الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل.
لما ذكر أركان الإيمان بين ما يدخل في الأول، وهو الإيمان بالله، أنه يدخل فيه الإيمان بالأسماء والصفات، فمن جحد الأسماء والصفات لم يكن مؤمنا بالله الإيمان الصحيح، وهذا رد على المعطلة الذين عطلوا أسماء الله وصفاته لأنهم لم يؤمنوا بالأسماء والصفات.
فمن الإيمان بالله
الإيمان بأسماء الله وصفاته
الواردة في الكتاب والسنة «من غير تحريف ومن غير تعطيل» ، التحريف: هو التغيير، أي: تغيير الألفاظ، أو تغيير المعاني، هذا هو التحريف.
تحرف الألفاظ بأن يزاد فيها أو ينقص، مثل:«استوى» قالوا: «استولى» ، هذا تحريف لفظ، حيث زادوا حرفا.
ومن تحريف المعنى: تفسير الاستواء بالاستيلاء، وتفسير اليد بالقدرة، وتفسير الوجه بالذات، هذا من تحريف كلام الله عز وجل، قال تعالى:{يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [النساء: 46] .
قوله: «ومن غير تعطيل» ، التعطيل هو: جحد الأسماء والصفات وإخلاء الله منها.
بل أعتقد أن الله سبحانه وتعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] ، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه، ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته.
المؤلف – رحمه الله تعالى – يعتقد ما دلت عليه هذه الآية؛ لأنها ميزان في جميع الأسماء والصفات {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} في أسمائه وصفاته، وإن كانت أسماؤه تشترك مع أسماء المخلوقين في ألفاظها ومعانيها لكن لا تشبهها في حقيقتها وكيفيتها، فالاشتراك في اللفظ وأصل المعنى لا يقتضي الاشتراك في الحقيقة والكيفية؛ كما قال تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} في هذا رد على المعطلة، فنفى عن نفسه المثلية، وأثبت لنفسه الأسماء والصفات، السمع والبصر، فدل على أن إثبات الأسماء والصفات لا يقتضي التشبيه. وقوله:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} هذا فيه نفي {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} هذا فيه إثبات، نفى عن نفسه المثلية، وأثبت لنفسه الأسماء والصفات.
وقوله: «لا أنفي عنه ما وصف به نفسه» ؛ كما فعلت المعطلة.
وقوله: «لا ألحد» ، الإلحاد في اللغة هو: الميل، والإلحاد في الأسماء والصفات هو: الميل بها عن مدلولها إلى مدلول باطل؛ كتفسير الوجه بالذات واليد بالقدرة أو النعمة، وهكذا. هذا تحريف للكلم عن مواضعه، قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا} [فصلت: 40]، {يُلْحِدُونَ} يعني: يميلون بها إما بجحدها كما فعلت المعطلة، وإما بتشبيهها بصفات خلقه كما فعلته الممثلة، وإما بالزيادة عليها شيئا لم يثبته الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، وإما بجعلها أسماء للأصنام كاللات والعزى
…
إلى آخره.
ولا أكيف، ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه؛ لأنه تعالى لا سمي له ولا كفؤ، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه، فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلا وأحسن حديثا.
هذا القسم الثاني من الضلال في أسماء الله وصفاته: الممثلة، زادوا في الإثبات وغلوا في الإثبات، ولم يفرقوا بين صفات الله وصفات خلقه، ولا يبين أسمائه وأسماء خلقه، هؤلاء مشبهة والعياذ بالله؛ ولهذا قال أهل العلم:«المعطل يعبد عدما والممثل يعبد صنما» . فقولهم: المعطل يعبد عدما؛ لأن الذي ليس له أسماء وصفات: عدم، والممثل يعبد صنما من البشر؛ لأنه جعل الله مثل البشر، تعالى الله عن ذلك.
فقوله: «ولا أكيف، ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه» ، يعني: لا أعلم كيفيتها ولا مثليتها، وإنما هذا من علم الله - جل وعلا -، لا يعلم كيفية صفاته إلا هو، ولا يعلم كيفية ذاته إلا هو سبحانه وتعالى {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] ، فالمؤمنون يعلمون ربهم، وأنه هو ربهم وخالقهم، ويعلمون وجوده وكماله، لكن لا يحيطون به.
وقوله: «لا سمي له» ، يعني: لا أحد يستحق اسمه على الحقيقة، وليس معنى «لا سمي له» : لا أحد يسمى باسمه؛ لأنه يسمى المخلوق: العزيز، والملك، يسمى المخلوق بما يوافق اسم الخالق في الحروف
والمعنى، لكن لا يوافقه في الكيفية، فمعنى «لا سمي» يعني: لا أحد يستحق اسمه على الحقيقة؛ كما قال تعالى: {فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] ، أي لا أحد يساوي الله - جل وعلا – في أسمائه وصفاته.
وقوله: «ولا كفؤ» ؛ كقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4] ، أي لا أحد يكافيه سبحانه ويساويه - جل وعلا -.
وقوله: «ولا ند له» ، الند: هو المثيل أيضا {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} جمع ند، وهو المثيل، {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} [إبراهيم: 30] ، فالذين عبدوا الأصنام جعلوها أندادا لله، مشابهة له سبحانه وتعالى، وإلا لماذا عبدوها معه؟ ولهذا يوم القيامة يقولون:{تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 97، 98] ، يعترفون أنهم ساووهم برب العالمين في الدنيا، فاستحقوا النار يوم القيامة من باب التحسر. قال تعالى:{الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1]، {يَعْدِلُونَ} يعني: يساوون به غيره من المخلوقين.
وقوله: «ولا يقاس بخلقه» ، فهو سبحانه لا يقاس بخلقه في أسمائه وصفاته، فالأسماء والصفات وإن كانت تشترك في اللفظ وجملة المعنى لكنها تختلف في الحقيقة والكيفية.
وقوله: «فهو سبحانه أعلم بنفسه وبغيره» ، هو أعلم بنفسه وأما غيره فلا يعلم عن الله إلا ما علمه الله - جل وعلا -؛ الملائكة تقول:{سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} [البقرة: 32]، والله - جل وعلا – يقول لنبيه:{وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]، والله - جل وعلا – يقول:{وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76]، ويقول:{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}
[الإسراء: 85] ، فهو سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأما غيره فلا يعلم حقيقة الله وكيفية الله - جل وعلا -، لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى.
وقوله: «وأصدق قيلا وأحسن حديثا» ؛ كما في القرآن: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122]، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء: 87] ، لا أحد أحسن من الله ولا أصدق من الله، والله قال في كتابه أنه سميع، وأنه بصير، وأنه حكيم، وأنه عليم، وأن له وجها، وأن له يدين، قال هذا عن نفسه سبحانه وتعالى، فهو أعلم بنفسه.
ثم يأتي هؤلاء المعطلة ويقولون: هذا لا يليق بالله، ما يليق بالله أن يقال: له وجه، ولا يقال: له يد، ولا يقال: إنه سميع ولا بصير؛ لأن هذه الصفات في الخلق موجودة وإذا أثبتناها شبهنا الله بخلقه!!.
فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل، وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل، فقال:{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات: 180 – 182] .
نزه نفسه سبحانه وتعالى عن مذهب الطائفتين – مذهب الممثلة، ومذهب المعطلة – وأثبت لنفسه الأسماء والصفات على ما يليق بحلاله سبحانه وتعالى؛ ولهذا قال:{سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الصافات: 159]، وقال:{سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الطور: 43] ، نزه نفسه عن ذلك.
هذا هو المذهب الحق، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة، وهو الذي قال الشيخ – رحمه الله – إنه عقيدته ومعتقده.
قال تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} ، نزه نفسه عما يصفه به أهل التعطيل وأهل التمثيل، ثم قال:{وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ} سلم عليهم لسلامة ما قالوه في الله عز وجل لسلامته من العيب والنقص، فالمرسلون وصفوا الله بما وصف به نفسه؛ لذلك سلم الله عليهم، وختم الآيات بقوله:{وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} له الثناء كله والحمد كله، لا يستحقه إلا هو سبحانه وتعالى.
فهل بعد هذا البيان يظن أحد أن الشيخ عنده شيء يخالف به أهل العلم كما يتهمه خصومه؟ الجواب: لا، فهذه عقيدته واضحة نقية مما يرمونه به من الشبهات.
والفرقة الناجية وسط في باب أفعاله تعالى بين القدرية والجبرية.
لما ذكر الشيخ رحمه الله في أول الرسالة أصول الإيمان، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خير وشره، وبين أنه على عقيدة السلف في أسماء الله وصفاته مخالفا بذلك فرقتي المعطلة والمشبهة والممثلة، وقرر هذا الأصل، الذي هو داخل في الإيمان بالله عز وجل؛ لأن الإيمان بالله يشمل: الإيمان بتوحيد الربوبية، والإيمان بتوحيد الألوهية، والإيمان بتوحيد الأسماء والصفات.
ثم ذكر في هذه الجملة ما يتعلق بالأصل الأخير وهو الإيمان بالقدر؛ لأن هذا وقع فيه خلاف وتفرق بين طوائف القدرية والجبرية.
أما القدرية فالمراد بهم: الذين ينفون القدر، وهم المعتزلة أتباع واصل بن عطاء، سموا بالمعتزلة لأنهم اعتزلوا مجلس الحسن البصري رحمه الله، وكونوا لهم جماعة وتبنوا مذهبا في التوحيد يخالف مذهب أهل السنة والجماعة. وأيضا في أصول الإيمان جعلوا لهم أصولا غيرها، وهي الأصول الخمسة، وهي:
الأول: التوحيد، ويريدون به نفي الصفات، يسمون نفي الصفات توحيدا؛ لأن إثبات الصفات يقتضي تعدد الآلهة عندهم.
والثاني: العدل، ويريدون به نفي القضاء والقدر؛ لأنهم يقولون: إثبات القضاء والقدر يلزم عليه الجور والظلم في حق الله تعالى، حيث يعذب عباده على شيء قدره عليهم.
والثالث: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويريدون به الخروج على ولاة الأمور، فالذي يخرج على الولاة، هذا هو الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر عندهم.
والرابع: المنزلة بين المنزلتين، وهذه هي التي خالفوا واعتزلوا من أجلها مجلس الحسن، لما سئل الحسن رحمه الله عن حكم مرتكب الكبيرة، أجاب بما عليه أهل السنة والجماعة، قال:«هو مؤمن ناقص الإيمان» ، فلا يكفر كما تكفره الخوارج، ولا يوصف بالإيمان الكامل؛ كما تقوله المرجئة، بل هو مؤمن ناقص الإيمان، فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.
فلما أجاب الحسن بهذا الجواب، وكان واصل بن عطاء تلميذا له، قال: أنا أقول: إنه لا مؤمن ولا كافر، بل هو في المنزلة بين المنزلتين، يخرج من الإيمان ولكنه لا يدخل في الكفر، فهو في المنزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، فإن مات ولم يتب فإنه يكون خالدا في النار؛ كما تقوله الخوارج، فأحدثوا القول بالمنزلة بين المنزلتين وعرفوا بذلك.
والخامس: إنفاذ الوعيد، ويريدون به أن النار لا يخرج منها من دخلها، فأوجبوا خلود مرتكب الكبيرة من أهل القبلة في النار، وقالوا: من استحق العذاب لا يستحق الثواب.
ومحط البحث الآن في الأصل الثاني وهو العدل، وأما مرتكب الكبيرة فيأتي بعده مباشرة.
فالعدل: وهو نفي القدر عندهم، وهذا غلط فيه المعتزلة والجبرية، وهما على طرفي نقيض.
فالمعتزلة يقولون: إن العبد يستقل بفعله وليس لله فيه قضاء ولا قدر، وإنما العبد هو الذي يستقل بفعله، والأمر أنف - يعني مستأنف – لم يقدر ولم يكتب في اللوح المحفوظ، وغلاتهم يقولون: ولم يعلمه الله قبل وقوعه. فينفون العلم، وهؤلا كفار بلا شك؛ لأنهم إذا نفوا العلم فهم كفار.
أما جمهورهم فيقولون: الله يعلمه ولكنه لم يقدره، وإنما علم أن هذا سيقع لكنه بدون تقدير منه سبحانه وتعالى.
وشيخ الإسلام ابن تيمية في «الواسطية» يقول: إن الصنف الأول وهم الذين ينفون العلم انقرضوا. أو القائل به منهم قليل في وقت الشيخ، أما الآخرون فلا يزالون إلى الآن باقون يقولون: إن الله يعلمه لكن لم يقدره، وإنما العبد هو الذي أحدثه بدون أن يقدره الله عليه.
هؤلاء هم القدرية، سموا بالقدرية لأنهم ينفون القدر، فيغلون في إثبات أفعال العباد ويقولون: هم الذين يوجدونها بدون أن يقدرها الله عليهم.
وأما الجبرية: فهم الجهمية ومن أخذ بقولهم، فهم على النقيض، يغلون في إثبات القدر والمشيئة وينفون أفعال العباد، ويقولون: العبد مجبور ليس له اختيار في أفعاله، وإنما يحرك كما تحرك الريشة في الهواء، أو هو كالميت بين يدي الغاسل يقلبه، ليس له اختيار. فهم
غلوا في إثبات القدر وإرادة الله سبحانه وتعالى، ونفوا أفعال العباد، واعتبروهم مجبرين على أفعالهم ليس لهم فيها اختيار ولا مشيئة، ولذلك سموا بالجبرية لأنهم يقولون بالجبر.
أهل السنة والجماعة توسطوا – كما هي عادتهم في كل أمور الدين هم وسط فيها – فأثبتوا أن للعبد فعلا ومشيئة واختيارا، ولكنه لا يخرج بذلك عن مشيئة الله وإرادته، فأثبتوا للعبد مشيئة واختيارا وإرادة وأفعالا، خلافا للجبرية، ولكنه لا يخرج عن قضاء الله وقدره، خلافا للقدرية، وهذا هو الذي تدل عليه الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلولا أن للعبد مشيئة واختيارا وقدرة لما عذبه الله على أفعاله، فلو كان مجبرا – كما تقوله الجبرية – لم يعذبه الله على أفعال ليس له فيها اختيار.
ومن أدلة أهل السنة والجماعة قوله تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 28، 29]، قوله:{لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} دل على أن الإنسان يستقيم على طاعة الله بمشيئته لا يجبر على ذلك، إما أن يستقيم وإما أن يعصي، فهو الذي يؤمن وهو الذي يكفر، وهو المؤمن، والكافر، والفاسق، والزاني، والسارق، والشارب، هو نفسه.
فأثبت للعبد مشيئة في قوله: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} ، ثم قال:{وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} ، هذا رد على القدرية، فأول الآية رد على الجبرية، وآخرها رد على القدرية، فالآية فيها رد على الطائفتين.
وقوله: {لِمَنْ شَاءَ} هذا رد على الجبرية الذين ينفون مشيئة العبد وإرادته، وأنه يحرك بدون اختيار منه، وقوله:{إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} رد على القدرية الذين ينفون القدر ويغلون في إثبات مشيئة العبد،
ويقولون: إن العبد يشاء ولو لم يشأ الله ولو لم يقدر الله، هو يفعل ويشاء بابتداعه وإيجاده هو. وبعضهم يقول: الله لا يعلم أفعاله قبل أن تقع، وهؤلاء هم الغلاة، وبعضهم يقول: يعلمها لكنه لم يقدرها. هذا هو ملخص البحث في هذه المسألة.
والقضاء والقدر ثابت في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى:{وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2]، وقال:{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]، وقال:{وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29] .
وفي السنة: حديث جبريل لما قال للرسول صلى الله عليه وسلم: «أخبرني عن الإيمان، قال: الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» .
والإيمان بالقدر على أربع مراتب لا بد من الإيمان بها كلها.
المرتبة الأولى: الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى علم كل شيء بعلمه الأزلي الذي هو موصوف به أزلا وأبدا، وهذه المرتبة هي التي نفاها غلاة القدرية.
المرتبة الثانية: الإيمان بأن الله كتب في اللوح المحفوظ كل شيء، لحديث:«أول ما خلق الله تبارك وتعالى القلم، ثم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما يكون وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة» ، والله - جل وعلا – يقول:{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ}
الكتاب هو اللوح المحفوظ {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} أي نخلقها {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد: 22] ، والكتابة «قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» ، فالكتابة سابقة بأزمان على خلق السماوات والأرض.
المرتبة الثالثة: مرتبة المشيئة والإرادة، فكل شيء يقع فهو بمشيئة الله وإرادته، وفي هذا رد على القدرية، فلا يكون في ملكه سبحانه وتعالى ما لا يشاؤه ولا يريده {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة: 253] {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج: 18] ، فكل شيء يحدث فقد شاءه الله وأراده بعد ما علمه وكتبه في اللوح المحفوظ.
المرتبة الرابعة: مرتبة الإيجاد والخلق، علمه وكتبه وشاءه وخلقه سبحانه وتعالى.
لا بد أن تؤمن بهذه المراتب كلها وإلا لم تكن مؤمنا بالقضاء والقدر.
قوله: «والفرقة الناجية» ، سميت ناجية؛ لأنها ناجية من النار، بخلاف بقية الفرق فإنها في النار؛ كما قال صلى الله عليه وسلم:«وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» ، هذه الواحدة هي الناجية من النار، وهذه الفرق النار وهي تتفاوت، منها ما هو في النار لكفره، يخلد فيها، ومنها ما هو في النار لمعصيته ولا يخلد فيها، فلا يلزم من هذا أن هذه الفرق كلها كافرة، بل هي متفاوتة؛ لأن الخلاف يتفاوت.
وقوله: «وسط في باب أفعاله تعالى بين القدرية والجبرية» ، الجبرية: هم أتباع الجهم بن صفوان، الذي يقول بالجبر، ويقول بالإرجاء، ويقول بالتجهم.
ولهذا يقول ابن القيم في «النونية» :
جيم وجيم ثم جيم معهما
…
مقرونة مع أحرف بوزان
يعني جمع بين ثلاث جيمات، والرابعة جيم جهنم والعياذ بالله.
وهم في باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية.
هذه مسألة الكفر والإيمان لأصحاب الكبائر من أهل الإيمان، من حصل منه كبيرة دون الشرك؛ كالزنا والسرقة وشرب الخمر، وغير ذلك من الكبائر التي هي دون الشرك.
الخوارج كفروه، وقالوا: يخرج من الإسلام إلى الكفر – والعياذ بالله – ويستدلون بآيات من القرآن، آيات متشابهة لا يردونها إلى الآيات المحكمة، مثل قوله:{وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: 23] . استدلوا بهذا على أن كل من عصى الله فهو في نار جهنم خالدا فيها أبدا، وأنه كافر، فيكفرون السارق والزاني وشارب الخمر، كل مرتكب كبيرة يكفرونه، ويخرجونه من الإسلام، ويخلدونه في النار إذا مات ولم يتب.
هذا مذهب الوعيدية، لماذا سموا بالوعيدية؟ لأنهم أخذوا بآيات الوعيد وتركوا آيات الوعد التي فيها وعد الله بالمغفرة والتوبة، مثل قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] ، فالله أخبر أنه لا يغفر للمشرك الشرك الأكبر، وأنه يغفر ما دون الشرك، ويدخل في ذلك جميع المعاصي، هذا وعد من الله - جل وعلا -.
وهذا أخذ به المرجئة الذين يقولون: إن صاحب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان، فقالوا: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة. وسموا مرجئة؛ لأنهم أرجؤوا؛ أي أخروا الأعمال عن مسمى الإيمان، وقالوا: الإيمان هو التصديق بالقلب.
وهم مع هذا أربع طوائف:
الأولى: مرجئة الفقهاء، من الكوفيين والأحناف الذين يقولون:
إن الإيمان هو قول باللسان واعتقاد بالقلب. ولا يدخلون فيه العمل.
الثانية: الأشاعرة ومن أخذ بمذهبهم، فيقولون: الإيمان هو التصديق بالقلب ولو لم ينطق بلسانه، فمن صدق بقلبه فهو مؤمن حتى ولو لم يتكلم. وعلى هذا فالكفار مؤمنون؛ لأنهم يصدقون بقلوبهم لكن لا ينطقون بألسنتهم، قال تعالى:{قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33] . هم يصدقون بقلوبهم ويعلمون أنه رسول الله، وأن القرآن كلام الله، وأن ما جاء به هو الحق، لكن يمنعهم – والعياذ بالله – موانع: إما الكبر والأنفة، أو الخوف على مناصبهم ورئاستهم، أو الحسد.
واليهود يعرفونه، {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ} ، يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146] ، يعرفون أنه رسول الله، ولكن لم يطيعوه ولم يؤمنوا برسالته {حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة: 109] ، تركوه حسدا، يريدون أن تكون النبوة في بني إسرائيل ولا تكون النبوة في بني إسماعيل، حسدوا بني إسماعيل فأبوا أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فهم يؤمنون بقلوبهم أنه رسول الله. فهذا رد على الأشاعرة الذين يقولون: إن الإيمان هو التصديق بالقلب ولو لم ينطق باللسان.
الثالثة: الكرامية، الذين يقولون: الإيمان هو النطق باللسان ولو لم يعتقد بقلبه، إذا نطق بلسانه وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ولو لم يعتقد بقلبه فهو مؤمن، كذلك يقولون. وهذا باطل يلزم عليه أن المنافقين مؤمنون؛ لأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، والله - جل وعلا – يقول:{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145] ، فهم يقولون بألسنتهم
ولكن لا يعتقدون بقلوبهم: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [المنافقون: 1، 2] ، شهادتهم للرسول جنة يتسترون بها دون القتل، يريدون أن يعيشوا مع المسلمين وهم كفار في قرارة أنفسهم وقلوبهم، حكم الله أنهم في الدرك الأسفل من النار تحت عبدة الأصنام. والكرامية يقولون: إنهم مسلمون ومؤمنون!!
الرابعة: أخبث فرق المرجئة وهم الجهمية الذين يقولون: إن الإيمان هو المعرفة بالقلب ولو لم يصدق، إذا عرف بقلبه فهو مؤمن ولو لم يصدق، ولو لم ينطق، ولو لم يعمل، ما دام أنه عارف بقلبه فهو مؤمن. وهذا القول أخبث مذاهب المرجئة.
فتبين من هذا معنى الإرجاء، وأنه تأخير العمل عن الإيمان، وأن العمل لا يدخل في الإيمان، وأن الإنسان يكون مؤمنا ولو لم يعمل، ولو لم يصل، ولم يصم، ولم يحج، ولم يعمل أي شيء، لو فعل ما فعل من المعاصي ومن الموبقات فهو مؤمن، والمعاصي لا تنقص إيمانه، لو زنى وسرق فهو مؤمن كامل الإيمان عندهم، ما دام أنه مصدق بقلبه.
والإيمان لا يتفاضل عندهم ولا يتفاوت، فإيمان أبي بكر أو جبريل مثل إيمان أفسق الناس عندهم.
والحق أن الإيمان يتفاوت: فالمؤمنون منهم من إيمانه كامل، ومنهم من إيمانه ناقص نقصا كثيرا أو قليلا، فالإيمان يتفاوت، ويزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والعمل داخل في حقيقة الإيمان، ومن ترك العمل تركا نهائيا بدون عذر ولم يعمل أبدا فليس بمؤمن، أما إذا ترك بعض الأشياء وفعل بعض الأشياء فإنه مؤمن ناقص الإيمان.
أهل السنة والجماعة قالوا: مرتكب الكبيرة التي دون الشرك مؤمن ولكنه ناقص الإيمان، أو هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وإذا مات فهو تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه، لكنه لا يخلد في النار {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] ، وفي الحديث:«انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار» ، وقال صلى الله عليه وسلم:«وذلك أضعف الإيمان» .
فالإيمان يكون قويا ويكون ضعيفا، ومن فيه إيمان فإنه لا يكفر، ولو فعل بعض المعاصي فلا يكفر لكنه ينقص إيمانه، فلا يعطى اسم الإيمان الكامل ولا يسلب اسم الإيمان بالكلية جمعا بين النصوص.
لهذا يقول الشيخ تقي الدين رحمه الله: «فلا يعطى الإيمان المطلق ولا يسلب مطلق الإيمان» .
لا يعطى الإيمان المطلق الكامل كما تقوله المرجئة، ولا يسلب مطلق الإيمان كما تقوله الخوارج والوعيدية، بل يعطى بقدر ما عنده.
وهذا مذهب الحق والاعتدال والجمع بين النصوص، فالمعاصي تنقص الإيمان وتضعفه – ردا على المرجئة – لكنها لا تخرج صاحبها من الإيمان، ردا على الخوارج والوعيدية.
والمعتزلة أحدثوا – كما مر بنا – المنزلة بين المنزلتين، وقالوا: ليس بمؤمن ولا كافر. وقولهم باطل؛ لأنه لا يوجد أحد ليس بمؤمن
وليس بكافر، إما أن يكون مؤمنا وإما أن يكون كافرا، قال تعالى:{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ} [التغابن: 2] ، إما كافر وإما مؤمن، والمؤمن إما مؤمن كامل الإيمان، وإما مؤمن ناقص الإيمان.
قوله: «وهم في باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية» ، المرجئة مر بنا تعريفهم، وهم الذين يقولون: إن العمل لا يدخل في حقيقة الإيمان. والوعيدية هم الذين ينفذون نصوص الوعيد، ويحكمون على مرتكب الكبيرة بالكفر والخروج من الإسلام.
هذا مذهب الخوارج – والعياذ بالله – ولهم ورثة الآن من المتعالمين والجهال الذين لا يحسنون الاستدلال، ولا يفقهون الأدلة ولا يراجعون عقيدة السلف، فيأخذون النصوص ويتلاعبون بها، ويحكمون على الناس بالكفر والخروج من الدين، ثم يحملون عليهم السلاح؛ كما فعل ذلك أسلافهم من الحرورية، نسأل الله العافية.
وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، وهم وسط في باب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الروافض والخوارج.
قوله: «الحرورية والمعتزلة» ، الحرورية هم الخوارج، سموا بالحرورية؛ لأنهم اجتمعوا في مكان في العراق يقال له: حروراء، اجتمعوا فيه لحرب المسلمين، فسموا بالحرورية، وكل من اعتقد مذهبهم يقال له: حروري؛ لأنه على مذهب الحرورية، والمعتزلة: أتباع واصل بن عطاء الذي اعتزل مجلس الحسن البصري.
وأهل السنة وسط في جميع أمور الدين – ولله الحمد – بين الإفراط والتفريط، وبين الغلو والتساهل؛ كما قال الله - جل وعلا -:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143]، والوسط هو: العدل الخيار، المتوسطة بين طرفين: طرف الإفراط وهو الغلو، وطرف التفريط وهو التساهل، فالإفراط أخذ به الخوارج، والتفريط أخذ به المرجئة، وأهل السنة وسط – ولله الحمد – بين هذا وهذا.
قوله: «في باب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم» ، الصحابة: جمع صحابي، والصحابي هو: من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على ذلك.
فقولهم: «من لقي النبي صلى الله عليه وسلم» يخرج به من آمن بالنبي ولم يلقه، هذا لا يسمى صحابيا، مثل النجاشي رحمه الله فإنه آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ولكنه لم يلقه، فلا يقال: إنه صحابي، ولما مات نعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وخرج بهم وصلى عليه صلاة الغائب.
«من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به» ، يخرج بذلك من لقي النبي ولم يؤمن به، فإن الكفار لقوا النبي صلى الله عليه وسلم، لقوه ورأوه واجتمعوا به.
«ومات على ذلك» يخرج بذلك من لقي النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به وصار صحابيا ثم ارتد، فإنه تبطل صحبته وتبطل جميع أعماله من الصحبة وغيرها إذا مات على الردة، قال تعالى:{وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217] ، أما لو تاب تاب الله عليه وعادت إليه الصحبة، وجميع الأعمال التي فعلها قبل الردة على الصحيح؛ لأن الله قال:{فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} ، فدل على أن الذي يتوب ولا يموت على الكفر أنه لا تحبط أعماله؛ لأن الله شرط لحبوط الأعمال شرطين:
الأول: أن يرتد.
الثاني: أن يموت وهو كافر.
فهذا هو الذي يحبط عمله من الصحبة وغيرها.
والواجب على المسلمين في حق الصحابة: محبتهم والاقتداء بهم والثناء عليهم وإكرامهم؛ لأنهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين جاهدوا معه، وتلقوا العلم عنه، وبلغوه للأمة، رضي الله عنهم وأرضاهم، والله - جل وعلا –، يقول:{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100]، {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} اتبعوهم: اقتدوا بهم وساروا على نهجهم، بإحسان لا يتبعون الصحابة دون معرفة لمذهبهم، هذا اتباع بغير إحسان، والإحسان معناه: الإتقان، والإتقان لا يكون إلا بمعرفة الشيء وفقهه،
فما كل من انتسب إلى الصحابة وقال: أنا على مذهب السلف، يكون كذلك حتى يكون محسنا، يعني متقنا لهذا الاقتداء، وهذا لا يحصل إلا بالتعلم، لا يحصل بمجرد الانتساب أو بمجرد الرغبة في الخير أو المحبة للخير، لا بد أن تعرف ما عليه الصحابة معرفة تامة ثم تتابعهم عليه، أما مجرد الانتساب من غير تحقيق فلا ينفع.
فقوله: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} ، أي لم يغلوا ولم يتساهلوا في متابعة الصحابة رضي الله عنهم، هذا هو الإحسان، يكون بين الغلو وبين التساهل.
وقال سبحانه وتعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18]، وقال سبحانه وتعالى:{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} هذه صفات الصحابة رضي الله عنهم {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ} يعني صفتهم {فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ} [الفتح: 29] .
الصحابة أول ما بدأ الإسلام كانوا أفرادا قليلين، «سئل النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مكة: من معك على هذا الأمر؟ قال: حر وعبد» ، حر: وهو أبو بكر، وعبد: وهو بلال. هذا أول ما بدأ الإسلام لم يكن معه صلى الله عليه وسلم إلا قليل كما قال صلى الله عليه وسلم: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ» ، بدأ الإسلام على هذا المبدأ ثم تكاثر الصحابة حتى بلغوا مبلغ الكمال.
وقوله تعالى: {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} يعني فراخه، فالحبة الواحدة أول ما تظهر تكون قصبة واحدة، ثم تُفرخ ويصير بجانبها فراخها، الصحابة كذلك أول ما نشؤوا كانوا قلة، ثم تكاثروا مثلما يتكاثر الزرع بالفراخ {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ} يعني قواه وأيده {فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} ارتفع على قصبه {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ} من حسنه، هذه صفة الصحابة رضي الله عنهم.
{لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} ليغيظ بالصحابة الكفار، فالذين يغتاظون من الصحابة ويبغضونهم هم الكفار والمنافقون. واستدل أهل العلم بهذه الآية على أن من يبغض الصحابة فإنه كافر؛ لأن الله قال:{لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} ، وقال سبحانه وتعالى:{لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8] ، وصفهم بأنهم بهذه الأوصاف العظيمة، ثم قال:{أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} ، ثم قال في الأنصار:{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] .
هذه في صفة الأنصار، الآية الأولى في المهاجرين وهذه في الأنصار، ثم قال في التابعين:{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} وهذا يشمل من جاء من بعدهم إلى يوم القيامة: {يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا} يعني: بغضا {لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10] .
هذه صفة أمة محمد صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم القيامة.
فالواجب للصحابة محبتهم، والثناء عليهم، واتباعهم، والاقتداء بهم، وعدم الخوض فيما جرى بينهم في أيام الفتنة، لا تدخل في هذا أبدا أيها المؤمن، ولا تخض فيه، ولا تخطّئ بعضهم وتصوب بعضهم؛ لأنهم مجتهدون رضي الله عنهم يريدون الحق، فعليك أن تمسك لسانك ولا تتكلم فيهم، ويجب أن تحفظ فيهم وصية الله – جل وعلا – ووصية رسوله، قال صلى الله عليه وسلم:«لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» ، وقال عليه الصلاة والسلام:«الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي» ، وحب الصحابة من حب الرسول صلى الله عليه وسلم، فمن أحب الصحابة فقد أحب الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن أبغض الصحابة فقد أبغض الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا الواجب لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم أجمعين.
وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة مع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والذين ضلوا في هذا على فريقين:
* فريق النواصب.
* وفريق الروافض.
فالروافض يكفرون الصحابة ولا يستثنون إلا أربعة من الصحابة هم: علي، وأبو ذر، وسلمان، والمقداد بن الأسود، ويغلون في علي رضي الله عنه ويقولون: إن عليا هو الوصي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن خلافة
أبي بكر باطلة وظلم واغتصاب، وخلافة عمر وعثمان كلها ظلم واغتصاب؛ لأن الخلافة لعلي.
أما النواصب فيبغضون عليا رضي الله عنه ويتكلمون فيه وفي أولاده.
والخوارج كفروا الصحابة جميعا.
وأهل السنة والجماعة يتولون جميع صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، أهل بيت الرسول وغيرهم، يتولونهم جميعا ولا يفرقون بينهم، نعم بعضهم أفضل من بعض، فالخلفاء الراشدون وبقية العشرة المبشرين بالجنة أفضل من غيرهم من الصحابة، وأهل بدر أفضل من غيرهم، وأهل بيعة الرضوان، والمهاجرون أفضل من الأنصار، لكن التفضيل لا يقتضي انتقاص المفضول أو الكلام فيه، كلهم لهم فضل الصحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأهل السنة وسط في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الروافض والخوارج والنواصب، يتولون الجميع، ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويوقرونهم، لكنهم لا يغلون فيهم؛ كغلو الرافضة حتى قالوا: إن الخلافة لعلي ولذريته، وأن الصحابة اغتصبوها وظلموهم، ويلعنون أبا بكر وعمر ويسمونهم. صنمي قريش، - قبحهم الله – وكل آية فيها ظلم وكل آية فيها كفر ينزلونها على الصحابة.
قوله: «وهم وسط في باب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الروافض والخوارج» ، بين الروافض والخوارج، والنواصب أيضا، الخوارج كفروا عليا وعثمان وكثيرا من الصحابة، بينما الروافض على العكس غلوا في علي رضي الله عنه واعتقدوا أنه الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه هو الوصي، وأن الصحابة ظلمة اغتصبوا حقه.
والخوارج كفروا عليا والصحابة، بينما الروافض بالعكس غلوا في علي، حتى إن غلاتهم يقولون: هو الله، والذين دون الغلاة لا يقولون
إنه هو الله، لكن يكفرون الصحابة ويصفونهم بالظلم والطغيان، ويلعنونهم ويشتمونهم، فهم على طرفي نقيض.
أهل السنة والجماعة – كما ذكرنا – تولوا جميع الصحابة وعرفوا قدر أهل البيت، ولم يفرقوا بين أحد منهم عملا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذا هو المذهب في الصحابة رضي الله عنهم، وهم أفضل الأمة، قال صلى الله عليه وسلم:«خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» ، فهم خير القرون، وهم أفضل الأمة، وهم الذين أوصى بهم الله - جل وعلا – وأوصى بهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم الذين نشروا الإسلام لما تحملوه عن الرسول صلى الله عليه وسلم وبلغوه للأمة، من أين وصلنا هذا الإسلام إلا عن طريق الصحابة رضي الله عنهم، هم الواسطة بيننا وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، فالأحاديث كلها رواتها من الصحابة رووها عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
الحاصل: أن هذه عقيدة الشيخ رحمه الله عقيدة أهل السنة والجماعة، والذين يقولون: إن الشيخ خارجي، وأنه يُكفّر، فقد كذبوا عليه.