المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثاني: في ذكر أمثلة وقعت العلة فيها لأجل ضبط الراوي - علم علل الحديث ودوره في حفظ السنة النبوية

[وصى الله عباس]

الفصل: ‌الفصل الثاني: في ذكر أمثلة وقعت العلة فيها لأجل ضبط الراوي

‌الفصل الثاني: في ذكر أمثلة وقعت العلة فيها لأجل ضبط الراوي

من أمثلة عدم الضبط من الثقات المعروفين:

قال ابن معين: حديث أبى البداح يرويه مالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعاء أن يرموا الجمار ليلاً.

ثم قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعاء أن يرموا يوماً ويدعوا يوماً.

قال ابن معين: وكلام سفيان هذا خطأ إنما هو كما قال مالك بن أنس، فكان سفيان لا يضبطه، كان إذا حدث به يقول: ذهب عليّ من هذا الحديث شيء (1) .

ومن أمثلة عدم الضبط من الثقات المعروفين:

ما ذكره عبد الله عن أبيه قال سألت أبي عن حديث هشيم (2) عن حصين عن عمرو بن مرة عن علقمة بن وائل عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرفع، قال: رواه شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن عبد الرحمن اليحصبي عن

(1) تاريخ ابن معين براوية الدوري (1/241- 242) .

(2)

أخرج الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/244)، عن خالد بن عبد الله والبيهقي في سننه من طريق جرير كلاهما عن حصين عن عمروبن مرة قال: دخلت مسجد حضرموت فإذا علقمة بن وائل يحدث عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه قبل الركوع وبعده.

ص: 57

وائل عن النبي صلى الله عليه وسلم، خالف حصين شعبة، شعبة أثبت في عمرو بن مرة من حصين، القول قول شعبة، من أين يقع شعبة على أبي البختري عن عبد الرحمن اليحصبي عن وائل؟

ويبدو في هذا النص أن الإمام أحمد يرى أن حصينا قد أخذ الدرب المعروف والجادة المسلوكة: علقمة بن وائل عن أبيه، وتوهم حصين فيه، وأما شعبة فهو أحفظ وأثبت، فالإسناد كما روى شعبة لا كما روى حصين.

وهذا الباب يحتاج من العالم المتصدي لبيان معرفة طبقات الرواة ومراتب أعيان الثقات وبيان مراتبهم في الحفظ ومن يرجح قوله منهم عند الإطلاق، فيجب على المحدث أن يعتني بمعرفة مراتبهم ومن أوثق من غيره في فلان ومَنْ كان يخطئ في فلان (1) .

ويدخل هذا الباب في الشاذ أيضاً حيث تكون الموازنة بين الحافظ والأحفظ، كما يأتي إن شاء الله أمثلته.

ومثال عدم الضبط في المتن: رفع ما ليس بمرفوع.

حديث: أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر وأصدقهم حياءً عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل. ألا وإن لكل أمة أمينا، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.

ذكر ابن حجر في "التلخيص الحبير" طرفاً منه ثم قال: “أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان من حديث أبي قلابة عن أنس: "أرحم أمتي

(1) ينظر هذا الباب في شرح علل الترمذي لابن رجب (ص 47) وما بعدها.

ص: 58

بأمتي أبو بكر

" الحديث وفيه "وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت" صححه الترمذي والحاكم وابن حبان، وفي رواية للحاكم "أفرض أمتي زيد" وصححها أيضاً، وقد أعلَّ بالإرسال، وسماع أبي قلابة من أنس صحيح إلا أنه قيل لم يسمع منه هذا.

وقد ذكر الدارقطني الاختلاف فيه على أبي قلابة في العلل ورجح هو وغيره كالبيهقي والخطيب في المدرج أن الموصول منه ذكر أبي عبيدة، والباقي مرسل" (1) .

ورجح ابن المواق وغيره رواية الموصول.

وأخرج البخاري في باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح من طريق خالد عن أبي قلابة جزء “إن لكل أمة أمينا

” إلخ فقط.

قال ابن حجر في الفتح بعد ذكر الحديث بكامله: “إسناده صحيح. إلا أن الحفاظ قالوا: إن الصواب في أوله الإرسال والموصول منه ما اقتصر عليه البخاري والله أعلم” (2) .

ومن أوهام الثقات: رواية الإسناد لمتن آخر.

قال ابن أبي حاتم: “سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه محمد بن مصعب القرقساني عن الأوزاعي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بشاة ميتة قد ألقاها أهلها فقال: ”زوال الدنيا أهون على الله من هذه على أهلها”.

(1) التلخيص الحبير (3/ 79) .

(2)

فتح الباري (7/ 92- 93) مع صحيح البخاري.

ص: 59

فقالا: هذا خطأ إنما هو: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بشاة ميتة فقال: "ما على أهل هذه لو انتفعوا بإهابها".

فقلت لهما: الوهم ممن؟ قالا: من القرقساني” (1) .

وبه عَلَّلَه الإمام أحمد، كما في "المنتخب من العلل" للخلال (2) .

وبه علله ابن حبان في المجروحين فقال: وهذا المتن بهذا الإسناد باطل (3) .

ومما يدخل في عدم تمام الضبط: الاضطراب.

وهذه العلة من الأسباب الخفية المضعفة لحديث الراوي، لأنها لا تظهر، إلا بجمع الطرق والأسانيد كما تقدم في الباب الأول، ومعرفة الاختلاف على الراوي الذي عليه مدار الرواية، حتى يتعين موضع الاضطراب في السند أو المتن، وممن هو؟

مثاله: ما أخرجه ابن أبي شيبة ومن طريقه ابن ماجه والدارقطني وأحمد كلهم من طريق وكيع عن حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت عن عراك بن مالك عن عائشة قالت: ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة فقال: "أراهم قد فعلوا استقبلوا بمقعدتي القبلة"(4) .

وأورده ابن أبي حاتم (5) من طريق حماد وفيه عن عراك سمعت عائشة مرفوعاً.

(1) علل الحديث لابن أبي حاتم (2/ 135) .

(2)

المنتخب من العلل (ص 43) .

(3)

المجروحين (2/ 294) .

(4)

مصنف ابن أبي شيبة (1/ 11) ، وسنن ابن ماجه (1/205) ، ومسند أحمد (6/137) وسنن الدارقطني (1/ 60) .

(5)

العلل (1/ 29) .

ص: 60

قال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: هذا حديث فيه اضطراب والصحيح عندي عن عائشة من قولها (1) .

وكذا أشار ابن حجر إلى الاضطراب في هذا الحديث في ترجمة خالد بن أبي الصلت (2) .

ولا يظهر هذا الاضطراب إلا بعد جمع طرق الحديث، فجمعناها فوجدنا الاضطراب فيه واضحاً.

1-

فقد أخرجه أحمد في مسنده عن عبد الوهاب الثقفي، ثنا خالد عن رجل عن عمر بن عبد العزيز أنه قال:"ما استقبلت القبلة بفرجي منذ كذا وكذا " فحدث عراك بن مالك عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم (3) قال .... وكذا عند الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق حماد عن خالد.

2-

وأخرجه الطحاوي أيضاً من طريق آخر عن حمّاد عن خالد الحذّاء عن خالد بن أبي الصلت وفيه، فحدث عراك بن مالك عن عروة بن الزبير عن عائشة مرفوعاً (4) .

فزاد فيه عروة بن الزبير، بين عراك وعائشة.

3-

وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير، من طريق وهب عن خالد عن رجل أن عراكاً حدث عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم (5) .

(1) زاد المعاد (2/ 385) تحقيق شعيب الأرناؤوط.

(2)

تهذيب التهذيب (3/ 97- 98) .

(3)

مسند أحمد (6/183) ، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (1/151) ، بهذا الإسناد قول عمر بن عبد العزيز فقط وشرح معاني الآثار (4/ 234) .

(4)

شرح معاني الآثار (4/234) .

(5)

التاريخ الكبير (2/158) ، وينظر تهذيب السنن لابن القيم (1/21) ، وتحفة الأحوذي (1/19) .

ص: 61

فهذه الألفاظ المختلفة عن خالد بن أبي الصلت، تدل على عدم ضبطه واضطرابه، فالاضطراب من العلل الخفية التي لا تظهر إلا بالمتابعات وجمع الطرق والشواهد، ومعرفة الراوي الذي عليه مدار الاختلاف لمعرفة صاحب العهدة في الاضطراب.

ومن أمثلة المضطرب:

سئل الداقطني عن حديث المسور بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن جده عبد الرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم " لا يغرم السارق" فقال: يرويه مفضل بن فضالة واختلف عنه:

1-

فقيل عنه عن يونس بن يزيد عن سعد بن إبراهيم عن أخيه المسور عن عبد الرحمن بن عوف.

2-

وقيل عنه عن المسور عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف ولا يثبت القول.

3-

وقيل عنه عن سعيد بن إبراهيم قال أبو صالح الحراني: كذا كان في كتاب المفضل عن سعيد بن إبراهيم.

4-

وقيل عنه عن يونس عن الزهري عن سعيد بن إبراهيم ولا يصح هذا القول.

5-

وقال ابن لهيعة عن سعيد بن إبراهيم عن المسور بن مخرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولا يصح أيضاً، وهو مضطرب غير ثابت (1) .

(1) العلل الواردة في الأحاديث (4/ 294- 295) .

ص: 62

فقد حكم الدارقطني رحمه الله على الحديث بالاضطراب، وجعل العهدة فيه على المفضل بن فضالة لكون مدار الاختلاف عليه، فهو الذي اضطرب. وروى عن يونس على أوجه مختلفة لا يمكن ترجيح بعضها على بعض وشرحها ودراستها تطول.

ومن أمثلة المضطرب ما ذكره ابن أبي حاتم في علله قال:

1-

"سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه المبارك بن فضالة عن عبد الله ابن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين مَوْجُوءَيْن (1) " الحديث.

2-

وروى هذا الحديث حماد بن سلمة عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبيه جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم.

3-

وروى هذا الحديث الثوري فقال: عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن أبي سلمة عن أبي هريرة أو عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

4-

ورواه عبيد الله بن عمر وسعيد بن سلمة فقالا: عن عبد الله بن محمد ابن عقيل عن علي بن حسين عن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم.

قلت لأبي زرعة: فما الصحيح؟ قال: ما أدري، ما عندي في ذا شيء.

قلت لأبي: ما الصحيح؟ قال أبي: ابن عقيل لا يضبط حديثه.

قلت: فأيهما أشبه عندك؟ قال: الله أعلم.

قال أبو زرعة: هذا من ابن عقيل، الذين رووا عن ابن عقيل كلهم ثقات” (2) .

(1) أي: خَصِيَّيْن. (النهاية: وجأ) .

(2)

علل الحديث لابن أبي حاتم (2/ 39- 44) .

ص: 63

فهذا الحديث روي من أربعة وجوه كلها مختلفة، فرأى أبو زرعة أن العهدة فيه على ابن عقيل، هو الذي لم يضبط، وكان يخلط، وذكره الدارقطني في العلل وقال “والاضطراب فيه من ابن عقيل” (1) .

(1) العلل الواردة في الأحاديث (9/ 319- 320) .

ص: 64