المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ الدعوات المضللة التي قامت تحت راية الإسلام - الإستشراق وجهوده وأهدافه في محاربة الإسلام والتشويش على دعوته

[عبد المنعم محمد حسنين]

الفصل: ‌ الدعوات المضللة التي قامت تحت راية الإسلام

استحقت هذا الوصف الكريم من الله تعالى في قوله جل شأنه: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} 1.

فليس هناك شكّ في أن محاربة الاستشراق للغة العربية، ومحاولاته العديدة للقضاء عليها أو إضعافها إنما هي محاربة للإسلام وتشويش على دعوته.

وينبغي على الدعاة أن يدافعوا عن دينهم، وعن اللغة التي يتعلمون بها أمور هذا الدين الحنيف، حتى يردوا سهام المستشرقين إلى نحورهم {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} 2.

1 سورة الشعراء: آية 193-195.

2 سورة يوسف: آية 21.

ص: 95

‌العوامل التي تساعد الاستشراق في محاربة الإسلام

‌مدخل

رابعا: العوامل التي تساعد الاستشراق في محاربة الإسلام

يستفيد الاستشراق - في محاربته للإسلام وتشويشه على دعوته - من مختلف الأسلحة والوسائل التي تمكنه من بلوغ أهدافه التي أهمها صرف المسلمين عن دينهم حتى لا تقوم لهم قائمة، ويستغل الاستشراق ما يجده في المسلمين من عوامل الضعف؛ فيستفيد من هذه العوامل ويتخذ منها أسلحة يحارب الإسلام بها، ويشنّع بها على دعوته، وسأحاول هنا - بعون الله - أن أبين أهمّ تلك العوامل الموجودة في الأمة الإسلامية الآن، والتي تشبه الثغرات في صفوف المسلمين بحيث يستطيع المستشرقون - أعداء المسلمين وورثة الصلبيين - أن ينفذوا منها، ويستفيدوا منها في التشويش على الدعوة الإسلامية.

ص: 95

1_

‌ الدعوات المضللة التي قامت تحت راية الإسلام

يستغلّ المستشرقون ما يبدو من قول أو فعل من بعض الدعوات المضللة التي تنتسب إلى الإسلام في الإساءة إلى الإسلام والتشويش على دعوته، ومن هذه الدعوات المارقة المضللة التي قامت تحت راية الإسلام، وأساء أتباعها بمقولاتهم وسلوكهم إليه: الصوفية، والبهائية، والقاديانية.

أما الصوفية فقد زعموا أنهم يريدون سلوك الطريق إلى الله عز وجل، ولكنهم بدل أن يسلكوا طريق الكتاب والسنة - الذي لا طريق غيره - راحوا يشرّعون لأنفسهم من الدين ما لم يأذن به الله تعالى، ويصنعون لأنفسهم قواعد للسلوك

ص: 95

تقوم على الزهد والحرمان ورياضة النفس ومجاهدة الشهوات، ولما وجدوا أن المنهج الإسلامي القائم على الاعتدال والتكامل، ومحاربة الغلوّ والتطرف لا يشبع نزعاتهم السلبية الغالية، اقتبسوا من الديانات والمذاهب الأخرى وادّعوا لأنفسهم أحوالا وواردات ومواجد وأذواقا لا يعرفها الدين، وما زال الشيطان بهم يصوّر لهم من الخيالات ما لا حقيقة له حتى أوقعهم في القول بالحلول ووحدة الوجود، وأفضى بهم إلى القول بالجبر وبطلان التكليف والتسوية بين الطاعات والمعاصي، والإيمان والكفر، بدعوى شهود الربوبية في كل موجود1.

أما البهائية فقد ظهرت في إيران في القرن الماضي نابعة من الفكر الشيعي؛ فقد بشر الشيرازي الملقب بالباب بقرب ظهور الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري الذي ينتظر الشيعة الإمامية الاثنا عشرية ظهوره، ثم ظهر كذب الباب عند الشيعة حينما قال إن الإمام الغائب سيظهر في تبريز بآذربيجان، والشيعة يعتقدون أنه سيظهر في مشرق إيران عند جبل يسمى (كوه خدا) أي (جبل الله) ؛ فقبضت السلطة على الباب وحوكم وأعدم، وأعلن قبل إعدامه أن الإمام الذي يقصده هو تلميذه (حسين صبح أزل) الملقب ببهاء الله؛ فسميت الدعوة البهائية نسبة إلى بهاء الله هذا الذي خرج هاربا من إيران، وزعم أنه نبي أرسل بدين جديد مجدد للإسلام، كما زعم أن كتابا نزل عليه، وأخذ يدعو لهذه الدعوة المارقة المضلّلة حتى مات ودفن في فلسطين وقبره في الجزء المحتل منها.

ودعوة البهائية شبيهة بالشيوعية؛ فهي تدعو إلى التحلّل من الدين وترك الحرية للمرأة تفعل ما تشاء، وتقسم السنة إلى تسعة عشر شهرا؛ فهي في الحقيقة انسلاخ عن الإسلام وطمس لمعالمه.

وقد ساند الاستعمار وأعوانه من المستشرقين هذه الدعوة؛ ليستعينوا بها في تزييف حقائق الإسلام؛ فألفوا كتبا بلغات مختلفة لشرح عقيدة البهائية2. وأما القاديانية فهي دعوة مارقة مضلّلة ظهرت في بلاد الهند في أواخر القرن الماضي، وهي تقوم تحت راية الإسلام، وقد دعا إليها ميرزا غلام أحمد، وكان

1 يمكن الرجوع إلى كتاب فصوص الحكم لابن عربي - وهو من القائلين بوحدة الوجود - لتتبين ما انتهى إليه أمر الصوفية من الضلال والإلحاد.

2 أبو الحسن الندوي: القادياني والقاديانية ص 19 وما بعدها.

ص: 96

مركزها الهند، وأتباعها من مسلمي الهند، ثم امتدت إلى خارج الهند؛ فظهرت في بعض الدول الآسيوية والإفريقية، وساندها الاستعمار والاستشراق.

وقد ظهرت هذه الحركة في وسط جوّ فكري وسياسي عاصف اجتاح بلاد الهند في أعقاب ثورتها على الاستعمار الانجليزي في سنة 1857م، فقد أصابت المسلمين بعد إخفاق هذه الثورة وحشة الفتح ونكبة الهزيمة، وعانوا وطأة الاستعمار السياسي ووطأة الاستعمار الثقافي، وقامت الدولة الانجليزية المنتصرة بنشر ثقافتها وحضارتها في محاولة لزعزعة العقيدة الإسلامية وإضعاف الثقة بأسس العقيدة ومصادر الشريعة1؛ لأن الدين الإسلامي هو الدين الوحيد في الهند الذي كان يدعو إلى الجهاد في سبيل الدفاع عن الدين والوطن والعرض والمال.

وقد استغل الاستعمار أيضا المحترفين للتصوّف في نشر شطحاتهم وخرافاتهم؛ فاستولى على مسلمي الهند اليأس والقلق، ثم استسلموا للأوضاع الفاسدة، وأخذوا يتطلعون إلى منقذ ينقذهم من الحيرة واليأس ولو بالخرافات والأباطيل.

وفي وسط هذا الجوّ الفكري العاصف دعا ميرزا غلام أحمد إلى القاديانية، وكان غلام أحمد هذا من إمارة البنجاب، وكان والده من أصحاب الإقطاعات، ومن ذوي النفوذ في قومه، كما كان من صنائع الانجليز ومن أخلص الدعاة لهم.

وقد عرف عن غلام أحمد أنه كان في مطلع شبابه متصوّفا، ثم ترك العزلة ودخل في معترك الحياة، ونصب نفسه للمناظرات والمجادلات في أمور الدين؛ فلفت الأنظار إليه فاجتمع كثير من العامة عليه، واكتسب شهرة وصيتا ذائعا في أوساط المسلمين؛ فسولت له نفسه أنه ملهم من الله؛ فأخذ يتحدث للناس بما زعم أنه ينزل عليه من إلهامات، ويذكر لهم آيات قرآنية وأخرى محرفة، يحسبها من لا يحفظ القرآن قرآنا، وفي هذا تلبيس وتدليس وكيد عظيم لتحريف القرآن الكريم.

ولم يقف غلام أحمد عند هذا الحد بل ادعى أنه نبي يوحى إليه، وأخذ ينشر مفترياته2، متخذا الدين مدخلا يدخل به إلى قلوب أتباعه؛ ليخدم بذلك أغراضا

1- توجد كتب في شرح البهائية بالانجليزية والفرنسية والفارسية والعربية.

2-

من يريد مزيدا من المعلومات فليرجع إلى كتاب الندوي المذكور.

ص: 97