الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يحصل العلم بكمال صانعها الكمال الذي لا يحاط به، وذلك تمام الإيمان إن كان معه تصديق برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وإلا فلا ينفع صاحبه بشيء.
وقول العلامة الرازي أن هذا اللون
…
إلخ، معارض بما هو أقوى منه حسبما تقف عليه إن شاء الله تعالى، أو نحمل قوله على القول الذي يقول: إن هذا اللون الذي نراه مكتسب، وليس هو لون السماء الأصلي.
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن كعب، قال: السماء أشد بياضا من اللبن. وأخرج عبد الرازق وابن أبي حاتم عن سفيان الثوري، قال: تحت الأرضين صخرة، بلغنا أن تلك الصخرة منها خضرة السماء.
فالعلامة إنما نفى كون اللون الذي نراه لون السماء الأصلي، وهو قول كما سمعت. وأما أهل الفنون العصرية فإن كانوا نافين لمجرد اللون فالجواب عن قولهم ما سمعت، وإن كانوا نافين لذات السماء فتقدم الرد عليهم، وبما هنا يرد عليهم أيضا، وما يعارض به ظاهر كلام العلامة الرازي.
أخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة عن إياس بن معاوية، قال:"السماء مقبية على الأرض مثل القبة". وأخرج ابن أبي حاتم عن القاسم بن أبي برة، قال:"ليست السماء مربعة، ولكنها مقبوة يراها الناس خضراء" ا. هـ.
وأخرج أبو الشيخ عن سلمان الفارسي، قال:"السماء من زمردة خضراء" ا. هـ.
سؤال: قانون النشوء التدريجي ونظرية داروين القاضية بأن أصل الإنسان قرد وأنه قبل ذلك كان مكروبا صغيرا ثم ترقى
…
إلخ
؟
الجواب، والله الموفق للصواب: أن قائل هذا القول ومعتقده ليس من أهل القبلة، بل ليس من أهل العلم، بل ليس من العقلاء الذين تصان أقوالهم عن العبث حسبما يأتي إن شاء الله تعالى، فلا ينبغي لأهل الفضل أن يسرحوا نظرهم في
مثل هذا الهذيان، إلا إذا أرادوا الرد على أهله أو إنقاذ من تشبث بذلك من ضعفة المسلمين ليقوه من الهلاك الأبدي والخزي السرمدي، فلا بأس بذلك، بل قد يجب إن ظن بذلك حصول الفائدة.
وقد تقدم لنا في جواب السؤال عن كيفية وسوسة الشيطان أنه يجب على المسلم أن يكف نفسه عن اتباع أقوال غير أهل الإسلام مما فيه مخالفة للدين، وأي مخالفة أعظم من مخالفة صاحب هذا القانون، حيث خالف صريح القرآن وسنة سيد ولد عدنان، القاضيين بأن الإنسان خلق من أول وهلة على أكمل صورة وركب على أحسن تركيب.
ولنمهد لك تمهيدا قبل ذكر بعض الآيات والأحاديث الدالة على ما ذكرته، وذلك أن لفظ إنسان يطلق تارة على آدم عليه الصلاة والسلام، وتارة على ذريته، وتارة على النوع؛ لوجود الاستثناء في ذلك التركيب، والاستثناء معيار العموم، فمن الإطلاق الأول والثاني قوله تعالى {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} ، ومن الثالث {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} .
فالإنسان بمعنى الذرية لا يمكن حمل كلام هذا القائل عليه؛ لأن العيان يكذبه، والمشاهدة تنبذه، والنوع غير مراد له أيضا، فلم يبق معنا إلا الإطلاق الأول، والرد فيه على هذا القائل أوضح إن كان معترفا بالإله الفاعل المختار، حيث إن الأخبار على كمال خلقته وحسن صورته من أول نشأته صادرة من خالقه ومصوره، مَنْ تُنَزَّهُ عن الكذب أخباره، وصادرة أيضا من رسول رب العالمين، مَنْ تُنَزَّهُ عن الكذب أخباره؛ كما سطر ذلك في أصول علم الدين.
أما أخبار الله تعالى فهي قوله
تعالى {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} ، وقوله تعالى (1)
{لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} ، وقوله تعالى {وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ
(1) قوله {لَقَدْ خَلَقْنَا}
…
إلخ: اعلم أن كل ذي بصيرة سليمة يذعن بأن خلقة الآدمي أشرف خلقة أوجدها الله تعالى. أما بحسب الذي رأيناه أو سمعناه من الأخبار عن جميع العصور والأقطار فما بلغنا أن أحدا خالف في ذلك، وأما فيما لم نره سواء سمعنا به أو لا، فإخبار من لا أحد أصدق منه قيلا، حيث قال جل شأنه؛ مؤكدا بإقسامه عنها بأربعة أشياء لا يحيط بشرفها وعظمتها إلا هو، وهي:{والتين والزيتون} إلى أن قال: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} بصيغة اسم التفضيل، وقال تعالى:{وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} ، ولما ذكر تعالى خلقة الإنسان، قال تعالى:{فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} .
ولذا قال في الإبريز: ليس في مخلوقات الله كلها أحسن خلقة من بني آدم، فذواتهم هي أحسن ذوات المخلوقات وأفضلها وأرفعها وأقومها. والعقل إذا تأمل في التفاصيل التي في ذات الآدمي، والتركيب الذي بين أجزائها، والترتيب الذي بين مفاصلها وعروقها، والمحاسن التي اشتمل صنع الله عليها في ظاهرها وباطنها -حار وعلم عظمة خالقها ومصورها سبحانه، وفضل ذاته حتى على ذات الملك؛ لأنه اجتمع فيه مخلوقات لم تجتمع في ذات الملك، وكل ما في ذات الملك هو في ذات الآدمي وزيادة، فإن ذات الملك من نور وركب في ذلك النور عقل، هذا ما في ذات الملك لا غير، وذات الآدمي فيها ذلك النور، وفيها العقل، وفيها الروح، وفيها ألوان من تراب ونار وريح وماء، وفي كل واحد منها سر من أسرار قدرة الله عز وجل، فباجتماعها في ذات واحدة تقوى الأسرار في تلك الذات، ولهذا كانت تطيق من الأسرار ما لا تطيقه ذات الملك، ولذا صور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عليها، فإنه أقوى المخلوقات في تحمل الأسرار الربانية، فلو كانت هناك ذات أقوى من ذات الآدمي لصور سيد الوجود صلى الله عليه وسلم عليها، وقد أشار لذلك الإمام القشيري في التحبير عند شرح أسماء الله الحسنى، ومع كون ذات الآدمي أحسن الذوات جرى في سابق علمه أن جعل طائفة منها إلى الجنة وطائفة إلى النار لوضع الحجاب عليها، فزالت معرفتها بخالقها، وحصل منها ما حصل، وهو عبارة عن ظلام من ظلام جهنم، كسيت به الذات فحجبها عن الحق ومعرفته، ولولا الحجاب لكانت كالملك ا. هـ. وقال سيد علي الخواص: لولا الأكل ما حجبت، ولولا الحجب ما عصى.
طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ}، فهذه الآيات ونحوها ناطقة بأن نشأة الإنسان كانت من أول مرة على أحسن صورة وأكمل إتقان، لا كما يدعيه صاحب هذا القول السخيف، إن كان مراده بالإنسان الذي كان أصله مكروبا
…
إلخ - آدم عليه السلام، وأما إذا كان لا يعترف بآدم كما هو رأي كثيرين مثله فالبحث معه يكون من غير هذا الوجه الذي ذكرته.
وأما أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، فأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا، قال: اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة، فاسمع ما يجيبونك به، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فذهب، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوا: ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعا، فلم تزل الخلق تنقص حتى الآن".
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن أبي الدنيا في صفة الجنة، والطبراني في الكبير عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين، وهم على خلق آدم، طوله ستون ذراعا، في عرض سبعة أذرع"، وفيما ذكرته كفاية لمن كان له قلب أو ألقي السمع وهو شهيد. (1)
تنبيه: مهم لمن له أذن واعية وقلب سليم، وهو أن كثيرا ممن تعاطوا كتب غير أهل الإسلام وتتلمذوا لهم أو لمن تتلمذ لهم قبل حصول شيء في أفئدتهم من عقائد المسلمين يصدقون بما في تلك الكتب ويعتقدون صحة ما فيها ويذيعونها بين السذج، بل ربما يصرحون بها في المحافل المشتملة على أهل العلم من غير مبالاة، من قبيل "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" على قول، ولو كان ما في تلك الكتب وما تلقوه عن مشايخهم مخالفا ومنابذا لدين الإسلام.
ولقد صرح بعض متصوفي بني غازي في محفل غاص بأهله بأنه لا سد في الأرض لقول كثير من الكشافين بأنهم لم يعثروا عليه، فبادره قاضي المرج الشيخ عبد الرحمن من أهالي الوجه بقوله: لقد كفرت حيث صدقت الكشافين وكذبت الله في خبره. ولما سقط في يده أمام الحاضرين رجع يعتذر بأنه ليس معتقدا لذلك، وإنما أراد مجرد الإخبار عن قولهم، وقس على هذا ما شابهه من كونهم كشفوا عن الكواكب السيارة فوجدوا فيها عوالم وأراضي وجبالا وأنهارا وأبحرا وغير ذلك مما لم يشهد بثبوته الشرع، بل هو
(1) قوله: تنبيه
…
إلخ، ومن أراد بسط الكلام على ما تضمنه هذا التنبيه فعليه بكتاب "إرشاد الحيارى في تحذير المسلمين من مدارس النصارى" للشيخ النبهاني، فإنه احتوى على أربعين فصلا جمع فيها فأوعى، وتعلم إذ ذاك باعتبار ما يترتب على ذلك من مفاسد الدين أن التفرقة بين إضافتها للنصارى أو المسلمين لفظية، وإلا فكلا القسمين يرجع للنصرانية.