الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال الحافظ ابن حجر:" أخرج ابن حبان الحديث من طريق ابن عيينة عن مالك بن مغول بلفظ يزيل الإشكال فقال: "سئل ابن أبي أوفى: هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ما ترك شيئا يوصي فيه. قيل: فكيف أمر الناس بالوصية ولم يوص؟ قال: أوصى بكتاب الله"، وقال القرطبي: استبعاد طلحة واضح لأنه أطلق، فلو أراد شيئا بعينه لخصه به، فاعترضه بأن الله كتب على المسلمين الوصية وأمروا بها فكيف لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم؟ فأجابه بما يدل على أنه أطلق في موضع التقييد، قال: وهذا يشعر بأن ابن أبي أوفى وطلحة بن مصرف كانا يعتقدان أن الوصية واجبة، كذا قال، وقول ابن أبي أوفى "أوصى بكتاب الله" أي بالتمسك به والعمل بمقتضاه، ولعله أشار لقوله صلى الله عليه وسلم: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لم تضلوا كتاب الله"، وأما ما صح في مسلم وغيره أنه صلى الله عليه وسلم: "أوصى عند موته بثلاث: لا يبقين بجزيرة العرب دينان" وفي لفظ: "أخرجوا اليهود من جزيرة العرب" وقوله: "أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم به" ولم يذكر الراوي الثالثة، وكذا ما ثبت في النسائي أنه صلى الله عليه وسلم "كان آخر ما تكلم به الصلاة وما ملكت أيمانكم" وغير ذلك من الأحاديث التي يمكن حصرها بالتتبع، فالظاهر أن ابن أبي أوفى لم يرد نفيه، ولعله اقتصر على الوصية بكتاب الله لكونه أعظم وأهم، ولأن فيه تبيان كل شيء إما بطريق النص وإما بطريق الاستنباط، فإذا اتبع الناس ما في الكتاب عملوا بكل ما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم به لقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} الآية، أو يكون لم يحضر شيئا من الوصايا المذكورة أو لم يستحضرها حال قوله، والأولى أنه إنما أراد بالنفي الوصية بالخلافة أو بالمال، وساغ إطلاق النفي أما في الأول فبقرينة الحال وأما في الثاني فلأنه المتبادر عرفا، وقد صح عن ابن عباس: "أنه صلى الله عليه وسلم لم يوص" أخرجه ابن أبي شيبة من طريق أرقم بن شرحبيل عنه، مع أن ابن عباس هو الذي روى حديث أنه صلى الله عليه وسلم أوصى بثلاث، والجمع بينهما على ما تقدم "(1).
المطلب السابع
قول ابن عباس رضي الله عنه (الرزية كل الرزية)
.
وقال ابن حجر:" قوله يوم الخميس هو خبر لمبتدأ محذوف أو عكسه، وقوله: وما يوم الخميس يستعمل عند إرادة تفخيم الأمر في الشدة والتعجب منه زاد في أواخر الجهاد من هذا الوجه ثم بكى حتى خضب دمعه الحصي. ولمسلم من طريق طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيتها على خديه كأنها نظام اللؤلؤ وبكاء بن عباس يحتمل لكونه تذكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فتجدد له الحزن عليه ويحتمل أن يكون أنضاف إلى ذلك ما فات في معتقده من الخير الذي كان يحصل لو كتب ذلك الكتاب ولهذا أطلق في الرواية الثانية أن ذلك رزية ثم بالغ فيها فقال كل الرزية وقد تقدم في كتاب العلم الجواب عمن أمتنع من ذلك
(1) فتح الباري 5/ 261.
كعمر رضي الله عنه قوله اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه زاد في الجهاد يوم الخميس وهذا يؤيد أن ابتداء مرضه كان قبل ذلك " (1).
قلت: هكذا جاء في بعض الروايات أنّ ابن عباس رضي الله عنه كان يقول حينما يذكر هذا الحديث:"الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب".والتي راح بعض المبتدعة يتشبثون بها افتراء أنّ ابن عباس قصد بها عمر رضي الله عنه ويجاب عليهم:
أنّ النص واضح كون ابن عباس بين سبب ترك النبي صلى الله عليه وسلم للكتابة وهو اختلاف بعض الصحابة، فقال عبيد الله فكان يقول ابن عباس: إنّ الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله رضي الله عنه وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب (لاختلافهم ولغطهم)،فالسبب إذن: اللغط والاختلاف في الأمر، فأين ذكر عمر رضي الله عنه فيه؟
ووجه ابن تيمية رحمه الله الأمر توجيهاً رائعاً إذ قال:" وقول ابن عباس رضي الله عنه إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أنْ يكتب الكتاب يقتضي أن هذا الحائل كان رزية وهو رزية في حق من شك في خلافة الصديق أو اشتبه عليه الأمر فإنه لو كان هناك كتاب لزال هذا الشك فأما من علم أن خلافته حق فلا رزية في حقه"(2).
فإنه لو خيرا لما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم،وإن كانت الوصية واجبة فلا يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يترك واجباً.
فالنبي صلى الله عليه وسلم أحرص الأنبياء على أمته بل وعلى جميع الناس، كما جاء في أحاديث الشفاعة العظمى والمقام المحمود، ولم يغمض عينيه إلا بعد أن بلغ رسالة ربه عز وجل، قال تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} المائدة3.
فالنبي صلى الله عليه وسلم شهيد على أمته، وأمته شهيدة على الناس، كما قال تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَاّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} البقرة143.
وأخرج البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يدعى نوح يوم القيامة فيقول لبيك وسعديك يا رب فيقول هل بلغت فيقول نعم فيقال لأمته هل بلغكم فيقولون ما أتانا من نذير
(1) فتح الباري 8/ 132.
(2)
منهاج السنة6/ 25.
فيقول من يشهد لك فيقول محمد وأمته فتشهدون أنه قد بلغ {ويكون الرسول عليكم شهيدا} فذلك قوله جل ذكره {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} (1).
ولا أدري كيف تكون هذه الأمة المعدلة بنصّ القرآن والسنة خير الأمم شهيدة للأنبياء على أممهم بين يدي الله، وهي مرتدة خائنة تاركة لوصية نبيها –حاشاها-!!
فالرزية كل الرزية ليست في حق من زكّاهم القرآن وشهد بفضلهم الملائكة والأنس والجآن، بل الرزية كل الرزية، والطامة كل الطامة في حق من خسر دينه ودنياه، فراح يمجد في أمة الأعاجم، ويفتخر بحضارة فارس، ثم يلعن ويسب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، واتباعه! ولإن بكى ابن عباس رضي الله عنه دموعاً على خديه، لاختلاف الناس على نبيهم، فلا أحسبه إلا أن يبكي دماً على من يفتري على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ويطعن في خير الأنبياء وخير الأجيال وخير الأمم؟ بل كأني به شحذ سيفه وسل رمحه ليقطع ألسنة الكذب ورؤوس الضلالة.
(1) صحيحه (4487).