الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وجوه الإعجاز في القرآن الكريم
أولا: إعجازه في بلاغته وفصاحته
…
وجوه الإعجاز في القرآن الكريم
نستطيع مما سبق عرضه من كتابات العلماء قديما وحديثا في إعجاز القرآن ان نستخلص ما عدوه وجوهاً لهذا الإعجاز، ذكروها صراحة واستقلالاً وبينوها، أو أشاروا إليها ضمنا وأوجزوها، وهذه الوجوه نذكرها فيما يلي:
أولا: إعجازه في بلاغته وفصاحته
لعل إعجاز القرآن الكريم بلفظه من أهم وجوه إعجازه إذا لم يكن أهمها على الإطلاق، لأنه يتعلق بالقرآن ذاته في بنيته اللغوية لا ينفك عنها، ولا يرتبط –كما سيأتي بيانه في وجوه أخرى- بحال المنزل عليه، أو حال المخاطبين، أو الفترات الزمانية، ومن ثم كان هذا الوجه أول ما تناوله العلماء بالبحث، وكان قدرا مشتركاً بينهم في الحديث عن الإعجاز، كما أفردوه بالتنصيف مثل الباقلاني في (إعجاز القرآن) والجرجانى في دلائل الإعجاز، والرافعى في (إعجاز القرآن) والشيخ محمد عبد الله دراز في (النبأ العظيم) أوجعلوه أكثر الأوجه بياناً إذا تكلموا فيه مع غيره، ولهذا أيضا كان حقيقا بالبدء به وجعله في صدارة وجوه الإعجاز.
وبداية نقول:إنه لم يبلغ نمط من أنماط كلام العرب فيما قالوه شعراً أو نثرا، أياً كانت قوته بلاغة وفصاحة أن يكون قريبا من بلاغة القرآن وفصاحته، فقد بلغ القرآن في مضمار البلاغة والفصاحة الطرف الأعلى، وهو ما يمكن أن نسميه حدَّ الإعجاز، لأن هذا كان الميدان الذى تحدَّى القرآن فيه العرب، وهم فرسانه، ولقد اطرد هذا التفوق اللغوى في القرآن سورة سورة،
وآية آية، ومن ثم كان التحدى فيه أن يأتوا بسورة من مثله مما ينطبق على طويل السور وقصيرها.
وأصدق دليل على هذا الإعجاز موقف مَن تحَّداهم القرآن من فصحاء العرب من هذا التحدى عجزاً واستسلاماً مع حرصهم على تكذيب القرآن، وللقاضى عياض في ذلك عبارات جامعة تذكر جانبا من هذا الموقف في العجز، والاعتراف بإلهية المصدر القرآني- رغم الجحود والكفر-وأمثلة يسيرة تشهد لذلك نذكرها بنصها لتمام الفائدة.
قال رحمه الله تعالى: (فلم يزل صلى الله عليه وسلم يقرعهم أشد التقريع، ويوبخهم غاية التوبيخ، ويسفه أحلامهم، ويحط أعلامهم، ويشتت نظامهم، ويذم آلهتهم وإياهم، ويستبيح أرضهم وديارهم وأموالهم، وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته، محجمون عن مماثلته، يخادعون أنفسهم بالتشغيب بالتكذيب، والإغراء بالافتراء، وقولهم: إن هذا إلا سحر يؤثر، وسحر مستمر، وإفك افتراه، وأساطير الأولين، والمباهتة والرضى بالدنيئة كقولهم: قلوبنا غلف، وفي أكنة مما تدعونا إليه، وفي آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب، ولا تسمعوا لهذا القرآن والغَوا فيه لعلكم تغلبون، والادعاء مع العجز بقولهم: لو نشاء لقلنا مثل هذا، وقد قال لهم الله "ولن تفعلوا" فما فعلوا ولا قدروا، ومن تعاطى ذلك من سخفائهم كمسيلمة كشف عواره لجميعهم، وسلبهم الله ما ألفوه من فصيح كلامهم، وإلا فلم يخف على أهل الميز منهم أنه ليس من نمط فصاحتهم، ولا جنس بلاغتهم، بل ولّوا عنه مدبرين، وأتوا مذعنين من بين مهتد وبين مفتون، ولهذا لما سمع الوليد بن المغيرة من النبي صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ} (النحل: 90) . الآية قال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، ما يقول هذا بشر، وذكر أبو عبيد
أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} (الحجر: 94) . فسجد وقال: سجدت لفصاحته، وسمع رجلاً آخر يقرأ {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً} (يوسف:80) . فقال:أشهد أن مخلوقاً لا يقدر على مثل هذا الكلام) (1) .
وإذا كان العرب -وهم بهذه المنزلة بلاغة وفصاحة-قد عجزوا هذا العجز التام المطبق، فغيرهم أشد عجزاً، وأبعد هزيمة.
لقد عنى العلماء بإبراز بلاغة القرآن في هذا المضمار تطبيقا، ولو تتبعنا ذلك من خلال أبواب البلاغة المتعارف عليها لاستغرق ذلك تفسير القرآن كله، ولكن حسبنا أمثلة في أبرز مجالاتها، وهى الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، نذكرها موجزة غير مطولة:
فمن أشهر ما ضربوه مثلا في باب الإيجاز قول الله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} (البقرة:179) . فإنهم قارنوه بما استحسنوه من كلام العرب: (القتل أنفى للقتل) فظهر البون شاسعا، والتفاوت بعيداً في البلاغة والإيجاز كليهما، وذلك من وجوه أربعة: أولها: أن عبارة القرآن أكثر فائدة مما قاله العرب لاشتمالها على ما قالوه مع زيادة معان حسنة، منها إبانة العدل لذكره القصاص، وإبانة الغرض المرغوب فيه لذكره الحياة، ومنها الاستدعاء بالرغبة والرهبة لحكم الله به، الثانى: أنها أوجز، فإن عبارة القرآن (القصاص حياة) عشرة أحرف، وأما (القتل أنفي للقتل) فأربعة عشر حرفاً، الثالث: بعد عبارة القرآن عن الكلفة بالتكرير الشاق على النفس، والرابع: حسنها بتأليف الحروف المتلائمة، وهو مدرك بالحس، وموجود في اللفظ، فإن الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة، لبعد الهمزة من اللام، وكذلك الخروج من الصاد إلى الحاء أعدل من الخروج من الألف إلى اللام،
(1) الشفا: 1/219،220
فباجتماع هذه الأمور كان القرآن أبلغ وأحسن، وإن كانت عبارة العرب بليغة.
وأما التشبيه: فمن أشهر ما ذكروه فيه قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (النور:39) .
ففيه إخراج مالا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه، وقد اجتمعا في بطلان المتوهم مع شده الحاجة إليه، ولو قيل في معناه: يحسبه الرائى ماءً ثم يظهر أنه على خلاف ما قدّر لكان بليغا، وأبلغ منه لفظ القرآن،لأن الظمآن أشد حرصا على تحقيق حسبانه، وتعلق قلبه به، ثم بعد هذه الخيبة حصل على الحساب الذى يصيره إلى عذاب الأبد في النار، وتشبيه أعمال الكفار بالسراب من حسن التشبيه، فكيف إذا ضمن مع ذلك حسن النظم، وعذوبة اللفظ، وكثرة الفائدة، وصحة الدلالة؟
وأما الاستعارة: فقد أوردوا فيها قول الله تعالى {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً} (مريم:4) .فأصل الاشتعال للنار، لكنه في هذا الموضع أبلغ، وحقيقته كثرة الشيب في الرأس، إلا أن الكثرة لما كانت تتزايد تزايداً سريعا صارت في الانتشار والإسراع كاشتعال النار، وله موضع في البلاغة عجيب، وذلك أن انتشار الشيب في الرأس لا يتلافى كاشتعال النار (1) .
ويعد الباقلانى كذلك من أبرز من سلكوا هذا الباب في الموازنة بين ما ورد في القرآن من ضروب البلاغة وبين أبلغ ما حفظ عن العرب من ذلك
(1) للمزيد من ذلك يراجع (النكت في إعجاز القرآن) للرماني، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن:ص 76 وما بعدها.
مما عُدّ في أقصى درجاتها، وذلك في الفصلين السابع والثامن من كتابه (إعجاز القرآن) .
لقد ظل القرآن أسلم وأبعد ما يكون في فصاحته وبلاغته عن أي طعن من فصحاء العرب رغم تشوف كفارهم إلى ذلك، ورغم أن انتقاد الكلام، كان دأبهم شعراً ونثراً، واستدراك بعضهم على بعض كان ديدينهم رغم قلة الدواعي.
ومما ورد في ذلك ما ذكره الرافعي من استدراك الخنساء على حسان ابن ثابت في شعر أنشده بعكاظ، قال فيه:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى
…
وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
ولدنا بنى العنقاء وابن محرق
…
فأكرم بناخالاً وأكرم بنا ابنما
فقالت الخنساء: ضعف افتخارك، وأبرزته في ثمانية مواضع،قال: وكيف؟ قالت: قلت"لنا الجفنات" والجفنات ما دون العشر، فقللت العدد، ولو قلت " الجفان" لكان أكثر، وقلت:"الغر" والغرة البياض في الجبهة، ولو قلت:"البيض" لكان أكثر اتساعاً، وقلت:"يلمعن" واللمع شيء يأتى بعد الشيء، ولو قلت "يشرقن" لكان أكثر، لأن الإشراق أدوم من اللمعان، وقلت:"بالضحى" ولو قلت: "بالعشية" لكان أبلغ في المديح، لأن الضيف بالليل أكثر طروقاً،وقلت:"أسيافنا"، والأسياف دون العشر، ولوقلت:"سيوفنا" كان أكثر، وقلت:"يقطرن" فدللت على قلة القتل، ولوقلت:"يجرين" لكان أكثر، لانصباب الدم، وقلت "دما" والدماء أكثر من الدم، وفخرت بمن ولدت، ولم تفتخر بمن ولدوك) (1) .
(1) إعجاز القرآن للرافعى: هامش ص 225.