المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الملحق الأول: قبسات من الإبانة في سبب اختلاف القراءة - رسم المصحف العثماني وأوهام المستشرقين في قراءات القرآن الكريم

[عبد الفتاح شلبي]

الفصل: ‌الملحق الأول: قبسات من الإبانة في سبب اختلاف القراءة

10-

‌ ملاحق البحث:

‌الملحق الأول: قبسات من الإبانة في سبب اختلاف القراءة

وفيه أُورد ما ذكره مكي بن أبي طالب في كتابه "الإبانة عن معاني القراءات"1 في سبب اختلاف القراءة فيما يحتمله خط المصحف.

وسنرى مكيًّا يرجع ذلك إلى أن الصحابة -رضوان الله عليهم- قرءوا القرآن بما تلقوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلّمهم إياه، وكان الصحابي لا ينكر على أخيه قراءة تتخالف هي، وقراءته لقوله عليه الصلاة والسلام:"نزل القرآن على سبعة أحرف، كل شافٍ كافٍ".

ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم وتفرّق الصحابة في الأمصار، يفقّهون الناس في الدين، ويقرءونهم القرآن، أقرأ كل واحد منهم أهل مصره على ما كان يقرأ على عهد النبي، وعلى ما تلقاه عنه، فاختلفت قراءة أهل الأمصار على نحو ما اختلفت قراءة الصحابة الذين علموهم، وتلقوا عنهم.

فلما وجهت إليهم المصاحف التي كتبها عثمان، وكانت خالية من النقط والشكل، قرأ أهل كل مصر مصحفهم على ما كانوا يقرءون قبل وصول المصاحف إليهم، وكانت قراءتهم متصلة السند بالصحابة الذين تلقوا عن الرسول

إلى جانب أنها لا تختلف مع خط المصحف

هذا هو التفسير الصحيح لاختلاف القراءات، ومن ذلك التفسير يتبين أن القراءات المتخالفة سابقة لرسم المصحف، وأن الصحابة ومن تلقى عنهم من أهل الأمصار قرءوا المصاحف التي وجهت إليهم على حسب ما تلقوه متصلًا سنده بالرسول، واختلفت قراءة أهل كل مصر عن الآخرين من أجل ذلك؛ لأنهم تخالفوا بسبب خلو المصاحف من النقط والشكل

وإليك ما قاله مكي في هذا الموضوع، قال2:

فإن سأل سائل: ما السبب الذي أوجب أن تختلف القراءة فيما يحتمل

1 حقّقه المؤلف ونشرته مكتبة نهضة مصر، سنة 1379هـ، 1960م.

2 ص14.

ص: 87

خط المصحف، فقرءوا بألفاظ مختلفة في السمع والمعنى واحد، نحو: جذوة وجذوة وجذوة1، وقرءوا بألفاظ مختلفة في السمع وفي المعنى، نحو: يسيركم، وينشركم2، وكل ذلك لا يخالف الخط في رأي العين؟

فالجواب عن ذلك: أن الصحابة رضي الله عنهم كان قد تعارف بينهم من عهد النبي صلى الله عليه وسلم ترك الإنكار على من خالفت قراءته قراءة الآخر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"أنزل القرآن على سبعة أحرف، فاقرءوا بما شئتم".

ولقوله: "نزل القرآن على سبعة أحرف، كل شاف كاف".

ولإنكاره صلى الله عليه وسلم على من تمارى في القرآن.

والأحاديث كثيرة، سأذكر منها طرفًا في آخر هذا الكتاب، إن شاء الله.

فكان كل واحد منهم يقرأ كما عُلِّم، وإن خالف قراءة صاحبه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"اقرءوا كما علمتم".

وحديث عمر3 مع هشام بن حكيم4 مشهور، إذ تخاصم معه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في قراءة سمعه يقرؤها، فأنكرها عمر عليه، وقاده إلى النبي صلى الله عليه وسلم ملبَّبًا بردائه5، فاستقرأ النبي صلى الله عليه وسلم كل واحد منهما، فقال له:"أصبت"، ثم قال:

"إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا بما شئتم".

فكانوا يقرءون بما تعلموا، ولا ينكر أحد على أحد قراءته.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد وجّه بعضهم إلى البلدان؛ ليعلموا الناس القرآن والدين.

1 في قوله تعالى: {لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [القصص: آية 29] .

وقرأ عاصم: {جَذْوَةٍ} بفتح الجيم، وقرأ حمزة وخلف بضمها، والباقون بكسرها، وهي لغات ثلاث في الفاء كالرشوة والربوة. "إتحاف فضلاء البشر: 342".

2 في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [يونس: آية 22] .

قرأ ابن عامر وأبو جعفر: "ينشركم" من النشر ضد الطي أي: يفرقكم، والباقون {يُسَيِّرُكُمْ} أي: يحملكم على السير، ويمكنكم منه "الإتحاف: 248".

3 عمر بن الخطاب، ثاني الخلفاء الراشدين.

4 هشام بن حكيم صحابي، لم يترجم له ابن الجزري في طبقات القراء.

5 جمع ثيابه عند نحره، ثم جره مخاصما له.

ص: 88

ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم خرج جماعة من الصحابة في أيام أبي بكر1 وعمر إلى ما افتُتح من الأمصار؛ ليعلموا الناس القرآن والدين، فعلم كل واحد منهم أهل مصره على ما كان يقرأ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فاختلفت قراءة أهل الأمصار على نحو ما اختلفت قراءة الصحابة الذين علّموهم.

فلما كتب عثمان المصاحف وجّهها إلى الأمصار2 وحملهم على ما فيها، وأمرهم بترك ما خالفها، قرأ أهل كل مصر مصحفهم الذي وجه إليهم على ما كانوا يقرءون قبل وصول المصحف إليهم، مما يوافق خط المصحف، وتركوا من قراءتهم التي كانوا عليها ما يخالف خط المصحف، فاختلفت قراءة أهل الأمصار لذلك بما لا يخالف الخط، وسقط من قراءتهم كلهم ما يخالف الخط.

ونقل ذلك الآخر عن الأول في كل مصر، فاختلف النقل لذلك، حتى وصل النقل إلى هؤلاء الأئمة السبعة على ذلك، فاختلفوا فيما نقلوا على حسب اختلاف أهل الأمصار، لم يخرج واحد منهم عن خط المصحف فيما نقل، كما لم يخرج واحد من أهل لأمصار عن خط المصحف الذي وجه إليهم.

فلهذه العلة اختلفت رواية القراء فيما نقلوا، واختلفت أيضًا قراءة من نقلوا عنه لذلك.

واحتاج كل واحد من هؤلاء القراء أن يأخذ مما قرأ ويترك؛ فقد قال نافع:

قرأت على سبعين من التابعين، فما اجتمع عليه اثنان أخذته، وما شك فيه واحد تركته، حتى اتبعت هذه القراءة.

وقد قرأ الكسائي على حمزة، وهو يخالفه في نحو ثلاثمائة حرف؛ لأنه قرأ على غيره3، فاختار من قراءة حمزة ومن قراءة غيره قراءة، وترك منها كثيرًا.

وكذلك أبو عمرو قرأ على ابن كثير، وهو يخالفه في أكثر من ثلاثة آلاف حرف؛ لأنه قرأ على غيره4، واختار من قراءته ومن قراءة غيره قراءة.

فهذا سبب الاختلاف الذي سألت عنه.

1 أبو بكر الصديق رضي الله عنه أول الخلفاء الراشدين "رضوان الله عليهم أجمعين".

2 البصرة، والكوفة، ومكة، والشام، واليمن، والبحرين، وأمسك لنفسه مصحفًا الذي يقال له: الإمام "النشر: 1/ 8".

3 الإبانة عن معاني القراءة لمكي ص55، المكتبة الفيصلية.

4 المصدر السابق ص55.

ص: 89