المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الفصل: ‌ أوزان الفعل

قال: "والفعل المجرد إما ثلاثي كـ "ذهب وعلم" وإما رباعي كـ "دحرج". قلت: لما تكلم على أوزان الاسم أخذ في الكلام على‌

‌ أوزان الفعل

، وهو على ضربين: مجرد من الزيادة، وذو زيادة، فبدأ بالمجرد، وهو قسمان: ثلاثيو ورباعي، وليس في الفعل ما هو أكثر من ذلك، كأنهم حطوه عن درجة الأسماء لأصالتها وفرعيته، وخفتها ووثقله، واستغنائها عنه، وافتقاره إليها، وقال عبد القاهر: إن الفعل متصل به الضمائر، وتتنزل منه منزلة أحد حروفه بالأدلة المذكورة في هذه النحو، فلو كان فيه خماسي، واتصل به الضمير لزادت عدته على عدة حروف الأسماء التي هي الأصول.

وللثلاثي ثلاثة أبنية:

فَعَل. كـ "نَصَرَ"، وفَعِلَ. كـ "عَلِمَ"، وفَعُلَ ك "ظَرُفَ"، فأما فَعُلَ فإنه مختص بما لم يسم فاعله كـ "ضُرِبَ"، وأصله أن يكون حديثاً عن الفاعل، ثم ينقل فيصير حديثاً عن

ص: 35

المفعول، وإنما يكون من: فَعَل، وفَعِل بفتح العين وكسرها، ولا يكون من: فَعُل بضمها لأنه لا يتعدى. نعم. إن كان معه ظرف متصرف، أو جار ومجرور جاز أن يبنى منه، وذهب المبرد إلى أنه بناء مستقل غير متفرع على بناء الفعل، وليس هذا موضع بسطه. وليس في الأفعال فعل بسكون العين. فأما قوله:

(فإن أهجه يضجر كما ضجر بازل

من الأدم دبرت صفحتاه وغاربه)

فإنه أراد: ضجر، ودبر، كعلم لكنه سكن استقالاً للكسرة ولذا كرر إسكان الضمة. فأما المفتوح فمجيء الإسكان منه شاذ. قال:

(وقالوا: ترابي فقلت صدقتم

أبي من تراب خلقه الله آدما)

أراد خلقه.

ص: 36

وقال الآخر:

(وما كل مبتاع ولو سلف صفقة

براجع ما قد فاته برداد)

أراد: سلف وقال أبو الفتح: "يحتمل أن يكون مخففاً من فعل مكسور العين، ولكنه فعل غير مستعمل إلا أنه في تقدير الاستعمال، وإن لم ينطق به. كما أن قولهم: (تفرعوا عبابيد وشماطيط) ، كأنهم قد نطقوا [فيه] بالواحد من هذين الجمعين وإن لم يكن مستعملا في اللفظ". فإن قيل: فلم نسمع عنهم: "نسلف" بفتح اللام فما ينكر أن يكون هذا يدل على أنهم لا يريدون: "سلف" بكسر اللام على وجه؟ ألا ترى من قال: "علم" بسكون اللام لا يقول في مضارعه إلا "علم" بكسرها؟ فالجواب: أنهم لما لم ينطقوا بالمكسور على وجه، واستغنوا بالمفتوح صار عندهم كالمفروض الذي لا أصل له، وأجمعوا على مضارع المفتوح، فهذا ينبغي أن يكون مما ذكر سيبويه، إنهم يستغنون فيه بالشيء عن الشيء حتى يكون المستغنى عنه مسقطاً.

ص: 37

فإن قيل: ما وزن "ليس"، والظاهر أنه: فعل بسكون العين؟ فالجواب: وزنه: فَعِلَ سكنت عينه، ويدل على ذلك أنه لا جائز أن يكون فتحها إذ لا يسكن، ولا جائز أن يكون بضمها لأن ما عينه ياء على: فَعُلَ بالضم، فتعين ما قدمنا. فإن قيل: لو كان هذا لقيل: "لست" كهبت، بكسر اللام ولم يقل:"لست بفتحها، وهو المسموع؟ فالجواب أنه لما ألزمت العين السكون، ولم تقلب الياء ألفاً كـ "هاب" جرت العين مجرى ما لا حظ له في الحركة، وأيضاً فبقاء: فَعِلَ جامد ضعيف، وقد ذهب أبو علي إلى حرفيته والنقل إنما بابه الفعل القوي المتصرف، وهذا واضح.

ص: 38

وللرباعي مثال واحد وهو: "فَعْلَلَ" كـ "دَحْرَجَ"، وسَرْهَفَ زيد الصبي إذا أحسن غذاءه. وهنا تنبيه؛ وهو أنهم كما حطوا الأفعال عن رتبة الأسماء كذلك حطوا الحروف عنهما فيجيء على حرف واحد كواو العطف، والحرفين كـ "من"، وثلاثة أحرف كـ "نعم"، ولا يجيء على أربعة أحرف إلا ورابعها حرف لين // نحو "حتى" و"أما" إذ حرف الين جار مجرى الحركة والزيادة للاطلاق. فإن قيل: ففي الحروف نحو: كأن، ولعل، ولكن، وهي على أكثر من ثلاثة أحرف، وليس معها حرف لين؟ فالجواب أن "كأن" مركبة، والأصل: إن زيداً كالأسد، فقدموا الحرف الدال على التشبيه اهتماماً به، وفتحوا الهمزة لضرب من إصلاح اللفظ إذ لا يكون ما بعد حرف الجر إلا المفتوحة، غير أنهم لما ركبوا الكاف مع أن ومزجوهما حدث لها حكم آخر، وليس موضع أن جراً بالكاف.

ص: 39

واللام في (لعل) زائدة بدليل صرفها كثيراً في "عل". قال الشعر:

(عل الهوى من قريب أن يقربه

أم النجوم وقد القوم بالغلس)

وقال الآخر:

(يا أبتا علك أو عساكا)

وأما "لكن" فحرف نادر، وذهب الكوفي إلى أنه مركب، وقد استقصيت القول فيه في "مأخذ المتبع" قال:"وما خرج عن هذه الأوزان من الأسماء والأفعال فشاذ، أو مزيد فيه، أو محذوف منه، أو اسم يشبه الحرف، أو أعجمي، أو صيغ للمفعول، أو لأمر". قلت: يقول: لما ضبطت أوزان الأسماء والأفعال فما خرج عنها يكون على واحد من هذه

ص: 40

الأقسام التي بينها. فأما مثال الشذوذ فنحو: "حبُل" و"دُل" وقد ذكرناهما. وأما زيد منه فنحو: "ترتب" التاء الأولى زائدة لوجهين: أحدهما: الاشتقاق، وهو أنه من "رَتَبَ". والثاني: عدم النظير، وهو أنه ليس في الكلام: فُعْلَل بضم الفاء؛ ونحو: "انطلقَ" وزنه: انفعلَ. وأما المحذوف فيه فنحو: "اسم" وزنه عند البصريين: (إفْعُ) ، لأنه محذوف اللام، وعند الكوفيين:(إعْل) ، لأنه محذوف الفاء؛ وهذا أيُقٌ، قيل أصله "أنْوقٌ"، فحذفت العين، وعوض منها ياء زائدة فوزنه:"أيفل"، وقيل: قدمت العين على الفاء ثم قلبت ياء لأن التعبير () بالتغيير فوزنه: (اغْفُل) وهو اختيار أبي الفتح،

ص: 41

لأن الفراء حكى: أونق. وكذا "قلت" ووزنه: (فلت) لأنه محذوف العين. وأما الاسم المشبهه للحرف فنحو: "من" و"كم" و"إذا" فهذا النوع لا يحمل عليه بزيادة، ولا حذف، ولا قلب لأنه كالحرف، والحرف لا يدخله شيء من ذلك. وأما الأعجمي فنحو:"بابُونَج" اسم هذه الحشيشة، ووزنه:(فاعونل) فالألف والواو، والنون فيه زوائد. أما الألف والواو فلأنهما لا يكونان في الثلاثي فصاعدا إلا زائدتين، وأما النون فلأن الكلمة خارجة عن أمثلة الأصول. فإن قيل: فهلا جعلت الألف منقلبة قياساً على ما جوزه أبو الحسن الأخفش في الألف "قارون" من جعلها زائدة، فالوزن (فاعول)، أو منقلبة فالوزن:(فعلول)

ص: 42

كـ "زَرَجُون"، بل الواجب أن يكون ألف بابونج منقلبة لئلا يلزم من زيادتها إدخال

الكلمة في باب دون، وهو قليل لا يحمل عليه مع إمكان غيره؟ . فالجواب من وجهين:

الأول: أن قارون جاء على أمثلة الأصول، وهو ما قدمنا من:(فِعْلَول) كـ "فِرْنَوس"وو"بانونج" ليس له نظير فكيف نجعل ألفه منقلبة؟

والثاني: أن قارون انقلاب ألفه شاذ لأن (مفعولا) بناء خارج عن أبنية الأفعال مع أن

له نظيراً في السماء، فكيف يحمل "بابونج" على الشذوذ؟ فإن بنيت مثله من "رميت" قلت:"رامويا" وأصله: "راموني"، فقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وأما المصوغ للمفعول فنحو:"ضُرِبَ" و"قُتِلَ".

ص: 43

وأما المصوغ للأمر فنحو: "ع" ووزنه: "ع"، لأنه من:"وَعِيَ" فحذف الواو من: "يعي" لوقوعها بين ياء وكسرة، وحذفت الياء للوقف فبقيت العين خاصة فاعرفه. قال:"وما تعلم زيادته من الحروف [بدليل]. فهو أصل." قلت: أعلم أن حروف الأسماء المتمكنة العربية، والأفعال على ضربين أصلية وزائدة، وهذا // لا يحتاج إلى أربعة فصول.

الأول: أن الأصل عندهم عبارة عن الحروف اللازمة للكلمة كيف تصرفت وهي تجري مجرى الجنس للأنواع نحو: الحياة مثلا للإنسان، والفرس والطائر، ولابد من وجودها في واحد من هذه الأنواع وإن اختلفت حقائقها، وكذلك الحروف الأصلية هي مادة لما بينا من الأبنية المختلفة موجودة في جميعها نحوك ضرب، يضرب، ضارب، مضروب، فالضاد، والراء، والباء موجودة في جميع هذه الأبنية. نعم، ربما حذف شيء من الأصل لعلة نحو: لم يغز، ولم يرم، ولم يخش، وهي حروف الجزم، وكذلك حذف هذه الحروف في: لم يقم، ولم يبع، ولم يخف، لالتقاء الساكنين.

ص: 44

والثاني: أن الزائد عكسه، كالهمزة، والسين، والتاء في:"استخرج" ألا ترى أن سقوطها في (خرج) ، وكذلك ألف "خارج"، وياء "يخرج" كسقوطهما في "خرج". وهنا تنبيه، وهو أن الزائد قد يكون للمعنى كألف "ضارب" الدالة على اسم الفاعل، والميم في "مكرم" الدالة عليه، والهمزة في "أذهبته" الموجبة للتعدية؛ وقد يكون للإلحاق كواو "كوثر" وياء "صيرف" فإنهما ألحقا الكلمة بـ "جعفر". وكذا:"خروع" ملحق ب" درهم"، وذكر أبو الفتح أنه ليس في اللغة:(فِعول) ألا "بِرْوَع" في اسم ناقة، و"جِدْوَل" لغة في الجدول. وخِروع. وهذا الإلحاق ليس بمقيس، وإنما المقيس الإلحاق باللام

ص: 45

كـ "قُعْدَدِ" و"مَهْدَدِ"، و"جَلْبَبِ". وقد يكون للمد كواو "عجوز" وياء "قضيب"، وألف "كاتب"؛ وقد يكون للعوض كهاء "زنادقة"، وسين "يسطيع"؛ وقد يكون للتكثير كميم "زرقم"؛ وقد يكون للإسكان

ص: 46