المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌والآن يأتي سؤال آخر، وهو: ما الوسائل التي شرعها الله سبحانه وتعالى وبينها رسوله للوصول إلى هذه الغاية؟ وبمعنى آخر: كيف تزكو النفس وتصبح طيبة؟ وما الذي صنعه الرسول حتى يقوم بهذا الواجب - الأصول العلمية للدعوة السلفية

[عبد الرحمن بن عبد الخالق]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الأول بين يدي الكتاب

- ‌مقدمة الطبعة الثانية

- ‌شبهات وردود:

- ‌ومن هذه الشبهات على سبيل المثال: قولهم: لماذا تتسمون بالسلفية وهو لم يرد في كتاب ولا سنة

- ‌الشبهة الثانية: قول بعضهم: "أنتم مقلدون

- ‌مقدمة الطبعة الأولى

- ‌الباب الثاني الأصول العلمية للدعوة السلفية

- ‌أولاً: التوحيد

- ‌أولاً: الإيمان بصفات الله سبحانه وأسمائه على الوجه الذي يليق به سبحانه وتعالى دون تحريف أو تأويل

- ‌ثانياً: إفراد الله سبحانه وتعالى وحده بالعبادة

- ‌ثالثاً: الإيمان بأن لله وحده سبحانه وتعالى وليس لأحد سواء حق التشريع للبشر في شؤون دنياهم

- ‌رابعاً: نؤمن في المنهج السلفي أن قضايا التوحيد الثلاثة السالفة قضايا لا تتجزأ ولا تقبل المساومة؛ لأنها أركان في فهم العقيدة السليمة وفي معنى لا إله إلا الله

- ‌وقد يسأل سائل: لماذا تهتمون بالتوحيد هكذا وتجعلونه الأصل الأول من أصول الدعوة السلفي

- ‌ثانياً: الاتباع

- ‌أولا: أن يعلم أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول مبلغ عن ربه جل وعلا، وأنه قد جاء بوحيين: الأول كتاب الله القرآن. الثاني: سنته صلى الله عليه وسلم

- ‌ثانياً: الدين هو المنهج والطريق والحكم والصبغة العامة، وليس هو التقرب فقط؛ كالمفهوم الشائع بين الناس اليوم

- ‌ثالثاً: للأمرين السابقين تصبح منزلة الرسول صلى الله عليه وسلم في الطاعة المطلقة لا تدانيها منزلة لأحد من البشر

- ‌رابعاً: لا تكمل هذه المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم؛ إلا بكمال الحب له

- ‌1- القول بجواز التقليد:

- ‌2- الإفتاء بغير علم ودليل:

- ‌3- توعير طريق دراسة القرآن والسنة:

- ‌4- إيقاف العمل بالشريعة في كثير من نواحي الحياة

- ‌ثالثاً: التزكية

- ‌السؤال الآن: ما هي التزكية التي عرفنا آنفاً أنها إحدى وظائف النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌والآن يأتي سؤال آخر، وهو: ما الوسائل التي شرعها الله سبحانه وتعالى وبينها رسوله للوصول إلى هذه الغاية؟ وبمعنى آخر: كيف تزكو النفس وتصبح طيبة؟ وما الذي صنعه الرسول حتى يقوم بهذا الواجب

- ‌والمنهج السلفي يقوم بين المنهجين السابقين:

- ‌الباب الثالث أهداف الدعوة السلفية

- ‌أولا: إيجاد المسلم الحقيقي:

- ‌ثانياً: المجتمع المسلم الذي تكون كلمة الله فيه هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى:

- ‌ثالثا: إقامة الحجة لله:

- ‌رابعاً: الإعذار إلى الله بأداء الأمانة:

- ‌الباب الرابع مميزات الدعوة السلفية

- ‌ أولاً: تحقيق التوحيد:

- ‌ ثانيا: تحقيق الوحدة:

- ‌أولا: الاختلاف في العقائد ومسائل الإيمان:

- ‌ثانيا: الاختلافات العملية:

- ‌ثالثاً: تيسير فهم الإسلام:

الفصل: ‌والآن يأتي سؤال آخر، وهو: ما الوسائل التي شرعها الله سبحانه وتعالى وبينها رسوله للوصول إلى هذه الغاية؟ وبمعنى آخر: كيف تزكو النفس وتصبح طيبة؟ وما الذي صنعه الرسول حتى يقوم بهذا الواجب

وهي تزكية النفس التي جاء الرسول من أجلها صلوات الله وسلامه عليه.

وبهذا البيان نصل إلى حقيقتين:

أولهما: أن التزكية إحدى مهمات النبي صلى الله عليه وسلم وغاية من غايات رسالته، بل سنعلم أنها غاية الرسالة والوجود الإنساني كله.

والثانية: أنها السبب في دخول الجنة، بل هي الصفة الواجبة التي من لم يتصف بها؛ لم يكن من أهل الجنة.

‌والآن يأتي سؤال آخر، وهو: ما الوسائل التي شرعها الله سبحانه وتعالى وبينها رسوله للوصول إلى هذه الغاية؟ وبمعنى آخر: كيف تزكو النفس وتصبح طيبة؟ وما الذي صنعه الرسول حتى يقوم بهذا الواجب

؟

للإجابة على هذا السؤال يجب أن نستعرض شرائع الإسلام كلها ونستقرئها جميعاً -سواء كانت عقائد أو عبادات أو معاملات- وننظر ارتباط هذا بالتزكية والتطهير. وسنتبين بهذا الاستقراء أنه ليس للتزكية أعمال خاصة من مجموع أعمال الدين وعقائده، بل جميع شرائع الإسلام وعقائده وآدابه إنما هي أعمال غايتها ونهايتها التزكية والتطهير.

ما دمنا عرفنا أن الزكاة هي الطيبة والطهر والبعد عن الدنس:

فالتوحيد تزكية؛ لأنه اعتراف وإقرار بالإله الواحد الذي لا رب غيره، وهذا الاعتراف والشهادة تزكية؛ لأن الاعتراف بالحق فضيلة، وجحده وإنكاره رذيلة، وأي رذيلة؟! وليس هناك حق أكبر من الله ولا أجلى وأظهر منه عند كل ذي لب وعقل، وإنكار

ص: 28

الله وجحده والشرك به أكبر الرذائل والتدسية، ولذلك قال تعالى:

{إنما المشركون نجس} (التوبة: 28) .

وذلك لنجاسة قلوبهم ونفوسهم بما تلبسوا به من شرك وجحود ونكران لصفات الله سبحانه وتعالى، وليست نجاستهم لما على أبدانهم من نجاستهم؛ فقد يتطهر كثير منهم ظاهراً، ولكن؛ ما دام أحدهم متلبساً بالشرك والكفر؛ فهو متلبس بالنجاسة المعنوية المدنسة للنفس والشعور.

والعبادات كلها -مالية أو بدنية- ما هي إلا عمليات تزكية؛ لأنها تربط القلب الخالق سبحانه وتعالى، وتذكره به، وبذلك تحصل التقوى للقلب، ومن اتقى وخاف ربه؛ ابتعد عن المحرمات، والمحرمات قاذورات، وفعل الخير طيبة وإحسان وبر وعدل. ولذلك كانت الصلاة على رأس هذه الأعمال؛ لأنها من أنجع الوسائل للوصول إلى هذه التزكية، فتكررها في اليوم والليلة، وذكر الله فيها، وحركاتها تصل القلب حقيقة بالله.

قال تعالى: {إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر} (العنكبوت: 45) .

وذلك لأنها تربي الواعظ وتورث التقوى.

ولذلك أفتى إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله بأن الصلاة في الأرض المغصوبة باطلة، وذلك من عظيم فقهه؛ فقد رأى أن قيام المصلي وقعوده وذكره لربه في أرض اغتصبها يدل على كذبه وزوره وبهتانه ونجاسة قلبه؛ لأن هذا لو كان ذاكراً لله حقيقة؛ لما أمسك هذه الأرض التي اغتصبها، بل لأنخلع عنها وردها إلى أصحابها.

ص: 29

ولذلك أيضاً لما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن امرأة تصوم النهار وتقوم الليل وتؤذي جيرانها؟ قال: [هي من أهل النار](والحديث رواه أبو هريرة؛ قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن فلانة تقوم الليل، وتصوم النهار، وتفعل، وتصدق، وتؤذي جيرانها بلسانها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا خير فيها، هي من أهل النار] . قال: فلانة تصلي المكتوبة، وتصدق بأتوار الأقط، ولا تؤذي أحداً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [هي من أهل الجنة] "الأحاديث الصحيحة (رقم 190)" وقال الشيخ ناصر الدين: "إسناده صحيح. رواه: البخاري في "الأدب المفرد"، وابن حبان، والحاكم، وأحمد") .

والحكمة في هذا ظاهرة؛ إذ لو كانت هذه المرأة مصلية صائمة حقاً؛ لامتنعت عما يدنس النفس أقبح تدنيس، وهو إيذاء الجار.

ولذلك أيضاً قال صلى الله عليه وسلم: [من لم يدع قول الزور والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه](رواه البخاري) .

وذلك أن الصائم الذي راقب الله -بزعمه- في تركه للطعام والشراب، ولم يستطع أن يراقبه في قول الزور والعمل بالزور: مبطلٌ في ادعاء خوف الله وتقواه، مبطلٌ لثمرة العبادة وغايتها وثمرة الصوم وغايته.

ولذلك لا يجوز لنا أن نفصل بين عبادات الإسلام وغايتها وثمرتها، فنظن أن أعمال القربات مقصودة لذواتها، وبذلك نفرغ العبادة من ثمرتها وغايتها.

بل قرن الله سبحانه وتعالى دائماً بين العمل والثمرة؛ كما قال عز وجل في الصوم: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} (البقرة: 183) .

وقال تعالى عن غاية العبادة: {يأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} (البقرة: 21) .

ففهم من هذا أن غاية العبادة كلها التقوى، وقد عبر الله هنا بـ {لعل} التي تفيد الترجي، والله لا يرجو شيئاً؛ لأنه ما شاء كان سبحانه وتعالى، ولكن الرجاء هنا بالنظر للعابد؛ لأنه ليس كل مؤد لهذه العبادة متقياً، بل المنافقون يؤدون الطاعات والعبادات ظاهراً وهم كافرون جاحدون.

ونفهم من هذا أيضاً أن

ص: 30

من لم تحصل له هذه التقوى مع أدائه للعبادة؛ كان غاشاً في عبادته، مبطلاً فيها.

فمن شأن العابد أن يكون تقياً خائفاً من ربه محسناً، وهذه التزكية والطيبة والطهر، والعبادة قد وضعت لذلك، ولا يكون المرء طيباً طاهراً بغير العبادة؛ أن الطاعة من التزكية، فطاعة الله الذي له الفضل علينا والمنة والنعمة هي أول صور المعروف والإحسان والاعتراف، ولذلك لا يتصور زكاة وطهر بغير طاعة أمر الله واجتناب نواهيه.

وقد تكرر معنى "العبادة للتقوى" في آيات كثيرة من القرآن:

كما قال تعالى: {ولكم في القصاص حياةٌ ياأولي الألباب لعلكم تتقون} (البقرة: 179) .

وكقوله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} (الأنعام: 153) .

وبهذا نصل إلى هذا المعنى الثالث من معاني التزكية، وهي أن شرائع الإسلام كلها؛ من: توحيد، وعبادة، وصلاة، وصيام، وزكاة، وحج، وبر الوالدين، وصلة أرحام، ونهي عن الفواحش والمنكرات، ومعاملات تحقق العدل والإحسان؛ ما كل ذلك إلا لتحقيق هذه التزكية.

وهذه الأوامر والنواهي: إما أن تكون هي بذاتها من أركان هذه التزكية ولوازمها، وإما أن تكون مما يورث هذه التزكية ويؤدى إليها.

ومما يدلُّك على هذا المعنى جليا، بحيث لا يترك لنفسك فيه شبهة: أن تعلم أن الله وصف رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: {وإنك لعلى خلق عظيم} (القلم: 4) .

ولقد كان هذا الخلق متمثلاً في العمل بكتاب الله، الذي تضمن كل أنواع التزكية؛ كما جاء في "صحيح البخاري": أن سعد بن

ص: 31

هشام سأل السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق الرسول صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: [كان خلقه القرآن] .

ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق](الأحاديث الصحيحة (رقم 45)، وقال الشيخ ناصر الدين:"رواه البخاري في: الأدب المفرد"، وابن سعد في "الطبقات"، والحاكم، وأحمد، وابن عساكر") .

وحصر الرسول رسالته في هذا يعطيك الدليل الكامل على أن رسالة الإسلام كلها رسالة للتزكية والتطهير.

إذا علمنا أن الإسلام دين تزكية وتطهير، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبعث إلا لهذا؛ فيجب علينا أن نعلم أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم قد أتم هذه التزكية منهجاً وعملاً.

لأن الله أتم دينه ونعمته على رسوله والمؤمنين؛ كما قال تعالى:

{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً} (المائدة: 3)

ومعنى هذا أنه لا يجوز الإحداث فيها؛ كما هو الشأن في جميع شؤون التقرب.

وذلك أن الإحداث في العبادة يؤدي إلى الفساد والانحلال؛ فضلاً عن أنه مرفوض غير مقبول عند الله سبحانه وتعالى.

وقد رأينا كيف انفتح هذا الباب على المسلمين، فدخل منه شر مستطير وبلاء عظيم؛ فمناهج إصلاح النفس والتربية التي اندرجت تحت اسم التصوف قد جمعت في طياتها بلاء لا حصر له ولا حد، وامتد الفساد من حقل التربية والأخلاق والتعبد إلى وضع الحديث وإفساد العقيدة وتحطيم الشرع الذي سموه بالظاهر، وفتح الباب للخرافات والخزعبلات والترهات، ثم وقوع الشرك وعبادة غيره سبحانه وتعالى، ثم الفلسفات الهالكة؛ كالقول بوحدة الوجود

ص: 32