاجتهاد فيه فتجوز فيه عنه هنا إمّا استعارة أو استعمالاً له في لازمه وصعوبته للخوف من عاقبته والحيل في إخفاء آلة الكسر ونسبته لغيره. وقوله: إلى عيدكم بتقدير مضاف أي مجمع عيدكم وكونه سرّاً لأنه لو أظهره لم يتركوه. قوله: (قطعاً) جمع قطعة ووقع في نسخة قطاعا وهو تحريف وفيه إشارة إلى أنه وان كان مفرداً إلا أنه يستعمل للواحد والجمع كما ذكره الطيبي، وفاء فجعلهم فصيحة وجذاذاً بالفتح لغة فيه. وقيل مصدر كالحصاد وقال قطرب: هو في لغات كلها مصدر وجذذ بضمتين جمع جذيذ كسرير وسرر. وجذذ بضم ففتح جمع جذة كقبة وقبب. قوله: (للأصنام) وضمير العقلاء على زعمهم وقيل إنّ الضمير للعبدة واختار المصنف رحمه الله هذا لموافقته لقوله فعله كبيرهم وهو الظاهر والكبر إمّا في الجثة واما في المنزلة بزعمهم، وكان من ذهب عيناه جوهرتان مضيئتان، وكان الظاهر أن يقول يسمتبقاه وان كان استقباؤه مترتبا على كسر غيره في الجملة. قوله:(لأنه غلب الخ) هذا الوجه على أنّ ضمير إليه لإبراهيم عليه الصلاة والسلام وتقديم الجار والمجرور للحصر كما أشار إليه بقوله إلا إليه وجملة لعلهم إليه مستأنفة استئنافاً بيانيا أو نحويا لبيان وجه الكسر واستبقاء الكبير. وقوله: بعداوة
تنازعه التفرّد والاشتهار. وقوله: فيحجهم أي يغلبهم ويلزمهم الحجة.
وقوله: إذ تعليل للرجوع إلى الكبير والعقد جمع عقدة وهي مجاز عن الأمر الصعب المشكل، والتعبير بقوله لأنهم إشارة إلى أنّ لعل للتعليل كما مرّ. وقوله: من شأن المعبود لدفع ما توهم من أنهم عالمون بأنّ الأصنام لا تصلح للسؤال والجواب مع أنه غير مسلم عندهم. قوله: (أو إلى الله) وليس قوله إلا كبيراً لهم أجنبيا في البين كما توهم لأنّ استبقاءه حتى يسئل فلا يجيب أظهر في إبطال مدّعاهم الداعي إلى الرجوع إلى الله الحق السميع البصير المجيب وإلى توحيده، ولا حاجة في هذيت الوجهين إلى بيان الحصر لا لأنه يعلم بالقياس على ما قبله ولا لأنّ التقديم لأداء حق الفاصلة بل لأنه غير متعين ولا يتعلق به غرض هنا بخلافه في الأوّل فتأمّل والإعظام والتعظيم بمعنى. قوله:(بجراءته الخ) الظلم في الوجوه بمعنى وضع الشيء في غير موضعه لا بمعنى النقص لكنه في الأخير ظالم لنفسه للألهة، ومن تحتمل الموصولية والاستفهامية. والإفراط يفهم من المبالغة المأخوذة من تعبيره بقوله: من الظالمين دون ظالم كما مرّ أو مما قبله. قوله: (يعيبهم) إن كان بصيغة المضارع كما في أكثر النسخ فهو تفسير له بتخصيصه بأحد محتمليه بقرينة المقام وان كان جارا ومجرورا فهو بيان لمتعلق له خاص بتلك القرينة. وقوله: فلعله فعله إشارة إلى تقدير في النظم بقرينة السؤال عمن فعله فلولا تقديره لم يتمّ الجواب. قوله: (ويذكر ثاني مفعولي سمع) هذا له تفصيل في كتابنا طراز المجالس وحاصله إن سمع حقه أن يتعدى إلى مفعول واحد كما في سائر أفعال الحواس كما فصله الإمام السهيلي وهو يتعدّى إلى واحد بنفسه وقد يتعدّى بإلى أو اللام أو الباء وأمّا تعديه إلى مفعولين فاختلف فيه فذهب الأخفش وأبو عليّ في الإيضاج وابن مالك وغيرهم إلى أنه أن وليه ما يسمع تعدى إلى واحد كسمعت الحديث وان وليه ما لا يسمع تعدّى إلى مفعولين ثانيهما جملة متضمنة لمسموع مصححة لتعلق الفعل به كما ذكره المصنف في الوجه الآخر كسمعت زيداً يقول كذا ولذا لم يجز بعض النحاة سمعت زيداً قائلاً كذا لأنّ قائلا دالّ على ذات لا تسمع وأما قوله تعالى: {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ} [سورة الشعراء، الآية: 72] فعلى تقدير مضاف أي هل يسمعون دعاءكم. وقيل ما أضيف إليه الظرف مغن عنه وفيه نظر فقول بعضهم إنه ليس بثبت منه وهم، وذهب بعضهم إلى أنه ناصب لواحد بتقدير مضاف مسموع قبل اسم الذات والجملة حالية بعد المعارف صفة بعد النكرات فالتقدير هنا سمعنا كلام فتى ذاكر لعيوبهم لأنّ الجملة لا تكون مفعولاً ثانيا إلا في الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر وليس هذا منها وليس بمسلم لأنها ملحقة برأي العلمية لأنّ السمع طريق للعلم كما في التسهيل وشروحه فقوئه: يصححه بالتحتية خبر بعد نجر ليذكر أو بالفوتية صفة أو خبر بعد خبر لتأويل يذكر
بلفظة. قوله: (أو صفة) هذا قول ثالث في المسألة وهو أن يجعل صفة هنا لوقوعه بعد نكرة ولو كان بعد معرفة كان حالاً كما مرّ وقيل إنه بدل اشتمال بتأويل الفعل بالمصدر. ورجحه بعضهم لاستغنائه عن التجوّز والإضمار إذ هو مسموع وهو المقصود بالنسبة فهو كقوله سلب زيد ثوبه إذ ليس زيد بمسلوب ولم يجعلوه محتاجا إلى التأويل وابدال الجملة من المفرد جائز فما مرّ من تأويله بمصدر تصوير للمعنى لا تأويل إعراب حتى يرد عليه أنه سبك بلا سابك كما في شرح المغني ولا تفوت به المبالغة. وتخصيص السماع بمن سمع منه كما توهم لأنه من إيقاعه على الذات. قوله: (وهو أبلغ في نسبة الذكر إليه) الأبلغية من إيقاع الفعل على المسموع منه وجعله بمنزلة المسموع مبالغة في عدم الواسطة فيفيد أنه سمعه بدون واسطة وقد مرّ في سورة آل عمران فما قيل الأبلغية لامتيازه بنسبة الوصفية بعد مشاركته الوجه الأوّل في النسبة إلى الفاعل وفيه تكرير النسبة مع عدم وقوفه على مراده لا طائل تحته وكذا ما قيل يقال سمعت فلانا يقول وإنما المسموع قوله: فكان أصله سمعت من فلان قوله إلا أنه أريد تخصيص القول بمن سمع منه وأوقع الفعل عليه وحذف المسموع ووصف المتكلم الموقع عليه بما سمع منه أو جعل حالاً فسد الحال أو الوصف مسده ففيه تجوّز بحيث ذكر المسموع منه في مقام المسموع ونكتة المجاز ما ذكر لا المبالغة فقد خبط خبط عشواء لما عرفت
وجملة يقال الخ إمّا صفة أو مستأنفة.
قوله: (هو إبراهيم (يعني أنه خبر محذوف لأن مقول القول أصله أن يكون جملة. وقد
جوّز فيه وجوه أخر كتقدير هذا إبراهيم تقدير خبر له أي إبرا! + فاعله وتقدير حرف نداء وقوله لأنّ المراد به الاسم يعني المقصود به لفظه. وقد اختلف في ووه المسألة أعني كون مفعول القول مفرداً لا يؤدّي معنى جملة، كقلت قصيدة وخطبة ولا هو مقتطع من جملة كما في الإعراب الأوّل ولا مصدر له أو صفة مصدره كقلت قولاً أو حقا أو باطلا فأجازه جماعة كالزمخشري وابن خروف وابن مالك وغيرهم ومنعه آخرون قيل والقرآن حجة عليهم والأصل عدم التقدير وهو كلام واه لأنه كيف يكون حجة وفيه احتمالات ادعوا تعينها وأيضا هو محل النزاع. قوله: (بمرأى منهم (يقال هو بمرأى منه ومسمع أي يرى ويسمع كلامه فهو اسم مكان من الرؤية ويجوز أن يكون مصدراً ميميا والباء للملابسة والجار والمجرور حال من ضمير به والمعنى مشاهداً معايناً ويجوز أن يكون من الفاعل والمعنى عارضين مشهرين له، وقوله: بحيث تتمكن الخ إشارة إلى أنّ على هنا مستعارة لتمكن الرؤية وانكشافها. وقوله: صورته في أعينهم قيل إنه مبنيّ على أن الرؤية بانطباع صورة المرئي في عين الرائي وهو أحد أقوال ثلاثة
ثانيها أنه شعاع يتصل إلى المرئى ومذهب الأشعري إنه بخلق الله لمن قابله. وقوله: بفعله أو قوله بأن يكون أحد منهم رآه أو سمع منه إقراره بكسرها فهو من الشهادة المعروفة والوجه الآخر على أنه من الشهود بمعنى الحضور. وقيل المراد مجموعهما وفيه نظر وقوله: حين أحضروه متعلق بقالوا. قوله: (أسند الفعل إليه تجوزا (يعني أن الفعل لما صدر منه بسبب تعظيمهم له بالعبادة أسنده إسناداً مجازيا عقليا له وأصله فعلته غضبا من تعظيم هذا وقوله زيادة لأنهم عظموا غيره من الأصنام والمخصوص به هذا زيادة التعظيم ولم يكسره وان كان مقتضى غيظه منه ذلك ليظهر عجزه وأنّ تعظيمه لا يليق بعاقل. قوله: (أو تقريرا لنفيه) أي لنفي فعل الصنم الكبير للكسر وهذا بناء على أنّ الفعل دائر بين ذلك الصنم وبين إبراهيم عليه الصلاة والسلام وإذا دار فعل بين قادر عليه وعاجز عنه وأثبت للعاجز على طريق التهكم لزم منه انحصاره في الآخر كما في المثال المذكور ولا ثالث لهما لأنهم جزموا بأنّ الكاسر إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث قالوا أءانت فعلت هذا تقريراً له فاحتمال الثالث كما قيل مندفع وحاصله أنه إثبات لنفيه على الوجه الأبلغ مضمنا فيه الاستهزاء والتضليل على طريق الكناية التعريضية فالوجه الأوّل مبني على التجوّز وهذا على الكناية فتأمل ورشيق بمعنى حسن لطيف وأصله في حسن القد ولطافته. قوله: (أو حكاية لما يلزم من مذهبهم جوازه (يعني أنهم لما ذهبوا إلى أنه أعظم الآلهة فعظم ألوهيته يقتضي أن لا يعبد غيره معه، ويقتضي إفناء من شاركه في ذلك. والمحكي عنه المقدر إما الكفرة أو أكبر الأصنام فكأنه قيل فعله ذلك الكبير على مقتضى مذهبكم والقضية ممكنة كما أشار إليه بقوله: جوازه ويجوز جعله جواب الشرط في الوجه الآتي وما في ما يلزم موصولة أو مصدرية. قوله: (وقيل إنه في المعنى متعلق بقوله إن كانوا ينطقون) أي قوله فعله كبيرهم جواب، قوله إن كانوا ينطقون معنى وقوله فاسألوهم جملة معترضة مقترنة بالفاء كما في قوله:
فاعلم فعل المرء ينفعه
وقد كان في الوجه السابق جوابا في المعنى ولكونه خلاف الظاهر مرضه، فالمعنى إن
كانوا ذوي نطق يصلحون للفعل المذكور فاسألوهم فيكون كونه فاعلا مشروطا بكونهم ناطقين ومعلقا به وهذا محال فكذا ما علق عليه وقد كان إيراد الشرط للتبكيت والإلزام وما بينهما قوله فاسألوهم. قوله: (أو إلى ضمير فتى الخ) معطوف على قوله إليه ولا يخفى بعده لأنّ كلا من
فتى وابراهيم مذكور في كلام لم يصدر بمحضر من إبراهيم عليه الصلاة والسلام حتى يعود إليه الضمير والإضراب ليس في محله والمناسب في الجواب نعم ولا مقتضى للعدول عن الظاهر هنا كما قيل. وفي الدر المصون إنّ الكلام تمّ عند قوله فعله والفاعل محذوف تقديره فعله من فعله. كذا نقله أبو البقاء وعزاه للكسائيّ وقال إنه بعيد لأنّ حذف الفاعل لا يسوغ
ولا يرد هذا لأنّ الكسائيّ يقول بجواز حذفه أو أراد بالحذف الإضمار وقيل أصله والفاء عاطفة وعله بمعنى لعله فخفف بحذف لامه، وهذا يعزي للفراء وهو قول مرغوب عنه ولعل الذاهب إلى هذا مع ما فيه مما مر وتفكيك النظم يراه فيه نظراً إلى أنّ المقصود من قوله: أأنت الخ " هنت معبودات عظاما ومن قوله فعله الخ إنها أجسام غير ناطقة ولا قادرة على دفع الضر عنها فكيف تنفع أو تضر غيرها فحاصله " هنت الآلهة العظيمة فقال لا بل كسرت الأجرام الحقيرة فجملة كبيرهم هذا إما معترضة أو حالية فتأمل. قوله: (وما روي الخ) هذا حديث صحيح أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه وهو جواب عن سؤال مقدّر على الوجه الأول تقديره إنك أوّلته بما ذكر لئلا يصدر الكذب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم المعصوم وما ورد في الحديث يخالفه. لكنه على هذا كان ينبغي تقديمه على القول الأخير، ويحتمل أنه أخره للإشارة إلى الاعتراض على القول الأخير والمعاريض جمع معراض وهو ما لا يكون المقصود به ظاهره ويذكر تورية وايهاما، ولذا ورد أنّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب وقد مرّ الكلام فيه. قوله:(وراجعوا عقولهم) مراجعة العقل مجاز عن التفكر والتدبر فالمراد بالنفس النفس الناطقة والرجوع إليها عبارة عما ذكر وقوله: فقال: بعضهم لبعض إشارة إلى أنّ نسبة القول إلى الجميع مجازية، وقوله: بهذا السؤال أي أأنت فعلت والمقصود به التقرير والتوبيخ والإنكار وقوله: لا من ظلمتموه بالتشديد أي نسبتموه للظلم. وفيه إشارة إلى أنّ أنتم الظالمون يفيد الحصر الإضافي. قوله: (انقلبوا إلى المجادلة الخ) ذكر فيه الكشاف أربعة أوجه مفصلة اعترض! على بعضها بأنه غير مناسب لقوله أفتعبدون الخ ولذا اختار المصنف بعضها وترك باقيها وعبارته أي استقاموا حين رجعوا إلى أنفسهم وجاؤوا بالفكرة الصالحة ثم انتكسوا، وانقلبوا عن تلك الحالة فأخذوا
في المجادلة بالباطل والمكابرة وأنّ هؤلاء مع تقاصر حالها عن حال الحيوان الناطق آلهة معبودة مضازة منهم، أو انتكسوا عن كونهم مجادلين لإبراهيم عليه الصلاة والسلام مجادلين عنه حين نفوا عنها القدرة على النطق أو قلبوا على رؤوسهم حقيقة انتهى والتنكيس قلب الشيء بجعل أعلاه أسفله فأما أن يستعار للرجوع عن الفكرة المستقيمة في تظليم أنفسهم إلى الفكرة الفاسدة في تجويز عبادتها مع عجزها فضلا عن كونها في معرض الألوهية، فقوله: لقد علمت معناه لم يخف علينا وعليك أنها كذلك وانا اتخذناها آلهة مع العلم به والدليل عليه قوله: أفتعبدون الخ ولذا اختاره المصنف رحمه الله أو أنه الرجوع عن الجدال الباطل إلى الحق في قولهم لقد علمت لأنه نفي لقدرتها واعتراف بأنها لا تصلح للألوهية وسمي نكسا وإن كان حقاً لأنه ما أفادهم مع الإصرار ولكنه نكس بالنسبة لما كانوا عليه من الباطل، أو النكس مبالغة في إطراقهم خجلا وقولهم لقد علمت لحيرتهم. أتوا بما هو حجة عليهم أو هو مبالغة في الحيرة وانقطاع الحجة واستحسن الأوّل وهذا أو هو رجوع عن الجدال عنه إلى الجدال معه بالباطل وهو قريب من الثاني. قوله:(شبه عودهم إلى الباطل ايخ) قيل عليه أنه يضيع حينئذ قولهم على رؤوسهم. ورد بأنه من التجريد واستعمال اللفظ في جزء معناه أو من التأكيد بذكر بعض مدلوله مع أنّ النكس يستعمل في مطلق قلب الشيء من حال إلى أخرى لغة فذكره للتصوير والتقبيح لما هم عليه وقوله: نكسوا أنفسهم أي رذوها عما كانت عليه والقراءتان شاذتان أولاهما مشددة بصيغة المجهول والثانية مخففة بصيغة المعلوم مفعوله مقدر. قوله: (وهو على إرادة القول) أي قائلين لقد الخ فهو حال من الضمير وقوله فإنه أي هذا الأمر وقوله: إصرارهم بالباطل ضمنه معنى الاعتراف ولذا عداه بالباء. وقوله: صوت المتضجر هذا أصله وهو أن يصوت به إذا تضجر من استقذار شيء كما قاله الراغب: واليه أشار المصنف رحمه الله بقوله: قبحا ونتنا أي رائحة خبيثة مستقدرة ثم صار اسم فعل بمعنى أتضجر وفيه لغات كثيرة كما في كتب اللغة وقوله المتأفف له أي المتضجر له. وقوله أخذا أي شروعا في فعل ما يضره من قولهم أخذ يفعل كذا إذا شرع في فعله وقوله: لما بفتح فتشديد ويجوز الكسر مع التخفيف. قوله: (فإنّ النار أهول) أي أعظم وأشد فاختاروها لأنه
استحق أشد العقاب عندهم وإنما أفاد هذا المعنى اتحاد الشرط والجزاء. كقولهم من أدرك الصمان فقد أدرك أي أدرك مرعى عظيماً عجيبا. توله: (إن كنتم
ناصرين) يحتمل أن يريد أنّ مفعوله مقدر أي فاعلين النصر ويحتمل أنّ الفعل المطلق كني به عن النصر أو أريد به فرد من أفراده ولو أبقى على عمومه لكان أبلغ والمعنى إن كنتم فاعلين فعلاً ما فافعلوا النصر، والمؤزر القوي الشديد وهو تحريقه لإهانتها وكان الماضية إشارة إلى أنه ينبغي تحققه منهم ونسبة القول إلى الجميع، والقائل واحد لرضاهم به كما مرّ وقوله: قلنا مجاز عن أردنا لأنّ الإرادة سبب القول في الجملة ولاً بعد في حملة على حقيقته كما قيل وقوله: (ذات برد وسلام) بيان لحاصل المعنى وابردي بضم الراء من باب نصر وكرم. وقوله ة غير ضار لقوله: سلاما ولدّا قال ابن عباس رضي الله عنهما أنه لو لم يقله أهلكه بردها. قوله: (جعل النار المسخرة) أي المنقادة لقدرته وهو إشارة إلى أنّ الأمر مجاز عن التسخير كما في قوله: {كُونُواْ قِرَدَةً} ففيه استعارة بالكناية بتشبيهها بمأمور مطيع وتخييلها الأمر والنداء والتسخير هنا هو التكوين والمجاز إنما هو في جعلها مأمورة. فما قيل إنه لو حمل القول على ظاهره والأمر على التكويني لم يكن استعارة وهم. قوله: (وإقامة كوني ذات برد مقام ابردي (لما فيه من الإجمال بكان والتفصيل بخبرها كما فصله الرضي وافادة دوام بردها لجعلها مكوّنة منه. وقوله: حذف بصيغة المجهول أو المصدر والأوّل أظهر لقوله: أقيم وفي نسخة أقام فيكونان فعلين معلومين أو مصدرين وفيه إشارة إلى أنّ تقدير المضاف لا ينافي المبالغة لما فيه من جعله عينه ظاهراً، ونصب سلاماً بفعل معطوف على قلنا خلاف الظاهر ولذا مرضه. والحظيرة بالظاء المعجمة محوطة معروفة. وكوثي بضم الكاف ومثلثة مقصور قرية بالعراق. وقوله: وجمعوا فيها ناراً أي حطبا وسماه ناراً لأنه يؤول إليها أو سببها أو هو بتقدير مضاف أي ا-لة نار ونحوه والمنجنيق آلة معروفة قيل وهو أوّل ما صنع منه. قوله: (فسله) أي اسأل مرادك وأمرك فالضمير للحاجة بتأويلها بما ذكر وسأل قد ينصب مفعولين وقوله: حسبي من سؤالي علمه بحالي أي يكفيني ويغنيني عن السؤال فمن بيانية مقدمة وهذا أبلغ كما قيل:
علم الكريم بحال السائلين له منه لقاض ملح مبرم الطلب
…
فليس يسأل إلا من أساء به ظناً ولم يتدرّع بردة الأدب
…
وهذا مقام لا ينافي دعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وسؤالهم لإظهار الاحتياج وتعفير
جبهة التضرع في تراب المذلة ولذا ورد أنّ الله يحب الملحين في الدعاء ولكل مقام مقال.
وقوله: ولم يحترق منه إلا وثاقه الذي ربط به تخليصا له من ضيقه جملة حالية أي بعد دخول
النار من غير تأثير فيه سوى ذلك جعلت النار روضة من رياض الجنة، ومن لم يفهم مراده
قال: فعلى هذا تكون النار على حالها ولا! صاسب المبالغة في تبريلاها والوثاق بكسر الوإو اسم
مفرد ما يشد بهءكالحزام وليس جمع وثيقة كما توهم، وقوله: من الصرح إشارة إلى أنها عظيمة
لا يمكن القرب منهاص وإنما تنظر من بعيد وقوله: فقال الخ أي فرآه جالسا مع ملك في رياضها
فأمر بإخراجه فلما أتاه أكرمه فقال الخ فالفاء فصيحة: وقوله: ستة عشر الأولى ست عشرة
سنة. قوله: (وانقلاب النار الخ) طيبة حال من النار أو صفة هواء لأنه بمعنى الريح وهي مؤنثة
وبدع بكسر فسكون بمعنى مستبعد مستغرب لاستحالة بعض العئاصر إلى بعض كانقلاب الماء
هواء / وهو كثير وقوله: هكذا أي روضة أنيقة في أسرع وقت خلاف المعتاد وان كان غير
مستبعد أيضا بالنسبة للقدرة الإلهية. وجعله معجزة إن كان نبياً حينئذ ظاهر والا فهو إرهاص
واطلاق المعجزة عليه كثير شائع لكن الظاهر الأوّل لأنه ظهر على يديه عليه الصلاة والسلام
وقد دعاهم إلى إبطال الكفر وعبادة الأصنام فيقتضي أنه عليه الصلاة والسلام نبئ قبل الأربعين.
قوله: (وقيل كانت النار الخ) مرضه لمخالفته المرويّ وظاهر النظم وما فيه من المبالغات
السالفة وقوله: ويشعر به الخ لأنّ تخصيصه بما ذكر يقتضي أنها ليست على غيره كذلك مع
تأييده بأنه مخالف للمعتاد ومخالف ما مرّ
لما روي أنهم قالوا إنه تخييل سحري فرموا فيها
شيخا فاحترق ولذا قيل إنه متعلق بسلاماً ليندفع الإشعار ظاهراً وذكر الإشعار لأنه مفهوم لقب
غير معتبر. وأما قوله: إنه لم ينقل أنّ البرد أضر بغيره بل النار كما مرّ فغنيّ عن الرد وقد قيل
إنه إذا تعلق بسلاما فالإشعار بحاله لكون مؤدّاهما واحدا إذ لم يرد تعميم البرد وتخصيص
السلام. وقيل إنه تعالى نزع منها طبيعة الحرّ والإحراق وأبقاها على الإضاءة والإشراق ولا بعد
فيه فإنهما خارجان عن حقيقة النار. قوله: (كما ترى في السمندل) وفي نسخة السمندر بالراء
وفي أخرى السمند وهي لغات فيه لتلاعبهم فيه لأنه معرب وهو طائراً ودويبة كالفأر لا تحرقها
النار ويجعل من ريشها أو وبرها مناديل ولا تحرقها النار ووقع في الشعر الفارسي سمندر بالراء
فهي أعجمية وما عداه تعريب، ووقع في بعض نسخ عين الحياة سندل بدون ميم ولصاحب
القاموس رحمه الله تعالى فيه خبط في موادّ ليس هذا محل تفصيله. قال ابن خلكان ومثله
السرفوت وهي دويبة تعيش في فرن الزجاح ولابن صابر فيه:
نسج داود لم يفد صاحب الفا روكان الفخار للعنكبوت 0.. وبقاءالسمندفي لهب النا رمزيل فضيلة الياقوت.. ء
قوله: (عاد سعيهم الخ) بيان وتفسير لكونهم أخسر من كل خاسر ومزيد درجته رفعته في
الدنيا والآخرة وهم لخسرانهم لهم أشد العذاب في الدارين. وقوله تعالى إلى الأرض متعلق بنجينا لتضمنه معنى الإيصال أو الإخراج. وعموم البركات من قوله للعالمين ومرض تفسير البركات بالنعم الدنيوية لأن الأوّل أظهر وأنسب بحال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولم يقل باركناها للمبالغة بجعلها محيطة بها، وفلسطين كورة فيها بيت المقدس ولوط عليه الصلاة والسلام ابن أخي إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقيل ابن عمه. قوله: (عطية (لأنه من نفله بمعنى أعطاه وقد قيل إنه مصدر كالعافية منصوب بوهبنا لأنه مصدره معنى ولا لبس للقرينة الحالية المعنوية العقلية لاختصاص معناها به على التفسيرين الأخيرين. قوله: (فصاروا كاملين (يشير إلى أن، ذكر الصلاج الذي خلقوا: عليه لما يلزمه من الكمال اللائق بهم والا فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يمدحون بالصلاج ولذا قيل في مثله إنه لمدح الصفة وقوله الناس بيان لمتعلقه المحذوف والضمير في يحثوهم وكمالهم للناس. قوله: (وأصله أن تفعل الخيرات الخ (وإنما كان كذلك لأنّ كل مصدر ذكر له معمول فهو بتأويل أن والفعل وإذا أوّل به عمل عمله فينون ويذكر معموله ثم / يخفف بحذف التنوين ويضاف لمعموله، وأن تفعل بالبناء للمجهول ورفع الخيرات فالمصدر مصدر المجهول والخيرات في قوله فعلا الخيرات مرفوعة أيضا على القيام مقام فاعله وكون المصدر يكون مبنيا للمفعول رافعاً لنائبه مختلف فيه فأجاز ذلك الأخفش قال المعرب: والصحيح منعه فليس ما اختاره الزمخشري كالمصنف بمختار، والذي ذكره المصنف كما في الكشاف بيان لأمر مقرّر في النحو والداعي لذكره هنا أن فعل الخيرات
بالمعنى المصدري ليس موحى إنما الموحى أن تفعل ومصدر المبني للمجهول والحاصل بالمصدر كالمترادفين، وأيضاً الموحى عام للأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأممهم فلذا بني للمجهول فما قيل تبعاً لما في البحر في وجهه أنّ فعل الخيرات ليس من الأحكام المختصة بالموحى إليهم بل عام لهم ولأممهم فلذا بني الفعل للمجهول وانه يرد عليه أنّ فاعل المصدر محذوف فيجوز تقديره عاما كفعل المكلفين الخيرات فلا حاجة إلى تطويل المسافة إلا أن يقال قدره به لأنّ أوحى يستعمل مع أن والفعل فالموحى لا يكون نفس الفعل الذي هو معنى صادر عن فاعله بل ألفاظ دالة عليه ذهول عما أراد، وإذا ظهر المراد سقط الإيراد وقوله: للتفضيل كعطف جبريل على الملائكة وقد مرّ بيانه.
تنبيه: قال الحلبي: ردّاً على أبي حيان الذي يظهر أنّ الزمخشريّ لم يقدر ما ذكر لما قاله
بل لأنّ الفعل لا يوحى وإنما يوحي قول الله: لهم افعلوا الخيرات (قلت) تأويله لا يؤدّي معنى ما قاله فالظاهر أنّ المصدر هنا للأمر كضرب الرقاب كما أشار إليه المصنف بقوله: ليحثوهم فاعرفه. قوله: (وحذف
تاء الإقامة المعوّضة الخ) قال النحاة مصدر الأفعال والاستفعال من المعتل العين نحو أقام واستقام إقامة واستقامة. أصلهما أقوام واستقوام فأعل بقلب واوه ألفا بعد نقل حركتها لما قبلها وحذف أحد ألفيه لالتقاء الساكنين وهل المحذوف الأولى أو الثانية مذهبان وعوض عنها التاء ومدّهب الفراء جواز ترك التعويضى بشرط الإضافة ليكون المضاف إليه ساداً مسدها كما ذكره المصنف رحمه الله. ومذهب سيبويه الجواز مطلقا والسماع يشهد له لوروده بدون الإضافة والذي حسنه هنا مشاكلة قوله: إئتاء الزكاة. قوله: (وحدين مخلصين الخ) أمّا الإخلاص في العبادة فيفهم من تقديم معمولها عليها وأما التوحيد فلازم له لأنّ من لا يعبد غير الله موحد له أو على إدخال الإيمان في العبادة لأنها رأسها، ولوطا منصوب على الاشتغال وجوّز فيه نصبه باذكر مقدر أو جملة أتيناه جملة مستأنفة وفسر الحكم بالحكمة وهي ما يجب فعله كما في الكشاف، أو بالنبوّة لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم حاكم على أمته أو بمعناه المعروف. قوله:(ترية سدوم) هي قرية قوم لوط عليه الصلاة والسلام وقيل قراهم كانت سبعا فعبر عنها ببعضها لأنها أشهرها والمشهور عند أهل اللغة أنه بالدال المهملة وقد روي بالذال المعجمة وقيل: إنه اسمها قبل التعريب فعربت بإبدالها دالاً مهملة وذكر أهل الأخبار أنه اسم ملك سميت به القرية لقوله:
لأعظم فجرة من أبي رغال وأجور في الحكومة من سدوم
…
قوله: (يعني اللواطة) عينها لأنها أشنع أفعالهم وبها استحقوا الإهلاك ولذا ذهب بعض
الفقهاء إلى رمي اللوطي منكساً من مكان عال وطرح الحجارة عليه كما فعلى بهم والجمع باعتبار تعدد المواد وقوله: وصفها أي القرية بصفة أهلها وهو عمل الخبائث لأنهم العاملون لا هي يشير إلى أنه نعت سببيّ. كرجل زنى غلامه ولو جعل الإسناد مجازيا بدون تقدير أو القرية مجازاً عن أهلها جاز أيضا، ولما قام المضاف وهو ضمير مقام الفاعل ارتفع واستتر وجعل قوله: أنهم الخ دليلاً على التقدير غير مسلم لأنه مشترك بين الوجوه فتأمل. قوله: (كالتعليل له) أي لقوله: تعمل الخبائث لا لقوله نجينا كما قيل وقوله في أهل رحمتنا فالإدخال بمعنى جعله في جملتهم وعدادهم فالظرفية مجازية وأما إذا أريد بالرحمة الجنة فالظرفية حقيقية لكن إطلاق الرحمة عليها مجاز كما في حديث الصحيحين <قال الله عز وجل: للجنة أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي >قوله: سبقت لهم منا الحسنى أي قدر لهم التوفيق للعمل الصالح، وقوله: ونوحاً أي اذكر قصة نوح عليه الصلاة والسلام واذ يتعلق بالمضاف المقدر أو بدل من نوج بدل اشتمال إن لم يقدر، ودعاء نوج بالطوفان وقوله لا تذر الخ وطلب خلاصه منهم فلذا قال فنجيناه. قوله:(مطاوعه انتصر) أي جعلناه منتصرا وفي نسخة مطاوع انتصر فهو بفتح الواو وكذا وقع في الكشاف تفسيره بما ذكر فقال الشراح يعني إنه عدى بمن كما عدى انتصر بها وفي الأساس نصره الله على عدوّه ومن عدوّه وانتصر منه وفي المطلع معناه منعناه وحميناه منهم بإغراقهم، وتخليصه يعنون أنه إذا تعدّى كمطاوعة بمن دل على وقوع النصر بجعله منتصراً منهم لعدم تخلف مطاوعه عنه لا على مجرّد الإعانة كما إذا تعدى بعلى فما قيل إنه إنما جعل مطاوعه لأنه تعالى أخبر أنه استجاب له دعاءه وكان من دعائه عليه الصلاة والسلام طلب الانتصار فناسب أن يكون المراد بالنصر هنا ما يطاوعه الانتصار، وقوله: جعلناه الخ فسره من لاقتضاء معنى المطاوعة ذلك لا لتوجيه تعديه بمن كما ظن فلا محصل له. وما ذكره القائلى مما اتفق عليه شراح الكشاف. قوله: (تكذيب الحق) هو معنى قوله كذبوا الخ والانهماك في الشر من قوله قوم سوء والحرث
الزرع وأما جعله بمعنى الكرم فلعله مجاز على التشبيه بالزرع وقوله رعته ليلاً تفسير للنفش والهمل رعي النهار وقوله: لحكم الحاكمين مثنى وكذا المتحاكمين أو جمع لقوله: غنم القوم وهذا توجيه لضمير الجمع في قوله لحكمهم وصاحب الحرث وان لم يسبق له ذكر لكنه مفهوم من ذكر الحرث فإن قلت كيف تجوز إضافة المصدر أي الحكم إلى الحاكم والمحكوم له والمحكوم عليه دفعة واضافة المصدر أما إلى الفاعل أو إلى المفعول، قلت قالوا: إنّ الإضافة اختصاصية بقطع النظر عن العاملية والمعمولية والمعنى الحكم الواقع بينهم أو الحكم هنا بمعنى القضية وليس مصدرا وإنما يرد السؤال إذا كان مصدراً قصد إضافته إلى معموله.
قوله: (الضمير للحكومة أو الفتوى) المفهومين من السياق وقوله أمر وقع " في نسخة حكم قيل ولعل قيمتها كانت مساوية لما نقص من الزرع وقوله: وأوبارها وقع في نسخة أولادها. والقيام على، الزرع بالسقي ونحوه واعلم أنّ الجصاص قال في أحكام القرآن من الناس من ذهب إلى أنها إذا أفسدت زرع رجل ليلا ضمن وان أفسدته نهاراً لم يضمن وأصحابنا لا يرون الضمان مطلقا إذا لم يكن صاحب الغنم هو الذي أرسلها واحتج الأوّلون بهذه القصة لإيجابهما الضمان وبما روي عنه صلى الله عليه وسلم من أنّ ناقة البراء دخلت حائط رجل فأفسدته فقضى على أهل الأموال أي البساتين بحفظها بالنهار وعلى أهل المواشي بحفظها بالليل وهو حديث مضطرب. وما في هذه القصة لا يوافق شرعنا فهو منسوخ بحديث
جرج العجماء جبار ولا تقييد فيه بليل أو نهار وأسباب الضمان لا تختلف ليلَا أو نهاراً وأمّا حديث البراء رضي الله عنه فيجوز أن يكون أرسلها كما يجوز في هذه القصة أن يكون كذلك. ومن الناس من قال: حكمها كان نصاً لا اجتهاداً ويكون ما أوحى به لسليمان عليه الصلاة والسلام كان ناسخا لحكم داود عليه الصلاة والسلام. وقوله: ففهمناها سليمان لا يدل على أنه اجتهاد انتهى محصله. وذكر القرافي في قواعده وإبن القيم في المعالم أنّ هذا موافق لشرعنا وهو ظاهر ما في الكشاف وهو حنفي ثقة فلا يرد عليه نقض بما ذكر.
قوله: (اجتهادا) وفي نسخة بالاجتهاد وهذا عند من يجوز الاجتهاد للأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما بين في الأصول وارتضى المصنف رحمه الله لكونه اجتهاداً منهما لأنه لو كان وحيا لما جاز لسليمان عليه الصلاة والسلام مخالفته، وأنّ الظاهر أنّ سليمان عليه الصلاة والسلام لم يكن نبياً في ذلك السن لكن صاحب الكشف رذه بأنّ الحمل على أنهما اجتهدا وكان اجتهاد سليمان عليه الصلاة والسلام أشبه بالصواب أو هو الصواب باطل لأنه نقض لحكم داود عليه الصلاة والسلام والاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد فدل على أنهما جميعاً حكما بالوحي، أو كان حكم سليمان عليه الصلاة والسلام بالوحي وحده، وهو غير وارد لأنّ عدم نقض الاجتهاد بالاجتهاد إن أراد به نقضه باجتهاد غيره حتى يلزم تقليده به فليس ما نحن فيه منه وإن أراد باجتهاد نفسه ثانيا وهو عبارة عن تغير اجتهاده لظهور دليل آخر فهو غير باطل بدليل أنّ المجتهد قد ينقل عنه في مسألة، قولان كمذهب الشافعي القديم والجديد، ورجوع الصحابة رضي الله عنهم إلى آراء بعضهم وهم مجتهدون. وأما الجواب بأنه وقع في شريعة غيرنا وردّه بأنه قص من غير إنكار فهو شرع لنا فتعستف لا حاجة له، وأما الجواب باحتمال نقض داود عليه الصلاة والسلام حكمه الاجتهادي بالوحي فقريب منه لأن المعترض إنما اعترض! على كونهما اجتهادين فكيف يجاب بما ذكر. قوله:(والأوّل) أي حكم داود عليه الصلاة والسلام بدفع الغنم لصاحب الزرع يشير إلى ما في الكشاف من قول أبي حنيفة رحمه الله بأنّ العبد إذا جنى على النفس فإنه يلزم المولى دفعه له أو فداؤه. وعند الشافعي رحمه الله يبيعه في ذلك أو يفديه ولعل قيمة الغنم كانت بمقدار نقص الحرث. قوله: (والثاني (أي حكم سليمان عليه الصلاة والسلام بما مر نظيره قول الشافعي رحمه الله فيمن غصب عبداً فأبق عنده فإنه يضمن القيمة للغاصب ينتفع بها
لأنه حال بينه وبين الانتفاع بعبده فإذا ظهر ترادا وقوله وحكمه أي حكم ما نحن فيه من إتلاف المواشي ما ذكر. وقد علصت ما فيه مما نقلناه عن الجصاص وما ذكره من الحديث وأن روي في السنن لكنه فيه اضطراب وفي رجال سنده كلام مع أنه محمول على أنه أرسلها كما مر فلا دليل فيه والحائط هنا بمعنى البستان والأموال البستاتين كما مرّ وقوله: جرح العجماء جبار رواه الشيخان والعجماء البهيمة سميت به لعدم نطقها وجبار بمعنى هدر غير مضمون وجرحها جنايتها وبقية الكلام فيه مفصلة في كتب الفقه والحديث. قوله: (دليل على أن خطأ المجتهد لا يقاخ فيه) أي في اجتهاده أو في كونه مجتهدا والدلالة بناء على ما مرّ أما إذا كان بوحي والثاني ناسخ للأوّل فلا دلالة فيه وهذا بناء على أنّ كل مجتهد ليس بمصيب. قوله: (وقيل على أنّ كل مجتهد مصيب) أي قيل إنّ الآية دليل على هذا القيل إذ هي تدل بظاهرها على أنه لا حكم لله في هذه المسألة قبل الاجتهاد وأنّ الحق ليس بواحد
فكذا غيرها إذ لا قائل بالفصل إذ لو كان له فيها حكم تعين وهذا مذهب المعتزلة، كما بين في الأصول وردّه المصنف رحمه الله بأنّ مفهوم قوله: ففهمناها سليمان لتخصيصه بالفهم دون داود عليه الصلاة والسلام يدل على أنه المصيب للحق عند الله ولولا. لما كان لتخصيصه بالفهم معنى، والمستدلون يقولون إن الله لما لم يخطئه دل على أنّ كلا منهما مصيب وتخصيصه بالتفهيم لا يدل على خطا داود عليه الصلاة والسلام لجواز كون كل مصيبا ولكن هذا أرفق وذاك أوفق بالتحريض على التحفظ عن ضرر الغير فلذلك استدل بهذه الآية كل فكما لم يعلم حكم الله فيها لم يعلم تعين دلالتها، والمصنف ممن يستدل بالمفهوم وأما غيره فيقول إنه قد يستدل به إذا اعتضد بقرائن الأحوال كما هو هنا ولا يرد أنه لا يعمل به إذا عارض المنطوق لأنه ليس في المنطوق تصويب حكم داود عليه الصلاة واللام، فتأمّل. قوله:(ولولا النقل) السابق في تخالف داود وسليمان لاحتمل أنهما اتففا على حكم واحد، ويحمل قوله: ففهمناها سليمان على أنّ تخصيصه بالفهم لإظهار ما تفضل الله به عليه في صغر سنه لا لأن داود لم يفهم بل لأنه أجل من أن يمدح بالفهم. وقوله: ما تفضل بالتاء الفوقية وصيغة المجهول أي ما تفضل الله به عليه. ويحتمل قوله: توافقهما أن يكون معناه توافق المنطوق والمفهوم والظاهر الأوّل. قوله: (يقدّسن الله معه) إشارة إلى ترجيح كون الظرف مقدما من تأخير وكانت معه للتخصيص للإشارة إلى أنه مخصوص به وهو ظاهر على الوجه الأوّل وكأنه إشارة لمرجوحية الأوّل لأنه لا وجه لتقييد
تسبيح لسان الحال بتلك المعية ولا بقوله: (بالعشي والإشراق في سورة ص) إن لم يرد به العموم ولا يلائمه قوله الآتي د وإن كان عجيبا عندكم كما لا يخفى وقوله يتمثل أي يظهر له من جانبها وان لم يكن منها وعلى ما بعده هو منها. ومرض القول بكونه بمعنى السير لمخالفته للظاهر والمشدد بهذا المعنى لم يذكره أهل اللغة. وقوله على الابتداء أي وحذف الخبر وهو مسخرات والضعف للعطف على الضمير المستتر دون فاصل. قوله: الأمثاله) يريد أنه تذييل لما قبله كقوله تعالى: إنّ الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون ومتعلقه عام لا خاص، وقوله فليس ببدع أي عجيب لسبق أمثاله. وعمل الدرع تفسيراً صنعه اللبوس بفتح اللام صفة بمعنى الملبوس كركوب بمعنى مركوب. قوله:
(البس لكل حالة لبوسها إمانعيمهاوإمابوسها (
هو من شعر لنهيس وله قصة مذكورة في أمثال الميداني يعني استعدّ لكلى أمر بما يشاكله ويلائمه وقوله كانت أي الدروع. وقوله: فحلقها بالتشديد أي جعلها حلقاً. وسردها إدخال الحلق بعضها في بعض وإذا تعلق لكم بعلم فالمراد أنّ تعليمها لأجل نفعكم. قوله: (بدل منه بدل الاشتمال) سواء تعلق بعلم أو كان صفة لبوس لكنه إذا لم يكن الضمير لها يحتاج لتقديره أي ليحصنكم به والضمير لداود عليه الصلاة والسلام على قراءته بالياء التحتية وكذا على ما بعده والدرع مؤنث سماعي وأبو بكر هو شعبة أحد رواة القرا آت السبعة كروش! بالراء والواو والسين المهملة على صيغة التصغير ووقع في نسخة ورس وهو تحريف من النساخ، والبأس الحرب ويحتمل أن يقدر فيه مضاف أي من آلة بأسكم كالسيف. قوله:(ذلك) هو مفعول شاكرون، وأخرجه بمعنى أتى به، وقوله في صورة الاستفهام لأن المقصود به ما ذكر والاسنفهام الحقيقي غير جائز على الله، وكون الاستفهام للتوبيخ والتقريع ظاهر لما فيه من الإيماء إلى التقصير في الشكر، وأما المبالغة فلدلالة الاستفهام بأنه مستحق للوقوع بدون أمر فسأل عنه هل وقع ذلك الأمر اللازم الوقوع أم لا. لا لأنها تدل على طلب الدوام والثبوت بخلاف صيغة الأمر لأنّ هذا ليس من الاستفهام بل من دخول هل على الاسمية مع اقتضائها
للفعل وعبارة المصنف رحمه الله لا تدل عليه لأن ما ذكره نكتة لمطلق الاستفهام، وفي المفتاح هل لطلب الحكم بالثبوت والانتفاء وهما يتوجهان إلى الصفات دون الذوات ولاستدعائه للتخصيص بالاستقبال اقتضى الصفات لأن الذوات لا تختص بزمان لاستوأء نسبتها إلى الجميع وإذا كان لهل مزيد اختصاص بالأفعال كان هل أنتم شاكرون أدخل في الأنباء عن طلب الشكر من أفأنتم شاكرون ومن فهل تشكرون لاقتضاء
المقام لعدم التجذد وكان دخولها على الاسمية التي في حيزها فعل قبيحا. قوله: (وسخرنا له) يشير إلى أنّ متعلقه مقدر بما ذكر وهذا على قراءة نصب الريح وأما على رفعه فهو مبتدأ وخبر وقوله: ولعل اللام فيه أي في قوله سليمان عليه الصلاة والسلام دون الأوّل وهو قوله: مع داود لأنّ كلا ل! ان ى ن معجزا خارقا لكن هذا ونفعه مختص بسليمان عليه الصلاة والسلام فأتى باللام الدالة على النفع والاختصاص وأما تسخير الجبال المسبحة والطير فإنما هو أمر كان مع داود عليه الصلاة والسلام مضافاً إليه وإن لم يكن يختص به ولم يعد عليه نفع ومنه ولا غبار في كلامه كما توهم. قوله: (من حيث إنها الخ (جواب عن أنها وصفت بأنها عاصفة هنا وقد وصفت بأنها رخاء أي طيبة لينة في محل آخر وهما متنافيان فأجاب بأنها رخاء في نفسها عاصفة باعتبار قطعها المسافة كقطع العاصفة فيكون هذا أمرا خارقا أيضا. أو أنه باعتبار حالين وهذا مثل ما مرّ في العصا وسيأتي تفسير رخاء أيضا بمنقادة وهو جواب آخر ولم يذكره لتكرره مع قوله تجري بأمره. وقوله: بمشيئته أي على وفق إرادته أوّله به لأنها لا تؤمر. وقوله ثانية إشارة إلى أنّ عاصفة حال أيضا. وقوله: أو بدل لأنّ الجملة قد تبدل من المفرد. والرواج وقت الزوال وقوله به ذكره باعتبار أن الريح هواء وقوله: فنجزيه الخ إشارة إلى أنه كناية عما ذكر لأنه المناسب للتذييل. قوله: (وهي نكرة م! وصوقة) أي على الوجهين وجمع ما بعدها نظرا للمعنى وحسنه تبيينه بجمع مقدم، ولم يجعلها موصولة لأثه لا عهد هنا وكون الموصولة قد تكون للعهد الذهني خلاف الظاهر. قوله:(ويتجاوزون ذلك إلى أعمال أخر) دون بمعنى غير هنا فهي تفيد أنهم تجاوزوا ذلك إلى غيره وقوله أعمال إشارة إلى أن تنوين عملاً للتكثير.
والصنائع الغريبة، كالزجاج وغيره من النقوش والتصاوير. قوله:(على ما هو مقتضى جبلتهم (أي خلقتهم وطبيعتهم لأنه سخر له كفرتهم ومردتهم. وقوله: على إضمار القول أي قائلا أني وهذا مذهب للنحاة شائع في أمثاله والمذهب الآخر أن يعمل فيه النداء لتضمنه معنى القول هاليه أشار بقوله أو تضمين الخ. قوله: (وصف ربه بغاية الرحمة) إشارة إلى ما في أمالي ابن عبد السلام من أنه لا مشاركة بين الله وغيره في صفة الرحمة بحسب الحقيقة لأنّ رحمة الخلق انعطاف قلبي ورحمة الله إما الأنعام الحقيقي أو إرادته. فوجهه بأنّ المراد وصفه تعالى بغاية الرحمة وأنه أعظم رحمة من كل من يتصف بها في الجملة وما يوجبها ما به من الضر المقتضي للترحم عليه والمطلوب خلاصه من الضر ولطف السؤال التلطف وعدم الإبرام. قوله: (من أولاد عيص! بن إسحق) بن إبراهيم وفي بعض النسخ إسحق بن يعقوب وهو كما قيل سهو والصواب يعقوب بن إسحق وقيل هو أيوب بن أموص بن رازح بن عيص بن إسحق بن إبراهيم وقوله ما خير وقع في النسخ بخاء معجمة وراء مهملة وفي بعضها ما حين بحاء مهملة ونون. قوله: (أو رحمة الخ (ففي قوله تعالى: {رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا} على هذا تورية بديعة ولو في لو دعوت شرطية جوابها محذوف أي استجيب لك أو هي للتمني. وقوله: مدة الرخاء المراد به عدم البلاء. وقوله: ما بلغت أي ساوتها وكانت بمقدارها. وقوله: بالشفاء فالكشف مجاز عنه. قوله: (بأن ولد له ضعف ما كان الخ) فأهله بمعنى مثل أهله عددا مع زيادة مثل آخر وعلى الوجه الثاني هو على ظاهره والنوافل ولد الولد كما مرّ وتذكرة تغمسيو لقوله ذكرى: وللعابدين متعلق به. قوله: (او لرحمتنا للعابدين فإنا نذكرهم الخ (إشارة إلى أن
رحمة وذكرى تنازعا قوله للعابدين لا أنه متعلق بذكري وحد. كما في الوجه السابق لكن قوله: فإنا بالفاء في أكثر النسخ وهو في الكشاف وبعض النسخ بالواو وهو الظاهر إذ لا وجه للتعليل كما قيل ووجهه أنّ من ذكره الله عنده بالخير علم أنه يجريه على عوائد بره ورحمته فتأمل. قوله: (وقيل زكريا) وجه بأنه سمي به لكفالته مريم أو لما ذكره المصنف رحمه الله لكنه وجه عام للوجوه، وقوله: أو تكفل منه كذا في بعض النسخ أي طلب أن يكفل الله له أموره. وفي نسخة تكفل أمته أي التزم ما يصدر عنهم وظاهر كلام بعضهم أنه بتخفيف الميم أي تسري بأمة وله زوجة فلينظر وجهه. والكفل الكفالة والكفيل والنصيب والضعف كما ذكره المصنف رحمه الله. وقوله: من الصابرين يعلم منه ذكر هؤلاء بعد
أيوب والنوب جمع نائبة وهي المصيبة. قوله: (يعني النبوّة الأنها رحمة له ولأمّته فأطلق المسبب وأريد به السبب، ولم يفسرها في قصة لوط عليه الصلاة والسلام لسبق النبوّة أو ما يشعر بها ولكل مقام مقال. قوله: (وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام) ولا يلزم تعليل الشيء بنفسه على التفسير الأوّل كما توهم لأنّ المعلل به كمال الصلاح، وأمّا كونهم أنبياء فهو بيان لمن هم في الواقع ولو سلم فمن للابتداء وبيان أنهم من ذزيتهم فالمعنى جعلناهم أنبياء لأنّ آباءهم كذلك، وقوله: صلاحهم معصوم لا يخفى ما فيه من حسن التعبير والمبالغة في عصمة الصلاح. وقوله: ابن متى الصحيح أنه اسم أبيه وقال ابن الأثير كغيره أنه اسم أمّه ولم ينسب أحد من الأنبياء إلى أمّه غير يونس وعيسى عليهما الصلاة والسلام. قوله: (لما) بتخفيف الميم وتشديدها وبرم بالموحدة والراء المهملة كفرج بمعنى ضجر وسئم ولما متعلقة بذهب أو بمغاضبا، وطول دعوتهم أي لطول مدّة دعوتهم إلى الحق مع شدّة شكيمتهم أي أنفتهم وتأبيهم وأصله حديدة تكون في اللجام فاستعير لما ذكر استعارة مشهورة والمهاجرة الرحلة قبل أن يؤمر من الله بالوحي لبغضه لكفرهم وغضبه لأجل الله، وقوله: لميعادهم أي في وقته ولم يعرف الحال وهو توبتهم أو سبب عدم إتيانه. وقوله: فظن بالبناء للمجهول أي ظن الناس لا هو وقوله وغضب من ذلك أي فعل فعل الغضبان لمفارقته لهم كارها لهم، وذلك إشارة إلى الظن أو عدم الإتيان. قوله:(وهو من بناء المغالبة) أي المفاعلة واختاره لمجانسته المبالغة ولأنّ
التفاعل يكون بين اثنين يجهد كل منهما في غلبة الآخر فيقتضي بذل المقدور والتناهي فاستعمل في لازمه للمبالغة دون قصد مفاعلة. وقوله: أو لأنه الخ فالمفاعلة على ظاهرها إذ هو غضب عليهم لكفرهم وهم غضبوا عليه لما ذكر وفي قوله: لخوف ولحوق جناس خطيّ، وقراءة مغضبا بصيغة المفعول لأنه أغضبه حالهم. قوله:(لن نضيق عليه الخ) أن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن ولن نقدر الخ خبرها ونقدر بفتح النون وكسر الدال قراءة الأكثر ومعناها لن نضيق عليه في أمر. بحبس ونحو. أو هو من القدر بفتح الدال والمعنى ظن إنا لم نقدّر، ونقض عليه بعقوبة ونحوها وليس من القدرة إذ لا يظن أحد فضلاً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم عدم قدرة الله على شيء ويؤيد هذا التفسير الثاني قراءة نقدر بالتشديد فإنها من التقدير بمعنى القضاء والحكم لا بمعنى التضييق في المشهور وان وردت بهذا المعنى أيضا كما ذكره الراغب رحمه الله وقوله: من القدر على الوجه الثاني وقيل على الوجهين. قوله: (أو لن نعمل فيه قدرتنا) هذا تفسير آخر على أنه من القدرة لا من القدر بفتحتين وهو مجاز من ذكر السبب وهو القدرة وارادة المسبب وهو إعمالها واظهارها ووقع في نسخة بأي التفسيرية بدل أو وهو من غلط الناسخ. قوله: (وقيل هو تمثيل) على أنه من القدرة أيضا لكنه استعارة تبعية أو تمثيلية ويؤيده عبارة الحال أي فعل فعل من ظن إنا لا نقدر عليه. وقوله: في مراغمته أي معاداته وبعده عنهم. قوله: (أو خطرة شيطانية) أي هاجس وخاطر ورد عليه لوسوسة الشيطان من غير ثبات ولكونه توهما لا ظناً قال سمي ظنا مبالغة لأنّ مثله يسمى وهما لا ظنا ومثله لا يلام عليه لكنه تكلف لا يليق بمقام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وعلى هذا فلا تمثيل فيه. وقوله: وقرئ به أي بالبناء للمفعول أيضاً. قوله: (في الظلمة الشديدة) توجيه للجمع بأنّ الظلمة لشدتها جعلت كأنها ظلمات والمراد أحد المذكورات أو بطن الحوت وعلى الوجه الآخر هو حقيقة وقوله بأنه إشارة إلى أنها مخففة من الثقيلة بتقدير الجار وضمير الشان وجوّز فيها أن تكون تفسيرية لنادى، وقوله: من أن يعجزك شيء أي نزهه عن العجز وقدر. لدلالة ما قبله عليه، والمعنى أنت القادر على تخليصي من هذه الورطة وهو اعتراف بذنبه واظهار لتوبته ليفرّج عنه كربته وقوله ما من مكروب أي واقع في كرب وشدة رواه الحاكم والترمذي
وصححا.. قوله تعالى: ( {فَاسْتَجَبْنَا} الخ) قيل عليه لم يقل فنجيناه كما قال في قصة أيوب عليه الصلاة والسلام فكشفنا الخ لأنه دعا بالخلاص من الضرّ فالكشف المذكور يترتب على استجابته ويونس عليه الصلاة والسلام لم يدع فلم يوجد وجه
الترتيب في استجابته. ورد بأن الفاء في قصة أيوب عليه الصلاة والسلام تفسيرية والعطف هنا أيضاً تفسيري والتفنن طريقة مسلوكة في علم البلاغة، ثم لا نسلم أنّ يونس عليه الصلاة والسلام لم يدع بالخلاص كما نبهت عليه، ولو لم يكن دعاء لم تتحقق الاستجابة وهذا لا محصل له وكونه تفسيراً لا يدفع السؤال لأنّ حاصله لم أتى بالفاء ثمة ولم يؤت بها هنا، فالظاهر أن يقال إنّ الأوّل دعاء يكشف الضرّ كما مرّ عن المصنف رحمه الله أنه تلطف في السؤال فلما أجمل في الاستجابة وكان السؤال بطريق الإيماء ناسب أن يؤتى بالفاء التفصيلية، وأمّا هنا فإنه لما هاجر من غير أمر على خلاف معتاد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كان ذلك ذنبا كما أشار إليه بقوله: من الظالمين فما أومأ إليه هو الدعاء بعدم مؤاخذته بما صدر منه من سيئات الأبرار فالاستجابة عبارة عن قبول توبته وعدم مؤاخذته وليس ما بعده تفسيراً له بل زبادة إحسان على مطلوبه ولذا عطف بالواو هكذا ينبغي أن يفهم النظم فتأمل. وقوله: كان في بطنه قيل إنه صفة أربع ساعات بتقدير العائد أي كان في بطنه فيها. وقوله: في الإمام الإمام اسم للمصحف العثماني ولا يختص بما كان عنده رضي الله عنه وهو شهيد لتعدده كما بينه القرّاء وقوله نجى أي رسم فيه بنون واحدة. وقوله ولذلك لا يخفى ما في هذا التعليل فإنّ القراءة مبنية على صحة الرواية لا مجرّد متابعة للرسم العثماني كما توهمه هذه العبارة فالظاهر أن يؤوّل بأن المراد اختار الجماعة هذا على القرأءة بنونين لكونه أوفق بالرسم العثماني فتأمل. قوله: (فإنها) أي النون تخفى بالبناء للمعلوم والمجهول والإخفاء حالة للحرف بين الإظهار والإدغام وحروف الفم هي الحروف التي مخرجها من فضاء الفم وهي ثلاثة الجيم والشين والضاد وتسمى الأحرف الشجرية، قال أبو علي في الحجة: روي عن أبي عمرو نجى مدغمة ساكنة والنون لا تدغم في الجيم وإنما أخفيت لأنها ساكنة تخرج من الخياشيم فحذفت من الكتاب وهي في اللفظ ومن قال: تدغم فهو غلط لأنّ هذه النون تخفى مع حروف الفم وتبيينها لحن، فلما أخفى ظن السامع أنه مدغم انتهى. قوله: (فحذفت النون الثانية الخ التوالي المثلين والأخرى جيء بها لمعنى والثقل إنما حصل بالثانية ولا يضرّ كونها أصلية كما أشار إليه المصنف رحمه الله
وهو ردّ على أبي البقاء رحمه الله وأوقع بمعنى أحسن موقعا بحسب الصناعة وتظاهرون أصله تتظاهرون وقوله: ولا يقدح فيه أي في، الحذف وهو رد على أبي البقاء رحمه الله تعالى إذ ظن أنه إنما يحذف أحد المثلين مع إيحاد الحركة كما في تتظاهرون، ولا وجه له وتعذر الإدغام لما مرّ. وقوله لخوف اللبس أي بالماضي بخلاف ما نحن فيه لأنه لو كان ماضيا لم يسكن آخره وكونه سكن تخفيفا خلاف الظاهر كما سيأتي وأمّا كون تظاهرون ليس فيه لبس بالماضي فظاهر. قوله:(وقيل هو ماض مجهول أسند إلى ضمير المصدر) أي نجى النجاء وسكن آخره تخفيفا كما قرئ في الشواذ ما بقي من الربا بسكون الياء وقوله ورد الخ الرد لأبي عليّ الفارسي في الحجة ولا يمنع النقل فلا يرد عليه أنّ الأخفش وجماعة من النحاة أجازوا قيام المصدر مقام الفاعل ونحوه مع وجود المفعول على أنه يجوز نصب المؤمنين بفعل مقدّر وهي نجى مع أنه قد يقال إنّ مراده أنّ قيام ضمير مصدر الفعل المجهول العائد على ما في ضمنه غير جائز لتكلفه فتأمل، وأما نصب المؤمنين بضمير المصدر فضعيف لضعف عمل الضمير.! قوله:(وحيدا بلا ولد يرثني) فسره به لمناسبته لقوله وأنت خير الوارثين لأنه لو كان المراد ولداً يصاحبه ويعاونه لا يخلفه بعده كما قيل لجعل قوله: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [سورة مريم، الآية: 6] كناية عن الولد لأنه من شأنه ذلك وذيل بأنت المعين ونحوه كما لا يخفى إذ المقصود من التناسل بقاء النوع والمعاونة والمصاحبة داخلة فيه فهذا أتم وأنسب والحامل على الكناية المذكورة ليس ما ذكر، بل أنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يرثون ولا يورثون فقوله فرداً لا ينافيه بل يؤيده. قوله:(وإن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي به) يعني أنهءلمجيب سأل ربه أن لا يدعه وحيدا ويرزقه ولداً يرثه ثم سلم أمره إلى الله تأدباً فقال إن لم تجبني فلا أبالي لأنك خير الوارثين. قيل إنّ هذا لا يناسب مقام الدعاء إذ من آداب الداعي أن يدعو بجد واجتهاد وتصميم منه
فلا ينبغي أن يقول: اللهمّ اغفر لي إن شئت لأنه تعالى يفعل ما يشاء بلا مكره له، كما في صحيح مسلم ليعزم المسألة ولتعظم الرغبة فإنه تعالى لا يتعاظمه شيء أعطاه، نص عليه في الحصن الحصين والظاهر أنه ليس من قبيل ما ذكر فتأمل.
قوله: (أي أصلحناها للولادة (هذا بيان لحاصل المعنى وأنّ المعنى إصلاحها له ما ذكر
لا لأنّ الضمير للولادة لتأويلها بأن تلد لما فيه من التكلف وتفكيك الضمائر وان كان قوله أو لزكريا ربما يوهمه واللام تعليلية، وقدم يحيى عليه الصلاة والسلام لأنه المطلوب الأعظم فالواو لا تقتضي ترتيبا. قوله: (أو لزكريا بتحسين خلقها (فهو معطوف عل استجبنا لأنه ليس
مدعوّاً به ويجوز عطفه على وهبنا وحينئذ يظهر عطفه بالواو لأنه لما فيه من الزيادة على المطلوب لا يعطف بالفاء التفصيلية وعلى الوجه الأوّل فلأنّ المقصود به الامتنان لا التفسير لعدم الاحتياج إليه مع أنه لا يلزم التفسير بالفاء بل قد يكون العطف التفسيري بالواو، وحردة بالحاء والراء والدال المهملات بزنة حذرة بمعنى سيثة الخلق معاندة. قوله:(يعني المتوالدين (بصيغة الجمع من التوالد وهو إن كان بمعنى المتولد وكونه مولوداً ففيه تغليب ليحيى على أمّه وأبيه وان كان بمعنى ذي الولادة سواء أكان مولودا أو والدا فلا تغليب فيه وقوله إنهم الخ جملة مسوقة لتعليل ما يفهم من الكلام من أنّ هؤلاء المذكورين حصل لهم القربى والزلفى ونيل المراتب العالية لما ذكر كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى بقوله: بعد والمعنى أنهم نالوا الخ. لا لاستجابة دعواتهم حتى يقال إنه لا يصح عود الضمير على المتوالدين لأنّ يحيى عليه الصلاة والسلام ليس منهم هنا ويتكلف دفعه بأن يقال إنّ الآية استئناف جواب عن سؤال تقديره ما حالهم فتدبر وقوله أو المذكورين الخ. يعني أنّ الضمير راجع للانبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام لا لزكريا عليه الصلاة والسلام ومن معه وهو على هذا ظاهر من غير تكلف. قوله: (يبادرون إلى أبواب الخيرات) أي إلى أنواع الأعمال الحسنة، وأسرع يتعدى بإلى لما فيه من معنى المبادرة وبفي لما فيه من معنى الجد والرغبة يقال أسرع في مشيته، وفي الحديث هم مشاريع في الخير ذكره في المصباح وغيره واليه أشار الزمخشريّ ولظن بعضهم أنه لا يتعدّى إلا بإلى قال: إنه يتضمن معنى الرغبة أو من قبيل تجرح في عراقيبها أو في بمعنى إلى أو للتعليل ولا حاجة إليه. وكذا ما قيل إنه عدل عن إلى إلى في للدلالة على أنهم لا يفترون بل يظهرون الجد في تحصيلها. ولا يرد عليه كما توهم أنّ المسارع إليه غير مذكور وأنه لا دليل على تقديره وله غفلة عما مرّ. قوله: (ذوي رغب الخ) جعل رغباً ورهبا مصدرين بتقدير مضاف أو مؤوّلين باسم الفاعل ويجوز إبقاؤهما على معناهما مبالغة وليس بجمع كخدم جمع خادم لأنه مسموع في ألفاظ نادرة وان جوّز ويجوز كونه مفعولاً له والرهبة ضد الرغبة ولم يقيده في قوله ذوي رغب إشارة إلى جواز تعميمه وشموله للأمور الدنيوية والأخروية وقيده في الثاني بالثواب إشارة إلى جواز كل منهما فإن كان راجعا لهما فالتقييد به لأنه المناسب للمقام، ومدح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلا يرد أنه تخصيص من غير مخصص وأنّ الظاهر التعميم كما قيل ولجوز تفسير الرغب بالتضرّع والابتهال لكنه خلاف المشهور في اللغة والاستعمال. وقوله خائفين وجهه ما مرّ ومخبتين بمعنى متذللين. قوله:(دائبين الوجل) وفي نسخة دائمين والوجل منصوب به لتضمينه معنى ملازمين ودائب بمعنى دائم من الدأب وهو العادة المستمرّة أو هو
منصوب بنزع الخافض أي في الوجل، وأمّا كونه بدلاً من الضمير المستتر بدل اشتمال فخلاف الظاهر وفي نسخة دائمي الوجل بالإضافة وهي ظاهرة. وقوله والمعنى الخ مر بيانه. قوله:(والتي أحصنت فرجها) منصوب لعطفه على ما قبله أو باذكر أو مبتدأ خبره مقدر أي مما يتلى عليكم أو نفخنا والفاء زائدة عند من يجيزه وقوله من الحلال والحرام قيل لا ينبغي ذكر الحلال لأنّ النكاح سنة في الشرائع القديمة فلا يصح جعله منشأ نلفضيلة وليس بشيء لأنّ التبتل والترهب كان في شريعتهم. ثم نسخ ولداً قال: لا رهبانية في الدين ولو سلم فذكره هنا لازم لتكون ولادتها خارقة للعادة والإحصان بمعناه اللغوي وهو المنع مطلقا ونفخ لازم وقد يتعدى كما ذكره المعرب وعليه قول
الزمخشريّ نفخنا الروح فلا عبرة بإنكار أبي حيان له ويؤيده أنه قرى به في الشواذ كما في الانتصاف. قوله: (أي في عيسى عليه الصلاة والسلام فيها) أي كائنا في بطنها دفع لما يتوهم من أنّ نفخ الروح عبارة عن الأحياء فإذا كان فيها يكون بمعنى أحييناها وليس بمراد لأن ما يكون فيما في الشيء يكون فيه كما يقال نفخت في البيت أي في المزمار في البيت ويجوز أن يكون على تقدير مضاف أي في ابنها. وقوله: فعلنا النفخ فيها ليس على تنزيله منزلة اللازم كما توهم لأنه لازم كما مرّ بل إشارة إلى دفع آخر وهو أنّ ابتداء النفخ في جيب درعها ثم وصل إلى جوفها وبواسطته وصل إلى عيسى عليه الصلاة والسلام فأحياه فتأمّل. قوله: (من الروح الخ) يعني أنّ الروج مراد به معناه المعروف واضافته إليه لأنه بأمره وايجاده لا بوطء وخلط منيّ أو واسطة على ما تفرد بعلمه أو من ابتدائية والروح جبريل عليه الصلاة والسلام. وقوله: أو حالهما هي الولادة من غير سبب ظاهر وذكرها بقوله: والتي دون اسمها ليبتدئ بالوصف الدال على المدح لا لأنّ التنويه بالاسم من شأن الرجال لأنه يخالف قوله: ومريم ابنة عمران في آية أخرى فتأمّل. قوله: (ولذلك) أي لتقدير المضاف. وقوله: فإنّ من تأمّل الخ بيان لكونهما آية أي دليلاً على قدرة الصانع الحكيم. قوله: (أي أنّ ملة التوحيد أو الإسلام الخ) يعني أنّ الملة هنا بمعنى الدين المجتمع عليه كما في قوله إنا وجدنا آباءنا على أمّة أي على دين يجتمع عليه وظاص كلام الراغب أنه حقيقة في هذا المعنى وان كان الأشهر فيه أنه الناس المجتمعون على أمر أو في زمان وعلى التفسير الثاني هو شامل للعقائد الحقة ولولا تفسير ما بعده لجعله للفروع والخطاب لأمّة نبينا صلى الله عليه وسلم أو للمؤمنين منهم أو لجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. والوجوب مفهوم من تعريف الطرفين والإشارة إذ يفهم أنها هي لا غير وقوله
فكونوا عليها شارة إلى أنّ المقصود بالجملة الخبرية الأمر بالسكون عليها. وقوله غير مختلفة الخ تفسير لكونها واحدة. قوله: (إذ لا مشاركة لنيرها في صحة الاتباع) يعني وحدتها إمّا بمعنى اتفاق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عليها فهي كقوله كان الاناس أمّة واحدة أو بمعنى عدم مشاركة غيرها لها وهو الشرك في صحة الاتباع وفي نسخة ولا مشاركة لغيرها بالواو وزعم بعضهم أن هذه النسخة أعني إذ لا معنى لها ووجهها بعضهم بأنها تعليل لتفسيرها بالتوحيد والإسلام وقال المراد بغيرها المسائل الفرعية وما يحذو حذوها ول! وجه له بل الظاهر أنّ المراد بغيرها الشرك والكفر إذ غير التوحيد يصح فيه الاتباع بل هو واقع في الأحكام الفرعية ولا حاجة إلى جعله تعليلا لكونها غير مختلفة فيما بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ولذا ذهب بعضهم إلى عدم صحة هذه النسخة وأمّا قوله إنه كان الظاهر أن يقول وجوب الاتباع بدل صحة الاتباع لكنه عبر به ليعلم ذلك من طريق الدلالة فلا صحة له فتدبر. قوله: (على أئهما خبران (وقيل الثاني بدل وقيل خبر مبتدأ محذوف وقوله لا إله لكم غيري لم يقل لا رب لكم غيري لأنّ العبادة إنما تترتب على الألوهية وإنما عدل إلى الرب لإفادة الوحدانية لأنّ مملوك زيد لا يكون مملوكاً لعمرو فإذا قيل أنا ربكم علم أنه غير مشارك. وقوله: لا غيري أي لا تعبدوا غيري وفي نسخة لا غير وهي صحيحة أيضاً وليس بلحن أي بناء! غير على الضم بعدلاً كما زعمه بعض النحاة لسماعه في قوله:
جواباتنجواعتمدفوربنا لعن عمل أسلفت لاغيرتسئل
…
كما قاله ابن مالك في شرح التسهيل. قوله: (صرفه إلى الغيبة التفاتاً) أي صرف الضمير
أو الكلام وهذا بناء على أنّ الخطاب قبله للكفار أو شامل لهم وينعي من النعي وهو خبر الموت وتجوز به عن التشهير والإظهار وهو المراد وتقبيح مفعوله. وقوله: موزعة أي مفزقة تفسير لقوله قطعا والى متعلقة بينعي أي عدل للغيبة لتشهيرهم فكأنه يحكي لغيرهم وهذا يناسبه الغيبة وفي نسخة بتقبيح بزيادة الباء أو تضمينه معنى الأخبار. والمتحزبة بحاء مهملة وباء موحدة أي المجتمعة. وقوله: فنجازيهم جعل الرجوع كناية عنه لما مرّ. قوله: (فلا تضييع (الظاهر أنه استعارة تصريحية ويجوز كونها تمثيلية واستعارة الشكر في قولهم شكر الله سعيه وهي مشهورة ومنه قيل لله شكور. قال الطيبي حقيقة الشكر
الثناء على المحسن بما أعطاه،
وهو في حق الله تعالى مححال فشبه معاملته مع من أطاعه وعمل صالحاً بثناء من أحسن إليه غيره ثم استعمل! للمشبه ما استعمل للمشبه به. وقوله: ونفى نفي الجنس أي قيل " لا كفران دون لا نكفر لأنّ نفي الجنس مستلزم له وأبلغ لثمومه. قوله: (لا يضيع بوجه مّا) هذا مأخوذ من تأكيدان والاسم وتقديم الجار. وب تظهر فائدة ذكره وارتباطه بما قبله. قوله: (وممتنع على أهلها) يعني أنّ القرية عبارة عن أهلها أو هو بتقدير مضاف وأنّ الحرام استعير للممتنع وجوده بجامع أنّ كل واحد منهما غير مرجوّ الحصول. وقال الراغب: ا! حرام الممتنع إمّ بتسخير إلهيّ وامّا بمنع قسري وامّا بمنع من جهة الصل، أو من جهة الشرع. وقوله: غير متصوّر منهم قيل أي تصوّر مطابقاً للواقع ويحتسل إبقاؤه على ظاهره مبالغة. قوله: (وحرم بكسر الحاء وإسكان الراء) هو لغة فيه بمعنى الحرام أيضاً. وقرئ وحرم لم يضبطه وهو يحتمل أن يكون بالقتح والسكون وحرم وحرّم بالماضي خخففاً ومشدّداً لأنه قرى بها كما في الكشاف إلا أنه صحح الأوّل. قوله: (حكمنا بإهلاكها الخ) يعني أنهم لكفرهم حكم الله بإهلاكهم أو أراده وئدره في الأزل وهذا إن كان قبل وقوعه وتاويله بهذا على تفسير لا. يرجعون الأوّل وهو على أحد الوجوه في إصراب حرام وهو كون حرام خبر مبتدأ محذوف كما سيأتي وفسره في الكشاف، بقوله عزمنا على إهلاكها أو قدرنا إهلاكها، وقوله: أو وجدناها هالكة قيل هذا بناء على أنّ المراد بالهلال الهلاك المعنوي، وهو الكفر والمعصية. وقيل إنه أعم من الهلاك الحسيّ والمعنويّ ولا يخفى ما فيه فإنه إذا أريد بالهلاك الحقيقي الواقع فينبغي إبقاؤه على ظاهره ولا حاجة إلى جعله من باب أحمدته أي وجدته محموداً وان أريد به المعنويّ. فالظاهر تفسيره بجعلناها هالكة وهو لا ينافي كونه بخلق الله حتى يقال إنه مبنيّ على مذهب السعتزلة فلا يظهر لعدوله عن الظاهر المتبادر هنا وجه إلا أنّ بعض معاني الرجوع الآتية تنافي معنى الإهلاك لو حمل على ظاهره كالرجوع للنوبة فلزم تأويله بما يكون به مقدّماً عليه كقدّرنا وأردنا ونحوه مما عرف في أمثاله ولما كان الحرام بمعنى الممتنع غير المتصوّر حتى كأنه محال وقد وقع في مقابلة العمل الصالح، اقتضى حمله على الهلاك المعنويّ بالكفر والمعاصي، وعلى الوجهين الأخيرين لا إشكال فيه فلذا لم يصرّح بتأويله إلا أنّ رجوعهم إلى الحياة! دون تلك الغاية غير مخصوص بهم فينبغي حمله على الرجوع إلى حياة يتلافى فيها ما فرّطوا فيه ؤعلى الأوّل فليس كل من عصى وكفريستحيل رجوعه ما لم يحكم الله عليه بالشقاء الأزلي أو يعلم الله أنه كذلك. ووجد الله بمعنى علم حيث وقع كما صرّح به الراغب والزمخشريّ في الأعراف وبهذا تبين أنهما مبناهما واحد وأنه لا يحتمل الهلاك الحسيّ هنا كما قيل وانه ليس منشؤه المضي وقد قيل إنّ الغاية تقتضي امتداداً واستمرارا والهلاك لا يتصوّر فيه ذلك بخلاف ما فسره به
فتدبر. قوله: (رجوعهم إلى التوبة) قيل قدمه لملاءمتة للشرطية التي جعلت غاية لكنه أورد عليه أنّ إيمان ليأس وتوبته مما لا ينكر لثبوته وهو قبل القيامة إلا أن يقال إنه لا يعتد به وليس بشيء لأنّ توية اليأس لا تقبل فيجوز أن يقال إنهم لم يتوبوا مع أنه إذا فتحت يأجوح لا يكون اليأس فتأمّل. قوله: (أو الحياة) بالجرّ عطف على التوبة قيل عليه الأنسب أن يقول بدله الجزاء لأنه مغيي بقيام الساعة ولا شك في امتناع الجزاء قبله وليس بشيء. قوله: (ولا صلة) أي زائدة وهكذا يعبر به تأدّبا فيما زيد في الكلام المجيد وإنما جعلها زائدة لأنّ المحرّم رجوعهم، كما أشار إليه. وقوله: أو عدم رجوعهم للجزاء على أنّ لا غير زائدة. وقوله: وهو مبتدأ قال ابن الحاجب: في أماليه إذا جعل أنهم مبتدأ وحرام خبر مقدم وجب تقديمه لما تقرّر في النحو من أنّ الخبر عن أن يجب تقديمه. قوله: (أو فاعل له سادّ مسدّ خبره) من باب أقائم أخواك لكنه هنا لم يعتمد على نفي أو اسنفهام فهو على مذهب الأخفش فإنه لا يشترطه كذا في الحواشي بناء على ظاهر كلام النجاة وذهب ابن مالك إلى أنه جائز بلا خلاف وإنما الخلاف في الاستحسان وعدمه فسيبويه رحمه الله يقول هو ليس بحسن. والأخفش رحمه الله يقول: هو حسن وكذا الكوفيون
كما في شرح التسهيل. قوله: (أو دليل عليه) قيل معناه دليل على المبتدأ يعني أنّ حرام خبر والمبتدأ محذوف يدل عليه فاعل الخبر وتقديره توبتهم ورجوعهم إليها حرام. وقيل: ضمير عليه راجع إلى الفاعل أي دليل على الفاعل لا الخبر لأنّ ما قدره معرفة ولا تكون خبراً عن النكرة ولا يخفى فساده لأنه إن عني أنّ فاعله محذوف ففاسد وكذا إن كان ضميراً مستتراً سادّاً مسد الخبر لأنه ممنوع كما تقرّر في النحو فالأوّل أصح وان كان كلام المصنف غير ظاهر فيه فتأمّله. قوله: (أو لأنهم لا يرجعون ولا ينيبون) معطوف على قوله رجوعهم يعني أنه بتقدير اللام وحرام خبر مبتدأ محذوف تقديره ذاك وهو المذكور قبله من العمل الصالح والسعي المشكور ثم علل بأنهم لا يرجعون عن الكفر فكيف لا يمتنع ذلك وكذا المعنى على قراءة الكسر كما بينه الزمخشريّ والمصنف بقوله ويؤيده القراءة بالكسر لأنها جملة مستأنفة للتعليل. قوله: (عزم وموجب عليهم أنهم لا يرجعون (أي عن الشرك لأنه مطبوع على قلوبهم وهذا ما اختاره في الكشاف وهو على جعل حرام مجازاً عن عزم الله على ما ذكر لأنّ ما عزم عليه غير متصوّر خلافه فيمتنع وجوده ومآله إلى تفسيره أوّلاً، لكن الفرق بينهما أنّ حرام على الأوّل بمعنى ممتنع وعلى هذا بمعنى ملزم موجب وفيه بعد ما لأنه من استعارة أحد الضدين للآخر والعزم من الله لأنه ورد استعماله في حقه. قال في التهذيب قال ابن شميل في قوله: عزمة من عزمات الله أي حق من حقوق الله وواجب مما أوجبه الله. قوله: (متعلق
بحرام المراد التعلق المعنوفي لأنها ابتدائية لا جارّة والمحذوف ما أشار إليه بقوله: أو الهلاك ويجوز أن يكون يستمرون على حالهم والامتناع امتناعهم عن التوبة والندم فإذا قامت القيامة ندموا أو الحياة لحياتهم بعد قيامها والى متعلقة بيستمرّ. وقوله: وهو كان الظاهر وهي. وقوله سد إشارة إلى تقدير مضاف فيه أو إلى التجوّز في الإسناد وقوله يحكي الكلام بعدها يعني أنها ابتدائية لا جارة كما ذهب إليه بعضهم وجواب الشرط ما سيأتي. ونشز بفتحتين آخره زاي معجمة ما ارتفع من الأرض، وجدت بجيم وثاء مثلثة هو القبر وهذا يؤيد أنّ المراد الناس كلهم والنسلان بفتحتين الإسراع فإن اختص وصفه بالذئب فهو مجاز هنا. قوله:(تسدّ مسدّ الفاء الجزائية (أي في الربط وليست عوضا عنها حتى يلزم الجمع بين العوض! والمعوض إذا ذكرتا وتظاهرت بمعنى تقوت في الربط. وقوله فيتأكد أي يتقوى الوصل بلا محذور وشخوص أبصارهم في القيامة والتعقيب عرفيّ أريد به المبالغة هنا. قوله: (والضمير للقصة الخ) إذا كان لضمير للقصة أو الشأن فشاخصة أبصار الذين كفروا مبتدأ وخبر لأنّ خبره لا يكون إلا جملة. ويجوز كونه مفرداً على رأي لبعض الكوفيين وقوله أو مبهم يفسره الأبصار فيعود على متأخر لفظاً ومعنى يفسره ما في حيز خبره كقوله:
هو الجد حتى تفصل العين أختها
وهذا جائز عند ابن مالك وغيره كما في ضمير الشأن وقد مر تفصيله في قوله فسوّاهن
سبع سموات وذهب الفراء إلى أنّ هي ضمير فصل وعماد يصلح في موضعه هو ونقل عن الكشاف في هو مردود من وجهين أحدهما أنّ ضمير الفصل لا يجوز تقدمه ولا يكون خبره نكرة ليس بأفعل تفضيل. قوله: (واقع موقع الحال (وتقديره يقولون أو قائلين وهو على حد قوله اتبع ملة إبراهيم حنيفاً ويجوز كونه استئنافا. وقوله لم نعلم أنه حق فالمراد بالغفلة عدم تيقنه مجازا أو هو بتقدير مضاف وهذا إشارة لليوم أو لما ذكر وقوله: بل كنا ظالمين إضراب عن كونهم في
غفلة إلى ما تعمدوه وبالنظر متعلق بالإخلال والنذر جمع نذير وهو الرسل أو الآيات. وقوله: لأنهم الخ إشارة إلى تصحيح إطلاق ما يعبدون على هؤلاء. قوله: (لما روي الخ) ذكر ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف أنّ هذا الحديث رواه ابن مردويه والواحدي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهو حديث طويل ثم قال إنه اشتهر على ألسنة كثير من علماء العجم وفي كتبهم أنه صلى الله عليه وسلم قال: في هذه القصة لابن الزبعري ما أجهلك بلغة قومك لأني قلت وما تعبدون وما لما لا يعقل ولم أقل ومن تعبدون وهو لا أصل له ولم يوجد في شيء من كتب الحديث مسنداً ولا غيره مسند والوضع عليه ظاهر والعجب ممن نقله
من المحذثين وقال السهيلي: في الروض! اعتراض ابن الزبعري لا يرد لأنّ الخطاب مخصوص بقريش وما يعبدون من الأصنام، ولذلك أتى بما الواقعة على ما لا يعقل وحديث ابن عباس المتقدّم ينقض عليه التأويل فإنه صريح في أن المراد كل ما يعبدون من دون الله اهـ. وجوابه إن ذلك بتاء على ما فهم ابن الزبعري وجوابه صلى الله عليه وسلم على التنزل والزبعري بكسر الزاي المعجمة وفتح الباء الموحدة وسكون العين المهملة وفتح الراء المهملة والقصر معناه السيئ الخلق الغليظ وهو لقب والد عبد الله القرشي المذكور وهو شاعر وقد أسلم بعد هذه القصة وصار من كبار الصحابة رضي الله عنهم. وقوله: قد خصمتك أي غلبتك في المخاصمة والمحاجة وبنو مليح بالتصغير قوم من خزاعة. وقوله: بل هم الخ يدلّ على ما ذكره من التأويل وهو إشارة إلى المرجح بعد الإشارة إلى المصحح وقوله فأنزل الله الخ هذا إن كان مخصصاً لعموم الآية يكون جوابا آخر كما أشار إليه المصنف، ويحتمل أنه منع لكونهم ما عبدوهم في الحقيقة فيكون مرجحا لما مرّ أيضاً ويكون معنى قوله: وعلى هذا الخ أي على مقتضى هذه الرواية وأن يراد إبليس وأعوانه ويعم الخطاب غير المشركين فتأمّل. وقوله لما الخ إن تعلق بمقدر فظاهر وكذا إن جعل تعليلا لقوله: في حكم عبدتهم وان تعلق بيحتمل بعد تعلق قوله لأنهم الخ فهو متعلق به بعد تقييده فلا يلزم تعلق حرفي جر بمعنى بمتعلق واحد كما مرّ وقوله أليس الخ استئناف وقوله: يعم
الخطاب أي لليهود ومن معهم فإنهم أطاعوا الشياطين في عبادة غيره تعالى. وقوله مؤوّلاً لأنها لما لا يعقل على المشهور فاستعمالها في غيرهم مجاز خلافاً لمن ذهب إلى أنها تطلق عليه حقيقة مطلقا أو إذا أريد الوصف كما مرّ وقوله أو بما يعمه معطوف على قوله بمن وهذا على التغليب لا على أنها حقيقة كما قيل. قوله: (بل لكل من عبد الخ (قيل بين هذين الروايتين تدافع إذ المفهوم منه دخول الأنبياء والأوثان ومن الأوّل عدم دخولها وارادة المعبود الحكمي وجوابه ظاهر مما بعده. قوله: (ويكون قوله: {إِنَّ الَّذِينَ} بيانا للتجوّرّ الخ (التجوّز في كلامه يحتمل أن يكون بجعل ما بمعنى من كما قيل وينافيه العموم فينبغي أن يحمل على التغليب للعقلاء وغيرهم ويحتمل أن يكون بجعل العبادة بمعنى طاعة الآمر وهم الشياطين فيكون عا تعبدون عبارة عن المطاعين فيخرج الأنبياء والملائكة لأنهم لم يأمروهم ولم يطيعوهم والتجوّز إمّا لغوي إن أريد بالعبادة الطاعة للآمر أو عقليّ إن أريد به إيقاع العبادة على من أمر بها للملابسة، كما في بنى الأمير المدينة ووجه كونها بيانا للتجوّز أنها قرينة على خروجهم منها فيقتضي التأويل أو التخصيص ولا خفاء فيه كما قيل. قوله: (أو التخصيص (لما مرّ وهو مجرور معطوف على التجوز وهذا على جعل ما عاما للعقلاء وغيرهم. وقوله: تأخر عن الخطاب إشارة إلى ما استدل به الشافعية على جواز تخصيص العام بالمتراخي كما هنا. وقد أجيب عنه بأن قوله وما تعبدون لم يتناول عيسى وعزير والملائكة حيقة لأن ما لغير العقلاء ولا حاجة إلى إثباته بما روي من قوله ما أجهلك بلغة قومك لعدم صحته. وأما سؤال ابن الزبعري فتعنت منه وجوابهء! ي! تنزل إلزامي فإنه تعالى تولى البيان بجواب شاف بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ} الخ فهو بيان تقرير يصح تراخيه عندنا لا بيان تفسير كما قالوه وأمّا قوله صلى الله عليه وسلم: " بل هم عبدوا الشياطين " الخ إن صح فجواب على طريق التسليم والحاصل إن ما تعبدون إمّا محض غير العقلاء على ما هو الحقيقة المتبادرة أو هو عبارة عن الأصنام والشياطين فتأمّل. قوله: (ما يرمى به (فهو صفة مشبهة. وقوله: رماه بالحصباء هي صغار الحجارة وهذا إشارة إلى أنه خاص وضعا عام استعمالاً. وقوله: استئناف أي استئناف نحوي مؤكد لما قبله لا بيانيّ حتى يقال إنه لا يظهر كونه جواب سؤال لم يندفع بما قبله وأنتم تغليب للمخاطبين على معبوداتهم. وقوله: أو بدل أي للجملة من المفرد ولا يضرّ. كونه في حكم النتيجة. قوله: (واللام معوّضة من على الخ) لأنّ الأصل تعديه إلى الثاني بها كما أشار إليه في القاموس بتفسيره بالإشراف على الماء وهو في الاستعمال أكثر من أن يحصى، فما قيل إنه متعد بنفسه كما في قوله وردوها فاللام للتقوية لاحتياجه لها لكون المعمول
مقدّما والعامل فرعي غفلة. وقوله: والدلالة عطفه
بالواو والظاهر أو لأنّ التعليل لا ينافي الاختصاص وليس الاختصاص من التقديم وان صح كما توهم.
قوله: (لآن المؤاخذة المعذب) المعذب تفسير للمؤاخذ من قولهم آخذه مؤاخذة وأخذ.
الله إذا أهلكه وأخذه بذنبه عاقبه عليه وجعل الورود بمعنى دخول النار لأنه يطلق عليه كما ذكره أهل اللغة. وقوله: حصب جهنم يعينه فلا يرد عليه ما قيل إن ورود النار لا يلزمه العذاب كما يدلّ عليه قوله {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} وقد مرّ ما في هذه الآية. وقوله لإخلاص الخ فسره به لأنّ الأصنام لا توصف بالخلود المعروف ولذا قيل إنه يجوز أن يخلق الله للأصنام إحساسا بالعذاب وزفيرا. وقوله: المؤاخذ المعذب يلائمه إلا أن يراد بالعذاب صورته فيكون المراد أن دخولهم جهنم ينافي الألوهية وان لم يكن ثمة تعذيب فلا يرد عليه شيء. قوله: (أنين وتنفس شديد) أصل معنى الزفر كما قاله الراغب ترديد النفس حتى تنتفخ منه الضلوع، والبعض هم العابدون والكل هم وما عبدوه وقوله: للتغليب إن أريد بما تعبدون الأصنام وكذا إن أريد الأعم لكنه خصه لأنّ التغليب فائدته شمول ما لا يعقل وهم خارجون من العموم أو المراد الحامل لهم على عبادة العقلاء فلا لبس فيه وما قيل عليه من أنه لا تغليب فيه بل هو التفات والضمير يرجع إلى المخاطبين في أنكم خاصة ردّ بأنه يوجب تنافر النظم ألا ترى قوله أنتم لها واردون، كيف جمع بينهم تغليباً للمخاطبين، فلو خص لهم فيها زفير لزم التفكيك، وقيل إن فيه تجوّزاً من جهة نسبة فعل البعض إلى الكل وتغليبا من جهة إطلاق هم على العقلاء وغيرهم ولا تأثير للتغليب، في الأوّل ورد بأنهم قرّروا أنّ في قوله أو لتعودنّ في ملتنا تغليبين تغليب الأكثر على الأقل إذ نسب إلى الجميع ما هو منسوب للأكثر وتغليب الخطاب على الغيبة وهذا كذلك إذ غلب الأكثر وهم ألاتباع على الأقل وهم الأصنام في نسبة الزور إلى الجميع وغلب العقلاء على غيرهم والتجوّز لا ينافي التغليب بل التغليب كله مجاز وفيه بحث لأنه يعني أنّ نسبة فعل البعض إلى الكل. كقولهم: بنو فلان قتلوا قتيلاً ليس من التغليب في شيء وكون التغليب يكون بالتجوّز في الطرف والنسبة لا يجدي فتدبر. قوله: (من الهول وشدّة العذاب (أو لصراخهم قيل وهو أنسب بما قبله وأمّا حمله على الصحمم حقيقة فبعيد وان جوّزه بعضهم. وقوله: الخصلة الحسنى أي أو المنزلة وهو توجيه لتأنيثه. وقوله: بالطاعة أي بسبب الطاعة وكان الظاهر للطاعة وقوله: أو البشرى بالجنة فيكون المراد بالذين الخ العشرة المبشرة بالجنة كما سيأتي عن عليّ
رضي الله عنه. قوله: (لآنهم يرفعون إلى أعلى عليين) فسره في سورة مريم بأنّ المراد به مبعدون عن عذابها وهو لا ينافي ما ذكره هنا لأنّ المراد بعليين الجنة على أحد التفاسير فيه وهو المراد ولإخفاء في أنّ البعد عن النار بحيث لا يسمع حسيسها يدلّ على دخول الجنة فما قيل إنه أشار في الموضعين إلى وجهين تعسف لا حاجة إليه. وكذا ما قيل إنّ الرفع إلى أعلى عليين مما لا دليل عليه. قوله: (روي انّ علياً رضي الله عنه وكرّم الله وجهه الخ) قال ابن حجر رحمه الله رواه ابن أبي حاتم وابن عدي وابن مردويه عن ليث بن أبي سليم عن النعمان بن بشير وكان من سمار عليّ وقوله: كرّم الله وجهه جملة دعائية تختص بعليّ على الألسنة وقد قيل في وجه التخصيص إنه لإسلامه صغيراً بحيث لم يسجد لغير الله أو لم يخل عن السجود لله. قوله: (بدل من مبعدون) قيل الظاهر أنها جملة مؤكدة. وقوله: سيق للمبالغة لأنه يدلّ علي شدة البعد وقد قيل إنّ الأبعاد يكون بعد القرب فيفهم منه أنهم وردوها أوّلاً ولما كان مظنة التأذي بها دفع بقوله لا يسمعون الخ. وقوله: في غاية التنعم يفهم من قوله فيما اشتهت أنفسهم كما لا يخفى ولا منافاة بين هذا وبين قوله في تفسير قوله: مبعدون لأنهم يرفعون إلى أعلى عليين كما توهم والظرف فيما اشتهت الخ وتقديمه للاختصاص لا ينافي الاهتمام ورعاية الفاصلة. قوله: (النفخة الأخيرة) كذا في الكشاف وفي الكشف إنه لم يرد به النفخة الثانية وإنما أراد الأولى لأنّ الآية المستشهد بها مصرّحة بذلك والوصف بالأخيرة لأنها آخر ما يقع في هذه الدار ولا يخفى بعده. وقد أورد عليه أنّ تمام الآية وهو قوله وتتلقاهم الملائكة الخ يدل على أنّ الفزع
إلا اكبر من أهوال يوم القيامة وكذا باقي الأقوال في تفسيره يدل على ذلك فلعل الاستشهاد بالآية على أنّ النفخة أطلق عليها الفزع، وفيه نظر. وقوله: أو الانصراف إلى النار أي انصراف المعذبين فالفزع الذهاب بسرعة لما يهول وهو أحد معانيه. وقوله: يطبق على النار في نسخة تطبق النار أي تغلق على من فيها وقوله أو يذبح الموت إشارة إلى ما ورد في الحديث من أنه بعد استقرار أهل الجنة في الجنة وأهلى النار فيها يؤتى بالموت على صورة كبش ويذبح. وقوله: يوم ثوابكم بيان للمراد منه أو لتقدير مضاف وتقدير القول أي قائلين فهو حال. قوله: (أو طرف لا يحزنهم الخ الم يذكر احتمال تعلقه بالفزع لأنّ المصدر الموصوف لا يعمل
على الصحيح وان كان الظرف يتويع فيه ومن أجازه هنا بناه على قول مرجوح كما مغ أعمال الدعاء في إذا لتعريفه وكلاهما قول ضعيف كما في شرح الشهيل فلا إغراب ولا خطأ فيه كما توهم وتعلقه بتتلقاهم لأنها تتلقاهم في مواطن كما تتلقاهم بأبواب الجنة وقوله حال مقدرة لأنّ يوم ألظيّ بعد الوعد وكونه بدلاً من العائد المحذوف كما قاله أبو اليقاء بدل كل من كل لا اشتمال كما توهم. قوله: (أو المخو) إلى الإفناء والإزالة فالتشبيه باعتبار أنه بطه يخفي ما فيه أو لأنه يرفع بعد الطى فلا يرد أنه لا يصح التشبيه حينئذ، وقوله: فإذا انتقلوا أي إلى الآخرة، وقوّضت بالتشديد بمعنى أزيلت يقال: فوّضت الخيام إذا رفعت وفي نسخة فوضع! ت وهي بمعنى أنزلت وأزيلت عن سقرّها من وضعت السل عن البعير. قوله: (طياً كطئ الطومار للكتابة) وفي نسخة لأجل الكتابة إشارة إلى أنّ كطيّ صفة مصدر مقدر وانّ السجل بمعنى الطومار التي يكتب فيه والكتاب بمعنى الكتابة وطيّ الطومار من إضا. قة المصدر لمفعوله أو هو مصدر مبنيّ للمفعول، والمعنى كطيّ الطومار المعدّ للكتابة المسوّى والمهيأ لها فلا يتوهم أق الطومار لا يطوي للكتابة بل ينشر. وكذا قوله لما يكتب ل! ن الكتاب فيه بمعنى المكتوب والفرق بينه ويين ما بعده ظاهر. وقوله: كتب فيه فهو طيّ بعد الكتابة والكتاب بمعنى المكتوب لا مصدر كما في الوجه الأوّل ولذا جمع وجعل المعاني مكتوبة توسع لأنّ المكتوب ألفاظها. قوله: (وقيل السجل ملك يطوي كتب الآعمال) مرضه لغرابته وعدم حسن التشبيه فيه إذ ليس المشبه به أقوى ولا أشهر وقوله أو كاتب قول واه جداً لأنه لم يعرف أحد من الصحابه اسمه سجل وقيل السجل بلغة الحبشة الرجل فلعله مراده وعلى كل حال فلا حسن للتشبيه لما مرّ. قوله: (أي نعيد ما خلقناه الخ) مبتدأ بصيغة المفعول وضمير نعيده ليس عائدا على أوّل حتى يقال إنّ الإعادة تنافي، وصف الأوّلية، بل على المخلوق المفهوم منه مطلقاً ويصح عوده إليه إن كان إيجاداً بعد عدم لا إعادة بعد تفريق وتبديد على ما عرف من القولين فيه قيل والحق أنه إعادة ما انعدم بخجنه وتأليف ما تفرّق والقياس على الإبداء مفهوم من التشبيه. قوله: (لشمول الإمكان الذاني الخ (أي إنما قيلى بوقوع الإعادة على ما ذكر لشمول القدرة الإلهية لكل الممكنات وكل من إعادة ما انعدم وتأليف ما تفرّف أمر ممكن. أم إمكان تأليف ما تفرّق فظاهر
وأمّا إمكان إعادة ما انعدم فلأن الإعادة إحداث كالإبداع الأوّل وغاية طريان العدم على المباع الأوّل تصييره كأنه لم يحدث وقد تعلقت القدرة الإلهية بإيجاده من عدمه الأصلي فكذا من عدمه الطارئ لا أنّ الموجود ثانياً مثله بل هو بعد فناء عينه وهذا لأنّ وجود عينه أوّلاً إنما كان على وفق تعلق العلم به والغرض أنّ الموجودات أيضا بعد طريان العدم عليها ثابتة في العلم متعلقا بإيجادها فافهم. قوله: (وما كافة الها عن العمل فتدخل على الجملة وتكون لتشبيه مضمون ما بعدها بمضمون جملة أخرى ولا متعلق للكاف حينئذ وقوله أو مصدرية فتكون صفة مصدر مقدر كما مز. قوله: (وأوّل مفعول لبدأنا) يعني عد الاحتمالين قيل عليه تعلق البداءة بأوّل الشيء ال! مثهروع فيه ركيك لا يقال بدأت أوّل كذا وإنما يقال بدأت بكذا وذلك لأنّ بداءة الشيء هي الشروع فيه والشروع يلاقي الأوّل لا محالة فيكون ذكره تكراراً. وفيه نظر لأنّ المراد بد أنا ما كان أوّلا سابقاً في الوجود وليس المراد بالأوّل أوّل الأجزاء حتى يتوهم ما ذكره مع أنّ التكرار ليس بباطل. ولذا قيل أيضا أوّل الخلق هو
المعاد حقيقة وايقاع الخلق عليه فرع عن الإعادة والا فلا أوّلية ودفع بما مرّ من المصنف من أن المراد بالأولية هو أن يكون لوجوده بداية لأنّ الحادث عرف بما لوجوده أوّل لا الأولية المقابلة للثانوية، وقد اعترف به هو نفسه ولو سلم فيكفي في تحقق الفرعية جعل الإعادة عاملا في ضميره وفيه تأمل. قوله:(أو لفعل يفسره ما بعده) يعني نعيد قيل الظاهر تقديره قبل كما بدأنا فيكون من التنازع وأعمال نعيد حينئذ إنما هو على منمب الكوفيين وليس من التنازع في شيء كما لا يخفى. وموصولة عطف على كافة. ق! وله: (والكافة متعلقة بمحذوف يفسره نعيده) فهم بعضهم من ذكر المتعلق هنا إنها إذا كانت كمافة فلا متعلق لها كما صرح به الرضي وهو خلاف الظاهر وفي المغني أن الأخفش وابن عصفور ذهبا إلى أن الكافة الجارة لا متعلق لها لأنها لا تدل على معنى الاستقرار والحق خلافه وكلامه مخالف لقوله الآتي وقرله مثلى الذي بدأنا تفسير معنى لا إشارة إلى أنها اسم حتى يرد عليه أنه خلاف الظاهر حتى ذهب بعض النحاة إلى أنه ضرورة وقوله متعلقة يأباه ظاهرا. قوله: (وأوّل خلق ظرف لبدأنا) لأن ما الموصولة تستدعي عائدا فإذا قدر هنا يكون مفعولاً فيكون أوّل منصوب على الظرفية لأنه يكون كذلك في كلام العرب فالتقدير في أوّل زمان خلق وخلق مصدر. أو هو حال من العائد المحذوف والخلق بمعنى المخلوق قيل: والظاهر أنّ قيد الأوّلية هنا لإخراج المخلوق ثانيا وهو الروج لأن الكلام في إعادة البدل وهو المخلوق أوّلا لقوله ثم أنشأناه خلقاً آخر. ورد بأنّ الاهتمام بإخراج الروج يوهم أنها لا تعاد ولا وجه له وتقدم خلق ألبدن على الروج غير مسلم وما ذكره لا يدل عليه بل على تأخر النفخ كما سيجيء ولا شك أنّ ما ذكره خلاف الظاهر وإن لم يرد عليه ما ذكر لأنّ ما ذكره هو المعروف هاعادة الروج لم يختلف فيها القائلون بالحشر فلا يلتفت إلى ما ذ! 5 من الإبهام وتنكير خلق للدلالة على
التفصيل كما بين في الكشاف وشروحه. قوله: (مقدّر بفعله تثيدا لنعيده (فهو مفعول مطلق والجملة مؤكدة لما قبلها أو منصر! ب بنعيد لأن الوعد هو الإعادة معنى. وقوله: علينا إنجازه تفسير معنى لا إعراب ويحتمل أنه إشارة إلى تقدير مبتدأ خبره الظرف لا أنّ إنجازه فاعل الظرف لاعتماده لأنه لا يجوز حذف الفاعل ولا بدل من الضمير المستتر في الظرف العائد على الوعد بمعنى الإنجاز استخداما لتكلفه. قوله: الا محالة) هو من التأكيد ولم يفسره بقادرين كما في الكشاف لما فيه من أنه خلاف الظاهر كما في الانتصاف لمان كان غير مسلم. قوله: (كتاب داود (بالجرّ عطف بيان للزبور أو مرفوع بمبتدأ محذوف أي هو أو الزبور المذكور كتاب داود واطلاق الذكر على اللوح المحفوظ مجاز وقد وقع في حديث البخاري في قوله: (خلق الله السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء) وكون الأرض أرض الجنة بعيد لكن ذكره بعد الإعادة يقربه والتعريف عليهما للعهد ومعنى أرثها كونهم يتولونها. قوله: (يعني عامة المؤمنين (هو ظاهر إن أريد أرض! الجنة وأما إذا أريد الأرض! المقدسة أو الشام لأنها ليست من الأرض المقدسة فلعله تبشير من الله بأنها لا تستقر في أيدي الكفار أبدا كما شاهدناه. قوله: (أو الذين كانوا يستضعفون) أي يقهرون من بني إسرائيل وهو إشارة إلى قوله تعالى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} وقد مرّ في الأعراف أنها أرض الشام وجهاتها الغربية والشرقية ولو ذكره المصنف هنا كان أولى فإنه أحد التفاسير وليست داخلة في الأرض! المقدسة، كما علم ومشارق ومغارب مفعول أورثنا. قوله:(لكفاية) تفسير للبلاغ فإنه بمعنى البلوغ وهو بلوغ النهاية ولما كان فيما يبلغ النهاية كفاية أطلقت عليها. وقوله: أو لسبب الخ إشارة إلى أنه مجاز مرسل كما بينه ويجوز أن يكون من الوصف بالمصدر مبالغة. وقوله: هممهم أي ما يهمهم هو عبادة الله لا ما اعتادوه من أمور الدنيا. قوله: (لأن ما بعثت الخ (إشارة إلى دفع ما يتوهم من أنه كيف تكون رسالته صلى الله عليه وسلم مقصورة على الرحمة مع تعذيب من عصاه في الدارين. بأنّ المقصود من بعثته الرحمة لكونه جاء بما يسعدهم إن اتبعوه ومن خالفه فإنما أتر! من قبله كالعين العذبة يسقي بها ويزرع فمن لم ينتفع بها
كسلا منه لا يضر في كونها نافعة فإن إلكسلان محنته على نفسه، وهذا ظاهر فلا حاجة إلى تفسير كونه رحمة
للكفار بما ذكر ولذا مرضه وفي جعل خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام خاتمة لسورة الأنبياء حسن يتضوع منه مسك الختام. توله: (أي ما يوحي إلئ إلا أنه الخ) يعني أنه وقع فيه حصران الأوّل لقصر الصفة على الموصوف والثاني لقصر الموصوف على الصفة فالثاني قصر فيه الله على الوحدانية والأوّل قصر فيه الوحي على الوحدانية والمعنى لا يوحي إليئ إلا اختصاص الله بالوحدانية وقد أورد عليه أمران الأول أنه كيف يقصر الوحي على الوحدانية، وقد أوحى إليه أمور كثيرة غيره كالتكاليف والقصص وغير ذلك، والثاني انّ أداة القصر إنما المكسورة لا المفتوحة كما صرحوا به ودفع الأوّل بوجهين الأوّل أنّ معنى قصره عليه أنه الأصل الأصيل وما عداه راجع إليه أو غير منظور إليه في جنبه فهو قصر ادعائيّ واليه أشار المصنف رحمه الله بقوله وذلك لأن المقصود الخ والثاني أنه قصر قلب بالنسبة إلى الشرك الصادر من الكفار السابق ذكرهم وكذا الكلام في القصر الثاني إذ له تعالى صفات أخر غير توحيده. ودفع الثاني بأنّ إنما المفتوحة ذهب الزمخشريّ إلى أنها مثل إنما المكسورة في ذلك ويؤيده هنا إنها بمعنى المكسورة لوقوعها بعد الوحي الذي هو في معنى القول ولأنها مقول قل في الحقيقة ولا شك في إفادتها التأكيد فإذا اقتضى المقام القصر كما نحن فيه انضم إلى التأكيد، لكنه ليس بالوضع كما في المكسورة. فقد جاء ما لا يحتمله كقوله وظن داود إنما فتناه ولذا فسره الزمخشري بقوله: ابتليناه لا محالة مع تصريحه بالحصر هنا وما كافة تحتمل الموصولية فيهما أو أحدهما والحاصل أنه وقع في إنما المفتوحة خلاف فذهب إلى أنها مثنه الزمخشري والمصنف وأكثر المفسرين وأنكره أبو حيان وذلك لأنها مؤوّلة بمصدر واسم مفرد وليست كالمكسورة المؤوّلة بما والا واليه أشار في الانتصاف، والمعنى لا يأباه وما تمسك به مردود والحق مع الجماعة. قوله:(مخلصون العبادة) أي المراد من الإسلام هنا لازمة وهو ما ذكر والأولى تفسيره بمنقادون لما يوحي من التوحيد. قوله: (وقد عرفت أن التوحبد مما يصح إثباته بالسمع) كما مرّ التصريح به في هذه السورة أي ليس التوحيد كإثبات الواجب الذي لا يثبت بالأدلة السمعية وإنما يثبت بالأدلة العقلية لأنه لو أثبت بالسمع لزم الدور إذ الدليل السمعي كلام الرسول صلى الله عليه وسلم فلو لم يثبت الله لم يثبت كلامه ولا رسوله بخلاف الوحدة فإنها غير موقوف عليها ذلك وهذا مشهور بين المفسرين والمتكلمين لكن صاحب الكشف قال: لأن التعدد يستلزم الإمكان على ما لخص في موضعه وما لم يعرف أنّ الله تعالى واجب الوجود لذاته خارج عن جميع الممكنات لم ينتظم برهان على الرسالة والآية لا تصلح دليلا لهم لأنه إنما يوحي إليه ذلك مبرهنا لا على قانون الخطابة فلعل نزولها. كان مصحوبا بالبرهان وتابعه عليه بعض الشراح، وليس بشيء على ما
بين في الكلام من أنه لا تلازم بينا وغير بين بين وجوب الوجود والوحدة ولو سلم فالعلم بوجوبه تعالى لا يتوقف عليه فإنه يثبت بالخروج عن نظام السلسلة لا عن جميع الممكنات لاحتمال تعدد السلسلة كما قيل. وهو مردود بأنه إشارة إلى برهان التمانع وهو قطعيئ لا إقناعي على الصحيح كما برهن عليه في الكلام وتحقيقه كما في شرح المقاصد أنّ بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وصدقهم لا يتوقف على الوحدانية فيجوز التمسك بالأدلة السمعية كإجماع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على الدعوة إلى التوحيد ونفي الشرك وكالنصوص القطعية من كتاب الله تعالى على ذلك. وما قيل إن التعدد يستلزم الإمكان لما عرفت من أدلة التوحيد وما لم تعرف أن الله تعالى واجب الوجود خارج عن جميع الممكنات لم يتأت إثبات البعثة والرسالة ليس بشيء لأنّ غايته استلزم الوجوب الوحدة لا استلزام معرفته معرفتها فضلاً عن التوقف وسبب الغلط عدم التفرقة بين ثبوت الشيء والعلم بثبوته انتهى. وتفريع الاستفهام الإنكاري هنا صريح في ثبوته بما ذكر لكن في هذا المقام بحث يعلم مما ذكر في برهان التمانع وقوله: إنما يوحي إليه ذلك مبرهنا الخ للإشارة إليه وقول المصنف على مقتضى الوحي المصدق بالحجة فيه ميل ما إليه لو لم يصرح بعده بما يدل على مراده فتأمل. قوله ة (أعلمتكم الخ (فسره به لأنه أفعال من الأذن بمعنى