الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القاعدة السابعة
دلالة العقل على الصفات التي دل عليها السمع
قال شيخ الإسلام:
"القاعدة السابعة: أن يُقال: إنّ كثيراً مما دل عليه السمع يعلم بالعقل أيضاً، والقرآن يبين ما يستدل به العقل، ويرشد إليه وينبه عليه، كما ذكر الله ذلك في غير موضع، فإنه سبحانه وتعالى بيَّن الآيات الدالة عليه وعلى وحدانيته وقدرته وعلمه وغير ذلك، ما أرشد العباد إليه ودلهّم عليه كما بيَّن أيضاً ما دل على نبوة أنبيائه، وما دل على المعاد وإمكانه.
فهذه المطالب هي شرعية من جهتين:
من جهة أن الشارع أخبر بها.
ومن جهة أنه بَيَّن الأدلة العقلية التي يستدل بها عليها.
والأمثال المضروبة في القرآن هي أقيسة عقلية، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع، وهي أيضاً عقلية من جهة أنها تعلم بالعقل أيضاً.
وكثير من أهل الكلام يسمى هذه "الأصول العقلية" لاعتقاده أنها لا تعلم إلا بالعقل فقط، فإن السمع هو مجرد إخبار الصادق، وخبر الصادق ـ الذي هو النبي ـ لا يعلم صدقه إلا بعد العلم بهذه الأصول بالعقل.
ثم أتهم قد يتنازعون في الأصول التي يتوقف إثبات النبوة عليها:
فطائفةٌ تزعم أن تحسين العقل وتقبيحه داخل في هذه الأصول، وأنه لا يمكن إثبات النبوة بدون ذلك، ويجعلون التكذيب بالقدر مما ينفيه العقل.
وطائفةٌ تزعم أن حدوث العالم من هذه الأصول، وأن العلم بالصانع لا يمكن إلا بإثبات حدوثه، وإثبات حدوثه لا يمكن إلا بحدوث الأجسام، وحدوثها يُعلم إما بحدوث الصفات، وإما بحدوث الأفعال القائمة بها، فيجعلون نفي أفعال الرب، ونفي صفاته من الأصول التي لا يمكن إثبات النبوة إلا بها.
ثم هؤلاء لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة على نقيض قولهم، والسمع إما أن يؤوّل، وإما أن يفوّض.
وهم أيضاً عند التحقيق لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة على وفق قولهم، لما تقدم.
وهؤلاء يضلون من وجوه:
منها: ظنهم أن السمع بطريق الخبر تارة1، وليس الأمر كذلك بل القرآن بيَّن من الدلائل العقلية التي تعلم بها المطالب الدينية ما لا يوجد مثله في كلام أئمة النظر، فتكون هذه المطالب شرعية عقلية.
ومنها: ظنهم أن الرسول لا يعلم صدقه إلا بالطريق المعينة التي سلكوها، وهم مخطئون قطعاً في انحصار طريق تصديقه فيما ذكروه، فإن طرق العلم بصدق الرسول كثيرة، كما قد بسط في غير هذا الموضع.
ومنها: ظنهم أن تلك الطريق التي سلكوها صحيحة، وقد تكون باطلة.
ومنها: ظنهم أن ما عارضوا به السمع معلوم بالعقل، ويكونون غالطين في ذلك فإنه إذا وزن بالميزان الصحيح وجد ما يعارض الكتاب والسنة من
1 كذا في المطبوع، وقد استظهر المحقق أن يكون الصواب:"المجرد"، وهو أقرب إلى الصواب، لأن كلمة "تارة"، توحي أن أحد قولي ـ أو أقوال ـ المتكلمين، والأمر ليس كذلك، فليس لهم إلا هذا القول، وقد ناقشهم شيخ الإسلام في غير هذا الموضوع، من ذلك:"درء التعارض" 1/198ـ199، مجموع الفتاوى 19/228ـ234، 13/136ـ141.
المجهولات لا من المعقولات، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن من صفات الله تعالى ما قد يعلم بالعقل، كما يعلم أنه عالم، وأنه قادر، وأنه حيّ كما أرشد إلى ذلك قوله:{ألا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} [الملك: 14] .
وقد اتفق النظّار من مثبتة الصفات على أنه يعلم بالعقل ـ عند المحققين ـ أنه حي عليم قدير مريد، وكذلك السمع والبصر والكلام يثبت بالعقل عند المحققين منهم.
بل وكذلك الحب والرضا والغضب يمكن إثباته بالعقل.
وكذلك علوه على المخلوقات ومباينته لها مما يُعلم بالعقل، كما أثبته بذلك الأئمة مثل أحمد بن حنبل وغيره، ومثل عبد العزيز المكي، وعبد الله بن سعيد بن كلاّب.
بل وكذلك إمكان الرؤية يثبت بالعقل، لكن منهم من أثبتها بأن كل موجود تصح رؤيته، ومنهم من أثبتها بأن كل قائم بنفسه تمكن رؤيته، وهذه الطريق أصحّ من تلك.
وقد يمكن إثبات الرؤية بغير هذين الطريقين، بتقسيم دائر بين النفي والإثبات، كما يقال إن الرؤية لا تتوقف إلاّ على أمور وجودية، فإن ما لا يتوقف إلا على أمور وجودية يكون الموجود الواجب القديم أحق به من الممكن المحدَث، والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن من الطرق التي يسلكها الأئمة ومن اتبعهم من نظّار السنة في هذا الباب أنه لو لم يكن موصوفاً بإحدى الصفتين المتقابلتين للزم اتصافه بالأخرى، فلو لم يوصف بالحياة لوصف بالموت، ولو لم يوصف بالسمع والبصر والكلام لوصف بالصمم والخرس والبكَم.
وطرد ذلك أنه لو لم يوصف بأنه مباين للعالم لكان داخلاً فيه، فسلب إحدى الصفتين المتقابلتين عنه يستلزم ثبوت الأخرى، وتلك صفة نقص ينزه عنها الكامل من المخلوقات فتنزيه الخالق عنها أولى.
وهذه الطريق غير قولنا: إن هذه صفات كمال يتصف بها المخلوق فالخالق أولى، فإن طريق إثبات صفات كمال بأنفسها مغاير لطريق إثباتها بنفي ما يناقضها.
وقد اعترض طائفة من النفاة على هذه الطريقة باعتراض مشهور لبسوا به على الناس، حتى صار كثير من أهل الإثبات يظن صحته ويُضعف الإثبات به، مثل ما فعل من فعل ذلك من النظار حتى الآمدي وأمثاله، مع أنه أصل قول القرامطة الباطنية وأمثالهم من الجهمية.
فقالوا1: القول بأنه لو لم يكن متصفاص بهذه الصفات، كالسمع والبصر والكلام، مع كونه حيّاً لكان متصفاً بما يقابلها، فالتحقيق فيه متوقف على بيان حقيقة المتقابلَيْن وبيان أقسامهما.
فنقول: أما المتقابلان فما لا يجتمعان في شيء واحد من جهة واحدة، وهو إما أن لا يصح اجتماعهما في الصدق ولا في الكذب، أو يصح ذلك في أحد الطرفين:
• فلأول: هما المتقابلان بالسلب والإيجاب، وهو تقابل التناقض، والتناقض هو اختلاف القضيتين بالسلب والإيجاب على وجه لا يجتمعان في الصدق ولا في الكذب لذاتيهما كقولنا: زيد حيوان، زيد ليس بحيوان، ومن خاصيته استحالة اجتماع طرفيه في الصدق والكذب، وأنه لا واسطة بين الطرفين ولا استحالة لأحد الطرفين [إلى الآخر]2.
1 من هنا يبدأ النقل من الآمدي من كتابه "أبكار الأفكار"، انظر تعليق محقق "التدمرية" ص 152 هامش (1) .
2 إلى هنا انتهى النقل عن الآمدي حسب الموجود في المطبوع، وقد جزم محقق "التدمرية" بوقوع سقط كبير من الأصل، ومن ثم حاول تلاقيه بالنقل عن" أبكار الأفكار" للآمدي بقية نصه الذي تناوله شيخ الإسلام بالرد فيما يأتي من كلامه
_________
وكذلك اجتهد المحقق في وضع بدايةٍ لرد شيخ الإسلام عليه، ولتكميل الفائدة ننقل هنا بقية كلام الآمدي، وبداية الوجه الأول من رد شيخ الإسلام، والذي اجتهد المحقق في صياغته.
أولاً: بقية نص الآمدي: "والثاني ثلاثة أقسام: الأول: المتقابلان بالتضايف وهما اللذان لا تعقّل لكل واحد منهما إلا مع تعقُّل الآخر، كقولنا: زيد أب، زيد ابن، وخاصيتُه: توقف كل واحد من طرفيه على الآخر في الفهم.
الثاني: المتقابلان بالتضاد: والمتضادان: كل أمرين يتصور اجتماعهما في الكذب دون الصدق، كالسواد والبياض. ومن خواصه: جواز استحالة كل واحد من طرفيه إلى الآخر في بعض صوره، وجواز وجود واسطة بين الطرفين، تمرّ عليه الاستحالة من أحد الطرفين على الآخر، كالصفرة والحمرة بين السواد والبياض.
الثالث: تقابل العدم والمَلكَة، والمراد بالملكة هنا: كل معنى وجودي أمكن أن يكون ثابتاً للشيء، إما بحق جنسه، كالبصر للإنسان، أو بحق نوعه، ككتابة زيد، أو بحق شخصه، كاللحية للرجل. وأما العدم المقابل لها فهو ارتفاع هذه الملكة. ولما لم تكن ملكة البصر بالتفسير المذكور ثابتة للحجر؛ لا يقال له: أعمى ولا بصير، ومن خواص هذا التقابل، جواز اقتراب الملكة إلى العدم ولا عكس.
فإن أريد بالتقابل ههنا تقابل التناقض بالسلب والإيجاب، وهو أنه لا يخلو من كونه سميعاً وبصيراً ومتكلماً أو ليس: فهو ما يقوله الخصم، ولا يقبل نفيه من غير دليل.
وإن أريد بالتقابل تقابل المتضايفين: فهو غير متحقق ههنا، ومع كونه غير متحقق فلا يلزم من نفي أحد المتضايفين ثبوت الآخر، بل ربما انتفيا معاً، ولهذا يقال: زيد ليس بأب لعمرو ولا بابن له أيضاً.
وإن أريد بالتقابل تقابل الضدين: فإنما يلزم أن لو كان واجب الوجود قابلاً لتوارد الأضداد عليه، وهو غير مسلَّم، وإن كان قابلاً فلا يلزم من نفي أحد الضدين وجودُ الآخر؛ لجواز اجتماعهما في العدم، ووجود واسطة بينهما، ولهذا يصح أن يُقال: الباري تعالى ليس بأسود ولا أبيض.
وإن أريد بالتقابل تقابل العدم والملكة: فلا يلزم أيضاً من نفي الملكة تحقُقُ العدم ولا بالعكس إلا في محل يكون قابلاً لهما، ولهذا يصح أن يقال: الحجر لا أعمى ولا بصير.
والقول بكون الباري تعالى قابلاً للبصر والعمى دعوى محل النزاع والمصادرة على المطلوب، وعلى هذا فقد امتنع لزوم العمى والخرس والطرش في حق الله تعالى من ضرورة نفي البصر والسمع والكلام عنه.
ثانياً: بداية رد شيخ الإسلام على الأمدي حسب صياغة المحقق: والرد عليهم من وجوه:
الوجه الأول: أن هذا التقسيم غير حاصر؛ فإنه يقال للموجود: إما أن يكون واجباً بنفسه، وإما أن يكون ممكناً بنفسه، وهذان ـ الوجوب والإمكان ـ لا يجتمعان في شيٍ واحد
…
من جهة واحدة، ولا يصح اجتماعهما في الصدق ولا في الكذب، إذ كون الموجود واجباً بنفسه لا يجتمعان ولا يرتفعان.
فإذا جعلتم هذا التقسيم، وهما النقيضان مالا يجتمعان ولا يرتفعان، فهذان لا يجتمعان ولا يرتفعان، وليس هما السلب والإِيجاب.
وحينئذٍ، فقد ثبت وصفان: شيئان لا يجتمعان ولا يرتفعان، وهو خارج عن الأقسام الأربعة.
وعلى هذا فمن جعل الموت معنى وجودياً فقد يقول: إن كون الشيء لا يخلو من الحياة والموت هو من هذا الباب.
وكذلك العلم والجهل، والصمم، والبكم، ونحو ذلك.
• الوجه الثاني: أن يقال: هذا التقسيم يتداخل، فإن العدم والملكة يدخل في السلب والإيجاب، وغايته أنه نوع منه، والمتضادين، وإنما هو نوع منه.
فإن قال: أعني بالسلب والإيجاب [ما لا] يدخل [فيه] العدم والملكة، وهو أن يسلب عن الشيء ما ليس بقابل له. ولهذا جعل من خواصه أنه لا استحالة لأحد طرفيه إلى الآخر. المتضادين، وإنما هو نوع منه.
قيل له: عن هذا جوابان:
• أحدهما: أن غاية هذا أن السلب ينقسم إلى نوعين، أحدهما: سلب ما يمكن اتصاف الشيء به، والثاني: سلب ما لا يمكن اتصافه به،
فيكون المراد به فيكون المراد به سلب الممتنع وإثبات الواجب، كقولنا: زيد حيوان، فإن هذا إثبات واجب، وزيد ليس بحجر، فإن هذا سلب ممتنع.
وعلى هذا التقدير، فالممكنات التي تقبل الوجود والعدم، كقولنا: المثلث إما موجود وإما معدوم، يكون من قسم العدم والملكة، وليس كذلك، فإن ذلك القسم يخلو فيه الموصوف الواحد عن المتقابلين جميعاً، ولا يخلو شيء من الممكنات عن الوجود والعدم.
وأيضاً فإنه على هذا التقدير، فصفات الرب كلها واجبة له، فإذا قيل: إما أن يكون حياً أو عليماً أو سميعاً أو بصيراً أو متكلماً، أو لا يكون كان مثل قولنا: إما أن يكون موجوداً وإما أن لا يكون، وهذا متقابل تقابل السلب والإيجاب، فيكون الآخر مثله، وبهذا يحصل المقصود.
فإن قيل: هذا لا يصح حتى يُعلم إمكان قبوله لهذه الصفات.
قيل له: هذا إنما [اشتُرِط] فيما أمكن أن يثبت له ويزول كالحيوان، فأما الرب تعالى فإنه بتقدير ثبوتها له فهي واجبة، ضرورة أنه لا يمكن أن يكون تارة حياً وتارة ميتاً، وتارة سميعاً، وهذا يوجب اتصافه بالنقائص، وذلك منتف قطعاً.
بخلاف من نفاها، وقال: إن نفيها ليس بنقص، لظنه أنه لا يقبل الاتصاف بها، فإن من قال هذا لا يمكنه أن يقولك إنه مع إمكان الاتصاف بها لا يكون نفيها نقصاً. فإن فساد هذا معلوم بالضرورة.
وقيل له أيضاً: أنت في تقابل السلب والإيجاب، إن اشترطت العلم بإمكان الطرفين لم يصح أن تقول: واجب الوجود غما موجود وإما معدوم، والممتنع الوجود إما موجود وإما معدوم، لأن أحد الطرفين هنا معلوم الوجوب، والآخر معلوم الامتناع.
وإن اشترطت العلم بإمكان أحدهما صح أن تقول: إما أن يكون حياًُ وغما أن لا يكون، وإما أن يكون سميعاً بصيراً وإما أن لا يكون، لأن النفي إن كان ممكناً صح التقسيم، وغن كان ممتنعاً كان الإثبات واجباً، وحصل المقصود.
فإن قيل: هذا يفيد أن هذا التأويل يقابل السلب والإيجاب ونحن نسلم ذلك، كما ذكر في الاعتراض، لكن غايته أنه إما سميع وإما ليس بسميع، وإما بصير وإما ليس ببصير، والمنازع يختار النفي.
فيقال له: على هذا التقدير فالمثبَت واجب، والمسلوب ممتنع، فإما أن تكون هذه الصفات واجبة له، وإما أن تكون ممتنعة عليه، والقول بالامتناع لا وجه له إذ لا دليل عليه بوجه.
بل قد يقال: نحن نعلم بالاضطرار بطلان الامتناع، فإنه لا يمكن أن يستدل على امتناع ذلك إلا بما يستدل به على إبطال أصل الصفات، وقد علم فساد ذلك، وحينئذٍ فيجب القول بوجوب هذه الصفات له.
واعلم أن هذا يمكن أن يُجعل طريقة مستقلة في إثبات صفات الكمال له، فإنها إما واجبة له، وإما ممتنعة عليه، والثاني باطل فتعيَّن الأول، لأنه كونه قابلاً لها خالياً عنها يقتضي أن يكون ممكناً، وذلك ممتنع في حقه، وهذه طريقة معروفة لمن سلكها من النظار.
• الجواب الثاني: أن يقال فعلى هذا إذا قلنا: زيد إما عاقل وإما غير عاقل، وإما عالم وإما ليس بعالم، وإما حي وإما غير حي، وإما ناطق وإما غير ناطق، وأمثال ذلك مما فيه سلب الصفة عن محل قابل لها، لم يكن هذا داخلاً في قسم تقابل السلب والإيجاب.
ومعلوم أن هذا خلاف المعلوم بالضرورة، وخلاف اتفاق العقلاء، وخلاف ما ذكروه في المنطق وغيره.
ومعلوم أن مثل هذه القضايا تتناقض بالسلب والإيجاب على وجه يلزم من صدق إحداهما كذب الأخرى، فلا يجتمعان في الصدق والكذب، فهذه شروط التناقض موجودة فيها.
وغاية فرقهم أن يقولوا: إذا قلنا: هو إما بصير وإما ليس ببصير، كان إيجاباً وسلباً، وإذا قلنا: هو إما بصير وإما أعمى، كان ملكة وعدماً.
وهذا منازعة لفظية، وإلا فالمعنى في الموضعين سواء، فعلم أن ذلك
نوع من تقابل السلب والإيجاب، وهذا يبطل قولهم في حد ذلك التقابل: إنه لا استحالة لأحد الطرفين إلى الآخر، فإن الاستحالة هنا ممكنة كإمكانها إذا عبر بلفظ "العمى".
• الوجه الثالث: أن يقال: التقسيم الحاصر أن يقال: المتقابلان إما أن يختلفا بالسلب والإيجاب، وإما أن لا يختلفا بذلك، بل يكونان إيجابيين أو سلبيين، فالأول هو النقيضان، والثاني: إما أن يمكن خلو المحل عنهما، وإما أم لا يمكن، والأول هما الضدان كالسواد والبياض، والثاني هما في معنى النقيضين وإن كانا ثبوتَين كالوجوب والإمكان، والحدوث والقدم، والقيام بالنفس والقيام بالغير، والمباينة والمجانبة، ونحو ذلك.
ومعلوم أن الحياة والموت، والصمم والبكم والسمع، ليس مما إذا خلا الموصوف عنهما وصف بوصف ثالث بينهما كالحمرة بين السواد والبياض، فعُلم أن الموصوف لا يخلو عن أحدهما فإذا انتفى تعين الآخر.
• الوجه الرابع: المحل الذي لا يقبل الاتصاف بالحياة والعلم والقدرة والكلام ونحوها، أنقص من المحل الذي يقبل ذلك ويخلو عنها، ولهذا كان الحجر ونحوه أنقص من الحي الأعمى.
وحينئذٍ، فإذا كان الباري منزها عن نفي هذه الصفات ـ مع قبوله لها ـ فتنزيهه عن امتناع قبوله لها أوْلى وأحرى، إذ بتقدير قبوله لها يمتنع منع المتقابلين، واتصافه بالنقائص ممتنع، فيجب اتصافه بصفات الكمال، وبتقدير عدم قبوله لا يمكن اتصافه لا بصفات الكمال ولا بصفات النقص، وهذا أشد امتناعاً، فثبت أن اتصافه لا بصفات الكمال ولا بصفات النقص، وهذا أشد امتناعاً، فثبت أن اتصافه بذلك ممكن، وأنه واجب له، وهو المطلوب، وهذا في غاية الحسن.
• الوجه الخامس: أن يقال: أنتم جعلتم تقابل العدم والملكة فيما يمكن اتصافه بثبوت، فإن عنيتم بالإمكان الإمكان الخارجي، وهو أن يعلم ثبوت ذلك في الخارج، كان هذا باطلاً من وجهين:
* أحدهما: أنه يلزمكم أن تكون الجامدات لا توصف بأنها لا حيّة ولا ميتة، ولا ناطقة ولا صامتة، وهو قولكم، لكن هذا اصطلاح
محض، وإلا [فالعرب] يصفون هذه الجمادات بالموت والصمت.
وقد جاء القرآن بذلك، قال تعالى:{وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * آمْوَاتٌ غَيْرُ أحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النحل: 20ـ21] ، فهذا في الأصنام وهي من الجمادات، وقد وصفت بالموت.
والعرب تقسم الأرض إلى الحيوان والمَوَتان ولا تَشْتَر الحيوان، أي: اشتر الأرضين والدّور، ولا تشتر الرقيق والدّواب.
وقالوا أيضاً: المَوَات: ما لا روح فيه.
فإن قيل: فهذا إنما سمي مواتاً باعتبار قبوله للحياة، التي هي إحياء الأرض.
قيل: وهذا يقتضي أن الحياة أعم من حياة الحيوان، وأن الجماد يوصف بالحياة إذا كان قابلاً للزرع والعمارة.
واخرس ضد النطق، والعرب تقول: لبن أخرس، أي خائر لا صوت له في الإناء، وسحابة خرساء، ليس فيها رعد ولا برق، وعَلَم أخرس، إذا لم يُسمع له في الجبل صوت صدى، ويقال كتيبة خرساء، قال أبو عبيد: هي التي صمتت من كثرة الدروع ليس لها قعاقع.
وأبلغ من ذلك الصمت والسكوت، فإنه يوصف به القادر على النطق إذا تركه، بخلاف الخرس، فإنه عجز عن النطق، ومع هذا فالعرب تقول: ماله صامت ولا ناطق، فالصامت الذهب والفضة، والناطق الإِبل والغنم، والصامت من اللبن: الخاثر، والصَّمُوت: الدرع التي إذا صُبَّت لم يسمع لها صوت.
ويقولون: دابة عجماء، وخرساء، لما لا ينطق ولا يمكن منه النطق في العادة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم:"العجماء جبار"1.
1 متفق عليه: صحيح البخاري (3/364 برقم 1499) وصحيح مسلم (3/1334ـ 1335 برقم1710) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وكذلك في العمى، تقول العرب: عَمَى الموجُ يَعْمِي عَمْياً إذا رمى القذى والزَّبَدَ، والأعميان: السيل والجمهل الهائج، وعَمِيَ عليه الأمر إذا التبس، ومنه قوله تعالى:{فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الآنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ} [القصص: 66] .
وهذه الأمثلة قد يقال في بعضها: إنه عدم ما يقبل المحل الاتصاف به كالصوت ولكن فيها ما لا يقبل كموت الأصنام.
* الثاني: أن الجامدات يمكن اتصافها بذلك، فإن الله سبحانه قادر أن يخلق في الجمادات حياة، كما جعل عصا موسى حيّة تبلع الحبال والعصي.
وإذا في إمكان العادات كان ذلك مما قد علم بالتواتر، وأنتم أيضاً قائلون به في مواضع كثيرة.
وإذا كان الجمادات يمكن اتصافها بالحياة وتوابع الحياة ثبت أن جميع الموجودات يمكن اتصافها بذلك، فيكون الخالق أوْلى بهذا الإمكان.
وإن عنيتم الإمكان الذهني، وهو عدم العلم بالامتناع فهذا حاصل قي حق الله، فإنه لا يعلم امتناع اتصافه بالسمع والبصر والكلام.
• الوجه السادس: أن يقال: هب أنه لابد من العلم بالإمكان الخارجي، فإمكان الوصف للشيء يُعلم تارة بوجوده له، أو بوجوده لنظيره، أو بوجوده لما هو الشيء أوْلَى بذلك منه.
ومعلوم أن الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام ثابتة للموجودات المخلوقة، وممكنة لها، فإمكانها للخالق تعالى أوْلَى وأحرى، فإنها صفات كمال، وهو قابل للاتصاف بالصفات، وإذا كانت ممكنة في حقه فلو لم يتصف بها لا تصف بأضدادها.
• الوجه السابع: أن يقال: مجرد سلب هذه الصفات نقص لذاته، سواء سميت عمى وصمماً وبكماً، أو لم تسم، والعلم بذلك ضروري، فإنا إذا قدرنا موجودَين، أحدهما يسمع ويبصر ويتكلم، والآخر ليس كذلك كان الأول أكمل من الثاني.
ولهذا عاب الله سبحانه من عبد ما تنتفي فيه هذه الصفات، فقال تعالى
عن إبراهيم الخليل: {يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} [الأنبياء: 63]، وقال أيضاً في قصته:{فَاسْألُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} [الأنبياء: 63]، وقال تعالى عنه:{هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أوْ يَنْفَعُونَكُمْ أوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أفَرَآيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 72ـ77] .
وكذلك في قصة موسى في العجل: {ألَمْ يَرَوْا آنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ} [الأعراف: 148]، وقال تعالى:{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أحَدُهُمَا أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل: 76] ، فقابل بين الأبكم العاجز وبين الآمر بالعدل الذي هو على صراط مستقيم".
معاني الكلمات:
مما دل عليه السمع: أي الكتاب والسنة.
يعلم بالعقل: أي يعرف بالأدلة العقلية.
الأمثال: المثل: ما يضرب به من الأمثال.
عناصر الموضوع:
1ـ موضوع القاعدة السابعة:
موضوع القاعدة السابعة مسألتان هما:
أـ دلالة العقل على ما يدل عليه النقل.
ب ـ مناقشة المعطلة في شبهة التقابل إذ على أثرها أنكروا الصفات.
2ـ على من يرد شيخ الإسلام بهذه القاعدة:
يرد شيخ الإسلام بهذه القاعدة على عامة المعطلة في دعواهم أن الصفات لا يدل عليها العقل، فالأشعرية نفت جميع الصفات ما عدا سبع زعموا أنها دل عليها العقل.
3ـ الصلة بين القاعدتين السادسة والسابعة:
بعد أن تكلم شيخ الإسلام في القاعدة السادسة عن الضابط الصحيح في النفي والإثبات ونقد المخالفين الذين خالفوا هذا الضابط سواء في التنزيه بنفي التجسيم ناسب أن يبين أن الضابط الصحيح في النفي والإثبات هو متلقى عن السمع وأنه قد دل عليه العقل، فكثير من العقائد التي أثبتت بالسمع تعرف بالعقل.
4ـ شرح القاعدة السابعة:
يبين شيخ الإسلام أن العقل يثبت ما أثبته السمع، فكثير مما أثبته السمع يعرف بالعقل أيضاً، فمثلاً دل السمع على وحدانية الله وعلمه وقدرته وصدق النبوة والمعاد، وأرشد السمع العقل إلى معرفة وحدانية الله وقدرته بدلالات كثيرة منها:
أـ دلالة الآيات العيانية كالسموات والأرض والجبال والأنهار والشمس والقمر، كما قال تعالى:{أمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَأنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ آنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [النمل: 60] .
ب ـ وكذلك دلالة الأنفس كما قال تعالى: {وَفِي أنْفُسِكُمْ أفَلا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] .
ج ـ وأرشد العقل إلى معرفة علمه وبأحكامه للمخلوقات قال تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [يس: 38] .
د ـ ودل ـ سبحانه ـ على صدق نبوة أنبيائه ببيان معجزاتهم، ونصر الله لهم، وتمكينه للدين الذي جاؤوا به.
هـ ـ ودل على المعاد والبعث وإمكانه بثلاثة طرق عقلية:
أولها: الوقوع كما في حق الرجل الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال تعالى: {فَأمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} [البقرة: 259] .
ثانيهما: وقوع النظير، فالنشأة الأولى، تشبه البعث وإن لم تكن مطابقة له من كل وجه كما في قوله تعالى:{كَمَا بَدَأْنَا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} [الأنبياء: 104] .
ثالثها: وقوع ما هو أبلغ منه، فخلق السموات والأرض أعظم من خلق الناس كما قال تعالى:{لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غافر: 57]، فلذلك فإن هذه المطالب شرعية وعقلية وذلك من جهتين:
أـ لأن الشارع أخبر بها.
ب ـ أنها تعلم وتدرك بالعقل.
وجميع الأمثال المضروبة في القرآن عقلية مع كونها شرعية1.
5ـ ما تدور عليه هذه القاعدة:
مدار هذه القاعدة ومحورها على موضوعين أساسيين:
أـ أن كثيراً مما دل عليه السمع يعلم بالعقل أيضاً، والقرآن يبين ما يستدل به العقل ويرشد إليه وينبه عليه.
ب ـ مناقشة المعطلة في نفيهم الصفات بشبهة التقابل، سيأتي الحديث عنها مفصلاً.
6ـ الصفات لا تُثبت بالعقل وحده:
صفات الله توقيفية أي يتوقف على ما ورد في الكتاب والسنة ولا مجال للعقل فيها غلا تأييد ما دل عليه السمع من الصفات، فلا نثبت لله من الصفات إلا ما دل الكتاب والسنة على ثبوته، ولدلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة ثلاثة أوجه:
أـ التصريح بالصفة كالعزة والقوة والرحمة والبطش والوجه واليدين ونحوها.
1 التوضيحات الأثرية لأبي العالية ص 262.
ب ـ تضمن الاسم لها مثل الغفور متضمن للمغفرة، والسميع متضمن للسمع
…
وهكذا.
ج ـ التصريح بفعل أو وصف دال عليها كالاستواء على العرش وانزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة والانتقام من المجرمين الدال عليها الترتيب التالي1:
1ـ قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] .
2ـ قوله عليه السلام: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا"[رواه مسلم 2/176،175] .
3ـ قوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22] .
4ـ قوله تعالى: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [السجدة:22] .
7 ـ السلف يعملون العقل ولا يهملونه بل يعملونه في عالم الشهادة، لا في عالم الغيب إلا على سبيل الإجمال دون التفصيل، ولا يثبتون بالعقل حكماً شرعياً فعندهم للعقل مع الشرع حالتان لا ثالث لهما:
• الأولى: أن يدل على ما دل عليه الشرع فيكون شاهداً أو مؤيداً ومصدقاً، فيحتجون حينئذٍ بدلالة العقل على من خالف الشرع، وفي القرآن من هذا النوع شيء كثير كأدلة التوحيد والنبوة والمعاد، فتلك الأدلة هي عقلية شرعية.
قال ابن تيمية: (إن كثيراً مما دل عليه السمع يعلم بالعقل أيضاً، والقرآن يبين ما يستدل به العقل ويرشد إليه وينبه عليه كما ذكر الله ذلك في غير موضع.
فإن الله سبحانه بين من الآيات الدالة عليه وعلى وحدانيته وقدرته وعلمه
1 القواعد المثلى، ص29.
وغير ذلك مما أرشد العباد إليه ودلهم عليه، كما بين أيضاً ما دل على نبوة أنبيائه، وما دل على المعاد وإمكانه فهذه المطالب هي شرعية من جهتين: من جهة أن الشارع اخبر بها.
ومن جهة أنه بين الأدلة العقلية التي يستدل بها عليها، والأمثال المضروبة في القرآن هي أقيسة عقلية، وقد بسطت في غير موضع، وهي أيضاً عقلية من جهة أن تعلم بالعقل أيضاً.
• الثانية: أن لا يدل على ما دل عليه الشرع لا نفياً ولا إثباتاً، فحكم العقل إذاً جواز ما جاء به الشرع. أما أن يدل العقل على خلاف ما جاء به الشرع فيكون معارضاً له، فهذا ما لا يكون مع صحة النقل، ولهذا قال أهل السنة: إن العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح، وقالوا إن الرسل جاؤوا بمحارات العقول لا بمحالات العقول.
أي أن الرسل لا يخبرون بما يحيله العقل، ولكن يخبرون بما يجيزه العقل ويحار فيه وهذا تحديد موقف أهل السنة من العقل مع الشرع.
8 ـ ذكر شيء من ضلال المتكلمين في تقديم العقل على النقل:
أـ ظنهم أن وجود الرب لا يثبت إلا بسلوك طرقهم العقلية.
ب ـ ظنهم أن الرسول عليه السلام لا يعلم صدقه إلا بالأدلة العقلية التي سلكوها.
ج ـ ظنهم أن ما عارضوا به الأدلة السمعية معلوم بالعقل.
9 ـ الغرض من عقد الشيخ القاعدة السابعة:
الغرض من ذلك أن من صفات الله ما قد يُعلم بالعقل ويذكر من الطرق العقلية التي يسلكها نُظار السنة في إثبات الصفات أنه سبحانه لو لم يكن موصوفاً بإحدى الصفتين المتقابلتين للزم اتصافه بالقدرة لوصف بالعجز
…
إلخ وأنه اعترض على هذه الطريقة باعتراض مشهور.
مفاده قالوا: "القول بأنه لو لم يكن متصفاً بهذه الصفات السمع والبصر
والكلام مع كونه حياً؛ لكان متصفاً بما يقابلها فالتحقيق فيه متوقف على بيان حقيقة المتقابلين وبيان أقسامه" وقد رد عليه الشيخ رداً موسعاً من سبعة أوجهٍ وإليك مختصرة:
أـ المتقابلان ما لا يجتمعان في شيء واحدٍ من جهة واحدة، ثم فصَّل الكلام في ذلك.
ب ـ أن هذا التقسيم يتداخل، فإن العدم والملكة يدخل في السلب والإيجاب، وهو نوع منه، والمتضايفان يدخلان في المتضادين وإنما هو نوع منه.
ج ـ أن يقال التقسيم الحاصر أن يقال: المتقابلان إما أن يختلفا بالسلب والإيجاب وغما أن لا يختلفا بذلك، بل يكونان إيجابيين أو سلبيين فالأول هو النقيضان، والثاني: إما أن يمكن خلو المحل عنهما وإما أن لا يمكن ثم وضَّحه بالأمثلة.
د ـ المحل الذي لا يقبل الاتصاف بالحياة والقدرة ونحوها أنقص من المحل الذي يقبل ويخلو عنها وحينئذٍ، فإذا كان الباري منزهاً عن نفي هذه الصفات مع قبوله لها، فتنزيهه عن امتناع قبوله لها أولى وأحرى إذ يجب اتصافه بصفات الكمال.
هـ ـ أن يقال أنتم جعلتم تقابل العدم والملكة فيما يمكن اتصافه بثبوت، فإن عنيتم بالإمكان الإمكان الخارجي كان هذا باطلاً لوجهين:
• الأول: أنه يلزمكم أن يكون الجامدات لا توصف بأنها حية ولا ميتة وهو قولكم.
• الثاني: أن الجمادات يمكن اتصافها بذلك فإن الله سبحانه قادر أن يخلق في الجمادات حياة كما جعل عصا موسى حية، وإن عنيتم الإمكان الذهني فهذا حاصل في حق الله.
وـ أن الحياة والعلم ثابتة للموجودات المخلوقة وممكنة فإمكانها للخالق أولى وأحرى وهو قابل للاتصاف بالصفات، وإذا كانت ممكنة في
حقه فلولم يتصف بها لا تصف بأضدادها.
زـ مجرد سلب هذه الصفات نقص لذاته سواء سميت عمى وصمماً وبكماً أو لم تسم والعلم بذلك ضروري، ولهذا عاب الله من عبد ما تنتفي فيه هذه الصفات.
10ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وقيل له أيضاً: أنت في تقابل السلب والإيجاب
…
)
أقول: لقد سبق أن شرحنا: أنواع التقابل كما هي في كتب المنطق: وأعيدها هنا للإيضاح: فأقول: التقابل أنواع:
أـ نوع يسمى تقابل الإيجاب والسلب: أو تقابل النقيضين وهذا التقابل لا يتحقق إلا بين الشيئين اللذين لا يجوز رفعهما ولا يجوز جمعها ويكون أحدهما وجودياً والآخر عدمياً، أي يكون أحدهما إيجابياً والآخر سلبياً نحو الإنسان واللا إنسان.
والداخل واللا داخل والخارج واللا خارج.
ب ـ ونوع يسمى تقابل التضاد: وهذا التقابل يكون في شيئين وجوديين بحيث لا يجوز الجمع بينهما ولكن يجوز رفعهما نحو الحجر والشجر، والإنسان والحمار والسماء والأرض ويسمى المتضادين أيضاً.
ج ـ تقابل التضايف: وهو لا يحقق إلا في شيئين وجوديين، ولكن أحدهما لا يتصور بدون الآخر.
نحو الأب والابن، فالأب لا يكون أبا إلا إذا كان له ابن، وكذا الابن لا يكون ابناً إلا إذا كان له أب.
د ـ تقابل العدم والملكة: وهذا التقابل لا يتحقق إلا في شيئين أحدهما وجودي وهو الملكة أي أمر محبوب وصفة كمال، والثاني عدمي أي أمر غير محبوب وصفة نقص نحو البصر والعمى.
ويكون محل الوجودي صالحاً للعدمي وبالعكس أيضاً.
فالبصر ملكة وصفة كمال وهو شيء وجودي والعمى صفة نقص وهو
شيء عدمي، ومحل الوجودي ـ وهو الرجل البصير ـ صالح للعمى لأنه يمكن أن يصير الرجل البصير أعمى، وكذلك بالعكس، لأنه يمكن أن يصير الرجل البصير أعمى، وكذلك بالعكس، لأنه يمكن أن يصير الرجل الأعمى بصيراً.
11 ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (الوجه الثالث أن يقال: التقسيم الحاصر، وأن يقال: المتقابلان إما أن يختلف بالسلب والإيجاب
…
) .
أقول: حاصل هذا الكلام: أن المتقابلين إن كانا وجوديين أو كانا سلبيين (عدميين) أو كان أحدهما وجودياً والآخر سلبياً (عدمياً) .
فإن كانا وجوديين: فإن أمكن خلو المحل منهما.
فهما ضدان: نحو البياض والسواد، والحجر والشجر؛ لأنه يجوز أن يكون هذا اللون لا أبيض ولا أسود بل يكون أحمر ويكون هذا الشيء لا حجراً ولا شجراً بل يكون إنساناً.
وإن لم يمكن خلو المحل منهما، بل كانا بحيث لا يجوز اجتماعهما معاً، ولا نفيهما معاً فهما نقيضان عند أهل اللغة وأهل السنة وإن كانا وجوديين: كالوجود والإمكان والحدوث والقدم والدخول والخروج والاتصال والانفصال والمباينة والمماسة فهذه الأمور وإن كانت وجودية إيجابية ثبوتية، ولكن لا يمكن رفعهما معاً ولا إثباتهما معاً كالنقيضين عند المناطقة والمتكلمين والجهمية.
وإن كانا وجوديين أيضاً ولكن كان تصور أحدهما موقوفاً بتصور الآخر:
فهما متضائفان، نحو الابن والأب.
وإن كانا سلبيين: نحو اللا إنسان واللا حجر: فهذا النوع لا تسمية له عندهم، ولكن قد يكون بينهما تصادقاً.
نحو الكتاب فالكتاب لا إنسان ولا حجر.
وقد لا يكون ذلك، نحو الإنسان، فإنه لا يقال له: هذا لا إنسان
ولا حجر. بل يقال: إنسان ولا حجر، والحجر لا يقال له: هذا لا إنسان ولا حجر. بل يقال: حجر ولا إنسان.
وإما أن يكون أحدهما وجودياً والآخر سلبياً، بحيث لا يجتمعان ولا يرتفعان، فهما نقيضان أيضاً: نحو الإنسان واللا إنسان.
12 ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (الوجه السادس: أن يقال: هب أنه لا بد من العلم بالإمكان الخارجي
…
)
قصد شيخ الإسلام: أنه لابد في باب اتصاف الله تعالى أن نعلم أن ثبوت الصفات له تعالى ممكن بالإمكان الخارجي أي ليس ذلك مجرد الإمكان الذهني فقط، بل يكون من الأمور الممكنة الواقعة في الخارج.
لأن إمكان الوصف لأي شيء لا يعلم إلا بثلاثة طرق:
1ـ إما أن يوجد ذلك الوصف لهذا الشيء في الخارج الواقع.
2ـ أو أن يوجد ذلك الوصف لنظير ذلك الشيء في الخارج الواقع.
3ـ أو أن يجيء ذلك الوصف لما هو أولى.
مثال ذلك صفة الكلام في الإنسان صفة كمال فإذا ثبت ذلك الوصف لمن هو أدنى، فإثباتهما لمن هو فوق أولى وذلك بالأدلة العقلية.
الحاصل: أن شيخ الإسلام يقول: إن صفة الكلام صفة خارجية توجد في الخارج عند الموصوفين بها. وذلك أن زيداً موصوف بهذه الصفة فعلمنا اتصافه بها لأجل المشاهدة، وكذا نرى أن عمراً أو بكراً أو خالداً موصوفون بذلك، فزيد أيضاً يتصف بذلك لأنه ممكن لأن زيداً من جنس عمر وكذا إذا نظرنا أن الطفل يتصف بهذا الوصف ويتكلم فالكبير يتصف بهذه الصفة بالطريق الأولى، فالإنسان إذا اتصف بصفة كمال فالله أولى أن يتصف بها؛ وهذا البرهان يسمى بقياس الأَوْلَى عند شيخ الإسلام؛ كما يسمى بدلالة النص عند الأصوليين.
ومثال ذلك: أن الله تعالى نهى عن "الأف" للوالدين؛ فالنهي عن شتمهما وضربهما بالطريق الأوْلَى.
13 ـ الأسئلة والأجوبة الواردة على القاعدة السابعة:
س1 ـ دلل على أن كثيراً مما أثبته السمع يعرف بالعقل؟
ج ـ الدليل على ذلك:
أولاً: دا السمع على وحدانية الله ـ تعالى ـ وعلمه، وقدرته، وصدق النبوة، والمعاد، ثم بين للعقل طرق الاستدلال عليه؛ فمثلاً: أرشد السمع العقل إلى معرفة الله ـ تعالى ـ ووحدانيته بدلالات كثيرة؛ منها:
1 ـ دلالة الآيات العيانية؛ كالسموات والأرض والجبال والأنهار والشمس والقمر؛ كما قال تعالى: {أمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَأنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [النمل: 60] .
2 ـ وكذلك دلالة الأنفس؛ كما في قوله سبحانه: {وَفِي أنْفُسِكُمْ أفَلا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 51] .
3 ـ وأرشد العقل إلى معرفة علمه بإحكامه للمخلوقات: ما في قوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [يس: 38] .
4 ـ ودلل على المعاد والبعث وإمكانه بثلاث طرق عقلية: أواها الوقوع كما في حق الرجل الذي مر على القرية وهي خاوية فقال تعالى: {فَأمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} [البقرة: 258] .
وثانياً: وقوع النظير كالنشأة الأولى فإنها تشبه البعث وإن لم تكن مطابقة له من كل وجه كما في قوله تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} [الأنبياء: 104] .
وثالثاً: وقوع ماهو أبلغ منه فخلق السموات والأرض أعظم من خلق الناس كما قال تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غافر:57] .
س2 ـ اذكر بعض الأصول العقلية عند المتكلمين؟
ج ـ من الأصول العقلية عند المتكلمين:
1ـ التحسين والتقبيح؛ أي أن العقل يحسن الأشياء ويقبحها، وما حكم العقل بحسنه وجب فعله، وما حكم بقبحه حرم فعله.
2ـ لا يمكن إثبات النبوة إلا بالتحسين والتقبيح.
3ـ التكذيب بالقدر مما يقتضيه العقل.
4ـ حدوث العالم.
5ـ لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة؛ لظنهم أن العقل عارض السمع ـ وهو أصله ـ فيجب تقديمه عليه، والسمع إما أن يؤول، وإما أن يفوض.
س3ـ بين وجوه ضلال المتكلمين في تلك الأصول؟
ج ـ أن هذه الطوائف تضل من وجوه:
1ـ ظنهم أن الشرع خبر مجرد، وليس الأمر كذلك، بل بيَّن القرآن كثيراً من الدلائل العقلية التي تعلم بها المطالب الدينية.
2ـ ظنهم أن الرسول لا يعرف صدقه إلا بطريقتهم تلك؛ وهذا خطأ، بل طرق العلم بصدق الرسول كثيرة جداً فإذا ثبت بالقرآن صدقه، فقد علم صحة كل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وصارت أخباره عليه السلام أدلة على صحة سائر ما دعى إليه من الأمور الغائبة عن حواسنا.
3ـ ظنهم أن تلك الطرق صحيحة مع أنها قد تكون باطلة.
4ـ ظنهم أن ما عارضوا به السمع معلوم بالعقل؛ وهو غلط: فإن العقل لا يعارض السمع، وإنما يعارض الكتاب والسنة المجهولات لا المعقولات.
س4ـ اذكر أمثلة لصفات الله التي تعرف بالعقل؟
ج ـ1ـ من الصفات التي تعرف بالعقل: قوله تعالى: {ألا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} [الملك: 14] أثبت الله خلقه للخلق، وهذا يرشدنا إلى اتصافه بالعلم
والقدرة والحياة، فإنه لا يخلق إلا قادر على الخلق عالم بما سيخلقه ولا يكون ذلك إلا من حي.
2ـ اتفاق النظار أي المتكلمين من الأشاعرة على ان الصفات السبع تعلم بالعقل أي أنه ـ سبحانه ـ عالم، وقادر، وحي، وسميع، وبصير.
3ـ ويثبت بالعقل كذلك: الحب، والرضى، واغضب، وعلوه ـ تعالى ـ على المخلوقات، وإمكان الرؤية.
س5ـ اذكر الطرق العقلية العامة في إثبات صفات الكمال لله؟
ج ـ هناك طريقتان لإثبات الكمال:
1ـ إثبات صفات الكمال بنفي ما يناقضها. وذلك بأن يقال: لولم يكن متصفاً بصفات الكمال لكان موصوفاً بضدها، فلو لم يوصف بالحياة والسمع مثلاً لكان موصوفاً بالموت والصمم.
2ـ إثبات صفات الكمال بأنفسها. بأن يقال: كل كمال اتصف به المخلوق فالخالق أولى به، وهذا ما سبق تسميته بقياس الأولى.
س6ـ في شبهة التقابل المشهورة، اذكر الأجوبة باختصار؟
ج ـ الأجوبة السبعة باختصار:
1ـ التقسيم إلى أربعة أقسام منقوض بالوجوب والإمكان، فهما وجوديان ومع ذلك لا يجتمعان ولا يرتفعان، فلم ينطبق عليهم حد النقيضين ولا الضدين.
2ـ الأقسام الأربعة تتداخل، فالملكة والعدم تدخل في النقيضين، والمتضايفان يدخلان في الضدين.
3ـ التقسيم الصحيح أن يقال: المتقابلان: إما نقيضان، وهما السلب والإيجاب، أو ضدان، أو في معنى النقيضين، وهما ما لا يمكن خلو الشيء عنهما مع كونهما وجوديين كالإمكان والوجوب.
4ـ المحل الذي لا يقبل الصفات أنقص من المحل الذي يقبلها مع عدمها.
5ـ لا يسلم أن تكون الجمادات مثلاً لا يمكن قبولها للصفات؛ فالإمكان قسمان: ذهني وهذا لا يمتنع، وخارجي: وهذا منقوض بأمرين:
أـ ورود وصفها بالموت والعجمة والخرس لغة وشرعاً.
ب ـ إمكان ذلك بقدرة الله كعصا موسى.
6ـ هذه الصفات كمال في حق المخلوق؛ فالخالق أولى بها فتكون واجبة في حقه.
7ـ مجرد نفي هذه الصفات نقص لذاته؛ لذلك ذم الله المشركين لعبادتهم آلهة لا تسمع، ولا تبصر ولا تتكلم.