المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[فصل في الآيات والأحاديث المنذرة بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم] - البداية والنهاية - ت التركي - جـ ٨

[ابن كثير]

فهرس الكتاب

- ‌[سَنَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ]

- ‌[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ مَرَضِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَوَفَاتِهِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُنْذِرَةِ بِوَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[ذِكْرُ أَمْرِهِ عليه الصلاة والسلام أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه أَنْ يُصَلِّيَ بِالصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ]

- ‌[فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ احْتِضَارِهِ وَوَفَاتِهِ عليه الصلاة والسلام]

- ‌[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ أُمُورٍ مُهِمَّةٍ وَقَعَتْ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَقَبْلَ دَفْنِهِ عليه الصلاة والسلام]

- ‌[قِصَّةُ سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ]

- ‌[ذِكْرُ اعْتِرَافِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ بِصِحَّةِ مَا قَالَهُ الصِّدِّيقُ يَوْمَ السَّقِيفَةِ]

- ‌[فَصْلُ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ]

- ‌[فُصْلٌ فِي ذِكْرِ الْوَقْتِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَبْلَغِ سِنِّهِ حَالَ وَفَاتِهِ]

- ‌[صِفَةُ غَسْلِهِ عليه الصلاة والسلام]

- ‌[فَصْلٌ فِي صِفَةِ كَفَنِهِ عليه الصلاة والسلام]

- ‌[فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[فَصْلٌ فِي صِفَةِ دَفْنِهِ عليه الصلاة والسلام وَأَيْنَ دُفِنَ]

- ‌[ذِكْرُ مَنْ كَانَ آخِرَ النَّاسِ بِهِ عَهْدًا عليه الصلاة والسلام]

- ‌[مَتَى وَقَعَ دَفْنُهُ عليه الصلاة والسلام]

- ‌[فَصْلٌ فِي صِفَةِ قَبْرِهِ عليه الصلاة والسلام]

- ‌[ذِكْرُ مَا أَصَابَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمُصِيبَةِ الْعَظِيمَةِ بِوَفَاتِهِ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[ذِكْرُ مَا وَرَدَ مِنَ التَّعْزِيَةِ بِهِ عليه الصلاة والسلام]

- ‌[فَصْلٌ فِيمَا رُوِيَ مِنْ مَعْرِفَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِيَوْمِ وَفَاتِهِ، عليه الصلاة والسلام]

- ‌[فَصْلٌ فِي أُمُورٍ وَقَعَتْ بَعْدَ وَفَاتِهِ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[فَصْلٌ فِيمَا قِيلَ فِي رِثَائِهِ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[بَابُ بَيَانِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا يُورَثُ عَنْهُ]

- ‌[مَا تَرَكَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَدَقَةٌ]

- ‌[بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ " لَا نُورَثُ

- ‌[بَيَانُ رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ لِمَا رَوَاهُ الصِّدِّيقُ وَمُوَافَقَتِهِمْ عَلَى ذَلِكَ]

- ‌[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ كَلَامِ الرَّافِضَةِ فِي مِيرَاثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[بَابُ ذِكْرِ زَوْجَاتِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَرَضِيَ عَنْهُنَّ وَأَوْلَادِهِ عليهم السلام]

- ‌[فَصْلٌ فِيمَنْ خَطَبَهَا عليه الصلاة والسلام وَلَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهَا]

- ‌[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ سَرَارِيِّهِ عليه الصلاة والسلام]

- ‌[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ أَوْلَادِهِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ]

- ‌[بَابُ ذِكْرِ عَبِيدِهِ عليه الصلاة والسلام وَإِمَائِهِ وَذِكْرُ خَدَمِهِ وَكُتَّابِهِ وَأُمَنَائِهِ]

- ‌[إِمَاؤُهُ عليه الصلاة والسلام]

- ‌[خُدَّامُهُ صلى الله عليه وسلم وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ الَّذِينَ خَدَمُوهُ مِنْ أَصْحَابِهِ غَيْرِ مَوَالِيهِ]

- ‌[كُتَّابُ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ]

- ‌[فَصْلٌ فِيمَنْ ذُكِرَ مِنْ أُمَنَائِهِ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[بَابُ مَا يُذْكَرُ مِنْ آثَارِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الَّتِي كَانَ يَخْتَصُّ بِهَا فِي حَيَاتِهِ]

- ‌[ذِكْرُ الْخَاتَمِ الَّذِي كَانَ يَلْبَسُهُ عليه الصلاة والسلام]

- ‌[ذِكْرُ سَيْفِهِ عليه الصلاة والسلام]

- ‌[ذِكْرُ نَعْلِهِ الَّتِي كَانَ يَمْشِي فِيهَا عليه الصلاة والسلام]

- ‌[صِفَةُ قَدَحِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[ذِكْرُ مَا وَرَدَ فِي الْمُكْحُلَةِ الَّتِي كَانَ عليه الصلاة والسلام يَكْتَحِلُ مِنْهَا]

- ‌[الْبُرْدَةُ]

- ‌[ذِكْرُ أَفَرَاسِهِ وَمَرَاكِيبِهِ عليه الصلاة والسلام]

- ‌[فَصْلٌ: إِيرَادُ مَا بَقِيَ عَلَيْنَا مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ السِّيرَةِ الشَّرِيفَةِ]

- ‌[كِتَابُ الشَّمَائِلِ]

- ‌[بَيَانُ خَلْقِهِ الظَّاهِرِ وَخُلُقِهِ الطَّاهِرِ]

- ‌[بَابُ مَا وَرَدَ فِي حُسْنِهِ الْبَاهِرِ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَسَبِهِ الطَّاهِرِ]

- ‌[صِفَةُ لَوْنِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[صِفَةُ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَذِكْرُ مَحَاسِنِهِ]

- ‌[ذِكْرُ شَعْرِهِ عليه الصلاة والسلام]

- ‌[ذِكْرُ مَا وَرَدَ فِي مَنْكِبَيْهِ وَسَاعِدَيْهِ وَإِبِطَيْهِ وَقَدَمَيْهِ وَكَعْبَيْهِ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[صِفَةُ قَوَامِهِ عليه الصلاة والسلام وَطِيبِ رَائِحَتِهِ]

- ‌[صِفَةُ خَاتَمِ النُّبُوَّةِ الَّذِي بَيْنَ كَتِفَيْهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ]

- ‌[بَابٌ جَامِعٌ لِأَحَادِيثَ مُتَفَرِّقَةٍ وَرَدَتْ فِي صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[حَدِيثُ أُمِّ مَعْبَدٍ]

- ‌[حَدِيثُ هِنْدِ بْنِ أَبِي هَالَةَ]

- ‌[بَابُ ذِكْرِ أَخْلَاقِهِ وَشَمَائِلِهِ الطَّاهِرَةِ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[حَدِيثُ بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ قَرْنًا فَقَرَنًا]

- ‌[ذِكْرُ كَرَمِهِ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[تَوَاضُعُهُ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[ذِكْرُ مِزَاحِهِ عليه الصلاة والسلام]

- ‌[بَابُ زُهْدِهِ عليه الصلاة والسلام وَإِعْرَاضِهِ عَنِ الدُّنْيَا]

- ‌[فَصْلٌ فِي عِبَادَتِهِ عليه الصلاة والسلام وَاجْتِهَادِهِ فِي ذَلِكَ]

- ‌[فَصْلٌ فِي شَجَاعَتِهِ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[فَصْلٌ فِيمَا يُذْكَرُ مِنْ صِفَاتِهِ عليه الصلاة والسلام فِي الْكُتُبِ الْمَأْثُورَةِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ الْأَقْدَمِينَ]

- ‌[كِتَابُ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ]

- ‌[تَعْرِيفُهَا]

- ‌[الدَّلَائِلُ الْمَعْنَوِيَّةُ]

- ‌[الدَّلَائِلُ الْحِسِّيَّةُ]

- ‌[انْشِقَاقُ الْقَمَرِ]

- ‌[حَدِيثُ رَدِّ الشَّمْسِ بَعْدَ مَغِيبِهَا]

- ‌[فَصْلٌ فِي إِيرَادِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَمَاكِنَ مُتَفَرِّقَةٍ]

- ‌[مَا يَتَعَلَّقُ بِالْآيَاتِ السَّمَاوِيَّةِ فِي بَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الْمُعْجِزَاتِ الْأَرْضِيَّةِ]

- ‌[بَابُ تَكْثِيرِهِ عليه الصلاة والسلام الْأَطْعِمَةَ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهَا فِي غَيْرِ مَا مَوْطِنٍ]

- ‌[تَكْثِيرُهُ عليه الصلاة والسلام السَّمْنَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ]

- ‌[ضِيَافَةُ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَا ظَهَرَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ]

- ‌[قِصَّةُ قَصْعَةِ بَيْتِ الصِّدِّيقِ]

- ‌[قِصَّةُ جَابِرٍ وَدَيْنِ أَبِيهِ وَتَكْثِيرِهِ عليه الصلاة والسلام التَّمْرَ]

- ‌[قِصَّةُ سَلْمَانَ فِي تَكْثِيرِهِ صلى الله عليه وسلم الْقِطْعَةَ مِنَ الذَّهَبِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ فِي مُكَاتَبَتِهِ]

- ‌[بَابُ انْقِيَادِ الشَّجَرِ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[بَابُ حَنِينِ الْجِزْعِ شَوْقًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[بَابُ تَسْبِيحِ الْحَصَى فِي كَفِّهِ عليه الصلاة والسلام]

الفصل: ‌[فصل في الآيات والأحاديث المنذرة بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم]

[فَصْلٌ فِي الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُنْذِرَةِ بِوَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم]

َ، وَكَيْفَ ابْتُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ - ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} [الزمر: 30 - 31]

[الزُّمَرِ: 30، 31] . وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ - كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 34 - 35]

[الْأَنْبِيَاءِ 34، 35] . وَقَالَ تَعَالَى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185] . وَقَالَ تَعَالَى {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144] وَهَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الَّتِي تَلَاهَا الصِّدِّيقُ يَوْمَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا سَمِعَهَا النَّاسُ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوهَا قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ تَعَالَى:

ص: 24

{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ - وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} [النصر: 1 - 2]{فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 3] قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ أَجْلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نُعِيَ إِلَيْهِ.

وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ، فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ أَنَّهُ الْوَدَاعُ، فَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَةً أَمَرَهُمْ فِيهَا وَنَهَاهُمْ. الْخُطْبَةُ الْمَشْهُورَةُ كَمَا تَقَدَّمَ.

وَقَالَ جَابِرٌ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَرْمِي الْجِمَارَ، فَوَقَفَ وَقَالَ " لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ، فَلَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ عَامِي هَذَا» .

«وَقَالَ عليه الصلاة والسلام لِابْنَتِهِ فَاطِمَةَ، كَمَا سَيَأْتِي " إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي بِالْقُرْآنِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَمَا أَرَى ذَلِكَ إِلَّا لِاقْتِرَابِ أَجَلِي» .

وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ شَهْرِ رَمَضَانَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَامِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا، وَكَانَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ كُلَّ رَمَضَانَ مَرَّةً، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ عَرَضَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ مَرَّتَيْنِ» .

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: «رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي ذِي

ص: 25

الْحِجَّةَ، فَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ بَقِيَّتَهُ وَالْمُحَرَّمَ وَصَفَرًا، وَبَعَثَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَبَيْنَا النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ ابْتُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِشَكْوِهِ الَّذِي قَبَضَهُ اللَّهُ فِيهِ إِلَى مَا أَرَادَهُ اللَّهُ مِنْ رَحْمَتِهِ وَكَرَامَتِهِ، فِي لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ أَوْ فِي أَوَّلِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا ابْتُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ ذَلِكَ، فِيمَا ذُكِرَ لِي، أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَاسْتَغْفَرْ لَهُمْ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ابْتُدِئَ بِوَجَعِهِ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ» .

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ مَوْلَى الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: " يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ، إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأَهْلِ هَذَا الْبَقِيعِ فَانْطَلِقْ مَعِي ". فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ أَظْهَرِهِمْ قَالَ: " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْمَقَابِرِ، لِيَهْنِ لَكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ فِيهِ، أَقْبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يَتْبَعُ آخِرُهَا أَوَّلَهَا، الْآخِرَةُ شَرٌّ مِنَ الْأُولَى ". ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ " يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ، إِنِّي قَدْ أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا ثُمَّ الْجَنَّةَ، فَخُيِّرْتُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّي وَالْجَنَّةِ ". قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي فَخُذْ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا ثُمَّ الْجَنَّةَ. قَالَ: " لَا وَاللَّهِ يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ لَقَدِ اخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي وَالْجَنَّةَ ". ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَبُدِئَ بِرَسُولِ اللَّهِ وَجَعُهُ الَّذِي قَبَضَهُ اللَّهُ فِيهِ» . لَمْ يُخَرِّجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ

ص: 26

الْكُتُبِ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بِهِ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا أَبُو النَّضْرِ، ثَنَا الْحَكَمُ بْنُ فُضَيْلٍ، ثَنَا يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ قَالَ:«أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى أَهْلِ الْبَقِيعِ فَصَلَّى عَلَيْهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ قَالَ: يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ أَسْرِجْ لِي دَابَّتِي قَالَ: فَرَكِبَ وَمَشَيْتُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمْ، فَنَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ، وَأَمْسَكْتُ الدَّابَّةَ فَوَقَفَ - أَوْ قَالَ: قَامَ - عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: لِيَهْنِكُمْ مَا أَنْتُمْ فِيهِ مِمَّا فِيهِ النَّاسُ، أَتَتِ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا، الْآخِرَةُ أَشَدُّ مِنَ الْأُولَى، فَلْيَهْنِكُمْ مَا أَنْتُمْ فِيهِ مِمَّا فِيهِ النَّاسُ) ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ، إِنِّي أُعْطِيتُ - أَوْ قَالَ: خُيِّرْتُ بَيْنَ - مَفَاتِيحِ مَا يُفْتَحُ عَلَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي وَالْجَنَّةِ أَوْ لِقَاءِ رَبِّي ". قَالَ: فَقُلْتُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي فَاخْتَرْنَا. قَالَ: " لَأَنْ تُرَدَّ عَلَى عَقِبِهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، فَاخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي " فَمَا لَبِثَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا سَبْعًا أَوْ ثَمَانِيًا حَتَّى قُبِضَ» .

ص: 27

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُعْطِيتُ الْخَزَائِنَ، وَخُيِّرْتُ بَيْنَ أَنْ أَبْقَى حَتَّى أَرَى مَا يُفْتَحُ عَلَى أُمَّتِي وَبَيْنَ التَّعْجِيلِ، فَاخْتَرْتُ التَّعْجِيلَ» " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَهُوَ شَاهِدٌ لِحَدِيثِ أَبِي مُوَيْهِبَةَ.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:«رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْبَقِيعِ فَوَجَدَنِي وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعًا فِي رَأْسِي، وَأَنَا أَقُولُ: وَارَأْسَاهْ. فَقَالَ: بَلْ أَنَا وَاللَّهِ يَا عَائِشَةُ وَارَأْسَاهْ) قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: وَمَا ضَرَّكِ لَوْ مُتِّ قَبْلِي فَقُمْتُ عَلَيْكِ وَكَفَّنْتُكِ، وَصَلَّيْتُ عَلَيْكِ وَدَفَنْتُكِ قَالَتْ: قُلْتُ: وَاللَّهِ لَكَأَنِّي بِكَ لَوْ قَدْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَقَدْ رَجَعْتَ إِلَى بَيْتِي فَأَعْرَسْتَ فِيهِ بِبَعْضِ نِسَائِكَ. قَالَتْ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَتَتَامَّ بِهِ وَجَعُهُ وَهُوَ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ، حَتَّى اسْتُعِزَّ بِهِ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَدَعَا نِسَاءَهُ، فَاسْتَأْذَنَهُنَّ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي فَأَذِنَّ لَهُ. قَالَتْ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِهِ ; أَحَدُهُمَا الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ وَرَجُلٌ آخَرُ، عَاصِبًا رَأْسَهُ، تَخُطُّ قَدَمَاهُ، حَتَّى دَخَلَ بَيْتِي. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَحَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَتَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الْآخَرُ؟ هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ» وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ شَوَاهِدُ سَتَأْتِي قَرِيبًا.

ص: 28

وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا الْحَاكِمُ، أَنْبَأَنَا الْأَصَمُّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:«دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ يُصْدَعُ، وَأَنَا أَشْتَكِي رَأْسِي، فَقُلْتُ: وَارَأْسَاهْ. فَقَالَ: " بَلْ أَنَا وَاللَّهِ يَا عَائِشَةُ وَارَأْسَاهْ ". ثُمَّ قَالَ: " وَمَا عَلَيْكِ لَوْ مُتِّ قَبْلِي فَوَلِيتُ أَمْرَكِ، وَصَلَّيْتُ عَلَيْكِ وَوَارَيْتُكِ " فَقُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحْسَبُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَقَدْ خَلَوْتَ بِبَعْضِ نِسَائِكَ فِي بَيْتِي مِنْ آخِرِ النَّهَارِ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ تَمَادَى بِهِ وَجَعُهُ فَاسْتُعِزَّ بِهِ وَهُوَ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ، فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَهْلُهُ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِنَّا لِنَرَى بِرَسُولِ اللَّهِ ذَاتَ الْجَنْبِ، فَهَلُمُّوا فَلْنَلُدُّهُ. فَلَدُّوهُ، فَأَفَاقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ فَقَالُوا: عَمُّكَ الْعَبَّاسُ تَخَوَّفَ أَنْ يَكُونَ بِكَ ذَاتُ الْجَنْبِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّهَا مِنَ الشَّيْطَانِ، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَهُ عَلَيَّ، لَا يَبْقَى فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ إِلَّا لَدَدْتُمُوهُ إِلَّا عَمِّي الْعَبَّاسَ " فَلُدَّ أَهْلُ الْبَيْتِ كُلُّهُمْ حَتَّى مَيْمُونَةُ وَإِنَّهَا لِصَائِمَةٌ، وَذَلِكَ بِعَيْنِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ. فَخَرَجَ وَهُوَ بَيْنَ الْعَبَّاسِ وَرَجُلٌ آخَرُ لَمْ تُسَمِّهِ، تَخُطُّ قَدَمَاهُ بِالْأَرْضِ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الرَّجُلُ الْآخَرُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ»

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، ثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ

ص: 29

شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ:«لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ، اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ وَهُوَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجُلَاهُ الْأَرْضَ بَيْنَ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَبَيْنَ رَجُلٍ آخَرَ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَأَخْبَرْتُ عَبْدَ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ - بِالَّذِي قَالَتْ عَائِشَةُ، فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: هَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الْآخَرُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ عَلِيٌّ. فَكَانَتْ عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمَّا دَخَلَ بَيْتِي وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ، قَالَ: " هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ، لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ " فَأَجْلَسْنَاهُ فِي مِخْضَبٍ لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ طَفِقْنَا نَصُبُّ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْقِرَبِ، حَتَّى طَفِقَ يُشِيرُ إِلَيْنَا بِيَدِهِ أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ. قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَصَلَّى لَهُمْ وَخَطَبَهُمْ.» وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ مِنْ " صَحِيحِهِ " وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ.

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَيْنَ أَنَا غَدًا أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ أَنْ يَكُونَ حَيْثُ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا. قَالَتْ عَائِشَةُ، رضي الله عنها: فَمَاتَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي كَانَ يَدُورُ عَلَيَّ فِيهِ فِي بَيْتِي، وَقَبَضَهُ اللَّهُ وَإِنَّ

ص: 30

رَأْسَهُ لَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَخَالَطَ رِيقُهُ رِيقِي. قَالَتْ: وَدَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَهُ سِوَاكٌ يَسْتَنُّ بِهِ. فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ لَهُ: أَعْطِنِي هَذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْطَانِيهِ فَقَضَمْتُهُ، ثُمَّ مَضَغْتُهُ فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَنَّ بِهِ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى صَدْرِي» . انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، ثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:«مَاتَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَإِنَّهُ لَبَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي، فَلَا أَكْرَهُ شِدَّةَ الْمَوْتِ لِأَحَدٍ أَبَدًا بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم» .

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَنْبَأَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا اشْتَكَى نَفَثَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَمَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ، فَلَمَّا اشْتَكَى وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ طَفِقْتُ أَنْفُثُ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ الَّتِي كَانَ يَنْفُثُ، وَأَمْسَحُ بِيَدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْهُ» . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ.

ص: 31

وَثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:«اجْتَمَعَ نِسَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَهُ لَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ امْرَأَةٌ، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي، مَا تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا مِشْيَةَ أَبِيهَا، فَقَالَ: " مَرْحَبًا بِابْنَتِي " فَأَقْعَدَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ شِمَالِهِ، ثُمَّ سَارَّهَا بِشَيْءٍ فَبَكَتْ، ثُمَّ سَارَّهَا فَضَحِكَتْ، فَقُلْتُ لَهَا: خَصَّكِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالسِّرَارِ وَأَنْتَ تَبْكِينَ؟ ! فَلَمَّا أَنْ قَامَ قُلْتُ لَهَا: أَخْبِرِينِي مَا سَارَّكِ؟ فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَلَمَّا تُوُفِّيَ قُلْتُ لَهَا: أَسْأَلُكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ لَمَا أَخْبَرْتِنِي. قَالَتْ: أَمَّا الْآنَ فَنَعَمْ. قَالَتْ: سَارَّنِي فِي الْأُولَى، قَالَ لِي إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي بِالْقُرْآنِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً وَإِنَّهُ عَارَضَنِي فِي هَذَا الْعَامِ مَرَّتَيْنِ وَلَا أَرَى ذَلِكَ إِلَّا لِاقْتِرَابِ أَجَلِي فَاتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي، فَنِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ " فَبَكَيْتُ، ثُمَّ سَارَّنِي فَقَالَ " أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ؟ " أَوْ " سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ " فَضَحِكْتُ. وَلَهُ طُرُقٌ عَنْ عَائِشَةَ» .

وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْفَلَّاسِ وَمُسَدَّدٍ، وَمُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «لَدَدْنَا

ص: 32

رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَرَضِهِ، فَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ لَا تَلُدُّونِي. فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ. فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ لَا تَلُدُّونِي؟ ! قُلْنَا: كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ. فَقَالَ " لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لُدَّ - وَأَنَا أَنْظُرُ - إِلَّا الْعَبَّاسَ ; فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ» قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: " يَا عَائِشَةُ مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ» هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقًا. وَقَدْ أَسْنَدَهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحَاكِمِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْأَشْقَرِ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ.

وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا الْحَاكِمُ، أَنْبَأَنَا الْأَصَمُّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَأَنْ أَحْلِفَ تِسْعًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قُتِلَ قَتْلًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ وَاحِدَةً أَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ اتَّخَذَهُ نَبِيًّا وَاتَّخَذَهُ شَهِيدًا.

ص: 33

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَحَدَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ «أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَقَالَ النَّاسُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَقَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللَّهِ بَارِئًا. فَأَخَذَ بِيَدِهِ عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ وَاللَّهِ بَعْدَ ثَلَاثٍ عَبْدُ الْعَصَا، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَرَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَوْفَ يُتَوَفَّى مِنْ وَجَعِهِ هَذَا، إِنِّي لَأَعْرِفُ وُجُوهَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ الْمَوْتِ، اذْهَبْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلْنَسْأَلْهُ فِيمَنْ هَذَا الْأَمْرُ؟ إِنْ كَانَ فِينَا عَلِمْنَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِنَا عَلِمْنَاهُ فَأَوْصَى بِنَا. فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنَّا وَاللَّهِ لَئِنْ سَأَلْنَاهَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَمَنَعَنَاهَا لَا يُعْطِينَاهَا النَّاسُ بَعْدَهُ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَسْأَلُهَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم» . انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ.

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَجَعُهُ، فَقَالَ: " ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ

ص: 34

أَبَدًا " فَتَنَازَعُوا، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ، فَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ يَهْجُرُ؟ اسْتَفْهِمُوهُ. فَذَهَبُوا يَرُدُّونَ عَنْهُ، فَقَالَ: " دَعُونِي فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ " فَأَوْصَاهُمْ بِثَلَاثٍ ; قَالَ: " أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ " وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ أَوْ قَالَ: فَنَسِيتُهَا» . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ بِهِ.

ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:«لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: " هَلُمُّوا أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ " فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ غَلَبَهُ الْوَجَعُ، وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ. فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ وَاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالِاخْتِلَافَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " قُومُوا» ". قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ

ص: 35

الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ لِاخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِنَحْوِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ مَعْمَرٍ وَيُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا قَدْ تَوَهَّمَ بِهِ بَعْضُ الْأَغْبِيَاءِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ مِنَ الشِّيعَةِ وَغَيْرِهِمْ، كُلٌّ يَدَّعِي أَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَكْتُبَ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ مَا يَرْمُزُونَ إِلَيْهِ مِنْ مَقَالَاتِهِمْ، وَهَذَا هُوَ التَّمَسُّكُ بِالْمُتَشَابِهِ وَتَرْكُ الْمُحْكَمِ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَأْخُذُونَ بِالْمُحْكَمِ وَيَرُدُّونَ مَا تَشَابَهَ إِلَيْهِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ، عز وجل، فِي كِتَابِهِ، وَهَذَا الْمَوْضِعُ مِمَّا زَلَّ فِيهِ أَقْدَامُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالَاتِ، وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَلَيْسَ لَهُمْ مَذْهَبٌ إِلَّا اتِّبَاعُ الْحَقِّ يَدُورُونَ مَعَهُ كَيْفَمَا دَارَ، وَهَذَا الَّذِي كَانَ يُرِيدُ عليه الصلاة والسلام أَنْ يَكْتُبَهُ قَدْ جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ التَّصْرِيحُ بِكَشْفِ الْمُرَادِ مِنْهُ ; فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ، ثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، ثَنَا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «لَمَّا كَانَ وَجَعُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الَّذِي قُبِضَ فِيهِ قَالَ: " ادْعُوا لِي أَبَا بَكْرٍ وَابْنَهُ فَلْيَكْتُبْ ; لِكَيْ لَا يَطْمَعَ فِي أَمْرِ أَبِي بَكْرٍ طَامِعٌ وَلَا يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ " ثُمَّ قَالَ يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُؤْمِنُونَ مَرَّتَيْنِ. قَالَتْ عَائِشَةُ:

ص: 36

فَأَبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُؤْمِنُونَ» . انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.

وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:«لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ " ائْتِنِي بِكَتِفٍ أَوْ لَوْحٍ حَتَّى أَكْتُبَ لِأَبِي بَكْرٍ كِتَابًا لَا يُخْتَلَفُ عَلَيْهِ " فَلَمَّا ذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِيَقُومَ قَالَ أَبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ أَنْ يُخْتَلَفَ عَلَيْكَ يَا أَبَا بَكْرٍ» انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا.

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ فَأَعْهَدَ ; أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُونَ أَوْ يَتَمَنَّى مُتَمَنُّونَ، فَقُلْتُ: يَأْبَى اللَّهُ وَيَدْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ أَوْ يَدْفَعُ اللَّهُ وَيَأْبَى الْمُؤْمِنُونَ» .

وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " وَ " مُسْلِمٍ " مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:«أَتَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ. فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ؟ كَأَنَّهَا تَقُولُ: الْمَوْتَ. قَالَ: " إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ " وَالظَّاهِرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّهَا إِنَّمَا قَالَتْ ذَلِكَ لَهُ، عليه الصلاة والسلام، فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ» .

ص: 37

وَقَدْ خَطَبَ عليه الصلاة والسلام فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، عليه الصلاة والسلام، بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ خُطْبَةً عَظِيمَةً، بَيَّنَ فِيهَا فَضْلَ الصِّدِّيقِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الصَّحَابَةِ، مَعَ مَا كَانَ قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَنْ يَؤُمَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعِينَ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ مَعَ حُضُورِهِمْ كُلِّهِمْ، وَلَعَلَّ خُطْبَتَهُ هَذِهِ كَانَتْ عِوَضًا عَمَّا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَهُ فِي الْكِتَابِ، وَقَدِ اغْتَسَلَ عليه الصلاة والسلام، بَيْنَ يَدَيْ هَذِهِ الْخُطْبَةِ الْكَرِيمَةِ، فَصَبُّوا عَلَيْهِ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ، وَهَذَا مِنْ بَابِ الِاسْتِشْفَاءِ بِالسَّبْعِ، كَمَا وَرَدَتْ بِهَا الْأَحَادِيثُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ، عليه الصلاة والسلام، اغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، ثُمَّ خَطَبَهُمْ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها

ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا الْحَاكِمُ، أَنْبَأَنَا الْأَصَمُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ بَشِيرٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ فِي مَرَضِهِ " أَفِيضُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ مِنْ سَبْعِ آبَارٍ شَتَّى، حَتَّى أَخْرُجَ فَأَعْهَدَ إِلَى النَّاسِ " فَفَعَلُوا، فَخَرَجَ فَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا ذَكَرَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ذَكَرَ أَصْحَابَ أُحُدٍ فَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَدَعَا لَهُمْ، ثُمَّ قَالَ " يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، إِنَّكُمْ أَصْبَحْتُمْ تَزِيدُونَ، وَالْأَنْصَارُ عَلَى هَيْئَتِهَا لَا تَزِيدُ، وَإِنَّهُمْ عَيْبَتِي الَّتِي أَوَيْتُ إِلَيْهَا، فَأَكْرِمُوا كَرِيمَهُمْ وَتَجَاوَزُوا عَنْ

ص: 38

مُسِيئِهِمْ " ثُمَّ قَالَ عليه الصلاة والسلام: " أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ قَدْ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَ اللَّهِ " فَفَهِمَهَا أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه، مِنْ بَيْنِ النَّاسِ فَبَكَى، وَقَالَ: بَلْ نَحْنُ نَفْدِيكَ بِأَنْفُسِنَا وَأَبْنَائِنَا وَأَمْوَالِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " عَلَى رِسْلِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، انْظُرُوا إِلَى هَذِهِ الْأَبْوَابِ الشَّارِعَةِ فِي الْمَسْجِدِ فَسُدُّوهَا، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ، فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا عِنْدِي أَفْضَلَ فِي الصُّحْبَةِ مِنْهُ» هَذَا مُرْسَلٌ لَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ.

وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي فَرْوَةُ بْنُ زُبَيْدِ بْنِ طُوسَى، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، عَنْ أُمِّ ذَرَّةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ:«خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَاصِبًا رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى الْمِنْبَرِ تَحَدَّقَ النَّاسُ بِالْمِنْبَرِ وَاسْتَكَفُّوا، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لِقَائِمٌ عَلَى الْحَوْضِ السَّاعَةَ ثُمَّ تَشَهَّدَ فَلَمَّا قَضَى تَشَهُّدَهُ كَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنِ اسْتَغْفَرَ لِلشُّهَدَاءِ الَّذِينَ قُتِلُوا بِأُحُدٍ، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَ اللَّهِ، فَاخْتَارَ الْعَبْدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ " فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ فَعَجِبْنَا لِبُكَائِهِ، وَقَالَ: بِأَبِي وَأُمِّي نَفْدِيكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا وَأَنْفُسِنَا وَأَمْوَالِنَا. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هُوَ الْمُخَيَّرَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لَهُ " عَلَى رِسْلِكَ» .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، ثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ

ص: 39

بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ:«خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم النَّاسَ فَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ ذَلِكَ الْعَبْدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ " قَالَ: فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ. قَالَ: فَعَجِبْنَا لِبُكَائِهِ أَنْ يُخْبِرَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ عَبْدٍ خُيِّرَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هُوَ الْمُخَيَّرَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ خُلَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا يَبْقَى فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ، إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ» وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَامِرٍ الْعَقَدِيِّ بِهِ. ثُمَّ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ فُلَيْحٍ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ وَبُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ فُلَيْحٍ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ وَعُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِنَحْوِهِ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامٌ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ

ص: 40

عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنِ ابْنِ أَبِي الْمُعَلَّى، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَطَبَ يَوْمًا فَقَالَ:" إِنَّ رَجُلًا خَيَّرَهُ رَبُّهُ بَيْنَ أَنْ يَعِيشَ فِي الدُّنْيَا مَا شَاءَ أَنْ يَعِيشَ فِيهَا يَأْكُلُ مِنَ الدُّنْيَا مَا شَاءَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّهِ فَاخْتَارَ لِقَاءَ رَبِّهِ " فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا الشَّيْخِ أَنْ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا صَالِحًا خَيَّرَهُ رَبُّهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّهِ، فَاخْتَارَ لِقَاءَ رَبِّهِ؟ ! فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَهُمْ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلْ نَفْدِيكَ بِأَمْوَالِنَا وَأَبْنَائِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيْنَا فِي صُحْبَتِهِ وَذَاتِ يَدِهِ مِنَ ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَكِنْ وُدٌّ وَإِخَاءٌ وَإِيمَانٌ، وَلَكِنْ وُدٌّ وَإِخَاءٌ وَإِيمَانٌ مَرَّتَيْنِ وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ عز وجل» تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. قَالُوا: وَصَوَابُهُ أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْمُعَلَّى. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ - هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ - ثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ، ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الرَّقِّيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، حَدَّثَنِي جُنْدُبٌ، «أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ أَنْ يُتَوَفَّى بِخَمْسٍ وَهُوَ يَقُولُ: " قَدْ كَانَ لِي مِنْكُمْ إِخْوَةٌ وَأَصْدِقَاءُ، وَإِنِّي أَبْرَأُ إِلَى كُلِّ خَلِيلٍ مِنْ خُلَّتِهِ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا

ص: 41

بَكْرٍ خَلِيلًا، وَإِنَّ رَبِّي اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَإِنَّ قَوْمًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصُلَحَائِهِمْ مَسَاجِدَ، فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ بِنَحْوِهِ. وَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ، عليه الصلاة والسلام، بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ هُوَ يَوْمُ الْخَمِيسِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا تَقَدَّمَ.

وَقَدْ رُوِّينَا هَذِهِ الْخُطْبَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، ثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ثَنَا أَبِي، سَمِعْتُ يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ يُحَدِّثُ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:«خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عَاصِبًا رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ " إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنَ النَّاسِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ خُلَّةُ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ، سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ» وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ

ص: 42

أَبِيهِ بِهِ. وَفِي قَوْلِهِ، عليه الصلاة والسلام:«سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي الْمَسْجِدِ - يَعْنِي الْأَبْوَابَ الصِّغَارَ النَّافِذَةَ إِلَى الْمَسْجِدِ - غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ» إِشَارَةٌ إِلَى الْخِلَافَةِ ; أَيْ لِيَخْرُجَ مِنْهَا إِلَى الصَّلَاةِ بِالْمُسْلِمِينَ.

وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَنْظَلَةَ، ابْنِ الْغَسِيلِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عَاصِبًا رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ دَسْمَاءَ، مُلْتَحِفًا بِمِلْحَفَةٍ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، فَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ الْخُطْبَةَ، وَذَكَرَ فِيهَا الْوَصَاةَ بِالْأَنْصَارِ، إِلَى أَنْ قَالَ: فَكَانَ آخَرَ مَجْلِسٍ جَلَسَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى قُبِضَ. يَعْنِي آخِرَ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا، عليه الصلاة والسلام» .

وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ غَرِيبٍ وَلَفْظٍ غَرِيبٍ ; فَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، ثَنَا ابْنُ أَبِي قُمَاشٍ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، ثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَبُو عِمْرَانَ الْجَبُّلِيُّ، ثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى الْقَزَّازُ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِيَاسٍ اللَّيْثِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رضي الله عنه، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، رضي الله عنه قَالَ: «أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، وَقَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: خُذْ بِيَدِي

ص: 43

يَا فَضْلُ قَالَ: فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ حَتَّى قَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ قَالَ: نَادِ فِي النَّاسِ يَا فَضْلُ فَنَادَيْتُ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً. قَالَ: فَاجْتَمَعُوا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَطِيبًا فَقَالَ:" أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ قَدْ دَنَا مِنِّي حُقُوقٌ مِنْ بَيْنِ أَظْهَرُكُمْ، وَلَنْ تَرَوْنِي فِي هَذَا الْمَقَامِ فِيكُمْ، وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَنَّ غَيْرَهُ غَيْرُ مُغْنٍ عَنِّي حَتَّى أَقُومَهُ فِيكُمْ، أَلَا فَمَنْ كُنْتُ جَلَدْتُ لَهُ ظَهْرًا فَهَذَا ظَهْرِي فَلْيَسْتَقِدْ، وَمَنْ كُنْتُ أَخَذْتُ لَهُ مَالًا فَهَذَا مَالِي فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ، وَمَنْ كُنْتُ شَتَمْتُ لَهُ عِرْضًا فَهَذَا عِرْضِي فَلْيَسْتَقِدْ، وَلَا يَقُولَنَّ قَائِلٌ: أَخَافُ الشَّحْنَاءَ مِنْ قِبَلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَلَا وَإِنَّ الشَّحْنَاءَ لَيْسَتْ مِنْ شَأْنِي وَلَا مِنْ خُلُقِي، وَإِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ مِنْ أَخَذَ حَقًّا إِنْ كَانَ لَهُ عَلَيَّ، أَوْ حَلَّلَنِي فَلَقِيتُ اللَّهَ عز وجل وَلَيْسَ لِأَحَدٍ عِنْدِي مَظْلِمَةٌ " قَالَ: فَقَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِي عِنْدَكَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ. فَقَالَ:" أَمَّا أَنَا فَلَا أُكَذِّبُ قَائِلًا وَلَا مُسْتَحْلِفُهُ عَلَى يَمِينٍ، فِيمَ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي؟ " قَالَ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّهُ مَرَّ بِكَ سَائِلٌ فَأَمَرْتَنِي، فَأَعْطَيْتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ. قَالَ:" أَعْطِهِ يَا فَضْلُ " قَالَ: وَأَمَرَ بِهِ فَجَلَسَ. قَالَ: ثُمَّ عَادَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَقَالَتِهِ الْأُولَى، ثُمَّ قَالَ:" يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْغُلُولِ شَيْءٌ فَلْيَرُدَّهُ " فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِنْدِي ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ غَلَلْتُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ:" فَلِمَ غَلَلْتَهَا؟ " قَالَ: كُنْتُ إِلَيْهَا مُحْتَاجًا. قَالَ: " خُذْهَا مِنْهُ يَا فَضْلُ " ثُمَّ عَادَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَقَالَتِهِ الْأُولَى وَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ أَحَسَّ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا فَلْيَقُمْ أَدْعُو اللَّهَ لَهُ " فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَمُنَافِقٌ، وَإِنِّي

ص: 44