الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْفَصْل الثَّامِن
فِيمَا يدل على الْأَحْكَام من صِفَات الله تَعَالَى أَو صِفَات الرب سُبْحَانَهُ
أَوْصَاف الرب ضَرْبَان سَلبِي وإثباتي
فالسلبي كالقدوس وَالسَّلَام والغني ويذكرها الرب سُبْحَانَهُ تمدحا لنَفسِهِ وإعلاما لِعِبَادِهِ وترغيبا فِي الإعظام والإجلال
وَقد يذكر الْغَنِيّ لبَيَان أَن جَزَاء أَعمال الْعباد تعود عَلَيْهِم دونه كَقَوْلِه {وَمن كفر فَإِن الله غَنِي عَن الْعَالمين} {إِن تكفرُوا فَإِن الله غَنِي عَنْكُم وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر} {وَمن كفر فَإِن رَبِّي غَنِي كريم} جَوَاب الشَّرْط وَمن كفر فقد ضيع حَظّ نَفسه من الثَّوَاب وَمن السَّلامَة من الْعقَاب فَيَعُود ذَلِك إِلَى الزّجر عَن الْكفْر
وصفات الْإِثْبَات ضَرْبَان ذاتي وفعلي
وتذكر صِفَات الذَّات إعلاما وترغيبا فِي الإجلال والمهابة وتمدحا وترغيبا فِي الطَّاعَة وتحذيرا من الْمعْصِيَة
وتذكر صِفَات الْفِعْل للتمدح والتمنن وَالتَّرْغِيب والترهيب والتعليم لأجل التَّعْظِيم
وَقد ينْسب إِلَيْهِ أوصافا على سَبِيل التَّجَوُّز إِذْ لَا يُمكن اتصافه بحقائقها وَهل يكون مجازها عبارَة عَن وصف ذاتي أَو فعلي فِيهِ خلاف
وَقد يكون فِي بعض المواطن عبارَة عَن وصف ذاتي وَفِي بَعْضهَا عَن وصف فعلي كَقَوْلِه صلى الله عليه وسلم أعوذ برضاك من سخطك فالرضا هُنَا عبارَة عَن الْإِرَادَة إِذْ لَا يستعاذ بحادث وَالْمرَاد بالسخط فعل الساخط إِذْ لَا يستعاذ من قديم وبمعافاتك من عُقُوبَتك أَي بموجبات معافاتك وَهِي من قدرتك وإرادتك من عين عُقُوبَتك وَبِك مِنْك لِأَن الِاسْتِعَاذَة بالفاعل على التَّحْقِيق
وصفات الذَّات سبع
الصّفة الأولى الْحَيَاة وتذكر تَعْلِيما للإجلال وتمدحا كَقَوْلِه {الْحَيّ القيوم} {هُوَ الْحَيّ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ} وَقد تذكر ترغيبا كَقَوْلِه {وتوكل على الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت} وَذكر الْحَيَاة الدائمة ترغيبا فِي التَّوَكُّل عَلَيْهِ والالتجاء إِلَيْهِ
الصّفة الثَّانِيَة الْعلم وتذكر تمدحا كَقَوْلِه {وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم} {وَيعلم مَا فِي الْبر وَالْبَحْر} {وَكَانَ الله بِكُل شَيْء عليما} {إِن الله لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء} {وَمَا يعزب عَن رَبك من مِثْقَال ذرة فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء} {وأحصى كل شَيْء عددا}
وَقد تذكر ترغيبا وترهيبا فالترغيب كَقَوْلِه {وَمَا تَفعلُوا من خير يُعلمهُ الله}
{وَمَا أنفقتم من نَفَقَة أَو نذرتم من نذر فَإِن الله يُعلمهُ} {وَمَا تَفعلُوا من خير فَإِن الله بِهِ عليم} {وَالله عليم بالمتقين}
والترهيب كَقَوْلِه {وَالله عليم بالظالمين} {فَإِن الله عليم بالمفسدين} {وَلَا تحسبن الله غافلا عَمَّا يعْمل الظَّالِمُونَ} {إِن الَّذين يلحدون فِي آيَاتنَا لَا يخفون علينا} {أُولَئِكَ الَّذين يعلم الله مَا فِي قُلُوبهم} {يعلم مَا فِي أَنفسكُم فَاحْذَرُوهُ} {وَأَنا أعلم بِمَا أخفيتم وَمَا أعلنتم}
وَالْجمع بَين التَّرْغِيب والترهيب كَقَوْلِه {وَالله يعلم الْمُفْسد من المصلح} {إِن رَبك هُوَ أعلم بِمن ضل عَن سَبيله وَهُوَ أعلم بالمهتدين} {يعلم مَا تكسب كل نفس} {وَمَا رَبك بغافل عَمَّا يعْملُونَ} {وَلَا تَعْمَلُونَ من عمل إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُم شُهُودًا إِذْ تفيضون فِيهِ} {فلنقصن عَلَيْهِم بِعلم وَمَا كُنَّا غائبين} {وَالله عليم بِذَات الصُّدُور} {وَالله يعلم أَعمالكُم} {وليعلم الْمُؤمنِينَ وليعلم الَّذين نافقوا}
وَقد تذكر للتسلية كَقَوْلِه {قد نعلم إِنَّه ليحزنك الَّذِي يَقُولُونَ} {وَلَقَد نعلم أَنَّك يضيق صدرك بِمَا يَقُولُونَ}
الصّفة الثَّالِثَة الْإِرَادَة وَقد تذكر تمدحا كَقَوْلِه {فعال لما يُرِيد} تمدح بنفوذ إِرَادَته فِي كل مَا يتَعَلَّق بِهِ وَكَذَلِكَ قَوْله {وَيفْعل الله مَا يَشَاء} {تؤتي الْملك من تشَاء} {وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم سوءا فَلَا مرد لَهُ} الْآيَة {وَمن يرد الله فتنته فَلَنْ تملك لَهُ من الله شَيْئا} {وَلَو شَاءَ رَبك لآمن من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا} {وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها} {وَلَو شَاءَ رَبك مَا فَعَلُوهُ} {إِن يَشَأْ يذهبكم}
وَقد تذكر تمننا كَقَوْلِه {وَالله يُرِيد أَن يَتُوب عَلَيْكُم} {إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس} {وَلَكِن يُرِيد ليطهركم} {يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم} {وَلَو شَاءَ الله لسلطهم عَلَيْكُم} {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك}
وَقد تذكر ترهيبا كَقَوْلِه {أَن لَو نشَاء أصبناهم بِذُنُوبِهِمْ} {وَلَو نشَاء لطمسنا على أَعينهم} {وَلَو نشَاء لمسخناهم على مكانتهم} {لَو نشَاء لجعلناه حطاما} {وَلَو نشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ} {لَو نشَاء جَعَلْنَاهُ أجاجا}
الصّفة الرَّابِعَة السّمع وتذكر تمدحا كَقَوْلِه جلّ ثَنَاؤُهُ {لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير} {وَالله هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم}
وتذكر تهديدا كَقَوْلِه {لقد سمع الله قَول الَّذين قَالُوا إِن الله فَقير وَنحن أَغْنِيَاء} وَكَقَوْلِه {أم يحسبون أَنا لَا نسْمع سرهم ونجواهم بلَى}
…
وتذكر تسكينا وتطمينا كَقَوْلِه {إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وَأرى}
وتذكر ترغيبا كَقَوْلِه {وَإِذا سَأَلَك عبَادي عني فَإِنِّي قريب أُجِيب دَعْوَة الداع} أَي سامع لدعائهم عبر بِالْقربِ عَن السّمع لتوقفه عَلَيْهِ فِي الْعَادة
وتذكر بِمَعْنى الْإِجَابَة كَقَوْلِه {إِن رَبِّي لسميع الدُّعَاء} {إِنَّه سميع قريب} وَكَذَلِكَ قَول الْمُصَلِّي سمع الله لمن حَمده
الصّفة الْخَامِسَة الْبَصَر وتذكر تمدحا كَقَوْلِه {وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار} وَكَقَوْلِه {وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير}
وتذكر تسكينا وتطمينا كَقَوْلِه {أسمع وَأرى}
وتذكر ترهيبا كَقَوْلِه {أيحسب أَن لم يره أحد} {ألم يعلم بِأَن الله يرى}
وتذكر ترغيبا كَقَوْلِه {الَّذِي يراك حِين تقوم وتقلبك فِي الساجدين} وَقَوله {وَأَن سَعْيه سَوف يرى}
وتذكر ترهيبا وترغيبا كَقَوْلِه {وَمَا كُنَّا غائبين} وَقَوله {فسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله} وَقَوله {لنَنْظُر كَيفَ تَعْمَلُونَ} وَقَوله {فَينْظر كَيفَ تَعْمَلُونَ} وَكَقَوْلِه {إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُم شُهُودًا إِذْ تفيضون فِيهِ}
الصّفة السَّادِسَة الْقُدْرَة وتذكر تمدحا كَقَوْلِه {وَالله على كل شَيْء قدير} {وَكَانَ الله على كل شَيْء مقتدرا} {تبَارك الَّذِي بِيَدِهِ الْملك وَهُوَ على كل شَيْء قدير}
{وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبضته يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ}
وتذكر ترغيبا ووعدا كَقَوْلِه {إِن تبدوا خيرا أَو تُخْفُوهُ أَو تعفوا عَن سوء فَإِن الله كَانَ عفوا قَدِيرًا} أَي على الْمُكَافَأَة والمجازاة {عَسى الله أَن يَجْعَل بَيْنكُم وَبَين الَّذين عاديتم مِنْهُم مَوَدَّة وَالله قدير} أَي على ذَلِك
وَقد تذكر ترهيبا كَقَوْلِه {وَإِنَّا على أَن نريك مَا نعدهم لقادرون} {أَو نرينك الَّذِي وعدناهم فَإنَّا عَلَيْهِم مقتدرون} {وَمَا نَحن بمسبوقين على أَن نبدل أمثالكم} {وَلَا يَحسبن الَّذين كفرُوا سبقوا إِنَّهُم لَا يعجزون} {إِن يَشَأْ يذهبكم أَيهَا النَّاس وَيَأْتِ بِآخَرين وَكَانَ الله على ذَلِك قَدِيرًا}
الصّفة السَّابِعَة الْكَلَام وَهُوَ الأَصْل فِي جَمِيع الْأَحْكَام لأَمره
وَنَهْيه وإطلاقه وإباحته ووعده ووعيده وذمه ومدحه وَغير ذَلِك مِمَّا تقدم ذكره من نصب الْأَسْبَاب والموانع والشرائط والآجال والأوقات وَغير ذَلِك من أَنْوَاع الْأَحْكَام
وَأما صِفَات الْفِعْل فَمَا كَانَ مُتَعَلّقه خيرا أَو نعْمَة كالخلاق والرزاق والوهاب والفتاح والنافع والرافع فَإِنَّهُ يذكر تمننا أَو تمدحا أَو إطماعا فِي مُتَعَلق تِلْكَ الصّفة وَمَا كَانَ مُتَعَلّقه شِرَاء أَو نقمة فَإِنَّهُ يذكر تمدحا بالقهر وَالْغَلَبَة أَو ترهيبا من مُتَعَلّقه كالقهار والجبار إِن أَخذ من الْإِجْبَار
وَقد يَأْمر بِأَن يتَعَلَّم ذَلِك الْوَصْف وَيكون الْغَرَض التَّرْغِيب والترهيب كَقَوْلِه {اعلموا أَن الله شَدِيد الْعقَاب وَأَن الله غَفُور رَحِيم}
وَقد يَأْمر بإبلاغه إِلَى عباده لغَرَض التَّرْغِيب والترهيب كَقَوْلِه {نبئ عبَادي أَنِّي أَنا الغفور الرَّحِيم وَأَن عَذَابي هُوَ الْعَذَاب الْأَلِيم} وَقَوله {وَاعْلَمُوا أَن الله يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه} هَذَا رَاجع إِلَى صفة الْإِدْرَاك كَالْعلمِ والسمع وَالْبَصَر كَقَوْلِه {وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد}
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي أَوْصَاف لَا يجوز اتصاف الرب تَعَالَى بحقائقها فحملها بَعضهم على الْإِرَادَة الْمُلَازمَة لذَلِك الْوَصْف فِي غَالب الْأَمر وَحملهَا
الْآخرُونَ على فعل يثمره ذَلِك الْوَصْف فِي غَالب الْأَمر فَمن ذَلِك مَا يتَعَلَّق بِالْخَيرِ وَمِنْه مَا يتَعَلَّق بِالشَّرِّ
مِثَال الْمُتَعَلّق بِالْخَيرِ الْمحبَّة والمودة والرأفة وَالرَّحْمَة والمصاحبة والمجالسة وَالْمَشْي والهرولة والتقرب والتقريب والمخالة وَأخذ الصَّدقَات بِيَمِينِهِ وإجلاس المقسطين عَن يَمِينه على مَنَابِر من نور وَبسط يَدَيْهِ بِالرَّحْمَةِ وَالتَّوْبَة وَنَحْو ذَلِك من الْأَوْصَاف الَّتِي متعلقها خير ونفع
فَإِن جعل ذَلِك عبارَة عَن الْإِرَادَة قلت يُرِيد بوليه مَا يُريدهُ الْمُحب بحبيبه والواد بمودوده والراحم بِمن رَحمَه والرؤوف بِمن رأف بِهِ والمصاحب والمجالس بِصَاحِبِهِ وجليسه والماشي والمهرول إِكْرَاما لمن مَشى إِلَيْهِ وهرول إِلَيْهِ والمقرب بِمن قربه والمتقرب بِمن تقرب إِلَيْهِ والخليل بخليله والقابل لَهَا يهدي إِلَيْهِ بِيَمِينِهِ والمجلس لمن يُحِبهُ ويكرمه عَن يَمِينه
وَإِن جعلت ذَلِك عبارَة عَن الْفِعْل قلت يُعَامل وليه مُعَاملَة الحبيب لحبيبه والواد لمودوده والراحم لمرحومه والرؤوف لمن رأف بِهِ والصاحب لصَاحبه والمجالس لجليسه والماشي لمن مَشى إِلَيْهِ والمهرول لمن هرول إِلَيْهِ والمقرب والمتقرب لمن قربه وتقرب إِلَيْهِ والخليل لخليله والقابل لما يهدي إِلَيْهِ بِيَمِينِهِ والمجلس لمن يُكرمهُ عَن يَمِينه
والباسط يَده بالبذل والإعطاء لمن بذل لَهُ وَأَعْطَاهُ وكل ذَلِك رَاجع إِلَى التَّرْغِيب الدَّال على الْأَمر
أَمْثِلَة {يحببكم الله} {وَهُوَ الغفور الرَّحِيم} {إِن رَبِّي رَحِيم ودود} اللَّهُمَّ أَنْت الصاحب فِي السّفر اللَّهُمَّ أَصْبَحْنَا فِي سفرنا أَنا جليس من ذَكرنِي وَمن تقرب إِلَيّ شبْرًا تقربت إِلَيْهِ ذِرَاعا وَمن تقرب إِلَيّ ذِرَاعا تقربت إِلَيْهِ باعا وَمن جَاءَنِي يمشي جِئْته هرولة {أُولَئِكَ المقربون} {وَاتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا} وَإِن صَاحبكُم خَلِيل الله {وَيَأْخُذ الصَّدقَات} إِلَّا أَخذهَا الرَّحْمَن
بِيَمِينِهِ المقسطون على مَنَابِر من نور يَوْم الْقِيَامَة عَن يَمِين الرَّحْمَن وكلتا يَدي رَبِّي يَمِين {بل يَدَاهُ مبسوطتان} إِن الله يبسط يَده بِالنَّهَارِ ليتوب مسيء اللَّيْل وبالليل ليتوب مسيء النَّهَار
وَمِثَال الْمُتَعَلّق بِالشَّرِّ وَالْغَضَب والسخط والأسف والمقت والعداوة وَنفي النّظر والإبعاد والإعراض وَنَحْو ذَلِك من الصِّفَات
فَإِن جعلت ذَلِك عبارَة عَن الْإِرَادَة قلت يُرِيد بالعاصي مَا يُريدهُ الغضبان بِمن أغضبهُ والساخط بِمن أسخطه والماقت بمقوته والعدو
بعدوه والبعد بِمن أبعده والمعرض بِمن أعرض عَنهُ والمكاره المحتقر لمن لَا ينظر إِلَيْهِ حقارة وبغضا
وَإِن جعلت ذَلِك عبارَة عَن الْفِعْل قلت يعامله مُعَاملَة الغضبان بِمن أغضبهُ والساخط لمن أسخطه والماقت لمقوته والعدو لعَدوه والمعرض لمن أعرض عَنهُ والمبعد لمن أبعده والمولي الَّذِي لَا ينظر إِلَى من يكرههُ مقتا وَكَرَاهَة لَهُ وكل ذَلِك رَاجع إِلَى الْوَعيد الدَّال على النَّهْي
أَمْثِلَة ذَلِك {وَغَضب الله عَلَيْهِم} {اتبعُوا مَا أَسخط الله} {لمقت الله أكبر من مقتكم أَنفسكُم} {فَإِن الله عَدو للْكَافِرِينَ} {أَلا بعدا لمدين} {فسحقا لأَصْحَاب السعير}
وَأما الثَّالِث فَأَعْرض فَأَعْرض الله عَنهُ {وَلَا ينظر إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم} وَالْأَحْسَن فِي جَمِيع هَذِه الْأَوْصَاف أَن
يتجوز لَهَا عَن الْفِعْل لِأَن التهديد بِهِ إِثْم بِخِلَاف التَّجَوُّز بهَا عَن الْإِرَادَة إِذْ يَصح أَن يُقَال أَرَادَ وَلم يفعل وَإِن كَانَ ذَلِك لَا يجوز فِي حق الرب سبحانه وتعالى لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى نظر وَتَأمل حَتَّى يعرف
وَأما إِيقَاع الْفِعْل فَلَا توقف فِيهِ فَيحصل التَّرْغِيب بِهِ والترهيب على الْفَوْر من غير تَأمل والتأمل فِي صدق الْخَبَر يعم الْإِخْبَار عَن الْإِرَادَة والإخبار عَن الْفِعْل ولهذه الْأَوْصَاف نَظَائِر كَثِيرَة كالشكور والصبور بِمَعْنى أَنه يُعَامل عباده مُعَاملَة الشكُور والصبور
وَكَذَلِكَ وَصفه نَفسه بالغيرة أَي يُعَامل عباده مُعَاملَة الغيور
وَكَذَلِكَ وَصفه نَفسه بنسيان من نَسيَه مَعْنَاهُ يعاملهم مُعَاملَة من سجن من أغضبهُ فِي الْعَذَاب ثمَّ نَسيَه
وَمن أوصافنا مَا إِذا نسبناه إِلَيْهِ وَتعلق بِهِ عبر بِهِ عَن آثاره تجوزا كالتقرب إِلَيْهِ والذهاب إِلَيْهِ وَالْمَشْي إِلَيْهِ والإعراض عَنهُ والبعد مِنْهُ
وَكَذَلِكَ قَول شُعَيْب {واتخذتموه وراءكم ظهريا} مَعْنَاهُ يعامله مُعَاملَة المتقرب إِلَيْهِ والذاهب إِلَيْهِ والمعرض عَنهُ والنائي بجانبه والنابذ للشَّيْء وَرَاء ظَهره اطراحا لَهُ
أمثله ذَلِك {واسجد واقترب} {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِب إِلَى رَبِّي سيهدين}
{وَقَالَ إِنِّي مهَاجر إِلَى رَبِّي} {إِذْ جَاءَ ربه بقلب سليم} وَمن جَاءَنِي يمشي جِئْته أهرول {فأعرضوا فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم سيل العرم} {أعرض ونأى بجانبه} {فَلَمَّا كشفنا عَنهُ ضره مر كَأَن لم يدعنا إِلَى ضرّ مَسّه} {فَلَمَّا نجاكم إِلَى الْبر أعرضتم}
وَقد وصف نَفسه بأوصاف تعود إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ كَقَوْلِه {إِن رَبك لبالمرصاد} عبر بذلك عَن أَن أحدا لَا يفوتهُ وَلَا بُد لَهُ مِنْهُ لكَونه على طَرِيقه والمرصاد وَالطَّرِيق وَاحِد
وَأما قَوْله {إِن رَبِّي على صِرَاط مُسْتَقِيم} فعبارة عَن عدله فِي خَلِيفَته فَإِنَّهُ لما قَالَ {مَا من دَابَّة إِلَّا هُوَ آخذ بناصيتها} قَالَ إِن رَبِّي عَادل فيهم محسن اليهم غير ظَالِم لأحد مِنْهُم قَالَ الشَّاعِر
…
أَمِير الْمُؤمنِينَ على صِرَاط
…
إِذا اعوج الْمَوَارِد مُسْتَقِيم
…
وَعبر عَن الْقُدْرَة بِالْأَخْذِ بالناصية لِأَن الْأَخْذ بالناصية من آثَار الْقُدْرَة
وَأما نُزُوله فعبارة عَن لطفه وَعطفه ورفقه بخلقه لِأَن ذَلِك لَازم لمن نزل إِلَى عباده نَاظرا إِلَيْهِم ومستعرضا لحاجاتهم وَلذَلِك يَقُول هَل من دَاع فأستجيب لَهُ هَل من سَائل فَأعْطِيه هَل من مُسْتَغْفِر فَأغْفِر لَهُ ثمَّ يبسط يَده من يقْرض غير عديم وَلَا ظلوم ذكر هَاتين الصفتين ترغيبا فِي الْإِقْرَاض فَإِن العديم لَا يُعَامل والمليء الظلوم لَا يقْرض
وَأما قَوْله وَقَوله {إِلَّا هُوَ مَعَهم أَيْن مَا كَانُوا} فَإِنَّهُ عبر بذلك عَن سَمعه لما يَقُولُونَ وبصره لما يَفْعَلُونَ لِأَن الْحَاضِر الْكَائِن مَعَك لَا يخفى عَلَيْهِ فعلك وَلَا قَوْلك فَلَمَّا كَانَ ذَلِك من آثَار الْمَعِيَّة عبر بهَا عَنهُ وَلِأَن الْمَعِيَّة سَبَب للاستحياء من ركُوب القبائح وَلَا سِيمَا معية العظماء الأكابر وَذَلِكَ مُتَضَمّن للترغيب والترهيب
وَالضَّابِط لهَذَا وَأَمْثَاله أَن حقائق هَذِه الْأَشْيَاء محَال فِي حق الْقَدِيم سبحانه وتعالى وَلَكِن لَهَا فِي الْعَادة لَوَازِم لَا تنفك عَنْهَا غَالِبا فَعبر بهَا عَن لوازمها مِثَال ذَلِك إِن المجالسة لَهَا آدَاب وإكرام وَحُقُوق فَعبر بالمجالسة عَنْهَا وَكَذَلِكَ للمصاحبة حُقُوق ولوازم فِي الرِّفْق وَالْحِفْظ والذب فَعبر بالمصاحبة عَن هَذِه اللوازم
وَكَذَلِكَ الْعَدَاوَة والمقت لَهما لَوَازِم لَا تخفى فَعبر بهما عَن لوازمهما وَكَذَلِكَ الْمحبَّة والرضى والفرح وَالْغَضَب والأسف فليقس مَا لم أذكرهُ على مَا ذكرته وسأختم ذَلِك بفصلين
أَحدهمَا فِي ذكر ضروب من الْمجَاز
وَالثَّانِي فِي كَيْفيَّة اسْتِخْرَاج الْأَحْكَام من أدلتها الْمَذْكُورَة
وَقد تركت أصنافا من الْوَعْد والوعيد والمدح والذم وَغير ذَلِك من الْأَدِلَّة كبياض الْوُجُوه وسوادها وعبوسها وبسورها ونعمتها ونضارتها ونظرها إِلَى رَبهَا وسؤال النَّاس عَن أَعْمَالهم وحسابهم على أَقْوَالهم وأفعالهم فَإِن فِيمَا ذكرته قَلِيلا على مَا أهملته
وفقنا الله لفهم مُرَاده من كِتَابه وَسنة نبيه عليه السلام ووفقنا على ذَلِك ووفقنا للْعَمَل بِهِ بمنه ولطفه