الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
وَيحرم أَن يدْخل الْحمام بِلَا ستْرَة من مئزر وَنَحْوه كَمَا تقدم فِي الحَدِيث:. . وَمن كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يدْخل الْحمام إِلَّا بمئزر. وَكتب عمر بن الْخطاب رضي الله عنه إِلَى أُمَرَاء الأجناد: أَن لَا يدْخل الرجل الْحمام إِلَّا بمئزر، وَلَا امْرَأَة إِلَّا من سقم. وَكَذَلِكَ فعل عمر بن عبد الْعَزِيز.
وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا وَكِيع عَن مُوسَى بن عُبَيْدَة قَالَ: رَأَيْت عمر بن عبد الْعَزِيز يضْرب صَاحب الْحمام وَمن دخله بِغَيْر إِزَار.
وَقَالَ سعيد بن جُبَير: حرَام عَلَيْهِم دُخُول الْحمام بِغَيْر إِزَار. وَهَذَا مِمَّا لَا خلاف فِيهِ بَين أحد من السّلف. وَأَيْضًا فَإِن ستر الْعَوْرَة عَن عُيُون النَّاس وَاجِب بِالْإِجْمَاع، وَالنَّص. قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَا ينظر الرجل إِلَى عَورَة الرجل، وَلَا الْمَرْأَة إِلَى عَورَة الْمَرْأَة، وَلَا يُفْضِي الرجل إِلَى الرجل فِي ثوب وَاحِد، وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَة إِلَى الْمَرْأَة فِي ثوب وَاحِد رَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة أبي سعيد.
وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي كتاب الْمَرَاسِيل: حَدثنَا ابْن [السَّرْح] عَن ابْن وهب عَن عبد الرَّحْمَن يَعْنِي ابْن سلمَان عَن عَمْرو ابْن أبي عَمْرو مولى الْمطلب: أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لعن النَّاظر والمنظور إِلَيْهِ. وَإِنَّمَا وَقع الْخلاف بَين الْعلمَاء فِيمَا إِذا كَانَ الشَّخْص خَالِيا وَحده، هَل يجب عَلَيْهِ التستر أم لَا
على قَوْلَيْنِ:
[أَحدهمَا] : نعم لحَدِيث بهز بن حَكِيم بن مُعَاوِيَة بن حيدة الْقشيرِي عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: قلت يَا رَسُول الله، عوراتنا مَا نأتي مِنْهَا وَمَا نذر فَقَالَ: احفظ عورتك إِلَّا من زَوجتك أَو مَا ملكت يَمِينك. قلت: فَإِذا كَانَ الْقَوْم بَعضهم فِي بعض قَالَ: إِن اسْتَطَعْت أَن لَا ترينها أحدا، فَلَا ترينها. قلت: فَإِذا كَانَ أَحَدنَا خَالِيا قَالَ: فَالله أَحَق أَن يستحى مِنْهُ.
رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده، وَأهل السّنَن الْأَرْبَعَة فِي كتبهمْ.
وعلقه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بِصِيغَة الْجَزْم.
وَذكر ابْن أبي شيبَة بِسَنَدِهِ إِلَى عُرْوَة عَن أَبِيه أَن أَبَا بكر الصّديق رضي الله عنه قَالَ وَهُوَ يخْطب النَّاس: يَا معشر النَّاس اسْتَحْيوا من الله فو الَّذِي [نَفسِي] بِيَدِهِ إِنِّي لأظل حِين أذهب إِلَى الْغَائِط فِي الفضاء مغطيا رَأْسِي استحياء من رَبِّي عز وجل
وَقَالَ: حَدثنَا حَفْص بن غياث عَن الْحسن بن عبيد الله قَالَ: [برزت] إِلَى الْحمام، فرآني أَبُو صَادِق، فَقَالَ لي: مَعَك إزارا فإنني سَمِعت عَليّ بن أبي طَالب يَقُول: من كشف عَوْرَته أعرض عَنهُ الْملك.
وَقَالَ: حَدثنَا يزِيد بن هَارُون [أخبرنَا] حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن أنس عَن أبي مُوسَى قَالَ: إِنِّي لأغتسل فِي الْبَيْت المظلم، فأحني ظَهْري إِذا أخذت ثوبي حَيَاء من رَبِّي عز وَجل
وَقَالَ أَيْضا رضي الله عنه: مَا أَقمت صلبي فِي غسل مُنْذُ أسلمت.
وَهَذِه أَسَانِيد صَحِيحَة.
وَنَصّ الإِمَام أَحْمد رحمه الله على كَرَاهَة دُخُول الْحمام بِغَيْر إِزَار.
وَقَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، هُوَ بالإزار أفضل، لِأَن الْحسن وَالْحُسَيْن دخلا الْحمام وَعَلَيْهِمَا بردَان. فَقيل لَهما فِي ذَلِك فَقَالَا: إِن للحمام سكانا
(وَالْقَوْل الثَّانِي) : أَنه لَا يجب التستر فِي حَال الْخلْوَة، وحملوا هَذَا الحَدِيث على النّدب.
وَقد يسْتَأْنس لهَذَا القَوْل بقوله تَعَالَى: {أَلا إِنَّهُم يثنون صُدُورهمْ ليستخفوا مِنْهُ أَلا حِين يستغشون ثِيَابهمْ يعلم مَا يسرون وَمَا يعلنون إِنَّه عليم بِذَات الصُّدُور} .
قَالَ ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما: نزلت هَذِه الْآيَة فِي أنَاس كَانُوا يستحيون أَن يتخلوا فيفضوا إِلَى السَّمَاء، وَأَن يجامعوا نِسَاءَهُمْ فيفضوا إِلَى السَّمَاء رَوَاهُ البُخَارِيّ.
مَسْأَلَة: اخْتلف الْعلمَاء هَل يكره أَن يدْخل إِلَى الْحمام وَفِيه من لَيْسَ لَهُ إِزَار يستره
فروى الإِمَام الْحَافِظ ابْن أبي شيبَة: عَن مُحَمَّد بن سِيرِين كَرَاهَة
ذَلِك لِئَلَّا يرى عَوْرَاتهمْ.
وَقَالَ سلمَان الْفَارِسِي رضي الله عنه: لِأَن أَمُوت ثمَّ أنشر ثمَّ أَمُوت ثمَّ أنشر ثمَّ أَمُوت، أحب إِلَيّ من أَن أرى عَورَة الرجل أَو يَرَاهَا مني
روى ذَلِك عَن وَكِيع عَن هِشَام بن الْغَاز عَن عبَادَة بن نسي عَن قيس بن الْحَارِث عَنهُ.
وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا عبيد الله بن مُوسَى عَن زِيَاد بن عبد الرَّحْمَن قَالَ: رَأَيْت أَبَا جَعْفَر دخل الْحمام، وَعَلِيهِ إِزَار إِلَى الرُّكْبَتَيْنِ، وَفِيه أنَاس بِغَيْر أزر.
مَسْأَلَة هَل يسْتَحبّ أَن يسلم الدَّاخِل إِلَى الْحمام
فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال:
أَحدهَا: أَنه يسلم كَسَائِر الْأَمَاكِن.
وَالثَّانِي: لَا يسلم، لِأَنَّهُ مَحل لَا يُرَاد لِلْعِبَادَةِ، فَلَا يسْتَحبّ فِيهِ السَّلَام كالحش.
وَالثَّالِث: أَنه يسلم على من هُوَ مستتر بمئزر، وَلَا يسلم على من هُوَ مَكْشُوف الْعَوْرَة.
وَهَذَا القَوْل هُوَ الَّذِي حَكَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ رحمه الله وَهُوَ أحْسنهَا.
(مَسْأَلَة) : وعورة الرجل قبله وَدبره بِاتِّفَاق الْعلمَاء، وَهل الْفَخْذ من الْعَوْرَة
فِيهِ أَقْوَال الْعلمَاء:
أَحدهَا: وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي، وَمَالك، وَأبي حنيفَة، وَرِوَايَة عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه من الْعَوْرَة.
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَول الإِمَام أَحْمد: حَدثنَا [حُسَيْن] بن مُحَمَّد [حَدثنَا] ابْن أبي الزِّنَاد عَن أَبِيه عَن زرْعَة بن عبد الله بن جرهد عَن جرهد رضي الله عنه: أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مر على جرهد، وفخذ جرهد مكشوفة فِي الْمَسْجِد، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: غط فخذك فَإِن الْفَخْذ عَورَة. هَكَذَا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل.
وَقد رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: عَن الْحسن بن عَليّ عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن أبي الزِّنَاد قَالَ: أَخْبرنِي ابْن جرهد وَلم يسمعهُ عَن أَبِيه: أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم مر بِهِ فَذكر مَعْنَاهُ
وَقَالَ: حسن.
وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي كتاب الْحمام: حَدثنَا القعْنبِي عَن مَالك عَن أبي النَّضر عَن زرْعَة بن عبد الرَّحْمَن بن جرهد عَن أَبِيه قَالَ: كَانَ جرهد من أَصْحَاب الصّفة، أَنه قَالَ: جلس رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عندنَا وفخدي منكشفة فَقَالَ: أما علمت أَن الْفَخْذ عَورَة
. وَهَذَا الحَدِيث مَحْفُوظ فِي أَصله، وَإِن اخْتلف فِيهِ بعض الروَاة، وَقد دونه مَالك فِي موطئِهِ، وَمَالك لَا يروي إِلَّا الَّذِي لَهُ أصل فِي الْجُمْلَة. وَلِهَذَا علقه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه، وَقَالَ: حَدِيث جرهد أحوط، وَحَدِيث أنس أسْند
وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه. وَلَا نَعْرِف لجرهد سوى هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ جرهد بن رزاح بن عدي أَبُو عبد الرَّحْمَن الْأَسْلَمِيّ. وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من وُجُوه أخر:
وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: حَدثنَا [هشيم][حَدثنَا] حَفْص بن ميسرَة عَن الْعَلَاء عَن أبي كثير مولى مُحَمَّد بن جحش [عَن مُحَمَّد ابْن جحش] ختن النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَنه مر على معمر وَهُوَ بِفنَاء الْمَسْجِد مُحْتَبِيًا، كاشفا عَن طرف فَخذه، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: خمر فخذك يَا معمر فَإِن الْفَخْذ عَورَة. انْفَرد بِهِ أَحْمد.
وَمُحَمّد بن جحش بن ربَاب أَبُو عبد الله الْأَسدي، ابْن أخي زَيْنَب بنت جحش أم الْمُؤمنِينَ زوج النَّبِي صلى الله عليه وسلم، لَهُ حديثان هَذَا أَحدهمَا، وَالْآخر رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث الْعَلَاء عَن أبي كثير عَنهُ فِي التَّشْدِيد فِي
الدّين. وَقد رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد عَن عبد الله بن عَبَّاس أَيْضا فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَابق [حَدثنَا] إِسْرَائِيل عَن أبي يحيى القَتَّات عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: مر النَّبِي صلى الله عليه وسلم على رجل وَفَخذه خَارِجَة فَقَالَ: غط فخذك، فَإِن فَخذ الرجل من عَوْرَته.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْفَخْذ لَيْسَ بِعَوْرَة، وَهُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَب الإِمَام أَحْمد، وَرِوَايَة عَن مَالك، وَوجه فِي مَذْهَب الشَّافِعِي، وَهُوَ اخْتِيَار الإِمَام أبي سعيد الْإِصْطَخْرِي، وَمذهب دَاوُد الظَّاهِرِيّ.
ويحتج لَهُ بِحَدِيث أنس رضي الله عنه فِي غَزْوَة خَيْبَر حَيْثُ قَالَ فِيهِ: فَأجرى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي زقاق خَيْبَر ثمَّ حسر الْإِزَار عَن فَخذه حَتَّى إِنِّي لأنظر إِلَى بَيَاض فَخذ نَبِي الله صلى الله عليه وسلم وَذكر بَقِيَّة الحَدِيث
رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم
وَفِي رِوَايَة لمُسلم: انحسر الْإِزَار عَن فَخذ نَبِي الله صلى الله عليه وسلم.
قَالَ البُخَارِيّ: ويروى عَن ابْن عَبَّاس، وجرهد وَمُحَمّد بن جحش عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم: الْفَخْذ عَورَة وَقَالَ أنس: حسر النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَن فَخذه وَحَدِيث أنس أسْند، وَحَدِيث جرهد أحوط حَتَّى يخرج من اخْتلَافهمْ. انْتهى كَلَامه
وَلَا شكّ فِيمَا قَالَه البُخَارِيّ رحمه الله وَرَضي عَنهُ.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن الْفَخْذ عَورَة فِي الْمَلأ، وَبَين الْجَمَاعَة وَأما مَعَ الرجل وَالرّجلَيْنِ فَلَا بَأْس بكشفهما
لحَدِيث عَائِشَة رضي الله عنها قَالَت كَانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم مُضْطَجعا فِي بَيته، كاشفا عَن فَخذيهِ أَو سَاقيه، فَاسْتَأْذن أَبُو بكر رضي الله عنه، فَأذن لَهُ وَهُوَ على تِلْكَ الْحَال، فَتحدث، ثمَّ اسْتَأْذن عمر رضي الله عنه، فَأذن لَهُ وَهُوَ كَذَلِك، فَتحدث، ثمَّ اسْتَأْذن عُثْمَان رضي الله عنه فَجَلَسَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَسوى ثِيَابه، فَدخل فَتحدث. فَلَمَّا خرج قَالَت عَائِشَة: دخل أَبُو بكر فَلم [تهش] لَهُ، وَلم تباله ثمَّ دخل عمر فَلم [تهش] لَهُ، وَلم تباله ثمَّ دخل عُثْمَان فَجَلَست، وسويت ثِيَابك فَقَالَ: أَلا أستحي من رجل تَسْتَحي مِنْهُ الْمَلَائِكَة رَوَاهُ مُسلم.
وَرَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فَقَالَ: كاشفا عَن فَخذه من غير شكّ. وروى أَيْضا: عَن حَفْصَة قَالَت: دخل عَليّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ذَات يَوْم، فَوضع ثَوْبه بَين فَخذيهِ فجَاء أَبُو بكر يسْتَأْذن، فَأذن لَهُ وَهُوَ على هَيئته
…
وَذكر نَحْو حَدِيث عَائِشَة فَلَمَّا اسْتَأْذن عُثْمَان، فتجلل بِثَوْبِهِ ثمَّ أذن لَهُ. فَقَالُوا: وَلِهَذَا أَمر جرهد الْأَسْلَمِيّ بتغطية فَخذه لما كَانَ فِي [مَلأ] من النَّاس. وَهَذَا الْمَذْهَب اخْتَارَهُ الإِمَام أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُسلم بن قُتَيْبَة فِي كِتَابه مُشكل الحَدِيث، وَجمع بَين الْأَحَادِيث فِي ذَلِك بِهَذَا [الْجمع] وَالله تَعَالَى أعلم بِالصَّوَابِ.
القَوْل الرَّابِع: أَن الْفَخْذ عَورَة فِي الْمَسْجِد، وَلَيْسَ بِعَوْرَة فِي الْحمام. وَهَذَا الْمَذْهَب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ: عَن أَحْمد بن المعلي الدِّمَشْقِي القَاضِي عَن هِشَام بن عمار عَن [إِسْمَاعِيل بن عبد الله بن سَمَّاعَة] عَن أبي
عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ رحمه الله
وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح. وَكَانَ شَيخنَا الْحَافِظ أَبُو الْحجَّاج الْمزي يصحح ذَلِك، ويرجحه، وَيعْمل بِهِ فِي الْخلْوَة من الْحمام رحمه الله
وَكَأَنَّهُ جمع بَين حَدِيث جرهد، وَغَيره، بِهَذَا الْوَجْه، وَالله أعلم. وَالَّذِي يظْهر وَالله أعلم أَن الْفَخْذ عَورَة، لحَدِيث جرهد، وَمُحَمّد ابْن جحش، وَابْن عَبَّاس وَلَكِن لَيست كالسوأتين، لحَدِيث أنس، وَعَائِشَة، وَحَفْصَة. وَحَاصِل ذَلِك أَن الْفَخْذ عَورَة مُخَفّفَة، وَالله أعلم.
(فرع) إِذا قيل بِأَن الْفَخْذ عَورَة، فَهَل تكون السُّرَّة وَالركبَة داخلتين فِي حكمه
فِيهِ أَرْبَعَة أوجه: أَحدهمَا: تدخلان، لِأَنَّهُمَا يكشفان الْعَوْرَة، فجعلناهما مِنْهَا، لِأَن حكم حَرِيم الشَّيْء كحكمه. وَلِحَدِيث أبي مُوسَى: أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ قَاعِدا، فِي مَكَان فِيهِ مَاء، قد كشف عَن رُكْبَتَيْهِ أَو ركبته فَلَمَّا دخل عُثْمَان غطاها
وَالثَّانِي: تدخل السُّرَّة دون الرّكْبَة، لِأَن السُّرَّة أشبه بالفخذ من الرّكْبَة، لحَدِيث أبي الدَّرْدَاء رضي الله عنه قَالَ: كنت جَالِسا عِنْد النَّبِي
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذا أقبل أَبُو بكر آخِذا بِطرف ثَوْبه، حَتَّى أبدى عَن ركبته. فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: أما صَاحبكُم فقد غامر. . وَذكر الحَدِيث
رَوَاهُ البُخَارِيّ
وَالْحجّة فِيهِ، أَنه لم يُنكر عَلَيْهِ ذَلِك
وَلنَا وَجه حَكَاهُ الرَّافِعِيّ، وَالنَّوَوِيّ: أَن الرّكْبَة تدخل دون السُّرَّة وَهُوَ غَرِيب جدا. وَالله أعلم
وَنَقله فِي الشَّامِل عَن أبي حنيفَة، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح رحمهمَا الله وَاحْتج لَهما بِمَا روى أَبُو الْجنُوب عقبَة بن عَلْقَمَة عَن عَليّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: الرّكْبَة من الْعَوْرَة
ثمَّ قَالَ: وَأَبُو الْجنُوب لَا تثبته أهل النَّقْل.
وَالرَّابِع لَا تدخلان. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح مذهبا ودليلا، وَهُوَ قَول مَالك رحمه الله، وَرِوَايَة عَن أَحْمد. لحَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذا زوج أحدكُم عَبده، أَو أمته، أَو أجيره، فَلَا ينظر إِلَى شَيْء من عَوْرَته، فَإِن مَا أَسْفَل من سرته إِلَى ركبته، من عَوْرَته.
رَوَاهُ أَحْمد وَهَذَا لَفظه، وَأَبُو دَاوُد قَالَ: فَلَا ينظر إِلَى مَا دون السُّرَّة وَفَوق الرّكْبَة. ونسخة عَمْرو بن شُعَيْب، من حسان [الْأَحَادِيث] عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء إِذا صَحَّ الْإِسْنَاد إِلَيْهِ. وَقد اعتضد هَا هُنَا، بِحَدِيث أبي الدَّرْدَاء الْمُتَقَدّم، وَبِمَا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد عَن عُمَيْر بن إِسْحَاق قَالَ: كنت مَعَ الْحسن بن عَليّ رضي الله عنهما، فلقيا أَبُو هُرَيْرَة، فَقَالَ لِلْحسنِ: أَرِنِي أقبل مِنْك حَيْثُ رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يقبل فَرفع قَمِيصه فَقبل سرته