الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفائدة السادسة تحريم الزوجة
بسم الله الرحمن الرحيم
ولا حول ولا قوة إلا بالله
الحمد لله، من عبد الرحمن بن حسن إلى الشيخ جمعان بن ناصر منحه الله من العلوم أنفعها ومن الفضائل أرفعها، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(أما بعد) : فقد وصل إلينا كتابك، فاستبان به مرامك وخطابك، فسررنا به غاية السرور، جعله الله -تعالى- من مكاسب الأجور. وقد سألت فيه -أمدك الله بإمداده وسددك بإلهامه وإرشاده- عن مسائل:
(الأولى) : ما قول العلماء فيمن حرم زوجته
…
إلى آخره.
(فالجواب) -وبالله التوفيق ومنه أستمد العون والتحقيق-: تحريم الزوجة ظهار ولو نوى به طلاقا أو يمينا، نص عليه إمامنا رحمه الله في رواية الجماعة، وهو المذهب، ونقل ما يدل على أنه يمين وفاقا للثلاثة. وجزم شيخ الإسلام ابن تيمية في "الاختيارات" و"الفتاوى المصرية" في باب الظهار بالأول، لكن قال ابن القيم في الإعلام: إنه إن وقع التحريم كان ظهارا ولو نوى به الطلاق، وإن حلف به كان يمينا مكفرة، وهذا اختيار شيخ الإسلام، وعليه يدل النص والقياس؛ فإنه إذا أوقعه كان أتى منكرا من القول وزورا، وكان أولى بكفارة الظهار ممن شبه امرأته بالمحرم. وإذا حلف به كان يمينا من الأيمان كما لو التزم الإعتاق والحج، وهذا محض القياس والفقه. انتهى.
قلت: قوله إذا حلف كان يمينا
…
إلى آخره، بناء إلى ما ذهب إليه
من أن المعلق على شرط يقصد بذلك الحض أو المنع أو الالتزام، فإنه يجزئه فيه كفارة يمين إن حنث، وإن أراد الإيقاع عند وجود المعلق عليه طلقت، وصرَّح به الشيخ في باب تعليق الطلاق بالشروط؛ وكذا الحلف بعتق وظهار وتحريم.
إحالة الدين
(الثانية) : إذا أحال إنسان على آخر، ولم يعلم بذلك حتى قضى دينه أو قضاه من أحاله عليه ثانيا
…
إلى آخره.
(فالجواب) : قد برئت ذمة المدين إذا دفعه إلى صاحبه أو إلى من أذن له أن يدفعه إليه لوجوب القضاء بعد الطلب فورا، ولا يلزم المدين غرم ما قضاه من الدين؛ لأن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم، فلا تبعة عليه فيما لم يعلم، وقد أفرد شيخ الإسلام ابن تيمية هذه القاعدة، وقرر أدلتها فعلى هذا يرجع من أحيل أولا بدينه على المحيل كما قبل الحوالة.
إصلاح الرهن
(الثالثة) : إذا رهن إنسان نخله أو زرعه، واحتاج الراهن لما يصلح الرهن، فطلب من المرتهن أن يداينه لذلك أو يطلق الرهن لمن يداينه، فامتنع وعلى الراهن ضرر.
(فالجواب) : أن الصحيح من أقوال العلماء أن القبض والاستدامة شرط للزوم الرهن، قال في الشرح: ولا يلزم الرهن إلا بالقبض، ويكون قبل رهنا جائزا، يجوز للراهن فسخه، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال بعض أصحابنا في غير المكيل والموزون رواية: إنه يلزم بمجرد العقد، ونص عليه الإمام أحمد رحمه الله في رواية الميمون، وهذا مذهب مالك، ووجه الأولى قوله -تعالى-:{فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} 1 فعلى هذا إن تصرف الراهن فيه قبل القبض بهبة أو بيع أو عتق أو جعله صداقا أو رهنه فيه
1 سورة البقرة آية: 283.
قبل القبض ثانيا، بطل الرهن الأول سواء قبض الهبة أو المبيع أو الرهن الثاني أو لم يقبضه، فإن أخرجه المرتهن إلى الراهن باختياره له زال لزومه، وبقي العقد كأن لم يوجد فيه قبض، قال في "الإنصاف": هذا المذهب وعليه الأصحاب، وعنه أن استدامته في العين ليس بشرط، واختاره في الفائق. انتهى ملخصا.
فقد عرفت الأصح من الأقوال الذي عليه أكثر العلماء، فعليه لا ضرر على الراهن لبطلان الرهن بالتصرف إذا لم يكن في قبضة المرتهن. وقد ذكر العلماء –أيضا- أن المرتهن لا يختص في ثمن الرهن إلا إذا كان لازما، وما عدا هذا القول لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، ويترتب على الفتوى به من المفاسد ما لا يتسع لذكره هذا الجواب، وليس مع من أفتى به إلا محض التقليد، وأن العامة تعارفوه فيما بينهم ورأوه لازما فأنت خبير بأن هذا ليس حجة شرعية، وإنما الحجة الشرعية الكتاب والسنة والإجماع -اتفاق مجتهدي العصر على حكم- ولا بد للإجماع من مستند، والدليل القياس الصحيح وكذا الاستصحاب على خلاف فيه. فلا إله إلا الله كم غلب على حكام الشرع في هذه الأزمنة من التساهل في الترجيح، وعدم التعويل على ما اعتمده المحققون من القول الصحيح. وقد ادعى بعضهم أن شيخنا أفتى بلزوم الرهن وإن لم يقبض، فاستبعدت ذلك على شيخنا رحمه الله؛ ولو فرضنا وقوع ذلك، فنحن بحمد الله متمسكون بأصل عظيم، وهو أنه لا يجوز لنا العدول عن قول موافق لظاهر الكتاب والسنة لقول أحد كائنا من كان. وأهل العلم معذورون وهم أهل الاجتهاد كما قال مالك رحمه الله: ما منا إلا راد ومردود عليه
إلا صاحب هذا القبر يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم بعد زعم هذا الزاعم منَّ الله علي بالوقوف على جواب شيخنا رحمه الله فإذا هو جار على الأصح الذي عليه أكثر العلماء، وصورة جوابه أن الراجح الذي عليه كثير من العلماء أو أكثرهم أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض، وقبض كل شيء هو المتعارف، فقبض الدار والعقار هو تسلم المرتهن له، ورفع يد الراهن عنه، هذا هو القبض بالإجماع، ومن زعم أن قوله:"مقبوض" يصيره مقبوضا فقد خرق الإجماع مع كونه زورا مخالفا للحس.
إذا ثبت هذا فنحن إنما أفتينا بلزوم الرهن بضرورة وحاجة، فإذا أراد صاحبها أن يأكل أموال الناس، ويخون أمانته لمسألة مختلف فيها، فالرجوع إلى الفتوى بقول الجمهور في هذه المسألة، فإن رجعنا إلى كتاب الله وسنة رسوله في إيجاب العدل وتحريم الخيانة فهذا هو الأقرب قطعا، وإن رجعنا إلى كلام غالب العلماء فهم لا يلزمون ذلك إلا برفع يد الراهن وكونه في يد المرتهن، انتهى المقصود.
فذكر -رحمه الله تعالى- في هذه الفتيا أن الراجح الذي عليه أكثر العلماء أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض، وأنه إنما أفتى بخلافه لضرورة وحاجة، وأنه رجع إلى قول الجمهور لما قد ترتب على خلافه من الخروج عن العدل ومن الخيانة، وهذا الذي أشار إليه رحمه الله من الخروج عن العدل، وأكل أموال الناس بالباطل والخيانة؛ في الأمانة قد رأيناه عيانا، وسببه الإفتاء بخلاف قول الجمهور في هذه المسألة. وقد قرر رحمه الله في هذه الفتيا أن قول الجمهور أقرب إلى العدل، فلا يجوز أن ينسب إليه رحمه الله غير هذا القول المقرر هنا، والله أعلم.
انتفاء لزوم الرهن
(الرابعة) : إذا استأجر إنسان أرضا للزرع ونحوه، ثم رهنه فقصرت
الثمرة عن الدين والأجرة وعن الجذاذ والجزار والعامل
…
إلى آخره.
(فالجواب) : إذا انتفى لزوم الرهن لعدم القبض أو الاستدامة تحاصوا في الثمرة وغيرها على قدر الذي لهم؛ لأن محل ذلك ذمة المدين، وتقديم أحدهم على ترجيح من غير مرجح. وما اشتهر بين الناس من تقديم العامل في الزرع ونحوه بأجرته، فلم نقف على أصل يوجب المصير إليه، والله أعلم.
جعل قيمة العروض رأس مال المضاربة
(الخامسة) : إذا دفع إنسان إلى آخر عروضا مضاربة، وجعل قيمتها رأس مال المضاربة، هل يجوز هذا أم لا؟.
(الجواب) : يشترط في المضاربة وشركة العنان أن يكون رأس المال من النقدين أو أحدهما، وهو المذهب؛ وعنه رواية أخرى أنها تصح بالعروض، اختارها أبو بكر وأبو الخطاب وصاحب الفائق وغيرهم، قال في "الإنصاف": قلت: وهو الصواب، فعلى هذه الرواية يرجع عند المفارقة بقيمة العروض عند العقد، كما جعلنا نصابها قيمتها، وسواء كانت مثلية أو غير مثلية، والله أعلم.
فسخ المضاربة
(السادسة) : إذا دفع إنسان مالا مضاربة، وعمل فيه المضارب، ثم تلف من المال شيء بخسارة أو نحوها، ثم فسخ المضارب، هل عليه أن يعمل فيه حتى يكمل رأس المال أم لا؟.
(فالجواب) : ذكر في القواعد الفقهية عن ابن عقيل ما حاصله أنه لا يجوز للمضارب الفسخ حتى يتضرر رأس المال، ويعلم به ربه لئلا يتضرر بتعطل ماله عن الربح، وأن المالك لا يملك الفسخ إذا توجه المال إلى الربح ولا يسقط به حق العامل، قال: وهو حسن جار على قواعد المذهب في
اعتبار المقاصد وسد الذرائع؛ ولهذا قلنا: إن المضارب إذا ضارب لآخر من غير الأول وكان عليه في ذلك ضرر رد حقه من الربح في شركة الأول. انتهى.
(أقول) : مراده بقوله: "حتى يتضرر رأس المال" يعني: إذا لم ينقص، أما إذا نقص فليس على المضارب إلا تنضيض ما بقي في يده من رأس المال، لأن المضاربة عقد جائز، ولا ضمان على المضارب فيما تلف من غير تعدٍ منه ولا تفريط، والله أعلم.
إكراء الأرض والزرع
(السابعة) : هل يلزم صاحب الأرض إذا أكرى أرضه أو شجره عند من يُجوِّز ذلك ما يلزمه في عقد المساقاة من سد حائط أو إجراء نهر أو لا؟ فلم أقف في هذه المسألة للعلماء رحمهم الله على نص، والله أعلم.
غنيمة المسلم مال المسلم من كافر
(الثامنة) : ما حكم مال المسلم إذا أخذه الكفار الأصليون، ثم اشتراه بعض التجار ممن أخذه، ثم باعه على آخر
…
إلخ.
(فالجواب) : أما حكم مال المسلم إذا أخذه الكفار الأصليون فذكر القاضي أبو يعلى رحمه الله: أنهم يملكونه بالقهر، وهو المذهب عنده، وقال أبو الخطاب: ظاهر كلام أحمد أنهم لا يملكونها يعني: ولو حازوها إلى دارهم، قال في "الإنصاف": وهو رواية عن أحمد اختارها الآجري وأبو الخطاب في تعليقه وابن شهاب وأبو محمد الجوزي، وجزم به ابن عبدوس في تذكرته، قال في "النظم": لا يملكونه في الأظهر، وذكر ابن عقيل في فنونه ومفرداته روايتين، وصحَّح فيها عدم الملك وصحَّحه في نهايته ابن رزين ونظمها. انتهى.
قال في الشرح: وهو قول الشافعي وابن المنذر؛ لحديث ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنه مال معصوم طرأت عليه يد عادية فلم تملك بها
كالغصب، ولأن من لا تملك فيه غيره لا يملك ماله به أي: بالقهر كالمسلم مع المسلم، ووجه الأولى أن القهر سبب تملك به المسلم مال الكافر فملك به الكافر مال المسلم كالبيع، فعلى هذا يملكونها قبل حيازتها إلى دارهم، وهو قول مالك.
وذكر القاضي أنهم يملكونها بالحيازة إلى دارهم، وهو قول أبي حنيفة. وحكي عن أحمد في ذلك روايتان، قال ابن رجب: ونص أحمد أنهم لا يملكونها إلا بالحيازة إلى دارهم. فعليها يمتنع ملكهم لغير المنقول كالعقار ونحوه، لأن دار الإسلام ليست لهم دارا، وإن دخلوها. لكن ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن أحمد رحمه الله لم ينص على الملك ولا على عدمه، وإنما نص على أحكام أخذ منها ذلك، قال: والصواب أنهم يملكونها ملكا مقيدا لا يساوي امتلاك المسلمين من كل وجه. انتهى.
قلت: قد صرح في كتاب "الصارم" و"الفتاوى المصرية" وغيرها أن القيد المشار إليه هو إسلام آخذها، ونصه: "ولو أسلم الحربي وبيده مال مسلم قد أخذه من المسلمين بطريق الاغتنام ونحوه، كان له ملكا ولم يرده إلى الذي كان يملكه عند جماهير العلماء من التابعين ومن بعدهم؛ وهو معنى ما جاء عن الخلفاء الراشدين، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك ومنصوص أحمد، وقول جماهير أصحابنا على أن الإسلام والعهد قرر ما بيده من المال الذي كان يعتقده ملكا له فلم يؤخذ منه كجميع ما بيده من العقود الفاسدة التي كان يستحلها.
قال في "الاختيارات: قال أبو العباس: وهذا يرجع إلى أن كل ما قبضه الكفار من الأموال قبضا يعتقدون جوازه فإنه يستقر لهم بالإسلام، قال: ومن العلماء من قال يرده على مالكه المسلم كالغصب؛ ولأنه لو أخذه
منهم المسلم أخذا لا يملك به مسلم من مسلم بأن يغنمه أو يصرفه، فإنه يرده إلى مالكه المسلم؛ لحديث ناقة النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهو مما اتفق الناس عليه مما نعلمه ولو كانوا قد ملكوه لملكه الغانم منهم، ولم يرده إلى مالكه. انتهى. واختار أن الكافر يملكه بالإسلام عليه.
أقول: تأمل ما ذكره شيخ الإسلام من حجة الشافعي وموافقيه على أن الكفار لا يملكون أموال المسلمين، فلو كان الكافر يملك مال المسلم بالاستيلاء أو الحيازة إلى داره لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم على ابن عمر عبده وفرسه التي كان قد أخذها العدو لما ظهر عليهم المسلمون، فلو لم يكن باقيا على ملك ابن عمر لم يرد إليه، وليس لتخصيصه بذلك دون سائر المسلمين معنى غير ذلك، وعمل بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده. والأحاديث بذلك مشهورة في كتب الأحكام وغيرها.
قال البخاري رحمه الله في صحيحه: (باب إذا غنم المسلمون مال المسلم ثم وجده المسلم) قال ابن نمير: أنبأنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه ذهب فرس له، فأخذه العدو، فظهر عليه المسلمون فردَّه عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبق له عبد فلحق بالروم، فظهر عليه المسلمون فرده عليه خالد بن الوليد بعد النبي صلى الله عليه وسلم. اه. ثم ساقه متصلا.
وما استدل به القائلون بأنهم يملكونها بالقهر من أن القهر سبب يملك به المسلم مال الكافر، فملك به الكافر مال المسلم، فهذا قياس مع الفارق لا يصح دليلا لو لم يكن في مقابلة الأحاديث فكيف يمنعه؟ ولو لم يكن مع الشافعي وأبي الخطاب وابن عقيل فيما صحَّحه من الروايتين، ومن وافقهم كابن المنذر إلا حديث مسلم: "أن قوما أغاروا على سرح النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذوا ناقته
وجارية من الأنصار، فأقامت عندهم أياما، ثم خرجت في بعض الليل، قالت: فما وضعت يدي على ناقة إلا رغت حتى وضعتها على ناقة ذلول فامتطيتها، ثم توجهت إلى المدينة، ونذرت إن نجاني الله عليها أن أنحرها، فلما قدمت المدينة استعرفت الناقة، فإذا هي ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذها، وقلت: يا رسول الله إني نذرت أن أنحرها. قال: بئسما جزيتها لا نذر في معصية الله." وفي رواية: "لا نذر فيما لا يملك ابن آدم" 1.
هذا هو الحديث المشار إليه فيما تقدم، وقد عرفت من كلام شيخ الإسلام المتقدم أن من العلماء من قال يرده على مالكه المسلم ولو أسلم عليه، وعزاه للشافعي وأبي الخطاب، وذكر ما يدل لهذا القول، وأنا أذكر ما يدل لهذا القول أيضا، وإن لم يذكره شيخ الإسلام وهو ما رواه2 في صحيحه عن وائل بن حجر قال:"كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه رجلان يختصمان في أرض، فقال أحدهما: إن هذا انتزى على أرضي يا رسول الله في الجاهلية، وهو امرؤ القيس بن عابس الكندي وخصمه ربيعة بن عبدان، قال: بينتك؟. قال: ليس لي بينة، قال: يمينه. قال: إذن يذهب بها. قال: ليس لك إلا ذلك" 3
…
الحديث.
وأما حكم ما أخذه المسلمون منهم مما قد أخذوه من مال المسلم، فالجمهور من العلماء يقولون: إذا علم صاحبها قبل قسمها ردت إليه بغير شيء. قال الشارح في قول عامة أهل العلم، منهم عمر وسلمان بن ربيعة وعطاء والنخعي والليث والثوري ومالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وحجتهم ما تقدم من قصة ابن عمر، قال في "الشرح": وكذلك إن علم الإمام بمال مسلم قبل قسمه وجب ردُّه، وصاحبه أحق به بغير شيء، لأن قسمته صارت باطلة من
1 النسائي: الأيمان والنذور (3812)، وأبو داود: الأيمان والنذور (3316)، وابن ماجه: الكفارات (2124) ، وأحمد (4/429،4/430،4/432)، والدارمي: النذور والأيمان (2337) .
2 بياض في الأصل.
3 مسلم: الإيمان (139)، والترمذي: الأحكام (1340)، وأبو داود: الأيمان والنذور (3245) والأقضية (3623) ، وأحمد (4/317) .
أصلها، فهو كما لو لم يُقَسَّم، فإن أدركه بعد القسم ففيه روايتان، إحداهما: يكون صاحبه أحق به من الثمن الذي حسب به على آخذه؛ وكذلك إن بيع، ثم قسم ثمنه فهو أحق به من الثمن، وهذا قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي ومالك كي لا يُفضي إلى حرمان أخذه من الغنيمة، أو تضييع الثمن على المشتري، يعني: من الغنيمة وحقهما يُخيَّر بالثمن، فيرجع صاحب المال في عين ماله بمنزلة مشتري الشقص لمشفوع.
والرواية الثانية: أنه لا حق له فيه بعد القسمة بحال، نص عليه أحمد في رواية أبي داود وغيره، وهو قول عمر وسلمان وربيعة وعطاء والنخعي والليث. وقال الشافعي وابن المنذر: يأخذه صاحبه قبل القسمة وبعدها، ويعطى مشتريه ثمنه من خمس المصالح، لأنه لم يزل عن ملك صاحبه، فوجب أن يستحق بغير شيء كما قبل القسمة، ويعطى من حسبت عليه القيمة لئلا يفضي إلى حرمان أخذه حقه من الغنيمة، وجعل من سهم المصالح؛ لأن هذا منها، فإن أخذه أحد الرعية بهبة أو سرقة أو بغير شيء فصاحبه أحق به من غير شيء. وقال أبو حنيفة: لا يأخذه إلا بالقيمة، وهو محجوج بحديث ناقة النبي صلى الله عليه وسلم المتقدم؛ ولأنه لم يحصل في يده بعوض، فصار صاحبه أحق به من غير شيء كما لو أدركه في الغنيمة قبل القسمة، فأما إن اشتراه رجل من العدو فليس لصاحبه أخذه إلا بثمنه.
وهذا كله إنما هو في الكافر الأصلي، أما المرتد فلا يملك مال المسلم بحال عند جميع العلماء، ولا يُعْلَم أحد قال به، وقد تتبعت كتب الخلاف كالمغني والقواعد والإنصاف وغيرها، فما رأيت خلافا في أنه لا يملكه، وإنما الخلاف فيما أتلفه إذا كان في طائفة ممتنعة أو لحق بدار الحرب
والمذهب أنه يضمن ما تلف في يده مطلقا، فافهم ذلك. المرتد لا يملك مال المسلم مطلقا، فافهم ذلك.
فالمسلم يأخذ ماله من المرتد أو من انتقل إليه بعوض أو غيره بغير شيء، وما تلف في يد المرتهن من مال المسلم أو تلف عند من انتقل إليه من جهة المرتد فهو مضمون كالمغصوب.
ثم اعلم أنه قد يغلط من لا تمييز عنده في معنى التلف والإتلاف، فيظن أنه إذا استنفق المال أو باعه أو وهبه أو نحو ذلك يعد إتلافا، وليس كذلك؛ بل هذا تصرف وانتفاع. وقد فرَّق العلماء بين هذا وبين الإتلاف، ومن صور الإتلاف والتلف أن يضيعه أو يضيع أو يسرق أو يحرق أو يقتل1 ونحو ذلك، فإن كان بفعله فهو إتلاف؛ وإن كان بغير فعله فهو بالنسبةإليه تلف يترتب عليه أحكام ما تلف بيده، وبالنسبة إلى الفاعل إتلاف؛ وضابطه فوات الشيء على وجه لا يعد من أنواع التصرفات.
إذا عرفت أن حكم المرتد يفارق حكم الكافر الأصلي، فاعلم أنه قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيمن اشترى مال مسلم من التتر لما دخلوا الشام، إن لم يعرف صاحبه صُرِفَ في المصالح وأعطي مشتريه ما اشتراه به، لأنه لم يصر لها إلا بنفقة، وإن لم يقصد ذلك. انتهى من الإنصاف.
اجتهادات العلماء في المنهوب
وسئل –أيضا- عمن اشترى فرسا، ثم ولدت عنده حصانا، وأخذ السلطان الفرس، وأهدى الحصان لرجل فأعطاه عوضه، ثم ظهرت الفرس أنها كانت مكسوبة نهبا من قوم، فهل يحرم ثمن الحصان؟
(فأجاب) : إن كان صاحب الفرس معروفا رُدَّت إليه فرسه، ورجع المشتري بالثمن على بائعه، ويرجع عليه بقيمة الحصان، أو قيمة نصفه الذي يستحقه صاحبه لكونه
1 يعني المملوك الحي من إنسان وحيوان.
غره، وإن كانت مكسوبة من التتر والعرب الذي يغير بعضهم على بعض، فيأخذ هؤلاء من هؤلاء، وهؤلاء من هؤلاء، ولم يعرف صاحبها؛ لم يحرم على مهدي الحصان عوض هديته. والله أعلم.
وقد صرَّح شيخ الإسلام رحمه الله بأن هذا المنهوب يرد إلى صاحبه، أو قيمته إن تصرف فيه، ويرجع المشتري بالثمن على البائع، وإنه إن لم يعرف صاحبه ما أخذه من التتر والعرب لم يحرم عليه عوضه، فمفهومه أنه إذا عرف صاحبه، فعوضه حرام على من اعتاض عنه لكونه ظهر مستحقا لمسلم معصوم. وهذا –أيضا- يفيد ما تقدم من قوله: فمن اشترى مال مسلم من التتر إن لم يعرف صاحبه صُرِفَ في المصالح
…
إلخ. وهو صريح في أن التتر لا يملكون مال المسلم بالاستيلاء والحيازة. ومن العلوم أن التتر من أعظم الناس كفرا لما جمعوه من المكفرات في الاعتقادات والأعمال، ومع ذلك قال شيخ الإسلام: يرد ما أخذوه لصاحبه المسلم من غير أن يدفع إلى مشتريه منهم شيئا، كما يفيده الجواب الثاني. ولم يقل فيه أنه لا يحرم على من اعتاض عن الحصان شيئا إلا بقيد عدم معرفة صاحبه بناء على أصله في الأموال التي جهلت أربابها؛ ولذلك قال في المكوس: إذا أقطعها الإمام الجند هي حلال لهم إذا جهل مستحقها.
وبهذا يظهر الجواب عن المسألة التاسعة، وهو أن ما دفع في هذه السنين من النهب والظلم يرد ما وجد منه إلى مالكه، من غير أخذ ثمن ولا قيمة، وحكم يد المشتري منهم حكم الأيدي المترتبة على يد الغاصب؛ لما تقرر من أن الخلاف إنما جرى في حق الكافر الأصلي، وأما المرتد ونحوه فالقول بأنه لا يملك مال المسلم مسألة وفاق.
قال شيخ الإسلام رحمه الله في الفتاوى المصرية ما يفهم الفرق بين الكافر الحربي والمرتد، فقال: وإذا قدر على كافر حربي فنطق بالشهادتين وجب الكف عنه، بخلاف الخارجين عن الشريعة كالمرتدين الذين قاتلهم أبو بكر رضي الله عنه والتتر وأمثال هذه الطوائف ممن نطق بالشهادة ولا يلتزم شرائع الإسلام، وأما الحربي فإذا نطق بها كفَّ عنه. وقال –أيضا-: ويجب جهاد الكفار، واستنقاذ ما بأيديهم من بلاد المسلمين وأموالهم بإنفاق المسلمين، ويجب على المسلمين أن يكونوا يدا واحدة على الكفار، وأن يجتمعوا ويقاتلوا على طاعة الله ورسوله والجهاد في سبيله. انتهى.
فيعلم مما تقرر أن الأموال المنهوبة في هذه السنين غصوب يجري فيها حد الغصب، وما يترتب عليه، وبهذا أفتى شيخنا الشيخ عبد الله بن شيخنا الإمام -رحمهما الله تعالى-، وأفتى به الشيخ محمد بن علي قاضي صنعاء، وما علمت أن أحدا له أدنى ممارسة يخالف ذلك، والله أعلم.
ذبح السارق المسلم أو الكتابي المسروق مع التسمية
(العاشرة) : قال السائل وجدت نقلا عن الإقناع وشرحه إذا ذبح السارق المسلم أو الكتابي المسروق مسميا حل لربه ونحوه أكله، ولم يكن ميتة كالمغصوب. انتهى. قال السائل: وهل هذا إلا مغصوب ويعارضه حديث عاصم بن كليب عن أبيه
…
إلخ.
(الجواب) : لا معارضة إذ ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الأكل منها لا يدل على أنها ميتة من وجوه، منها: أنها ليست ملكا لهم ولا لمن ذبحها، فهي وإن حرمت عليهم لا تحرم على مالكها، ولا من أذن له مالكها في الأكل منها. ويحتمل أنه ترك الأكل منها تنزُّها، ويدل على حلها بهذه الزكاة قوله: أطعمتها الأسارى) وهو لا يطعهم ميتة، وقوله:"كالمغصوب"
راجع لقوله حلالا لا لقوله ميتة شبهه بذبح الحيوان المغصوب في الحل لا في الحرمة، والله أعلم. قاص أو جازفه في الدين
(الحادية عشرة) : إذا كان لإنسان على آخر دين من طعام ونحوه، فأشفق في الوفاء، فطلب غريمه أن يعطيه الثمرة عماله في ذمته، فهل يجوز ذلك أم لا.
(فالجواب) - وبالله التوفيق-: قال البخاري رحمه الله في صحيحهباب إذا قاص أو جازفه في الدين، فهو جائز -زاد في رواية كريمة- تمرا بتمر وغيره) وساق حديث جابر أن أباه توفي، وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود، فاستنظره جابر فأبى أن ينظره، وكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشفع له إليه فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلم اليهودي ليأخذ ثمر نخله بالذي له فأبى، الحديث. وبه استدل ابن عبد البر وغيره من العلماء على جواز أخذ الثمر على الشجر عما في ذمته، إذا علم أنه دون حقه إرفاقا بالمدين، وإحسانا إليه وسماحة بأخذ الحق ناقصا.
وترجم البخاري رحمه الله بهذا الشرط فقال: إذا قضى دون حقه أو حلَّله فهو جائز) ، وساق حديث جابر -أيضا-، فأما إذا كان يحتمل أنه دون حقه أو مثله أو فوقه، فهذا غير جائز أن يأخذ عما في الذمة شيئا مجازفة أو خرصا، لا سيما إذا كان دين سَلَمٍ لما في البخاري وغيره عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ومضمون" 1 هذا الحديث عام، وبه أخذ الجمهور، وقد يقال: إن قضية جابر قضية عين لا عموم لها، ويترجَّح المنع بهذا سدا للذريعة، لا سيما في هذه الأوقات لكثرة الجهل والجراءة بأدنى شبهة، والله أعلم.
الباطل والفاسد عند الأصوليين
(الثانية عشرة) : ما حكم الباطل والفاسد عند الأصوليين
1 البخاري: السلم (2239)، ومسلم: المساقاة (1604)، والترمذي: البيوع (1311)، والنسائي: البيوع (4616)، وأبو داود: البيوع (3463)، وابن ماجه: التجارات (2280) ، وأحمد (1/217،1/222) .
(الجواب) : هما مترادفان عند الأصوليين والفقهاء من الحنابلة والشافعية، وقال أبو حنيفة: إنهما متباينان، فالباطل عنده ما لم يشرع بالكلية كبيع المضامين والملاقيح، والفاسد ما شرع أصله، ولكن امتنع لاشتماله على وصف محرم كالربا. وعند الجمهور كل ما كان منهيا عنه إما لعينه أو وصفه ففاسد وباطل؛ لكن ذهب بعض الفقهاء من الحنابلة إلى التفرقة بين ما أجمع على بطلانه وما لم يجمع على بطلانه، فعبروا عن الأول بالباطل، وعن الثاني بالفاسد، لتمييز هذا من هذا، لكون الثاني يترتب عليه أحكام الصحيح غالبا، أو أنهم قصدوا الخروج من الخلاف في نفس التعبير، لأن من عادة الفقهاء أهل المذهب مراعاة الخروج من الخلاف. وبعضهم يعبر بالباطل عن المختلف فيه مراعيا للأصل، ولعل من فرَّق بينهما في التعبير لا يمنع من تسمية المختلف فيه باطلا، فلا اختلاف. ومثل ذلك خلافهم في الفرض، والواجب، قال في القواعد الأصولية: "نهما مترادفان شرعا في أصح الروايتين عن أحمد، اختارها جماعة منهم ابن عقيل، وقاله الشافعية. وعن أحمد الفرض آكد اختارها جماعة، وقاله الحنفية. فعلى هذه الرواية الفرض: ما ثبت بدليل مقطوع به، وذكره ابن عقيل عن أحمد، وقيل: ما لا يسقط في عمد ولا سهو. وحكى ابن عقيل عن أحمد رواية: أن الفرض ما لزم بالقرآن، والواجب ما كان بالسنة، وفائدة الخلاف أنه يثاب على أحدهما أكثر، وأن طريق أحدهما مقطوع به، والآخر مظنون، ذكره القاضي، وذكرهما ابن عقيل على الأول، قال غير واحد: والنزاع لفظي. وعلى هذا الخلاف ذكر الأصحاب مسائل فرَّقوا فيها بين الفرض والواجب، والله أعلم وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا.