الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مِنْهَا صَفْوَةُ الْمَذْهَبِ فِي نِهَايَةِ الْمَطْلَبِ، فِي سبع مجلدات، والانتصاف في أربعة، والخلاف في أربعة، والذريعة [في معرفة الشريعة] والمرشد وغير ذلك، و [كتابا سماه مأخذ النظر، ومختصرا] في الفرائض، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ وَالْعِمَادُ فَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْقَاضِي الْفَاضِلُ. وَأَوْرَدَ لَهُ العماد أشعارا كثيرة وابن خلكان، منها:
أُؤَمِّلُ أَنْ أَحْيَا وَفِي كُلِّ سَاعَةٍ
…
تَمُرُّ بى الموتى يهز نُعُوشُهَا
وَهَلْ أَنَا إِلَّا مِثْلُهُمْ غَيْرَ أَنَّ لِي
…
بَقَايَا لَيَالٍ فِي الزَّمَانِ أَعِيشُهَا
أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبَانَ
أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَفْضَلِ الزَّمَانِ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: كَانَ عَالِمًا مُتَبَحِّرًا فِي عُلُومٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْفِقْهِ، وَالْأُصُولِ وَالْحِسَابِ وَالْفَرَائِضِ وَالنُّجُومِ وَالْهَيْئَةِ وَالْمَنْطِقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ جَاوَرَ بِمَكَّةَ وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صُحْبَةً وَخُلُقًا.
الْفَقِيهُ الْأَمِيرُ ضِيَاءُ الدِّينِ عِيسَى الْهَكَّارِيُّ
كَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَسَدِ الدِّينِ شِيرَكُوهْ، دَخَلَ مَعَهُ إِلَى مِصْرَ، وَحَظِيَ عِنْدَهُ، ثُمَّ كَانَ مُلَازِمًا لِلسُّلْطَانِ صَلَاحِ الدِّينِ حَتَّى مات فِي رِكَابِهِ بِمَنْزِلَةِ الْخَرُّوبَةِ قَرِيبًا مِنْ عَكَّا، فنقل إلى القدس فدفن به، كان مِمَّنْ تَفَقَّهَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ البرزي الجزري، وكان من الفضلاء والأمراء الكبار.
الْمُبَارَكُ بْنُ الْمُبَارَكِ الْكَرْخِيُّ
مُدَرِّسُ النِّظَامِيَّةِ، تَفَقَّهَ بابن الخل [وحظي] بمكانة عِنْدَ الْخَلِيفَةِ وَالْعَامَّةِ، وَكَانَ يُضْرَبُ بِحُسْنِ خَطِّهِ المثل. ذكرته في الطبقات.
ثم دخلت سنة ست وثمانين وخمسمائة
استهلت والسلطان محاصر لحصن عكا، وأمداد الفرنج تَفِدُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْبَحْرِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، حتى أن نساء الفرنج لِيَخْرُجْنَ بِنِيَّةِ الْقِتَالِ، وَمِنْهُنَّ مَنْ تَأْتِي بِنِيَّةِ راحة الغرباء لينكحوها في الغربة، فيجدون راحة وخدمة وقضاء وطر، قدم إليهم مركب فيه ثلاثمائة امرأة من أحسن النساء وأجملهن بهذه النية، فإذا وجدوا ذلك ثبتوا على الحرب والغربة، حَتَّى إِنَّ كَثِيرًا مِنْ فَسَقَةِ الْمُسْلِمِينَ تَحَيَّزُوا إليهم من أجل هذه النسوة، واشتهر الخبر بذلك. وشاع بين المسلمين والفرنج بأن ملك الألمان قد أقبل بثلاثمائة أَلْفِ مُقَاتِلٍ، مِنْ نَاحِيَةِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، يُرِيدُ أَخْذَ الشام وقتل أهله، انتصارا لبيت المقدس فعند ذلك حمل السلطان والمسلمون هما عظيما، وخافوا غاية الخوف، مع ما هم فيه من الشغل والحصار الهائل، وقويت قلوب الفرنج بذلك، واشتدوا للحصار والقتال، ولكن لطف الله وأهلك عامة جنده فِي الطُّرُقَاتِ بِالْبَرْدِ وَالْجُوعِ وَالضَّلَالِ فِي الْمَهَالِكِ، على ما سيأتي بيانه. وكان سبب قتال الفرنج وخروجهم
من بلادهم ونفيرهم مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي كَامِلِهِ أَنَّ جماعة من الرهبان والقسيسين الذين كانوا ببيت المقدس وغيره، ركبوا من صور في أربعة مراكب، وخرجوا يطوفون ببلدان النصارى البحرية، وما هو قاطع البحر من الناحية الأخرى، يحرضون الفرنج ويحثونهم على الانتصار لبيت المقدس، ويذكرون لهم ما جرى على أهل القدس، وأهل السَّوَاحِلِ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَخَرَابِ الدِّيَارِ، وَقَدْ صوروا صورة المسيح وصورة عربي آخر يضربه ويؤذيه، فَإِذَا سَأَلُوهُمْ مَنْ هَذَا الَّذِي يَضْرِبُ الْمَسِيحَ؟ قَالُوا هَذَا نَبِيُّ الْعَرَبِ يَضْرِبُهُ وَقَدْ جَرَحَهُ ومات، فينزعجون لذلك ويحمون ويبكون ويحزنون فعند ذلك خرجوا مِنْ بِلَادِهِمْ لِنُصْرَةِ دِينِهِمْ وَنَبِيِّهِمْ، وَمَوْضِعِ حَجِّهِمْ على الصعب والذلول، حتى النساء المخدرات والزواني والزانيات الَّذِينَ هُمْ عِنْدَ أَهْلِيهِمْ مِنْ أَعْزِّ الثَّمَرَاتِ.
وفي نصف ربيع الأول تسلم السلطان شعيف أربون بِالْأَمَانِ، وَكَانَ صَاحِبُهُ مَأْسُورًا فِي الذُّلِّ وَالْهَوَانِ، وَكَانَ مِنْ أَدْهَى الْفِرِنْجِ وَأَخْبَرِهِمْ بِأَيَّامِ النَّاسِ، وَرُبَّمَا قَرَأَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وكان مع هذا غليظ الجلد قاسي القلب، كافر النفس. وَلَمَّا انْفَصَلَ فَصْلُ الشِّتَاءِ وَأَقْبَلَ الرَّبِيعُ جَاءَتِ ملوك الإسلام مِنْ بُلْدَانِهَا بِخُيُولِهَا وَشُجْعَانِهَا، وَرِجَالِهَا وَفُرْسَانِهَا، وَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى الْمَلِكِ صَلَاحِ الدِّينِ أَحْمَالًا مِنَ النِّفْطِ وَالرِّمَاحِ، وَنَفَّاطَةً وَنَقَّابِينَ، كُلٌّ مِنْهُمْ مُتْقِنٌ فِي صَنْعَتِهِ غَايَةَ الْإِتْقَانِ، وَمَرْسُومًا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَانْفَتَحَ الْبَحْرُ وَتَوَاتَرَتْ مَرَاكِبُ الْفِرِنْجِ مِنْ كل جزيرة، لأجل نصرة أصحابهم، يمدونهم بِالْقُوَّةِ وَالْمِيرَةِ، وَعَمِلَتِ الْفِرِنْجُ ثَلَاثَةَ أَبْرِجَةٍ مِنْ خَشَبٍ وَحَدِيدٍ، عَلَيْهَا جُلُودٌ مُسْقَاةٌ بِالْخَلِّ، لِئَلَّا يَعْمَلَ فِيهَا النِّفْطُ، يَسَعُ الْبُرْجُ مِنْهَا خَمْسَمِائَةِ مقاتل، وهي أعلا مِنْ أَبْرِجَةِ الْبَلَدِ، وَهِيَ مُرَكَّبَةٌ عَلَى عَجَلٍ بِحَيْثُ يُدِيرُونَهَا كَيْفَ شَاءُوا، وَعَلَى ظَهْرِ كُلِّ منها منجنيق كبير، فلما رأى المسلمون ذلك أهمهم أمرها وخافوا على البلد ومن فيه من المسلمين أن يؤخذوا، وحصل لهم ضيق منها، فأعمل السلطان فكره بإحراقها، وأحضر النفاطين ووعدهم بالأموال الجزيلة إن هم أحرقوها، فانتدب لذلك شَابٌّ نَحَّاسٌ مِنْ دِمَشْقَ يُعْرَفُ بِعَلِيِّ بْنِ عريف النحاسين، والتزم بإحراقها، فأخذ النفط الأبيض وخلطه بأدوية يعرفها، وعلى ذَلِكَ فِي ثَلَاثَةِ قُدُورٍ مِنْ نُحَاسٍ حَتَّى صَارَ نَارًا تَأَجَّجُ، وَرَمَى كُلَّ بُرْجٍ مِنْهَا بِقَدْرٍ مِنْ تِلْكَ الْقُدُورِ بِالْمَنْجَنِيقِ مِنْ دَاخِلِ عكا، فاحترقت الأبرجة الثلاثة حتى صارت نارا باذن الله، لها ألسنة في الجو متصاعدة، واحترق من كان فيها، فَصَرَخَ الْمُسْلِمُونَ صَرْخَةً وَاحِدَةً بِالتَّهْلِيلِ، وَاحْتَرَقَ فِي كُلِّ بُرْجٍ مِنْهَا سَبْعُونَ كَفُورًا، وَكَانَ يَوْمًا على الكافرين عسيرا، وذلك يوم الاثنين الثاني وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وكان الفرنج قد تعبوا في عملها سَبْعَةَ أَشْهُرٍ، فَاحْتَرَقَتْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ (وَقَدِمْنا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً) 25: 23 ثم أمر السلطان لذلك الشاب النحاس بعطية سنية، وأموال كثيرة فامتنع أن يقبل شيئا من ذلك، وقال: إنما عملت ذلك ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، وَرَجَاءَ
مَا عِنْدَهُ سُبْحَانَهُ، فَلَا أُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا.
وَأَقْبَلَ الْأُسْطُولُ الْمِصْرِيُّ وَفِيهِ الْمِيرَةُ الكثيرة لأهل البلد، فعبى الفرنج أسطولهم ليقاتلوا أسطول المسلمين، نهض السلطان بجيشه ليشغلهم عنهم، وَقَاتَلَهُمْ أَهْلُ الْبَلَدِ أَيْضًا وَاقْتَتَلَ الْأُسْطُولَانِ فِي البحر، وكان يوما عسيرا، وحربا في البر والبحر، فظفرت الفرنج بشبينى وَاحِدٍ مِنَ الْأُسْطُولِ الَّذِي لِلْمُسْلِمِينَ، وَسَلَّمَ اللَّهُ الْبَاقِيَ فَوَصَلَ إِلَى الْبَلَدِ بِمَا فِيهِ مِنَ الميرة، وكانت حاجتهم قد اشتدت إليها جدا، بل إلى بعضها.
وَأَمَّا مَلِكُ الْأَلْمَانِ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ فَإِنَّهُ أَقْبَلَ في عدد وعدد كثير جدا، قَرِيبٍ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، مِنْ نِيَّتِهِ خراب البلد وقتل أهلها من المسلمين، والانتصار لبيت المقدس، وأن يأخذ البلاد إقليما بعد إقليم، حتى مكة والمدينة، فما نال من ذلك شيئا بعون الله وقوته، بل أهلكهم الله عز وجل في كل مكان وزمان، فكانوا يتخطفون كما يتخطف الْحَيَوَانُ، حَتَّى اجْتَازَ مَلِكُهُمْ بِنَهْرٍ شَدِيدِ الْجَرْيَةِ فَدَعَتْهُ نَفْسُهُ أَنْ يَسْبَحَ فِيهِ، فَلَمَّا صَارَ فيه حمله الماء إلى شَجَرَةٍ فَشَجَّتْ رَأْسَهُ، وَأَخْمَدَتْ أَنْفَاسَهُ، وَأَرَاحَ اللَّهُ منه العباد والبلاد، فأقيم ولده الأصغر في الملك، وَقَدْ تَمَزَّقَ شَمْلُهُمْ، وَقَلَّتْ مِنْهُمُ الْعُدَّةُ، ثُمَّ أَقْبَلُوا لَا يَجْتَازُونَ بِبَلَدٍ إِلَّا قُتِلُوا فِيهِ، فما وصلوا إلى أصحابهم الذين على عكا إلا في ألف فارس، فلم يرفعوا بهم رأسا ولا لهم قدرا ولا قيمة بينهم، ولا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِمْ وَلَا غَيْرِهِمْ، وهكذا شأن من أراد إطفاء نور الله وإذ لال دين الإسلام. وَزَعَمَ الْعِمَادُ فِي سِيَاقِهِ أَنَّ الْأَلْمَانَ وَصَلُوا في خمسة آلاف، وأن ملوك الافرنج كُلَّهُمْ كَرِهُوا قُدُومَهُمْ عَلَيْهِمْ، لِمَا يَخَافُونَ مِنْ سطوة ملكهم، وَزَوَالِ دَوْلَتِهِمْ بِدَوْلَتِهِ، وَلَمْ يَفْرَحْ بِهِ إِلَّا الْمَرْكِيسُ صَاحِبُ صُورَ، الَّذِي أَنْشَأَ هَذِهِ الْفِتْنَةَ وأثار هذه المحنة، فإنه تقوى به وبكيده، فإنه كان خبيرا بالحروب، وقد قدم بأشياء كَثِيرَةً مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ لَمْ تَخْطُرْ لِأَحَدٍ بِبَالٍ نَصَبَ دَبَّابَاتٍ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، تَسِيرُ بِعَجَلٍ ولها زلوم من حديد، تنطح السور فتخرقه، وتثلم جوانبه، فمنّ الله العظيم بإحراقها، وأراح الله المسلمين منها، ونهض صاحب الألمان بالعسكر الفرنجى فصادم به جيش المسلمين [فجاءت جيوش المسلمين] بِرُمَّتِهَا إِلَيْهِ، فَقَتَلُوا مِنَ الْكَفَرَةِ خَلْقًا كَثِيرًا وجما غفيرا، وهجموا مرة على مخيم السلطان بغتة فتهبوا بعض الأمتعة، فنهض الْمَلِكُ الْعَادِلُ أَبُو بَكْرٍ- وَكَانَ رَأْسَ الْمَيْمَنَةِ- فَرَكِبَ، فِي أَصْحَابِهِ وَأَمْهَلَ الْفِرِنْجَ حَتَّى تَوَغَّلُوا بَيْنَ الْخِيَامِ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِمْ بِالرِّمَاحِ وَالْحُسَامِ، فهربوا بَيْنَ يَدَيْهِ فَمَا زَالَ يَقْتُلُ مِنْهُمْ جَمَاعَةً بعد جماعة، وفرقة بعد فرقة، حتى كسوا وَجْهَ الْأَرْضِ مِنْهُمْ حُلَلًا أَزْهَى مِنَ الرِّيَاضِ الباسمة، وأحب إلى النفوس من الخدود الناعمة، وأقل ما قيل إنه قتل منهم خمسة آلاف، وزعم العماد أَنَّهُ قَتَلَ مِنْهُمْ فِيمَا بَيْنُ الظُّهْرِ إِلَى العصر عشرة آلاف والله أعلم.
هَذَا وَطَرَفُ الْمَيْسَرَةِ لَمْ يَشْعُرْ بِمَا جَرَى ولا درى، بل نائمون وقت القائلة في خيامهم، وكان