الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقدمة
إن الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (آل عمران: 102)
وبعد: الحمد لله الذي أحسن خَلْقََنا ، وعدَّل خُلُقنا ، ونوَّر بصائرنا ، الحمد لله على نعمه المتعددة ، ومننه المتجددة ، نحمدك يا ربنا غير مستكثري الحمد ولا كافِّين نحمدك على نعمة اللسان فبه نشكرك ، وبه نحمدك ، وبه نقرأ كلامك فتُشفى صدورنا وتُروى عقولنا ، ولخطر جُرم هذا اللسان نرجو منك الإعانة على ألا نستبيح به عرض أحد ولا ننهش به لحم إخواننا ، ولا نتكلم إلا بما يُرضيك عنَّا، أنت ولي ذلك والقادر عليه.
واعلم أيها الإنسان أن مغبة الإفراط في ذنوب اللسان تؤول بك إلى النار ، فخف من لسانك وارق به عن فتات الكلام ، ولا تتكلم إلا إذا نُدِبت إلى الكلام ، ولا تتكلم إلا فيما يعنيك ، ولا تتكلم إلا بما لابد لك منه ، فمن خاف سلم ، واعلم أن باللسان قد تكفر
وباللسان قد تؤمن ، فاحترز من اللسان ، واعلم أن أول فريسة يفترسها اللسان صاحبه فلا تكن في غفلة عن هذا وضع خطر اللسان نصب عينيك.
واحذر أن تكون قتيل لسانك ، فقتيل اللسان ليس شهيدًا ، فلو قتلك لسانك فعقوبتك النار إلا أن يرحمك الله ، فلا تكن ممن سينكبون على مناخرهم يوم القيامة.
واعلم أن اللسان زارع لسيئاتك وحسناتك ، فإما أن تحصد به نار جهنم وأعوذ بالله لي ولك منها ، وإما أن تحصد به نعيم الدنيا والآخرة ونسأل الله هذا.
ونصيحتي لك أخي إذا هممت بكلام ترى فيه معصية لله ، أو نهش لحم أخيك ، أو غير ذلك من آفات اللسان ، أن تبدل هذا الكلام بذكر الله وتسبيحه ، فالكلام وإن كان في بعض الأحيان ضروري ، فالسكوت في كثير من الأحيان أفضل من الكلام ، ولو كنت فصيحا فهذه نعمة ، فلا تستخدم نعم الله عليك في غير طاعته ، أَيَمُنُّ عليك بنعمه فتستبيحها في معصية من وهبك إياها؟! ولو كنت حقًّا فصيحا فعليك أن تعلم أن من الفصاحة قلة الكلام ، فالعاقل الفطن من أغلق فمه وألجمه بلجام ، فيا أخي لا تطلق العنان للسانك فتندم أشد الندم يوم عرضك على خالقك.
واعلم أن للسان آفات ومحاسن ، فاتق آفاته وتنعم في محاسنه ، فآفاته كالكذب والنميمة ، والغيبة ، وذكر الناس بالباطل ، ورمي المحصنات الغافلات، وسب المسلم ولعنه والجدال والمراء ، وغير ذلك مما يوقعك في معصية الله ، فاتق هذه الآفات ، ومن محاسن اللسان ذكر الله وتسبيحه ، ودعوة الناس إلى الإسلام وحث المجاهدين على الحرب ، وقراءة القرآن والجهر به ، فعليك أن تنعم بهذه المحاسن.
ويا أخي حسن السمت في الصمت لا يعني ألا تتكلم أبدًا ، بل أن تتبع قواعد الكلام وتسير على نهج نبيك صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم والسلف الصالح في الكلام.
وقواعد الكلام كثيرة ، منها على سبيل المثال لا الحصر: ألا تتكلم إلا فيما يعنيك وتترك ما لا يعنيك ، ولا تتكلم إلا عندما تٌستدعى إلى الكلام ولا تجيب إلا عندما تسأل ، ولا تجيب إلا عن علم ، فالسلف الصالح كانوا يميلون إلى السكوت لا إلى الكلام ، بل منهم من كان يغضب عندما يسأله شخص عن مسألة هو - أي المسئول - على علم بها ، أما ما نراه اليوم من لغط الكلام وكثرته على علم وبدون علم وتعدى الناس اليوم وجرأتهم على كتاب الله وسنة نبيه ، فهم يفتون في الدين بغير علم ويكذبون على رسول الله وينسبون إليه أقوالًا وأحاديث وفتاوى لم تثبت عنه ، فليتبوءوا مقاعدهم من النار.
كان السلف الصالح يخافون من الكلام والفتوى وهم على علم ، ونحن نتكلم من غير علم - رحمنا الله وغفر لنا - ألا تعلم أنه إن كان السكوت في بعض الأحيان من الأشياء التي تندم عليها ، فإن ندمك على الكلام سيكون أكبر وأعظم ، بل إنك قد لا تندم على سكوتك وتندم على كلامك في كثير من الأحيان وجُلها.
أما بالنسبة لطالب العلم فإن عليه أن يميل إلى السكوت أكثر من العامة ، وعليه أن يتحلى بآداب الصمت وحسن السمت أكثر من غيره ، " فأدب العلم أكثر من العلم"(1) أي أن تعلم السمت الصالح في العلم أفضل من تعلم العلم نفسه ، فالسلف كانوا يتعلمون من شيوخهم هديهم قبل أن يأخذوا عنهم علمهم ، فكانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا العلم عنه نظروا إلى صلاته وسمته وهيئته ثم يأخذون عنه فعن الأعمش رضي الله عنه
…
قال: " كانوا يتعلمون من الفقيه كل شيء حتى لباسه ونعليه "(2)
(1) السفاريني في " غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب "(1/ 36)، ط: دار الكتب العلمية بيروت - لبنان.
(2)
" الآداب الشرعية في شرح منظومة الآداب " لابن مفلح المقدسي: (2/ 145)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وعمر القيام ، طبعة: مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة الثالثة ، 1419هـ / 1999م.
وعلى المتعلم بعد أن يصير عالمًا أن يٌرى حسن السمت في كل حياته وأن يتحلي به ففي شعب الإيمان " قد كان الرجل يطلب العلم فلا يلبث أن يٌرى ذلك في تخشعه وهديه ولسانه وبصره ويده "(1).
وخير من اهتدينا بهديه وسمته ودله ومشيه وحركاته ونومه وكل أفعاله نبينا صلى الله عليه وسلم ، وكانت السيدة فاطمة رضي الله عنها وأرضاها - أقرب الناس من سمت النبي صلى الله عليه وسلم ، كما قالت السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها (2).
من هنا ترجع أهمية هذا الكتاب الذي يحث فيه ابن أبي الدنيا على التحلي بالصمت وقام السيوطي رحمه الله باختصاره وأضاف كثيرًا من الأحاديث والأبيات الشعرية إليه لتكتمل الفائدة ، فقمت بإخراج هذا الكتاب مرة أخرى وبشكل جديد معتمدًا فيه على نسختين مخطوطتين ، بعد أن أخرجه نجم عبد الحمن خلف عام 1987 م وطبعته دار المأمون للتراث بدمشق ، أما كتاب الصمت فقد حقق أكثر من مرة تحت اسم
…
" الصمت وحفظ اللسان " تحقيق وتعليق محمد أحمد عاشور طبعته دار الاعتصام سنة 1406 هـ ، في 365 ص.
ومرة تحت اسم " الصمت وآداب اللسان " دراسة وتحقيق نجم عبد الرحمن خلف طبعته دار الغرب الإسلامي سنة 1406 هـ بيروت في 754 ص.
وأخرى قام بتحقيقه أبو إسحاق الحويني ، وطبعته: دار الكتاب العربي 1410هـ ، تحت اسم "الصمت وآداب اللسان "، واعتمدت في مقابلة " حسن السمت في الصمت " بكتاب " الصمت على طبعة مؤسسة الكتب الثقافية 1414هـ - 1993م بتحقيق: محمد عبد القادر عطا.
(1)" شعب الإيمان " للبيهقي (2/ 291)، تحقيق: محمد السعيد بسيوني زغلول ، ط: دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان ، الطبعة الأولى 1410هـ ، (1 - 7).
(2)
سنن الترمذي (3872)، تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون ، ط: دار إحياء التراث العربي - بيروت
…
(1 - 5).