الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدمة التسهيل وشرحها
الجار والمجرور (المضاف) في محل نصب على الحال، وهو ظرف مستقر متعلق بمقدر عام (محذوف)(أي) ملتبسا باسم الله، والمعنى بحسب القرينة: متبركا باسم الله، لكن ذلك لا يوجب كونه ظرفا لغوا، كما في الجار والمجرور من قولك: زيد على الفرس، فإنه متعلق بكون عام، أي: كائن على الفرس، وهو بحسب القرينة بمعنى راكب، فيجعل ظرفا مستقرا لا لغوا، وصاحب تلك الحال هو الضمير المستكن في عاملها المقدر، إذ المعنى: متبركا باسم الله أبتدئ الكتاب.
"حامدا لله" حال بعد حال، ترك المصنف عطفها على الأولى إشعارا بالقصد إلى التسوية بين التسمية والحمد في جعل كل منهما مبتدأ به، ليتوصل بذلك إلى الجمع بين الحديثين الواردين في ذلك: "كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه
مقدمة التسهيل وشرحها
ببسم الله فهو أبتر" و"كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم"، فوقع الابتداء بالتسمية حقيقة إيثارا لمتابعة الكتاب العزيز وما عليه الإجماع، ووقع بالحمد له أيضا، لكن بالإضافة إلى ما بعده، والابتداء أمر عرفي يعتبر ممتدا من حين الأخذ في التصنيف إلى الشروع في البحث، فكل من الحالين المذكورين، وما بعدهما مقارن (له)، ويقع في بعض النسخ بعد التسمية لفظ (قال) مسندا إلى المصنف رحمه الله، وبعد ذلك قوله: حامدا لله. ولا يخفى أن ما في هذه النسخة مانع من حمل الكلام على ما قررناه آنفا، وكأنه -الله أعلم- من تصرف النساخ.
فإن قلت: بتقدير ثبوته كذلك عن المصنف يكون "حامدا لله" - بحسب الظاهر- حالا من فاعل (قال)، لكن المقول -وهو قوله فيما يأتي: هذا كتاب في النحو
…
إلى آخره - مانع من مقارنة الحال لعاملها. وإن قلت (حامدا) بمعنى: مريدا للحمد؛ لتتأتى (المقارنة) فات المقصود الأهم من ابتدائه بالحمد قبل الشروع في الأمر ذي البال الذي هو بصدده، فماذا تصنع فيه؟
قلت: أجعله: حينئذ حالا مؤكدة لعاملها المقدر، أي: أحمد حامدا لله، على ما هو الأصح عند المصنف في (مثل) عائذا بالله، وأقائما وقد قعد الناس؟
أو مفعولا مطلقا جاء على وزن فاعل كما هو مذهب المبرد حينئذ فالقول هو مجموع المقدر والمذكور من قوله: أحمد حامدا لله إلى آخر الكلام.
"رب العالمين" أي: مالكهم، والعالمون جمع عالم، وهو اسم مشتق من العلم، لكنه اسم لذوي العلم أو لكل جنس يعلم به الخالق، سواء كان من ذوي العلم أو لا، كالطابع لما يطبع به والخاتم لما يختم به، يقال: عالم الملك وعالم الإنس وعالم الجن، وكذا عالم الأفلاك وعالم النبات وعالم الحيوان، وليس اسما لمجموع ما سوى الله تعالى، بحيث لا يكون له أفراد بل أجزاء فيمتنع
جمعه، والمصنف يخالف في ذلك، وسيأتي الكلام عليه عند إفضاء النوبة إليه إن شاء الله تعالى.
"ومصليا" حال أخرى عطفها على ما قبلها إشعارا بتبعيتها للتبرك بالتسمية والحمد في المقارنة لابتداء الكتاب. "على محمد سيد المرسلين" فيه استعمال السيد في غير الله ويشهد له من الكتاب (العزيز) قوله تعالى: {وسيدا وحصورا} وقوله (تعالى){وألفيا سيدها لدى الباب} .
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: "أنا سيد ولد آدم ولا
فخر" / وقوله في الحسن بن علي عليهما السلام: "إن ابني هذا سيد"، وقوله: "قوموا إلى سيدكم".
وفي "المقتفى" لجدي من قبل الأم قاضي القضاة ناصر الدين بن المنير صاحب "الانتصاف من الكشاف" رحمه الله حكاية ثلاثة أقوال في المسألة:
جوار إطلاقه على الله عز وجل وعلى غيره، (وامتناع إطلاقه على
الله حكاية عن الإمام مالك)، وامتناع إطلاقه إلا على الله تمسكا بما روي أنه عليه السلام قالوا له: ياسيدنا، فقال:"السيد هو الله". وقد عرفت أن في هذا الكتاب والسنة ما يدل على خلاف ذلك.
ونقل النووي في الأذكار عن النحاس أنه جوز إطلاقه على غير
الله إلا أن يعرف بأل، ثم قال: والأظهر جوازه بالألف واللام لغير الله تعالى.
"وعلى آله" هم بنو هاشم وبنو المطلب على المختار عندنا وعند الشافعية وقيل: عترته وأهل بيته، وقيل: جميع أمته، وهو قال ينقل عن الإمام مالك -رضي الله (تعالى) عنه- والصحيح جاز إضافة أل إلى مضمر كما استعمله المصنف، وسيأتي فيه كلام، وبعضهم يدعي أن أصله: أهل، فقلبت الهاء همزة ثم الهمزة ألفا، ويستدل بتصغيره على أهيل، وهو غير متجه، فقلبت الهاء همزة ثم الهمزة ألفا، ويستدل بتصغيره على أهيل، وهو غير متجه، فإنهم قالوا: أهل وآل وأهيل وأويل. "وصحابته أجمعين" الصحابة بفتح الصاد وقد تكسر، تطلق على الصحبة وهي المعاشرة، وتطلق على الأصحاب جمع صاحب، والصحابي: من اجتمع مؤمنا بالنبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يرو (عنه) ولم تطل مجالسته له، هذا هو الصحيح من الخلاف فيه، وبين الآل والصحابة عموم وخصوص من وجه، فعلي رضي الله عنه من
الآل والصحابة وسلمان الفارسي رضي الله عنه من الصحابة لا من الآل والتابعي الذي هو من بني هاشم أو بني المطلب من الآل لا من الصحابة. "هذا" أشار به إلى ما قدره في نفسه مما اشتمل عليه هذا التأليف، وإن لم يكن حينئذ موجود بالفعل لقوة الأسباب المقتضية لحصوله وحضوره في الخارج، وإنما قلنا ذلك لما يشعر به قوله فيما يأتي: وها أنا ساع فيما انتدبت إليه. من أنه قال ذلك قبل الشروع في التصنيف.
وفصل الجملة الإسمية المركبة من (هذا) وخبره عما قبلها لعدم الجامع بينهما، وهو مقتض لكمال الانقطاع كما علم في موضعه. "كتاب في النحو"، أي: كائن فيه، المراد -بحسب القرينة- مؤلف فيه، على تشبيه ملابسة ما بين اللفظ والمعنى بملابسة الظرفية، وتارة بجعل المعنى ظرفا للفظ، (كما) عمل المصنف من جهة كونه حاصرا له آخذا بجوانبه بحيث لا يخرج طرف من اللفظ عن طرف من المعنى، وهو أمر شائع، يقال: هذه الآية في حكم كذا، وهذا الكتاب في علم كذا، وهذه القصيدة في مدح فلان. وتارة بجعل اللفظ ظرفا للمعنى، كما يقال: هذه المسألة في كتاب كذا، وهو ظاهر، حتى شاع أن الألفاظ أوعية للمعاني وقوالب لها وبمنزلة الكسوة واللباس.
والنحو: علم باصول يعرف بها أحوال الألفاظ العربية بحسب تركيب بعضها مع بعض وتأديتها لأصل المعنى.
فإن قلت: بعضهم عرف النحو بما يشمل فني الإعراب والتصريف فيقال: هو علم بأصول يعرف بها أحوال الألفاظ العربية إفرادا بحسب هيئاتها وما يعد من أحوال أبنيتها أو تركيبا بحسب ما يعرض لها من الأمور التي يؤدي بها أصل المعنى. وهذا الذي ينبغي أن يحمل كلام المصنف عليه؛ لأن كتابه مشتمل على القسمين، / وذلك ظاهر في أنه لم يرد بالنحو ما يقابل التصريف.
قلت: حمل كلامه على هذا لا يجدي نفعا:
أما أولا: فلأنه جعل التصريف علما مستقلا برأسه وعرفه فيما هو مذكور في محله من كتابه، فتعين أنه لم يرد بعلم النحو ما يشمل الفنين.
وأما ثانيا: فلأنه أدخل في كتابه هذا علم الخط (أيضا)، فإذا لا يندفع بذلك السؤال بأن كتابه هذا حاو لعلم النحو وغيره، فلم خصص النحو بالذكر؟ وإنما الذي ينبغي أن يحمل عليه أنه أراد بالنحو ما هو معروف في الاصطلاح المشهور كما تقدم. ويوجه تخصيصه له بالذكر دون التصرف والهجاء مع اشتمال تصنيفه على الجميع: بأنه ذكر معظم ما هو فيه وهو النحو بناء على أنه المقصود له بالذات وما عداه يسير بالنسبة إليه ومذكور بحسب التبعية له لغرض يتعلق بذلك عنده.
"جعلته"، أي أنشأته، بمعنى أردت إنشاءه لما سبق، "بعون الله"
ظرف مستقل في محل نصب على الحال من فاعل (جعلته)، أي حال كوني متلبسا بعون الله، وهذا لا ينافي كونه مستقرا كما مر (في بحث البسملة).
"مستوفيا لأصوله"، أي آخذا لها بكمالها، من قولك: استوفى فلان؟ (حقه)، إذا أخذه وافيا كاملا.
والأصول: جمع أصل، وهو ما يتفرع عليه غيره، وكأنه أراد به القاعدة، وهي: حكم كلي ينطبق على جميع جزئياته لتعرف أحكامها منه كقولنا: كل فاعل يجب رفعه.
و(مستوفيا)، حال من مفعول جعلته، فقد توالت حالان من شيئين الأولى للأول والثانية للثاني كما في قوله تعالى:{الذين تتوافهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم} ، (لكن) أولى الحالين هنا من المفعول والثانية من الفاعل عكس ما في كلام المصنف، فالتوافق بينهما في مطلق الأولية والثانوية، والتخالف في خصوص الأول والثاني. "مستويا على أبوابه وفصوله"، أي ظاهرا عليها بالغا منها الغاية، من قولهم: استولى على الأمر، أي: بلغ الغاية منه.
وأبواب العلم مداخله التي يتوصل إليه منها، استعيرت من أبواب الدار، وهي منافذها التي يدخل منها إليها.
والفصول: جمع فصل وهي ترجمة لطائفة من مسائل الباب مشتركة في حكم يختص بها، كالفصل الذي يذكر في باب الفاعل متضمنا للمواضع التي
يجب فيها تقديمه مثلا، فهو أخص من مطلق الباب، وربما يذكر فيه أشياء خرجت عن القواعد وشذت عن النظائر وعسر انقيادها لأزمة الضوابط. وإنما ييفعل المصنفون ذلك تسهيلا على الأفهام وضبطا للأحكام؛ لئلا تنتشر فيعسر تحصيلها، وترجموه بالفصل لأنه فاصل أي قاطع لما فيه عن الاختلاط بغيره.
وفي قوله: مستوفيا ومستوليا الجناس (المضارع؛ لأن الحرفين اللذين وقع بهما الاختلاف -وهما الفاء واللام- متقاربان في المخرج.
وفي: أصوله وفصوله الجناس) اللاحق لوقوع الاختلاف بحرفين متباعدين وهما الهمزة والفاء.
"فسميته"، أي الكتاب المذكور "لذلك" الأمر الذي سبق من جعله مستوفيا لأصول النحو مستوليا على أبوابه وفصوله "تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد"، فهو علم قصدت مناسبته، ووجه ذلك أن الاطلاع على جميع الأصول والإحاطة بها على التمام بحيث لا يشذ منها شيء، أمر يسهل على الفهم استثمار الفوائد، وييسر عليه تفريعها والبلوغ (من الأبواب والفصول) إلى الغاية بحيث يطلع منها على الفروع المبنية على الأصول ويعرف/ منها المسائل التي قد تشذ عن الضوابط ولا تكاد تدخل تحت قانون حاصر مكمل للمقصود من تحصيل الفن على الوجه الأكمل. فظهرت المناسبة.
وجعله نفس التسهيل والتكميل على طريق المبالغة. و (أل) في الفوائد والمقاصد إن كانت للعهد في "الفوائد النحوية والمقاصد المحوية"-وهو الكتاب
الذي تقدم التنبيه عليه في الترجمة- فصحيح ولا مبالغة فيه، وإن كانت للاستغراق والمعنى أن محصل هذا الكتاب يصل إلى كل الفوائد وكل المقاصد فهو صحيح على وجه المبالغة.
وفي قوله: تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، الترصيع، فإن كلا من لفظي القرينة الأولى موافق لما قبله من القرينة الثانية في الوزن والتقفيه. "فهو" بالفاء وفيها رائحة من معنى الجزاء، أي إذا كان حال هذا الكتاب على (ما) ذكر (فهو)"جدير"، أي حقيق "بأن يلبي"، أي: يجيب بلبيك، ويجوز ضبط حرف المضارعة بالتاء الفوقية (أو الياء التحتية). "دعوته" بفتح الدال، الدعاء إلى الطعام، والمرة الواحدة من قولك: دعوت فلانا أي: صحت به واستدعيته. "الألباء" جمع اللبيب وهو العاقل، وفيه تعريض بأن المعرض عم الإقبال على هذا الكتاب غير معدود من العقلاء.
وتشبيه الكتاب في النفس بإنسان ينادي الناس على ضيافته ونيل مكارمه استعارة بالكناية، وإثبات الدعوة له استعارة تخييلية وذكر التلبية وترشيح. "ويجتنب" بالنصب عطفا على (يلبي) من قولك: اجتنبت فلانا إذا أبعدت عنه وتركته، وحرف المضارعة هنا أيضا إما فوقية أو حتية كالأول.
"منابذته" أي: مطارحته ومتاركته، مصدر نابذه من النبذ، وهو طرحك الشيء أمامك أو وراءك، أو ما هو أعلم من ذلك، والمصدر المذكور إما مضاف إلى الفاعل، أي: تجنبت النجباء منابذته إياهم، أو إلى المفعول، أي: منابذتهم
إياه. وعدل عن النبذ إلى المنابذة للإشعار بالمشاركة، أي: يجتنبون نبذهم له بالفتور عنه وترك الإقبال عليه، ونبذه لهم بمنعه إياهم عما حواه من النفائس واشتمل عليه من الفوائد، (عد) عدم حصولهم منه على ذلك عند إهماله منعا منه لهم، ومقابلة لإعراضهم عنه بحرمانه إياهم لنكته ولطائفه على سبيل الادعاء والمبالغة، وفي ذلك من حيث الهمم والقرائح على تحصيله والاعتناء بشأنه مالا يخفى. "النجباء" جمع النجيب، وهو الحسيب والكريم. وقدم المفعول في كل من هاتين القرينتين إما للإهمال بشأنه أو للمحافظة على السجع الحسن.
فإن قلت: السجع حاصل مع تأخير المفعول؛ إذ لو قال: بأن يلبي الألباء دعوته ويجتنب النجباء منابذته، لم يفت السجع؟
قلت: نعم، لكنه تفوته نكتة بديعية هي من المحسنات المقصودة للبلغاء؛ إذ في التسجيع بالألباء والنجباء لزوم مالا يلزم: وهو الإتيان بالباء قبل الألف، وهذا منتف لو سجع بدعوته ومنابذته.
"ويعترف" بالنصب أيضا عطفا على ما تقدم، أي: يقر "العارفون"، أي: أهل المعرفة، وفيه تعريض بأن غير المعترف بفضله معدود من ذوي الجهالة لا من أهل المعرفة، وفي هاتين الكلمتين ما يشبه الاشتقاق، فيلحق ذلك
بالجناس. "برشد المغرى بتحصيله" الباء الأولى متعلقة بيعترف والثانية بالمغرى، أي يقروا بانتفاء الغي عنه.
والرشد- على زنة القفل- خلاف الغي، وكذا الرشد على زنة الفرس، والرشاد على زنة الكمال: كل ذلك بمعنى.
والمغري -بضم الميم وفتح الراء- اسم مفعول من أغرى بكذا أي: أولع به. وتحصيل الكلام: رده إلى محصوله. كذا في "صحاح" الجوهري. "وتأليف" بالنصب أيضا معطوف على ما سبق "قلوبهم" أي: قلوب العارفين أي: يقع بينها ائتلاف/واتفاق.
"على تقديمه وتفضيله" يحتمل عود الضمير إلى المغرى وإلى الكتاب. وفي هاتين لفاصلتين لزوم ما لا يلزم، وهو الياء قبل اللام، إذ لو أتى في إحداهما بالواو لجاز ولم يضر في السجع، كما يجوز اجتماع قافلتين إحداهما مردفة بالواو والأخرى بالياء في قصيدة واحدة على ما تقرر في محله
"فليثق" أي إذا تقرر ذلك فليثق "متأمله" أي: الناظر فيه المستبين له.
"ببلوغ أمله" أي: بحصوله على ما يؤلمه من الفوائد ويرجوه من جميل المقاصد. والأمل: الرجاء.
وبين متأمله وأمله شبه الاشتقاق، فيلحق بالجناس. "وليتلق" أي: ليستقبل، تقول: تلقيت فلانا إذا استقبلته. "بالقبول" أي: الإذعان وعدم الإنكار. "ما يرد" أي: يحضر "من قبله" أي: جهته.
وبين القبول وقبله اشتقاق أو ما يشبه الاشتقاق، فهو من الملحق بالجناس، وقد التزم في السجعتين لزوم ما لا يلزم، وهو الفتحة قبل اللام من أمله وقبله. "وليكن لحسن الظن آلفا" على زنة فاعل من قولك: ألفه يألفه كشربه يشربه، إذا اتخذه إلفا يأنس به ويركن إليه. "ولدواعي الاستبعاد مخالفا" أي: غير مجيب إلى ما تدعوه إليه من الإزراء واستبعاد أن يصدر ما رآه من الفضل عن من صدر عنه من أهله.
وفي القرينتين لزوم ما لا يلزم، وهو الاتيان باللام قبل الفاء في آلفا ومخالفا. "فقلما حلي متحل بالإستبعاد إلا بالخيبة (والإبعاد) ".
حلي: بفتح الحاء المهملة وكسر اللام -بمعنى ظفر، من قولهم: لم يحل (فلان) من فلان بطائل، أي: لم يستفد منه كبير الفائدة.
فإن قلت: المنصوص انه لا يتكلم به إلا مع الجحد، فأين هو؟
قلت: في (قلما) معنى النفي، قال أبو علي الفارسي: قلما يكون بمعنى
النفي الصرف نحو: قلما سرت حتى أدخلها، بالنصب لا غير، ولو كان للإثبات لجاز الرفع كما هو مقرر في نواصب الفعل ويجيء بمعنى إثبات الشيء القليل، ويجوز أن يكون حلي من قولهم: حليت المرأة، أي: صارت ذات حلي، فيكون من (باب) الإستعارة التبعية التهكمية، وكذا قوله: متحل بالاستبعاد، حيث جعل الخيبة والاستبعاد حليا يتزين به على سبيل الاستهزاء والسخرية.
والباء من قوله: بالاستبعاد متعلق بمتحل، ومن قوله: بالخيبة متعلق بحلي، والاستثناء مفروغ.
والخيبة والحرمان يقال: خيبه الله، أي: أحرمه.
والإبعاد التنحية عن الخير واللعن، يقال: أبعده الله، أي: نجاه عن الخير ولعنه.
"وإذا كانت العلوم منحا" بكسر الميم وفتح النون، جمع منحة، وهي العطية، مثل: سدرة وسدر. "إلهية" أي: عطايا منسوبة إلى الإله، وهو الفاعل لما يشاء، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع. "ومواهب" جمع موهبة وهي العطية أيضا، والمراد بكونها "اختصاصية" نسبتها إلى اختصاص الله الذي يختص برحمته من يشاء، لا معقب لحكمه ولا رراد لقضائه.
والفاء في قوله: "فغير مستبعد"رابطة جواب الشرط، ومدخولها خبر قد لإرادة التشويق إلى ذكر المسند إليه، وهو قوله:"أن يذخر" بالبناء للمفعول وذال معجمة ساكنة، مضارع ذخر من قولك: ذخر الشيئ، إذ اختير أو اتخذ على جهة الاختصاص له، ومنه الذخيرة، وهي: ما يختص من المال بالاتخاذ لدفع النوائب. "لبعض" لعلماء "المتأخرين" الجار متعلق بيذخر، والنائب عن فاعله "ما عسر" على زنة شرف، أي: اشتد والتوى ولم يتيسر.
"على كثير من" العلماء "المتقدمين" الذين بعد العهد بزمانهم، وكيف يستبعد هذا مع أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم؟ وما أحسن قول المبرد:
"ليس بقدم العهد يفضل القائل، ولا بحدثانه يهتضم المصيب، / ولكن يعطي كل ما يستحق" هذا كلامه رحمه الله (تعالى) - قلت: وكثيرا ما أتى الناس من جرى هذه البلية الشنعاء، فركبوا مطية الهوى وسقطوا في هوية الرذيلة، لا يبالون بعار ولا فضيحة، فتراهم إذا قرع أسماعهم شيء من النكت الحسنة غير معزو إلى معين هزوا المعاطف
طربا واستحسانا، بناء على أن ما ألقي إليهم هو بنات أفكار المتقدمين، حتى إذا علموا أن ذلك لبعض أبناء عصرهم استحالوا على الفور ونكصوا على الأعقاب وانقلب استحسانهم استقباحا وادعوا (مع إصرارهم على الاستحسان) أن صدور مثل ذلك عن عصري (أمر) مستبعد، فباؤوا من هذه الفعلة بسوء الأحدوثة، وتلطخوا من قبح الصنيع بعار لا يغسل دنسه إلا البحر، وما الحامل لهم على ذلك إلا حسد ذميم وبغي مرتعه وخيم؛ ولهذا عقب المصنف هذا الكلام بالاستعاذة من الحسد الذي وصفه بما وصف في قوله:"أعاذنا الله من حسد" والحسد: هو ظلم ذي النعمة بتمني زوالها عنه وصيرورتها إلى الحاسد مشعرة به، إذ الإنصاف هو الجري على سنن الاعتدال والاستقامة على طريق الحق. وهذا الوصف لا يتأتى وجوده مع الحسد ضرورة أنه لازم للانحراف عن سنن الحق فلا اعتدال معه، فهو ساد لباب الإنصاف بلا شك. والغرض من الإتيان بهذا الوصف التأكيدي النداء على كمال بشاعة الحسد
وتقرير ذمه وزيادة التمكين بقبحه والتنفير عنه.
نعم: قد يطلق الحسد مجازا على الاغتباط وهو تمني مثل تلك النعمة من غير إرادة زوالها عن صاحبها فلا يكون مذموما، وليس الكلام فيه.
وفي قوله: يسد باب الإنصاف استعارة مكنية وتخييلية وترشيحية.
"ويصد" أي يمنع "عن جميل الأوصاف" ومحاسن الأخلاق، وفي يسد ويصد الجناس المضارع، وفي السجعتين لزوم ما لا يلزم، وهو الإتيان بالصاد قبل الألف في الإنصاف والأوصاف.
"وألهمنا" أي: ألقي في روعنا بطريق الفيض "شكرا" وهو: مقابلة النعمة بقعل ينبئ عن تعظيم المنعم، سواء كان باللسان بأن يثنى عليه باللفظ، أو بالجنان بأن يعتقد أنه ولي النعمة، أو بالأركان بأن يدئب جوارحه في الطاعة له. وقد جمعها الشاعر في قوله:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة
…
يدي ولساني والضمير المحجبا
أي: أفادتكم إنعاماتكم علي ثلاثة أشياء: المكافأة باليد ونشر المحامد باللسان ووقف الفوائد على المحبة والاعتقاد.
وليس المراد بإنشاد هذا البيت الاستدلال به على أن لفظ الشكر يطلق عليها كما فهمه الشيخ بهاء الدين السبكي هن الزمخشري، فاعترض بأن البيت ساكت عن ذلك، وإنما المراد التمثيل بجمع شعب الشكر فلا اعتراض. وأما الحمد فلا يكون إلا باللسان سواء تعلق بالنعمة أو غيرها. فظهر أن بينهما عموما وخصوصا من وجه، وما قلنا من التفريق بين الشكر والحمد على هذا الوجه هو المشهور، وفي المسالة خلاف ليس هذا محل بسطه.
"يقضي" بياء الغيبة. وفاعله ضمير يعود إلى الشكر "توالي الآلاء" أي تتابعها.
والآلاء: النعم جمع إلى مقصور بكسر الهمزة، يشير المصنف إلى قوله تعالى:
{لئن شكرتم لأزيدنكم} "ويقضي" بالإسناد إلى ضمير الشكر أيضا، مضارع قضى، أي: حكم. " بانقضاء اللأواء" أي: بفراغها وانتهائها، واللأواء مهموز العين على زنة الحمراء.
قال الجوهري: هي الشدة. وفي الحديث "من كان له ثلاث بنات فصبر على لأوائهن كن له حجابا من النار".
وبين يقضي وانقضاء اشتقاق أو شبهه فهو مما يلحق بالجناس. "وها أنا ساع" فيه الإخبار عن الضمير الواقع بعد هاء التنبيه بغير اسم إشارة، /وبعضهم يشترط في خبر مثله أن يكون اسم إشارة نحو:{ها أنتم أولاء} ، وفيه كلام سيأتي إن شاء الله تعالى.
"في ما انتدبت (إليه) " بالبناء للفاعل، أي: أجبت إليه، كأن خاطره دعاه إلى تصنيف هذا الكتاب فأجاب إلى ذلك، ومنه (انتدب لله لمن
خرج في سبيله
…
) الحديث. أي: أجاب إلى غفرانه.
"مستعينا" حال: إما من الضمير المستكن في سارع، أو البارز من انتدبت، أو الاسم الموصول المجرور بفي، معناه طالبا العون بالله عليه، وكلاهما ظرف لغو يتعلق بمستعينا. واستعان كما يتعدى بنفسه نحو {إياك نعبد وإياك نستعين} يتعدى أيضا باباء نحو:(إذا استعنت فاستعن بالله).
" ختم الله لي ولقارئيه" جمع قارئ، بدليل ما يأتي "بالحسنى" وهي خلاف السؤى. "وحتم" بالحاء المهملة، أي: أحكم وقضى.
قال الجوهري: الحتم إحكام الأمر والقضاء وكأن المصنف يريد:
أوجب تفضلا وإحسانا. "لي ولهم" أي: ولقارئيه. "الحظ"، أي: النصيب "الأوفى" أي: الأكمل "في المقر" أي: محل القرار "الأسنى" الأرفع من قولهم سنا أي: ارتفع، يسنو سناء بالمد فهو سني أي: رفيع. والمراد بالمقر الأسنى دار النعيم الأبدي وهي الجنة جعلنا الله من أهلها. "بمنه وكرمه".
وفي ختم وحتم الجناس المضارع، وفي السجعتين لزوم ما لا يلزم، وهو الإتيان بالسين قبل النون، بل الإتيان بالنون أيضا من هذا القبيل، إذ لو قال: الأعلى لحصل السجع لصلوح الألف في مثله لأن تكون رويا للبيت وبمثابة الروي للفاصلة والله تعالى أعلم (بالصواب).