المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة الفجر (89) : الآيات 1 الى 30] - البحر المحيط في التفسير - ط الفكر - جـ ١٠

[أبو حيان الأندلسي]

فهرس الكتاب

- ‌سورة النجم

- ‌[سورة النجم (53) : الآيات 1 الى 62]

- ‌سورة القمر

- ‌[سورة القمر (54) : الآيات 1 الى 55]

- ‌سورة الرّحمن

- ‌[سورة الرحمن (55) : الآيات 1 الى 78]

- ‌سورة الواقعة

- ‌[سورة الواقعة (56) : الآيات 1 الى 40]

- ‌[سورة الواقعة (56) : الآيات 41 الى 96]

- ‌سورة الحديد

- ‌[سورة الحديد (57) : الآيات 1 الى 29]

- ‌سورة المجادلة

- ‌[سورة المجادلة (58) : الآيات 1 الى 22]

- ‌سورة الحشر

- ‌[سورة الحشر (59) : الآيات 1 الى 24]

- ‌سورة الممتحنة

- ‌[سورة الممتحنة (60) : الآيات 1 الى 13]

- ‌سورة الصّفّ

- ‌[سورة الصف (61) : الآيات 1 الى 14]

- ‌سورة الجمعة

- ‌[سورة الجمعة (62) : الآيات 1 الى 11]

- ‌سورة المنافقون

- ‌[سورة المنافقون (63) : الآيات 1 الى 11]

- ‌سورة التغابن

- ‌[سورة التغابن (64) : الآيات 1 الى 18]

- ‌سورة الطّلاق

- ‌[سورة الطلاق (65) : الآيات 1 الى 12]

- ‌سورة التّحريم

- ‌[سورة التحريم (66) : الآيات 1 الى 12]

- ‌سورة الملك

- ‌[سورة الملك (67) : الآيات 1 الى 30]

- ‌سورة القلم

- ‌[سورة القلم (68) : الآيات 1 الى 52]

- ‌سورة الحاقّة

- ‌[سورة الحاقة (69) : الآيات 1 الى 52]

- ‌سورة المعارج

- ‌[سورة المعارج (70) : الآيات 1 الى 44]

- ‌سورة نوح

- ‌[سورة نوح (71) : الآيات 1 الى 28]

- ‌سورة الجن

- ‌[سورة الجن (72) : الآيات 1 الى 28]

- ‌سورة المزّمّل

- ‌[سورة المزمل (73) : الآيات 1 الى 20]

- ‌سورة المدّثر

- ‌[سورة المدثر (74) : الآيات 1 الى 56]

- ‌سورة القيمة

- ‌[سورة القيامة (75) : الآيات 1 الى 40]

- ‌سورة الإنسان

- ‌[سورة الإنسان (76) : الآيات 1 الى 31]

- ‌سورة المرسلات

- ‌[سورة المرسلات (77) : الآيات 1 الى 50]

- ‌سورة النّبإ

- ‌[سورة النبإ (78) : الآيات 1 الى 40]

- ‌سورة النّازعات

- ‌[سورة النازعات (79) : الآيات 1 الى 46]

- ‌سورة عبس

- ‌[سورة عبس (80) : الآيات 1 الى 42]

- ‌سورة التّكوير

- ‌[سورة التكوير (81) : الآيات 1 الى 29]

- ‌سورة الانفطار

- ‌[سورة الانفطار (82) : الآيات 1 الى 19]

- ‌سورة المطفّفين

- ‌[سورة المطففين (83) : الآيات 1 الى 36]

- ‌سورة الانشقاق

- ‌[سورة الانشقاق (84) : الآيات 1 الى 25]

- ‌سورة البروج

- ‌[سورة البروج (85) : الآيات 1 الى 22]

- ‌سورة الطّارق

- ‌[سورة الطارق (86) : الآيات 1 الى 17]

- ‌سورة الأعلى

- ‌[سورة الأعلى (87) : الآيات 1 الى 19]

- ‌سورة الغاشية

- ‌[سورة الغاشية (88) : الآيات 1 الى 26]

- ‌سورة الفجر

- ‌[سورة الفجر (89) : الآيات 1 الى 30]

- ‌سورة البلد

- ‌[سورة البلد (90) : الآيات 1 الى 20]

- ‌سورة الشمس

- ‌[سورة الشمس (91) : الآيات 1 الى 15]

- ‌سورة الليل

- ‌[سورة الليل (92) : الآيات 1 الى 21]

- ‌سورة الضّحى

- ‌[سورة الضحى (93) : الآيات 1 الى 11]

- ‌سورة الشرح

- ‌[سورة الشرح (94) : الآيات 1 الى 8]

- ‌سورة التّين

- ‌[سورة التين (95) : الآيات 1 الى 8]

- ‌سورة العلق

- ‌[سورة العلق (96) : الآيات 1 الى 19]

- ‌سورة القدر

- ‌[سورة القدر (97) : الآيات 1 الى 5]

- ‌سورة البيّنة

- ‌[سورة البينة (98) : الآيات 1 الى 8]

- ‌سورة الزّلزلة

- ‌[سورة الزلزلة (99) : الآيات 1 الى 8]

- ‌سورة العاديات

- ‌[سورة العاديات (100) : الآيات 1 الى 11]

- ‌سورة القارعة

- ‌[سورة القارعة (101) : الآيات 1 الى 11]

- ‌سورة التّكاثر

- ‌[سورة التكاثر (102) : الآيات 1 الى 8]

- ‌سورة العصر

- ‌[سورة العصر (103) : الآيات 1 الى 3]

- ‌سورة الهمزة

- ‌[سورة الهمزة (104) : الآيات 1 الى 9]

- ‌سورة الفيل

- ‌[سورة الفيل (105) : الآيات 1 الى 5]

- ‌سورة قريش

- ‌[سورة قريش (106) : الآيات 1 الى 4]

- ‌سورة الماعون

- ‌[سورة الماعون (107) : الآيات 1 الى 7]

- ‌سورة الكوثر

- ‌[سورة الكوثر (108) : الآيات 1 الى 3]

- ‌سورة الكافرون

- ‌[سورة الكافرون (109) : الآيات 1 الى 6]

- ‌سورة النّصر

- ‌[سورة النصر (110) : الآيات 1 الى 3]

- ‌سورة المسد

- ‌[سورة المسد (111) : الآيات 1 الى 5]

- ‌سورة الإخلاص

- ‌[سورة الإخلاص (112) : الآيات 1 الى 4]

- ‌سورة الفلق

- ‌[سورة الفلق (113) : الآيات 1 الى 5]

- ‌سورة النّاس

- ‌[سورة الناس (114) : الآيات 1 الى 6]

الفصل: ‌[سورة الفجر (89) : الآيات 1 الى 30]

‌سورة الفجر

[سورة الفجر (89) : الآيات 1 الى 30]

بسم الله الرحمن الرحيم

وَالْفَجْرِ (1) وَلَيالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (4)

هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (6) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (9)

وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (14)

فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (16) كَلَاّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (19)

وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (20) كَلَاّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (24)

فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (25) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (26) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (29)

وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)

الْحِجْرُ: الْعَقْلُ، قَالَ الْفَرَّاءُ: الْعَرَبُ تَقُولُ: إِنَّهُ لَذُو حِجْرٍ إِذَا كَانَ قَاهِرًا لِنَفْسِهِ حَافِظًا

ص: 467

لَهَا، كَأَنَّهُ مَنْ حَجَرْتُ عَلَى الرَّجُلِ، إِرَمُ: أُمَّةٌ قَدِيمَةٌ، وَقِيلَ: اسْمُ أَبِي عَادٍ كُلِّهَا، وَهُوَ عَادُ بْنُ عَوْصِ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامَ بْنِ نُوحٍ عليه السلام. وَقِيلَ: مَدِينَةٌ، وَعَلَى أَنَّهُ اسْمُ قَبِيلَةٍ. قَالَ زُهَيْرٌ:

وَآخَرِينَ تَرَى الْمَاذِيَّ عُدَّتَهُمْ

مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ أَوْ مَا أَوْرَثَتْ إِرَمُ

وَقَالَ الرُّقَيَّاتُ:

مَجْدًا تَلِيدًا بَنَاهُ أَوَّلُهُ

أَدْرَكَ عادا وقبله إرم

جَابَ: خَرَقَ وَقَطَعَ، تَقُولُ جُبْتُ الْبِلَادَ أَجُوبُهَا، إِذَا قَطَعْتَهَا وَجَاوَزْتَهَا، قَالَ:

وَلَا رَأَيْتُ قَلُوصًا قَبْلَهَا حَمَلَتْ

سِتِّينَ وَسْقًا وَلَا جَابَتْ بِهَا بَلَدَا

السَّوْطُ: آلَةٌ لِلضَّرْبِ مَعْرُوفَةٌ. قَالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ سَاطَ يَسُوطُ إِذَا اخْتَلَطَ. وَقَالَ اللَّيْثُ: سَاطَهُ إِذَا خَلَطَهُ بِالسَّوْطِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

أَحَارِثُ أَنَّا لَوْ تُسَاطُ دِمَاؤُنَا

تَزَايَلْنَ حَتَّى لَا يَمَسَّ دَمٌ دَمَا

وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: يُقَالُ أَمْوَالُهُمْ سَوِيطَةٌ بَيْنَهُمْ: أَيْ مختلطة اللحم الْجَمْعُ وَاللَّفُّ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: لَمَمْتُ مَا عَلَى الْخِوَانِ، إِذَا أَكَلْتَ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ بِأَسْرِهِ. وَقَالَ الْحُطَيْئَةُ:

إِذَا كَانَ لَمًّا يُتْبِعُ الذَّمَّ رَبَّهُ

فَلَا قَدَّسَ الرَّحْمَنُ تِلْكَ الطَّوَاحِنَا

وَمِنْهُ: لَمَمْتُ الشَّعَثَ، قَالَ النَّابِغَةُ:

وَلَسْتَ بِمُسْتَبِقٍ أَخًا لَا تَلُمُّهُ

عَلَى شَعَثٍ أَيُّ الرِّجَالِ الْمُهَذَّبُ

الْجَمُّ: الْكَبِيرُ.

وَالْفَجْرِ، وَلَيالٍ عَشْرٍ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ، هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ، أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ، إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ، وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ، وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ، الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ، إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ، فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ، كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ، وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ، وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا، وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا، كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا، وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا

ص: 468

صَفًّا، وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى، يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي، فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ، وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ، يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي.

هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ: مَدَنِيَّةٌ.

وَلَمَّا ذَكَرَ فِيمَا قَبْلَهَا وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ «1» ، ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ «2» ، أَتْبَعَهَا بِذِكْرِ الطَّوَائِفِ الْمُتَكَبِّرِينَ الْمُكَذِّبِينَ الْمُتَجَبِّرِينَ الَّذِينَ وُجُوهُهُمْ خَاشِعَةٌ، وَأَشَارَ إِلَى الصِّنْفِ الْآخَرِ الَّذِينَ وجوههم ناعمة بقوله: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ. وَأَيْضًا لَمَّا قَالَ: إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ «3» ، قَالَ هُنَا: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ، تَهْدِيدًا لِمَنْ كَفَرَ وَتَوَلَّى. وَقَرَأَ أَبُو الدِّينَارِ الْأَعْرَابِيُّ: وَالْفَجْرٍ، وَالْوَتْرٍ، وَيَسْرٍ بِالتَّنْوِينِ فِي الثَّلَاثَةِ. قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: هَذَا كَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ إِنَّهُ وَقَفَ عَلَى آخِرِ الْقَوَافِي بِالتَّنْوِينِ، وَإِنْ كَانَ فِعْلًا، وَإِنْ كَانَ فِيهِ أَلِفٌ وَلَامٌ.

قَالَ الشَّاعِرُ:

أَقَلِّي اللَّوْمَ عَاذِلَ وَالْعِتَابًا

وَقَوْلِي إِنْ أَصَبْتِ لَقَدْ أَصَابًا

انْتَهَى. وَهَذَا ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ فِي الْقَوَافِي الْمُطْلَقَةِ إِذَا لَمْ يَتَرَنَّمِ الشَّاعِرُ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ لِلْعَرَبِ إِذَا وَقَفُوا عَلَى الْكَلِمِ فِي الْكَلَامِ لَا فِي الشِّعْرِ، وَهَذَا الْأَعْرَابِيُّ أَجْرَى الْفَوَاصِلَ مُجْرَى الْقَوَافِي. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: وَلَيالٍ عَشْرٍ بِالتَّنْوِينِ وَابْنُ عَبَّاسٍ: بِالْإِضَافَةِ، فَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ. وَلَيالٍ عَشْرٍ بِلَامٍ دُونَ يَاءٍ، وَبَعْضُهُمْ وَلَيَالِي عَشْرٍ بِالْيَاءِ، وَيُرِيدُ: وَلَيَالِي أَيَّامٍ عَشْرٍ. وَلَمَّا حُذِفَ الْمَوْصُوفُ الْمَعْدُودُ، وَهُوَ مُذَكَّرٌ، جَاءَ فِي عَدَدِهِ حَذْفُ التَّاءِ مِنْ عَشْرٍ.

وَالْجُمْهُورُ: وَالْوَتْرِ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ التَّاءِ، وَهِيَ لُغَةُ قُرَيْشٍ. وَالْأَغَرُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبُو رَجَاءٍ وَابْنُ وَثَّابٍ وَقَتَادَةُ وَطَلْحَةُ وَالْأَعْمَشُ وَالْحَسَنُ: بِخِلَافٍ عَنْهُ وَالْأَخَوَانِ: بِكَسْرِ الْوَاوِ، وَهِيَ لُغَةُ تَمِيمٍ، وَاللُّغَتَانِ فِي الْفَرْدِ، فَأَمَّا فِي الرَّحْلِ فَالْكَسْرُ لَا غَيْرَ. وَحَكَى الْأَصْمَعِيُّ: فِيهِ اللغتين وَيُونُسُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو: بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ التَّاءِ. وَالْجُمْهُورُ:

يَسْرِ بِحَذْفِ الْيَاءِ وَصْلًا وَوَقْفًا وَابْنُ كَثِيرٍ: بِإِثْبَاتِهَا فِيهِمَا وَنَافِعٌ وَابْنُ عَمْرٍو: بِخِلَافٍ عَنْهُ بِيَاءٍ فِي الْوَصْلِ وَبِحَذْفِهَا فِي الْوَقْفِ وَالظَّاهِرُ

وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ، مِنْهُمْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ الْفَجْرَ هُوَ الْمَشْهُورُ، أَقْسَمَ بِهِ كَمَا أَقْسَمَ بِالصُّبْحِ

، وَيُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ، لَا فَجْرَ يَوْمٍ مَخْصُوصٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ مِنْ يَوْمِ النحر وعكرمة: من يوم الجمعة

(1) سورة الغاشية: 88/ 2.

(2)

سورة الغاشية: 88/ 8. [.....]

(3)

سورة الغاشية: 88/ 23.

ص: 469

وَالضَّحَّاكُ: مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَمُقَاتِلٌ: مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنَ الْمُحَرَّمِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: الْفَجْرُ: النَّهَارُ كُلُّهُ وَعَنْهُ أَيْضًا وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: الْفَجْرُ هُوَ صَلَاةُ الصُّبْحِ، وَقُرْآنُهَا هُوَ قُرْآنُ الْفَجْرِ. وَقِيلَ: فَجْرُ الْعُيُونِ مِنَ الصُّخُورِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ ابن الزبير والكلبي وقتادة ومجاهد وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: هِيَ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ: الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الْأَوَّلُ مِنْهُ وَيَمَانٌ وَجَمَاعَةٌ: الْأَوَّلُ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَمِنْهُ يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَمَسْرُوقٌ وَمُجَاهِدٌ: وَعَشْرُ مُوسَى عليه السلام الَّتِي أَتَمَّهَا اللَّهُ تَعَالَى. قِيلَ: وَالْأَظْهَرُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِلْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ.

قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ وَأَحْيَا لَيْلَهُ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ.

قَالَ التَّبْرِيزِيُّ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ، يَعْنِي مِنْ رَمَضَانَ، لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ أَحَدٌ، فَتَعْظِيمُهُ مُنَاسِبٌ لِتَعْظِيمِ الْقَسَمِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَأَرَادَ بِاللَّيَالِي الْعَشْرِ عَشْرَ ذِي الْحِجَّةِ. فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا بَالُهَا مُنَكَّرَةً مِنْ بَيْنِ مَا أَقْسَمَ بِهِ؟ قُلْتُ: لِأَنَّهَا لَيَالٍ مَخْصُوصَةٌ مِنْ بَيْنِ جِنْسِ اللَّيَالِي الْعَشْرُ، بَعْضٌ مِنْهَا أَوْ مَخْصُوصَةٌ بِفَضِيلَةٍ لَيْسَتْ لغيرها. فإن قلت: فهل لا عُرِّفَتْ بِلَامِ الْعَهْدِ لِأَنَّهَا لَيَالٍ مَعْلُومَةٌ مَعْهُودَةٌ؟ قُلْتُ: لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ تَسْتَقِلَّ بِمَعْنَى الْفَضِيلَةِ الَّذِي فِي التَّنْكِيرِ، وَلِأَنَّ الْأَحْسَنَ أَنْ تَكُونَ اللَّامَاتُ مُتَجَانِسَةً لِيَكُونَ الْكَلَامُ أَبْعَدَ مِنَ الْإِلْغَازِ وَالتَّعْمِيَةِ، انْتَهَى. أَمَّا السُّؤَالَانِ فَظَاهِرَانِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْهُمَا فَلَفْظٌ مُلَفَّقٌ لَا يُعْقَلُ مِنْهُ مَعْنًى فَيُقْبَلُ أَوْ يُرَدُّ.

وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ: ذَكَرَ فِي كِتَابِ التَّحْرِيرِ وَالتَّحْبِيرِ فِيهَا سِتَّةً وَثَلَاثِينَ قَوْلًا ضَجِرْنَا مِنْ قِرَاءَتِهَا فَضْلًا عَنْ كِتَابَتِهَا فِي كِتَابِنَا هَذَا،

وَعَنْ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:«هِيَ الصَّلَوَاتُ، مِنْهَا الشَّفْعُ وَمِنْهَا الْوَتْرُ» .

وَرَوَى أَبُو أَيُّوبَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم: «الشَّفْعُ يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ الْأَضْحَى، وَالْوَتْرُ: لَيْلَةُ النَّحْرِ» .

وَرَوَى جَابِرٌ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم: «الشَّفْعُ يَوْمُ النَّحْرِ، وَالْوَتْرُ يَوْمُ عَرَفَةَ» .

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَفْسِيرُهُ عليه الصلاة والسلام الْفَجْرَ بِالصُّبْحِ وَاللَّيَالِيَ الْعَشْرَ بِعَشْرِ النَّحْرِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ، وَاخْتَارَهُ النَّحَّاسُ. وَقَالَ حَدِيثُ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: هُوَ الَّذِي صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ أَصَحُّ إِسْنَادًا مِنْ

حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «صَوْمُ عَرَفَةَ وَتْرٌ لِأَنَّهُ تَاسِعُهَا، وَيَوْمُ النَّحْرِ شَفْعٌ لِأَنَّهُ عَاشِرُهَا» .

وَذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي الشَّفْعِ وَالْوَتَرِ أربعة عشر قولا، والزمخشري ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ أَكْثَرُوا فِي الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ حَتَّى كَادُوا يَسْتَوْعِبُونَ أَجْنَاسَ مَا يَقَعَانِ فِيهِ، وَذَلِكَ قَلِيلُ الطَّائِلِ جَدِيرٌ بِالتَّلَهِّي عَنْهُ، انْتَهَى.

وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ: قَسَمٌ بِجِنْسِ اللَّيْلِ، وَيَسْرِي: يَذْهَبُ وَيَنْقَرِضُ، كَقَوْلِهِ: وَاللَّيْلِ

ص: 470

إِذْ أَدْبَرَ

«1» . وَقَالَ الْأَخْفَشُ وَابْنُ قُتَيْبَةَ: يَسْرِي فِيهِ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ لَيْلُكَ نائم. وقال مجاهد وعكرمة وَالْكَلْبِيُّ: الْمُرَادُ لَيْلَةُ جَمْعٍ لِأَنَّهُ يَسْرِي فِيهَا، وَجَوَابُ الْقَسَمِ مَحْذُوفٌ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَهُوَ لَنُعَذِّبَنَّ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلِهِ: أَلَمْ تَرَ إِلَى قَوْلِهِ: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ. وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: الْجَوَابُ: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْجَوَابَ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْغَاشِيَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ «2» ، وَتَقْدِيرُهُ: لَإِيَابُهُمْ إِلَيْنَا وَحِسَابُهُمْ عَلَيْنَا. وَقَوْلُ مُقَاتِلٍ: هَلْ هُنَا فِي مَوْضِعٍ تَقْدِيرُهُ: إِنَّ فِي ذَلِكَ قَسَمًا لِذِي حِجْرٍ. فَهَلْ عَلَى هَذَا فِي مَوْضِعِ جَوَابِ الْقَسَمِ، قَوْلٌ لَمْ يَصْدُرْ عَنْ تَأَمُّلٍ، لِأَنَّ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ إِنَّ فِي ذَلِكَ قَسَمًا لِذِي حِجْرٍ لَمْ يُذْكَرْ، فَيَبْقَى قَسَمٌ بِلَا مُقْسَمٍ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الَّذِي قَدَّرَهُ مِنْ أَنَّ فِي ذَلِكَ قَسَمًا لِذِي حِجْرٍ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُقْسَمًا عَلَيْهِ، وَهَلْ فِي ذَلِكَ تَقْرِيرٌ عَلَى عِظَمِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ، أَيْ هَلْ فِيهَا مَقْنَعٌ فِي الْقَسَمِ لِذِي عَقْلٍ فَيَزْدَجِرُ وَيُفَكِّرُ فِي آيَاتِ اللَّهِ. ثُمَّ وَقَفَ الْمُخَاطَبَ عَلَى مَصَارِعِ الْأُمَمِ الْكَافِرَةِ الْمَاضِيَةِ مَقْصُودًا بِذَلِكَ تَوَعُّدُ قُرَيْشٍ، وَنَصْبُ الْمَثَلِ لَهَا. وَعَادٌ هُوَ عَادُ بْنُ عَوْصٍ، وَأُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَى عَقِبِهِ، ثُمَّ قِيلَ لِلْأَوَّلِينَ مِنْهُمْ عَادًا الْأُولَى وَإِرَمُ، نِسْبَةٌ لَهُمْ بِاسْمِ جَدِّهِمْ وَلِمَنْ بَعْدَهُمْ عَادٌ الْأَخِيرَةُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: هِيَ قَبِيلَةٌ بِعَيْنِهَا. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: إِرَمُ هُوَ أَبُو عَادٍ كُلِّهَا.

وَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِرَمُ مَدِينَةٌ لَهُمْ عَظِيمَةٌ كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الدَّهْرِ بِالْيَمَنِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هِيَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْمَقْبُرِيُّ: هِيَ دِمَشْقُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا:

إِرَمُ مَعْنَاهُ الْقَدِيمَةُ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: بِعَادٍ مصر، وفا إِرَمَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمِيمِ مَمْنُوعُ الصَّرْفِ لِلتَّأْنِيثِ وَالْعَلَمِيَّةِ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ، وَعَادٌ، وَإِنْ كَانَ اسْمَ الْقَبِيلَةِ، فَقَدْ يُلْحَظُ فِيهِ مَعْنَى الْحَيِّ فَيُصْرَفُ أَوْ لَا يُلْحَظُ، فَجَاءَ عَلَى لُغَةِ مَنْ صَرَفَ هِنْدًا، وَإِرَمَ عَطْفُ بَيَانٍ أَوْ بَدَلٌ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ: بِعَادِ غَيْرَ مَمْنُوعِ الصَّرْفِ مُضَافًا إِلَى إِرَمَ، فَجَازَ أن يكون إرم وجدا وَمَدِينَةً وَالضَّحَّاكُ: إِرَمُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَمَا بَعْدَهَا مَمْنُوعَيِ الصَّرْفِ. وَقَرَأَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: بِعَادِ بِالْإِضَافَةِ، أَرِمَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَهِيَ لُغَةٌ فِي الْمَدِينَةِ، وَالضَّحَّاكُ: بعاد مصروفا، وبعاد غَيْرَ مَصْرُوفٍ أَيْضًا، أَرْمَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ تَخْفِيفِ أَرِمَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ: أَرَمَّ فِعْلًا مَاضِيًا، أَيْ بَلِيَ، يُقَالُ: رَمَّ الْعَظْمُ وَأَرَمَّ هُوَ: أَيْ بَلِيَ، وَأَرَمَّهُ غَيْرُهُ مُعَدًّى بِالْهَمْزَةِ من رم الثلاثي. وذات عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مَكْسُورَةُ التاء وابن عباس

(1) سورة المدثر: 74/ 33.

(2)

سورة الغاشية: 88/ 25- 26.

ص: 471

أَيْضًا: فِعْلًا مَاضِيًا، ذَاتَ بِنَصْبِ التَّاءِ عَلَى الْمَفْعُولِ به، وذات بِالْكَسْرِ صِفَةً لِإِرَمَ وَسَوَاءٌ كَانَتِ اسْمَ قَبِيلَةٍ أَوْ مَدِينَةٍ، وَإِنْ كَانَ يَتَرَجَّحُ كَوْنُهَا مَدِينَةً بِقَوْلِهِ: لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ، فَإِذَا كَانَتْ قَبِيلَةً صَحَّ إِضَافَةُ عَادٍ إِلَيْهَا وَفَكُّهَا مِنْهَا بَدَلًا أَوْ عَطْفَ بَيَانٍ، وَإِنْ كَانَتْ مَدِينَةً فَالْإِضَافَةُ إِلَيْهَا ظَاهِرَةٌ وَالْفَكُّ فِيهَا يَكُونَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ بِعَادٍ أَهْلِ إرم ذات العماد.

وقرىء: إِرَمَ ذاتِ، بِإِضَافَةِ إِرَمَ إِلَى ذَاتٍ، وَالْإِرَمُ: الْعَلَمُ، يَعْنِي بِعَادٍ: أَعْلَامِ ذَاتِ الْعِمَادِ. وَمَنْ قَرَأَ: أَرَمَّ فِعْلًا مَاضِيًا، ذَاتَ بِالنَّصْبِ، أَيْ جَعَلَ اللَّهُ ذَاتَ الْعِمَادِ رَمِيمًا، وَيَكُونُ إِرَمَ بَدَلًا مِنْ فَعَلَ رَبُّكَ وَتَبْيِينًا لِفَعَلَ، وَإِذَا كَانَتْ ذاتِ الْعِمادِ صِفَةٌ لِلْقَبِيلَةِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ كِنَايَةٌ عَنْ طُولِ أَبْدَانِهِمْ، وَمِنْهُ قِيلَ: رَفِيعُ الْعِمَادِ، شُبِّهَتْ قُدُودُهُمْ بِالْأَعْمِدَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: رَجُلٌ عَمَدٌ وَعُمْدَانُ أَيْ طَوِيلٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَمُقَاتِلٌ:

أَعْمِدَةُ بُيُوتِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَرْحَلُونَ بِهَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ عَمُودٍ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أَعْمِدَةُ بُنْيَانِهِمْ، وَإِذَا كَانَتْ صِفَةً لِلْمَدِينَةِ، فَأَعْمِدَةُ الْحِجَارَةِ الَّتِي بُنِيَتْ بِهَا. وَقِيلَ: الْقُصُورُ الْعَالِيَةُ وَالْأَبْرَاجُ يُقَالُ لَهَا عِمَادٌ. وَحُكِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ: أَرَمٌ مَصْدَرُ، أَرِمَ يَأْرَمُ إِذَا هَلَكَ، وَالْمَعْنَى: كَهَلَاكِ ذَاتِ الْعِمَادِ، وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ، كَأَنَّ مَعْنَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ: كَيْفَ أَهْلَكَ عَادًا كَهَلَاكِ ذَاتِ الْعِمَادِ. وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ ذَاتَ الْعِمَادِ مَدِينَةٌ ابْتَنَاهَا شَدَّادُ بْنُ عَادٍ لَمَّا سَمِعَ بِذِكْرِ الْجَنَّةِ عَلَى أَوْصَافٍ بَعِيدٍ، أَوْ مُسْتَحِيلٍ عَادَةً أَنْ يُبْنَى فِي الْأَرْضِ مِثْلُهَا، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ عَلَيْهَا وَعَلَى أَهْلِهِ صَيْحَةً قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَيُوقَفُ عَلَى قِصَّتِهِمْ فِي كِتَابِ التَّحْرِيرِ وَشَيْءٌ مِنْهَا فِي الْكَشَّافِ.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: لَمْ يُخْلَقْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، مِثْلُها رُفِعَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ: مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، مِثْلَهَا نَصْبًا، وَعَنْهُ: نَخْلُقُ بِالنُّونِ وَالضَّمِيرُ فِي مِثْلِهَا عَائِدٌ عَلَى الْمَدِينَةِ الَّتِي هِيَ ذَاتُ الْعِمَادِ فِي الْبِلَادِ، أَيْ فِي بِلَادِ الدُّنْيَا، أَوْ عَائِدٌ عَلَى الْقَبِيلَةِ، أَيْ فِي عِظَمِ أَجْسَامٍ وَقُوَّةٍ. وَقَرَأَ ابْنُ وَثَّابٍ وَثَمُودٍ بِالتَّنْوِينِ. وَالْجُمْهُورُ: بِمَنْعِ الصَّرْفِ. جابُوا الصَّخْرَ: خَرَقُوهُ وَنَحَتُوهُ، فَاتَّخَذُوا فِي الْحِجَارَةِ مِنْهَا بُيُوتًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً «1» . قِيلَ:

أَوَّلُ مَنْ نَحَتَ الْجِبَالَ وَالصُّخُورَ وَالرُّخَامَ ثَمُودُ، وَبَنَوْا أَلْفًا وَسَبْعَمِائَةِ مَدِينَةٍ كُلُّهَا بِالْحِجَارَةِ بِالْوَادِي، وَادِي الْقُرَى. وَقِيلَ: جَابُوا وَادِيَهُمْ وَجَلَبُوا مَاءَهُمْ فِي صَخْرٍ شَقُّوهُ فِعْلَ ذي القوة

(1) سورة الشعراء: 26/ 149.

ص: 472

وَالْآمَالِ. ذِي الْأَوْتادِ: تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ ص. الَّذِينَ صِفَةٌ لِعَادٍ وَثَمُودَ وَفِرْعَوْنَ، أَوْ مَنْصُوبٌ عَلَى الذَّمِّ، أَوْ مرفوع على إضمارهم. فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ: أَبْهَمَ هُنَا وَأَوْضَحَ فِي الْحَاقَّةِ وَفِي غَيْرِهَا، وَيُقَالُ: صَبَّ عَلَيْهِ السَّوْطَ وَغَشَّاهُ وَقَنَّعَهُ، وَاسْتَعْمَلَ الصَّبَّ لِاقْتِضَائِهِ السُّرْعَةِ فِي النُّزُولِ عَلَى الْمَضْرُوبِ، قَالَ:

فَصَبَّ عَلَيْهِمْ مُحْصِرَاتٍ كَأَنَّهَا

شَآبِيبُ لَيْسَتْ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَطْرِ

يُرِيدُ: الْمَحْدُودِينَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي صِفَةِ الْحَبْلِ:

صَبَبْنَا عَلَيْهِمْ ظَالِمِينَ شَيَاطِنًا

فطارت بها أيدي سِرَاعٌ وَأَرْجُلُ

وَخَصَّ السَّوْطَ فَاسْتُعِيرَ لِلْعَذَابِ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي مِنَ التَّكْرَارِ وَالتَّرْدَادِ مَا لَا يَقْتَضِيهِ السَّيْفُ وَلَا غَيْرُهُ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَذَكَرَ السَّوْطَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَا أَحَلَّهُ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْعَذَابِ الْعَظِيمِ بِالْقِيَاسِ إِلَى مَا أُعِدَّ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، كَالسَّوْطِ إِذَا قِيسَ إِلَى سَائِرِ مَا يُعَذَّبُ بِهِ.

وَالْمِرْصَادُ وَالْمَرْصَدُ: الْمَكَانُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ فِيهِ الرَّصْدُ، مِفْعَالٌ مِنْ رَصَدَهُ، وَهَذَا مَثَلٌ لِإِرْصَادِهِ الْعُصَاةَ بِالْعِقَابِ وَأَنَّهُمْ لَا يَفُوتُونَهُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمِرْصَادُ فِي الْآيَةِ اسْمَ فَاعِلٍ، كَأَنَّهُ قَالَ: لَبِالرَّاصِدِ، فَعَبَّرَ بِبِنَاءِ الْمُبَالَغَةِ، انْتَهَى. وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمَ، لَمْ تَدْخُلِ الْبَاءُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي مَكَانِ دُخُولِهَا، لَا زَائِدَةً وَلَا غَيْرَ زَائِدَةٍ.

فَأَمَّا الْإِنْسانُ: ذَكَرَ تَعَالَى مَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَقُولُهُ وَتَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى إِكْرَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِهَانَتِهِ لِعَبْدِهِ، فَيَرَوْنَ الْمُكْرَمَ مَنْ عِنْدَهُ الثَّرْوَةُ وَالْأَوْلَادُ، وَالْمُهَانَ ضِدَّهُ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا غَالِبًا عَلَيْهِمْ وُبِّخُوا بِذَلِكَ. وَالْإِنْسَانُ اسْمُ جِنْسٍ، وَيُوجَدُ هَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: بِمَ اتَّصَلَ قَوْلُهُ: فَأَمَّا الْإِنْسانُ؟ قُلْتُ: بِقَوْلِهِ: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يريد من الإنسان إِلَّا الطَّاعَةَ وَالسَّعْيَ لِلْعَاقِبَةِ، وَهُوَ مُرْصِدٌ لِلْعَاصِي فَأَمَّا الْإِنْسَانُ فَلَا يُرِيدُ ذَلِكَ وَلَا يُهِمُّهُ إِلَّا الْعَاجِلَةَ وَمَا يُلِذُّهُ وَيُنَعِّمُهُ فِيهَا، انْتَهَى. وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِمَذْهَبِ الِاعْتِزَالِ فِي قَوْلِهِ: لَا يريد من الإنسان إلا الطَّاعَةَ. وَإِذَا الْعَامِلُ فِيهِ فَيَقُولُ: وَالنِّيَّةُ فِيهِ التَّأْخِيرُ، أَيْ فَيَقُولُ كَذَا وَقْتَ الِابْتِدَاءِ، وَهَذِهِ الْفَاءُ لَا تَمْنَعُ أَنْ يَعْمَلُ مَا بَعْدَهَا فِيمَا قَبْلَهَا، وَإِنْ كَانَتْ فَاءً دَخَلَتْ فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ لِأَجْلِ أَمَّا الَّتِي فِيهَا مَعْنَى الشَّرْطِ، وَبَعْدَ أَمَّا الثَّانِيَةِ مُضْمَرٌ بِهِ وَقَعَ التَّوَازُنُ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ تَقْدِيرُهُ: فَأَمَّا إِذَا هُوَ مَا ابْتَلَاهُ، وَفَيَقُولُ خَبَرٌ عَنْ ذَلِكَ الْمُبْتَدَأِ الْمُضْمَرِ، وَابْتَلَاهُ مَعْنَاهُ: اخْتَبَرَهُ، أَيَشْكُرُ أَمْ يَكْفُرُ إِذَا بسط له؟

ص: 473

وأ يصبر أَمْ يَجْزَعُ إِذَا ضَيَّقَ عَلَيْهِ؟ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً «1» . وَقَابَلَ وَنَعَّمَهُ بِقَوْلِهِ: فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، وَلَمْ يُقَابِلْ فَأَكْرَمَهُ بِلَفْظِ فَأَهَانَهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْ يُضَيَّقُ عَلَيْهِ الرِّزْقُ، كَانَ ذَلِكَ إِهَانَةً لَهُ. أَلَا تَرَى إِلَى نَاسٍ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ مُضَيَّقًا عَلَيْهِمُ الرِّزْقُ كَحَالِ الْإِمَامِ أَبِي سُلَيْمَانَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَغَيْرِهِ، وَذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الْعَبْدَ فِي حَالَتَيْهِ هَاتَيْنِ.

أَمَّا فِي قَوْلِهِ: فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، فَلِأَنَّهُ إِخْبَارٌ مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْكَرَامَةَ وَيَسْتَوْجِبُهَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَهانَنِ، فَلِأَنَّهُ سَمَّى تَرْكَ التَّفْضِيلِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِهَانَةً وَلَيْسَ بِإِهَانَةٍ، أَوْ يَكُونُ إِذَا تَفَضَّلَ عَلَيْهِ أَقَرَّ بِإِحْسَانِ اللَّهِ إِلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يَتَفَضَّلْ عَلَيْهِ سَمَّى تَرْكَ تَفَضُّلِ اللَّهِ إِهَانَةً، لَا إِلَى الِاعْتِرَافِ بِقَوْلِهِ: أَكْرَمَنِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: أَكْرَمَنِي وَأَهَانَنِي بِالْيَاءِ فِيهِمَا وَنَافِعٌ: بِالْيَاءِ وَصْلًا وَحَذْفِهَا وَقْفًا، وَخَيَّرَ فِي الْوَجْهَيْنِ أَبُو عَمْرٍو، وَحَذَفَهَا بَاقِي السَّبْعَةِ فِيهِمَا وَصْلًا وَوَقْفًا، وَمَنْ حَذَفَهَا وَقْفًا سَكَّنَ النُّونَ فِيهِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: فَقَدَرَ بِخَفِّ الدَّالِ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَعِيسَى وَخَالِدٌ وَالْحَسَنُ بِخِلَافٍ عَنْهُ وَابْنُ عَامِرٍ: بِشَدِّهَا. قَالَ الْجُمْهُورُ:

هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ بِمَعْنَى ضَيَّقَ، وَالتَّضْعِيفُ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ لَا لِلتَّعَدِّي، وَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ قَوْلُ الْإِنْسَانِ أَهانَنِ، لِأَنَّ إِعْطَاءَ مَا يَكْفِيهِ لَا إِهَانَةَ فِيهِ. كَلَّا: رَدٌّ عَلَى قَوْلِهِمْ وَمُعْتَقَدِهِمْ، أَيْ لَيْسَ إِكْرَامُ اللَّهِ وَتَقْدِيرُ الرِّزْقِ سَبَبُهُ مَا ذَكَرْتُمْ، بَلْ إِكْرَامُهُ الْعَبْدَ: تَيْسِيرُهُ لِتَقْوَاهُ، وَإِهَانَتُهُ:

تَيْسِيرُهُ لِلْمَعْصِيَةِ ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ أَعْمَالِهِمُ السَّيِّئَةِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَلَّا رَدْعٌ لِلْإِنْسَانِ عَنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ قَالَ: بَلْ هُنَا شَرٌّ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ، وَهُوَ أَنْ اللَّهَ تَعَالَى يُكْرِمُهُمْ بِكَثْرَةِ الْمَالِ، فَلَا يُؤَدُّونَ فِيهَا مَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ إِكْرَامِ الْيَتِيمِ بِالتَّفَقُّدِ وَالْمَبَرَّةِ وَحَضِّ أَهْلِهِ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ وَيَأْكُلُونَهُ أَكْلَ الْأَنْعَامِ وَيُحِبُّونَهُ فَيَشِحُّونَ بِهِ، انْتَهَى.

وَفِي الْحَدِيثِ: «أَحَبُّ الْبُيُوتِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ مُكْرَمٌ» .

وَقَرَأَ الحسن وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو رَجَاءٍ وَقَتَادَةُ وَالْجَحْدَرِيُّ وَأَبُو عُمَرَ: يُكْرِمُونَ وَلَا يَحُضُّونَ، وَيَأْكُلُونَ وَيُحِبُّونَ بِيَاءِ الْغَيْبَةِ فِيهَا وَبَاقِي السَّبْعَةِ، بِتَاءِ الْخِطَابِ، وَأَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَالْكُوفِيُّونَ وَابْنُ مِقْسَمٍ: تَحَاضُّونَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْأَلِفِ أَصْلُهُ تَتَحَاضُّونَ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْأَعْمَشِ، أَيْ يَحُضُّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَعَبْدُ اللَّهِ أَوْ عَلْقَمَةَ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ والشيرزي عَنِ الْكِسَائِيِّ: كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُمْ ضَمُّوا التَّاءَ، أَيْ تُحَاضُّونَ أَنْفُسَكُمْ، أَيْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَتَفَاعَلَ وَفَاعَلَ يَأْتِي بمعنى فعل أيضا.

(1) سورة الأنبياء: 21/ 35.

ص: 474

عَلى طَعامِ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى إِطْعَامٍ، كَالْعَطَاءِ بِمَعْنَى الْإِعْطَاءِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ عَلَى حَذْفِ مضاف، أَيْ عَلَى بَذْلِ طَعَامٍ.

وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ، كَانُوا لَا يُوَرِّثُونَ النِّسَاءَ وَلَا صِغَارَ الْأَوْلَادِ، فَيَأْكُلُونَ نَصِيبَهُمْ وَيَقُولُونَ: لَا يَأْخُذُ الْمِيرَاثَ إِلَّا مَنْ يُقَاتِلُ وَيَحْمِي الْحَوْزَةَ، وَالتُّرَاثُ تَاؤُهُ بَدَلٌ مِنْ وَاوٍ، كَالتُّكَلَةِ وَالتُّخَمَةِ مِنْ تَوَكَّلْتُ وَوَخِمْتُ. وَقِيلَ: كَانُوا يَأْكُلُونَ مَا جَمَعَهُ الْمَيِّتُ مِنَ الظُّلْمَةِ وَهُمْ عَالِمُونَ بِذَلِكَ يَجْمَعُونَ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَيُسْرِفُونَ فِي إِنْفَاقِ مَا وَرِثُوهُ لِأَنَّهُمْ مَا تَعِبُوا فِي تَحْصِيلِهِ، كَمَا شَاهَدْنَا الْوُرَّاثَ الْبَطَّالِينَ. كَلَّا: رَدْعٌ لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَإِنْكَارٌ لِفِعْلِهِمْ. ثُمَّ أَتَى بِالْوَعِيدِ وَذَكَرَ تَحَسُّرَهُمْ عَلَى مَا فَرَّطُوا فِيهِ فِي دَارِ الدُّنْيَا. دَكًّا دَكًّا: حَالٌ كَقَوْلِهِمْ:

بَابًا بَابًا، أَيْ مُكَرَّرًا عَلَيْهِمُ الدَّكُّ. وَجاءَ رَبُّكَ، قَالَ الْقَاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: مَعْنَاهُ ظُهُورُهُ لِلْخَلْقِ هُنَالِكَ، وَلَيْسَ بِمَجِيءِ نُقْلَةٍ، وَكَذَلِكَ مَجِيءُ الطَّامَّةِ وَالصَّاخَّةِ. وَقِيلَ: وَجَاءَ قُدْرَتُهُ وَسُلْطَانُهُ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُوَ تَمْثِيلٌ لِظُهُورِ آيَاتِ اقْتِدَارِهِ وَتَبْيِينِ آثَارِ قُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، مُثِّلَتْ حَالُهُ فِي ذَلِكَ بِحَالِ الْمَلِكِ إِذَا حَضَرَ بِنَفْسِهِ ظَهَرَ بِحُضُورِهِ مِنْ آثَارِ الْهَيْبَةِ وَالسِّيَاسَةِ مَا لَا يَظْهَرُ بِحُضُورِ عَسَاكِرِهِ كُلِّهَا وَوُزَرَائِهِ وَخَوَاصِّهِ، انْتَهَى. وَالْمَلِكُ اسْمُ جِنْسٍ يَشْمَلُ الْمَلَائِكَةَ.

وَرُوِيَ أَنَّهُ مَلَائِكَةُ كُلِّ سَمَاءٍ تَكُونُ صَفًّا حَوْلَ الْأَرْضِ فِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صَفًّا صَفًّا تَنْزِلُ مَلَائِكَةُ كُلِّ سَمَاءٍ فَيَصْطَفُّونَ صَفًّا بَعْدَ صَفٍّ مُحْدِقِينَ بِالْجِنِّ وَالْإِنْسِ، انْتَهَى.

وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى «1» ، يَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِنْ إِذا. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَعَامِلُ النَّصْبِ فِيهِمَا يَتَذَكَّرُ، انْتَهَى. ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْعَامِلَ فِي الْبَدَلِ هُوَ الْعَامِلُ نَفْسُهُ فِي الْمُبْدَلِ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلٌ قَدْ نُسِبَ إِلَى سِيبَوَيْهِ، وَالْمَشْهُورُ خِلَافُهُ، وَهُوَ إِنَّ الْبَدَلَ عَلَى نِيَّةِ تَكْرَارِ الْعَامِلِ، أَيْ يَتَذَكَّرُ مَا فَرَّطَ فِيهِ. وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى:

أَيْ مَنْفَعَةُ الذِّكْرَى، لِأَنَّهُ وَقْتٌ لَا يَنْفَعُ فِيهِ التَّذَكُّرُ، لَوِ اتَّعَظَ فِي الدُّنْيَا لَنَفَعَهُ ذَلِكَ فِي الْأُخْرَى، قَالَهُ الْجُمْهُورُ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ: أَوْ وَقْتَ حَيَاتِي فِي الدُّنْيَا، كَمَا تَقُولُ: جِئْتُ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَلِتَارِيخِ كَذَا وَكَذَا. وَقَالَ قَوْمٌ: لِحَيَاتِي فِي قَبْرِي، يَعْنِي الَّذِي كُنْتُ أُكَذِّبُ بِهِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَهَذَا أَبْيَنُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الِاخْتِيَارَ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ وَمُعَلَّقًا بِقَصْدِهِمْ وَإِرَادَتِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مَحْجُورِينَ عَنِ الطَّاعَاتِ مُجْبَرِينَ عَلَى الْمَعَاصِي، كَمَذْهَبِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، وَإِلَّا فَمَا مَعْنَى التَّحَسُّرِ؟ انْتَهَى، وَهُوَ عَلَى طَرِيقَةِ الاعتزال.

(1) سورة النازعات: 79/ 36.

ص: 475

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: لَا يُعَذِّبُ، وَلَا يُوثِقُ: مَبْنِيَّيْنِ لِلْفَاعِلِ، والضمير في عَذابَهُ، ووَثاقَهُ عَائِدٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ لَا يَكِلْ عَذَابَهُ وَلَا وَثَاقَهُ إِلَى أَحَدٍ، لِأَنَّ الْأَمْرَ لِلَّهِ وَحْدَهُ فِي ذَلِكَ أَوْ هُوَ مِنَ الشِّدَّةِ فِي حَيِّزٍ لَمْ يُعَذِّبْ قَطُّ أَحَدٌ فِي الدُّنْيَا مِثْلَهُ، وَالْأَوَّلُ أَوْضَحُ لِقَوْلِهِ:

لَا يُعَذِّبُ وَلَا يُوثِقُ، وَلَا يُطْلَقُ عَلَى الْمَاضِي إِلَّا بِمَجَازٍ بَعِيدٍ، بَلْ مَوْضُوعُ، لَا إِذَا دَخَلَتْ عَلَى الْمُضَارِعِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَلًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ قَبْلَهَا عَائِدًا عَلَى الْكَافِرِ، أَيْ لَا يُعَذِّبُ أَحَدٌ مِنَ الزَّبَانِيَةِ مِثْلَ مَا يُعَذِّبُونَهُ. وَقِيلَ إِلَى اللَّهِ، أَيْ لَا يُعَذِّبُ أَحَدٌ فِي الدُّنْيَا عَذَابَ اللَّهِ لِلْكَافِرِ، وَيُضَعِّفُ هَذَا عَمَلُ لَا يُعَذِّبُ فِي يَوْمَئِذٍ، وَهُوَ ظَرْفُ مُسْتَقْبَلٍ. وَقَرَأَ ابْنُ سِيرِينَ وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَسِوَارٌ الْقَاضِي وَأَبُو حَيْوَةَ وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ وَأَبُو بَحْرِيَّةَ وَسَلَّامٌ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ وسهل وَخَارِجَةُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو: بِفَتْحِ الذَّالِ وَالثَّاءِ مَبْنِيَّيْنِ لِلْمَفْعُولِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِيهِمَا مُضَافًا لِلْمَفْعُولِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، أَيْ لَا يُعَذَّبُ أَحَدٌ مِثْلَ عَذَابِهِ، وَلَا يُوثَقُ بِالسَّلَاسِلِ وَالْأَغْلَالِ مِثْلَ وثاقه، أو يَحْمِلُ أَحَدٌ عَذَابَ الْإِنْسَانِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى «1» ، وَعَذَابٌ وُضِعَ مَوْضِعَ تَعْذِيبٍ. وَفِي اقتياس مِثْلِ هَذَا خِلَافٌ، وَهُوَ أَنْ يَعْمَلَ مَا وُضِعَ لِغَيْرِ الْمَصْدَرِ، كَالْعَطَاءِ وَالثَّوَابِ وَالْعَذَابِ وَالْكَلَامِ. فَالْبَصْرِيُّونَ لَا يُجِيزُونَهُ وَيَقِيسُونَهُ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَنَافِعٌ بِخِلَافٍ عَنْهُمْ: وِثَاقُهُ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَالْجُمْهُورُ:

بِفَتْحِهَا، وَالْمُعَذَّبُ هُوَ الْكَافِرُ عَلَى الْعُمُومِ. وَقِيلَ: هُوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ. وَقِيلَ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ إِبْلِيسُ وَقَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ أَشَدُّ مِنَ النَّاسِ عَذَابًا، وَيَدْفَعُ الْقَوْلَ هَذَا قَوْلُهُ: يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ، وَالضَّمَائِرُ كُلُّهَا مَسُوقَةٌ لَهُ.

وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى شَيْئًا مِنْ أَحْوَالِ مَنْ يُعَذَّبُ، ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ أَحْوَالِ الْمُؤْمِنِ فقال:

يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ، وَهَذَا النِّدَاءُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى لِسَانِ مَلَكٍ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: بِتَاءِ التَّأْنِيثِ.

وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يَا أَيُّهَا بِغَيْرِ تَاءٍ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا ذَكَرَ أَنَّهَا تُذَكَّرُ، وَإِنْ كَانَ الْمُنَادَى مُؤَنَّثًا، إِلَّا صَاحِبَ الْبَدِيعِ. وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ، وَلِذَلِكَ وَجْهٌ مِنَ الْقِيَاسِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُثَنَّ وَلَمْ يُجْمَعْ فِي نِدَاءِ الْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعِ فَكَذَلِكَ لَمْ يُؤَنَّثْ فِي نِدَاءِ الْمُؤَنَّثِ. الْمُطْمَئِنَّةُ:

الْآمِنَةُ الَّتِي لَا يَلْحَقُهَا خَوْفٌ وَلَا حُزْنٌ، أَوِ الَّتِي كَانَتْ مُطْمَئِنَّةً إِلَى الْحَقِّ لَمْ يُخَالِطْهَا شَكٌّ.

قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَخُرُوجِهَا مِنْ جَسَدِ الْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: عِنْدَ الْبَعْثِ. وَقِيلَ: عِنْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ. إِلى رَبِّكِ: أَيْ إِلَى مَوْعِدِ رَبِّكَ. وَقِيلَ: الرَّبُّ هُنَا

(1) سورة الأنعام: 6/ 164، وسورة الإسراء: 17/ 15، وسورة الزمر: 39/ 7.

ص: 476

الْإِنْسَانُ دُونَ النَّفْسِ، أَيِ ادخل فِي الْأَجْسَادِ، وَالنَّفْسُ اسْمُ جِنْسٍ. وَقِيلَ: هَذَا النِّدَاءُ هُوَ الْآنَ لِلْمُؤْمِنِينَ. لَمَّا ذَكَرَ حَالَ الْكُفَّارِ قَالَ: يَا مُؤْمِنُونَ دُومُوا وَجِدُّوا حَتَّى تَرْجِعُوا رَاضِينَ مَرْضِيِّينَ، راضِيَةً بِمَا أُوتِيتِهِ، مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللَّهِ. فَادْخُلِي فِي عِبادِي: أَيْ فِي جُمْلَةِ عِبَادِي الصَّالِحِينَ. وَادْخُلِي جَنَّتِي مَعَهُمْ. وَقِيلَ: النَّفْسُ وَالرُّوحُ، وَالْمَعْنَى:

فَادْخُلِي فِي أَجْسَادِ عِبَادِي. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: فِي عِبادِي جَمْعًا وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ وَالضَّحَّاكِ ومجاهد وَأَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو صَالِحٍ وَالْكَلْبِيُّ وَأَبُو شَيْخٍ الْهَنَائِيُّ وَالْيَمَانِيُّ: فِي عَبْدِي عَلَى الْإِفْرَادِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ الْجِنْسِ، فَمَدْلُولُهُ وَمَدْلُولُ الْجَمْعِ وَاحِدٌ. وَقِيلَ: هُوَ عَلَى حَذْفِ خَاطَبَ النَّفْسَ مُفْرَدَةً فَقَالَ: فَادْخُلِي فِي عَبْدِي: أَيْ فِي جَسَدِ عَبْدِي. وَتَعَدَّى فَادْخُلِي أَوَّلًا بِفِي، وَثَانِيًا بِغَيْرِ فَاءٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَدْخُولُ فِيهِ غَيْرَ ظرف حقيقي تعددت إِلَيْهِ بِفِي، دَخَلَتْ فِي الْأَمْرِ وَدَخَلْتُ فِي غِمَارِ النَّاسِ، وَمِنْهُ: فَادْخُلِي فِي عِبادِي. وَإِذَا كَانَ الْمَدْخُولُ فِيهِ ظَرْفًا حَقِيقِيًّا، تَعَدَّتْ إِلَيْهِ فِي الْغَالِبِ بِغَيْرِ وَسَاطَةِ فِي. قِيلَ: فِي عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ. وَقِيلَ: فِي حَمْزَةَ. وَقِيلَ: فِي خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.

ص: 477