الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الأول
[هذا] "باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلق به
"
أي: شيء يتعلق به، فما نكرة موصوفة وهو الظاهر، ويجوز أن تكون موصولة.
فإن قلت: فما المرجح الأول؟
قلت: سلامته من دعوى المجاز، وذلك لأن (ما) الموصولة من صيغ العموم، وهو لم يذكر في هذا الباب كل شيء يتعلق بالكلمة والكلام، فهو عام أريد به بعض ما يتناوله فيكون مجازا بخلاف الأول؛ لأنه نكرة في سياق الإثبات، فلا عموم لها إلا حيث تقوم قرينته على إرادة التعميم، كما هو مقرر عند أئمتنا في أصول الفقه، والفرض ألا القرينة هنا، وضمير الخفض ليس عائدا على الكلام؛ لأن ما سيق في هذا الباب في بيان المتعلق ليس مقصورا على الكلام بل هو شامل لما يتعلق بالكلمة والكلام جميعا.
فإن قلت: القياس أن يقول: بهما؟
قلت: لما تقدم ذكرهما كانا في معنى قولك المذكور، فعاد الضمير بهذا الاعتبار، فكأنه قال: وما يتعلق بالمذكور أي بالشيء الذي ذكر، وهو صادق عليهما إذ هما شيء ذكر.
فإن قلت: لم ارتكب هذا الوجه مع افتقاره إلى تأويل وإيهامه لعود الضمير إلى الكلام وهو غير مقصود؟
قلت: لإيثار الاختصار، والقرينة تدفع الإيهام. ويحتمل أن يعود على المضاف إليه الذي هو شرح، أي: وما يتعلق بشرح الكلمة والكلام، إذ ما ذكر له تعلق وارتباط ما بشرحهما.
فإن قلت: إنما ذكر في هذا الباب بيان ماهية الكلمة وماهية الكلام وأمورا أخر تتعلق بالمفردات كتقسيم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف، وتقسيم الفعل إلى ماض وأمر ومضارع، إلى غير ذلك مما ذكره، فما وجه تعلق ذلك بالكلام؟
قلت: الاسم والفعل لهما بالكلام تعلق ضرورة أنه لابد فيه من الإسناد، وهو يستدعي طرفين: مسندا إليه ولا يكون إلا اسما، ومسندا تارة يكون اسما وتارة يكون فعلا، وكون الفعل إنشائيا يستلزم أن يكون الكلام المركب منه ومن فاعله إنشائيا أيضا، ووقوع الاسم صدرا للكلام يكون [به] جملة اسمية، ووقوع الفعل صدرا للكلام يكون به جملة فعلية، فقد ثبت أن ما ذكره من الأمور المتعلقة بالكلمة/ له تعلق بالكلام أيضا.
"الكلمة لفظ" وهو في الأصل مصدر ثم استعمل بمعنى الملفوظ به، وهو ما يخرج ن الفم من حرف فصاعدا.
صدر المصنف –رحمه الله تعالى- به التعريف لأنه بمثابة الجنس، فيشمل المهمل كزيد، لكنه احترز به عن الخط والعقد والإشارة والنصب فإنها ربما دلت بالموضوع على معنى
وليس بالكلمات.
قالوا: ويجوز الاحتراز بالجنس إذا كان أخص من الفصل من وجه، وهو هنا كذلك، لأن ما وضع لمعنى قد يكون لفظا وقد لا يكون.
"مستقل" بالدلالة هو فصل منوي به التأخير عما بعده، وهو قوله: دال إذ استقلاله بالدلالة فرع عن كونه دالا، لكنه قدمه كي لا يفصل بين الفصلين بتقسيم أحدهما فيشوش على الذهن.
وخرج بهذا الفصل نحو: ياء زيدي [المشددة]، وألف ضارب، فإن الأولى دالة على النسبة والثانية [دالة] على المفاعلة، ولكن لا شيء منهما بمستقل ضرورة افتقارهما إلى بقية أجزاء الكلمة.
فإن قلت: قد تقرر أن الحرف لا يستقل بالمفهومية فيلزم عدم الانعكاس لخروج الحروف كلها.
قلت: المصنف قد صرح في شرحه بأنه أراد بالمستقل ما هو دال بالوضع وليس بعض اسم كياء زيدي، ولا بعض فعل كألف ضارب، ومع هذه الإرادة لا يرد النقض، نعم يتجه بعد ذلك الاعتراض من وجوه:
أما أولا: فلأن المشهور عند أهل الفن تفسير المستقل بما ليس مفتقرا إلى غيره مطلقا، فتقييده بألا يكون بعض اسم ولا بعض فعل اختراع لأمر غير
متعارف لم ينصب عليه في التعريف قرينة، ولا ينبغي ارتكاب مثل ذلك في حد لأنه للتبيين.
وأما ثانيا: فلأننا لا نسلم بأن شيئا مما ذكره من الأبعاض لفظ دال بالوضع، وإنما الدال مدخول ذلك البعض بواسطته، فزيدي بواسطة ياء النسبة يدل عليها، وضارب بواسطة الألف يدل على المضاربة.
وأما ثالثا: فلأن تفسيره للمستقبل لما ليس بعض اسم ولا [بعض] فعل يقتضي أن معرفة الكلمة متوقفة على معرفة الاسم والفعل، ولا شك أن معرفة الاسم والفعل متوقفة على معرفة الكلمة؛ لأن الكلمة مأخوذة في حد كل منهما جنسا فيؤدي إلى الدور.
"دال" أي: ذو دلالة، وهو كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر، والأول الدال والثاني المدلول، ثم الدال إن كان لفظا فالدلالة لفظية كدلالة الخطوط والعقود والنصب والإشارات "بالوضع" وهو: تعيين اللفظ للدلالة على معنى بنفسه، فسره بعضهم في هذا المقام.
قلت: وفيه نظر لأن هذا تفسير للوضع المذكور في تعريف الحقيقة، وهو حسن ليخرج المجاز من حيث إن تعيين اللفظ فيه للدلالة على المعنى المجازي ليس حاصلا بنفس اللفظ، وإنما حصل بما احتفى به من القرينة وأما هنا فاعتبار هذا القيد يخرج المجازات كلها من حيث هي مجازات، فلا يكون تعريف الكلمة منعكسا، وكثير من الناس يقول في المجاز: هو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له أولا. وعلى هذا ففي المجاز وضع ولكنه وضع ثان، وإنما يكون الحد منعكسا على هذا القول، فينبغي في هذا المقام أن يحذف قيد (نفسه) من
تفسير الوضع ليدخل كل من الحقيقة والمجاز فينعكس حد الكلمة، وأما إذا أريد تعريف الحقيقة فيفسر الوضع الواقع في تعريفها بما تقدم ليخرج المجاز، فتأمله.
وخرج بهذا القيد مالا يدل به، وإنما يدل بالطبع كأح الدال على السعال، أو بالعقل كدلالة المسموع من وراء الجدار مهملا كان أو مستعملا على وجود اللافظ، وإنما قلنا: من وراء جدار لأن وجود اللافظ المشاهد [معلوم] بحس البصر لا بدلالة /اللفظ، ومن هذا القسم دلالة المركبات فإنها غير موضوعة على الرأي المختار عند المصنف؛ ولذلك حذف ما أثبته غيره من قوله: على معنى مفرد.
والصحيح أنها موضوعة بقانون كلي تعرف به المركبات القياسية وذلك كما تبين مثلا أن المضاف مقدم على المضاف إليه والفعل مقدم على الفاعل وغير ذلك من كيفية تركيب أجزاء الكلام.
"تحقيقا وتقديرا" مصدران بمعنى المفعول، أي: دال بالوضع دلالة محققة أو مقدرة، ويحتمل ألا يجعل بمعنى المفعول فيكون التقدير: دلالة ذات تحقيق أو تقدير أو دلالة تحقق تحقيقا أو [تقدير] تقديرا.
وقد على بذلك وجوه نصبهما.
قال المصنف في شرح هذا الكتاب ما معناه: إن إطلاق الكلمة على ثلاثة أقسام: حقيقي وهو الذي لابد من قصده، ومجازي: مستعمل في عرف النحاة، والتعرض له أجود، وكلاهما تعرض له في هذا الحد:
فالأول: كرجل، فإنه دال على معناه تحقيقا.
والثاني: كأحد جزئي العلم المضاف من نحو امرئ القيس، فمن حيث المدلول هو كلمة واحدة تحقيقا ومن حيث التركيب هو كلمتان تقديرا.
وأما القسم الثالث: فمجازي مهمل في عرفهم، وهو: إطلاقها على الكلام كقولهم: كلمة الشهادة وكلمة الشاعر.
[قلت] وفيه نظر.
أما أولا: فلأنه استعمل قوله: (دال) في حقيقته ومجازه دفعة واحدة، ولهذا صح له أن يقول: تحقيقا لا تقديرا، وفي ذلك ما علم في محله من أصول الفقه.
وأما ثانيا: فلأنه إما أن يكون قد قصد إيراد [تعريف واحد للكلمة و][للكلمة][المجازية جميعا ففيه جمع ماهيتين مختلفتين في حد واحد، وإما أن يكون قصد إيراد] تعريفين، أحدهما للكلمة الحقيقية والآخر للكلمة المجازية عاطفا أحدهما على الآخر بـ (أو) ففيه جمع بين ماهيتين مختلفتين في حدين بكلمة (أو) المقتضية للإبهام، وفساده واضح.
وقد يجاب عن الأول بأنه أريد مطلق الدال مجازا لوجود القرينة الصارفة عن إرادة المعنى الحقيقي وحده، وهي تقسيمه إلى الحقيقي والتقديري فيكون شمول (الدال) لهما بطرق عموم المجاز.
فإن قلت: إعراب نحو امرئ القيس في حال علميته إعراب كلمتين يدفع كونه كلمة واحدة، فما وجه التفصي منه؟
قلت: وقع للاسفراييني في شرح اللباب في إعراب آخره محكي كما في "تأبط شرا" ثم الجزء الآخر لما كان مشغولا والأول فارغا ظهر إعرابه فيه كما ظهر إعراب ما بعد (غير) الاستثنائية فيها.
قال: والمسألة من مداحض العربية ومزالقها، وأقرب ما يقال فيها فيما أظن هذا، وما قلته إلا بعد تردد كثير. هذا كلامه.
وأما القول بأنه عومل في حالة العلمية بما كان [له] قبلها من إعراب المتضايقين فلا طائل تحته.
"أو" هو شيء غير ملفوظ به "منوري" فدخل تحته المستتر كالمقدر في أقوم أي: أنا والمحذوف نحو {سلام قوم منكرون} ،
أي: عليك أنتم، ونحو:{أهذا الذي بعث الله رسولا} ، - {ويشرب مما تشربون} -. "معه" أي: مع اللفظ وهو حال من ضمير (منوي) متعلق بكون محذوف، والمعنى: أو غير لفظ منوي في حال كونه ثابتا مع اللفظ كما مثلناه.
وخرج بذلك منوي لا مع اللفظ، كأن تضمر في نفسك زيدا وقام أو نحوه فإنه لا يسمى كلمة في الاصطلاح.
"كذلك" حال ثانية من ضمير (منوي) أو حال متداخلة من ضمير الحال الأولى، أعني ضمير فاعلها.
والإشارة راجعة إلى ما تقدم من الدلالة التي تضمنها قوله: (دال) والاستقلال الذي تضمنه قوله: (مستقل).
والمراد بالدلالة الدلالة الوضعية التي تقدم ذكرها ليخرج المقدر بعد قولك: نعم/في جواب من قال: هل قام زيد؟ ، فإن ذلك المقدر يدل عنده دلالة عقلية لا وضعية، نعم كل من جزئيه دال بالوضع وهو داخل لا مجموع الجزئين، وليخرج أيضا الإعراب المنوي نحو: فتى فإنه يصدق عليه أنه منوي مع اللفظ ولكنه غير مستقل، فإن الإعراب بعض الكلمة المعربة ومع التلفظ به لا يستقل [فأن لا يستقل] مع عدم التلفظ به أولى كذا قال المصنف [رحمه الله تعالى] وقد تمنع دلالة الإعراب المنوي لأن النحاة إنما قدره لطرد قواعد الصناعة، وإلا فلا شعور للناطق ولا للسامع بشيء من ذلك
-ولو كانا من النحاة- وإنما يذهبان إلى ذلك إذا أراد التقريب وتمرين الطالب.
"وهي"، أي: الكلمة من حيث هي "اسم وفعل وحرف".
وقد عرفت أن الكلمة تارة تكون لفظا وتارة تكون شيئا منويا مع اللفظ كما تقدم على رأي المصنف. والأنواع الثلاثة متحققة في القسمين جميعا: أما تحققها في الأول فظاهر، وأما في الثاني فكما في المبتدأ المحذوف في قوله تعالى:[{متاع قليل} أي متاعهم والفعل المحذوف في قوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله} أي: خلقهن، والحرف المحذوف في قوله تعالى]: {تالله تفتؤا} ، أي:(لا).
قال المصنف: "ودليل حصر الكلمة في الثلاثة: أن الكلمة إن لم تكن ركنا للإسناد فهي الحرف، وإن كانت فإن قبلته بطرفية فهي اسم وإلا فهي فعل". قلت: وهذا التقسيم بحسب العوارض بخلاف قول ابن الحاجب وغيره، إما أن تدل على معنى في نفسه إلى آخره.
وأيضا فملازم الظرفية أو المصدرية أو النداء أو الحالية لا يكون ركنا للإسناد فيلزم كونه حرفا، وأيضا لنا من الأسماء ما لا يقبل الإسناد بطرفيه كألف قام، إذ هو مسند إليه دائما فيرد على كل من شقي التردد، أما على قوله:"فإن قبلته بطرفيه فهي اسم" فظاهر، لأن هذا الألف [اسم] لا يقبله بطرفيه، وأما على قوله: "وإلا فهي
فعل " فلأن الألف المذكورة تقبله بطرف واحد فقط، فيلزم أن تكون فعلا وهو باطل.
" والكلام ما تضمن من الكلم" قال المصنف ما معناه: إنه اختار الكلم على اللفظ والقول في الإعلام بجنس الكلام لوقوع اللفظ على المهمل؛ [ولأن القول] يطلق على الرأي والإعتقاد مجازا إطلاقا شائعا حتى صار كأنه حقيقة، والكلم سالم من ذلك كله.
وصدر الحد بـ (ما) لصلاحيتها للواحد فما فوقه، ثم أخرج الواحد بذكر الإسناد، فبقي الاثنان فصاعدا.
فإن قلت: صدقة على الاثنين متعذر، وذلك لأن (من) في قوله:"ومن الكلم" لبيان الجنس، فيلزم أن يكون مدخولها –وهو الكلم- مفسرا لما، والكلم إنما يطلق على ثلاث كلمات فصاعدا فإذن لا يتحقق الكلام إلا عند تحقيق الكلم، وهو باطل.
قلت: لا نسلم [أن](من) تبيينية وإنما هي تبعيضية، وهي ومجرورها في محل نصب على الحال من الضمير المستكن في (تضمن)، أي: والكلام شيء تضمن، كائنا من الكلم، أي: في حال كونه بعضا للكلم، فيصدق على الاثنين قطعا.
وقوله: "إسنادا" مفعول تضمن وحده المصنف بقوله: [هو] تعليق خبر بمخبر عنه أو طلب بمطلوب [منه]. وأورد (بعث) ونحوه.
وأجيب بأنه خبر بحسب الوضع، وإنشائيته بحسب العروض.
قيل: هو نسبة أحد الجزئين إلى ألآخر "مفيدا" مخرج لما لا يجهل [معناه] نحو: النار حارة، كذا قال المصنف، ونوزع فيه بأن مثل هذا كلام لأنه خبر وكل خبر كلاف فمثل هذا كلام، والجزم بصدقة بحسب خصوصية المادة لا يدفع احتمال الصدق والكذب بحسب الخبر من حيث هو، وكونه معلوما لكل أحد لا ينافي كونه مفيدا لأن/ الأمور الضرورية لا يلزم انتقاش الذهن بها دائما فيجوز أن يكون في ظن المخبر أن هذا الأمر الضروري غير حاصل حين التكلم عند المخاطب، وأيضا في مثل هذه الضروريات عائد إلى المحسوس بإحدى الحواس الخمس فيفيد الإخبار بشيء منها بالنسبة إلى فاقد ذلك الحس الذي يدرك به هذا النوع من المحسوسات فيكون كلاما، وليس من شرط الكلام أن يكون مفيدا عند كل أحد، فغن ما يكون مفيدا لبعض دون بعض يكون كلاما قطعا.
"مقصودا" احترز به من كلام النائم [و] الساهي ونحوهما، وكثير من النحويين لا يعتبر قيد القصد في الكلام.
"لذاته" لا لغيره، فخرج الإسناد الواقع في جملة الصلة مثلا؛ إذ لم يقصد لذاته وإنما قصد لغيره.
قال المصنف: وزاد بعض العلماء في حد الكلام من ناطق واحد احترازا
من أن يصطلح رجلان على أن يذكر أحدهما فعلا أو مبتدأ ويذكر الآخر فاعل الفعل أو خبر المبتدأ.
وأجاب بأن هذه الزيادة غير محتاج إليها لوجهين:
أحدهما- أن اتحاد الناطق لا يعتبر في كون اللفظ كلاما، كما لا يعتبر اتحاد الكاتب في كون الخط خطا.
والثاني- أن كل واحد من المصطلحين متكلم بكلام، وإنما اقتصر على كلمة واحدة اتكالا على نطق الآخر بالأخرى.
قلت: في الوجه الأول تسليم أن الكلام الواحد قد يصدر من اثنين، وهو لا يتصور ألبتة ضرورة أن كل كلام مشتمل على نسبة احد الطرفين إلى الآخر، والنسبة أمر نفساني لا يقبل التجرؤ ولا يقوم إلا بمحل واحد.
وأظن أن ابن قاسم ذكر هذا الاعتراض في شرح الألفية، ولا أكاد أقضي العجب من الشيخ جمال الدين عبد الرحيم الأسوي الشافعي –رحمه الله حيث ذكر هذه المسألة في كتابه المسمى بـ: بالكوكب الدري" الموضوع لتنزيل الفروع الفقهية على الأحكام النحوية، فرتب على الخلاف في هذه القاعدة فروعا
فقهية، منها لو وكل وكيلين بطلاق زوجته فقال أحدهما: فلانة يعني الزوجة، المذكورة وقال الآخر: طالق، فقال: إن بنينا على اشتراط اتحاد الناطق بالكلام لم يقع الطلاق وإلا وقع.
وقد علمت استحالة الوجه الأول، فكيف ينبني عليه حكم شرعي؟ فتأمله.
"فالاسم كلمة يسند ما لمعناها إلى نفسها"
اعلم أولا: أن الإسناد عند المصنف قسمان: معنوي ولفظي: فالمعنوي هو إسناد ما هو ثابت لمعنى الكلمة إلى لفظها نحو: زيد قائم، ويسمى وضعيا، وهذا هو الخاص بالاسم، واللفظي: إسناد ما هو ثابت للفظ الكلمة إليه، نحو: زيد ثلاثي، وضرب فعل ماض، ومن حرف جر، وهذا صالح للاسم والفعل والحرف كما رأيت، بل يكون للجملة أيضا نحو: لا إله إلا الله كلمة توحيد.
والمحققون على خلاف ما ذهب إليه المصنف، ويقولون: إن (صرب) في قولك: ضرب فعل ماض اسم، ولذا أخبر عنها، وإنما فتحت على الحكاية، والإخبار عنها بأنها فعل مع كونها اسما إنما هو باعتبار مسماه، وهو ضرب الذي يدل على الحدث والزمان، فهو نظير الإخبار في قولك: زيد قائم، ألا ترى أنك أخبرت عن زيد باعتبار مسماه لا باعتبار لفظه؟ وكذا الكلام في:(من حرف جر) ونحوه:
قال ابن هشام في المغني: وقال لي بعضهم كيف يتوهم على
ابن مالك انه اشتبه عليه الأمر في الاسم والفعل والحرف؟
فقلت له: كيف توهم ابن مالك أن النحويين كافة غلطوا في قولهم: إن الفعل يخبر به ولا يخبر عنه؟ وإذا تقرر هذا فقوله: "كلمة" جنس يشمل الثلاث، وقوله:"يسند ما لمعناها إلى نفسها" فصل يخرج الفعل والحرف ضرورة أن كل منهما لا يسند إليه/ ما هو لمعناه.
وإنما قيد بالمعنى لأن اللفظي عنده صالح للكم الثلاث كما مر، وذلك مثل: زيد قائم [فقائم][ثابت] لمعنى زيد وهو مسماه وقد أسند إلى لفظ زيد.
فإن قلت: الثابت لمسمى زيد هو القيام لا قائم.
قلت: لا نسلم، إذ معنى قائم شيء متصف بالقيام، ولاشك أن هذا أمر ثابت لمسمى زيد، إذ هو [شيء] متصف بالقيام، "أو نظيرها" قيد أدخل نحو (صه) من أسماء الأفعال و (فل) من المختصة بالنداء، و (سبحان) من اللازم للنصب على المصدرية، فإن هذه أسماء ولا يسند ما لمعناها إلى نفسها ولكنه يسند إلى نظيرها.
ويعني بالنظير ما وافق معنى ونوعا كالسكون في (صه) وفلان في (فل) وبراءة في (سبحان)، فيصح أن يسند ما لمعنى (صه) إلى نظيرها وهو
السكوت فتقول: السكون حسن فثبت اسميتها وكذلك البواقي، كذا قال المصنف وتبعه الشارحون.
قلت: لا نسلم أن السكوت نظير لصه بحسب المعنى، وتحقيق ذلك يظهر من كلام ذكره بعض حذاق المتأخرين، وذلك أنه قال:
كل لفظ وضع بإزاء معنى اسما كان أو فعلا أو حرفا فله اسم علم هو نفس ذلك اللفظ من حيث دلالته على ذلك الاسم أو الفعل أو الحرف، كما نقول:
-في قولنا خرج زيد من البصرة- خرج فعل وزيد اسم ومن حرف جر، فتجعل كلا الثلاثة محكوم عليه، لكن هذا وضع غير قصدي، لا يصير به اللفظ مشتركا ولا يفهم منه معنى مسماه.
وقد اتفق لبعض الأفعال أن وضع لها أسماء أخر غير ألفاظها تطلق ويراد بها الأفعال من حيث دلالتها على معانيها، وسموها اسماء الأفعال، فصه مثلا: اسم موضوع بإزاء لفظ اسكت لكن لا يطلق ويقصد به نفس اللفظ كما في بعض الأعلام المذكورة، بل ليقصد بها اسكت الدال على طلب السكوت حى تكون صه –مع أنه اسم لاسكت- كلاما تاما بخلاف اسكت الذي هو اسم لا سكت
الذي هو فعل أمر من قولك: اسكت فعل أمر. فمن اين يثبت أن السكوت نظير لصه بحسب المعنى على ما قرع سمعك من التحقيق؟ فتفهم، على انه لو سلم كونه نظير معنى ونوعا –كما ادعاه المصنف- لزم الدور في التعريف المذكور وليس بخاف.
"والفعل كلمة" جنس "تسند" فصل أخرج به الحرف وبعض الأسماء كياء غلامي وما لازم النداء أو الظرفية مثلا.
"أبدا" فصل أخرج به ما يسند من الأسماء وقتا دون وقت، كالقائم: في زيد القائم، فإنه في هذا التركيب مسند، ثم يسند إليه في تركيب آخر نحو:
القائم زيد، كذا قيل، وفيه نظر:
أما أولا- فلأن الصفات مسندة أبدا، لأنها إما أن ترفع ظاهرا أو مضمرا، فحيث تقع في التركيب لا يزايلها كونها مسندة إلى مرفوعها، وليس الوصف في قولك: القائم زيد مسندا ليه، وإنما هو مسند إلى ضمير يعول إلى (أل) إن جعلت اسما موصولا أو ضمير موصوف محذوف إن جعلت حرف تعريف كما يقوله المازني.
وأما ثانيا –فلأن هذا القيد- وإن نفع في إخراج ما يسند من الأسماء تارة
دون أخرى –فقد ضر في خروج بعض الأفعال كالفعل المؤكد والمزيد والمكفوف، فإنهن قد زايلهن الإسناد.
وقد نص المصنف في قوله:
...........................
…
أتاك أتاك اللاحقون ............
أن الفعل الثاني لا يقتضي إلا التأكيد "قابلة لعلامة فرعية المسند إليه" فصل أخرج به أسماء الأفعال، فإنها تسند أبدا، وليست أفعالا خلافا لبعض الكوفيين، لأنها لا تقبل علامة فرعية المسند غلأيه، والمراد بها تاء التأنيث الساكنة وياء المخاطبة وألف الاثنين وواو الجمع ونون الإناث.
فإن قلت: وهذا القيد أيضا يخرج الصفات على تقدير/ كونها مسندة أبدا فإنها لا تقبل علامة فرعية المسند إليه بهذا التفسير.
قلت: ليس المراد بالعلامة مجموع ما ذكر من تاء التأنيث الساكنة وما ذكر معها من حيث هو مجموع، وإنما المراد كل واحدة من تلك الأشياء حتى لو قبلت الكلمة شيء من تلك الأمور كألف الاثنين وواو الجمع.
فإن قلت: كل من ألف الاثنين وواو الجمع اللاحقين للفعل اسم، وأما ما يلحق الصفة فحرف، فلا تكون الصفات على هذا التقدير قابلة لشيء من تلك الأمور.
قلت: لا وجه لتخصيص الألف والواو اللاحقين [للفعل] بالاسمية، وإنما المراد ما يدخل على كون المسند إليه فرعا عن الواحد سواء كان ذلك [الدال] اسما نحو: الزيدان والزيدون يقومون، أو حرفا نحو: يقومان الزيدان و"يتعاقبون فيكم ملائكة" فدخلت الصفات.
على أني أقول بعد هذا كله: يلزم المصنف ألا يكون تعريفه هذا صادقا على شيء من الأفعال أصلا، وذلك لأنه لا شيء منها يسند دائما ضرورة أن المصنف قائل: بأن الإسناد اللفظي صالح للكلم الثلاث كما مر، فقام في قولنا: قام زيد هو مسند، وفي قولنا: قام فعل ماض هو مسند إليه، فقد رأيت كون الفعل قد انفك عن كونه مسندا في بعض الصور، وهذا جار في كل فعل، فتأمله.
"والحرف كلمة" جنس يشمل الثلاث "لا تقبل إسنادا" أي: لا تسند ولا يسند إليها، فخرج الاسم لأنه يسند ويسند إليه والفعل لأنه يسند وإن لم يسند إليه.
وقيد الإسناد بقوله: "وضعيا" احترازا من اللفظي فإنه مشترك كما سبق.
قال المصنف: وقلت "بنفسها ولا بنظيرها" احترازا من الأسماء الملازمة النداء ونحوها فإنها لا تقبله بنفسها ولكن نظيرها يقبله، فهي قابلة له لأجل ذلك. كذا قال، وفيه نظر.
"ويعتبر"، أي: يختبر "الاسم بندائه"، وهو طلب الإقبال بحرف نائب مناب (أدعو) لفظا أو تقديرا.
قال المصنف واعتبار الاسم بذلك أولى من اعتباره بحرف النداء؛ لأن
(يا) قد كثرت مباشرتها بالفعل والحرف بنحو: {ألا ياسجدوا} و {ياليتني كنت معهم} وفي كونها حينئذ حرف نداء والمنادى محذوف أو حرف تنبيه خلاف سيأتي.
واعتبار صحة النداء بغير يا أولى لما ذكر. "وتنويه في غير روي".
قالوا" [و] الروي الحرف الذي تنسب إليه القصيدة، كقولك: قصيدة لامية إذا كان رويها لاما.
قلت: تعريفه بذلك مفض إلى الدور، ضرورة أن معرفة الروي متوقفة على نسبة القصيدة إليه، لأنه مأخوذ في تعريفه، ونسبة القصيدة إليه متوقفة على معرفة كونه راويا.
واحترز المصنف بذلك من التنوين اللاحق للروي المطلق [أي]: المتحرك، ويسمى تنوين الترنم، ومن التنوين اللاحق للروي المقيد أي:
الساكن، ويسمى التنوين الغالي، وكلاهما لا يختص بالأسماء، فلذلك أخرجهما، وما عداهما فمختص بها، وسيأتي البحث في ذلك في محله.
"وبتعريفه" سواء كان بـ (أل) أو بـ (أم) أو غير ذلك، وتكرير حرف الجر مع هذه العلامة دون ما تقدمها لا يظهر لي وجهه "وصلاحيته بلا تأويل لإخبار عنه" نحو: زيد في قولك: زيد قائم، بخلاف {أن تصوموا} في قوله تعالى:{وأن تصوموا خير لكم} ، فإن صلاحيته للإخبار عنه إنما هي بتأويل، لكون {أن تصوموا} بمعنى: صومكم وفي هذه العلامة خلاف:
فهشام وثعلب ومن وافقهما من الكوفيين على جواز الإسناد إلى الجملة مطلقا، مذهب كثير من البصريين منع ذلك مطلقا، وقال الفراء
وجماعة: جوازه مشروط بكون المسند إليها قلبيا، وباقترانها بمعلق نحو:{وتبين/ لكم كيف فعلنا بهم} {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه} .
قلت: وكلام المصنف هنا فيه تكرير وقصور وإهمال قيد وحشو:
أما التكرير: فإنه سبق في تعريف الإسم ما يستفاد منه هذه الخاصة وهو إسناد ما لمعنى الكلمة إليها أو إلى نظيرها.
وأما القصور: فلأن الإسناد إلى الكلمة أعم من الإخبار عنها؛ لصدق الأول على النسب الواقعة في الجمل الإنشائية دون الثاني، فالتعبير بما يخص بعض الأسماء دون التعبير بما يعم جميعها مع القدرة عليه قصور.
وأما إهمال قيد: فلأن الإخبار عن الكلمة إنما يكون من خواصها إذا كان بحسب المعنى لا بحسب اللفظ، وقد ترك القيد الدال على ذلك، لا يقال: اغتنى عنه بما سبق له من تعريف الاسم حيث قيد الإسناد بما يقتضي كونه معنويا؛ لأنا نقول: فإذن لا حاجة إلى هذه الخاصة ورأسا لما تقدم، ثم إحالة من يقصد تعريف الاسم بمجرد هذه الخاصة على أمر خارج عنها مما ينافي هذا القصد.
وأما الحشو فلأنه ادعى أنه احترز بقوله (بلا تأويل) عن مثل: {وأن تصوموا خير لكم} كما تقدم، وهذا ساقط؛ لأن الخاصة هي كون الكلمة
صالحة لما ذكر، وضمير صلاحيته عائد على الاسم باعتباره كونه لفظا هو كلمة، فالمعنى حينئذ: ويعتبر كون اللفظ الذي هو كلمة اسما بصلاحية ذلك اللفظ لإخبار عنه، وإلا فلو كان المراد: ويعتبر الاسم بصلاحية الاسم لإخبار عنه، أي: إذا صلح الاسم لأن يخبر عنه فهو اسم حينئذ فلا يدخل {أن تصوموا} في ذلك.
فإن قلت: تلوح فائدة هذا القول في قولك: تسمع بالمعيدي خير [من أن تراه]، برفع الفعل إن لم تعتبر ثم شيئا محذوفا.
قلت: وقد يقال على الثاني: إنما يتم القصور أن لو جعل المصنف العلامة كون اللفظ مخبرا عنه، لكنه إنما جعله صلاحيته للإخبار عنه، وهي مساوية للإسناد إليه، إذ كلما تحقق أحد هذين الأمرين تحقق الآخر، فلا قصور.
وجوابه: أنا لا نسلم المساواة، وذلك لأن الإخبار عن الكلمة هو تعلق شيء بها على وجه يحتمل معه الكلام الصدق والكذب، والإسناد إليها هو تعليق شيء بها على وجه يحتمل الكلام معه ذلك أو لا يحتمله، ولاشك أن لنا ألفاظا تصلح للإسناد إليها ولا تصلح للإخبار عنها نحو: غدر وخبث مثلا، فإنهما اسما ملازمان للنداء، ولا يجوز استعمال شيء منهما على غير هذا الوجه
أصلا: تقول: ياغدر وياخبث، فكل منهما مسند إليه في المعنى لأنه قد علق به طلب الإقبال، وأوقع على وجه لا يحتمل معه صدقا ولا كذبا ضرورة أنه بصيغة النداء الإنشائية، وعلى [هذا] فصلاحيته للإسناد إليه أعم لشمولها ما ذكرناه دون صلاحيته للإخبار عنه، لكن هذا يقتضي أن قول المصنف في تعريف الاسم:(أو نظيرها) مستدرك بالنسبة إلى مثل هذه الأسماء، ولا يضر ذلك فيما نحن بصدده، فتأمله.
"أو إضافة إليه" نحو زيد في قولك: غلام زيد "أو عود ضمير عليه"، إذ الضمير عين ما يعود عليه، والضمير اسم، ولا يكون [الاسم] عين الفعل ولا عين الحرف، ومن ثم قال الزمخشري في سورة آل عمران في قوله:{أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه} : إن الضمير راجع للكاف وأنها اسم (أو إبدال صريح منه) نحو: كيف أنت أصحيح أم سقيم؟ ، فكيف اسم لإبدال الاسم الصريح/ منها، وهذا داخل تحت قوله:"بلا تأويل"، كما أن جميع ما تقدم كذلك، فيخرج عنه نحو:{هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} من حيث أن المضاف إليه بتأويل مفرد، وكذا نحو:
{وأن تصوموا خير لكم} ، من حيث إن الضمير المستكن في (خير) عائد على (أن تصوموا) لكونه مؤولا بالصوم، وكذا نحو: يعجبني أن تفعل الخير
قراءتك القرآن من حيث إن قراءتك بدل من: (أن تفعل)؛ لكونه بتأويل فعلك، ويدل على ذلك أنه قال بعد:
"وبالإخبار به" فاستأنف ذكر العامل على أن البحث المتقدم يأتي هنا أيضا، فافهم.
"وبالإخبار به مع مباشرة الفعل" نحو: كيف كنت؟ فكيف اسم لأن الإخبار بها يدفع الحرفية، ومباشرتها للفعل تنفي الفعلية إذ الفعل لا يبشر الفعل إلا عند التأكيد نحو: قام قام زيد، والفرض انتفاؤه في المثال المذكور. "وبموافقة ثابت الاسمية في لفظ"، أي وزن يخص الاسم نحو: وشكان، فإنه موافق لسكران في لفظه، وهو من الأوزان المختصة بالأسماء، ولو كان المراد لما هو اعلم لورد ما لا يكاد يحصر من الأفعال الموافقة لما هـ ثابت الاسمية نحو:(ضرب) ماضيا و (اضرب) أمرا و (أذهب) مضارعا؛ لموافقة الأول لنحو: حجز والثاني لنحو: إثمد والثالث لنحو: أفكل إلى غير ذلك.
ثم اعلم أن هذه العلامة لا تعرف إلا بعد معرفة الاسم والفعل الإحاطة بأوزان كل منهما، فإذن لا حاجة إليها.
"أو معنى": نحو: (قد) في: قدك درهم، فإنها موافقة لحسب في المعنى، وحسب ثابتة الاسمية، فقد المذكورة اسم "دون معارض" احترز به من نحو واو (مع) نحو: سرت والنيل إذ هي بمعناها، لكن المعارض قائم وهي كونها على حرف واحد صدرا، وما كان كذلك فإنه يكون حرفا لا اسما.
قلت: قد ينتقض بالكاف في نحو: زيد كالأسد، فقد قال كثيرون
باسميتها مع وجود هذا المعارض. واحترز به أيضا من كلمة (من) التبعيضية، فإنها بمعنى بعض، وبعض ثابتة الاسمية لكن عارض ذلك انعكاس الإسناد في نحو: إن من إخوتك زيد او إن بعض إخوتك زيد فلا تكون (من) المذكورة اسما، والذي يظهر من كلام المصنف شارحيه أن هذا القيد وهو قوله:(دون معارض) - راجع إلى قوله: (معنى)، ولو جعل راجعا إلى كل واحد من لفظ ومعنى لكان حسنا واندفع حينئذ الاعتراض بنحو: ضرب، لأنه- وإن وافق ثابت الاسمية كحجر- فإنه عارض ذلك قبوله لعلامات الفعل، بخلاف نحو: وشكان.
"هو" أي الاسم "لعين"، أي: يدل على ذات بلا قيد نحو: زيد ورجل "أو معنى".
وهو ما دل على غير ذات بلا قيد نحو: قراءة وفهم "اسما" كما سبق تمثيله في العين والمعنى.
"ووصفا" للعين وهو ما دل على قيد في الذات كجلي وخفي وبقي على المصنف: او لهما. وذلك في الاسم نحو: شيء وفي الوصف نحو: حسن، فيقع صفة للعين نحو: رجل حسن، وللمعنى نحو: فهم حسن وبليغ وفصيح، فإنهما يقعان [صفة] للمتكلم والكلام، والاسم هنا قسيم الوصف لا قسيم الفعل والحرف ولا قسيم الكنية واللقب، والمعنى هنا قسيم الذات ولا يراد به المعنى المذكور في حد الاسم.
وهذا التقسيم الذي ذكره المصنف في "الإيضاح" واعترضه ابن ملكون بأن العين
تطلق على المعنى نحو: {عين اليقين} و"عين الربا"، فكيف يجعل قسيما للمعنى؟ ، وليس بشيء، لأن العين مشترك بين الشخص والحقيقة.
"ويعتنبر الفعل بتاء التأنيث الساكنة" الدالة على تأنيث ما بعدها، ليخرج نحو: ربت وثمت ولعلت، وقيد الساكنة يخرج المتحرك بحركة إعراب، وهي المختصة/ بالأسماء، وبركة بناء فإنها تلحق الحرف كلات وثمت "ونون التوكيد"، بالعطف على المجرور بالباء "الشائع" بالجر، لكن لا على أنه وصف لنون ولا للتوكيد؛ وذلك لأن نون التوكيد علم فلا يصح وصف جزئه الأول ولا الثاني وحده، وإن كان معنى كل من المتضايفين صحيحا مقصودا، كذا قاله ابن هشام، وفيه نظر:
وأراد بالشائع المشهور نحو: {ليسجنن وليكونا من الصاغرين} احترزا من لحاقها اسم الفاعل شذوذا كقوله:
أقائلن أحضروا الشهود.
كذا أنشده أبو الفتوح، ولا يتعين مثالا لما نحن فيه؛ لجواز أن يكون الأصل: أقائل أنا؟ ثم حذفت همزة أنا اعتباطا ثم أدغم التنوين في نزن (نا).
فإن قلت: أو نقلت حركة الهمزة في (أنا) إلى التنوين ثم أسقطت على القياس في التخفيف بالنقل، ثم سكنت النون وأدغمت؟
قلت: بعضهم يرد هذا بأن المحذوف لعلة بمنزلة الثابت، فحينئذ يمتنع الإدغام [و] لأن الهمزة فاصلة في التقدير، ومثل هذا البحث في قوله تعالى:
ثم اعلم أن هذه العلامة غير محتاج إليها؛ لأنها لا تعرف إلا بعد معرفة ما يؤكد قياسا وما يؤكد شذوذا، وذلك لا يعرف معرفة الفعل؛ لأنها تكون حاصلة، ثم لا يعرف ذلك إلا بعد معرفة الفعل، فيجيء الدور.
"ولزومه"، أي: لزوم الفعل "مع ياء المتكلم نون الوقاية" نحو: أكرمني يكرمني اكرمني.
ياحسنه إذ قال: ما أحسني.
ورد بأن العلامة لا يجب انعكاسها وأن (أحسن) في البيت اسم تفضيل و (ما) استفهامية.
وأورد على المصنف أيضا أنها لازمة في عليكني ورويدني ونحوهما من أسماء الأفعال، فأجاب بمنع اللزوم بدليل عليك بي، وفيه نظر: لأن المفهوم من كلامه أن علامة الفعل كون ياء المتكلم لا تتصل [به] إلا
محجوزة عنه بنون [الوقاية]، والياء هنا لم تتصل باسم الفعل بل اتصلت بعامل آخر، ولو اتصلت باسم الفعل لم تكن إلا محجوزة عنه بنون الوقاية، كما أنها لا تتصل بالفعل إلا كذلك، وأيضا فلأن معنى عليك زيدا ليس معنى عليك في عليك بزيد، فالأول بمعنى الزم والثاني بمعنى التصق، فالذي معه الباء الموحدة غير الذي يتعدى بنفسه، والباء معدية لا زائدة كما يوهمه كلامه.
"وباتصاله"، أي اتصال الفعل "بضمير الرفع"؛ لأن المجرور لا يتصل به [البتة] والمنصوب يتصل بالكلمات الثلاث نحو: أنك أكرمك المعطيك، "البارز"؛ لأن المستتر يتصل بالاسم نحو: زيد منطلق، وبالفعل نحو: زيد قام.
وإنما اختص هذا الضمير بالفعل لأن الاسم يستحق مثناه ومجموعه جمع سلامة الألف والواو، فلو لحقه ضمير الرفع البارز لاجتمع في المثنى ألفان وفي الجمع واوان، فإن لم تحذف إحداهما استثقل، وإن حذفت التبس.
قلت: لكن ادعى أبو علي الفارسي في أحد قوليه: أن (ليس) حرف محتجا بأنها لو كانت فعلا مخففا من فعل كصيد في صيد لعادت حركة الياء عند اتصال الضمير كصيدت.
وأجيب بأن ذلك لمخالفته أخواته في عدم التصرف.
قال الفارسي: وأما إلحاق الضمير به في لست ولستما فلشبهه بالفعل لكونه
على ثلاثة أحرف وبمعنى ما كان وكونه رافعا وناصبا، كما لحق الضمير هاء هائيا هاؤوا مع كونه اسم فعل لقوة مشابهته للأفعال لفظا كذا نقله الرضي في شرح الحاجبية.
فتحصل لنا من /هذا الكلام أنا أبا علي يخالف في كون الضمير البارز من خواص الفعل، وأنه يرى صحة لحاقه لما هو مشبه بالفعل من اسم أو حرف، فلا تظن أن هذه العلامة متفق عليها.
"وأقسامه"، أي: أقسام الفعل "ماض وأمر ومضارع" على هذا النمط رتبها سيبويه.
وتسمية الأولين واضحة، وأما الثالث: فمن معنى
المشابهة.
وقول ابن عصفور من المراضعة فقلب مردود. وقال الكوفيون: القسمة ثنائية، فجعلوا الأمر مقتطعا من المضارع ولم يجعلوه أصلا برأسه.
"فيميز الماضي" بالنصب مفعول مقدم على الفاعل للاهتمام "التاء" بالرفع فاعل يميز فـ "المذكورة" صفة، والمراد بالتاء المذكورة تاء التأنيث الساكنة؛ لأنها إنما أسكنت للفرق بين تاء الأفعال وتاء الأسماء.
ولم يعكس لئلا ينضم ثقل الحركة إلى ثقل الفعل وقد استدل كثيرون بهذه العلامة على فعلية عسى.
وفيه نظر، وذلك أن النيلي قال في شرح الفصيح قال الزمخشي قال أبو عبيدة: من العرب من يؤنث (عسى)، وهم الذي يؤنثون (رب)، وأنشد على ذلك:
عست كربه أمسيت فيها مقيمة
…
يكون لنا منها رجاء ومخرج
فدل على نسبة ذلك لبعض العرب. وقوله: إنهم الذين يؤنثون (رب) فيقولون: ربت.
على أن إدخال التاء على عسى ليس لتأنيث ما بعدها وأن وقوع ذلك في البيت اتفاقي، وحينئذ لا يستدل بالتأنيث الذي [هذا] شأنه على الفعلية كما لا يستدل بالتأنيث في ربت على ذلك.
"والأمر" بالنصب عطفا على المفعول المتقدم، أي: ويميز الأمر. "معناه"، وهو مرفوع تقديرا عطفا على الفاعل المتقدم. والضمير المضاف إليه على الأمر، أي: ويميزه عن قسيميه دلالته على معنى الأمر، وهو الطلب.
"ونود التأكيد"، معطوف على (معناه)، أي: يميزه مجموع الأمرين، فإن وجد أحدهما فقط بأن دلت الكلمة على معنى الأمر ولم تقبل نون التوكيد- فهي اسم فعل، كصه، وإن قبلت النون ولم تدل على معنى الأمر فهي فعل مضارع نحو: هل تقومن؟ "والمضارع" بالنصب أيضا عطفا على المفعول "افتتاحه" بالرفع عطفا على الفاعل "بهمزة" متعلق بافتتاحه "للمتكلم" ظرف مستقل في محل جر صفة لهمزة، أي: ثابتة للمتكلم.
واحترز به عن همزة لا تكون للمتكلم نحو: أقام. فإذا قيل لك ما تقول في (أخفى) من قوله تعالى: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم} ؟ [فقل] من سكن الياء فهو عنده مضارع، ومن فتحها فماض "مفردا" حال من المتكلم، وذلك نحو: أقوم، ولا فرق بين أن يكون مذكرا أو مؤنثا.
"أو" افتتاحه "بنون له" أي: للمتكلم، احترازا من نون لا تكون له نحو: نرجس الدواء: إذا جعل فيه نرجسا. "عظيما" إما بحسب الواقع كقوله تعالى: {ونريد أن نمن} أو بحسب الادعاء كقول المعظم نفسه مخبرا عنها فقط:
نقول. وقال بعضهم: إنما يستعمله المعظم لنفسه وحدها، حيث ينزل نفسه منزلة الجماعة مجازا. "أو مشاركا" بفتح الراء على أنه اسم مفعول
من شورك، ويجوز ضبطه بكسر الراء على أنه اسم فاعل من شارك والذي يظهر [لي] أن النون في هذا المقام للمتكلم ومن يشركه في ذلك الفعل، منظورا فيه للجميع بالأصالة، مفردا كان المشارك أو غيره من المذكور، أو من الإناث أو منهما.
وتقتضي عبارة المصنف وكثيرون أن النون للمتكلم حالة كونه مشاركا، فالمشاركة قيد في ثبوتها للمتكلم، ولا يلزم من ذلك أن تكون للمتكلم ومن يشاركه معا على السواء في القصد، وبين المعنيين فرق [فتأمله].
"أو" افتتاحه "بتاء" مثناة من فوق "للمخاطب" احترازا من [نحو] تكلم، فإن تاءه ليست للمخاطب "مطلقا"/أي: مفردا كان أو غيره مذكرا أو غيره نحو: أنت يا زيد تقوم، وأنت يا هند تقومين، وأنتما يا زيدان أو يا هندان تقومان، وأنتم تقومون، وأنتن تقمن. "وللغائبة" لفظا أبالتأويل: فيدخل ظاهرها نحو: تقوم هند، ومضمرها نحو: هي تقوم، والحقيقي كما مثل، والمجازي نحو تنفطر السماء، وهي تنفطر. ودخل ما هو للغائبة بالتأويل نحو: تجئ الكتاب على معنى الصحيفة، ونحو: تقوم الرجال، وتنكسر الجذاع، والرجال تقوم والأجذاع تنكسر، كل ذلك بتأويل الجماعة و"للغائبين" تثنية غائبة. فشمل الظاهر نحو تقدم الهندان ومثل [له] بعض الشارحين:
بالهندان تقومان، وهو سهو، فإن الفعل إنما أسند فيه لمضمر لا لظاهر، وشمل المضمر نحو: الهندان تقومان، والحقيقي كما تقوم، والمجازي نحو: تدمع العينان، والعينان تدمعان. لكن لو كانت الغائبتان بلفظ ضمير الغيبة، فهل تقول: هما تفعلان بتاء فوقية تعني امرأتين حملا للمضمر على المظهر؟ ورعيا للمعنى نظرا إلى أن الضمائر ترد الأشياء إلى أصولها.
وهو قول ابن أبي العافية تلميذ الأعلم او تقول: هما يفعلان بياء تحتية رعيا للفظ، فإن هذا اللفظ يكون للمذكرين.
وهو قول ابن الباذش. والمرجح الأول، وجاء به السماع وقال عمر
ابن أبي ربيعة.
أقص على أختي بدء حديثها
…
ومالي من أن تعلما متأخر
لعلهما أن تبغيا لي حاجة
…
وأن ترحبا سربا بما كنت أحصر
[أحصر] بفتح الصاد المهملة مضارع حصر بكسرها، أي: ضاق
صدره، ومنه قله تعالى:{أو جاءوكم حصرت صدوركم} .
"أو" افتتاحه "بياء" مثناة من تحت. "للمذكر الغائب" احترزا من ياء ليست كذلك نحو: يرنأ بياء تحتية مفتوحة فراء ساكنة فنون مفتوحة فهمزة على زنة دحرج، أي: صبغ باليرنأ بضم الياء وفتحها وتشديد النون وهمزة تليها بلا فاصل، وهي الحناء، ويقال أيضا: اليرناء بالضم والمد "مطلقا" أي: مفردا او غيره، ظاهرا أو غيره، نحو: يقوم زيد [والزيدان والزيدون: وزيد يقوم] والزيدان يقوما والزيدون يقومون "وللغائبات"، ظاهرا كان الاسم نحو: يقوم الهندات أو مضمرا نحو: الهندات يقمن، عاقلا كان المسمى كما مر أو غير عاقل نحو: السموات ينفطرن، جمعا سالما كان الاسم كما مر او مكسرا نحو: الهنود يقمن والأعين يدمعن. ومذهب البصريين أن نحو: تقوم الهندات –بتاء الفوقية- كمفردة وسيأتي الكلام على ذلك [في باب الفاعل] إن شاء الله تعالى.
"والأمر مستقبل" زمنه "أبدا"، فلا ينفك عن الاستقبال في وقت من الأوقات. هذا باعتبار الحدث المأمور بإيقاعه، وأما باعتبار كون الأمر إنشاء فظاهر قول المصنف: الإنشاء هو إيقاع معنى بلفظ يقارنه في الوجود.
أن كل إنشائي له زمن حالي من حيث كونه إنشاء، وأن من الإنشاء ما حدثه مسند إلى المتكلم باللفظ الإنشائي نحو: بعت واشتريت، وهذا حالي لا غير، وليست فعليته بهذا الاعتبار.
ومنها ما حدثه مسند إلى غير المتكلم باللفظ الإنشائي، وهو الأمر، وهذا له زمان، حالي من حيث هو إنشاء، ومستقبل من حيث الحدث المطلوب به. وفعليته بهذا الاعتبار لا بالأول.
فإن قلت: فهل هذا مخالف لقول ابن الحاجب إن نحو: بعت واشتريت تجرد عن الدلالة عن الزمن أصلا ورأسا، وأن ذلك لا يقدح في فعليته لعروض التجرد، وأن كونه فعلا إنما هو باعتبار دلالته في أصل وضعه على زمان معين، وهي موجودة لا ينافيها التجرد العرض؟
قلت: لا مخالفة وذلك لأن إثبات الحال للأفعال الإنشائية كما يفهمه قول ابن مالك ليس/ باعتبار دلالتها عليه في أصل الوضع، وإنما ثبوته لها من ضرورة الوقوع. ونفي ابن الحاجب لدلالتها على الزمان في حال كونها إنشاء إنما هو بالنظر إلى الزمان الذي كانت دالة عليه في أصل الوضع فلم يتوارد النفي والإثبات على محل واحد، فلا منافاة في التحقيق "و" الفعل "المضارع صالح له" أي: للاستقبال "والحال" وهو زمان المتكلك، وحقيقته أجزاء متعاقبة من اواخر الماضي وأوائل المستقبل. ولهذا تسمعهم يقولون:(يصلي) في قول القائل: زيد يصلي حال، مع أن بعض أفعال صلاته ماض وبعضها باق، فجعلوا الصلاة الواقعة في الآنات الكثيرة المتتالية واقعة في الحال.
وظاهر كلام المصنف أن المضارع من قبيل المشترك، وكذا قول صاحب
المفصل: "ويشترك فيه الحاضر والمستقبل"، قيل وهو ظاهر مذهب سيبويه، وأيدوه بأن إطلاقه على كل منهما لا يحتاج إلى قرينة بخلاف إطلاقه على الماضي. وفيه بحث، والذي اختاره بعض المحققون أنه حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال، لأنه إذا خلا من القرائن لم يحمل إلا على الحال ولم يصرف إلى الاستقبال؛ إلا بقرينة، وهذا شأن الحقيقة والمجاز. وأيضا من المناسب أن للحال صيغة خاصة كما لأخويه، وفيه مذاهب أخر لا حاجة إلى التطويل بذكرها "ولو نفي بلا"، فلا ترتفع صلاحيته بذلك. "خلافا لمن خصها" أي: خص (لا)"بالمستقبل"، وهو منقول عن سيبويه، فإذا قلت زيد لا يقوم كان عند صاحب هذا القول نصا في الاستقبال، وانتفت صلاحيته للحال، ولم يزل الفضلاء يستشكلون قول سيبويه هذا، مع قوله: إن المضارع المنفي بـ (لا) يقع حالا وقول غيره إن الجملة الحالية لا تصدر بدليل استقبال.
فإن قلت: ما توجيه النصب في قوله: (خلافا)؟
قلت: جوز فيه وفي أمثاله وجهان:
أحدهما -أن يكون مصدرا لفعل محذوف، أي: خالفوا في ذلك خلافا، ولا يمنع من ذلك وجود اللام فإنها متعلقة بمحزوف مثلها في: سقيا له، والتقدير: إرادتي له.
الثاني- أن يكون حالا، والتقدير، أقول ذلك خلافا لفلان، أي: مخالفا له، وحذف القول كثير، ودل عليه هنا أن كل حكم ذكره المصنفون ساكتين عن
رده والتصريح بالمخالفة له فهم قائلون به، فكأن القول مقدر قبل ذلك مسألة.
"ويترجح الحال عند التجريد" من القرائن الدالة على الاستقبال.
وهذا ينافي الاشتراك الذي أفهمه كلام المصنف في المتن وباح به في الشرح، فبين كلاميه تدافع، لكنه –رحمه الله تعالى- حاول في الشرح الجواب عن ذلك بأن قال:
للمشترك هنا شأن ليس لبقية المشتركات، وهو أن له معنيين قريبا وبعيدا، أعني [ليس] بعيد المسافة وقريبها من زمن التكلم، بل بعيدها وحاضرها، والحمل عند التردد على القريب أولى. وفيه نظر فتأمله، : ويتعين" الحال "عند الأكثر" من النحاة "بمصاحبة الآن"، [أي]: باقيا [على] حقيقته نحو: يقوم زيد الآن، فلا يرد نحو:{فمن يستمع الآن) و [لا] نحو {قالوا الآن جئت بالحق} ، لأنه هنا مستعمل للقريب مجازا فيصلح مع المستقبل والماضي،
"وما في معناه" عطف على الآن، وعليه يعود الضمير المضاف إليه. والمراد بما في معناه الحين والساعة نحوهما "و" ويتعين أيضا الحال عند الأكثر "بلام الابتداء" واعترضه المصنف بقوله تعالى:{وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة} وقوله [تعالى]: {إني ليحزنني أن تذهبوا به} فإن الذهاب كان مستقبلا، فلو كان يحزن حالا لزم تقدم الفعل في الوجود على فاعله مع أنه أثره، فالجواب أن الحكم/ في ذلك محقق الوقوع، فنزل منزلة الحاضر المشاهد، وأن التقدير في الآية الثانية: قصد أن تذهبوا، والقصد الحال. وقدره أبو حيان بقوله: قصدكم أن تذهبوا. وحكاه ابن قاسم في شرحه عن بعضهم. قال ابن حشام في مغنيه: وهو مردود بأنه يقتضي حذف الفاعل، لأن (أن تذهبوا) على تقديره منصوب.
"ونفيه"، أي نفي المضارع. "بليس وما وإن" وهذا أيضا عند الأكثر. وكلام المصنف يقتضيه، لأن قوله: عند (الأكثر) متعلق بقوله: (يتعين) ثم ذكر للفعل بعد تقييده
بهذا متعلقات، فيكون القيد راجعا إلى جميعها كقولك: ضربت يوم الجمعة زيدا وعمروا وبكرا. ولاشتراك هذه الكلمات الثلاث في جنس النفي ونوعه عملن عملا واحدا، لكن إعمال الأول بأصالة لكونه فعلا، وإعمال أخويه بالحمل عليه لأنهما حرفان غير مختصين. وتختص (ما) بلغة أهل الحجاز، و (إن) بلغة أهل العالية، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى. وانظر لم أعاد المصنف حرف الجر مع قوله:(وبلام الابتداء) دون ما بعده. "ويتخلص" الفعل المضارع "الاستقبال بظرف مستقبل" سواء كان ذلك الظرف معمولا للفعل أو مضافا إليه نحو: أزورك إذا تزورني. فالأول مستقبل لعمله في إذا، والثاني كذلك لإضافة (إذا) إليه. "و" يتخلص المضارع أيضا للاستقبال "بإسناده إلى أمر متوقع" غير حاصل كقوله:
يهولك أن تموت أنت ملغ
…
لما فيه النجاة من العذاب
ف (يهولك) مستقبل لإسناده إلى الموت الذي هو متوقع، إذ لو أريد به الحال لزم المحذور السابق، وهو سبق الفعل لفاعله في الوجود.
وجوابه: أن التقدير توقع أن تموت، أي: توقعك الآن الموت في الزمن المستقبل، فلا محذور كما سبق التنبيه عليه.
"و" يتخلص [أيضا] المضارع للاستقبال "باقتضائه"، أي:
اقتضاء المضارع "طلبا" نحو: {والوالدات يرضعن أولادهن} ونحو: يغفر الله لك. "أو" اقتضائه "وعدا"، وهو عند الإطلاق يخص الخير كما أن فعله –وهو (وعد) - كذلك.
والمصنف أراد أن يعم الخير والشر، ولذلك صح تمثيله بقوله تعالى:{يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء} "و" يتخلص المضارع [أيضا] للاستقبال. "بمصاحبة ناصب" ظاهرا كان أو مقدرا نحو: {لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى} "أو" مصاحبه "أداه ترج" نحو: {لعلي أبلغ الأسباب} "أو إشفاق" مثل له المصنف وشارحو كلامه بقول الشاعر:
فأما كيس فنجا ولكن
…
عسى يغتر بي حمق لئيم
وهذا ليس بإشفاق وإنما هو ترج، لاغترار الحمق اللئيم به ليظفر به، ويقع في حبالته، ولو أشفق منه لكان ذما. ويحتمل أن يكون ذلك إشفاقا منه على الحمق اللئيم لا إشفاقا على نفسه.
قلت: لا حاجة للمصنف إلى النص على أداة الترجي بخصوصها، لتقدم ما يستغني به عن ذلك، وهو قوله:(وباقتضائه طلبا)، فإن هذا يشمل
الترجي والتمني والتحضيض وكل ما يقتضي طلبا، لكن من جملة ذلك الاستفهام. وإنما يخصص المضارع باستقبال إذا كان بـ (هل) فتأمله.
"أو" بمصاحبة أداة "مجازاة" نحو: {إن يشأ يذهبكم} "أو" بمصاحبة "لو المصدرية" نحو: {ودوا لو تدهن} وعلامتها أن يحسن في موضعها (أن). واحترز من الامتناعية نحو {لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم} فإنها تصرف المضارع إلى الماضي "أو" بمصاحبة "نون التوكيد" خفيفة كانت أو ثقيلة نحو: {ليسجنن وليكونا من الصاغرين} "أو" بمصاحبة "حرف تنفيس"، والمراد به تأخير الفعل إلى الزمان المستقبل وعدم التضييق في الحال، يقال: نفست الخناق، أي: وسعته "وهو السين او سوف" ولا يعرف البصريون غيرها. وسوف عندهم أكثر تنفيسا من السين. وخالف/المصنف – [رحمه الله تعالى]- في ذلك، واستند فيه إلى السماع والقياس.
أما السماع فتعاقبهما على المعنى الواحد في الوقت الواحد كقوله تعالى: {وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما} [وقوله تعالى: {أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما}] ولا حجة فيه لجواز أن يكون المقيد بسوف متراخيا كثيرا لطائفة من المؤمنين، وبالسين غير متراخ كثيرا [لطائفة] أخرى، إذ ليس في النص ما يدل على أن كليهما لطائفة واحدة بالتخصيص والتعيين. وكذا ما أورده من [مثل] السماع التي احتج بها، كل ذلك مما يتطرق إليه القدح.
وأما القياس: فهو ان الماضي والمستقبل متقابلان، والماضي لا يقصد به
إلا مطلقا المضي دون تعرض لقرب الزمان ولا بعد، فينبغي ألا يقصد بالمستقبل إلا مطلق الاستقبال دون تعرض لقرب ولا بعد، ليجزي المتقابلان على [سنن واحد]. وفيه نظر، لأنه قاس المضارع المقترن بالأداة الموجبة للتخصيص على الماضي الخالي عنها، وهو غير صحيح، فإن الماضي إذا كان بدون أداة، كقد مثلا دلل على المضي المطلق، وإذا اقترن بها دل على الماضي القريب من الحال. وهو في اختلاف حالتيه كالمضارع فإنه مع خلوه من الأداة يدل على معنى ومع اقترانه بها يدل على أمر آخر.
على أن قياس أحد المتقابلين على الآخر لا يجديه نفعا، لجواز اختصاص كل منهما بحكم يقابل حكم الآخر، ويجوز مع ذلك أن يكون مشاركا له في حك آخر، ألا ترى أن الأمر والنهي مشاركان في الإنشاء، وقد انفرد كل منهما بأحكام تخصه؟ ومهما لم يذكر الجامع بين المقيس والمقيس عليه الذي هو مناط الحكم لم يصح القياس "أوسف" حكاه الكوفيون، وهو في الحروف ك (منذ) إسما وحرفا إذا حذف، وسطها "أوسو" حكاه الكسائي، وهو مثل (كي) في (كيف) نحو:
كي تجنحون إلى سلم وما ثئرت
…
قتلاكم ولظي الهيجاء تضطرم
"أوسي" بقلب الواو ياء وحذف الآخر، حكاه صاحب المحكم وظاهر كلام المصنف – [رحمه الله تعالى]- أن كلا من هذه الكلمات مستقل بنفسه، وظاهر كلام غيره: أن ما عدا (سوف) من هذه الكلمات فرع من (سوف)، بل أجراه بعضهم في السين أيضا، فزعم أنها منقوصة من سوف دلالة بتقليل الحرف على تقريب الفعل. ووجه بذلك قولهم: إن التنفيس بسوف أطول من السين. "وينصرف" المضارع باعتبار زمنه.
"إلى المضى بلم" سواء جزمت كما هو المشهور فيها او لم تجزم، وهي لغة قوم، وعليها جاء قوله:
فأمسوا بها ليل لو أقسموا
…
على الشمس حولين لم تطلع –بضم العين- وقول الآخر.
لولا فوارس من نعم وأسرتهم
…
يوم الصليفاء لم يوفون بالجار
ولهذا أطلق المصنف "ولما الجازمة" قالوا قيدها بذلك احترازا عن التي بمعنى إلا نحو: {إن كل نفس لما عليها حافظ} فيمن شدد الميم، وعن التي هي حرف وجود نحو: لما جاء زيد أكرمته، وإذا تأملت لم تجد موقعا للاحتراز، فإن (لما) لا تدخل على المضارع إلا جازمة له "ولو الشرطية" لا المصدرية، فإنها تصرفه للاستقبال كما مر "غالبا" لا دائما فإنها قد ترد بمعنى (إن) كقوله:
لا يلفك الراجوك إلا مظهرا
…
خلق الكرام ولو تكون عديما
فعلم أن قيد الغلبة راجع إلى (لو) الشرطية فقط.
فإن قلت: فعلى ماذا انتصب (غالبا)؟
قلت: على أنه صفة لمصدر محذوف هو وعامله، أي ينصرف بها على المضي انصرافا غالبا لعدم الانصراف إليه [دائما]، ولا يجوز أن يكون عامله (ينصرف) المنطوق به في المتن للزوم/رجوع القيد إلى جميع ما تعلق به من لم ولما الجازمة ولو الشرطية، وهو باطل. "و" بـ "بإذ" نحو:{إذ يلقون أقلامهم} أي: : إذ ألقوا وكذا: (إذ يختصمون)، أي: اختصموا، ويجوز أن يكون ذلك على حكاية الحال. "وربما" كقوله:
ربما تكره النفوص من الأمر
…
له فرجة كحل العقال
الفرجة –بضم الفاء-: الإنفراج.
قال بعضهم: هذا الذي ذكره من انصراف المضارع إلى المضي بربما غالب لا دائم بدليل قوله تعالى: {ربما يود الذين كفروا} ، وقيل: هو مؤول بالماضي مثل: {ونفخ في الصور} ، وفيه تكلف لاقتضائه أن الفعل المستقبل عبر به عن ماض متجوز به عن المستقبل. "وقد في بعض
المواضع" قال المصنف: إن قد إما للتقليل فتصرفه على المضي كقوله:
قد أترك القرن مصفرا أنامله
…
كأن أثوابه مجت بفرصاد
مجت: أي رميت من الفم.
بفرصاد: أي توت، وهو الفاكهة المعروفة، والمراد بها هنا نوع يكون ماؤه أحمر شبه حمرة الدم الذي يصيب أثوابه بحمرة الفرصاد.
وإما للتحقيق فلا تصرفه إلى المضي كقوله تعالى: {قد يعلم ما أنتم عليه} ، وقد تصرفه كقوله تعالى:{قد نرى تقلب] وجهك في السماء]} .
قلت: وعلى هذا فكان الأولى أن يقول: وقد التقليلية دائما والتحقيقية في بعض المواضع. وسيأتي الكلام على قد بأطرافه في باب "تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلك" إن شاء الله تعالى.
"وينصرف الماضي إلى الحال بالإنشاء"، أي غير الطلبي نحو: بعت واشتريت، وإلا ورد نحو: غفر الله لك، و [إلا] لم يصح قوله بعد ذلك: وإلى الاستقبال بالطلب.
وليست دلالته هنا على الحال من حيث الوضع، وإنما هي من ضرورة الواقع، لأن الإنشاء إيقاع معنى بلفظ يقرنه في الوجود كما مر.
"وإلى الاستقبال بالطلب" فيشمل الدعاء والأمر وغيرهما: فالأول نحو: غفر الله لك، والثاني: نحو: اتقى الله امرؤ فعل خيرا يثب عليه،
ويدل على ذلك جزم (يثب)، والثالث نحو: عزمت عليك إلا فعلت [كذا]، أي: إلا أن تفعل في المستقبل. وفي كلام المصنف إيهام أن الطلب ليس من أقسام الإنشاء.
"والوعد"، والمراد به الإخبار بوقوع أمر لم يقع بعد [مع] ملاحظة الإرادة لتحقيق الخير، نحو:{وأشرقت الأرض بنور ربها} {وسيق الذين كفروا} وليس المراد به هنا ما هو قسيم للوعيد. "وبالعطف على ما علم استقباله" نحو:
{يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار} {ويوم ينفخ في السور ففزع من في السموات
…
} الآية، ولم أدر وجها لإعادة المصنف حرف الجر هنا دن ما تقدم وهو قوله: والوعد. "وبالنفي بلا وإن بعد القسم": فالأول كقوله:
ردوا فوالله لاذدناكم أبدا
…
ما دام في مائنا ورد لنزال
ونازعه أبو حيان في الاستدلال بهذا البيت، إذ الاستقبال فيه غنما استفيد من الظرف.
قلت: وفيه نظر، لأن وقوع الظرف المستقبل هنا ليس هو المؤثر للاستقبال حتى إنه لو لم يكن انتفى استقبال الفعل، ألا ترى أنه إذا قيل: والله لا فعلت كذا، لا يفهم منه إلا المستقبل، ولهذا لم تتكرر (لا) كما لا يلزم تكرارها مع المستقبل.
والثاني: كقوله تعالى: {ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده} ، ونازعه أيضا أبو حيان في ذلك بأنه لا يمتنع ان يقال: والله إن قام، بمعنى ما قام فيما مضى.
قلت: هذا متوجه كما قال.
وقد يتوهم أن قول المصنف هنا في (لا) مناقض لقوله فيما مضى: (خلافا لمن خصها)، أي: خص (لا) بالمستقبل.
وجوابه: أن مراده خلافا لمن خص [لا] داخلة على المضارع
بالمستقبل، ولم يرد خلافا لمن خص (لا) مطلقا/ [بالمستقبل].
"ويحتمل" الماضي "المضي والاستقبال بعد همزة التسوية" نحو: سواء على أقمت أم قعدت؟ ، والحق أنه محتمل لأربعة معان: الماضي والحال والإستقبال وطلق الزمان الذي هو أهم من ذلك، كما أن المصدر الذي [الفعل] في تأويله كذلك، فلا وجه للتقييد بأحد الزمانين.
قال ابن أم القاسم: سواء كان الفعل معادلا بأم أو لم يكن نحو: سواء على أي حين جئتني.
قلت: وهذه المسألة لا مدخل لها هنا، ولا يصح إدراجها في كلام المصنف – [رحمه الله تعالى]-، لأن الكلام في هزة التسوية ولا همزة هنا.
ثم قال: فإن كان الفعل بعد أم مقرونا بلم تعين المضي نحو: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} ، فالثاني ماض معنى، فوجب مضي الأول لأنه معادل له.
قلت: الظاهر أن هذا لا يقدح في الاحتمال الذي قررناه آنفا، كما لم يقدح وجود (لم) في اقتضاء الاستقبال في قولك: إن لم تسؤني أكرمتك، وجه ذلك أن الجملة المقترنة بهمزة التسوية في تأويل المصدر والمصدر لا زمان له معين فكذا [ما] في معناه، ولا فرق في هذا المعنى بين وجود (لم) وعدمها.
"و" يحتمل الماضي المضي والاستقبال بع "حرف التحضيض" نحو" هلا ضربت زيدا، فيحتمل المضي فيكن توبيخا على ترك الفعل، ويحتمل الاستقبال فيكون حضا على الفعل وأمرا به.
فإن قلت: فإذن لم يحتمل الواقع بعد حرف التحضيض المضي لأن التحضيض –وهو طلب الفعل- لا يكون متعلق إلا بالزمان المستقبل.
قلت: إنما يوبخ المخاطب على ترك ما كان يجب عليه أن يفعله قبل أن يطلب منه، وذلك من حيث المعنى تحضيض على فعل مثل ما فات، فأطلق حرف التحضيض على الحرف المقتضي للحض على ما يدخل عليه تحقيقا أو تقديرا فاستقام "و" بعد "كلما"، فيحتمل أن يرد بالواقع بعدها المضي نحو:{كل ما جاء أمة رسولها كذبوه} ، وأن يراد به الاستقبال نحو:{كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها} .
"و" بع "حيث" نحو: {فأتوهن من حيث أمركم الله} فهذا للمضي، ونحوه:
{ومن حيث خرجت فول وجهك} ، فهذا للاستقبال.
"و" يحتمل الأمرين "بكونه صلة أو صفة لنكرة عامة".
فالأول كقوله تعالى {الذين قال لهم الناس} فهذا مثال المضي، وكقوله تعالى:
{إلا الذين تابوا من قبل ان تقدروا [عليهم]} فهذا مثال الإستقبال.
والثاني قوله:
رب رفد هرقته ذلك اليوم
…
وأسرى من معشر أقتال
الرفد: بفتح الراء القدح الضخم، وقد تكسر، والأقتال: وتاء مثناه فوقية جمع قتل بكسر القاف، وهو العدو، فهذا مثال لبقاء الماضي على مضيه عند وقوعه صفة لنكرة [عامة].
واعترضه أبو حيان بأن (رب) عند سيبويه للتقليل، وهو ينافي العموم، وأيضا: فليس مراد الشاعر أنه أراق كل رافده، وأيضا: فلا نسلم كون (هرقته) صفة لمجرور (رب) بل هو جواب يتعلق به (رب)، إذ الصحيح أنه لا يلزم وصف مجرورها.
ومثال الماضي المراد به الاستقبال، قوله صلى الله عليه وسلم:
"نضر الله أمرا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها" لأن المراد الترغيب في السماع [والنقل]، وهما مستقبلان بخلاف.
رب رفد هرقته
…
البيت، فإنه تمدح ولا يكون إلا بما وقع فتأمله.